← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي. قال: فجعل الحاضرون يتراؤون ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أتهبط عليهم من الثنية، حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي - وكان شيخا كبيرا - فقلت: إليك عني - يا أبة فلست منك ولست مني، قال ولم يا بني؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قال: أي بني فدينك ديني. فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم أئتني حتى أعلمك ما علمت. قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الاسلام فأسلم. قال ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني. قالت: ولم؟ بأبي أنت وأمي. قال قلت [قد] فرق بيني وبينك الاسلام، وتابعت دين محمد ﷺ . قالت فديني دينك. قال: فقلت فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه، وكان ذو الشرى صنما لدوس وكان الحمى حمى حموه حوله به وشل من ماء يهبط من جبل. قالت: بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا؟ قلت: لا، أنا ضامن لذلك. قال: فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فأبطأوا علي، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة. فقلت [له]: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس (١) الزنا فادع الله عليهم. قال: " اللهم أهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم ". قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الاسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين - أو ثمانين بيتا - من دوس فلحقنا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة. فقلت: يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج إليه فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حشوت النار في فؤادكا (٢) قال ثم رجع [إلى] رسول الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قبض رسول الله ﷺ فلما ارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال

стр. 947

لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي، رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عني؟ قالوا: خيرا قال: أما أنا والله فقد أولتها، قالوا ماذا؟ قال أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج منه فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها. وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابني. فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا ﵀. هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا اسناد (١). ولخبره شاهد في الحديث الصحيح. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله ﷺ قال إن دوسا قد استعصت قال: " اللهم اهد دوسا وائت بهم " رواه البخاري (٢) عن أبي نعيم عن سفيان الثوري. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها. قال أبو هريرة فرفع رسول الله ﷺ يديه فقلت هلكت دوس. فقال: " اللهم اهد دوسا، وائت بهم " إسناد جيد ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة؟ - قال حصن كان لدوس في الجاهلية - فأبى ذلك رسول الله ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا (٣) المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص (٤) فقطع بها براجمه فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه. فقال له: ما صنع ربك بك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ قال فما لي أراك

стр. 948

مغطيا يديك؟ قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت. قال فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " اللهم وليديه فاغفر " رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سليمان بن حرب به (١). فإن قيل فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن عن جندب قال قال رسول الله ﷺ : " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة ". فالجواب من وجوه، أحدها: أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته: الثاني: قد يكون هذاك عالما بالتحريم وهذا غير عالم لحداثة عهده بالاسلام. الثالث: قد يكون ذاك فعله مستحلا له وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا. الرابع: قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك. الخامس: قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور فدخل النار، وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار بل غفر له بالهجرة إلى نبيه ﷺ . ولكن بقي الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له مالك؟ قال: قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت فلما قصها الطفيل على رسول الله ﷺ دعا له فقال: " اللهم وليديه فاغفر " أي فأصلح منها ما كان فاسدا. والمحقق أن الله استجاب لرسول الله ﷺ في صاحب الطفيل بن عمرو. قصة أعشى بن قيس قال ابن هشام: حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من (٢) أهل العلم أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الاسلام، فقال يمدح النبي ﷺ : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبت كما بات السليم مسهدا وما ذاك من عشق النساء وإنما … تناسيت قبل اليوم خلة مهددا (٣) ولكن أرى الدهر الذي هو خائن … إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا كهولا وشبانا فقدت وثروة … فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع … وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

стр. 949

وأبتذل العيس المراقيل تعتلي … مسافة ما بين النجير فصرخدا (١) ألا أيهذا السائلي أين يممت … فإن لها في أهل يثرب موعدا فإن تسألي عني فيا رب سائل … حفي عن الأعشى به حيث أصعدا أجدت برجليها النجاد وراجعت … يداها خنافا لينا غير أحردا (٢) وفيها إذا ما هجرت عجرفية … إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا (٣) وآليت لا آوي لها من كلالة … ولا من حفى حتى تلاقي محمدا متى ما تناخي عند باب ابن هاشم … تراحي وتلقي من فواضله ندى نبي يرى ما لا ترون وذكره … أغار لعمري في البلاد وأنجدا (٤) له صدقات ما تغب ونائل … فليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد … نبي الاله حيث أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله … فترصد للامر الذي كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها … ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا ولا تقربن جارة كان سرها … عليك حراما فانكحن أو تأبدا (٥) وذا الرحم القربى بلا تقطعنه … لعاقبة ولا الأسير المقيدا وسبح على حين العشية والضحى … ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا (٦) ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة … ولا تحسبن المال للمرء مخلدا قال ابن هشام: فلما كان بمكة - أو قريب منها - اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم. فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في نفسي منها العلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا، ثم آته فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي ﷺ . هكذا أورد ابن هشام هذه القصة ههنا وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق ﵀، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام ﵀، فإن

стр. 950

الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة بني النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للاسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك وهو قوله: ألا أيها ذا السائلي أين يممت … فإن لها في أهل يثرب موعدا وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها هاهنا والله أعلم. قال السهيلي: وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا في المدينة بعد أحد. وقد قال: وقيل إن القائل للأعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة. وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبل إلى رسول الله ﷺ قال وقوله. ثم آته فأسلم - لا يخرجه عن كفره بلا خلاف والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق هاهنا قصة الإراشي وكيف استعدى إلى رسول الله ﷺ من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه، وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحي وما كان من أذية المشركين عند ذلك. قصة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلت ﷺ قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال: وكان ركانة (١) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (٢) بن عبد مناف أشد قريشا، فخلا يوما برسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله ﷺ : يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله ﷺ : " أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ ". قال نعم! قال: " فقم حتى أصارعك ". قال فقام ركانة إليه فصارعه فلما بطش به رسول الله ﷺ أضجعه لا يملك من نفسه شيئا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني؟ قال [رسول الله ﷺ ]: " وأعجب من ذلك إن شئت أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري "؟. قال وما هو؟ قال: " أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ". قال:

стр. 951

فادعها، فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ . فقال لها: ارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها، قال: فذهب ركانة إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع. هكذا روى ابن إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي الحسن العسقلاني (١) عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه. أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ، ثم قال الترمذي غريب ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة. قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄: أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم فلما كان في الثالثة قال: يا محمد ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقام عنه رسول الله ﷺ ورد عليه غنمه. وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة إن شاء الله وبه الثقة. وقد تقدم عن أبي الأشدين أنه صارع النبي ﷺ فصرعه رسول الله ﷺ . ثم ذكر ابن إسحاق قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا إلى مكة فأسلموا عن آخرهم، وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة (٢). قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد، فجلس (٣) إليه المستضعفون من أصحابه خباب، وعمار، وأبو فكيهة، يسار (٤)، مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين. هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا. فأنزل الله فيهم: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك ما حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة

стр. 952

إنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) [الانعام: ٥٢ - ٥٤]. قال: وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: (إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) [النحل: ١٠٣]. ثم ذكر نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل حين قال عن رسول الله ﷺ إنه أبتر أي لا عقب له فإذا مات انقطع ذكره. فقال الله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) أي المقطوع الذكر بعده، ولو خلف ألوفا من النسل والذرية وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الأولاد والأنسال والعقب، وقد تكلمنا على هذه السورة في التفسير ولله الحمد. وقد روي عن أبي جعفر الباقر: أن العاص بن وائل إنما قال ذلك حين مات القاسم بن النبي ﷺ ، وكان قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة. ثم ذكر نزول قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر) وذلك بسبب قول أبي بن خلف وزمعة بن الأسود والعاص بن وائل والنضر بن الحارث: لولا أنزل عليك ملك يكلم الناس عنك. قال ابن إسحاق: ومر رسول الله ﷺ فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزؤا به، فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك من أمرهم: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن). قلت: وقال الله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) وقال تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين). قال سفيان: عن جعفر بن أياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: المستهزؤون الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل (١)، والعاص بن وائل السهمي. فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله ﷺ فأراه الوليد [أبا عمرو بن المغيرة] (٢) فأشار جبريل إلى أنمله (٣) وقال كفيته، ثم أراه الأسود بن المطلب فأومأ إلى عنقه (٤) وقال كفيته، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه وقال كفيته، ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ إلى بطنه وقال كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه وقال

стр. 953

كفيته. فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أنمله فقطعها، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الأسود بن المطلب فعمي. وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعون عني قد قتلت فجعلوا يقولون ما نرى شيئا. وجعل يقول يا بني ألا تمنعون عني قد هلكت، ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون ما نرى شيئا. فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها. وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما إذ دخل في رأسه شبرقة (١) حتى امتلأت منها فمات منها. وقال غيره في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة - يعني شوكة - فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته. رواه البيهقي بنحو من هذا السياق (٢). وقال ابن إسحاق: وكان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، الأسود بن المطلب أبو زمعة دعا عليه رسول الله ﷺ فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله ولده " (٣). والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن الطلاطلة (٤). وذكر أن الله تعالى أنزل فيهم: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون من الله إلها آخر فسوف يعلمون) [الحجر: ٩٤]. وذكر أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى باطنه فمات منه حبنا (٥) ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه (٦) كان أصابه قبل ذلك بسنين من مروره برجل يريش نبلا له من خراعة فتعلق سهم بإزاره فخدشه خدشا يسيرا، فانتقض بعد ذلك فمات. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطل فأشار إلى رأسه فامتخض (٧) قيحا فقتله.

стр. 954

ثم ذكر ابن إسحاق: أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة وهم خالد وهشام والوليد. فقال لهم: أي بني، أوصيكم بثلاث، دمي في خزاعة فلا تطلوه (١)، والله إني لاعلم أنهم منه براء ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم. ورباي في ثقيف، فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقري (٢) عند أبي أزيهر الدوسي فلا يفوتنكم به. وكان أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات، وكان قد قبض عقرها منه - وهو صداقها - فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد، وقالوا إنما قتله سهم صاحبكم، فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الامر. ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل واصطلحوا وتحاجزوا. قال ابن إسحاق: ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز فقتله، وكان شريفا في قومه. وكانت ابنته (٣) تحت أبي سفيان - وذلك بعد بدر - فعمد يزيد بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبو غائبا، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد فلامه على ذلك وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه: أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس؟ وكتب حسان بن ثابت قصيدة (٤) له يحض أبا سفيان في دم أبي أزيهر، فقال بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا وقد ذهب أشرافنا يوم بدر. ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله ﷺ سأله في ربا أبيه من أهل الطائف؟. قال ابن إسحاق: فذكر لي بعض أهل العلم إن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) [البقرة: ٢٧٨] وما بعدها. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الاسلام بين الناس، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الأسلمي (٥) خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر فقامت دونه أم غيلان (٦) ونسوة كن معها حتى منعتهم. قال السهيلي: يقال إنها أدخلته بين درعها وبدنها.

стр. 955

قال ابن هشام: فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتته أم غيلان وهي ترى أن ضرارا أخوه، فقال لها عمر: لست بأخيه إلا في الاسلام، وقد عرفت منتك عليه فأعطاها على أنها بنت سبيل. قال ابن هشام: وكان ضرار بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: انج يا ابن الخطاب لا أقتلك فكان عمر يعرفها له بعد الاسلام (١) ﵄. فصل وذكر البيهقي هاهنا (٢) دعاء النبي ﷺ على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف وأورد ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن ابن مسعود. قال: خمس مضين، اللزام (٣) والروم، والدخان، والبطشة، والقمر. وفي رواية عن ابن مسعود. قال: إن قريشا، لما استعصت على رسول الله ﷺ وأبطئوا عن الاسلام. قال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " قال فأصابتهم سنة حتى حصت (٤) كل شئ، حتى أكلوا الجيف والميتة وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع. ثم دعا فكشف الله عنهم، ثم قرأ عبد الله هذه الآية: (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) [الدخان: ١٥] قال فعادوا فكفروا فأخروا إلى يوم القيامة - أو قال فأخروا إلى يوم بدر - قال عبد الله: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) [الدخان: ١٦] قال يوم بدر. وفي رواية عنه (٥) قال: لما رأى رسول الله ﷺ من الناس إدبارا. قال: " اللهم سبع كسبع يوسف " فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام. فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وأن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر. فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فانجذب (٦) السحاب عن رأسه فسقي

стр. 956

الناس حولهم، قال لقد مضت آية الدخان - وهو الجوع الذي أصابهم - وذلك قوله: (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) وآية الروم (١)، والبطشة الكبرى. وانشقاق القمر، وذلك كله يوم بدر. قال البيهقي: يريد - والله أعلم - البطشة الكبرى والدخان وآية اللزام كلها حصلت ببدر. قال وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية. ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب [السختياني] عن عكرمة عن ابن عباس. قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ يستغيث من الجوع لإنهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن (٢)، فأنزل الله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) [المؤمنون: ٧٦] قال فدعا رسول الله ﷺ حتى فرج الله عنهم. ثم قال الحافظ البيهقي: وقد روى في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة (٣)، ولعله كان مرتين والله أعلم. فصل ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى: (آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) [الروم: ١ - ٦]. ثم روى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة (٤) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لإنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لإنهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر فذكره أبو بكر للنبي ﷺ فقال [له]: " أما أنهم سيظهرون " فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال: " ألا جعلته أداة " (٥). قال دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك. وقد أوردنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المباحث - أي المراهن - لأبي بكر أمية بن

стр. 957

خلف وأن الرهن كان على خمس قلايص، وأنه كان إلى مدة، فزاد فيها الصديق عن أمر رسول الله ﷺ وفي الرهن. وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر - أو كان يوم الحديبية - فالله أعلم. ثم روى من طريق الوليد بن مسلم حدثنا أسيد الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه. قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة. فصل الاسراء برسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ذكر ابن عساكر أحاديث الاسراء في أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وروى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: أسري (١) برسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة. قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. ثم روى الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي. أنه قال: فرض على رسول الله ﷺ الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره بستة عشر شهرا (٢)، فعلى قول السدي يكون الاسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول. وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عثمان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس. قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول. وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات. فيه انقطاع. وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته وقد أورد حديثا لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الاسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الاسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك والله أعلم. وينشد بعضهم في ذلك:

стр. 958

ليلة الجمعة عرج بالنبي … ليلة الجمعة أول رجب وهذا الشعر عليه ركاكة وإنما ذكرناه استشهادا لمن يقول به. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعزو، والكلام عليها ومعها ففيها مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة. ولنذكر ملخص كلام ابن إسحاق ﵀ فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول: ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو بيت المقدس من إيلياء - وقد فشا الاسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها. قال: وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه ﷺ عن [عبد الله] بن مسعود وأبي سعيد [الخدري] وعائشة ومعاوية وأم هانئ بنت أبي طالب ﵃ والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره. وكان في مسراه ﷺ وما ذكر لي منه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله وقدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. وكان عبد الله بن مسعود - فيما بلغني - يقول: أتى رسول الله ﷺ بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في موضع منتهى طرفها - فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية: من لبن، وخمر، وماء. فذكر أنه شرب اناء اللبن، فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك. وذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبه البراق وهو دابة أبيض، بين البغل والحمار، وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، ثم حملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته. قلت: وفي الحديث وهو عن قتادة فيما ذكره ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما أراد ركوب البراق شمس (١) به فوضع جبريل يده على معرفته (٢) ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع، فوالله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه. قال فاستحى حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته. قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله ﷺ ومضى معه جبريل حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله ﷺ فصلى بهم، ثم ذكر

стр. 959

اختياره إناء اللبن على إناء الخمر وقول جبريل له هديت وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر. قال: ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فأصبح يخبر قريشا بذلك فذكر أنه كذبه أكثر الناس وارتدت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصديق إلى التصديق وقال إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية أفلا أصدقه في بيت المقدس وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس فذكرها له رسول الله ﷺ قال فيومئذ سمي أبو بكر الصديق. قال الحسن وأنزل الله في ذلك: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) الآية. وذكر ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانئ. أنها قالت: ما أسري برسول الله ﷺ إلا من بيتي نام عندي تلك الليلة بعدما صلى العشاء الآخرة، فلما كان قبيل الفجر أهبنا (١) فلما صلى (٢) الصبح وصلينا معه. قال: يا أم هاني، لقد صليت معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت الغداة معكم الآن كما ترين " ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه فقلت يا نبي الله لا تحدث بهذا الحديث الناس فيكذبونك ويؤذونك. قال: " والله لأحدثنهموه " فأخبرهم فكذبوه. فقال وآية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان (٣) مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان. وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء (٤) يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء. قال: فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل الذي وصف لهم، وسألوهم عن الاناء وعن البعير فأخبروهم كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه. وذكر يونس بن بكير عن أسباط عن إسماعيل السدي أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير، فدعا الله فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم. قال فلم تحتبس الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون. رواه البيهقي. قال ابن إسحاق: وأخبرني من لا أتهم عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدني فيه صاحبي، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء، يقال

стр. 960

له: باب الحفظة عليه بريد (١) من الملائكة يقال له: إسماعيل، تحت يده اثنا عشر ألف ملك، تحت يد كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك، قال: يقول رسول الله ﷺ إذا حدث بهذا الحديث (وما يعلم جنود ربك إلا هو). ثم ذكر بقية الحديث وهو مطول جدا وقد سقناه باسناده ولفظه بكماله في التفسير وتكلمنا عليه فإنه من غرائب الأحاديث وفي إسناده ضعف، وكذا في سياق حديث أم هانئ فإن الثابت في الصحيحين من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس أن الاسراء كان من المسجد من عند الحجر وفي سياقه غرابة أيضا من وجوه قد تكلمنا عليها هناك ومنها قوله: وذلك قبل أن يوحى إليه، والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شئ ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك، وذلك قبل أن يوحى إليه بل جاءه بعد ما أوحي إليه فكان الاسراء قطعا بعد الايحاء إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون وهو الأظهر، وغسل صدره تلك الليلة قبل الاسراء غسلا ثانيا - أو ثالثا - على قول أنه مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد. وأنكر حذيفة ﵁ دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه وهذا غريب، والنص المثبت مقدم على النافي. ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء وصلاته بهم أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم أو بعد نزوله منها كما دل عليه بعض السياقات وهو أنسب كما سنذكره على قولين فالله أعلم. وقيل إن صلاته بالأنبياء كانت في السماء، وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء هل كانت ببيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح والمقصود أنه ﷺ لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السلم فصعد فيه إلى السماء ولم يكن الصعود على البراق كما قد يتوهمه بعض الناس بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة. فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة وكلما جاء سماء تلقته منها مقربوها ومن فيها من أكابر الملائكة والأنبياء وذكر أعيان من رآه من المرسلين كآدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية (٢) وإدريس في الرابعة، وموسى في السادسة - على الصحيح - وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه صلاة وطوافا ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ثم جاوز مراتبهم كلهم حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، ورفعت لرسول الله ﷺ سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة ألوان متعددة باهرة وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة وفراش من ذهب وغشيها من نور الرب ﷻ ورأى هناك

стр. 961

جبريل ﵇ له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض وهو الذي يقول الله تعالى: (لقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى) أي ما زاغ يمينا ولا شمالا ولا ارتفع عن المكان الذي حد له النظر إليه. وهذا هو الثبات العظيم والأدب الكريم وهذه الرؤيا الثانية لجبريل ﵇ على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة ﵃ أجمعين. والأولى هي قوله تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الاعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) وكان ذلك بالأبطح، تدلى جبريل على رسول الله ﷺ سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى، هذا هو الصحيح في التفسير كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم ﵃. فأما قول شريك عن أنس في حديث الاسراء ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث والله أعلم. وإن كان محفوظا فليس بتفسير للآية الكريمة بل هو شئ آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة والله أعلم. وفرض الله على عبده محمد ﷺ وعلى أمته الصلوات ليلتئذ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه حتى وضعها الرب ﷻ وله الحمد والمنة إلى خمس. وقال هي خمس وهي خمسون الحسنة بعشر أمثالها، فحصل له التكليم من الرب ليلتئذ، وأئمة السنة كالمطبقين على هذا، واخلفوا في الرؤية فقال بعضهم رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد، وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل ﵄، وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين وأختاره ابن جرير وبالغ فيه وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. وقالت طائفة لم يقع ذلك لحديث أبي ذر في صحيح مسلم. قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: " نور أنى أراه " وفي رواية " رأيت نورا ". قالوا ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روى في بعض الكتب الإلهية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم: ثم هبط رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الذي طلبوا إليه، ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل - عندما يتقدم ذاك للسلام عليه - هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية. ومما يدل على ذلك أنه قال فلما حانت الصلاة: أممتهم. ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه ، فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم، ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة فأصبح بها وهو في غاية الثبات

стр. 962

والسكينة والوقار. وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها - أو بعضها - غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه ﷺ أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطف بإخبارهم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة وذلك أن أبا جهل - لعنه الله - رأى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام وهو جالس واجم. فقال له: هل من خبر؟ فقال نعم! فقال: وما هو؟ فقال إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس. قال إلى بيت المقدس؟ قال نعم! قال أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم أتخبرهم بما أخبرتني به؟ قال نعم فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك وأراد رسول الله ﷺ جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم. فقال أبو جهل: هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتني به، فقص عليهم رسول الله ﷺ خبر ما رأى وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه، فمن بين مصفق وبين مصفر تكذيبا له واستبعادا لخبره وطار الخبر بمكة وجاء الناس إلى أبي بكر ﵁ فأخبروه أن محمدا ﷺ يقول كذا وكذا. فقال: إنكم تكذبون عليه فقالوا والله إنه ليقوله. فقال: إن كان قاله فلقد صدق. ثم جاء إلى رسول الله ﷺ وحوله مشركي قريش فسأله عن ذلك فأخبره فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به. وفي الصحيح: أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. قال: فجعلت أخبرهم عن آياته فالتبس علي بعض الشئ، فجلى الله لي بيت المقدس حتى جعلت أنظر إليه دون دار عقيل وأنعته لهم. فقال: أما الصفة فقد أصاب (١). وذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم وما كان من شربه مائهم، فأقام الله عليهم الحجة واستنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه. كما قال الله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) [الاسراء: ٦٠] أي اختبارا لهم وامتحانا. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ وهذا مذهب جمهور السلف والخلف من الاسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك. ولهذا قال فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه) [الاسراء: ١] والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد والعبد عبارة عنهما. وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له إذ ليس في ذلك

стр. 963

كبير أمر، فدل على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا مناما. وقوله في حديث شريك عن أنس: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ حين ذهب رسول الله ﷺ الطائف فكذبوه، قال فرجعت مهموما فلم استفق إلا بقرن الثعالب، وفي حديث أبي أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله ﷺ ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله ﷺ واشتغل رسول الله ﷺ بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول الله ﷺ فلم يجد الصبي فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر. وهذا الحمل أحسن من التغليط والله أعلم. وقد حكى ابن إسحاق فقال حدثني بعض آل أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن الله أسرى بروحه. قال: وحدثني يعقوب بن عتبة: أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وكما قال إبراهيم ﵇: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) وفي الحديث: " تنام عيناي (١) وقلبي يقظان ". قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان، قد جاءه، وعاين فيه ما عاين، من أمر الله تعالى، على أي حالة كان نائما أو يقظان (٢) كل ذلك حق وصدق. قلت: وقد توقف ابن إسحاق في ذلك وجوز كلا من الامرين من حديث الجملة، ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظان لا محالة لما تقدم وليس مقتضى كلام عائشة ﵂ أن جسده ﷺ ما فقد وإنما كان الاسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السماوات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما. لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين ﵂، ومراد من تابعها على ذلك. لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام والله أعلم. تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه ﷺ كان لا يرى

стр. 964

رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الارهاص والتوطئة والتثبت والايناس والله أعلم. ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة؟ فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة، والمعراج في المنام. وقد حكى المهلب (١) بن أبي صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء مرتين، مرة بروحه مناما، ومرة ببدنه وروحه يقظة وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه. قال السهيلي: وهذا القول يجمع الأحاديث فإن في حديث شريك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وقال في آخره: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر وهذا منام. ودل غيره على اليقظة، ومنهم من يدعي تعدد الاسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم: إنها أربع إسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ أن يوفق بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد فجعل ثلاث إسراءات، مرة من مكة إلى البيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات (٢). فنقول: إن كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصيا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) وإن كان إنما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة إلى بيت المقدس وإلى السماوات فلا يلزم من الحصر العقلي والوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل والله أعلم. والعجب أن الامام أبا عبد الله البخاري ﵀ ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبي طالب فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الامر، وخالفه في ذكره بعد موت أبي طالب، وابن إسحاق أخر ذكر موت أبي طالب على الاسراء، فالله علم أي ذلك كان. والمقصود أن البخاري فرق بين الاسراء وبين المعراج فبوب لكل واحد منهما

стр. 965

بابا على حدة فقال: باب حديث الاسراء وقول الله : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لما كذبتني قريش كنت (١) في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أحدثهم (٢) عن آياته وأنا أنظر إليه " (٣). وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر به. ورواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. ثم قال البخاري باب حديث المعراج: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به. قال: " بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا (٤) إذ أتاني آت " فقال (٥) وسمعته يقول: " فشق ما بين هذه إلى هذه " فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به. قال: من نقرة (٦) نحره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصه إلى شعرته. " فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض " فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم!: " يضع خطوه عند أقصى طرفه. فحملت عليه، فانطلق بي جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم! قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه [قال نعم!] (٧) قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم! قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال:

стр. 966

مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل قال: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال محمد قيل: وقد أرسل إليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى، فقيل له ما يبكيك؟ قال: أبكي لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتي. ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبرائيل قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: ما هذا يا جبرائيل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت باناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن قال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. ثم فرض علي الصلوات خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله جريت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ". هكذا روى البخاري هذا الحديث ههنا (١). وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قتادة عن

стр. 967

أنس عن مالك بن صعصعة. ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبي بن كعب. ومن حديث أنس عن أبي ذر. ومن طرق كثيرة عن أنس عن النبي ﷺ . وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير، ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس، وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده. ومن جعل كل رواية اسراد على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا. وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات. فكيف يمكن أن يدعي تعدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة والله أعلم. ثم قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس). قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس، والشجرة الملعونة في القرآن. قال: هي شجرة الزقوم (١). فصل ولما أصبح رسول الله ﷺ من صبيحة ليلة الاسراء جاءه جبرائيل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه فاجتمعوا وصلى به جبرائيل في ذلك اليوم إلى الغد والمسلمون يأتمون بالنبي ﷺ وهو يقتدي بجبرائيل كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر: " أمني جبرائيل عند البيت مرتين ". فبين له الوقتين الأول والآخر، فهما وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب. وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في صحيح مسلم. وموضع بسط ذلك في كتابنا الاحكام ولله الحمد. فأما ما ثبت في صحيح البخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر (٢). وكذا رواه الأوزاعي عن الزهري، ورواه الشعبي عن مسروق عنها وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر، وكذا عثمان بن عفان وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم

стр. 968

جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) [النساء: ١٠١]. قال البيهقي (١): وقد ذهب الحسن البصري إلى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا كما ذكره مرسلا من صلاته ﵇ صبيحة الاسراء الظهر أربعا، والعصر أربعا والمغرب ثلاثا يجهر في الأوليين، والعشاء أربعا يجهر في الأوليين. والصبح ركعتين يجهر فيهما. قلت: فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الاسراء تكون ركعتين ركعتين (٢) ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه، ورخص في السفر أن يصلي ركعتين كما كان الامر عليه قديما وعلى هذا لا يبقي إشكال بالكلية والله أعلم. فصل [في] انشقاق القمر في زمان النبي ﷺ وجعل الله له آية على صدق رسول الله ﷺ فيما جاء به من الهدى ودين الحق حيث كان ذلك وقت إشارته الكريمة، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا وأتعبوا أهواءهم وكل أمر مستقر) [القمر: ١ - ٣] وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه ﵊. وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها. ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد تقصينا ذلك في كتابنا التفسير فذكرنا الطرق والألفاظ محررة، ونحن نشير ههنا إلى أطراف من طرقها ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته. وذلك مروي عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين. أما أنس فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين (٣). فقال: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وهذا من مرسلات

стр. 969

الصحابة، والظاهر أنه تلقاه عن الجم الغفير من الصحابة، أو عن النبي ﷺ ، أو عن الجميع وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شيبان. زاد البخاري وسعيد بن أبي عروبة وزاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن قتادة عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما لفظ البخاري (١). وأما جبير بن مطعم فقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم [عن أبيه]. قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فرقه على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل. فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به أحمد. وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به. وقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده به (٢)، فزاد رجلا في الاسناد. وأما حذيفة بن اليمان: فروى أبو نعيم في الدلائل (٣) من طريق عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي. قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق. فلما كانت الجمعة الثانية انطلقت مع أبي إلى الجمعة فحمد الله وقال مثله وزاد: ألا وإن السابق من سبق إلى الجمعة. فلما كنا في الطريق قلت لأبي ما يعني بقوله - غدا السباق. قال من سبق إلى الجنة. وأما ابن عباس: فقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير (٤) حدثنا بكر، عن جعفر [بن ربيعة]، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. قال: إن القمر انشق في زمان النبي ﷺ . ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر - وهو ابن مضر (٥) - عن جعفر قوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر).

стр. 970

قال: قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه. وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵁ وهو من مرسلاته (١). وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا بكر بن سهيل حدثنا عبد الغني بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر). قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب [بن أسد بن عبد العزى]، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم [كثير] (٢). فقالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان (٣). فقال لهم النبي ﷺ : " إن فعلت تؤمنوا؟ " قالوا نعم! وكانت ليلة بدر - فسأل الله أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد سلب (٤) نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان، ورسول الله ﷺ ينادي يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن الأرقم اشهدوا. ثم قال أبو نعيم. وحدثنا سليمان بن أحمد (٥)، حدثنا الحسن بن العباس الرازي، عن الهيثم بن العمان، حدثنا إسماعيل بن زياد، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس. قال: انتهى أهل مكة إلى رسول الله ﷺ فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبرائيل فقال يا محمد قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيروا آية إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسول الله ﷺ بمقالة جبرائيل فخرجوا ليلة الشق ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفا على الصفا ونصفا على المروة فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا. فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر واهب فأنزل الله: (اقتربت الساعة وانشق القمر). ثم روى الضحاك عن ابن عباس. قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن بها، فسأل ربه فأراهم القمر قد انشق بجزئين، أحدهما على الصفا والآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب. فقالوا: هذا سحر مفترى. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الرزاز، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا سحر القمر فنزلت: (اقتربت

стр. 971

الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر). وهذا إسناد جيد وفيه أنه كسف تلك الليلة فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الأرض ومع هذا قد شوهد ذلك في كثير من بقاع الأرض ويقال: إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر. وأما ابن عمر فقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش عن مجاهد به. قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود (١). وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وأما عبد الله بن مسعود: فقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عن ابن مسعود. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ اشهدوا. وهكذا أخرجاه من حديث سفيان - وهو بن عيينة - به. ومن حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن سمرة عن ابن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله ﷺ بمنى، فقال النبي ﷺ : " اشهدوا " وذهبت فرقة نحو الجبل. لفظ البخاري (٢). ثم قال البخاري وقال أبو الضحاك عن مسروق عن عبد الله - بمكة - وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله ﵁ (٣). وقد أسند أبو داود الطيالسي حديث أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. فقالوا: أنظروا ما يأتيكم به السفار؟ فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال فجاء السفار فقالوا ذلك (٤). وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله. قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين. فقال كفار قريش لأهل مكة (٥): هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، أنظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال فسئل السفار، قال - وقدموا من

стр. 972

كل وجهة - فقالوا: رأينا. وهكذا رواه أبو نعيم: من حديث جابر، عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله به. وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله - وهو ابن مسعود -. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر. وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسباط عن سماك به. وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين الوادعي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يزيد، عن عطاء، عن سماك، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ بمنى وانشق القمر حتى صار فرقتين، فرقة خلف الجبل. فقال النبي ﷺ : " اشهدوا، اشهدوا " وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس، ثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود. قال: انشق القمر ونحن بمكة، فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة. وحدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا معاوية بن عمرو عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله. قال: انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين. ثم روى من حديث علي بن سعيد بن مسروق حدثنا موسى بن عمير عن منصور بن المعتمر عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود. قال: رأيت القمر والله منشقا باثنتين بينهما حراء. وروى أبو نعيم من طريق السدي الصغير عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس. قال: انشق القمر فلقتين. فلقة ذهبت، وفلقة بقيت. قال ابن مسعود: لقد رأيت جبل حراء بين فلقتي القمر، فذهب فلقة. فتعجب أهل مكة من ذلك وقالوا هذا سحر مصنوع سيذهب. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين. فقال النبي ﷺ لأبي بكر: " فاشهد يا أبا بكر " وقال المشركون: سحر القمر حتى انشق. فهذه طرق متعددة قوية الأسانيد تفيد القطع لمن تأملها وعرف عدالة رجالها. وما يذكره بعض القصاص من أن القمر سقط إلى الأرض حتى دخل في كم النبي ﷺ وخرج من الكم الآخر فلا أصل له، وهو كذب مفترى ليس بصحيح. والقمر حين انشق لم يزايل السماء غير أنه حين أشار إليه النبي ﷺ انشق عن إشارته فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه شاهد ذلك. وما وقع في رواية أنس في مسند أحمد: فانشق القمر بمكة مرتين فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين (١) والله أعلم.

стр. 973

فصل [في] وفاة أبي طالب عم رسول الله ﷺ ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله ﷺ ﵂. وقيل بل هي توفيت قبله والمشهور الأول. وهذان المشفقان، هذا في الظاهر وهذه في الباطن، هذاك كافر وهذه مؤمنة صديقة ﵂ وأرضاها. قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الابتلاء (١) يسكن إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه. وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا. فحدثني هشام بن عروة عن أبيه. قال: فدخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسله وتبكي، ورسول الله ﷺ يقول: " لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك " ويقول بين ذلك: " ما نالت مني (٢) قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ". وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أن أحدهم ربما طرح الأذى في برمته إذا نصبت له. قال فكان إذا فعلوا ذلك كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة يخرج بذلك الشئ على العود فيقذفه على بابه ثم يقول: يا بني عبد مناف أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق. قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا (٣). قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد [بن عباس] عن بعض أهله عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه - وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم .. فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ لنا منه، وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه.

стр. 974

فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك. قال فقال رسول الله ﷺ : " نعم (١) كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ". فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات. قال: " تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه ". فصفقوا بأيديهم. ثم قالوا: يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟! إن أمرك لعجب. قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. قال فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي، ما رأيتك سألتهم شططا. قال: فطمع رسول الله ﷺ فيه فجعل يقول له: " أي عم، فأنت قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة " فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. قال: فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بإذنه، قال فقال: يا بان أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال فقال رسول الله ﷺ : " لم أسمع " قال وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط: (ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق) [ص: ١ - ٢] الآيات. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة (٢). وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما يقول العباس هذا الحديث، يا ابن أخي، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها - " يعني لا إله إلا الله - والجواب عن هذا من وجوه. أحدها: أن في السند مبهما لا يعرف حاله وهو قول عن بعض أهله وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد. وقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبي أسامة عن الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر قول العباس. ورواه الثوري أيضا عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس. ورواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير أيضا (٣). ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبي ﷺ عند رأس أبي طالب، فجلس رجل (٤) فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك. وشكوه إلى أبي طالب. فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ فقال: " يا عم إنما أريد

стр. 975

منهم كلمة تذل لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم، كلمة واحدة ". قال: ما هي؟ قال: " لا إله إلا الله " قال فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب! قال: ونزل فيهم: (ص والقرآن ذي الذكر) الآيات إلى قوله: (إلا اختلاق) [ص: ١ - ٧] ثم قد عارضه - أعني سياق ابن إسحاق - ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري قائلا: حدثنا محمود [بن غيلان] حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه (١) ﵁. أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل. فقال: " أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : " لأستغفر لك ما لم أنه عنك " فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) [التوبة: ١١٢] ونزلت: (إنك لا تهدي من أحببت) ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الله عن عبد الرزاق (٢). وأخرجاه أيضا من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وقال فيه: فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال: على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي ﷺ : " أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله - يعني بعد ذلك -: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) ونزل في أبي طالب: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) وهكذا روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله ﷺ : فقال: " يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه إلا فزع (٣) الموت لأقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك. فأنزل الله : (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) [القصص: ٥٦] وهكذا قال عبد الله بن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول لا إله إلا الله فأبى أن يقولها، وقال: هو على ملة الأشياخ وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. ويؤكد هذا كله ما قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى [بن محمد بن يحيى]، عن سفيان عن عبد الملك بن عمير حدثني عبد الله بن الحارث [بن

стр. 976

نوفل] قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: " [هو] في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل [من النار] " (١) ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن عبد الملك بن عمير به [و] أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث حدثني [يزيد] ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد أنه سمع النبي ﷺ ذكر عنده عمه فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه " لفظ البخاري (٢). وفي رواية " تغلي منه أم دماغه " وروى مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه " وفي مغازي يونس بن بكير " يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه " ذكره السهيلي. وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا عمرو - هو ابن إسماعيل بن مجالد - حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي عن جابر. قال سئل رسول الله ﷺ أو قيل له - هل نفعت أبا طالب؟ قال: " أخرجته من النار إلى ضحضاح منها " تفرد به البزار. قال السهيلي: وإنما لم يقبل النبي ﷺ شهادة العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: " لم أسمع " لان العباس كان إذ ذاك كافرا غير مقبول الشهادة. قلت: وعندي أن الخبر بذلك ما صح لضعف سنده كما تقدم. ومما يدل على ذلك أنه سأل النبي ﷺ بعد ذلك عن أبي طالب فذكر له ما تقدم، وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفع نفسا إيمانها والله أعلم. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت ناجية بن كعب يقول سمعت عليا يقول: لما توفي أبي أتيت رسول الله ﷺ فقلت إن عمك قد توفي. فقال: " إذهب فواره " فقلت إنه مات مشركا، فقال: " إذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتي " ففعلت فأتيته، فأمرني أن أغتسل. ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية عن علي: لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟ قال: " اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شئ (٣). وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، حدثنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا

стр. 977

محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ عاد (١) من جنازة أبي طالب فقال: " وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم ". قال: وروي عن أبي اليمان الهوزني عن النبي ﷺ مرسلا وزاد، ولم يقم على قبره. قال: وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي تكلموا فيه. قلت: قد روى عنه غير واحد منهم الفضل بن موسى السيناني (٢) ومحمد بن سلام البيكندي (٣)، ومع هذا قال ابن عدي ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة. وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله ﷺ والدفع عنه وعن أصحابه وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله ﷺ صادق بار راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه. وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من صحيح البخاري، وشاهد ذلك قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) وقال تعالى في قوم فرعون: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم). وقال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) وقول بعض السلف في قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) أنها نزلت في أبي طالب حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله ﷺ وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق. فقد روي عن ابن عباس، والقاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، ففيه نظر والله أعلم. والأظهر والله أعلم الرواية الأخرى عن ابن عباس، وهم ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به. وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد - وهو اختيار ابن جرير - وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضا به. ولهذا قال: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين، وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن

стр. 978

يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) وهذا اللفظ وهو قوله (وهم) يدل على أن المراد بهذا جماعة وهم المذكورون في سياق الكلام وقوله: (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) يدل على تمام الذم. وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله ﷺ وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال. ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الايمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه (١). فصل موت خديجة بنت خويلد وذكر شئ من فضائلها ومناقبها ﵁ وأرضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها. وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة. ثم روى من وجه آخر عن الزهري أنه قال: توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقبل أن تفرض الصلاة. وقال محمد بن إسحاق: ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد. وقال البيهقي: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. ذكره عبد الله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ. قال البيهقي وزعم الواقدي أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة (٢).

стр. 979

قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الاسراء، وكان الأنسب بنا أن نذكر وفاة أبي طالب وخديجة قبل الاسراء كما ذكره البيهقي وغير واحد، ولكن أخرنا ذلك عن الاسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك فإن الكلام به ينتظم ويتسق الباب كما تقف على ذلك إن شاء الله. وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. قال: أتى جبرائيل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به (١). وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل. قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: بشر النبي ﷺ خديجة؟ قال نعم! ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ورواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به. قال السهيلي: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق إلى الايمان، لا صخب فيه ولا نصب لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ولم تتبعه يوما من الدهر فلم تصخب عليه يوما ولا آذته أبدا. وأخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة. وهلكت قبل أن يتزوجني - لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب. وإن كان ليذبح الشاة فيهدى في خلائلها منها ما يسعهن. لفظ البخاري، وفي لفظ عن عائشة ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها. وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه - أو جبرائيل - أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب (٢). وفي لفظ له قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة - وما رأيتها - ولكن كان يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة. فربما قلت كأنه لم يكن في

стр. 980

الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: " إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد " ثم قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع فقال: " اللهم هالة ". [قالت] فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر [قد] (١) أبدلك الله خيرا منها. وهكذا رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به. وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة إما فضلا وإما عشرة. إذا لم ينكر عليها ولا رد عليها ذلك كما هو ظاهر سياق البخاري ﵀ ولكن قال الإمام أحمد حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن، حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك - هو ابن عمير - عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت: ذكر رسول الله ﷺ يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين. قال فتغير وجه رسول الله ﷺ تغيرا لم أره تغير عند شئ قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا. وكذا رواه عن بهز بن أسد وعثمان بن مسلم كلاهما عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير به. وزاد بعد قوله حمراء الشدقين، هلكت في الدهر الأول. قال: قال فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا. تفرد به أحمد. وهذا إسناد جيد. وقال الإمام أحمد أيضا عن ابن إسحاق أخبرنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة. قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء. قالت فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها. قال: " ما أبدلني الله خيرا منها، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبنني، وآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء " تفرد به أحمد أيضا. وإسناده لا بأس به ومجالد روى له مسلم متابعة وفيه كلام مشهور والله أعلم. ولعل هذا أعني قوله: ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء. كان قبل أن يولد إبراهيم بن النبي ﷺ من مارية، وقبل مقدمها بالكلية وهذا معين. فإن جميع أولاد النبي ﷺ كما تقدم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية المصرية ﵂. وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة ﵂ وأرضاها، وتكلم آخرون في إسناده وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة وهو محتمل أو ظاهر. وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها قد أبدلك الله خيرا منها أنها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة، فإن هذا أمر مرجعه إلى الله كما قال (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) [النجم: ٣٢] وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء) [النساء: ٤٩] الآية وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين

стр. 981

العلماء قديما وحديثا وبجانبها طرقا يقتصر عليها أهل الشيع وغيرهم لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي ﷺ جميعهم - إلا إبراهيم منها. وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها، وتقدير إسلامها، وكونها من الصديقات ولها مقام صدق في أول البعثة. وبذلت نفسها ومالها لرسول الله ﷺ وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات وروت بعده عنه ﵇ علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " (١) (والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره، والأحسن التوقف في ذلك إلى الله . ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول الله أعلم. وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب ﵁. قال قال رسول الله ﷺ : " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " (٢) أي خير زمانهما. وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن إياس ﵁. قال قال رسول الله ﷺ : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (٣) رواه ابن مردويه في

стр. 982

تفسيره. وهذا إسناد صحيح إلى شعبة وبعده. قالوا والقدر المشترك بين الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت إليه وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل. وخديجة رغبت في تزويج رسول الله ﷺ بها وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله . وقوله: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة الطيب الهمداني عن أبي موسى الأشعري. قال قال رسول الله ﷺ : " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون. ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد هو الخبز واللحم جميعا وهو أفخر طعام العرب كما قال بعض الشعراء: إذا ما الخبز تأدمه بلحم … فذاك، أمانة الله الثريد ويحمل قوله " وفضل عائشة على النساء " أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوف يحتمل التسوية بينهن فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج والله أعلم. فصل في تزويجه ﷺ بعد خديجة ﵂[بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة ﵄] (١) والصحيح أن عائشة تزوجها أولا كما سيأتي. قال البخاري في باب تزويج عائشة … حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: " أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة من حرير، ويقول هذه امرأتك. فاكشف عنها فإذا هي أنت، فأقول إن كان هذا (٢) من عند الله يمضه " قال البخاري باب نكاح الأبكار. وقال ابن أبي مليكة قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي ﷺ بكرا غيرك … حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: " في التي (٣) لم يرتع منها " تعني أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها. انفرد

стр. 983

به البخاري ثم قال حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " أريتك في المنام فيجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت إن يكن هذا من عند الله يمضه " (١) وفي رواية " أريتك في المنام ثلاث ليال " وعند الترمذي أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. وقال البخاري [في باب] تزويج الصغار من الكبار، حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن يزيد عن عراك عن عروة أن رسول الله ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال: " أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال " (٢) هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل وهو عند البخاري والمحققين متصل لأنه من حديث عروة عن عائشة ﵂، وهذا من إفراد البخاري ﵀. وقال يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: تزوج رسول الله ﷺ عائشة بعد خديجة بثلاث سنين وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبني بها وهي ابنة تسع. ومات رسول الله ﷺ وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة. وهذا غريب. وقد روى البخاري عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ بثلاث سنين، فلبث سنتين (٣) أو قريبا من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين، وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الامر. وقوله تزوجها وهي ابنت ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع ما لا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في الصحاح وغيرها - وكان بناؤه بها ﵇ في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة. وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو من ثلاث سنين ففيه نظر. فإن يعقوب بن سفيان الحافظ قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة، وأنا ابنة سبع - أو ست سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مجممة (٤)، فهيآنني وصنعنني ثم أتين بي إلى رسول الله ﷺ [فبنى بي] وأنا ابنة تسع سنين. فقوله في هذا الحديث متوفى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج. فوعكت فتمزق

стр. 984

شعري وقد وفت لي جميمة فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها ما أدري ما تريد مني فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمست (١) به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار قال: فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمنني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين. وقال الإمام أحمد في مسند عائشة أم المؤمنين حدثنا محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمرو [حدثنا] أبو سلمة ويحيي. قالا [قالت عائشة] (٢): لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قالت أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر. قال ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة. قد آمنت بك واتبعتك. قال: فاذهبي فاذكريهما علي. فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: أنظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قال وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة قال: وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له قال: " ارجعي إليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الاسلام، وابنتك تصلح لي " فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي. فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصبى صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي أقول هذه تقول؟ [قال] (٣) إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال لخولة ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك؟ قالت أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك إليه. قالت وددت أدخلي إلى أبي - بكر - فاذكري ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية، فقال من هذه؟ قالت خولة بنت حكيم. قال فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. فقال كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت تحب ذلك. قال ادعيها إلي فدعتها قال: أي بنية إن هذه تزعم إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفؤ

стр. 985

كريم أتحبين أن أزوجك به؟ قالت نعم. قال أدعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل (١) يحثي على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وأنا لفي أرجوحة بين عذقين يرجح بي فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشئ من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجرة ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك. فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا ما نحرت علي جزور، ولا ذبحت علي شاة. حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين (٢). وهذا السياق كأنه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي: من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس الأزدي (٣) عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال: قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم [إلى رسول الله ﷺ ] فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: ومن؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال من البكر ومن الثيب؟ قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك [: عائشة]، وأم الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك. قال: فاذكريهما علي (٤). وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم. وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود حدثنا شريك عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله ﷺ يقسم لي بيومها مع نسائه. قالت وكانت أول امرأة تزوجها بعدي. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثني شهر حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصبية، كان لها خمس صبية - أو ست - من بعلها مات. فقال رسول الله ﷺ : " ما يمنعك مني؟ " قالت والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكني
следующие страницы →