← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم. ومعنى قوله في هذا لحديث؟: من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت، وكأنه ﷺ خشي إذا قام بابلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧] الآية والمقصود أن رسول الله ﷺ استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج. يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء. وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول الله ﷺ أحب خلق الله إليه طبعا وكان يحنو عليه ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولاجترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار (١). وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا، فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب. ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب. تتضمن أنه يصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب. قال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه. قال: أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليا فأسلم - قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز [يمشي بين ظهراني الناس] (٢) وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه (٣). وقال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر (٤) الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن (٥)

стр. 877

القطان، حدثنا أبو الأزهر: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمر (١) عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلي. قال: رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت من هذا؟ قيل هذا أبو لهب. ثم رواه من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى (٢). كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، وسجاياه، واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى بن (٣) عبد الله عن موسى بن طلحة، أخبرني عقيل بن أبي طالب. قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا. فقال: يا عقيل انطلق فأتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس (٤) - أو قال خنس - يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء. فقال: " ترون هذه الشمس؟ " قالوا نعم! قال: " فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعل (٥) منه بشعلة ". فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا. رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير. ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه (٦) -. ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن

стр. 878

عتبة (١) بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث. أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ . فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق أنا ولا أنت. فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك. فظن رسول الله ﷺ : أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه. فقال رسول الله ﷺ : " يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري (٢) ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الامر برسول الله ﷺ : يا ابن أخي فأقبل عليه، فقال أمض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشئ أبدا. قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك: والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسد في التراب دفينا فأمضي لأمرك ما عليك غضاضة … أبشر وقر بذاك منك عيونا (٣) ودعوتني وعلمت أنك ناصحي … فلقد صدقت وكنت قدم أمينا (٤) وعرضت دينا قد عرفت بأنه … من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة … لوجدتني سمحا بذاك مبينا ثم قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا، وفي [كل] ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه (٥). وقال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق [قال]: حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضع (٦) وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله ﷺ فلما قام رسول الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لاجلس له غدا بحجر، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل - لعنه الله - أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا

стр. 879

رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان قبلته الشام (١). فكان إذا صلى صلى بين الركنين الأسود واليماني (٢)، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟ فقال قمت إليه لافعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: " ذلك جبريل، ولو دنا منه لاخذه " (٣). وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر (٤) [محمد بن محمد بن يوسف] الفقيه، حدثنا عثمان [بن سعيد] الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح [قال] حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله علي إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله ﷺ فقرأ (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق) فلما بلغ شأن أبي جهل (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سد أفق السماء علي فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " لو فعل لاخذته الملائكة عيانا ". ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق

стр. 880

به (١). قال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس. قال، مر أبو جهل بالنبي ﷺ وهو يصلي. فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني، فانتهزه النبي ﷺ . فقال جبريل: (فليدع ناديه سندع الزبانية) والله لو دعا ناديه لاخذته زبانية العذاب. وراه (ورواه) أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق داود به (٢). وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلي لاتيته حتى أطأ عنقه، قال فقال: " لو فعل لاخذته الزبانية عيانا ". وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس. قال قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلى عند المقام لأقتلنه، فأنزل الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) حتى بلغ من الآية: (لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية). فجاء النبي ﷺ يصلي فقيل ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم! قال: فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص (٣) على عقبيه، ويتقي بيديه، قال فقيل له مالك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. قال فقال رسول الله ﷺ : " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ". قال وأنزل الله تعالى - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) إلى آخر السورة (٤). وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله [بن مسعود]. قال: ما رأيت رسول الله ﷺ دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه. فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة بن أبي معيط: أنا،

стр. 881

فأخذه فألقاه على ظهره. فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره. فقال رسول الله ﷺ : " اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف - أو أمية بن خلف - " شعبة الشاك قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبي - أو أمية بن خلف - فإنه كان رجلا ضخما فتقطع. وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه ومسلم من طرق عن أبي (١) إسحاق به. والصواب أمية بن خلف فإنه الذي قتل يوم بدر، وأخوه أبي إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه - والسلا هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة. وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا (٢) حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله. وفيه أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملة وعين في دعائه سبعة. وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، وأخوه شيبة أبنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف. قال أبو (٣) إسحاق: ونسيت السابع. قلت: وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري (٤) قصة الإراشي قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي. قال: قدم رجل من إراش (٥) بإبل له إلى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها. فأقبل

стр. 882

الإراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد. فقال: يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك - يهزون به (١) إلى رسول الله ﷺ لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة، إذهب إليه فهو يعديك عليه. فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقام معه. فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال محمد فأخرج! فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم (٢)، وقد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: لا تبرح حتى أعطيه الذي له. قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ وقال للإراشي إلحق لشأنك. فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خير، فقد أخذت (٣) الذي لي، وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال: اعط هذا الرجل حقه. فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه [إياه]. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك مالك فوالله ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بأبي وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فوالله لو أبيت لأكلني (٤). فصل وقال البخاري: حدثنا عباس (٥) بن الوليد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم [بن الحارث] التيمي، حدثني عروة بن الزبير. سألت ابن [عمرو بن] العاص فقلت: أخبرني بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله؟ قال: بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) [المؤمنين: ٢٨] الآية. تابعه ابن إسحاق قال أخبرني يحيى بن عروة عن أبيه قال: قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص. قال

стр. 883

البيهقي وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة. انفرد به البخاري. وقد رواه في أماكن من صحيحه وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة (١). وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم (٢) عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة. قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته (٣)؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه (٤) على أمر عظيم - أو كما قال - قال فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال (٥): " أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ". فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع (٦) حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه [أحسن ما يجد من القول] حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول. فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم على ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : " نعم أنا الذي أقول ذلك " ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي (٧) دونه ويقول: ويلكم (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط.

стр. 884

فصل في تأليب الملا من قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال " (١). وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به وقال الترمذي حسن صحيح. وقال محمد بن إسحاق: وحدب (٢) على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لدينه (٣) لا يرده عنه شئ، فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البختري - واسمه العاص بن هشام (٤) بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل - واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، ونبيه ومنبه، ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد (٥) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم. قال ابن إسحاق أو من مشى منهم. فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا،

стр. 885

فإما أن تكفه عنا، وأما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه؟ فقال لهم أبو طالب: قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى (١) الامر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه، ثم أنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى. فقالوا [له]: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا [له]- ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا باسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث: أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني، فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له، فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الامر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بدو (٢) وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه قال فقال له رسول الله ﷺ : " يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته " قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب. فقال: أقبل يا بن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ . فقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمتك لشئ أبدا. قال ابن إسحاق ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له - فيما بلغني -: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك؟ وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل! قال: والله لبئس ما تسومونني؟ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا؟ فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك - أو كما قال - فحقب (٣) الامر، وحميت

стр. 886

الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضها. فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي، ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم … ألا ليت حظي من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه … يرش على الساقين من بوله قطر (١) تخلف خلف الورد ليس بلاحق … إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر (٢) أرى أخوينا من أبينا وأمنا … إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر بل لهما أمر ولكن تحرجما … كما حرجمت من رأس ذي علق الصخر (٣) أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا … هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما … فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (٤) هما أشركا في المجد من لا أبا له … من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم … وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر فوالله لا تنفك منا عداوة … ولا منكم ما دام من نسلنا شفر (٥) قال ابن هشام: وتركنا منها بيتين أقذع فيهما. فصل في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسول الله ﷺ بعمه أبي طالب. وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون، في بني هاشم وبني عبد المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله

стр. 887

الملعون]. فقال (١) في ذلك يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة رسول الله ﷺ : إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر … فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت اشراف عبد منافها … ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فان محمدا … هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها … علينا فلم تظفر وطاشت حلومها (٢) وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذ ما ثنوا صعر الرقاب نقيمها (٣) ونحمي حماها كل يوم كريهة … ونضرب عن أحجارها من يرومها (٤) بنا انتعش العود الذواء وإنما … بأكنافنا تندى وتنمى أرومها (٥) فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله ﷺ ، وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدي والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون. قال الله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) [الانعام: ١٠٩ - ١١١] وقال تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)

стр. 888

[يونس: ٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) [الاسراء: ٥٩]. وقال تعالى: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) [الاسراء: ٩٠ - ٩٣] وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد. وقد روى يونس وزياد (١) عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم - وهو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبي محمد - عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس. قال: اجتمع علية من أشراف قريش - وعدد أسماءهم (٢) - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، [فأتهم] فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء (٣)، وكان [عليهم] حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم. فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك (٤)، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكان يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا [لك] أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك؟ فقال [لهم] رسول الله ﷺ : " ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " أو كما قال رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق

стр. 889

بلادا، ولا أقل ماء (١)، ولا أشد عيشا منا. فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول: أحق هو أو باطل؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم رسول الله ﷺ : " ما بهذا بعثت [إليكم] إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " قالوا فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم: " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة. وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". قالوا فاسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل فقال: " ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك " فقالوا: يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك قام رسول الله ﷺ عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب - فقال [له]: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله. ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله [ويصدقوك ويتبعوك] فلم تفعل، [ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله، فلم تفعل] ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب. فوالله لا أو من لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة ومنشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك (٢). ثم انصرف عن رسول الله ﷺ وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته بما طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه (٣). وهذا

стр. 890

المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملا مجلس ظلم وعدوان وعناد، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة الربانية، ألا يجابوا إلى ما سألوا لان الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب * كما قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم. قال: " لا بل أستأني بهم " فأنزل الله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) [الاسراء: ٥٩] الآية. وهكذا رواه النسائي من حديث جرير (١). وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن حكيم، عن ابن عباس. قال: قالت قريش للنبي ﷺ : أدع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال وتفعلوا؟ قالوا نعم قال فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال: " بل التوبة والرحمة ". وهذان إسنادان جيدان، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد. وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، عن القاسم عن (٢) أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا يا رب أشبع يوما وأجوع يوما - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " لفظ أحمد. وقال الترمذي هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدثني شيخ من أهل مصر (٣) - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره وبعض قوله، وقالا إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال فقالت له أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث

стр. 891

عجيب (١)، وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان [نبؤه] (٢)، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبراهم بها، فجاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا. فسألوه عما أمروهم به. فقال لهم رسول الله ﷺ : " أخبركم غدا بما سألتم عنه " ولم يستثن. فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة (٣) لا يحدث له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف (٤) أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من الله بسورة [أصحاب] (٥) الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم [وخبر] (٥) ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقال الله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [الاسراء: ٨٥]. وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك. ونزل قوله: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) ثم شرع في تفصيل أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت) ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر، ثم ذي القرنين ثم قال: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) ثم شرح أمره وحكى خبره. وقال في سورة سبحان: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) أي خلق عجيب من خلقه، وأمر من أمره، قال لها كوني فكانت. وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الامر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته، ولهذا قال: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) وقد ثبت في الصحيحين (٦) أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية - فإما أنها نزلت مرة ثانية أو

стр. 892

ذكرها جوابا - وإن كان نزولها متقدما ومن قال إنها إنما نزلت بالمدينة واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر، والله أعلم. قال ابن إسحاق: ولما خشي أبو طالب دهم (١) العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله ﷺ ، ولا تاركه لشئ أبدا حتى يهلك دونه. فقال: ولما رأيت القوم لا ود فيهم … وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى … وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة … يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة … وأبيض غضب من تراث المقاول (٢) وأحضرت عند البيت رهطي وأخوتي … وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه … لدى حيث يقضي حلفه كل نافل (٣) وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الأعضاد أو قصراتها … مخيسة بين السديس وبازل (٤) ترى الودع فيها والرخام وزينة … بأعناقها معقودة كالعثاكل (٥) أعوذ برب الناس من كل طاعن … علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة … ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق ليرقى في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة … وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه … إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا … وما فيهما من صورة وتماثل (٦) ومن حج بيت الله من كل راكب … ومن كل ذي نذر ومن كل راجل

стр. 893

وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له … الإل إلى مفضي الشراج القوابل (١) وتوقافهم فوق الجبال عشية … يقيمون بالأيدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى … وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه … سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها … يؤمون قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية … تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له … وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الرماح وسرحه … وشبرقه وخد النعام الجوافل (٢) فهل بعد هذا من معاذ لعائذ … وهل من معيذ يتقي الله عادل يطاع بنا أمر العدا ود أننا … يسد بنا أبواب ترك وكابل (٣) كذبتم وبيت الله نترك مكة … ونظعن الا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبذي محمدا … ولما نطاعن دونه ونناضل (٤) ونسلمه حتى نصرع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم بالحديد إليكم … نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (٥) وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه … من الطعن فعل الأنكب المتحامل (٦) وإنا لعمر الله إن جد ما أرى … لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع … أخي ثقة حامي الحقيقة باسل (٧)

стр. 894

شهورا وأياما وحولا محرما … علينا وتأتي حجة بعد قابل (١) وما ترك قوم - لا أبالك - سيدا … يحوط الذمار غير ذرب مواكل (٢) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … نمال (تمال) اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وتكره … إلى بغضنا وجزانا لآكل (٣) وعثمان لم يربع علينا وقنقذ … ولكن أطاعا أمر تلك القبائل (٤) أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم … ولم يرقبا فينا مقالة قائل (٥) كما قد لقينا من سبينع ونوفل … وكل تولى معرضا لم يجامل (٦) فان يلفيا أو يمكن الله منهما … نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا … ليظعننا في أهل شاء وجامل يناحي بنا في كل ممسى ومصبح … فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلي لنا بالله ما أن يغشنا … بلى قد تراه جهرة غير خائل (٧) أضاق عليه بغضنا كل تلعة … من الأرض بين أخشب فمجادل وسائل، أبا الوليد ماذا حبوتنا … بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرءا ممن يعاش برأيه … ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح … حسود كذوب مبغض ذي دغاول (٨) ومر أبو سفيان عني معرضا … كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه … ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه … شفيق ويخفي عارمات الدواخل أمطعم لم أخذ لك في يوم نجدة … ولا معظم عند الأمور الجلائل

стр. 895

ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة … أولى جدل من الخصوم المساجل (١) أمطعم إن القوم ساموك خطة … وإني متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل يميران قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل (٢) لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني خلف قيضا بنا والغياطل (٣) ونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا … علينا العدى من كل طمل وخامل (٤) فعبد مناف أنتم خير قومكم … فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم … وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم … الآن أحطاب أقدر ومراجل (٥) ليهن بني عبد مناف عقوقنا … وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم … وتحتلبوها لقحة غير باهل (٦) فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا … وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل (٧) ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة … إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم … لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده … لعمري وجدنا غبة غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة … براء إلينا من معقة خاذل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب … زهير حساما مفردا من حمائل (٨) أشم من الشم البهاليل ينتمي … إلى حسب في حومة المجد فاضل

стр. 896

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد … وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل … إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش … يوالي إلها ليس عنه بغافل كريم المساعي ماجد وابن ماجد … له إرث مجد ثابت غير ناصل وأيده رب العباد بنصره … وأظهر دينا حقه غير زائل (١) فوالله لولا أن أجئ بسبة … تجر على أشياخنا في المحافل لكنا تبعناه على كل حالة … من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب … لدينا ولا يعنى بقول الا باطل فأصبح فينا أحمد في أرومة … يقصر عنها سورة المتطاول (٢) حدبت بنفسي دونه وحميته … ودافعت عنه بالذرى والكلاكل قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها. قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم (٣) ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم، فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الاسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، [فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة] (٤) ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد ﷺ ، تعبد اللات والعزى فيقول: - وهو في ذلك - أحد أحد. قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك، وهو يقول أحد أحد، فيقول أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني

стр. 897

جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا (١). قلت: قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول (يا أيها المدثر) فكيف يمر ورقة ببلال، هو يعذب وفيه نظر (٢). ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود فاعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والإماء، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس (٣) التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها، والنهدية وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت حل أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال فبكم هما؟ قالت بكذا وكذا. قال قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: [أو] ذلك إن شئتما. واشترى جارية بني مؤمل - حي من بني عدي - كان عمر يضربها على الاسلام. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله. قال قال أبو قحافة لابنه أبي بكر: يا بني إني أراك تعتق ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعنونك (يمنعونك) ويقومون دونك؟ قال فقال أبو بكر: يا أبة إني إنما أريد ما أريد. قال: فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) إلى آخر السورة (٤). وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود. قال أول من أظهر الاسلام سبعة، رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه [أبي طالب]، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا (٥).

стр. 898

قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة. فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول - فيما بلغني -: " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة " (١) وقد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل، حدثنا السرى بن خزيمة، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: " أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة " (٢) فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الاسلام. وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد. قال: أول شهيد كان في أول الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها (٣). وهذا مرسل. قال محمد بن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن (٤) رأيك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به لعنه الله وقبحه. قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال نعم والله! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي [نزل] به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له، اللات والعزى إلهان من دون الله فيقول نعم! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم. قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم) [النحل: ١٠٦] الآية فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت. قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت

стр. 899

ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك؟ فأنزل الله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا) إلى قوله: (ويأتينا فردا) [مريم: ٧٧ - ٨٠] أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الأعمش به (١). وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث. وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان وإسماعيل (٢). قالا: سمعنا قيسا يقول سمعت خبابا يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت [يا رسول الله] ألا تدعو الله [لنا]؟ فقعد وهو محمر وجهه. فقال: " قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله " زاد بيان " والذئب على غنمه " وفي رواية " ولكنكم تستعجلون " انفرد به البخاري دون مسلم (٣). وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وابن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب عن خباب. قال شكونا إلى النبي ﷺ شدة الرمضاء فما أشكانا - يعني في الصلاة - وقال ابن جعفر: فلم يشكنا. وقال أيضا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبابا يقول: شكونا إلى رسول الله ﷺ الرمضاء فلم يشكنا، قال شعبة يعني في الظهيرة. ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب. قال شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء - زاد البيهقي في وجوهنا وأكفنا - فلم يشكنا. وفي رواية شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا. وروا ابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الأعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب. قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا. والذي يقع لي - والله أعلم - أن هذا

стр. 900

الحديث مختصر من الأول وهو أنهم شكوا إليه ﷺ ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه ﷺ أن يدعو الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الامر ويظهره ويعلنه وينشره وينصره في الأقاليم والآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. ولهذا قال شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في وجوهنا واكفنا فلم يشكنا، أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الابراد أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر والله أعلم. باب مجادلة المشركين رسول الله ﷺ وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا قال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس. أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، قال لم؟ قال ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله، قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له [أو أنك كاره له]. قال وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالاشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكر. قال: إن هذا إلا سحر يؤثر بأثره عن غيره فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) [المدثر: ١١ - ١٣] الآيات هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد [بن علي] الصنعاني بمكة عن إسحاق به. وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا (١). فيه أنه قرأ عليه: (إن الله يأمر بالعدل

стр. 901

والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النحل: ٩٠] وقال البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، [قال]: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير - أو عكرمة عن ابن عباس - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم (١) فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس، فقل، وأقم لنا رأيا نقوم به (٢)، فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. فقالوا نقول كاهن؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان. فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا نقول مجنون؟ فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقالوا (٣) نقول شاعر؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر: برجزه وهزجه، وقريضه ومقبوضه، ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا فنقول هو ساحر؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجني فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وان أقرب القول لان تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) [المدثر: ١١ - ١٣] الآيات وفي أولئك النفر (الذين جعلوا القرآن عضين، فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (٤) [الحجر: ٩١ - ٩٣]. قلت: وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) [الأنبياء: ٥] فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شئ يقولونه باطل، لان من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ. قال الله تعالى: (أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) [الاسراء: ٤٨]. وقال الامام عبد بن حميد في مسنده حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح - وهو ابن عبد الله الكندي - عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله. قال: اجتمع قريش يوما فقالوا أنظروا

стр. 902

أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله فسكت رسول الله ﷺ . فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ . قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة (١) قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى: أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله ﷺ : " فرغت؟ " قال نعم! فقال رسول الله ﷺ : (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) إلى أن بلغ: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) [فصلت: ٢ - ٣]. فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا؟ قال لا، فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال نعم! ثم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به. وفيه كلام، وزاد: وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت وعنده أنه لما قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أمسك عتبة (٢) على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه فأتوه. فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا. وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته - وقص عليهم القصة - فأجابني بشئ والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم) حتى بلغ: (فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن

стр. 903

ينزل عليكم العذاب (١). ثم قال البيهقي: عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق [قال:] حدثني يزيد بن زياد (٢) مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة (٣)، وكان سيدا حليما. قال - ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد -: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ويكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله ﷺ من المال والملك وغير ذلك. وقال ابن إسحاق (٤) فقال عتبة: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم إليه وكلمه. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة (٥) في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت [به] جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال فقال له رسول الله ﷺ : " يا أبا الوليد اسمع ". قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت نريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة. قال له النبي ﷺ : " أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال نعم! قال اسمع مني، قال افعل! فقال رسول الله ﷺ : (حم تنزل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) فمضى رسول الله ﷺ يقرأها فلما سمع بها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجدها ثم قال: " سمعت يا أبا الوليد؟ قال سمعت. قال: " فأنت وذاك " ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله

стр. 904

لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلسوا إليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي. خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ [عظيم]، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم (١). ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة. وقال البيهقي (٢): أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الادمي بمكة، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي، حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر. قال: لما قرأ رسول الله ﷺ على عتبة بن ربيعة (حم تنزيل من الرحمن الرحيم) أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعوني في هذا الامر اليوم، واعصوني فيما بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه. وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري. قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذه عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها [وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها] (٣) فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ماذا سمعت، تنازعنا

стр. 905

نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع (١) به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة. قال: إن أول يوم عرفت رسول الله ﷺ أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي جهل: " يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ". فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك (٢). فانصرف رسول الله ﷺ . وأقبل علي فقال: والله إني لاعلم أن ما يقول حق، ولكن [يمنعني] شئ. إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم. ثم قالوا فينا الندوة، فقلنا نعم. ثم قالوا فينا اللواء، فقلنا نعم. ثم أطعموا وأطعمنا. حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبي، والله لا أفعل (٣). وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن خالد، حدثنا أحمد بن خلف، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق. قال: مر النبي ﷺ على أبي جهل وأبي سفيان، وهما جالسان. فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد شمس. قال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي؟ فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل. فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا، ورسول الله ﷺ يسمع. فأتاهما فقال: " أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للأصل. وأما أنت يا أبا الحكم، فوالله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا " فقال: بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك. هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة. وقول أبي جهل - لعنه الله - كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا، أهذا الذي بعث الله رسولا؟ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها. وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) [الفرقان: ٤١ - ٤٢]. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متوار بمكة (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) [الاسراء: ١١٠] قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا

стр. 906

القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (ولا تخافت بها) عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وابتغ بين ذلك سبيلا) وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به (١). وقال محمد بن إسحاق (٢): حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن - وهو يصلي - تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو، وهو يصلي، استرق السمع، دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإن خفض رسول الله ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) فيتفرقوا عنك (ولا تخافت بها) فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به (وابتغ بين ذلك سبيلا). باب هجرة أصحاب رسول الله، من مكة إلى أرض الحبشة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد. والإهانة البالغة. وكان الله قد حجرهم عن رسوله ﷺ ، ومنعه بعمه أبي طالب، كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة. وروى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة (٣)، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة. وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو (٤)، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود، ﵃

стр. 907

أجمعين. قال ابن جرير وقال آخرون بل كانوا اثنين وثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر، نشك. فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا. وقال محمد بن إسحاق: فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء. قال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه " فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم. فكانت أول هجرة كانت في الاسلام فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ (١). وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشر بن موسى عن الحسن بن زياد البرجمي، حدثنا قتادة. قال: أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان ﵁ وسمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة - يعني أنس بن مالك - يقول: خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته. قال: " على أي حال رأيتهما؟ " قالت رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة (٢)، وهو يسوقها، فقال رسول الله ﷺ : " صحبهما الله، أن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط ﵇ " (٣). قال ابن إسحاق: وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو - وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة - والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة - وولدت له بها زينب - وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة - حليف آل الخطاب، وهو من بني عنز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر - وهو أول من قدمها فيما قيل - وسهيل بن بيضاء - فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني. قال ابن هشام. وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعض أهل العلم. قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر. وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة.

стр. 908

وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله ﷺ إلى الشعب، وفي هذا نظر والله أعلم. وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها. وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا، حين بلغهم أن المشركين أسلموا وصلوا، فلما قدموا مكة - وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة. وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانه. قال موسى بن عقبة: وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيا. وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الأول أظهر كما سيأتي بيانه والله أعلم. لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا، وهو المقدم عليهم والمترجم عنهما عند النجاشي وغيره، كما سنورده مبسوطا. ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر ﵃. وهم عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث [بن حمل] بن شق الكناني. وأخوه خالد، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي. وولدت له بها سعيدا، وأمة التي تزوجها بعد ذلك الزبير، فولدت له عمرا وخالدا. قال وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه عبيد الله، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة، وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وهو من موالي سعيد بن العاص قال ابن هشام: وهو من دوس. قال وأبو موسى [الأشعري] (١) عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة. وسنتكلم معه في هذا. وعتبة بن غزوان، ويزيد بن زمعة بن الأسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير (٢) بن عبد [بن قصي] (٣)، وسويبط بن سعد بن حرملة (٤)، وجهم بن قيس العبدوي (٥)، ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن جذيمة (٦)، وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة. وولدت بها عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الأسود، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة (٧)، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة، وعمرو بن عثمان بن

стр. 909

عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي - قال (١) وإنما سمي شماسا لحسنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان - وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو (٢) بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، ومعتب بن عوف بن عامر - ويقال له عيهامة - وهو من حلفاء بني مخزوم. قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه منها محمد والحارث، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسنة، وابناه منها جابر وجنادة، وابنها من غيره، وهو شرحبيل بن عبد الله - أحد الغوث بن مزاحم بن تميم، وهو الذي يقال له شرحبيل بن حسنة (٣)، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد (٤) بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل بن سعيد (٤)، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله، وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي، وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد أبناء الحارث، وسعيد بن قيس بن عدي لامه وهو سعيد بن عمرو التميمي، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد (٤) بن سهم، وحليف لبني سهم: وهو محمية بن جزء الزبيدي، ومعمر بن عبد الله العدوي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة بن عبد العزى، وابنه النعمان، وعبد الله بن مخرمة العامري، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سؤدة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة، وامرأته عمرة بنت السعدي، وأبو حاطب بن عمرو العامري، وحليفهم سعد بن خولة - وهو من اليمن، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وسهيل بن بيضاء - وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن ضبة بن الحارث، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غنم بن زهير أخوات، وسعيد (٥) بن عبد قيس بن لقيط، وأخوه الحارث الفهريون. قال ابن إسحاق: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم

стр. 910

الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها - ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه. قلت: وذكر ابن إسحاق أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريب جدا. وقد قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود. قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحوا من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى (١) فأتوا النجاشي. وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد (٢) بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟ قال إنا لا نسجد إلا لله قال وما ذاك؟ قال إن الله بعث إلينا رسولا ثم أمرنا أن لا نسجد لاحد إلا لله ، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قال نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد. قال فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله ﷺ . وأنه الذي نجد في الإنجيل. وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه. وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا. وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته. وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن. وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة،

стр. 911

إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة والله أعلم. وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر. فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل. وحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا الحسن بن علوية القطان حدثنا عباد بن موسى الختلي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا إسرائيل. وحدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا عبيد الله (١) بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي (٢)، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال لهم النجاشي في أرضي؟ قالا نعم! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد. أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره. والقسيسون جلوس سماطين. وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرنا (٣) من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله . فلما انتهينا إلى النجاشي قال ما منعك أن تسجد؟ قال لا نسجد إلا لله. فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال إن الله بعث فينا رسولا - وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم ﵊ من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقر بها بشر ولم يفرضها ولد: فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى. ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعليه، أمكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذ عمارة عمرا فرمي به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة

стр. 912

حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك. فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك، فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش. وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبي على الحسن بن سلام السواق عن عبيد الله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله: فأمر لنا بطعام وكسوة قال وهذا إسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بعض وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله ﷺ زمن خيبر. قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال ولعل الراوي وهم في قوله: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق والله أعلم (١). وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة. حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد (٢) بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى. قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ﵁ فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا (٣) النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فقال النبي ﷺ : " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان " وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد [بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى] كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم. وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من تاريخه من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص. وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم. وأم سلمة كما سيأتي. فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا. رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي. قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه. قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي. فقالوا له - ونحن عنده -: قد صار إليك ناس من سفلتنا (٤) وسفهائنا، فادفعهم إلينا، قال: لا حتى أسمع كلامهم. قال فبعث إلينا

стр. 913

فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه. فقال لهم النجاشي أعبيد هم لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دين؟ قالوا لا. قال فخلوا سبيلهم. قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول، قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار. فأرسل إلينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى، قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قلنا يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول، قال فأرسل فقال ادعوا لي فلان القس، وفلان الراهب. فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقالوا أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي - وأخذ شيئا من الأرض - قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحدا؟ قالوا: نعم! فنادى مناد من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم ثم قال أيكفيكم؟ قلنا لا، فأضعفها. قال فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها قلنا له إن رسول الله ﷺ قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فردنا. قال نعم! فحملنا وزودنا. ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله. وقل له يستغفر لي. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله ﷺ واعتنقني، ثم قال: " ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر؟ " ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا؟ فقال نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي قل له يستغفر لي. فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات " اللهم اغفر للنجاشي " فقال المسلمون آمين. ثم قال جعفر فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله ﷺ . ثم قال ابن عساكر حسن غريب. وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أم سلمة ﵂. أنها قالت: لما ضاقت مكة [علينا] وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم،

стр. 914

وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه " فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا (١)، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل. ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الادم - وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه. قالوا له: أيها الملك: إن فتية منا سفهاء (٢) فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلا بهم عينا (٣)، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر الله! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل (٤) بينهم وبينهم، ولم أنعم عينا -[وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم. فقال: لا والله! حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شئ هم عليه؟ فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له. فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني مالكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم؟ فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم؟ أنصاري أنتم؟ قالوا: لا. قال أفيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال فما دينكم؟ قالوا: الاسلام. قال وما الاسلام؟ قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد

стр. 915

الأوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المشكاة (١) التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا. وأما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول. فأخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين الله. معاذ الله من ذلك. وقال يونس عن ابن إسحاق] (٢) فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شئ أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم. فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون؟ فقالوا وماذا نقول، نقول والله ما نعرف. وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منه جعفر بن أبي طالب ﵁. فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية. فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئا ولا نحرمه. فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الأرحام ونحمي الجوار ونصلي لله ، ونصوم له، ولا نعبد غيره. وقال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال (٣) - فعدد عليه أمور الاسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما
следующие страницы →