Полный текст (604 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اسم الاشارة كأنه قال: ليفتدوا بذلك، وذلك يشار به إلى الواحد
والاثنين والجمع.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) وحال النبي ﵊ مع أهل الكتاب
إذا تحاكموا إليه لايخلوا من هذين القسمين، لأنه إما أن يحكم بينهم
أو يعرض عنهم ؟
قلنا: فائدته تخيير النبى ﵊ بين الحكم بينهم
وعدمه، ليعلم أنه لا يجب عليه أن يحكم بينهم، كما يجب عليه ذلك
بين المسلمين إذا تحاكموا إليه، وقيل: إن هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) يعنى بما أنزل الله عليك
وهو القرآن، يدل عليه أول الآية (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) .
فى الحكم بالتوراة.
* * *
فإن قيل: لما أنزل الله تعالى القرآن صار الانجيل منسوخاً به، فكيف قال: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) ؟
قلنا: معناه ولما أنزلنا الانجيل، قلناء وليحكم أهل الانجيل بما أنزل
الله فيه، وقيل: معناه وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه من
صدة نبوة محمد ﵊ بعلاماته المذكورة فى
стр. 107
الانجيل وذلك غير منسوخ.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ)
مع أن الكفار معاقبون بكل ذنوبهم ؟
قلنا: أراد (به) عقوبتهم في الدنيا، وهو ما عجله من اجلاء
بنى النضير، وقيل بنى قريظة، وذلك جزاء بعض ذنوبهم، لأنه
جزاء منقطع، وأما جزاءهم (على شركهم فهو الخلود في النار
وذلك جزاء) دائم لا يتصور وجوده في الدنيا، وقيل: أراد
بذلك البعض، ذنب التولى عن الرضا بحكم القرآن، وإنما أبهمه
تفخيماً له وتعظيماً.
* * *
فإن قيل: حسن حكم الله تعالى وصحته أمر سابت على العموم بالنسبة
إلى الموقنين وغير الموقنين، فكيف قال: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
قلنا: لما كان الموقنون أكثر انتفاعاً به من غيرهم، بل هم المنتفعون
به في الحقيقة لا غير كانوا أخص به فأضيف إليهم لذلك، ونظيره
قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يقتضى
стр. 108
أن يكون من واد أهل الكتاب، وصادقهم كافراً، وليس كذلك
لقوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... الآية) ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: "ومن يتولهم منكم " المنافقون، لأنها نزلت
فى شأنهم وهم كانوا من الكفار في الدنيا ضميراً واعتقاداً، أو معناه
أنه منهم في الآخرة (جزاء) وعقاباً بل أشد.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
وكم من ظالم هداه الله تعالى، فتاب وأقلع عن ظلمه؟
قلنا: معناه لا يهديهم ما داموا مقيين على ظلمهم، الثانى: إن معناه
لا يهدى من قضى في سابق علمه أنه يموت ضالا، الثالث: إن معناه
لا يهدى الظالمين يوم القيامة إلى طريق الجنة أي المشركين.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل أذلة
للمؤمنين، وإنما يقال ذل له، لا ذل عليه ؟
قلنا: لأنه ضمن الذل بمعنى الحنو والعطف، فعداه تعديته، كأنه قال
حانين على المؤمنين عاطفين عليهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)
وكم مرة غلب حزب الله تعالى فى
стр. 109
زمن النبى ﵊، وبعده إلى يومنا هذا؟
قلنا: المراد به الغلبة بالحجة والبرهان لا بالدولة والصولة، وحزب
الله هم المؤمنون غالبون بالحجة أبدا.
* * *
فإن قيل: المثوبة مختصة بالاحسان فكيف قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية) ؟
قلنا: لا نسلم أن الثواب والمثوبة مختص بالاحسان، بل هو الجزاء
مطلقاً بدليل قوله تعالى: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
أى هل جوزوا، وقوله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ)
وهو كلفظ البشارة لا اختصاص له لغة بالخبر السار بل هو عام شامل، قال الله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) .
* * *
فإن قيل: ما فائدة إرسأل الكتاب والرسول إلى أولئك الكثيرين الذين
قال في حقهم: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) ؟
قلنا: فائدته إلزام الحجة عليهم، الثانى: تبجيل الكتاب والرسول.
فإن الخطاب بالكتاب إذا كان عاماً، والرسول إذا كان مرسلا إلى الخلق
كلهم، كان ذلك أفخم وأعظم للرسول والمرسل.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ... الآية)
стр. 110
يقتضى تعلق الرخاء وسعة الرزق بالإيمان بالكتاب والعمل
بما فيه وليس كذلك، فإن كثيرا من المؤمنين بالكتب الأربعة العاملين
بما فيها مما لم ينسخ عيشهم في الدنيا مكدر ورزقهم مضيق؟
قلنا: هذا التعليق خاص في حق أهل الكتاب، لأنهم اشتكوا من ضيق
الرزق حتى قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) فأخبرهم الله تعالى إن
ذلك التضييق عقوبة لهم بشؤم معاصيهم وكفرهم والله تعالى
يجعل ضيق الرزق وتقتيره نعمة في حق بعض عباده، ونقمة في حق
بعضهم، وكذلك الرخاء والسعة فيعاقب بهما على المعصية ويثيب بهما
على الطاعة، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الأشخاص فلا يلزم من
توسع الرزق الإكرام ولا من تضييقه الاهانة، ولا يلزم عكسه
أيضأ، ولهذا رد الله تعالى ذلك بقوله: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) إلى قوله: (كَلَّا) . أي ليس الأمر كما ظن الإنسان وزعم من
أن توسيع الرزق دليل الكرامة، وتضييقه دليل الاهانة، بل دليل
الكرامة هو الهداية والتوفيق للطاعات، ودليل الاهانة هو الإضلال
والخذلان وحرمان التوفيق.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) .
стр. 111
ومعلوم أنه إذا لم يبلخ
المنزل إليه لم يكن قد بلغ الرسالة؟
قلنا: المراد حثه على تبليغ ما أنزل عليه من معايب اليهود
مثالبهم، فالمعنى بلغ الجميع فإن كتمت منه حرفاً كنت في الإثم
والمخالفة كمن لم يبلغ شيئاً البتة، فجعل كتمان البعض ككتمان الكل.
وقيل: هو أمر بتعجيل التبليغ كأنه ﵊ كان عازماً
على تبليغ جميع ما أنزل إليه إلا أنه أخر تبليغ البعض خوفاً على
نفسه، وحذراً مع عزمه على تبليغه في ثانى الحال فأمر
بتعجيل التبليغ ويؤيد هذا القول قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
* * *
فإن قيل: كيف ضمن الله تعالى لرسوله العصمة بقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
ثم إنه شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته ؟
قلنا: المراد به العصمة من القتل لا من مجميع أنواع الأذى، فإن
العصمة من جميع المكارم لا تناسب أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام لأنهم جامعون لمكارم الأخلاق، ومن أشرف مكارم الأخلاق
تحمل الأذى، الثانى: أن هذه الآية نزلت بعد يوم أحد لأن سورة
المائدة من أواخر ما نزل من القرآن.
стр. 112
فإن قيل: كيف قال: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) مع أن بعض
الظالمين وهم العصاة من المؤمنين يشفع فيهم النبى عليه الصلاة
والسلام يوم القيامة فيكون ناصرا لهم؟
قلنا: المراد بالظالمين هنا المشركون، يعلم ذلك من أول الآية
ووسطها.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله: (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) بعد
قوله: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) ؟
قلنا: المراد بالضلال الأول ضلالهم عن الانجيل، وبالضلال الثانى
ضلالهم عن القرآن.
* * *
فإن قيل: كيف قال:. (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)
والنهى عن المنكر بعد فعله ووقوعه لا معنى له؟
قلنا: فيه حذف مضاف تقديره: كانوا لا يتناهون عن معاودة منكر
فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما يرى
الإنسان إمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فينكر.
ويجوز أن يراد بقوله: "لا يتناهون " لا ينتهون ولا يمتنعون عن
منكر فعلوه، بل يصرون عليه ويداومون، يقال تناهى عن الأمر
وانتهى عنه بمعنى واحد أي امتنع عنه وتركه.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) والمراد
стр. 113
بقوله: "منهم " المنافقون أو اليهود على اختلاف القولين، وكلهم
فاسقون؟
قلنا: المراد به فسقهم بموالاة المشركين ودس الأخبار إليهم لا مطلق
الفسق، وذلك الفسق الخاص مخصوص بكثير منهم، وهم المذكورون
في الآية في قوله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ)
لاشاملاً لجميعهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)
وهذه الأعيان كلها مخلوقات الله
تعالى فأين عمل الشيطان في وجودها؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: إنما تعاطى الخمر والميسر ... إلى آخره
أو مباشرته.
* * *
فإن قيل: مع هذا الإضمار كيف قال: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)
وتعاطى الخمر والقمار ونحوهما من عمل الإنسان حقيقة ؟
قلنا: إنما أضيف إلى الشيطان مجازاً، لأنه هو السبب في وجود
الفعل بواسطة وسوسته وتزيينه ذلك للفساق وصار كما لو أغرى
رجل رجلا بضرب آخر، فإنه يجوز أن يقال للمغرى: هذا من
عملك، ونظيره قوله تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) .
* * *
فإن قيل: كيف جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام في الآية
стр. 114
الأولى ثم خص الخمر والميسر بالذكر في الآية الثانية؟
قلنا: لأن العداوة والبغضاء بين الناس تقع كثيراً بسبب الخمر
والميسر، وكذلك يشتغلون بهما عن الطاعة بخلاف الأنصاب والأزلام.
فإن هذه المفاسد لا توجد فيها وإن كان فيها مفاسد أخر، وقيل: إنما
كرر ذكر الخمر والميسر فقط لأن الخطاب للمؤمنين بدليل
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .
وهم إنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر فقط، وإنما جمع الأربعة في الآية الأولى ليبين للمؤمنين أن هذه الأربعة من أعمال الجاهلية، وأنه لا فرق بين من عبد صنماً أو أشرك بالله بدعوى علم الغيب، وبين من شرب الخمر أو قامر
مستحلا لهما.
* * *
فإن قيل: كيف يحسن أن يفعل الله تعالى فعلا يتوسل به إلى تحصيل
علم حتى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) ؟
قلنا: معناه ليميز الله الخائف من غير الخائف عند الناس، وقيل:
معناه ليعلم الخوف واقعاً كما علمه منتظراً.
* * *
فإن قيل. كيف قال: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)
ووصف العمدية ليس بشرط لوجوب الجزاء، فإنه
لو قتله ناسياً أو مخطئاً وجب الجزاء أيضاً؟
قلنا: عند ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم
стр. 115
وصف العمدية شرط لوجوب الجزاء، فلا يرد عليهم السؤال، وأما
عن قول الجمهور فإنما قيده بوصف العمدية لأن الواقعة التى كانت
سبب نزول الآية كانت عمداً على ما روى أنه عن للصحابة حمار
وشج بالحديبية، وهم محرومون فطعنه أبو اليسر برحه فقتله.
فنزلت الآية، فخرج وصف العمدية مخرج الواقع لا مخرج الشرط.
وقال الزهرى: نزل الكتاب بالعمد، ووردت السنة بالوجوب فى
الخطأ.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)
مع أن الشرط بلوغه إلى الحرم لا غير ؟
قلنا: لما كان المقصود من بلوغ الهدى إلى الحرم تعظيم الكعبة ذكر
الكعبة تنبيهاً على ذلك، وقيل: معناه بالغ حرم الكعبة.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
أى دلالة لهذه الأمور المذكورة على علم الله تعالى بما في السموات
وما في الأرض وبكل شيء؟
قلنا: ذلك إشادة إلى كل ما سبق ذكره من الغيوب في هذه السررة
من أحوال الأنبياء والمنافقين واليهود، لا إلى المذكور في هذه الآية.
الثانى: أن العرب كانت تسفك الدماء وتنهب الأموال، فإذا دخل
الشهر الحرام أو دخلوا إلى البلد الحرام كفوا عن ذلك، فعلم الله
تعالى أنه لو لم يجعل لهم زماناً ومكاناً يقتضى كفهم عن القتل ونهب
الأموال لهلكوا فظهرت المناسبة.
стр. 116
فإن قيل: كيف قال: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ... )
والجعل هو الخلق بدليل قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وقوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وخالق هذه الأشياه هو الله تعالى؟
قلنا: المراد بالجعل هنا الإيجاب والأمر أي ما أوجبها ولا أمر بها.
وقيل: المراد بالجعل التحريم.
* * *
فإن قيل: قول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) .
يدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهما واجبان ؟
قلنا: معنى قوله: "أنفسكم " أهل دينكم كما قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)
أى أهل دينكم، وقيل: المراد به آخر الزمان عند
فساد الناس، وتعذر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو زماننا
هذا.
* * *
فإن قيل: كيف تقول الرسل: (لا علم لنا) إذا قال الله تعالى
لهم (ماذا أجبتم) وهم عالمون بماذا أجيبوا؟
قلنا: هذا جواب الدهشة والحيرة، حين تطيش عقولهم من زفرة
جهنم نعوذ بالله منها، ومثله لا يفيد نفى العلم ولا إثباته، الثانى:
أنهم قالوا ذلك تعريضاً بالتشكى من قومهم واظهارا للالتجاء إلى الله
стр. 117
تعالى في الانتقام منهم، كأنهم قالوا أنت أعلم بما أجابونا به من
التصديق والتكذيب، الثالث: معناه لا علم لنا بحقيقة ما أجابونا به.
لأنا نعلم ظاهره وأنت تعلم ظاهره ومضمره، ويؤيده ما بعده.
* * *
فإن قيل: أي معجزة لعيسى ﵊ في تكليم الناس
كهلًا حتى قال: (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً) ؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة آل عمران مستقصى.
* * *
فإن قيل: كيف قال الحواريرن: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) شكوا في قدرة الله تعالى على بعض
الممكنات، وذلك كفر، ووصفوه بالاستطاعة وذلك تشبيه، لأن
الاستطاعة إنما تكون بالجوارح، والحواريون خلص أتباع عيسى
عليه الصلاة واسلام والمؤمنين به بدليل قوله تعالى حكاية
عنهم: (قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) ؟
قلنا: هذا استفهام عن الفعل لا عن القدرة، كما يقول الفقير للغنى
القادر، هل تقدر أن تعطينى شيئاً وهذه تسمى استطاعة المطاوعة لا
استطاعة القدرة.
* * *
فإن قيل: لو كان المراد هذا المعنى لما أنكر عليهم عيسي عليه الصلاة
السلام بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ؟
قلنا: إنكاره عليهم إنما كان لأنهم أتوا بلفظ يحتمل المعنى الذي لا
يليق بالمؤمن المخلص إرادته وإن كانوا لم يريدوه.
стр. 118
فإن قيل: كيف قال عيسى ﵊: (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) وكل ذى نفس فهو ذو جسم، لأن النفس عبارة عن
الجوهر القائم بذاته المتعلق بالجسم تعلق التدبير، والله تعالى منزه
عن الجسم؟
قلنا: النفس تطلق على معنيين أحدها هذا، والثانى حقيقة الشىء
وذاته كما يقال نفس الذهب والفضة محبوبة أي ذاتهما والمراد بها فى
الآية ثانياً هذا العنى.
* * *
فإن قيل: كيف قال عيسى ﵊: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ... الآية) مع أنه قال لهم كثيراً من الكلام المباح غير الأمر بالتوحيد ؟
قلنا: معناه ما قلت لهم فيما يتعلق بالإله.
* * *
فإن قيل: إذا كان عيسى لم يمت وإنما هو حى في السماء فكيف
قال: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) ؟
قلنا: أراد بالتوفي إتمام مدة اقامته بينهم في الأرض، وتمامه قد سبق
مرة في قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)
والسؤال إنما يتوجه على قول من قال إن السؤال والجواب وجد
يوم رفعه إلى السماء، وأما من قال: إن السؤال إنما يكون يوم القيامة
стр. 119
- وعليه الجمهور - فالجواب مطابق ولا إشكال فيه.
فإذ قيل: لو قال عيسى ﵊: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ؟
قلنا: معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك، وتصرف المالك المطلق الحقيقى
فى عبيده متاح أي تصرف كان، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم الذي لا ينقص من عزته شيء بترك العقوبة والانتقام ممن
عصاه، الحكيم في كل ما يفعله من العذاب والمغفرة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)
يعنى يوم القيامة، والصدق نافع في الدنيا والآخرة، ولفظ الآية في قوة
الحصر ؟
قلنا: لما كان نفع الصدق في الآخرة هو الفوز في الجنة والنجاة من
النار، ونفعه في الدنيا دون ذلك، كان كالعدم بالنسبة إلى نفعه فى
الآخرة، فلم يعتد به في مقابلته.
* * *
فإن قيل: قوله: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) إن أراد به
صدقهم في الأخرة، فالآخرة ليست بدار عمل، وإن أراد به صدقهم
فى الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه، وهو الشهادة لعيسى عليه
الصلاة والسلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟
قلنا: أراد به الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم، وعن
стр. 120
قتادة رضى الله عنه متكلمان صدقا يوم القيامة فنفع أحدهما صدقه
دون الآخر، أحدهما إبليس قال: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ... الآية) فصدق يومئذ ولم ينفعه صدقه.
لأنه كان كاذبا قبل ذلك، والآخر عيسى ﵊ كان
صادقا في الدنيا والآخرة فنغمه صدقه.
* * *
فإن قيل: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء
فقال الله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ؟
قلنا: لأن كلمة (ما) تتناول الأجناس كلها تناولا عاماً بأصل الوضع.
و (من) لا تتناول غير العقلاء بأصل الوضع، فكان استعمال (ما) فى
هذا الموضع أولى.
стр. 121
سوره الأنعام
* * *
فإن قيل: كيف جمع الظلمة وأفرد النور في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ؟
قلنا: ترك جمعه استغناء عنه بجمع الظلمة قبله، فإنه يدل عليه كما في ترك جمع الأرض أيضاً استغناء عنه بجمع السماء قبله في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
والثاني: الظلمة اسم، والنور مصدر نقله المفصل، والمصادر لا تجمع.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وجهركم) بعد قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ) ومعلوم أن من يعلم السر يعلم الجهر بالطريق الأولى ؟
قلنا: إنما ذكره للمقابلة كما في قوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)
فى بعض الوجوه.
* * *
فإن قيل: كيف خص السكون بالذكر دون الحركة في قوله تعالى: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) على قول من فسره بما يقال الحركة؟
قلنا: لأن السكون أغلب الحالتين على كل مخلوق من الحيوان والجماد أو لأن الساكن من المخلوقات أكثر عدداً من المتحرك أو لأن كل متحرك يصير إلى السكون من غير عكس أو لأن السكون هو الأصل والحركة حادثة عليه وطارئة، وقيل: فيه إضمار تقديره: ما سكن
стр. 122
وتحرك فاكتفى بأحدهما اختصاراً لدلالته على مقابله كما في قوله تعالى: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أي والبرد.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) ولم يقل وهو ينعم ولا ينعم عليه، وهذا أعم لتناوله الاطعام وغيره؟
قلنا: لأن الحاجة إلى الرزق أمس فخص بالذكر.
الثانى: أن كون المعبود أكلا متفوطا أقبح من كونه منعما عليه، فلذلك ذكره.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)
يقتضى أن يسمى الله تعالى شيئاً ولو صح ذلك لصح نداؤه به كالحى والقيوم ونحوها ؟
قلنا: صحة ندائه تعالى مخصوصة بما يدل على المدح، وصفة الكمال كالحى والقيوم ونحوها، لا بكل ما يصح اطلاقه عليه، ألا ترى أن الموجود والثابت يصح اطلاقه عليه ، ولا يصح نداؤه به كذا هذا.
* * *
فإن قيل: استشهاد المدعى بالله لا يكفى في صحة دعواه وثبوتها شرعاً حتى لو قال المدعى: الله شاهدى، لا يكفيه هذا، فكيف صح ذلك من النبى ﷺ ، حيث قال: (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ؟
قلنا: إنما لم يصح ذلك من غير النبى ﷺ لأنه لا يقدر على إقامة الدليل على أن الله تعالى يشهد له، والنبى عليه
стр. 123
الصلاة والسلام أقام الدليل على ذلك بقوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ) لأنه معجزة.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)
كيف يكذبون يوم القيامة بعد معاينة حقائق الأمور، وقد بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور؟
قلنا: المبتلى يوم القيامة ينطق بما ينفعه وبما يضره، لعدم التمييز بسبب الحيرة والدهشة كحال المبتلى المعذب في الدنيا يكذب على نفسه وعلى غيره، ويتكلم بما يضره، ألا تراهم يقولون: ربنا أخربنا منها، وقد أيقنوا بالخلود فيها، وقالوا: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) وقد علموا أنه لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها.
* * *
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ؟
قلنا: للقيامة مواقف مختلفة ففى بعضها لا يكتمون، وفى بعضها يحلفون كاذبين، كما قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
وقال تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)
стр. 124
وقيل: إن حلفهم كاذبين يكون قبل شهادة جوارحهم
عليهم (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) يكون بعد شهادتها عليهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)
وهو خير لغير المتقين أيضاً كالأطفال والمجانين؟
قلنا: إنما خصهم بالذكر لأنهم الأصل فيها من حيث إن درجتهم أعلى وغيرهم تبع لهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال لمحمد عليه الصلاه والسلام: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
فخاطبه بأفحش الخطابين وقال لنوح ﵊: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
فخاطبه بألين الخطابين، مع أن محمدا ﷺ أعظم رتبة وأعلى منزلة؟
قلنا: لأن نوحاً ﵊ كان معذورا في جهله، لأنه تمسك بوعد الله تعالى في إنجاء أهله، وظن أن ابنه من أهله، ومحمد ﷺ ما كان معذوراً لأنه كبر عليه كفرهم مع علمه أن كفرهم وايمانهم بمشيئة الله تعالى، وأنهم لا يهتدون إلا أن يهديهم الله.
* * *
فإن قيل: إذا بعث الله تعالى الموتى من قبورهم فقد رجعوا إليه
стр. 125
بالحياة بعد الموت، فما فائده قوله: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ؟
قلنا: المراد به وقوفهم بين يديه للحساب والجزاء، وذلك غير البعث، وهو احياؤهم بعد الموت فلا تكرار فيه.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً)
لو صح من النبى ﵊ هذا الجواب لصح لكل من ادعى النبوة وطولب بآية أن يقول أن الله قادر على أن ينزل آية؟
قلنا: إذا أثبتت نبوته بما شاء الله من المعجزة يصح له أن يقول ذلك، بخلاف ما إذ لم يثبت نبوته، والنبى ﷺ كان قد ثبتت نبوته بالقرآن وانشقاق القمر وغيرهما.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ)
والدابة لا تكون إلا في الأرض ، لأن الدابة في اللغة اسم لما يدب على وجه الأرض، وما فائدة قوله: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) والطيران لا يكون إلا بالجناح؟
قلنا: فيه فوائد.
الأولى: التأكيد كقولهم: هذه نعجة أنثى، وقولهم
كلته بلسانى، ومشيت إليه برجلى، وكما قال الله تعالى: (لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)
стр. 126
وقال: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) ، الثانية: نفى توهم المجاز فإنه يقال: طار فلان من أمر كذا إذا أسرع فيه، وطار الفرس إذا أسرع الجرى، الثالثة:
زيادة التعميم والاحاطة، كأنه قال جميع الدواب الدابة وجميع الطيور الطائرة.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ)
إلى أن قال: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إليه)
ومن جملة ما ذكر الدعاء فيه عذاب الساعة، وهو لا يكشف عن المشركين ؟
قلنا: لم يجبرا عن الكشف مطلقاً بل مقيدا بشرط المشيئة.
وعذاب الساعة لو ساء كشفه عن المشركين لكشفه.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ)
كيف ذكر القول في الجملة الأولى والثالثة وترك ذكره في الجملة الثانية؟
قلنا: لما كان الإخبار بالغيب كثيراً ما يدعيه البشر كالكهنة والمنجمين وواضعى الملاحم، ثم أن كثيرا من الجهال يعتقدون صحة أقاويلهم ويعملون بمقتضى أخبارهم بالغ في سلبه عن نفسه بسلب حقيقته عنه بخلاف الألوهية والملكية، فإن انتفاءها عنه وعن
стр. 127
غيره من البشر ظاهر فاكتفى في نفيهما بنفى القول، إذا غير الدعوى فيهما لا يتصور في نفس الأمر، ولا في زعم الناس بخلاف علم الغيب فافترقا، والمراد بقوله: (لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)
أي لا أدعي الألوهية كذا قال بعض المفسرين.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) كيف ذكر سبيل المجرمين، ولم يذكر سبيل المؤمنين، وكلاهما محتاج إلى بيانه؟
(الأول) أنه إذا ظهر سبيل المجرمين ظهر سبيل المؤمنين أيضاً.
قلنا: بالضرورة أن السبيل سبيلان لا غير، الثاني: أن سبيل المؤمنين يراد تقديراً، وإنما حذف اختصاراً لدلالة المذكوره عليه، كما في قوله تعالى: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أي والبرد.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ)
اى ماكسبتم وهو يعلم ما جرحوا ليلا ونهاراً ؟
قلنا: لأن الكسب أكثر ما يكون بالنهار، لأنه زمان حركة الإنسان، والليل زمان سكونه لقوله تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) بعد قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) .
стр. 128
فإن قيل: كيف قال تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) يعنى جميع الخلائق، وقال في موضع آخر:
(وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) ؟
قلنا: المولى الأول يعنى المالك أو الخالق أو المعبود، والمولى الثانى بمعنى الناصر، فلا تنافى بينهما.
* * *
فإن قيل: كيف خص كون قوله الحق، وله الملك يوم القيامة فقال: (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)
مع أن قوله الحق في كل وقت، وله الملك في كل زمان ؟
قلنا: لأن ذلك اليوم ليس لغيره فيه ملك بوجه من الوجوه، وفى الدنيا لغيره ملك خلافة عنه أو هبة منه، وأنعاماً بدليل قوله تعالى في حق داود ﵊: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) وقوله تعالى: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)
وقوله في ذلك اليوم: هو الحق الذي لا يدفعه أحد من العباد، ولا يشك فيه شاك من أهل العناد، لانكشاف الغطاء فيه للكل، وانقطاع الدعاوى والخصومات، ونظيره قوله تعالى: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)
وإن كان الأمر له في كل زمان، وكذا قوله تعالى:
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال في معرض الامتنان: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) .
стр. 129
ولم يذكر اسماعيل مع أنه كان هو الابن الأكبر؟
قلنا: لأن اسحاق وهب له من حرة، واسماعيل من أمة، واسحاق وهب له من عجوز عقيم، فكانت المنة فيه أظهر.
* * *
فإن قيل: كيف قال في وصف القرآن: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ)
وكثير ممن يؤمن بالآخرة من اليهود والنصارى وغيرهم لا يؤمنون به؟
قلنا: معناه والذين يؤمنون بالآخرة إيماناً نافعاً مقبولا هم الذين يؤمنون به، إما تصديقاً به قبل إنزاله كما بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، أو اتباعاً له بعد إنزاله، والأمر كذلك فإن من لم يصدق موسي وعيسى عليهما الصلاة والسلام في بشارتهما بمحمد ﷺ والقرآن، أو كان بعد بعثه ولم يؤمن به فإيمانه بالآخرة غير معتد به ولامعتبر.
* * *
فإن قيل: كيف أفرد قوله تعالى: (أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ)
بالذكر بعد قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) وذلك أيضاً افتراء ؟
قلنا: لأن الأول عام والثانى خاص، والمقصود الإنكار فيهما، ولا يلزم من وجود العام وجود الخاص، قلت في هذا الجواب مغالطة لأنه مسلم أنه لا يلزم من وجود العام وجود الخاص، ولكن يلزم من الذم على العام وإنكاره الذم على الخاص، وإنكاره لا محالة، وما نحن
стр. 130
فيه من هذا القبيل فالجواب المحقق أن يقال أن هذ الخاص لما كان مخصوصاً بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء، خصه بالذكر تنبيهاًعلى مزيد العقاب فيه والاثم.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... الآية)
ما فائدة قوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)
بعد قوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ؟
قلنا: ذكره أولا استدلالا به على نفى الولد، ثم ذكره ثانيا توطئة وتمهداً لقوله تعالى: (فاعبدوه) فإن كونه خالق كل شىء يقتضى تخصيصه بالعبادة والطاعة فكانت الإعادة لفائدة جديدة.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)
كيف خص بإدراكه لها ولم يقل وهو يدرك كل شيء، مع أنه أبلغ في التمدح ؟
قلنا: لوجهين أحدهما مراعاة المقابلة اللفظية فإنه نوع من البلاغة.
الثانى: أن هذه الصفة خاصة بينه وبين الأبصار، إنه يدركها بمعنى الاحاطة بها، وهى لا تدركه، فأما غيره فما يدرك الأبصار فهى تدركه أيضاً فلهذا خصها بالذكر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) ولم يقل وهو الذي أنزل إلى مع أن الله تعالى قال:
стр. 131
(أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ) ؟
قلنا: لما كان انزاله إلى النبي ﷺ ليبلغه إلى الخلق ويهديهم به كان في الحقيقة منزلا إليهم، لكن بواسطة النبى ﵊ فصح إضافة الانزال إليه وأليهم.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
كيف علق الكون من المؤمنين بأكل الذبيحة المسمى عليها، والكون من المؤمنين حاصل، وإن لم تؤكل الذبيحة أصلاً ؟
قلنا: المراد اعتقاد الحل لأنفس الأكل، فإن بعض من كان يعتقد حل الميتة من العرب كان يعتقد حرمة الذبيحة.
* * *
فإن قيل: كيف أبهم فاعل التزيين هنا فقال: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال في آية أخرى: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)
وقال في آية أخرى: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ)
فمن هو مزين الأعمال للكفار في الحقيقة؟
قلنا: التزيين من الشيطان بالاغواء والاضلال والوسوسة وإيراد الشبه، ومن الله تعالى بخلق، جميح ذلك فصحت الإضافتان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) .
стр. 132
والرسل إنما كانت من الانس خاصة؟
قلنا: المراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النبى عليه الصلاة السلام ثم ولوا إلى قومهم منذرين كما قال الله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ... الأية) .
الثاني أنه كقوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)
والمراد من أحدها لأنه إنما يخرج من الملح، الثالث: أنه بعث إليهم رسول منهم قاله الضحاك ومقاتل.
* * *
فإن قيل: كيف كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم في قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ... الآية) والمعنى فيهما واحد ؟
قلنا: المعنى في المشهود به متعدد، وإن كان في الشهادة واحدا، لأنهم في الأولى شهدوا على أنفسهم بتبليغ الرسل وانذارهم، وفى الثانية شهدوا على أنفسهم بالكفر في الدنيا وهما متغايران.
* * *
فإن قيل: كيف أقروا في هذه الآية بالكفر وشهدوا على أنفسهم به وجحدوه في قولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ؟
قلنا: مواقف القيامة ومواطنها مختلفة، ففى بعضها يقرون وفى بعضها يجحلون، أو يكون المراد هنا شهادة أعضائهم عليهم حين بختم على أفواههم كما قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ) .
стр. 133
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم) والسفه ليكون إلا عن جهل ؟
قلنا: معنى قوله: "بغير علم " بغير حجة، وقيل: بغير علم بمقدار قبحه، ومقدار العقوبة فيه وعلى الوجهين لا يكون مستفاداً من الأول.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) بعد
قوله: (قَدْ ضَلُّوا) ؟
قلنا: فائدته الإعلام بأنهم بعد ما ضلوا لم يهتدوا مرة أخرى، فإن من الناس من يضل ثم يهتدى بعد ضلاله.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (إِذَا أَثْمَرَ) بعد قوله: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) ومعلوم أنه إنما يؤكل من ثمره إذا أثمر؟
قلنا: فائدته نفى توهم توقف الاباحة على الادراك والنضج بدلالته على الاباحة من أول اخراج الثمر.
* * *
فإن قيل: كيف قإل تعالى: (قلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا. . . الآية)
стр. 134
وفى القران تحريم أكل الربا ومال اليتيم ومال
الغير بالباطل وغير ذلك؟
قلنا: (يعنى كان) محرماً مما كانوا يحرمونه في الجاهلية.
وقيل: مما كانوا يستحلونه فيها.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) والموضوع موضوع العقوبة، فكان يحسن أن يقال فيه ذو عقوبة شديدة أو عظيمة ونحو ذلك ؟
قلنا: إنما قال ذلك نفياً للاغترار بعسة رحمته في الاجتراء على معصيته، وذلك أبلغ في التهديد، معناه لا تغتروا بسعة رحمته فإنه (مع) ذلك لا يرد عذابه عنكم.
وقيل: معناه فقل ربكم ذو رحمة واسعة للمطيعين ولا يرد عذابه عن العاصين.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)
ثم فسره بعشرة أحكام خمسة منها واجبة والتلاوة
وصف للفظ لا للمعنى كيلا يقال أضدادها محرمة؟
قلنا: قوله: (تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)
لا ينفى تلاوة غيره فقد تلا ما حرم وتلا غيره أيضاً، الثانى إن فيه إضمار تقديره: اتل ما حرم ربكم عليكم وأوجب.
стр. 135
فإن قيل: كيف خص مال اليتيم بالنهى عن قربانه بغير الأحسن، ومال البالغ كذلك أيضاً ؟
قلنا: إنما خصه بالنهى لأن طمع الطامعين فيه أكثر، لضعف مالكه وعجزه، وقلة الحافظين له، والناصرين، بخلاف مال البالغ، الثانى: أن التخصيص لمجموع الحكمين وهما النهى عن قربانه بغير الأحسن، ووجوب قربانه بالأحسن، أو جواز قربانه بالأحسن بغير إذن مالكه.
ومجموح الحكمين مخصوص بمال اليتيم، وهنا هو الجواب عن كونه منفياً ببلوغ الأشد، لأن المجموع ينتفى ببلوغ الأشد، لانتفاء الحكم الثانى، وقيل: إن الغاية لمحذوف تقديره: حتى يبلغ فسلموه إليه.
* * *
فإن قيل: كيف خص العدل بالقول فقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) ولم يقل وإذا فعلتم فاعدلوا، والحاجة إلى العدل في الفعل أمس، لأن الضرر الناشئ من الجور الفعلى أقوى من الضرر الناشئ من الجور القولى؟
قلنا: إنما خصه بالقول ليعلم وجوب العدل في الفعل بالطريق الأولى: كما قال تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)
ولم يقل: ولا تشتهما ولا تضربهما لما قلنا.
* * *
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
وبين قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)
стр. 136
وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وقوله: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
وقد جاء في الحديث المشهور "فعليه وزرها ووزر من عمل بها"؟
قلنا: المراد بالآية الأولى وزر لا يكون مضافاً إليها بمباشرة أو تسبب لتحقق إضافته إلى غيرها على الكمال، أما إذا لم يكن كذلك فهو وزرها من وجه فتزره، وقيل: معناه لا تزره طوعاً كما زعم المشركرن بقولهم للنبى ﵊: ارجع إلى ديننا ونحن كفلاء بما يلحقك من تبعة في دينك، وقول الذين كفروا للذين آمنوا (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) إلى قوله تعالى: (عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) ومعنى باقي النصوص أنها تحمله كرهاً فلا تنافي بينهما.
стр. 137
سورة الأعراف
* * *
فإن قيل: النهي في قوله تعالى: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) متوجه إلى الحرج فما وجهه؟
قلنا: هو من باب قولهم لا أرينك هنا معناه لا تقم هنا، فإنك إن أقمت رأيتك، فمعنى الآية، فكن على يقين منه ولا تشك فيه، لأن المراد بالحرج الشك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا)
والاهلاك إنما هو بعد مجيء البأس وهو العذاب ؟
قلنا: معناه أردنا إهلاكها كقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) وقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) .
* * *
فإن قيل: ميزان القيامة واحد فكيف قال تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) ؟
قلنا: إنما جمعه لأنه أراد بالميزان الموزونات من الأعمال، وقيل: إنما جمعه لأنه ميزان تقوم مقامه موازين ويفيد فائدتها، لأنه يوزن به ذرات الأعمال، وما كان منها في عظم الجبال.
* * *
فإن قيل: كيف توزن الأعمال وهى أعراض لا ثقل لا ولا جسم، والوزن من خواص الأجسام؟
стр. 138
قلنا: الموزون صحائف الأعمال، الثانى: أنه قد ورد أن الله تعالى يحيلها في جواهر وأجسام فتتصور أعمال المطيعين في صورة حسنة، وأعمال العاصين في صورة قبيحة ثم يزنها، والله على كل شيء قدير.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) وكلمة ثم للترتيب، وخطاب الملآئكة ﵈ بالسجود سابق على خلقنا وتصويرنا؟
قلنا: المراد ولقد خلقنا أباكم ثم صورناه بطريق حذف المضاف، وقيل: المراد ولقد خلقنا أباكم ثم صورناكم في ظهره، والقول الأول أظهر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى لأبليس: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) أى في السماء، وليس له ولا لغيره أن يتكبر فى الأرض أيضاً ؟
قلنا: لما كانت السماء مقر الملآئكة المطيعين الذين لا توجد منهم معصية أصلاً كان وجود المعصية بينهم أقبح، فلذلك خص مقرهم بالذكر.
* * *
فإن قيل: كيف أجيب إبليس إلى الانتظار، وإنما طلب الانتظار ليفسد أحوال عباد الله تعالى ويغويهم؟
стр. 139
قلنا: لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظيم الثواب، ونظير ذلك ما خلقه الله تعالى في الدنيا من اصناف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهى وما ركبه في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا)
ولم يكن غرضه من الوسوسة كشف عورتهما، بل إخراجهما من الجنة، ويؤيده قوله تعالى في سورة البقرة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) ؟
قلنا اللام في قوله: "ليبدى" لام العاقبة والضرورة، لا لام كى كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب.
* * *
فإن قيل: أي آية لله في اللباس والكسوة حتى قال في آية اللباس والكسوة: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) ؟
قلنا: معناه أن خلق اللباس والكسوة للإنسان خاصة علامة من العلامات الدالة على أن الله تعالى فضله على سائر الحيوان، وقيل: معناه ذلك من نعم الله.
* * *
فإن قيل: كيف قوله تعالى في حق إبليس: (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) ونازع لباسهما هو الله تعالى؟
стр. 140
قلنا: لما كان ذلك بسبب وسوسة الشيطان واغوئه أضيفا النزع إليه كما يقال: أشبعنى الطعام، وأروانى الشراب، المشبع والمروى في الحقيقة إنما هو الله تعالى وهما سبب.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) وهو بدأنا أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحما كما ذكر، ونحن لا نعود عند الموت ولا عند البعث بعد الموت على ذلك الترتيب ؟
قلنا: معناه كما بدأكم أولا من تراب كذلك تعودون تراباً، وقيل: معناه كما أوجدكم أولا بعد العدم كذلك يعيدكم بعد العدم، فالتشبيه في نفس الإحياء والخلق لا في الكيفية والترتيب، وقيل: معناه كما بدأكم سعداء وأشقياء كذلك تعودون، ويؤيده تمام الآية، وقيل: معناه
كما بدأتم لا تملكون شيناً كذلك تعودون، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ... الأية) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى مخبرا عن الزينة والطيبات من الرزق: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) مع أن الواقع المشاهد أنها لغير الذين آمنوا أكثر وأدوم؟
قلنا: فيه إضمار تقديره قل هى للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا، لأن المشركين شاركوهم فيها، خالصة للمؤمنين في الآخرة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) والميراث عبارة عما ينتقل من ميت إلى حى؟
стр. 141
قلنا: هو على تشبيه أهل الجنة وأهل النار بالوارث والموروث عنه، وذلك أن الله تعالى خلق في الجنة منازل للكفار على تقدير الإيمان، فمن لم يؤمن منهم جعل منزله لأهل الجنة، الثانى: أن نفس دخول الجنة بفضل الله ورحمته من غير عوض فأشبه بالميراث، وإن كانت
الدرجات فيها بحسب الأعمال.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
أما الخلق بمعني الإيجاد والاحداث فظاهر أنه مختص به ، وأما الأمر فلغيره أيضاً بدليل قوله تعالى: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)
وقوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ)
وقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ) ؟
قلنا: المراد بالأمر هنا قوله تعالى: (كن) عند خلق الأشياء، وهذا الأمر الذي به الخلق مخصورص به كالخلق، الثانى: أن المراد بالخلق والأمر ما سبق ذكرها في هذه الآية، وهو خلق السموات والأرض، وأمر تسخير الشمس والقمر والنجوم كما ذكر، وذلك مخصوص به عزوجل.
* * *
فإن قيل: لم قال نوح ﵇: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) بالتاء ولم
يقل ليس بى ضلال ،
стр. 142
كما وصفه قومه به، وذلك أشد مناسبة ليكون نافياً عين ما أثبتوه؟
قلنا: الضلالة أقل من الضلال فكان نفيها أبلغ نفى الضلال عنه، كأنه قال: ليس بى شىء من الضلال، كما لو قيل: ألك تمر؟
فقلت: مالى تمرة كان ذلك أبلغ في النفى من قولك
ما لي تمر.
* * *
فإن قيل: كيف وصف الملأ بالذين كفروا في قصة هود دون قصة نوح؟
قلنا: لأنه كان في أشراف قوم هود من آمن به منهم عند هذا القول، فلم يكن كل الملأ من قومه قائلين له: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ) بخلاف قوم نوح فإنه لم يكن فيهم من آمن به عند قولهم: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
فكان كل الملأ قائلين ذلك، هكذ أجاب
بعض العلماء، وهذا الجواب منقوض بقوله تعالى في سورة هود في قصة نوح: (فقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) وكذا في سورة المؤمنين، وجواب هذا النقض أنه يجوز أن القول كان مرتين، المرة الثانية بعد إيمان بعضهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال صالح لقومه بعدما أخذتهم الرجفة
وماتوا: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)
стр. 143
ولا يحسن من الحى مخاطبة الميت لعدم الفائدة؟
قلنا: هذا مستعل في العرف، فإن من نصح انساناً فلم يقبل منه حتى قتل أو صلب ومر به ناصحه فإنه يقول له: كم نصحتك يا أخى فلم تقبل حتى أصابك هذا، وفائدة هذا القول حث السامعين له على قبول النصيحة ممن ينصحهم لئلا يصيبهم ما أصاب المنصوح الذي لم يقبل النصيحة حتى هلك.
* * *
فإن قيل: لم قال شعيب ﵊ لقومه: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)
وهم ما زالوا كافرين مفدسين لا مصلحين ؟
قلنا: معناه بعد أن أصلحها الله تعالى بالأمر بالعدل وارسال الرسل، وقيل: معناه بعد أن أصلح الله تعالى أهلها بحذف المضاف، وقيل:
معناه بعد الاصلاح فيها أي بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم، فإضافته كإضافة قوله تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
يعنى بل مكرهم في الليل والنهار.
* * *
فإن قيل: كيف خاطبوا شعيباً ﵊ بالعود في الكفر بقولهم: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)
وهو أجابهم بقوله: (إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا)
стр. 144
وهو لم يكن في ملتهم قط، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم شيء من الكبائر.
خصوصاً الكفر؟
قلنا: العرب تستعمل عاد بمعنى صار ابتداء، ومنه قوله تعالى: (عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) .
الثانى: أنهم قالوا ذلك على طريق تغليب الجماعه على الواحد، لأنهم عطفوا على ضميره الذين آمنوا منهم بعد كفرهم، فجعلوهم عائدين جميعاً إجراء للكلام على حكم
التغليب، وعلى ذلك أجرى شعيب ﵊ جوابه، ومراده عود قومه المعطوفين عليه.
* * *
فإن قيل: لم قال فرعرن (فأت بها) بعد قوله (إن كنت جئت بآية) ؟
قلنا: معناه إن كنت جئت من عند الله تعالى بآية فأتنى بها، أي احضرها عندى.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) وقال في سورة الشعراء: (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) فنسب هذا القول إلى فرعون ؟
قلنا: قاله هو، وقالوه هم، فحكى قوله ثم وقولم هنا.
* * *
فإن قيل: السحرة إنما سجدوا لله تعالى طوعاً لما تحققوا من
стр. 145
معجزة موسى ﵊ فكيف قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)
قلنا: لما زالت كل شبهة لهم بما عاينوا من آيات الله تعالى على يد نبيه، أضطرهم ذلك إلى مبادرة السجود، فصاروا من غاية المبادرة كأنهم ألقوا للسجود تصديقا لله تعالى ولرسوله.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى هنا حكاية عن السحرة الذين آمنوا وعن فرعون: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
إلى قول تعالى: (وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) ثم حكى عنهم هذا المعنى في سورة طه وسورة الشعراء بزيادة ونقصان في الألفاظ المنسوبة إليهم ، وهذه الواقعة ما وقعت إلا مرة واحدة، فكيف اختلفت عبارتهم فيها؟
قلنا: الجواب عنه أنهم إنما تكلموا بذك بلغتهم لا باللغة العربية:
وحكى الله تعالى ذلك عنهم باللغة العربية مراراً، لحكمة اقتضت التكرار والإعادة، نبينهما في سورة الشعراء إن شاء الله تعالى فمرة حكاه مطابقاً للفظهم في الترجمة رعاية للفظ، وبعد ذلك حكاه بالمعنى جرياً على عادة العرب في التفنن في الكلام والمخالفة بين أساليبه لئلا يمل إذا تمحض تكراره.
* * *
فإن قيل: كيف قالوا: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا)
سموها آية ثم قالوا: "لتسحرنا بها"؟
следующие страницы →