Полный текст (604 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قلنا: هو على تشبيه أهل الجنة وأهل النار بالوارث والموروث عنه، وذلك أن الله تعالى خلق في الجنة منازل للكفار على تقدير الإيمان، فمن لم يؤمن منهم جعل منزله لأهل الجنة، الثانى: أن نفس دخول الجنة بفضل الله ورحمته من غير عوض فأشبه بالميراث، وإن كانت
الدرجات فيها بحسب الأعمال.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
أما الخلق بمعني الإيجاد والاحداث فظاهر أنه مختص به ، وأما الأمر فلغيره أيضاً بدليل قوله تعالى: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)
وقوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ)
وقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ) ؟
قلنا: المراد بالأمر هنا قوله تعالى: (كن) عند خلق الأشياء، وهذا الأمر الذي به الخلق مخصورص به كالخلق، الثانى: أن المراد بالخلق والأمر ما سبق ذكرها في هذه الآية، وهو خلق السموات والأرض، وأمر تسخير الشمس والقمر والنجوم كما ذكر، وذلك مخصوص به عزوجل.
* * *
فإن قيل: لم قال نوح ﵇: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) بالتاء ولم
يقل ليس بى ضلال ،
стр. 142
كما وصفه قومه به، وذلك أشد مناسبة ليكون نافياً عين ما أثبتوه؟
قلنا: الضلالة أقل من الضلال فكان نفيها أبلغ نفى الضلال عنه، كأنه قال: ليس بى شىء من الضلال، كما لو قيل: ألك تمر؟
فقلت: مالى تمرة كان ذلك أبلغ في النفى من قولك
ما لي تمر.
* * *
فإن قيل: كيف وصف الملأ بالذين كفروا في قصة هود دون قصة نوح؟
قلنا: لأنه كان في أشراف قوم هود من آمن به منهم عند هذا القول، فلم يكن كل الملأ من قومه قائلين له: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ) بخلاف قوم نوح فإنه لم يكن فيهم من آمن به عند قولهم: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
فكان كل الملأ قائلين ذلك، هكذ أجاب
بعض العلماء، وهذا الجواب منقوض بقوله تعالى في سورة هود في قصة نوح: (فقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) وكذا في سورة المؤمنين، وجواب هذا النقض أنه يجوز أن القول كان مرتين، المرة الثانية بعد إيمان بعضهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال صالح لقومه بعدما أخذتهم الرجفة
وماتوا: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)
стр. 143
ولا يحسن من الحى مخاطبة الميت لعدم الفائدة؟
قلنا: هذا مستعل في العرف، فإن من نصح انساناً فلم يقبل منه حتى قتل أو صلب ومر به ناصحه فإنه يقول له: كم نصحتك يا أخى فلم تقبل حتى أصابك هذا، وفائدة هذا القول حث السامعين له على قبول النصيحة ممن ينصحهم لئلا يصيبهم ما أصاب المنصوح الذي لم يقبل النصيحة حتى هلك.
* * *
فإن قيل: لم قال شعيب ﵊ لقومه: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)
وهم ما زالوا كافرين مفدسين لا مصلحين ؟
قلنا: معناه بعد أن أصلحها الله تعالى بالأمر بالعدل وارسال الرسل، وقيل: معناه بعد أن أصلح الله تعالى أهلها بحذف المضاف، وقيل:
معناه بعد الاصلاح فيها أي بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم، فإضافته كإضافة قوله تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
يعنى بل مكرهم في الليل والنهار.
* * *
فإن قيل: كيف خاطبوا شعيباً ﵊ بالعود في الكفر بقولهم: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)
وهو أجابهم بقوله: (إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا)
стр. 144
وهو لم يكن في ملتهم قط، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم شيء من الكبائر.
خصوصاً الكفر؟
قلنا: العرب تستعمل عاد بمعنى صار ابتداء، ومنه قوله تعالى: (عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) .
الثانى: أنهم قالوا ذلك على طريق تغليب الجماعه على الواحد، لأنهم عطفوا على ضميره الذين آمنوا منهم بعد كفرهم، فجعلوهم عائدين جميعاً إجراء للكلام على حكم
التغليب، وعلى ذلك أجرى شعيب ﵊ جوابه، ومراده عود قومه المعطوفين عليه.
* * *
فإن قيل: لم قال فرعرن (فأت بها) بعد قوله (إن كنت جئت بآية) ؟
قلنا: معناه إن كنت جئت من عند الله تعالى بآية فأتنى بها، أي احضرها عندى.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) وقال في سورة الشعراء: (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) فنسب هذا القول إلى فرعون ؟
قلنا: قاله هو، وقالوه هم، فحكى قوله ثم وقولم هنا.
* * *
فإن قيل: السحرة إنما سجدوا لله تعالى طوعاً لما تحققوا من
стр. 145
معجزة موسى ﵊ فكيف قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)
قلنا: لما زالت كل شبهة لهم بما عاينوا من آيات الله تعالى على يد نبيه، أضطرهم ذلك إلى مبادرة السجود، فصاروا من غاية المبادرة كأنهم ألقوا للسجود تصديقا لله تعالى ولرسوله.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى هنا حكاية عن السحرة الذين آمنوا وعن فرعون: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
إلى قول تعالى: (وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) ثم حكى عنهم هذا المعنى في سورة طه وسورة الشعراء بزيادة ونقصان في الألفاظ المنسوبة إليهم ، وهذه الواقعة ما وقعت إلا مرة واحدة، فكيف اختلفت عبارتهم فيها؟
قلنا: الجواب عنه أنهم إنما تكلموا بذك بلغتهم لا باللغة العربية:
وحكى الله تعالى ذلك عنهم باللغة العربية مراراً، لحكمة اقتضت التكرار والإعادة، نبينهما في سورة الشعراء إن شاء الله تعالى فمرة حكاه مطابقاً للفظهم في الترجمة رعاية للفظ، وبعد ذلك حكاه بالمعنى جرياً على عادة العرب في التفنن في الكلام والمخالفة بين أساليبه لئلا يمل إذا تمحض تكراره.
* * *
فإن قيل: كيف قالوا: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا)
سموها آية ثم قالوا: "لتسحرنا بها"؟
стр. 146
قلنا: ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية، بل حكاية لتسمة موسى ﵊ على طريق الاستهزاء والسخرية.
* * *
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)
أى أهلكنا وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ؟
قلنا: معناه ودمرنا أي أبطلنا ما كان يصنع فرعون وقومه من المكر والكيد في حق موسى ﵊، (وما كانوا يعرشون) أي يبنون من الصرح الذي أمر فرعون هامان ببنائه ليصعد بواسطته إلى السماء، لأن التدمير يكون بمعني الاهلاك ويكون بمعنى الابطال.
وقيل: هو على ظاهره لأن الله تعالى أورث ذلك بنى اسرائيل مدة ثم دمره جميعه.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)
قوله: "وفى ذلكم " إن كان إشارة إلى الإنجاء فليس فيه بلاء، بل هو محض نعمة، وإن كان إشارة إلى
القتل والأسر فإضافته إلى آل فرعون لقوله تعالى: "وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ "
من آل فرعون عظيم أشد مناسبة لسياق الآية وهو الامتنان، ولهذا قال: " يقتلون ويستحيون " فأضاف إليهم الفعلين؟
قلنا: البلاء مشترك بين النعمة والمحنة، لأنه من الابتلاء وهو
стр. 147
الاختبار يقال بلاه وابتلاه أي اختبره والله تعالى يختبر شكر
عباده بالنعمة ويختبر صبرهم بالمحنة، ويؤيده قوله تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) وقوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .
فمعنى الآية وفى ذلك الانجاء نعمة عظيمة من ربكم عليكم (وتجوز أن تكون الاشارة إلى المجموع معناه وفى الانجاء اختبار عظيم لشكر من أنجى، واختبار
عظيم لصبر من قتل ولده أو أسر) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) المواعدة كانت أمره بالصوم في هذا العدد، فكيف ذكر الليالى مع أنها ليست محلا للصوم بل يقع في القلب أن ذكر الأيام أولى لأنها محل الصوم الذي وقعت به المواعدة ؟
قلنا: العرب في أغلب تواريخها إنما تذكر الليالى وإن كان مرادها الأيام. لأن الليل هو الأصل في الزمان، والنهار عارض لأن الظلمة سابقة في الوجود على النور.
وقيل: إنه كان في شريعة موسى ﵊ جواز صوم الليل.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)
وقد علم مجموع الميقات من قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)
стр. 148
قلنا: فيه فوائد أحدها التأكيد الثانية: أن يعلم أن العشر ليال لا ساعات، الثالثة: أن لا يتوهم أن العشر التى وقع بها الاتمام كانت داخلة في الثلاثين، يعنى كانت عشرين وأتممت بعشر كما فى
قوله تعالى: (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)
على ما ذكرناه مشروحا في سورة حم السجده.
* * *
فإن قيل: لم قال موسى ﵊: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وكان قبله كثيراً من المؤمنين، وهم الأنبياء ومن آمن بهم ؟
قلنا: معناه وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى بالحاسة الفانية من الجسد الفانى في دار الفناء، وقيل: معناه وأنا أول المؤمنين من بنى اسرائيل في زماني، وقيل: أراد بالأول الأقوى والأكمل في الإيمان يعنى لم يكن طلبى الرؤية لشك عندى في وجودك أو لضعف في إيمانى، بل لطلب مزيد الكرامة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)
وهم مأمورون بالعمل بكل ما في التوراة؟
قلنا: معناه بحسنها وكلها حسن.
الثاني: أنهم أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، ففعل الخير أحسن من ترك الشر، الثالث: أن فيها
стр. 149
حسناً وأحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار، والصبر، والواجب والمندوب والمباح، فأمروا باللأخذ بالعزائم والفضائل، وما هو الأكثر ثواباً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ) .
واتخاذهم العجل إنما كان في زمن موسى ﵊ بالنقل وفى سياق الآيات ما يدل على ذلك؟
قلنا: معناه من بعد ذهابه إلى الجبل، وقيل: من بعد عهده عليهم أن لا يعبدوا غير الله.
* * *
فإن قيل: كيف عبر عن الندم بالسقوط في اليد في: قوله
تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) وأى مناسبة بينهما ؟
قلنا: لأن من عادة من اشتد ندمه وحسرته على غائب أن يعض يده غماً، فتصير يده: مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها، وسقط مسندا إلى قوله: "فى أيديهم " وهو من كنايات العرب كقولهم للنائم:
ضرب على أذنه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (غَضْبَانَ أَسِفًا) وهما متقاربان في المعنى؟
стр. 150
قلنا: الأسف الحزين، وقيل: الشديد الغضب ففيه فائدة جديدة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا)
ولم يقل وفيها، وإنما يقال نسختها لشىء كتب مرة ثم نقل، فأما أول مكتوب لا يسمى نسخة، والألواح لم تنقل من مكتوب آخر ؟
قلنا: لما ألقى الألواح قيل: إنه انكسر منها لوحان، فنسخ ما فيهما في لوح ذهب، وكان فيهما الهدى والرحمة، وفى باقى الألواح
تفصيل كل شيء، وقيل: إنما قال: "وفى نسختها" لأن الله تعالى لقن موسى ﵊ التوراة ثم أمره بكتابتها فنقلها من صدره إلى الألواح فسماها نسخة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ)
يعنى القرآن والقرآن إنما أنزل مع جبربل ﵇ لا مع النبى؟
قلنا: (معه) أي مقارنا لزمانه، وقيل: (معه) أي عليه، وقيل: (معه أي إليه، ويجوز أن يتعلق (معه) باتبعوا، لا بأنزل، معناه واتبعوا القرآن المنزل مع أتباع النبى ﵊ والعمل بسنته أو واتبعوا القرآن كما اتبعه هو مصاحبين له في اتباعه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)
وهم إنما بدلوا القول الذي قيل لهم، وهو (قولوا حطة)
فقالوا حنطة؟
стр. 151
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)
وانتقالهم من صور البشر إلى صورة القردة ليس
فى قدرتهم؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة.
* * *
فإن قيل: الحليم من صفات الله تعالى فكيف قال: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ)
وسرعة العقاب تنافى صفة الحلم، لأن الحليم هو الذى
لا يعجل بالعقوبة على العصاة ؟
قلنا: معناه شديد العقاب وقيل: معناه سريع العقاب إذا جاء وقت عقابه لا يرده عنه أحد.
* * *
فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) ؟
قلنا: إنما خصها بالذكر إظهاراً لمزيتها، لكونها عماد الدين بالحديث، وناهية عن الفحشاء والمنكر بالآية.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) تمثيل لحال بلعام، فكيف قال بعده: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) والمثل لم يضرب إلا لواحد؟
стр. 152
قلنا: المثل في السورة وإن ضرب لبلعام، ولكن أريد به كفار مكة كلهم، لأنهم صنعوا مع النبي ﷺ بسبب ميلهم إلى الدنيا وشهواتها من الكيد والمكر ما يشبه فعل بلعام مع موسى ﵊.
الثانى: أن "ساء مثلا القوم " راجع إلى قوله تعالى: "ذلك مثل القوم " لا إلى أول الآية.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
وهو ﵊ كان نذيراً وبشيراً للناس كافة، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: "لقوم يؤمنون " لقوم كتب لهم في الأزل أنهم يؤمنون، وإنما خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والبشارة دون غيرهم، فكأنه نذير وبشير لهم خاصة، كما قال تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)
ويجوز أن يكون متعلق النذير محذوفاً تقديره: إن أنا إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون، فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر كما استغنى بالجملة عن
التفصيل في تلك الآية، لأن المعنى وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا للمؤمنين ونذريرا للكافرين.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى حكاية عن آدم وحواء: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا)
وقال: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
стр. 153
والأنبياء معصومون عن مطلق الكبائر فضلا عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: "جعلا له " أي جعل أولادهما بطريق حذف المضاف وكذا قوله تعالى: (فِيمَا آتَاهُمَا) أي فيما أتى أولادهما، ويؤيد هذا قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث ذكر ضمير الجمع ولم يقل يشركان، ومعنى اشراك أولادهما فيما آتاهما الله تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس ونحو ذلك مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم.
وقيل: الضمير في (جعلا) للولد الصالح وهو السليم الخلق، وإنما قال: "جعلا" لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، وقيل: المراد بذلك تسميتهما اياه عبد الحارث والحارث كان اسم إبليس في الملآئكة، وسبب تلك التسمية يعرف من تفسير الآية، وإنما قال
(شركاء) إقامة للواحد مقام الجمع، ولم يذهب آدم وحواء إلى أن الحارث ربه، بل قصدا أنه كان سبب نجاته، وقال جمهور المفسرين قوله تعالي: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) في مشركي العرب خاصة، وهو منقطع عن قصة آدم وحواء.
стр. 154
سورة الأنفال
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)
إلى آخر الآيتين يدل على أن من لم يتصف بجميع
تلك الصفات لا يكون مؤمناً، لأن كلمة إنما للحصر ؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: إنما المؤمنون إيماناً كاملا، أو إنما الكاملون الإيمان، كما يقال الرجل من يصبر على الشدائد يعنى الرجل الكامل، ونظيره قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ... الآية) وقوله تعالى: (وأن المساجد لله) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)
ينفي إرادة ما ذكرتم؟
قلنا: معناه أولئك هم المؤمنون إيماناً كاملا حقا، وقيل: إن حقاً متعلق بما بعده لا بما قبله، والمؤمنون تمام الكلام.
* * *
فإن قيل: كيف يقال أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وقد قال الله تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) ؟
قلنا: المراد بالإيمان أثار الإيمان من الطمأنينة واليقين والخشية ونحو ذلك، لأن تظاهر الأدلة على المدلول مما يزيده رسوخا في العقائد وثبوتا، فإما حقيقة الإيمان فهو التصديق والإقرار بوحدانية الله تعالى كما أن الالهية والوحدانية لا تقبل الزيادة والنقصان فكذا
стр. 155
الاقرار بها.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) تشبيه فأين المشبه والمشبه به ؟
قلنا: معناه أمض على ما رأيته صوابا من تنفيل الغزاة في قسمة الغنائم، وان كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك للحرب بالحق وهم كارهون، وقيل: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فهو خير لكم وإن كرهتم، كما كان اخراجك من بيتك بالحق خيراً لهم وهم كارهون، وقيل: معناه أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك
ربك من بيتك بالحق.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ)
وكلاهما متعذر لأنه تحصيل الحاصل؟
قلنا: المراد بالحق الايمان، وبالباطل الشرك، فاندفع السؤال.
* * *
فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ) ؟
قلنا: إنما ذكره أولا لبيان أن ارادتهم كانت متعلقة باختيار الطائفة التى كانت فيها الغنية، وإرادة الله تعالى باختيار الطائفة التى في قهرها نصرة الدين، فذكره أولا للتمييز بين الارادتين، ثم ذكره ثانيا لبيان الحكمة في قطع دابر الكافرين.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (نفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)
стр. 156
ومعلوم أن المؤمنين يوم بدر قتلوا الكفار، ورماهم النبى ﵊ بكف من حصى الوادى في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فلم يبقى مشرك إلا وقع في عينيه شى من ذلك فشغلوا في عيونهم وانهزموا، فتبعهم
المؤمنون يقتلون وريأسرون؟
قلنا: لما كان السبب الأقوى في قتلم إنما هو مدد الملآئكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وثبيت قلوب المؤمنين وأقدامهم وذلك كله فعل الله تعالى ونسبه إليه، يعنى إن كان ذلك في الصورة منكم، فهو في الحقيقة منى. فسبيلكم الشكر دون العجب والفخر وكذلك
الرمية أثبتها لرسول الله ﷺ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يوجد مثله عن رمى البشر فعل الله تعالى، ونظير هذا قولك لمن صدر عنه قول حسن أو فعل مكروه، بتسليط من هو أعلا رتبة منه: هذا ليس قولك ولا فعلك.
وقيل: معنى قوله تعالى: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ" وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت الحصا في وجوههم ولكن الله رمى الرعب في قلوبهم، ولأهل الحقيقة في هذه الآية ونظائرها من الكتاب والسنة مباحث لا يحتلمها هذا المختصر، وهى مستقصاة في كتب التصوف.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ) ثنى في الأمر ثم أفرد في النهي ؟
قلنا: كما يذكر في لغة العرب الاسم المفرد، ويراد به الأثنان والجمع فكذلك يذكر ضمير المفرد ويراد به ضمير الاثنين
стр. 157
كقولهم: إنعام فلان ومعروفه يغشينى، والانعام والمعروف لا ينفع مع فلان، وعليه جاء قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)
أى أن يرضوهما، فكذلك هنا معناه ولا تولوا عنهما.
الثانى: أن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله لما كانت سببا واحدا حكماً لقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)
كان الاعراض عن الرسول إعراضاً عن الله تعالى، فاكتفى بذكره، الثالث: أن معناه ولا تولوا عن هذا الأمر وعن أمثاله، فالضمير للأمر لا للرسول ﵊، الرابع: أنه إنما لم يقل ولا تولوا عنهما لئلا يلزم
منه الاخلال بالأدب من النبى ﵊ عند نهيه للكفار في قرآنه بين اسمه واسم الله تعالى في ذكرهما بلفظ واحد من غير تقديم اسم الله، كما روى أن خطيباً خطب فقال من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال له النبى عليه
الصلاة والسلام: بئس خطيب القوم أنت، هلا قلت: ومن عصي الله ورسوله فقد غوى) .
* * *
فإن قيل: ما معني قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ... الآية)
قلنا: معناه ولو علم الله فيهم تصديقا وإيمانا في المستقبل لأنطق لهم
стр. 158
الموتى يشهدون بصدق نبوتك كما طلبوا، أو قيل: معنى
(لأسمعهم) لرزقهم الفهم والبصيرة، ولو أسمعهم وحالهم هذا الحال، وهو أنه لم يعلم فيهم الخير لتولوا وهم معرضون.
* * *
فإن قيل: التولى والاعراض واحد فما فائدة قوله تعالى:
(وَهُمْ مُعْرِضُونَ)
قلنا: لتولوا عن الإيمان، وهم معرضون عن البرهان.
فلا تكرار.
* * *
فإن قيل: ما فائدة ذكر السماء في قوله: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) والمطر إنما يكون من السماء ؟
قلنا: المطر المطلق إنما يكون من السماء، ولكن المطر المضاف هنا هو مطر الحجارة قد يكون من رؤوس الجبال، ومن حيطان المساكن والقصور وسقوفها، فكان ذكر السماء مفيدا لأن الحجارة إذ نزلت من الساء كانت أشد نكاية وأكثر ضرراً، الثانى: أنه لما كانت الحجارة المسومة للعذاب وهى السجيل معهودة النزول من السماء ذكر السماء إشارة إلى إرادة المعهود من الحجارة، كأنه قال:
فأمطر علينا حجارة من سجيل، فوضع قوله: من السماء موضع قوله: من سجيل كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، يعنى درعاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)
стр. 159
ويوم بدر عذبهم الله تعالى بالقتل والأسر وهو فيهم؟
قلنا: معناه وأنت مقيم بمكة وكان كذلك لأن النبى ﵊ ما دام بمكة. لم يعذبوا فلما أخرجوه من مكه وخرجوا لحربه عذبوا، وقيل: معناه وما كان الله ليعذبهم عذابا الاستئصال وأنت فيهم، وقيل: معناه وما كان الله ليعذبهم العذاب الذي طلبوه وهو إمطار الحجارة.
* * *
فإن قيل. كيف قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ... الآية) ثم قال: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) وهو يوهم التناقض؟
قلنا: معناه ومالهم أن لا يعذبهم الله بعد خروجك من بينهم وخروج المؤمنين والمستغفرين، وقيل: المراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال وبالثانى عذاب غير الاستئصال، وقيل: المراد بالأول عذاب الدنيا.
وبالثانى: عذاب الآخرة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) والمكاء الصفير والتصدية التصفيق وهما ليسا بصلاة ؟
قلنا: معناه أنهم أقاموا المكاء والتصدية مقام الصلاة، كما يقول القائل زرت فلانا فجعل الجفاء صلتى أي أقام الجفاء مقام الصلة ومنه قول الفرزدق:
стр. 160
أخاف زرمادا أن يكون عطاؤه
أداهم سودا ومحدرجة سمرا.
أراد بالأداهم القيود، وبالمحدرجة السياط، ووضعهما موضع العطاء.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا)
وهم لم ينتهوا عن الكفر، فكيف قال (وَإِنْ يَعُودُو) والعود إلى الشيء إنما يكون بعد تركه والإقلاع عنه ؟
قلنا: معناه إن تنتهوا عن عداوة رسول الله ﷺ ومحاربته يغفر لهم ما قد سلف من ذلك، وإن تعودوا إلى قتاله وعداوته فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، أو فقد مضت سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية، وقيل: معناه إن ينتهوا عن الكفر فالإيمان يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصى، كما قال النبى ﷺ :
"الإسلام يجب ما قبله "، وإن يعودوا إلى الكفر بالارتداد بعد ما أسلموا فقد مضت سنة الأولين من الأمم في أخذهم بعذاب الاستئصال.
* * *
فإن قيل: الفائدة في تقليل الكفار في أعين المؤ منين ظاهرة، وهى زوال الرعب من قلوب المؤمنين، وتثبيت أقدامهم وزيادة اجترائهم على القتال، فما فائدة تقليل المؤمنين في أعين الكفار حتى قال الله
تعالى: (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) مع أن في ذلك يقال زوال الرعب من قلوب الكافرين وتثبيت أقدامهم وزيادة اجترائهم على القتال؟
قلنا: فائدته أن لا يستعد الكفار كل الاستعداد، وأن يجترئوا على
стр. 161
المؤمنين معتمدين على قلتهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيدهشوا ويتحيروا، وأن يكون ذلك سببا يتنبه به المشركون على نصرة الحق إذ رأوا المؤمنين مع قلتهم في أعينهم منصورين عليهم، وفى التقليل من الطرفين معارضة تعرف بالتأمل.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)
يدل على حرمة المنازعة والجدل أيضا لأنه منازعة فكيف تجوز المناظرة وهى منازعة وجدل ؟
قلنا: المراد بالمنازعة هنا المنازعة في أمر الحرب والاختلاف فيه، لا المنازعة في إظهار الحق بالحجة والبرهان، والدليل عليه أن ذلك مأمور به، قال الله تعالي: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
لكن لجواز المناظرة شروط يندر وجودها في زماننا هذا، أحدها: أن يكون كل المقصود منها ظهور الحق على لسان أي الخصمين كان، كما كانت مناطرة السلف، وعلامة ذلك أن لا يفرح بظهور الحق.
على لسانه أكثر مما يفرح بظهوره على لسان خصمه.
* * *
فإن قيل: كيف قال إبليس: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) وهو لا يخاف الله تعالى، لأنه لو خافه لما خالفه ثم أضل عبيده؟
قلنا: قال قتادة صدق.عدو الله في قوله: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ)
стр. 162
يعنى جبريل والملآئكة معه نازلين من السماء لنصرة
المؤمنين يوم بدر، وكذب في قوله: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)
والله ما به مخافة الله ولكنه علم أنه لا قوة له بهم، وقيل: أنه لما رأى نزول الملآئكة على صورة لم يرها قط، خاف قيام الساعة التى هى غاية إنظاره فيحل به العذاب الموعود، وقيل معنى أخاف الله أعلم صدق وعده لنبيه بالنصر، وقد جاء الخوف بمعنى العلم ومنه قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)
ويحتمل عندى أن يكون خاف أن يحل به من الملآئكة ما دون الإهلاك من الأذى إن لم يخف الإهلاك، ثم أقول: كيف تؤخذ عليه كذبة واحدة، وهو أفسق الفسقة وأكفر الكفرة، فلا عجب في كذبه، وإنما العجب في صدقه؟
* * *
فإن قيل: أي مناسبة بين الشرط والجزاء في قوله تعالى:
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ؟
قلنا: لما أقدم المؤمنون وهم ثلاث مائة وبضعة عشر على قتال المشركين وهم زهاء ألفاً متوكلين على الله، وقال المنافقون:
стр. 163
غر هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عدداً وأكثر، قال الله تعالى ردا على المنافقين، وتثبيتاً للمؤمنين: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
أى غالب القليل الضعيف على الكثير القوى، وبنصره عليه، في جميع أفعاله.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)
ولم يقل بظالم وهو أبلغ في نفى الظلم عن ذاته المقدسة؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة آل عمران.
* * *
فإن قيل: قولو تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
وذلك إشارة إلى هلاك كفار مكة وآل فرعون، ولم تكن لهم حال مرضية غيروها ؟
قلنا: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة نغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأسوأ، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم عباد أصنام، فلما بعث الرسول إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وسعوا في قتله غيروا حالهم إلى أسوأ منها، فغير الله تعالى ما أنعم به
عليهم من الامهال وعاجلهم بالعذاب.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
بعد قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) ؟
قلنا: مراده أن يبين أن شر الكفار الذين كفروا، واستمروا على
стр. 164
الكفر إلى وقت الموت.
* * *
فإن قيل: ما فائدة تكرار المعنى الواحد في مقاومة الجماعة لأكثر منها قبل التخفيف وبعده في قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) إلى قوله: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ؟
قلنا: فائدته الدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحد لا يتفاوت، بل كما ينصر الله تعالى العشرين على المائتين، ينصر المائة على الألف، وكما ينصر المائة على المائتين ينصر الألف على الألفين.
* * *
فإن قيل: كيف أخبر الله تعالى عن هذه الغلبة ونحن نشاهد الأمر بخلافها فإن المائة من الكفار قد تغلب المائة من المسلمين، بل المائتين في بعض الأحوال؟
قلنا: إنما أخبر الله تعالى عن هذه الغلبة بشرط الصبر، الذي هو الثبات في مواقف الحرب أو الذي هو الموافقة بين المسلمين ظاهراً وباطناً، فمتى وجد الشرط تحققت الغلبة للمسلمين مع قلتهم لامحالة، ولقائل أن يقول: إن هذه الغلبة مخصوصة بطائفة كان النبى ﵊ أحدهم وسياق الآية يدل عليه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)
مع أنه أراد الدنيا أيضا، لأنه لولا إرادته إياها لما وجدت، فما فائدة هذا التخصيص ؟
قلنا: المراد بالإرادة هنا الاختيار والمحبة لا إرادة الوجود والكون، فالمعنى تحبون عرض الدنيا وتختارونه، والله يختار ما هو سبب الجنة، وهو إعزاز الإسلام بالإسخان في القتل.
стр. 165
سورة التوبة
* * *
فإن قيل: لأى سبب تركت كتابة البسملة في أول هذه السورة بخلاف سائر السور ؟
قلنا: لما تشابهت هي والأنفال، واختلفت الصحابة في كونهما سورتين أو سورة واحدة، تركت بينهما فرجة عملا بقول من قال:
هما سورتان، وتركت البسملة بينهما عملا بقول من قال هما سورة واحدة، وممن قال بذلك قتادة رضى الله عنه، الثانى: أن اسم الله تعالى سلام وأمان فلا تناسب كتابته النبذ والمحاربة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)
خص الأمر بالقتال بأئمة الكفر، مع أن النكث والطعن ليس مخصوصا بهم، بل هومسند
إلى جميع المشركين؟
قلنا: المراد بأئمة الكفر رؤوس المشركين وقادتهم، وقيل: كفار مكة لأنهم كانوا قدوة جميع العرب في الكفر، فكأن النكث والطعن لم
يوجد إلا منهم لما كانوا هم الأصل فيه، فلذلك خصهم بالذكر.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)
ونحن نسأل اليهود والنصارى ذلك فينكرونه ويجحدونه؟
قلنا: طائفة من اليهود وطائفة من النصارى هم الذين يقولون ذلك لا كلهم، فالألف واللام للعهد لا للجس أو أطلق اسم الكل وأرادالبعض كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) وإنما قال لها
стр. 166
جبريل وحده.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) وقول كل أحد إنما يكون بفمه ؟
قلنا: معناه أنه قول لا يعضده حجة وبرهان، إنما هو مجرد لفظ لا أصل له، وقيل: ذكر ذلك للمبالغة في الرد عليهم، والإنكار لقولهم.
كما يقول الرجل لغيره: أنت قلت لي ذلك بلسانك.
* * *
فإن قيل: دين الحق هو من جملة الهدى فما فائدة عطفه على الهدى في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) ؟
قلنا: المراد بالهدى هنا القرآن، وبدين الحق الإسلام، وهما متغايران.
الثانى: أنه وإن كان داخلا في جملة الهدى، ولكنه خصه بالذكر تشريفا له وتفضيلا كما في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) وقوله تعالى:
(وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ولم يقل على الأديان كلها مع أنه أظهره على الأديان كلها؟
قلنا: المراد بالدين هنا اسم الجنس واسم الجنس المعرف باللام يفيد معنى الجمع، كما في قولهم: كثر الدرهم في أيدى الناس.
стр. 167
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
والمذكور الذهب والفضة فأعاد الضمير على أحدهما ؟
قلنا: أعاد الضمير على الفضة لأنها أقرب المذكورين، أو لأنها أكثر وجودا في أيدى الناس، فيكون كنزها أكثر، ونظيره قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) .
الثاني: أنه أعاد الضمير على المعنى، لأن المكنوز دنانير ودراهم وأموال، ونظيره قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)
لأن كل طائفة مشتملة على عدد كثير، وكذا قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)
يعنى المؤمنين والكافرين، الثالث: أن العرب إذا ذكرت شيئين يشتركان في المعنى تكتفى بإعادة الضميرعلى أحدهما استغناء بذكره عن ذكر الآخر لمعرفة السامع باشتراكهما
فى المعنى (ومنه قول حسان بن ثابت) :
إن شرخ الشباب والشعر الأسود. . . مالم يعاص كان جنونا.
، ولم يقل مالم يعاصيا وقول الآخر:
فمن يك أمس بالمدينة رحلة. . . فإنى وقيار بها لغريب
стр. 168
ولم يقل لغريبان، ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) وليس قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) ولا قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا)
من هذا القبيل، لأن الأخبار ثم عن أحدهما لوجود لفظه أو هى لاثبات أحد المذكورين، فمن جعله نظير هذا فقد سها إلا أن يثبت أن أو في هاتين الآيتين بمعنى
الواو وفى هاتين الآيتين لطيفة وهى أن الكلام لما اقتضى اعادة الضمير على أحدهما أعاده في الآية الأولى على التجارة، وأن كانت أبعد ومؤنثة أيضا لأنها أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله تعالى من اللهو، بدليل أن المشتغلين بها أكثر من المشتغلين باللهو أو لأنها
أكثر نفعاً من اللهو أو لأنها كانت أصلا واللهو تبعا لأنه ضرب بالطبل لقدومها على ما عرف من تفسير الآية، وأعاده في الآية الثانية على الإثم رعاية لمرتبة القرب والتذكير.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)
وهى عند الناس كذلك أيضا في كل ملة سواء كانت الشهور قمرية أو شمسية ؟
стр. 169
قلنا: فائدته أن يعلم أن هذا التقسيم والعدد ليس مما أحدثه الناس ولبتدعوه بعقولهم من ذات أنفسهم، وإنما هو أمر أنزله الله تعالى في كتبه على ألسنة رسله.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)
خص الأربعة الحرم بذلك، وظلم النفس منهى عنه في كل زمان ؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما الضمير في قوله
تعالى: (فيهن) راجع إلى قوله: "اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا"
لا إلى الأربعة الحرم فقط، فاندفع السؤال الثانى: أن الضير راجع إلى الأربعة الحرم، أما لأنها أقرب أو لما قاله الفراء إن العرب تقول في العشرة وما دونها لثلاث ليال خلون، وأيام خلون وهؤلآء، فإذ جاوزت
العشرة قالت: خلت، ومضت للفرق بين القليل وهو العشرة فما دونها، وبين الكثير وهو ما زاد عليها، ولهذا قال في الأثنى عشر منها، وقال في الأربعة فيهن، فعلى هذا يكون تخصيصها بالذكر، إما لمزيد فضلها وحرمتها عندهم في الجاهلية، فيكون ظلم النفس فيها
أقبح، ونظيره قوله تعالى: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)
وإن كان ذلك منهيا عنه في غير الحج أيضا أو لأن
المراد بالظلم النسيء وهو كان مخصوصا بها، أو قتال الكفار فيها ابتداء، أو ترك قتالهم إذا ابتدوا، وكل ذلك مخصوصا بها.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: "فيهن" والشهر مذكر فقياسه فيها؟
قلنا: الضمير بالهاء والنون لا يختص بالمؤنث، ولو اختص فالمراد
стр. 170
بقوله تعالى: "فيهن " ساعات الأشهر وهى مؤنثة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)
والإنسان لا يظلم نفسه بل يظلم غيره ؟
قلنا: لا نسلم أنه لا يضلم نفسه، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
الثانى: أن معناه فلا يظلم بعضكم بعضا كما قال
تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)
وقال: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)
وقال: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) .
الثالث: أن معناه فلا تنقصوا حظ أنفسكم من
الآخرة بالمعصية، فإن من عصى فقد ظلم نفسه بنقصه ثوابها، وتوجيه العقاب والذم إليها، واليه الإشارة بقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
الرابع: أن كل ظالم لغيره فهو ظالم لنفسه في الحقيقة، لأن الضرر ظلمه في حق المظلوم منقطع عن قريب، لأنه لا يتعدى الدنيا، وضرر ظلمه في حق نفسه يراه في الآخرة، حيث لا ينقطع، أو يكون أشد وأدوم.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)
يدل
стр. 171
على قبول الكفر للزيادة والنقصان، فكذك الإيمان الذي هو ضده، فيكون حجة للشافعى رحمة الله عليه في قوله: الايمان: يقبل الزيادة والنقصان؟
قلنا: معناه زيادة معصية في الكفر.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
إن كان نهيا فأين الجزم ؟
وإن كان نفياً فقد وقع المنفى، لأن كثيرا من المؤمنين المخلصين استأذنوه في التخلف عن الجهاد لعذر، ويعضده قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) .
قيل: إن المراد به كل أمر طاعة اجتمعوا معه عليه
كالجهاد والجمعة والعيد ونحوه؟
قلنا: هو نهى بصيغة النفى كقوله تعالى: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) الثانى: قال ابن عباس رضى الله عنهما هى منسوخة بقوله تعالى: (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)
الثالث: أن المراد بقوله تعالى: (يَسْتَأْذِنُكَ ... الآية) ، الاستئذان في التخلف عن الجهاد من غير عذر وكذا المراد بالآية التى بعدها، وبقوله: " لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ"
إباحة الاستئذان في التخلف عن الأمر الجامع لعذر فلا نسخ، لإمكان العمل بالآيتين، لأن محل الحكم مختلف، وهو
стр. 172
وجود العذر وعدمه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)
أخبر أنهم أمروا بالقعود، وذمهم على القعود والتخلف عن الخروج للجهاد والاستئذان في القعود ؟
قلنا: ليس في الآية ما يدل على أن الله تعالى هو الآمر لهم، فقيل: الآمر لهم بذلك هو الشيطان بالوسوسة والتزين، والثانى: أن بعضهم أمر بعضا، الثالث: أن النبى ﷺ قال لهم ذلك غضبا عليهم، الرابع: أنه أمر توبيخ وتهديد من الله تعالى لهم، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)
ويعضده قوله تعالى: "مع القاعدين " أي مع النساء والصبيان والذمى، الذي شأنهم القعود والجثوم في البيوت.
* * *
فإن قيل: إذ كان الله تعالى قد علم أن المنافقين لو خرجوا
مع المؤمنين للجهاد ما زادوهم إلا خبالا أي فسادا، ولأوضعوا خلالهم أي ولأشرعوا السعى بينهم بالنمائم، فكيف أمرهم بالخروج مع المؤمنين؟
قلنا: أمرهم بالخروج لإلزامهم بالحجة، ولإظهار نفاقهم.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) يدل على أن الفسق يمنع قبول الطاعات؟
стр. 173
قلنا: المراد بالفسق هنا الفسق بالكفر والنفاق لا مطلق الفسق، وذلك محبط للطاعات، ومانع من قبولها، ويعضده قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ ... الأية)
* * *
فإن قيل: لما عدل في آية الصدقات عن اللام إلى (فى) في المصارف الأربعة الأخيرة ؟
قلنا: للتنبيه على أنهم أقوى في استحقاق الصدقة من ماسبق ذكره، لأن (فى) للظرفية والوعاء، فنبه بها على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا نصيبا لها، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفى فك الغارمين من الدين من التخليص والانقاذ، ولجمع الغازى الفقير أو المنقطع في الحج الفقير بين الفقر ومثل هذه العبادة الشاقة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، ولا يرد المؤلفة قلوبهم
لأن بعضهم كفار وبعضهم مسلمون ضعيفوا النية في الإسلام، فكيف يعارض بهم من ذكرنا، أو لأن الله تعالى علم أن وجوب إعطائهم
سينسخ فلذلك جعلهم في القسم المقدم الذي هو أضعف.
* * *
فإن قيل: لم كرر (في) في الأربعة الأخيرة. ولم تكرر اللام في الأربعة الأولى؟
стр. 174
قلنا: للتنبيه على ترجيح استحقاق المصرفين الآخرين على الرقاب والغارمين من جهة أن إعادة العامل تدل على مزيد قوة وتأكيد كقولك: مررت بزيد وعمرو.
* * *
فإن قيل: لم عدى فعل الإيمان إلى الله تعالى بالباء، وإلى المؤمنين باللام في قوله تعالى: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) ؟
قلنا: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به، فعداه بالباء كما يعدى ضده بها، وقصد التسليم والانقياد للمؤمنين فيما يخبرون به لكونهم صادقين عنده، فعداه بما يعدى به التسليم والانقياد، ويعضده قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)
وقوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) وقوله تعالى: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) وقوله تعالى: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) وأما قوله تعالى: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)
مشترك الدلالة، لأنه قال في موضع آخر: (آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) وقال ابن قتيبة في الجواب عن أصل السؤال إن الباء واللام زائدتان، والمراد بالإيمان التصديق فمعناه يصدق الله ويصدق المؤمنين.
стр. 175
فإن قيل: قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا)
يدل على تخليد أصحاب الكبائر في النار، لأن المراد بالمحاداة المخالفة والمعاداة؟
قلنا: قوله تعالى: "ألم يعلموا" خبر عن المنافقين الذين سبق
ذكرهم، فيكون المراد المحاداة بالكفر والنفاق، وذلك موجب للتخليد في النار.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ)
وسور القرآن إنما تنزل على النبى ﵊ لا على المنافقين ؟
قلنا: معناه أن تنزل فيهم، فعلى هنا بمعنى في، كما في قوله تعالى: (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
وقولهم: كان ذلك على عهد فلان، الثانى: أن الإنزال هنا بمعنى القراءة فمعناه أن تقرأ عليهم.
* * *
فإن قيل: الحذر في هذه الآية واقع على أنزال السور فكيف قال تعالى: (قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)
ومناسب أول الآية منزل ما تحذرون؟
قلنا: قوله: "مخرج ما تحذرون" أي مظهر ما تحذرون ظهوره من نفاقكم بإنزال السورة، وهو مناسب لقوله تعالى: (تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) ، الثانى: أن معناه مظهر ومبرذ ما تحذرون من أنزال السورة.
стр. 176
فإن قيل: كيف قال تعالى: (تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) وانبائهم بما في قلوبهم تحصيل الحاصل، لأنهم عالمون به فما فائدته ؟
قلنا: معناه تنبئهم بأسرارهم وما كتموه من النفاق شائعة ذئعة، وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم، ولا يطلع عليه سواهم، وهذا ليس تحصيل الحاصل.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وقال بعده: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وكلمة (من) أدل على المشابهة والمجانسة من حيث إنها تقتضى الجزئية والبعضية، فكانت بالمؤمنين أولى وأحرى، لأنهم
أشد تشابها وتجانسا في الصفات والأخلاق؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)
أى بعضهم على دين بعض، أي على عادتهم وخلقهم بإضمار لفظة الدين والخلق ونحوه، لأن (من) تأتى بمعنى (على) ، ومنه قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ)
أى يحلفون على وطءِ نسائهم، وهذا المعنى هو المراد في قوله ﵊: "فمن رغب عن سنتى فليس منى "، وقوله ﵊: "من غشنا فليس منا"، والمراد بقوله
стр. 177
تعالى: "بعضهم أولياء بعضى"
أي أنصارهم وأعوانهم في الدين، وكل واحدة من العبارتين صالحة للفريقين، إلا أنه يخص المنافقين بتلك
العبارة تكذيباً لهم في حلفهم السابق في قوله تعالى:
(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) وتقريرا لقوله تعالى:
(وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) .
* * *
فإن قيل: أي فائدة في قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ) مع أن قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ) بوضع الظاهر موضع المضمر مغن عنه، كما قال تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) من غير تكرار؟
قلنا: فائدته تصدير التشبيه بذم المشبه بهم باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وأشتغالهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وتهجين حالهم، وتقبيح صفتهم ليكون التشبيه بعد ذلك أبلغ في ذم المشبهين بأولئك الأولين، كما تريد أن
تشبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير حق، ويظلم ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله، وأما قوله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) فإنه لما كان معطوفا على ما قبله وهو التشبيه المصدر بتلك المقدمة أغنى ذلك عن إعادة
стр. 178
تلك المقدمة المذكورة للتقبيح والتهجين.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) حبوط العمل إن كان عبارة عن بطلان ثوابه، فذلك إنما يكون في الآخرة، وإن كان عبارة عن بطلان منفعته فاعمال المنافقين في الدنيا ليست باطلة المنفعة، لأنهم ينتفعون بها في حقن دمائهم وأموالهم، وجريان أحكام المسلمين عليهم؟
قلنا: المراد بالأعمال إن كان نوعى أعمالهم الدينية والدنيوية، فالحابط في الدنيا راجع إلى أعمالهم الدنيوية وهى كيدهم ومكرهم وخداعهم ونفاقهم (الذى) كانوا يقصدون به اطفاء نور الله تعالى، ودفع آياته وبيناته.
(وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
فلم ينالوا من ذلك ما أملوه وقدموه من ابطال دين الله تعالى، وستر نبوة محمد ﷺ ، والحبوط في الآخرة راجع إلى أعمالهم الدينية وهى عباداتهم وطاعاتهم، لأنهم فعلوها نفاقا ورياء، فبطل ثوابها في الآخرة، وإن المراد بأعمالهم مجرد الأعمال
الدينية، فحبوطها في الدنيا هو عدم قبولها، لأن الله تعالى يقبل العبادة في الدنيا ثم يثيب عليها في الآخرة، فالمراد بحبوطها في الدنيا عدم قبولها، وعدم اطلاق الأسماء الشريفة عليها كالعبادة
стр. 179
والقربة والحسنة ونحو ذلك، وهذا ضد قوله تعالى:
(وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
فدل على أن للطاعات أجر معجلا في الدنيا غير الأجر المؤخر إلى الآخرة، وهو القبول وحسن الثناء، والذكر والقاء المحبة في قلوب الخلق كما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)
قيل: معناه يحبهم ويحببهم إلى عباده من غير سبب بينه وبينهم يوجب المحبة، وكذلك على العكس حال
العصاة والفساق يبغضهم ويبغضهم إلى عباده من غير سبب بينهم يوجب البغض.
* * *
فإن قيل قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)
لم خص الأرض بالنفى، مع أن المنافقين ليس لهم ولى ولا نصير من عذاب الله تعالى في الأرض ولا في السماء في الدنيا ولا في الآخرة ؟
قلنا: لما كان المنافقون لا يعتقدون الوحدانية، ولا يصدقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الولى والنصير مقصورا على الدنيا.
فعبر عن الدنيا بالأرض، وخصها بالذكر لذلك، الثانى: أنه تعالى أرد بالأرض أرض الدنيا والآخرة، فكأنه قال: وما لهم في الدنيا والآخرة من ولى ولا نصير.
* * *
فإن قيل: لم خص السبعين بالذكر في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
стр. 180
مع أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين ولو استغفر لهم النبى ﷺ ألف مرة بدليل
قولو تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)
ولأنهم مشركون، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به؟
قلنا: جرت عادة العرب بضرب المثل في الأحاد بالسبعة، وفى العشرات بالسبعين، وفى المئات بسبعمائة استعظاما لها واستكثارا، لا أنهم يريدون بذكرها الحصر، ومنه قوله تعالى: (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) وقوله تعالى: (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) فكأنه قال إن تستغفر لهم أعظم الأعداد وأكثرها فلن يغفر الله لهم، ويعضده ما ذكره بعد ذلك
من بيان الصارف عن المغفرة في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
* * *
فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم لما خفى ذلك على النبى ﵊ وهو أفصح العرب، وأعلمهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، حتى قال لما أنزلت هذه الآية: إن الله تعالى قد رخص لي، فسأزيد على السبعين، وفى رواية أخرى: فاستغفر لهم أكثر من السبعين ل عل الله يغفر لهم؟
قلنا: لم يخف عليه ذلك، وانما أراد بما قال إظهار غاية رحمته
следующие страницы →