Полный текст (604 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فإن قيل: كيف قال تعالى: (تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) وانبائهم بما في قلوبهم تحصيل الحاصل، لأنهم عالمون به فما فائدته ؟
قلنا: معناه تنبئهم بأسرارهم وما كتموه من النفاق شائعة ذئعة، وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم، ولا يطلع عليه سواهم، وهذا ليس تحصيل الحاصل.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وقال بعده: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وكلمة (من) أدل على المشابهة والمجانسة من حيث إنها تقتضى الجزئية والبعضية، فكانت بالمؤمنين أولى وأحرى، لأنهم
أشد تشابها وتجانسا في الصفات والأخلاق؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)
أى بعضهم على دين بعض، أي على عادتهم وخلقهم بإضمار لفظة الدين والخلق ونحوه، لأن (من) تأتى بمعنى (على) ، ومنه قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ)
أى يحلفون على وطءِ نسائهم، وهذا المعنى هو المراد في قوله ﵊: "فمن رغب عن سنتى فليس منى "، وقوله ﵊: "من غشنا فليس منا"، والمراد بقوله
стр. 177
تعالى: "بعضهم أولياء بعضى"
أي أنصارهم وأعوانهم في الدين، وكل واحدة من العبارتين صالحة للفريقين، إلا أنه يخص المنافقين بتلك
العبارة تكذيباً لهم في حلفهم السابق في قوله تعالى:
(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) وتقريرا لقوله تعالى:
(وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) .
* * *
فإن قيل: أي فائدة في قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ) مع أن قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ) بوضع الظاهر موضع المضمر مغن عنه، كما قال تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) من غير تكرار؟
قلنا: فائدته تصدير التشبيه بذم المشبه بهم باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وأشتغالهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وتهجين حالهم، وتقبيح صفتهم ليكون التشبيه بعد ذلك أبلغ في ذم المشبهين بأولئك الأولين، كما تريد أن
تشبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير حق، ويظلم ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله، وأما قوله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) فإنه لما كان معطوفا على ما قبله وهو التشبيه المصدر بتلك المقدمة أغنى ذلك عن إعادة
стр. 178
تلك المقدمة المذكورة للتقبيح والتهجين.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) حبوط العمل إن كان عبارة عن بطلان ثوابه، فذلك إنما يكون في الآخرة، وإن كان عبارة عن بطلان منفعته فاعمال المنافقين في الدنيا ليست باطلة المنفعة، لأنهم ينتفعون بها في حقن دمائهم وأموالهم، وجريان أحكام المسلمين عليهم؟
قلنا: المراد بالأعمال إن كان نوعى أعمالهم الدينية والدنيوية، فالحابط في الدنيا راجع إلى أعمالهم الدنيوية وهى كيدهم ومكرهم وخداعهم ونفاقهم (الذى) كانوا يقصدون به اطفاء نور الله تعالى، ودفع آياته وبيناته.
(وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
فلم ينالوا من ذلك ما أملوه وقدموه من ابطال دين الله تعالى، وستر نبوة محمد ﷺ ، والحبوط في الآخرة راجع إلى أعمالهم الدينية وهى عباداتهم وطاعاتهم، لأنهم فعلوها نفاقا ورياء، فبطل ثوابها في الآخرة، وإن المراد بأعمالهم مجرد الأعمال
الدينية، فحبوطها في الدنيا هو عدم قبولها، لأن الله تعالى يقبل العبادة في الدنيا ثم يثيب عليها في الآخرة، فالمراد بحبوطها في الدنيا عدم قبولها، وعدم اطلاق الأسماء الشريفة عليها كالعبادة
стр. 179
والقربة والحسنة ونحو ذلك، وهذا ضد قوله تعالى:
(وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
فدل على أن للطاعات أجر معجلا في الدنيا غير الأجر المؤخر إلى الآخرة، وهو القبول وحسن الثناء، والذكر والقاء المحبة في قلوب الخلق كما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)
قيل: معناه يحبهم ويحببهم إلى عباده من غير سبب بينه وبينهم يوجب المحبة، وكذلك على العكس حال
العصاة والفساق يبغضهم ويبغضهم إلى عباده من غير سبب بينهم يوجب البغض.
* * *
فإن قيل قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)
لم خص الأرض بالنفى، مع أن المنافقين ليس لهم ولى ولا نصير من عذاب الله تعالى في الأرض ولا في السماء في الدنيا ولا في الآخرة ؟
قلنا: لما كان المنافقون لا يعتقدون الوحدانية، ولا يصدقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الولى والنصير مقصورا على الدنيا.
فعبر عن الدنيا بالأرض، وخصها بالذكر لذلك، الثانى: أنه تعالى أرد بالأرض أرض الدنيا والآخرة، فكأنه قال: وما لهم في الدنيا والآخرة من ولى ولا نصير.
* * *
فإن قيل: لم خص السبعين بالذكر في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
стр. 180
مع أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين ولو استغفر لهم النبى ﷺ ألف مرة بدليل
قولو تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)
ولأنهم مشركون، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به؟
قلنا: جرت عادة العرب بضرب المثل في الأحاد بالسبعة، وفى العشرات بالسبعين، وفى المئات بسبعمائة استعظاما لها واستكثارا، لا أنهم يريدون بذكرها الحصر، ومنه قوله تعالى: (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) وقوله تعالى: (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) فكأنه قال إن تستغفر لهم أعظم الأعداد وأكثرها فلن يغفر الله لهم، ويعضده ما ذكره بعد ذلك
من بيان الصارف عن المغفرة في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
* * *
فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم لما خفى ذلك على النبى ﵊ وهو أفصح العرب، وأعلمهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، حتى قال لما أنزلت هذه الآية: إن الله تعالى قد رخص لي، فسأزيد على السبعين، وفى رواية أخرى: فاستغفر لهم أكثر من السبعين ل عل الله يغفر لهم؟
قلنا: لم يخف عليه ذلك، وانما أراد بما قال إظهار غاية رحمته
стр. 181
ورأفته بمن بعث إليهم، كما وصفه الله تعالي بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية) وفى إظهار النبى ﷺ الرحمة والرأفة لطيف لأمته، وحث لهم على التراحم، وشفقة بعضهم على بعض وهذا دأب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ألا ترى إلى قول إبراهيم ﵊: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) والمغفرة والرحمة إنما تكون للمسيئين لا للمحسنين ؟
قلنا: معناه والله غفور رحيم للمسيئين إذا تابوا، فهو متعلق بمحذوف لا بالمحسنين، لأنهم قد سدوا بإحسانهم طريق العقاب والذم، فليس عليهم سبيل فيهما، الثانى: أن المحسن من الناس وإن تناهى في إحسانه لا يخلوا عن إساءة بينه وبين الله تعالى أوبينه وبين الناس لكنه إذا أحسن باجتناب الكبائر غفر الله له صغائر سيئاته ورحمه كما قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. . .الآية) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ)
أى سيعلم لأن ألسين للاستقبال، والرؤية من الله تعالى بمعنى العلم، والله تعالى
стр. 182
عالم بعملهم حالا ومآلا؟
قلنا: معناه سيعلمه واقعا موجودا كما علمه غيبا، لأن الله تعالى يعلم كل شىء على ما هو عليه، فيعلم المنتظر منتظرا، ويعلم الواقع واقعا، وأما في حق الرسول ﷺ فهو على ظاهره.
* * *
فإن قيل: إن كان الله تعالى قد وصف العرب بالجهل في القرآن بقوله تعالى: (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ)
فكيف يصر الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ ؟
قلنا: هذا وصف من الله تعالى لهم بالجهل في أحكام القرآن لا في ألفاظه، ونحن لا نحتج بلغتهم في بيان الأحكام، بل نحتج بلغتهم في بيان معانى الألفاظ، لأن القرآن والسنة جاءا بلغتهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا في صفة المنافقين: (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)
وقال في موضع آخر: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) ؟
قلنا: هذه الآية نزلت قبل تلك الآية فلا تناقض، لأنه نفى علمه بهم في زمان ثم أثبته بعد ذلك في زمان آخر.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) قد جعل كل واحد منهما مخلوطا فأين المخلوط به؟
قلنا: كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به، لأن معناه خلطوا كل
стр. 183
واحد منهما بالآخر، كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد خلط كل واحد منهما بصاحبه، وفيه من المبالغة ما ليس في قولك: خلط الماء باللبن، لأنك بالباء جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به، وبالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت:
خلطت الماء باللبن واللبن بالماء، ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء.
كما في قولهم: بعت الشاتان بدرهمان يعنون كل شاة بدرهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
بالواو وما قبلها من الصفات بغير واو ؟
قلنا: لأنها صفة ثامنة، والعرب تدخل الواو بعد السبعة إيذانا بتمام العدد، فإن السبعة عندهم هى العقد التام كالعشرة عندنا، فأتوا بحرف العطف الدال على المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ونظيره قوله تعالى: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) بعد ما ذكر العدد مرتين بغير واو، وقوله تعالى في صفة الجنة: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) بالواو، ولأنها ثمانية، وقال في صفة النار نعوذ بالله منها: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) بغير واو لأنها سبعة، وليس قوله تعالى: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) من هذا القبيل، لأن الواو لو أسقطت فيه لاستحال المعنى لتناقض الصفتين، وقيل: إنما دخلت الواو على
стр. 184
الناهين عن المنكر إعلاما بأن الأمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره بالمعروف، فهما صفتان متلاذمتان بخلاف باقى الصفات المذكورة، فإنها ليست متلاذمة، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) لأنهما ليستا صفتين متلازمتين.
لأن السجود يلزم الركرع، أما الركوع لا يلزم السجود بدليل سجود التلاوة وسجود الشكر، والزمخشري بعمله لم يتكلم على هذه الواو.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي بأحسن الذي كانوا يعملون، بإضمار حرف الجر مع أنهم يجزون بحسنه أيضا لقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) ؟
قلنا: معناه بحسن الذي كانوا يعملون، وهو الطاعات كلها لا بسيئة وهو المعاصى، فالأحسن هنا بمعنى الحسن، وسيأتى في سورة الروم في قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) ما يوضح هذا إن شاء الله تعالى، الثانى: أن معناه ليجزيهم الله أحسن من الذي كانوا يعملون.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)
يدل على أن الإيمان يقبل بالزيادة ؟
قلنا: قال مجاهد ﵀: معناه فزادتهم علما، لأن العلم من ثمرات الإيمان، فجعل مجازاً عنه، والله أعلم.
стр. 185
سورة يونس ﵇
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) والله تعالى يفصل ألأيات للعلماء والجهال أيضاً؟
قلنا: لما كان يقع تفصيل الآيات مخصوصا بالعلماء أو لانتفاعهم بالتفصيل أكثر أضاف التفصيل إليهم وخصهم به.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) مع أن أقوال أهل الجنة وأحوالهم لا آخر لها، لأن الجنة دار الخلود ؟
قلنا: معناه وآخر دعائهم في كل مجلس دعاء أو ذكر أو تسبيح، فإن أهل الجنة يسبحون ويذكرون للتنعيم والتلذذ بالتسبيح والذكر.
* * *
فإن قيل: قد أنكر الله تعالى على الكفار احتجاجهم بمشيئته في قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)
ولهذا لا يجوز للعاصى أن يحتج في وجود المعصية منه بقوله: لو شاء الله ما فعلت هذه المعصية، فلا تقيموا على حدها، فكيف قال النبى ﷺ : (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ)
قلنا: النبى ﵊ قال هذه الحجة بأمر الله، لأن الله تعالى قال له: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ) وللعبد أن يحتج بمشية الله إذا أمره الله أن يحتج بها، أما ما ليس كذلك فليس له أن يحتج بمجرد المشيئة وما أورثتموه كذلك
стр. 186
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) والبغى لا يكون إلا بغيو الحق، لأن البغى هو التعدى والفساد، من قولهم: بغى الجرح إذا فسد، كذا قاله الأصمعي فما فائدة التقييد؟
قلنا: قد يكون الفساد بالحق كاستيلاء المسلمين على أرض الكفار.
وهدم دورهم، واحراق ذروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل الرسول ﷺ ببنى قريظة.
* * *
فإن قيل: كيف شبه تعالى الحياة الدنيا بماء السماء، دون ماء الأرض فقال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) ؟
قلنا: لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه، ولا حيلة، كما أن الحياة كذلك لا حيلة للعبد في في زيادتها ونقصانها.
الثانى: أن ماء السماء يستوى فيه جميع الخلائق الوضيع والشريف والغنى والفقير، وغيرهما أيضاً كالمدد والحجر والشوك والثمر، كما أن الحياة كذلك، فكان تشبيه الحياة بماء السماء أشد مناسبة ومطابقة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ) وقال في موضع آخر: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؟
قلنا: يوم القيامة مواقف ومواطن، ففي موقف لا يكلمهم، وفى
стр. 187
موقف يكلمهم، ونظيره قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)
وقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، الثانى: أن المراد أنه لا يكلمهم كلام إكرام بل كلام توبيخ وتقريع.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... الآية) يدل على أنهم معترفون بأن الله تعالى هو الخالق والرازق والمدبر لجميع المخلوقات، فكيف يعترفون بذلك كله ثم يعبدون الأصنام ؟
قلنا: كانوا في عبادة الأصنام يتأولون عبادة الله، فطائفة كانت تقول نحن لا نتأهل لعبادة الله تعالى بغير واسطة لعظمته وجلاله ونقصنا وحقارتنا، فجعلوا الأصنام وسائط، كما قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
وطائفة كانت تقول نتخذ أصناماً على هيئة الملآئكة ونعبدها، لتشفع لنا الملآئكة عند الله، وطائفة
كانت تقول الأصنام قبلة لنا في عبادة الله، كما أن الكعبة قبلة في عبادته، وطائفة وهى الأكثر كانت تقول على كل صنم شيطان موكل به من عند الله تعالى، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه على وفق مراده بأمر الله، ومن قصر في عبادة الصنم أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله، فكل الطوائف من عبدة الأصنام كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله والتقرب إليه، ولكن بطرق مختلفة
стр. 188
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)
وهم غير معترفين بوجود الإعادة اصلا لا من الله ولا من غيره ؟
قلنا: لما كانت الإعادة ظاهرة الوجود لظهور برهانها، وهو القدرة على ابتداء الخلق، والإعادة أهون بالنسبة إلينا لزمهم الاعتراف بها، فصار كأنهم مسلمون وجودها من حيث ظهور الحجة ووضوحها.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) رتب كونه شهيدا على أفعالهم على رجوعهم إليه في القيامة، مع أنه شهيد على أفعالهم في الدنيا والآخرة؟
قلنا: ذكر الشهادة وأراد مقتضاها ونتيجتها وهو القعاب وإلجزاء.
كأنه قال ثم الله معاقب على ما يفعلون أو مجاز على ما يفعلون كما قال: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) ونظائره في القرآن العزيز كثيرة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا) ولم يقل ليلا أو
نهارا وهو أظهر في المطابقة، وأكثر استعمالا مع النهار في القرآن العزيز وغيره؟
قلنا: المعهود المألوف من كلام العرب عند ذكر البطش والإهلاك والوعيد والتهديد ذكر لفظ البيات سواء قرن به النهار أو لا فلذلك لم يقل ليلا.
стр. 189
فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ)
ولم يقل ماذا يستعجلون منه، وأول الخطاب للمواجهه؟
قلنا: أراد بذكر المجرمين الدلالة على موجب ترك الاستعجال، وهو الاجرام، لأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويفزع من مجيئه، وإن ابطاء فضلا على أن يستعجله.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ولم يقل فبذينك والمشار إليه اثنان الفضل والرحمة ؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة في قوله تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تهديد، لأن فيه محذوفا تقديره: وما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم، فكيف يناسبه قوله تعالى بعده: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) ؟
قلنا: هو مناسب لأن معناه إن الله لذو فضل على الناس حيث أنعم عليهم بالعقل والوحى والهداية وتأخير العذاب وفتح باب التوبة، فكيف يفترون عليه الكذب مع توافر نعمه عليهم.
стр. 190
فإن قيل: كيف قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ)
فأفرد ثم قال: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) فجمع والخطاب للنبى ﵊ ؟
قلنا: قال ابن الأنباري: إنما جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبى ﷺ في الفعلين الأولين، وقال غيره: المراد بالفعل الثالث أيضا النبى ﵊ وحده، وإنما جمع تفخيما له وتعظيما كما في قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) على قول ابن عباس، وكما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) والمراد به النبى ﵊ كذا قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، واختاره ابن قتيبة والزجاج.
* * *
فإن قيل: كيف قَدَّم تعالى الأرض على السماء في قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)
وقدم السماء على الأرض في قوله تعالى في سورة سبأ: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)
стр. 191
قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض مطلقا لأنها أشرف، لكنه لما ذكر هنا في صدر الآية شهادته على شئون أهل الأرض، وأقوالهم وأعمالهم، ثم أردفه بقوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ) ناسب ذلك تقديم الأرض على السماء، الثانى: أن العطف بالواو نظير التثنية وحكمه حكمها فلا يعطى رتبة كالتثنية.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)
وقال في موضع آخر: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ؟
قلنا: أثبت الاشتراك في نفس العزة التى هى في حق الله تعالى القدرة والغلبة، وفى حق الرسول ﵊ علو كلمته وإظهار دينه، وفى حق المؤمنين نصرهم على أعدائهم، وقوله تعالى: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أراد به العزة الكاملة التى يندرج فيها عز الألهية والخلق والإماتة والإحياء والبقاء الدائم وما أشبه ذلك فلا تنافي.
* * *
فإن قيل: إذا كانت السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات وما وراءهما كل ذلك ملك لله تعالى ملكا وخلقا، فما فائدة التخصيص فى
قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ؟
قلنا: إنما خص العقلاء المميزين بالذكر وهم الملآئكة والثقلان ليعلم أن هؤلاء إذا كانوا عبيدا لله وهو ربهم ولا يصلح أحد منهم للربوبية ولا للشركة معه، فما وراءهم مما لا يعقل كالأصنام والكواكب
стр. 192
ونحوهما أحق أن لا تكون له نداً ولا شريكا.
* * *
فإن قيل: كيف قال لهم موسى ﵊: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا) على طريق الاستفهام، وهم إنما قالوا ذلك عن طريق الإخبار والتحقيق المؤكد بأن واللام على طريق
الاستفهام قال الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) ؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) ثم قال: "أسحر هذا " أنكر ما قالوه فالاستفهام من قول موسى عليه السلاة والسلام، لا مفعول لقولهم.
* * *
فإن قيل: كيف نوع الخطاب في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فثنى أولا ثم جمع ثم أفرد ؟
قلنا: خوطب أولا موسى وهارون أن يتبوؤا لقومهما بيوتا
ويختاروها للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء، ثم سيق الخطاب عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى ﵊ بالبشارة تعظيما لها وتعظيما له ﵇.
стр. 193
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) أضافها إليهما، والدعوة إنما صدرت من موسى ﵊ قال الله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ ... الآية) ؟
قلنا: نقل أن موسى ﵊ كان يدعو، وهارون كان يؤمن على دعائه، والتأمين دعاء في المعنى، فلهذا أضاف الدعوة إليهما، الثانى: أنه يجوز أن يكون هارون قد دعا أيضا مع موسى ﵊ إلا أن الله تعالى خص موسى ﵊ بالذكر، لأنه كان أسبق بالدعوة أو أحرص عليها أو أكثر إخلاصا فيها.
* * *
فإن قيل: لو كان كذلك لقال تعالى دعوتاكما بألتثنية؟
قلنا: لو كانت ألدعوة مصدرا اكتفى بذكرها في موضع الإفراد والتثنية والجمع بصيغة واحدة كسائر المصادر، ونظيره قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) وإن إنما تدخل على ما هو محتمل الوجود، وشك النبى ﵊ في القرآن منتف قطعا؟
قلنا: الخطاب ليس للنبى ﵊ بل لمن كان شاكا في القرآن، وفى نبوة محمد ﵊، فكأنه قال: فإن كنت
стр. 194
أيها الإنسان في شك ...
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ)
يدل على أن الخطاب للنبى ﵊ لا لغيره ؟
قلنا: لا يدل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)
وقال: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ) ، الثانى أن الخطاب للنبى ﵊ والمراد غيره كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)
ويعضد بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ويعضد هذا الوجه قوله تعالى بعده: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) .
الثالث: أن يكون (إن) بمعنى (ما) تقديره: فما كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل، المعنى لسنا نأمرك أن تسأل أحبار اليهود والنصارى عن صدة كتابك، لأنك في شك منه، بل لتزداد بصيرة ويقينا وطمأنينة، الرابع: أن الخطاب للنبى ﵊ مع انتفاء الشك منه قطعا، والمراد به إلزام الحجة على الشاكين الكافرين
كما يقول لعيسى ﵊: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
وهو عالم بانتفاء هذا القول منه،
стр. 195
لإلزام الحجة على النصارى.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)
ما فائدة قوله: "جميعا" بعد قوله: "كلهم " وهو يفيد الشمول والإحاطة ؟
قلنا: كل يفيد الشمول والإحاطة، ولا يدل على " وجود إيمان منهم بصفة الاجتماع، وجميعا يدل على " وجوده منهم في حالة واحدة كما تقول: جاء القوم كلهم جميعا، أي مجتمعين، ونظيره
قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) كيف يصح هذا مع إنا لا نعلم جميع ما فيهما ولا نراه؟
قلنا: هو عام أريد به ما ندركه بالأبصار أو البصيرة مما فيهما كالشمش والقمر والنجوم والجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان ونحو ذلك مما يدل على وجود الصانع وتوحيده وعظيم قدرته فنستدل به على ما وراءه.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ... الآية)
الحكمة في ذكر المس في أحدهما والإرادة في الآخر؟
قلنا: إنما عدل عن لفظ المس المذكور في سورة الأنعام إلى لفظ
стр. 196
الإراده لأن الجزاء هنا قوله تعالى: (فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)
والرد إنما يكون فيما لم يقع بعد، والمس إنما يكون فيما وقع، فلهذا قال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) معناه فإن شاء أدام ذلك الخير وإن شاء أزاله، فلا (لطلب) دوامه وزيادته إلا منه.
стр. 197
سورة هود ﵇
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)
مع أن التوبة مقدمة على الاستغفار ؟
قلنا: المراد استغفروا ربكم من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة، كذا قاله مقاتل، وهذا الاستغفار مقدم على هذه التوبة، الثانى: أن فيه تقديما وتأخيرا، الثالث: قال الفراء (ثم) هنا بمعنى الواو، فلا تفيد ترتيبا فاندفع السؤال.
* * *
فإن قيل: من لم يستغفر ولم يتب فإن الله تعالى يمتعه متاعا حسنا إلى أجله أي يرزقه ويوسع عليه كما قال ابن عباس أو يعمره كما قال ابن قتيبة، فما فائدة قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ؟
قلنا: قال غيرهما: المتاع الحسن المشروط الاستغفار والتوبة هو الحياة في الطاعة والقناعة، ومثل هذه الحياة إنما تكون للمستغفر التائب التقى.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) كيف لم يقل على الأرض مع أنه أشد مناسبة لتفسير الدابة لغة، فإنها ما يدب على وجه الأرض؟
قلنا: في هنا بمعنى على كما في قوله تعالى: (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) وقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ)
стр. 198
الثانى: أن (فى) أعم وأشمل لأنها تتناول كل دابة على وجه الأرض، وكل دبة في باطن الأرض بخلاف (على) .
* * *
فإن قيل: كيف خص تعالى الدابة بذكر ضمان الرزق، والطير كذلك رزقه على الله تعالى، وهو غير الدابة بدليل قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) ؟
قلنا: إنما خص الدابة بالذكر لأن الدواب أكثر من الطيور عدداً، وفيها ما هو أكبر جثة من كل فرد من أفراد الطير كالفيل والحوت، فيكون أحوج إلى الرزق فلذلك خصه بالذكر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وعلى
للوجوب، والله تعالى لا يجب عليه شىء، وإنما يرزقها تفضلاً وكرماً؟
قلنا: (على) هنا بمعنى من، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) .
الثانى: أنه ذكره بصيغة الوجوب ليحصل للعبد زيادة سكون وطمأنينة في حصوله.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
والخطاب عام للمؤمنين والكافرين، فإنه امتحن الفريقين بالأمر بالطاعة والنهى عن المعصية، وأعمال الكافرين هى التى تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأما اعمال الفريقين فتفاوتهما إلى حسن وقبيح؟
стр. 199
قلنا: قوله تعالى "ليبلوكم" عام أريد به الخاص، وهم المؤمنون تشريفا لهم وتخصيصاً فصح قوله " أحسن عملا ".
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) ولم يقل: وضيق ؟
قلنا: ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت لأن النبى ﷺ كان أفسح الناس صدرا، ونظيره قولك: زيد سائد، وجائد، إذ أردت أن إلسيادة والجود حادث فيه وعارض له، فإن أردت وصفه بالسيادة والجود الثابتين قلت زيد سيد، وجواد كما قال الزمخشري.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)
أمرهم بالإتيان بمثله وما يأتون به لا يكون مثله، لأن ما يأتون به مفترى، والقرآن ليس بمفترى؟
قلنا: أراد به مثله في البلاغة والفصاحة، وإن كان مفترى، وقيل: معناه مفتريات كما أن القرآن مفترى في زعمكم واعتقادكم فيتماثلان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ فَأْتُوا) فأفرد ثم جمح
فقال: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا) ؟
قلنا: الخطاب للنبى ﵊ في الكل، ولكنه جمع في قوله: " لكم فاعلموا " تفخيما له وتعظيما، الثانى: أن الخطاب الثانى للنبى ﵊ وأصحابه، لأن النبى عليه الصلاة والسلام
стр. 200
وأصحابه كانوا يتحدونهم بالقرآن، وقوله تعالى في موضع آخر: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ) يعضد الوجه الأول.
الثالث: أن يكون الخطاب في الثانى والثالث للمشركين، والضمير في " يستجيبوا " لمن استطعتم يعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة على معارضته لعجزهم، فاعلموا أيها المشركون إنما أنزل بعلم الله، وهذا وجه لطيف.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا) يدل على
بطلان أعمالهم فما فائدة قوله بعده: (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي بطل ثواب ما صنعوا من الطاعات في الدنيا، (وبطل ما كانوا يعملون) من الرياء فيها.
* * *
فإن قيل: كيف قال نوح ﵊: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) بالواو، وقال هود ﵊: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) بغير واو؟
قلنا: لأن الضمير في قولهما عليهما الصلاة والسلام لتبليغ الرسالة المدلول عليه بأول الكلام في القصتين، ولكن في قصة نوح ﵊ وقع الفصل بين الضمير وما هو عائد عليه بكلام
стр. 201
آخر، فجيء بواو الابتداء، وفى قصة هود ﵊ لم يقح بينهما فصل، فلم يحتج إلى واو الابتداء، هذا ما وقع لي فيه، والله تعالى أعلم.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) لا يناسبه المستثنى في الظاهر، وهو قوله: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) لأن المرحوم معصوم فظاهره يقتضى لا معصوم إلا من رحم، أي لا مععوم من الغرق بالطوفان إلا من ﵀ بالانجاء في السفينة ؟
قلنا: عاصم هنا بمعنى معصوم كقوله تعالى: (من مآء دافق) أي مدفوق، وقوله: (فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) أي مرضية، وقول العرب:
سر كاتم أي مكتوم.
الثانى: أن معناه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم أي إلا الراحم، وهو الله تعالى، وليس معناه إلا المرحوم.
فكأنه قال: لا عاصم إلا الله، الثالث: أن معناه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مكان من رحم الله من المؤمنين ونجاهم، وهو السفينة.
ويناسب هذا الوجه قوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وهذا لأن ابن نوح لما جعل الجبل عاصما من الماء رد نوح ﵊ عليه ذلك، ودله على العاصم وهو الله تعالى، أو المكان الذي أمر الله بالالتجاء إليه وهو السفينة.
стр. 202
فإن قيل: كيف صح أمر السماء والأرض بقوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) وهما لا يعقلان، والأمر والنهى إنما يكون لمن يعقل، ويفهم الخطاب ؟
قلنا: الخطاب لهما في الصورة، والمراد به الخطاب للملآئكة الموكلة بتدبيرهما، الثانى: أن هذا أمر إيجاد لا أمر ايجاب، وفى أمر الإيجاد لا يشترط العقل والفهم، لأن الأشياء كلها بالنسبة إلى أمر الإيجاد مطيعة منقادة لله تعالى، ومنه قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وقوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) كل ذلك أمر إيجاد.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى هنا: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ)
بالفاء، وقال في قصة زكريا: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ) بغير فاء؟
قلنا: أراد بالنداء هنا إرادة النداء، فجاء بالفاء الدالة على السببية، فإن إرادة النداء سبب للنداء، فكأنه قال: وأراد نوح نداء ربه فقال: كيت وكيت، وأراد به في قصة زكريا حقيقة النداء، فلهذا جاء بغير فاء لعدم ما يقتضى السببية.
стр. 203
فإن قيل: هو كان رسولا ولم يظهر معجزة، ولهذا قال له قومه: (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) فبأى شيء لزمتهم رسالته ؟
قلنا: إنما يحتاج إلى المعجزة من الرسل من يكون صاحب شريعة لتنقاد أمته إلى شريعته، فان في كل شريعة أحكام غير معقولة، فيحتاج الرسول الآتى بها إلى معجزة تشهد بصدقه، فأما الرسول الذي لا تكون له شريعة، ولا يأمر إلا بالعقليات فلا يحتاج إلى معجزة، لأن الناس ينقادون إلى ما يأمرهم به لموافقته للعقل، وهو كان كذلك، الثانى: أنه نقل أن معجزة هود كانت الريح الصرصر
فإنها كانت مسخرة له.
* * *
فإن قيل: على الوجه الأول لو كان أمره لهم مقصورا على العقليات لما خالفوه وكذبوه ونسبوه إلى الجنون بقولهم: (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ... الآية) ؟
قلنا: إنما صدر ذلك القول من قاصرى العقول والمعاندين
والمكابرين كما قيل ذلك لكل رسول بعد اتيانه بالمعجزات
الظاهرات والآيات الباهرات.
* * *
فإن قيل: هلا قيل أنى أشهد الله وأشهدكم لتتناسب الجملتان؟
стр. 204
قلنا: لأن إشهاد الله تعالى على البراءة من الشرك إشهاد صحيح مفيد تأكيد التوحيد واشد معاقده، وأما إشهادهم فما هو إلا تهكم بهم وتهاون، ودلالة على قلة المبالاة، لأنهم ليسوا أهلا للشهادة، فعدل به عن اللفظ الأول وأتى به على صورة التهكم والتهاون، كما
يقول الرجل لصاحبه: إذ لا حجة أشهد أنى لا أحبك، تهكما واستهانة له.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) جعل التولى شرطا والإبلاغ جزاء، والإبلاغ كان سابقا على التولى ؟
قلنا: ليس الابلاغ جزاء للتولى، بل جزاؤه محذوف تقديره: فان تولوا لم أعاتب على تفريط في الابلاغ أو تقصير فيه، ودل على الجزاء المحذوف قوله: "فقد أبلغتكم " الثانى: قال مقاتل تقديره: فإن تولوا فقل لهم قد أبلغتكم.
* * *
فإن قيل: ما فائدة تكرار النتجية في قوله تعالى:
(وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) ؟
قلنا: أراد بالنتجية الأولى تنجيتهم من عذاب الدنيا الذي نزل بقوم هود، وهو سموم أرسلها الله تعالى عليهم، فقطعتهم عضوا عضوا، وأراد بالنتجية الثانية تنجيتهم من عذاب الآخرة الذى
استحقه قوم هود بالكفر ولا عذاب أغلظ منه وأشد.
стр. 205
فإن قيل: "بعداً " معناه عند العرب الدعاء بالهلاك، كذا نقله الزمخشري فما معني الدعاء عليهم بالهلاك بعد هلاكهم ؟
قلنا: معناه الدلالة على أنهم مستأهلون له وحقيقون به، ونقيضه قول الشاعر:
إخوتى لا يبعدوا أبداً. . . وبلى والله قد بعدوا
أراد بالدعاء لهم بنفى الاهلاك بعد هلاكهم. الإعلام بأنهم لم يكونوا مستأهلون له ولا حقيقين به.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ)
نهى عن النقص فيهما، والنهى عن النقص أمر بالإيفاء معنى، فما فائدة قوله تعالى بعد ذلك: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) ؟
قلنا: صرح أولا بنهيهم عن النقص الذي كانوا يفعلونه لزيادة المبالغة في تقبيحه وتغيرهم إياه، ثم صرح بالأمر بالإيفاء بالعدل الذي هو أحسن عقلا لن لزيادة الترغيب فيه والحث عليه.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
العثو الفساد فيصير المعنى ولا تفسدوا في الأرض
مفسدين؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة، وجواب آخر معناه: ولا تعثوا في الأرض مفسدين بالكفر وأنتم مفسدون بنقص المكيال والميزان.
стр. 206
فإن قيل: كيف قال: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شرط الإيمان فيه كون البقية خيرا لهم (وهى خير لهم) مطلقا لأن المراد ببقية الله لهم ما يبقى لهم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، وذلك خير لهم وإن كانوا كفار لأنهم يسلمون معه من عقاب البخس والتطفيف؟
قلنا: إنما شرط الإيمان في خيرية البقية، لأن خيريتها وفائدتها مع الإيمان أظهر، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب، ومع فقد الإيمان أخفى الانغماس صاحبها في عذاب الكفر الذي هو أشد
العذاب، الثانى: أن المراد إن كنتم مصدقين إلى فيما أقول لكم وأنصح.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) ولم يقل ببعيدين، والقوم اسم لجماعة الرجال، وما جاء في القرآن الضمير العائد إليه إلا ضمير جماعة، قال الله تعالى: (أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ) وقال: (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) ؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: وما اهلاك قوم لوط، أو وما مكان قوم لوط، ومكان قوم لوط كان قريبا منهم، واهلاكهم أيضا كان قريبا من ذمانهم، الثانى: أن فعيلا يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع، قال
стр. 207
الجوهرى: يقال ما أنتم منا ببعيد، وقال الله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)
وقال: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)
* * *
فإن قيل: قولهم: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)
كلام واقع فيه وفى رهطه، وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) ؟
قلنا: تهاونهم به وهو نبى الله تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله، ألا ترى إلى قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) .
* * *
فإن قيل: قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مكانته، ثم أتبعه بذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان المطابق والموافق في ظاهر الفهم أن يقول: من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزبه إليهم، ومن هو صادق إليه؟
قلنا: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا، قال: ومن هو كاذب، يعنى في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم.
стр. 208
فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ)
والقرى لا تكون ظالمة، لأن الظلم من صفات من يعقل أو من صفات الحيوان دون الجماد ؟
قلنا: هو من الاسناد المجازى، والمراد به أهلها، كما قال تعالى في موضع آخر: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)
لكن لما أمن اللبس أسند الظلم إلى القرية لفظا كما في قوله
تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) .
* * *
فإن قيل: كيف توفيق بين قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقوله: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَ)
وقوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) فإن الآية الثالثة تناقض الآية الأولى بنفى الأذن، وتناقض الآيتين جميعا بنفى النطق؟
قلنا: أما التوفيق بين الآيتين الأوليين فظاهر، لأن معناه تجادل عن نفسها بإذنه فتوافقت الآيتان، وأما الآية الثالثة فإنها لا تناقض الآية الأولى بنفى الإذن إن قلنا إن الاستثناء من النفى ليس بإثبات لأن الآية الأولى لا تقتضى وجود الإذن حينئذ بل تقتضى نفى
стр. 209
الكلام عند انتفاء الإذن، فأما إن قلنا إن الاستثناء من النفى اثبات ناقضت الآية الثالثة الأولى، ولا تناقض الآيتين بنفى النطق، لأن يوم
القيامة يوم طويل فيه مواقف ومواطن، ففى بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفى بعضا يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم فيه، وفى بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفى بعضها يختم على أفواههم، وتتكلم
أيديهم وتشهد أرجلهم، وهذا جواب تام عن مثل هذه الآيات ويرد على هذا أن يقال قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ)
نفى للنطق عنهم يوم القيامة، فيقتضى انتفاؤه في جميع أجزاء ذلك الزمان، عملا بعموم النفى، كما يعم النفى جميع أجزاء المكان في قولنا: لا وجود لزيد في الدار، فاندفع الجوب بخلاف المواقف والمواطن، فيكون الجواب أن الآية الثالثة أريد بها طائفة خاصة غير الطائفتين الأوليين فلا تناقض.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) وكلمة (من) للتبعيض، ومعلوم أن الناس كلهم إما شقى أو سعيد، فما معنى التبعيض هنا ؟
قلنا: التبعيض هنا على حقيقته، لأن أهل القيامة ثلاثة أقسام شقى وسعيد وهم أهل النار والجنة، كما ذكر في هذه الآية مفصلا، وقسم لا شقى ولا سعيد وهم أهل الأعراف، الثانى: أن معنى الكلام فمنهم
стр. 210
شقى ومنهم سعيد وهذا يقتضى أن يكون الشقى بعض الناس، والسعيد بعض الناس، والأمر كذلك، ولا يقتضى أن يكون الشقى والسعيد كلاهما بعض الناس، بل كل واحد منهما بعض، وكلاهما كل كما تقول: من الحيوان إنسان، ومن الحيوان غير إنسان، وكل الحيوان إما إنسان أو غير إنسان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)
وأراد به بيان دوام الخلود، لأن أهل الجنة وأهل النار مخلدون فيهما خلودا لا نهاية له. والسموات والأرض دوامهما منقطع، لأنهما يوم القيامة تنهدمان ، قال الله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)
وقال: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) وقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) ونظائره كثيرة مما يدل على خراب
السموات والأرض؟
قلنا: للعرب في معنى الأبد ألفاظ منها هذا يقولون: لا أفعل كذا ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماء والأرض، وما أظلت الأبل، ويريدون بذلك لا أفعله أبدا مع قطع للنظر عن كون المؤقت به له نهاية أو لا نهاية له.
الثانى: أنه خاطبهم على معتقدهم أن السموات والأرض لا تزول ولا تتغير، الثالث: أنه أراد به كون الفريقين في قبورهم إما منعمين أو معذبين، كما جاء في الحديث:
стр. 211
" إن القبر إما روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النار " ومن كان في روضة من رياض الجنة فهو في الجنة، ومن كان في حفرة من حفر النار فهو في النار، فعلى هذا يكون المراد بالتأقيت بدوام السموات والأرض مدة الخلود إلى يوم ألقيامة، الرابع: أن المراد به سموات الآخرة وأرضها قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) وتلك دائمة لا تزول، ولا تفنى.
ولأنه لابد لأهل الجنة مما يظلهم ويقلهم، إما سماء يخلقها الله تعالى أو العرش كما جاء في الأخبار أن أهل الجنة تحت ظل العرش، وكل ما أظلك فهو سماء، وجاء في الأخبار أيضا في صفة الجنة: أن ترابها زعغران، فدل على أن لها أرضا، فالمراد تلك السماء وتلك الأرض.
* * *
فإن قيل: إذا كان المراد بهذا التأقيت دوام الخلود دواما لا آخر له، فكيف يصح الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ؟
قلنا: قال الفراء (إلا) هنا بمعنى غير وسوى فمعناه: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء الله تعالى من الخلود والزيادة، فكأنه قال: خالدين فيها قدر مدة الدنيا غير ما شاء الله تعالى من الزيادة عليها إلى غير نهاية، وهذا الوجه إنما يصح إذا كان المراد
سموات الدنيا وأرضها، قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام قولك
стр. 212
لأسكننك في هذه الدار حولا إلا ما شئت، تريد سوى ما شئت أن أزيدك على الحول، الثانى: أنه استثناء لا يفعله كما تقول لأهجرنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزمك على هجرانه أبدا وهو معنى قول ابن عباس إلا ما شاء ربك، وقد شاء أن يخلدوا فيها قال الزجاج: وفائدة هذا الاسثمناء إعلامنا أنه لو شاء أن لا يخلدهم لما
خلدهم، ولكنه ما شاء إلا خلودهم، الثالث: أنه استثناء لزمان البعث والحشر والوقوف للعرض والحساب، فإن الأشقياء والسعداء في ذلك
الزمان كله ليسوا في النار ولا في الجنة، الرابع: أن (ما) بمعنى من والمستثنى من يدخل النار من الموحدين فيعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من الأشقياء فقط.
الخامس: أن المستثنى ذمان كون أهل الأعراف على
الأعراف قبل دخولهم الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من السعداء فقط، وأهل الأعراف من السعداء لأنهم لم يدخلوا النار ولأن مصيرهم إلى الخلود في الجنة، السادس: أنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، لأن الأشقياء لا يخلدون فى
عذاب النار بل يعذبون بالزمهرير وغيره من أنواع العذاب سوى النار، وكذلك السعداء لهم سوى نعيم الجنة ما هو أجل منها، وهو الزيادة التى وعدهم الله إياها بقوله تعالى: (للِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) ، وهو رضوان الله كما قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)
стр. 213
وقوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)
فهو المراد بالاسشناء، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى بعد ذكر الأشقياء: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) وقوله تعالى بعد ذكر السعداء: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يعنى أنه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب، ويعطى أهل الجنة أنواع العطاء الذي لا انقمناع له، فاختلاف المقطعين يؤكد صرف الاستثناء إلى ما ذكرنا.
فتأمل كيف يفسرالقرآن بعضه بعضاً.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) بعد قوله: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) والتوفية والإيفاء إعطاء الشيء وافيا أي تاما نقله الجوهرى وغيره، والتام لا يكون منقوصا؟
قلنا: هو من باب التوكيد.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) إشارة إلى ماذا ؟
قلنا: قلنا هو إشارة إلى ما عليه الفريقان من حال الاختلاف، أهل الرحمة
стр. 214
للرحمة، وقد فسره ابن عباس رضى ألله عنهما فقال: خلقهم فريقين فريق رحمهم فلم يختلفوا، وفريق لم يرحمهم فاختلفوا، وقيل: هو إشارة إلى معنى الرحمة وهو الترحم وعلى هذا يكون الضمير في خلقهم للذين رحمهم فلم يختلفوا وقيل: هو إشارة إلى الاختلاف والضمير في خلقهم للمختلفين، واللام على الوجه الأول والثالث لام العاقبة والضرورة لا لام كى وهى التى تسمى لام الغرض والمقصود، لأن الخلق للاختلاف في الدين لا يليق بالحكمة، ونظير هذه اللام قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) .
وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب. . . فكلكم يصير إلى التراب
وقيل: إنها لام التمكين والاقتدار كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا) وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) والتكمين والاقتدار حاصل، وإن لم يسكن بعض الناس في الليل، ولم يركب بعض هذه الدواب، ومعنى التمكين والاقتدار هنا أنه أقدرهم على قبول حكم الاختلاف ومكنهم منه، وقيل: اللام هنا بمعنى على، كما في قوله تعالى:
стр. 215
(وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) وقول تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) .
* * *
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) وقوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) ؟
قلنا: معناه وكل نبأ نقصه عليك من أنباء الرسل، هو ما نثبت به فؤادك، فـ (ما) في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف فلا يقتضى اللفظ قص أنباء جميع الأنبياء، فلا تتناقض بين الآيتين، الثانى: أن المراد بالكل هنا كما في قوله تعالى:
(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) وقوله تعالى:
(وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)
وقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (وقول لبيد)
ألا كل شيء ما خلا الله باطل. . . وكل نعيم لا محالة زائل.
وكثير من الأشياء غير الله تعالى حق كالنبى ﵊، والإيمان، والجنة، وغير ذلك، وكذلك نعيم الجنة والآخرة ليس
следующие страницы →