إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة والله أعلم. وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر.
فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل. وحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا الحسن بن علوية القطان حدثنا عباد بن موسى الختلي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا إسرائيل. وحدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا عبيد الله (١) بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي (٢)، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال لهم النجاشي في أرضي؟ قالا نعم! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد. أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره. والقسيسون جلوس سماطين. وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرنا (٣) من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله . فلما انتهينا إلى النجاشي قال ما منعك أن تسجد؟ قال لا نسجد إلا لله. فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال إن الله بعث فينا رسولا - وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم ﵊ من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقر بها بشر ولم يفرضها ولد: فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى. ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعليه، أمكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذ عمارة عمرا فرمي به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة
стр. 912
حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك. فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك، فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش. وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبي على الحسن بن سلام السواق عن عبيد الله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله: فأمر لنا بطعام وكسوة قال وهذا إسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بعض وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله ﷺ زمن خيبر. قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال ولعل الراوي وهم في قوله: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق والله أعلم (١).
وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة. حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد (٢) بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى. قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ﵁ فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا (٣) النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فقال النبي ﷺ : " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان " وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد [بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى] كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم.
وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من تاريخه من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص. وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم. وأم سلمة كما سيأتي. فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا. رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي. قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه. قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي. فقالوا له - ونحن عنده -: قد صار إليك ناس من سفلتنا (٤) وسفهائنا، فادفعهم إلينا، قال: لا حتى أسمع كلامهم. قال فبعث إلينا
стр. 913
فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه. فقال لهم النجاشي أعبيد هم لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دين؟ قالوا لا. قال فخلوا سبيلهم. قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول، قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار. فأرسل إلينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى، قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قلنا يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول، قال فأرسل فقال ادعوا لي فلان القس، وفلان الراهب. فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقالوا أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي - وأخذ شيئا من الأرض - قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحدا؟ قالوا: نعم! فنادى مناد من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم ثم قال أيكفيكم؟ قلنا لا، فأضعفها. قال فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها قلنا له إن رسول الله ﷺ قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فردنا. قال نعم! فحملنا وزودنا. ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله. وقل له يستغفر لي. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله ﷺ واعتنقني، ثم قال: " ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر؟ " ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا؟ فقال نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي قل له يستغفر لي. فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات " اللهم اغفر للنجاشي " فقال المسلمون آمين. ثم قال جعفر فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله ﷺ . ثم قال ابن عساكر حسن غريب.
وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أم سلمة ﵂. أنها قالت: لما ضاقت مكة [علينا] وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم،
стр. 914
وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه " فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا (١)، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل. ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الادم - وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه. قالوا له: أيها الملك: إن فتية منا سفهاء (٢) فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلا بهم عينا (٣)، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر الله! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل (٤) بينهم وبينهم، ولم أنعم عينا -[وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم. فقال: لا والله! حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شئ هم عليه؟ فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له. فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني مالكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم؟ فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم؟ أنصاري أنتم؟ قالوا: لا. قال أفيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال فما دينكم؟ قالوا: الاسلام. قال وما الاسلام؟ قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد
стр. 915
الأوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المشكاة (١) التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا. وأما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول. فأخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين الله. معاذ الله من ذلك. وقال يونس عن ابن إسحاق] (٢) فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شئ أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم. فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون؟ فقالوا وماذا نقول، نقول والله ما نعرف. وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منه جعفر بن أبي طالب ﵁. فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية. فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئا ولا نحرمه. فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الأرحام ونحمي الجوار ونصلي لله ، ونصوم له، ولا نعبد غيره.
وقال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال (٣) - فعدد عليه أمور الاسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما
стр. 916
قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال [له] النجاشي: هل معك شئ مما جاء به [عن الله]؟ [وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله] (١). فقال له جعفر! نعم: قال هلم فاتل علي مما جاء به، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [حين سمعوا ما تلا عليهم]. ثم قال [لهم]: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا (٢). فخرجنا من عنده وكان أتقى (٣) الرجلين فينا عبد الله بن [أبي] ربيعة. فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم (٤)، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا. فقال: والله لأفعلن! فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عنه. فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض ماذا تقولون له في عيسى إن هو يسألكم (٥) عنه؟ فقالوا: نقول والله الذي قاله الله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عودا (٦) بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد. فتناخرت بطارقته. فقال: وإن تناخرتم والله! اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض - السيوم الآمنون في الأرض، ومن سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا ما أحب أن لي دبرا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الذهب. وقال زياد عن ابن إسحاق ما أحب أن لي دبرا من ذهب. قال ابن هشام: ويقال زبرا (٧) وهو الجبل بلغتهم. ثم قال النجاشي: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها. وأخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في
стр. 917
ملكه، فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط هو أشد منه، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا فقال أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون؟ وقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا - أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه. فجاءا الزبير فجعل يليح (١) لنا بردائه ويقول ألا فأبشروا، فقد أظهر الله النجاشي. قلت: فوالله ما علمنا [أننا] فرحنا بشئ قط فرحنا بظهور النجاشي (٢) ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة، وأقام من أقام.
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة. فقال عروة: أتدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟ فقلت لا! ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لأب النجاشي ولد غير النجاشي فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثنا عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه. فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وأنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فأما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم قتلتم أباه بالأمس واقتله اليوم. بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به فلما كان العشى هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون (٣) ليس في أحد منهم خير فمرج (٤) على الحبشة
стр. 918
أمرهم. فقال بعضهم لبعض تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذا والله لأكلمنه، فمشى إليه فكلمه فقال أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض مني الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه (١).
وقال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي غلام صغير فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك، فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار (٢)، فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه هكذا ذكره مختصرا، وسياق ابن إسحاق أحسن وأبسط فالله أعلم. والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة. وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري. والمقصود أنهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمر ومعه وعمارة كان شابا حسنا فاصطحبا في السفينة وكان عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص، فألقى عمرا في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع إليها. فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك، فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش. - وقد ذكر الأموي - قصة مطولة جدا وأنه عاش إلى زمن أمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه فجعل يقول أرسلني أرسلني وإلا مت فلما لم يرسله مات من ساعته فالله أعلم. وقد قيل أن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين الأول مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية مع عمرو، وعبد الله بن أبي ربيعة. نص عليه أبو نعيم في الدلائل والله أعلم. وقد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله
стр. 919
الزهري، لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي ﵁ وأرضاه إلى شئ مما سألوا فالله أعلم.
وقد ذكر زياد (١) عن ابن إسحاق: أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل وعلى الاحسان إلى من نزل عنده من قومه:
ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر … وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وما نالت أفعال النجاشي جعفرا … وأصحابه أو عاق ذلك شاغب (٢)
ونعلم، أبيت اللعن، أنك ماجد … كريم فلا يشقى إليك المجانب (٣)
ونعلم بأن الله زادك بسطة … وأسباب خير كلها بك لازب (٤)
وقال يونس (٥) عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان ﵁، والمشهور أن جعفرا هو المترجم ﵃. وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة ﵂. قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور، ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازي عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به لما مات النجاشي ﵁ كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. وقال زياد عن محمد بن إسحاق: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه. قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا. وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له. فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى! قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم؟ قالوا خير سيرة. قال: فما بكم؟ قالوا فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبده ورسوله. قال؟ فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا:
стр. 920
يقول هو ابن الله. فقال النجاشي - ووضع يده على صدره على قبائه -: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب، فرضوا وانصرفوا. فبلغ رسول الله ﷺ فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات (١). وقال البخاري: موت النجاشي: حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي - مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة. (٢). وروى ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد وفي بعض الروايات تسميته أصحمة، وفي رواية مصحمة وهو أصحمة بن بحر (٣) وكان عبدا صالحا لبيبا زكيا وكان عادلا عالما ﵁ وأرضاه. وقال يونس عن ابن إسحاق اسم النجاشي مصحمة وفي نسخة صححها البيهقي أصحم وهو بالعربية عطية قال وإنما النجاشي اسم الملك: كقولك كسرى، هرقل.
قلت: كذا ولعله يريد به قيصر فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر، والنجاشي لمن ملك الحبشة وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل الهند وخاقان لمن ملك الترك. وقال بعض العلماء إنما صلى عليه لأنه كان يكتم إيمانه من قومه فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه فلهذا صلى عليه ﷺ . قالوا: فالغايب إن كان قد صلي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى؟ ولهذا لم يصل النبي ﷺ في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها فالله أعلم.
قلت: وشهود أبي هريرة ﵁ الصلاة على النجاشي، دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ﵁ يوم فتح خيبر ولهذا روى أن النبي ﷺ قال: " والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبي طالب " وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي ﵁ إلى النبي ﷺ وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبي موسى الأشعري وقومه من الأشعريين ﵃، ومع جعفر
стр. 921
وهدايا النجاشي ابن أخي النجاشي ذو نخترا أو ذو مخمرا أرسله ليخدم النبي ﷺ عوضا عن عمه ﵄ وأرضاهما. وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة وفي هذا نظر والله أعلم. وقال البيهقي أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي، العلاء بن مدرك، حدثنا أبو هلال بن العلاء عن أبيه عن أبي غالب عن أبي أمامة. قال قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: " إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ". ثم قال وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني: أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبي، حدثنا طلحة بن زيد، عن الأوزاعي، عن يحي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة. قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ يخدمهم فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: " إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ". تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي. وقال البيهقي حدثنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو. قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا: ما شأنه ماله لا يخرج؟ فقال عمرو: إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبي.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى غاظوا (١) قريشا فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر [بن الخطاب] فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه (٢). قلت: وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب (٣). وقال زياد البكائي: حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم. قال: قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.
قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى
стр. 922
الحبشة. [قال ابن إسحاق] حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله (١) بنت أبي حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عمر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف علي وهو على شركه، فقالت: وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا، قالت: فقال إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت نعم! والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذا آذيتمونا وقهرتمونا؟ حتى يجعل الله لنا مخرجا (٢). قالت فقال صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا. قالت فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا. قال: أطمعت في إسلامه قالت قلت: نعم! قال لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت: يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الاسلام (٣).
قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق ههنا في قصة إسلام عمر وحده ﵁، وسياقها فإنه قال: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم مستخفون باسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، رجل من بني عدى قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه [فرقا] من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه قد ذكروا (٤) له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب ﵃، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة. فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمدا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال: وأي أهل بيتي، قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمدا ﷺ على دينه، فعليك بهما فرجع عمر
стр. 923
عائدا إلى أخته فاطمة، وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع (١) لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها: فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا (٢) له ما سمعت شيئا. قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد. فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي كنتم تقرؤن آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمدا؟ وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت يا أخي إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا. قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه فقال له: والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ﷺ ، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الاسلام بأبي الحكم بن هشام - أو بعمر بن الخطاب - فالله الله يا عمر. فقال [له] عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشح بالسيف فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف، فقال حمزة، فأذن له فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : " ايذن له " فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة فقال ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن إسحاق فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم ﵁.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن
стр. 924
روى ذلك: أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول: كنت للاسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (١) فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أني جئت فلانا الخمار لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده قال: فقلت لو أني جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين، قال فجئت المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني، قال فقلت حين رأيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت: لئن دنوت منه لاستمع منه لارو عنه. فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله ﷺ قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة. قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي، وبكيت ودخلني الاسلام، فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية -. قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما اتبعته لأوذيه، فنهمني (٢) ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ قال قلت جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فحمد الله رسول الله ﷺ ثم قال: " قد هداك الله يا عمر " ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت ودخل رسول الله ﷺ بيته. قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان.
قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر ﵁ وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر. قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه، قال عبد الله [بن عمر] وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كما رأيت - حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد ﷺ ؟ قال فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلا صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا. قال يقول عمر من خلفه كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال وطلح (٣) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد
стр. 925
كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم؟ فقالوا صبأ عمر، قال فمه؟ رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلوا عن الرجل. قال فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. قال فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبة من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي (١)، وهذا إسناد جيد قوي، وهو يدل على تأخر إسلام عمر لان ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم (٢).
وقال البيهقي: حدثنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق. قال ثم قدم على رسول الله ﷺ عشرون رجلا وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال - قالوا لهم: لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا. فيقال إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان. ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا
стр. 926
أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين).
فصل
قال البيهقي في الدلائل: باب ما جاء في كتاب النبي ﷺ إلى النجاشي، ثم روى عن الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق. قال: هذا كتاب من رسول الله ﷺ إلى النجاشي (١) الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسوله فأسلم تسلم (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك.
هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة وفي ذكره ههنا نظر، فإن الظاهر أن هذه الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبيل الفتح كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي. قال الزهري: كانت كتب النبي ﷺ إليهم واحدة، يعني نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران، وهي مدنية بلا خلاف فإنه من صدر السورة، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول، وقوله فيه إلى النجاشي الأصحم لعل الأصحم مقحم من الراوي بحسب ما فهم والله أعلم.
وأنسب من هذا ههنا ما ذكره البيهقي أيضا عن الحاكم عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه - بمرو - حدثنا حماد بن أحمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق. قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى [بن مريم] روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله
стр. 927
، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى. فكتب النجاشي إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته لا إله إلا هو الذي هداني إلى الاسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق (١).
فصل
في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله ﷺ وتحالفهم فيما بينهم عليهم، على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وحصرهم إياهم في شعب أبي طالب مدة طويلة، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية. فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله. فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ ، وأجمعوا (٢) على ذلك، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا (٣) في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين (٤)، واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا لهم طعاما
стр. 928
يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ ، فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو أخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله ﷺ وأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فلحست كلما كان فيها من عهد وميثاق. ويقال كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيه إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم، وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب. فقال أبو طالب: لا والثواقب (١) ما كذبني فانطلق يمشي بعصابته من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم، أنكروا ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ . فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فعله (٢) أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم. وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقالوا أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف (٣)، إن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - إن الله برئ من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هوله فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم. فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا فوالله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ [وعلى المسلمين] (٤) والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون فإنا
стр. 929
نعلم إن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس [الله] ما كان فيها من اسمه وما كان فيها من بغي تركه أفنحن السحرة أم أنتم؟ فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو (١)، وكانت الصحيفة عنده (٢) وهو من بني عامر بن لؤي - في رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن برءاء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضى بليل وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرؤا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي (٣).
قال البيهقي: وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ - يعني من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير - يعني كسياق موسى بن عقبة ﵀ وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب عن أمر رسول الله ﷺ لهم في ذلك فالله أعلم.
قلت: والأشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية التي قدمنا ذكرها بعد دخولهم الشعب أيضا فذكرها ههنا أنسب والله أعلم. ثم روى البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إسحاق. قال: لما مضى رسول الله ﷺ على الذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم اتقوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه. فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني (٤) عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ثم ذكر القصة بطولها في دخولهم شعب أبي طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة، وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الأرضة فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان فأخبر الله تعالى بذلك رسول الله ﷺ فأخبر بذلك
стр. 930
عمه أبو طالب، ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم.
وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا. وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الاسلام يفشو في القبائل فاجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله ﷺ فشل بعض أصابعه. وقال الواقدي: كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العبدوي.
قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق، وهو الذي شلت يده فما كان ينتفع بها وكانت قريش تقول بينها: أنظروا إلى منصور بن عكرمة. قال الواقدي: وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة. قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. وحدثني حسين بن عبد الله: أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه، وظاهر عليهم قريشا. فقال: يا ابنة عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها وظاهر عليها؟ قالت: نعم! فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
قال ابن إسحاق: وحدثت أنه كان يقول - في بعض ما يقول - يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك، ثم ينفخ في يده فيقول تبا لكما لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب). قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب:
ألا أبلغا عني على ذات بيننا … لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا … نبيا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة … ولا خير ممن خصه الله بالحب (١)
стр. 931
وأن الذي ألصقتموا من كتابكم … لكم كائن نحسا كراغية السقب (١)
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى … ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا … أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما … أمر على من ذاقه حلب الحرب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا … لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولما تبن منا ومنكم سوالف … وأيد أترت بالقساسية الشهب (٢)
بمعترك ضيق ترى كسر القنا … به والنسور الطخم يعكفن كالشرب (٣)
كأن مجال (٤) الخيل في حجراته … ومعمعة الابطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شد أزره … وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا … ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى … إذا طار أرواح الكماة عن الرعب
قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ولم يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ في الشعب فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هاشم (٥) بن الحارث بن أسد. فقال: مالك وله. فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل، قال: فأبى أبو جهل - لعنه الله - حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه، فيشمتون بهم ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا مناديا بأمر الله تعالى لا يتقي فيه أحدا من الناس.
стр. 932
[المستهزئون بالنبي ﷺ وما ظهر فيهم] (١)
فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزؤن به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل [فيه] القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار. فذكر ابن إسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه، وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى: " ويل لكل همزة لمزة) السورة بكمالها فيه. والعاص بن وائل ونزول قوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا) [مريم: ٧٧] فيه. وقد تقدم شئ من ذلك. وأبا جهل بن هشام وقوله للنبي ﷺ لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك (٢) [الذي تعبد] (٣) ونزول قول الله فيه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) [الانعام: ١٠٨] الآية. والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة (٤) - ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيلي - وجلوسه بعد النبي ﷺ في مجالسه حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم واسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها، فأنزل الله تعالى: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) [الفرقان: ٥] وقوله: (ويل لكل أفاك أثيم) [الجاثية: ٧].
قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغنا - يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم [في المجلس]، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام والله ما مقام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم (٥). فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا
стр. 933
محمدا: أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، أنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته " فأنزل الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] أي عيسى وعزير ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] والآيات بعدها. ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) [الزخرف: ٥٧ - ٥٨] وهذا الجدل الذي سلكوه باطل. وهم يعلمون ذلك لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل، فقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرا، ولا أحدا من الصالحين لان اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى. فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) ثم قال: (إن هو) أي عيسى (إلا عبد أنعمنا عليه) أي بنبوتنا (وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الأخرى: (ولنجعله آية للناس) أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة (ورحمة منا) نرحم بها من نشاء.
وذكر ابن إسحاق: الأخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه: (ولا تطع كل حلاف مهين) [نون: ١٠] الآيات، وذكر الوليد بن المغيرة حيث. قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو (١) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين. ونزل قوله فيه: (وقال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) [الزخرف: ٣١] والتي بعدها، وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدا؟ وسمعت منه وجهي من وجهك حرام [أن أكلمك - وأستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه] (٢) إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة - لعنه الله -،
стр. 934
فأنزل الله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتنا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) [الفرقان: ٢٧ - ٢٨] والتي بعدها. قال ومشى أبي بن خلف بعظم بال قد أرم (١). فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم، ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله ﷺ . فقال: نعم! أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك النار. وأنزل الله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) [يس: ٧٨ - ٧٩] إلى آخر السورة. قال واعترض رسول الله ﷺ فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة - الأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل [وكانوا ذوي أسنان في قومهم] (٢). فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الامر. فأنزل الله فيهم: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) إلى آخرها. ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم. قال: أتدرون ما الزقوم؟ هو تمر يضرب بالزبد ثم قال هلموا فلنتزقم فأنزل الله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) [الدخان: ٤٣ - ٤٤] قال: ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يكلمه وقد طمع في إسلامه فمر به ابن أم مكتوم (٣) - عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة - الأعمى فكلم رسول الله ﷺ وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه (٤) فأنزل الله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) إلى قوله: (مرفوعة مطهرة) وقد قيل إن الذي كان يحدث رسول الله ﷺ حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف فالله أعلم (٥).
стр. 935
ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله ﷺ جلس يوما مع المشركين، وأنزل الله عليه (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم) يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد. فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والانس، وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) [الحج: ٥٢] وذكروا قصة الغرانيق وقد أحببنا الاضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضيعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح. قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس انفرد به البخاري دون مسلم. وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله. قال: قرأ النبي ﷺ والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصا - أو تراب - فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد قتل كافرا ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة. وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه. قال قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن أسلم يومئذ المطلب. فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرأها إلا سجد معه. وقد رواه النسائي عن عبد الملك بن عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به. وقد يجمع بين هذا والذي قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا، وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية والله أعلم. والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله ﷺ أعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها،
стр. 936
فظنوا صحة ذلك فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة وكلاهما محسن مصيب فيما فعل فذكر ابن إسحاق أسماء من رجع منهم، عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وامرأته سهلة بنت سهيل [بن عمرو]، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وعتبة بن غزوان، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وسويبط بن سعد [بن حرملة]، وطليب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وشماس (١) بن عثمان، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة - وقد حبسا (٢) بمكة حتى مضت بدرا وأحدا والخندق - وعمار بن ياسر - وهو ممن شك فيه أخرج إلى الحبشة أم لا. ومعتب بن عوف، وعثمان بن مظعون، وابنه السائب، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وخنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل - وقد حبس بمكة إلى بعد الخندق - وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة. وعبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو - وقد حبس (٣) حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بدرا - وأبو سبرة بن أبي رهم، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل، والسكران بن عمرو بن عبد شمس، وامرأته سودة بنت زمعة - وقد مات بمكة (٤) قبل الهجرة وخلف على امرأته رسول الله ﷺ وسعد بن خولة، وأبو عبيدة بن الجراح، وعمرو (٥) بن الحارث بن زهير وسهيل بن بيضاء (٦)، وعمرو بن أبي سرح فجميعهم ثلاثة وثلاثون رجلا ﵃. وقال البخاري: وقالت عائشة قال رسول الله ﷺ : " أريت دار هجرتكم [أريت سبخة] (٧) ذات
стр. 937
نخل بين لابتين " فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة. وفيه عن أبي موسى وأسماء ﵄ عن النبي ﷺ وقد تقدم حديث أبي موسى وهو في الصحيحين، وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح خيبر حين قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة إن شاء الله وبه الثقة. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو يصلي فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم ترد علينا؟ " قال إن في الصلاة شغلا " وقد روى البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخر عن سليمان بن مهران عن الأعمش به، وهو يقوي تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله: (وقوموا لله قانتين) [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. على أن المراد جنس الصحابة، فإن زيدا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة، فتعين الحمل على ما تقدم. وأما ذكره الآية وهي مدنية فمشكل ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك وإنما كان المحرم له غيرها معها والله أعلم.
قال ابن إسحاق: وكان ممن دخل منهم بجوار (١)، [فيمن سمي لنا] (٢) عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد في جوار خاله أبي طالب، فإن أمه (٣) برة بنت عبد المطلب. فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عن عثمان. قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد بن المغيرة قال والله إن غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كثير (٤) في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك. قال [له] لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواري علانية كما جرتك علانية. قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد
стр. 938
جاء يرد علي جواري. قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان ﵁ ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد:
ألا كل شئ ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت. فقال لبيد:
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ [من] عثمان. فقال: والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة. قال يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إلى جوارك فعد. قال: لا!.
قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله [بن عمر] أبي سلمة أنه حدثه: أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، فقالوا له: يا أبا طالب لقد (١) منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال إنه استجار بي، وهو ابن أختي وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب. فقال: يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد. قالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله ﷺ فأبقوا على ذلك فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله ﷺ ، فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله ﷺ :
إن امرءا أبو (٢) عتيبة عمه … لفي روضة ما أن يسام المظالما
أقول له، وأين منه نصيحتي … أبا معتب ثبت سوادك قائما (٣)
стр. 939
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة … تسب بها إما هبطت المواسما
وول سبيل العجز غيرك منهم … فإنك لم تخلق على العجز لازما
وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى … أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما
وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة … ولم يخذلوك غانما أو مغارما
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
بتفريقهم من بعد ود وألفة … جماعتنا كيما ينالوا المحارما
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا … ولما تروا يوما لدى الشعب قائما
قال ابن هشام: وبقي منها بيت تركناه.
عزم الصديق على الهجرة إلى الحبشة
قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ كما حدثني محمد بن مسلم [ابن شهاب] الزهري عن عروة عن عائشة، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر ﵁ مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما - أو يومين - لقيه ابن الدغنة (١) أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد الأحابيش (٢). قال الواقدي: اسمه الحارث بن يزيد أحد بني بكر من عبد مناة بن كنانة. وقال السهيلي: اسمه مالك. فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي. قال ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف وتكسب المعدوم. أرجع فإنك في جواري. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام معه ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرض له أحد إلا بخير. قالت (٣): فكفوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح فكان يصلي فيه، وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة. فقالوا
стр. 940
[له]: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق [ويبكي] وكانت له هيئة، ونحن نتخوف. على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال [له]: يا أبا بكر، إني لم أجرك لتؤذي قومك. وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال فاردد علي جواري. قال: قد رددته عليك. قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم. وقد روى الامام البخاري (١) هذا الحديث متفردا به وفيه زيادة حسنة. فقال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب (٢) فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (٣)، لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل (٤)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة (٥)، وطاف ابن الدغنة عشية في اشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره [وبرز] (٦) وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، [فيتقذف عليه] (٧) نساء المشركين وأبناؤهم
стр. 941
يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فافزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم. فقالوا [له]: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن في الصلاة والقراءة فيه، وأنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فإنه فإن أحب على أن يقتصر أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا [أن] نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فاتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدت عليه قريش فإما أن تقتصر على ذلك، وأما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجواز الله . ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر ﵁ مع رسول الله ﷺ كما سيأتي مبسوطا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: لقيه - يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة - سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة - أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر ﵁: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. [قال] (١) وهو يقول أي رب ما أحلمك. أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك.
فصل
كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصرهم إياهم في الشعب، وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها وهي أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعي ﵀: من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق.
نقض الصحيفة
قال ابن إسحاق: هذا وبنو هاشم، وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض [تلك] الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن [ربيعة بن] الحارث بن حبيب بن نصر [بن جذيمة] بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم (٢) بن
стр. 942
عبد مناف لامه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبيه، فدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا (١) فيفعل به مثل ذلك، ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (٢) بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب. فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها [حتى أنقضها]. قال قد وجدت رجلا، قال من هو؟ قال: أنا قال له زهير: أبغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا، قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال قد وجدت لك ثانيا. قال من؟ قال أنا، قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت. قال من هو؟ قال زهير بن أبي أمية. قال أبغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال [له] نحو ما قال للمطعم بن عدي، فقال وهل تجد أحدا يعين على هذا؟ قال نعم! قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك. قال ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الامر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم ثم سمى القوم. فاتعدوا خطم الحجون (٣) ليلا بأعلا مكة فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس. فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد - والله لا تشق. قال: زمعة بن الأسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها. قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشور فيه بغير هذا المكان، [قال]: وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام
стр. 943
المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم "، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة (١). فشلت يده فيما يزعمون.
قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: " يا عم إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان ". فقال أربك أخبرك بهذا؟ قال " نعم "! قال فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: قد رضينا فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ فزادهم ذلك شرا. فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.
قال ابن إسحاق: فلما مزقت وبطل ما فيها، قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم:
ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا … على نأيهم والله بالناس أرود (٢)
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت … وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها إفك وسحر مجمع … ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد
تداعى لها من ليس فيها بقرقر … فبطائرها في رأسها يتردد (٣)
وكانت كفاء وقعة بأثيمة … ليقطع منها ساعد ومقلد
ويظعن أهل المكتين فيهربوا … فرائصهم من خشية الشر ترعد
ويترك حراث يقلب أمره … أيتهم فيها عند ذاك وينجد (٤)
فمن ينش من حضار مكة عزة … فعزتنا في بطن مكة أتلد
نشأنا بها والناس فيها قلائل … فلم ننفك نزداد خيرا ونحمد
стр. 944
ونطعم حتى يترك الناس فضلهم … إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد (١)
جزى الله رهطا بالحجون تجمعوا (٢) … على ملا يهدي لحزم ويرشد
قعودا لذي حطم (٣) الحجون كأنهم … مقاولة بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه … إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد
جرئ على جل (٤) الخطوب كأنه … شهاب بكفي قابس يتوقد
من الأكرمين من لؤي بن غالب … إذا سيم خسفا وجهه يتربد
طويل النجاد خارج نصف ساقه … على وجهه يسقي الغمام ويسعد
عظيم الرماد سيد وابن سيد … يحض على مقرى الضيوف ويحشد
ويبني لأبناء العشيرة صالحا … إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد
ألظ بهذا الصلح كل مبرأ … عظيم اللواء أمره ثم يحمد (٥)
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا … على مهل وسائر الناس رقد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا … وسر أبو بكر بها ومحمد (٦)
متى شرك الأقوام في حل أمرنا … وكنا قديما قبلها نتودد
وكنا قديما لا نقر ظلامة … وندرك ما شئنا ولا نتشدد
فيال قصي هل لكم في نفوسكم … وهل لكم فيما يجئ به غد
فإني وإياكم كما قال قائل … لديك البيان لو تكلمت أسود
قال السهيلي: أسود اسم جبل قتل به قتيل ولم يعرف قاتله فقال أولياء المقتول لديك البيان لو تكلمت أسود، أي يا أسود لو تكلمت لأبنت لنا عمن قتله (٧).
ثم ذكر ابن إسحاق شعر حسان يمدح المطعم بن عدي وهشام بن عمرو لقيامهما في نقض الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة. وقد ذكر الأموي ههنا أشعارا كثيرة اكتفينا بما أورده ابن إسحاق. وقال الواقدي: سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز متى خرج بنو هاشم
стр. 945
من الشعب؟ قالا: في السنة العاشرة ﷺ يعني من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين.
قلت: وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عم رسول الله ﷺ ، وزوجته خديجة بنت خويلد ﵂ كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
فصل
وقد ذكر محمد بن إسحاق ﵀ بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله ﷺ ، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزات على يديه دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى، وتكذيبنا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول، والله غالب على أمره. فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة، وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه، قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكمله، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا (١) فرقا من أن يبلغني شئ من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، قال فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا، قال: فقلت في نفسي واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته [فاتبعته، حتى إذا دخل بيته] (٢) دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - قال فوالله ما برحوا بي يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض علي أمرك: قال: فعرض علي رسول الله ﷺ الاسلام وتلا علي القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الاسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. قال فقال: " اللهم اجعل له آية " قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر (٣)، وقع بين عيني نور مثل المصباح. قال فقلت: اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا بها مثلة (٤) وقعت في وجهي لفراقي
стр. 946
دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي. قال: فجعل الحاضرون يتراؤون ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أتهبط عليهم من الثنية، حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي - وكان شيخا كبيرا - فقلت: إليك عني - يا أبة فلست منك ولست مني، قال ولم يا بني؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قال: أي بني فدينك ديني. فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم أئتني حتى أعلمك ما علمت. قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الاسلام فأسلم. قال ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني. قالت: ولم؟ بأبي أنت وأمي. قال قلت [قد] فرق بيني وبينك الاسلام، وتابعت دين محمد ﷺ . قالت فديني دينك. قال: فقلت فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه، وكان ذو الشرى صنما لدوس وكان الحمى حمى حموه حوله به وشل من ماء يهبط من جبل. قالت: بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا؟ قلت: لا، أنا ضامن لذلك. قال: فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فأبطأوا علي، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة. فقلت [له]: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس (١) الزنا فادع الله عليهم. قال: " اللهم أهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم ". قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الاسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين - أو ثمانين بيتا - من دوس فلحقنا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة. فقلت: يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج إليه فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا (٢)
قال ثم رجع [إلى] رسول الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قبض رسول الله ﷺ فلما ارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال
стр. 947
لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي، رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عني؟ قالوا: خيرا قال: أما أنا والله فقد أولتها، قالوا ماذا؟ قال أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج منه فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها. وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابني. فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا ﵀. هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا اسناد (١). ولخبره شاهد في الحديث الصحيح. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله ﷺ قال إن دوسا قد استعصت قال: " اللهم اهد دوسا وائت بهم " رواه البخاري (٢) عن أبي نعيم عن سفيان الثوري. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها. قال أبو هريرة فرفع رسول الله ﷺ يديه فقلت هلكت دوس. فقال: " اللهم اهد دوسا، وائت بهم " إسناد جيد ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة؟ - قال حصن كان لدوس في الجاهلية - فأبى ذلك رسول الله ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا (٣) المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص (٤) فقطع بها براجمه فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه. فقال له: ما صنع ربك بك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ قال فما لي أراك
стр. 948
مغطيا يديك؟ قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت. قال فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " اللهم وليديه فاغفر " رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سليمان بن حرب به (١). فإن قيل فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن عن جندب قال قال رسول الله ﷺ : " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة ". فالجواب من وجوه، أحدها: أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته: الثاني: قد يكون هذاك عالما بالتحريم وهذا غير عالم لحداثة عهده بالاسلام. الثالث: قد يكون ذاك فعله مستحلا له وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا. الرابع: قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك. الخامس: قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور فدخل النار، وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار بل غفر له بالهجرة إلى نبيه ﷺ . ولكن بقي الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له مالك؟ قال: قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت فلما قصها الطفيل على رسول الله ﷺ دعا له فقال: " اللهم وليديه فاغفر " أي فأصلح منها ما كان فاسدا. والمحقق أن الله استجاب لرسول الله ﷺ في صاحب الطفيل بن عمرو.
قصة أعشى بن قيس
قال ابن هشام: حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من (٢) أهل العلم أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الاسلام، فقال يمدح النبي ﷺ :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما … تناسيت قبل اليوم خلة مهددا (٣)
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن … إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
كهولا وشبانا فقدت وثروة … فلله هذا الدهر كيف ترددا
وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع … وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
стр. 949
وأبتذل العيس المراقيل تعتلي … مسافة ما بين النجير فصرخدا (١)
ألا أيهذا السائلي أين يممت … فإن لها في أهل يثرب موعدا
فإن تسألي عني فيا رب سائل … حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
أجدت برجليها النجاد وراجعت … يداها خنافا لينا غير أحردا (٢)
وفيها إذا ما هجرت عجرفية … إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا (٣)
وآليت لا آوي لها من كلالة … ولا من حفى حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم … تراحي وتلقي من فواضله ندى
نبي يرى ما لا ترون وذكره … أغار لعمري في البلاد وأنجدا (٤)
له صدقات ما تغب ونائل … فليس عطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد … نبي الاله حيث أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله … فترصد للامر الذي كان أرصدا
فإياك والميتات لا تقربنها … ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
ولا تقربن جارة كان سرها … عليك حراما فانكحن أو تأبدا (٥)
وذا الرحم القربى بلا تقطعنه … لعاقبة ولا الأسير المقيدا
وسبح على حين العشية والضحى … ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا (٦)
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة … ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
قال ابن هشام: فلما كان بمكة - أو قريب منها - اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم. فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في نفسي منها العلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا، ثم آته فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي ﷺ . هكذا أورد ابن هشام هذه القصة ههنا وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق ﵀، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام ﵀، فإن
стр. 950
الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة بني النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للاسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك وهو قوله:
ألا أيها ذا السائلي أين يممت … فإن لها في أهل يثرب موعدا
وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها هاهنا والله أعلم. قال السهيلي: وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا في المدينة بعد أحد. وقد قال: وقيل إن القائل للأعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة. وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبل إلى رسول الله ﷺ قال وقوله. ثم آته فأسلم - لا يخرجه عن كفره بلا خلاف والله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق هاهنا قصة الإراشي وكيف استعدى إلى رسول الله ﷺ من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه، وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحي وما كان من أذية المشركين عند ذلك.
قصة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلت ﷺ
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال: وكان ركانة (١) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (٢) بن عبد مناف أشد قريشا، فخلا يوما برسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله ﷺ : يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله ﷺ : " أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ ". قال نعم! قال: " فقم حتى أصارعك ". قال فقام ركانة إليه فصارعه فلما بطش به رسول الله ﷺ أضجعه لا يملك من نفسه شيئا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني؟ قال [رسول الله ﷺ ]: " وأعجب من ذلك إن شئت أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري "؟. قال وما هو؟ قال: " أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ". قال: