Полный текст (604 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
" إن القبر إما روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النار " ومن كان في روضة من رياض الجنة فهو في الجنة، ومن كان في حفرة من حفر النار فهو في النار، فعلى هذا يكون المراد بالتأقيت بدوام السموات والأرض مدة الخلود إلى يوم ألقيامة، الرابع: أن المراد به سموات الآخرة وأرضها قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) وتلك دائمة لا تزول، ولا تفنى.
ولأنه لابد لأهل الجنة مما يظلهم ويقلهم، إما سماء يخلقها الله تعالى أو العرش كما جاء في الأخبار أن أهل الجنة تحت ظل العرش، وكل ما أظلك فهو سماء، وجاء في الأخبار أيضا في صفة الجنة: أن ترابها زعغران، فدل على أن لها أرضا، فالمراد تلك السماء وتلك الأرض.
* * *
فإن قيل: إذا كان المراد بهذا التأقيت دوام الخلود دواما لا آخر له، فكيف يصح الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ؟
قلنا: قال الفراء (إلا) هنا بمعنى غير وسوى فمعناه: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء الله تعالى من الخلود والزيادة، فكأنه قال: خالدين فيها قدر مدة الدنيا غير ما شاء الله تعالى من الزيادة عليها إلى غير نهاية، وهذا الوجه إنما يصح إذا كان المراد
سموات الدنيا وأرضها، قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام قولك
стр. 212
لأسكننك في هذه الدار حولا إلا ما شئت، تريد سوى ما شئت أن أزيدك على الحول، الثانى: أنه استثناء لا يفعله كما تقول لأهجرنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزمك على هجرانه أبدا وهو معنى قول ابن عباس إلا ما شاء ربك، وقد شاء أن يخلدوا فيها قال الزجاج: وفائدة هذا الاسثمناء إعلامنا أنه لو شاء أن لا يخلدهم لما
خلدهم، ولكنه ما شاء إلا خلودهم، الثالث: أنه استثناء لزمان البعث والحشر والوقوف للعرض والحساب، فإن الأشقياء والسعداء في ذلك
الزمان كله ليسوا في النار ولا في الجنة، الرابع: أن (ما) بمعنى من والمستثنى من يدخل النار من الموحدين فيعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من الأشقياء فقط.
الخامس: أن المستثنى ذمان كون أهل الأعراف على
الأعراف قبل دخولهم الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من السعداء فقط، وأهل الأعراف من السعداء لأنهم لم يدخلوا النار ولأن مصيرهم إلى الخلود في الجنة، السادس: أنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، لأن الأشقياء لا يخلدون فى
عذاب النار بل يعذبون بالزمهرير وغيره من أنواع العذاب سوى النار، وكذلك السعداء لهم سوى نعيم الجنة ما هو أجل منها، وهو الزيادة التى وعدهم الله إياها بقوله تعالى: (للِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) ، وهو رضوان الله كما قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)
стр. 213
وقوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)
فهو المراد بالاسشناء، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى بعد ذكر الأشقياء: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) وقوله تعالى بعد ذكر السعداء: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يعنى أنه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب، ويعطى أهل الجنة أنواع العطاء الذي لا انقمناع له، فاختلاف المقطعين يؤكد صرف الاستثناء إلى ما ذكرنا.
فتأمل كيف يفسرالقرآن بعضه بعضاً.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) بعد قوله: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) والتوفية والإيفاء إعطاء الشيء وافيا أي تاما نقله الجوهرى وغيره، والتام لا يكون منقوصا؟
قلنا: هو من باب التوكيد.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) إشارة إلى ماذا ؟
قلنا: قلنا هو إشارة إلى ما عليه الفريقان من حال الاختلاف، أهل الرحمة
стр. 214
للرحمة، وقد فسره ابن عباس رضى ألله عنهما فقال: خلقهم فريقين فريق رحمهم فلم يختلفوا، وفريق لم يرحمهم فاختلفوا، وقيل: هو إشارة إلى معنى الرحمة وهو الترحم وعلى هذا يكون الضمير في خلقهم للذين رحمهم فلم يختلفوا وقيل: هو إشارة إلى الاختلاف والضمير في خلقهم للمختلفين، واللام على الوجه الأول والثالث لام العاقبة والضرورة لا لام كى وهى التى تسمى لام الغرض والمقصود، لأن الخلق للاختلاف في الدين لا يليق بالحكمة، ونظير هذه اللام قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) .
وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب. . . فكلكم يصير إلى التراب
وقيل: إنها لام التمكين والاقتدار كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا) وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) والتكمين والاقتدار حاصل، وإن لم يسكن بعض الناس في الليل، ولم يركب بعض هذه الدواب، ومعنى التمكين والاقتدار هنا أنه أقدرهم على قبول حكم الاختلاف ومكنهم منه، وقيل: اللام هنا بمعنى على، كما في قوله تعالى:
стр. 215
(وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) وقول تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) .
* * *
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) وقوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) ؟
قلنا: معناه وكل نبأ نقصه عليك من أنباء الرسل، هو ما نثبت به فؤادك، فـ (ما) في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف فلا يقتضى اللفظ قص أنباء جميع الأنبياء، فلا تتناقض بين الآيتين، الثانى: أن المراد بالكل هنا كما في قوله تعالى:
(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) وقوله تعالى:
(وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)
وقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (وقول لبيد)
ألا كل شيء ما خلا الله باطل. . . وكل نعيم لا محالة زائل.
وكثير من الأشياء غير الله تعالى حق كالنبى ﵊، والإيمان، والجنة، وغير ذلك، وكذلك نعيم الجنة والآخرة ليس
стр. 216
بزائل، ولبيد صادق في هذا البيت لقوله ﵊ أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: ألا كل شيء ... إلخ) .
* * *
فإن قيل: ما فائدة تخصيص هذه السورة بقوله تعالى: (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) مع أن الحق جاءه في كل سور القرآن ؟
قلنا: قالوا: فائدة تخصيص هذه السورة بذلك زيادة تشريفها وتفضيلها مع مشاركة غيرها إياها في ذلك، كما في قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) وقوله: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) بعد قوله:
(وَمَلَائِكَتِهِ) وقوله: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) بعد قوله: (الصَّلَوَاتِ) ووجه المشابهة بينهما أنه كما حمل قوله تعالى
"وجبريل وميكال" على التشريف والتفضيل عند تعذر حمله على تعليق العداوة به لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وكذا في المثال الآخر تعذر حمله على إيجاب المحافظة لما قلنا، وهنا تعذر حمله على حقيقته، وهو الجنس أو المعهود لأن حقيقته انحصار كل حق في هذه، وهو منتف أو حمل الحق على معهود سابق وهو
منتف، وحمله على بض الحق يلزم منه وصف هذه السورة
стр. 217
بوصف مشترك بينها وبين كل السور، وأنه لا يحسن كما قالوا: وجاءك في هذه آيات أو كلام الله أو كلام معجز فجعل مجازا عن التفضيل والتشريف، وقيل: الاشارة إلى الدنيا لا إلى السورة، والجمهور على القول الأول، ولا يقال إنما خصت هذه السورة بذلك لأن فيها الأمر بالاستقامة بقوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)
والاستقامة من أعلى المقامات عند العارفين لأنا نقول: الأمر بالاستقامة جاء أيضا في سورة (حم (١) عسق) قال الله تعالى: (كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فلا يصح هذا علة للتخصيص.
стр. 218
سورة يوسف ﵇
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ولم يقل ثلاثة عشر كوكبا وهو أوجز وأحصر، والذى رآه كان أحد عشر كوكبا غير الشمس والقمر ؟
قلنا: قصد عطفهما على الكواكب تخصيصالهما بالذكر، وتفضيلا لهما على سائر الكواكب، لما لهما من المزية والرتبة على الكل، ونظيره
تأخير جبريل وميكال عن الملآئكة عليهم الصلاة والسلام ثم عطفهما عليهم إن قلنا إنهما غير مرادين بلفظ الملآئكة وكذا قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ)
إن قلنا أنها غير مرادة بلفظ الصلوات.
* * *
فإن قيل: ما فائدة تكرار (رأيت) ؟
قلنا: قال الزمخشري: ليس ذلك تكرارا بل هو كلام مستأنف، وقع جوابا لسؤال مقدر من يعقوب ﵊ كأنه قال له بعد قوله: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ، كيف رأيتهما سائلا عن حال رؤيتهما
فقال مجيبا له: رأيتهم ساجدين، وقال الزجاج: إنما كرر الفعل توكيدا لما طال الكلام، كما في قوله تعالى: (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) وقوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) ، وقال غيره إنما كرره تفخيما للرؤية وتعظيما لها.
* * *
فإن قيل: كيف أجريت مجرى العقلاء في قوله: (رأيتهم) وفى قوله: (ساجدين) وأصله رأيتها ساجدة؟
стр. 219
قلنا: لما وصفها بما هو من صفات من يعقل وهو السجود أجرى عليها حكمه، كأنها عاقلة، وهذا شائع في كلامهم أن يلبس الشيء الشيء من بعض الوجوه فيعطى حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة والمقاربة، ونظيره قوله تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا) وقوله تعالى في وصف السماء والأرض: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) .
* * *
فإن قيل: كيف قالوا: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) وكانوا عاقلين بالغين وأنبياء أيضا في قول البعض وكيف رضى يعقوب ﵊ بذلك ؟
قلنا: على قراءة الياء لا إشكال، لأن يوسف ﵊ كان يومئذ دون البلوغ فلا يحرم عليه اللعب، وعلى قراءة النون نقول كان لعبهم المسابقة والمناضلة ليعودوا أنفسهم الشجاعة لقتال الأعداء
لا للهو، وذلك جائز في الشرع، ويعضد هذا قولهم: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) وإنما سموه لعبا لأنه في صورة اللعب، ويرد على أصل السؤال أن يقال: كيف يتورعون عن اللعب وهم قد فعلوا ما هو أعظم من اللعب وأشد، وهو إلقاء أخيهم في الجب على قصد القتل.
* * *
فإن قيل: كيف اعتذر إليهم يعقوب ﵊ بعذرين أحدهما قوله: (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) لأنه كان لا يصبر
стр. 220
عنه ساعة واحدة، والثانى خوفه عليه من الذنب، فأجابوه عن أحد العذرين دون الآخر؟
قلنا: حبه إياه وايثاره له وعدم صبره على مفارقته هو الذي كان يغيظهم ويؤلمهم، فأضربوا عنه صفحا ولم يجيبوه عنه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) وهو يومئذ لم يكن بالغا، والوحى إنما يكون بعد الأربعين ؟
قلنا: المراد به وحى الإلهام لا وحى الرسالة، الذي هو مخصوص بما بعد الأربعين، ونظيره قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) وقوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) ؟
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) وقال في حق موسى ﵊: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) ؟
قلنا: المراد ببلوغ الأشد دون الأربعين سنة على اختلافه في مقداره، والمراد بالاستواء بلوغ الأربعين منة أو الستين، وكان إيتاء كل واحد منهما الحكم والعلم في ذلك الزمان فأخبر عنه كما وقع.
* * *
فإن قيل: كيف وحد الباب في قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)
بعد جمعه في قوله تعالى: (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ) ؟
стр. 221
قلنا: لأن إغلاق الباب للاحتياط لا يتم إلا بإغلاق جميع أبواب الدار، سواء كانت كلها في جدار الدار أو لا، وأما هربه منها إلى الباب فلا يكون إلا إلى باب واحد إن كانت كلها في جدار الدار، لأن خرجه
فى وقت هربه لا يتصور إلا من باب واحد منها. وإن كان بعض الأبواب داخل بعض فإنه أول ما يقصد الباب الأدنى لقربه، ولأن الخروج من الباب الأوسط والباب الاقصى موقوفه على الخروج من الباب الأدنى، فلذلك وحد الباب.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ولم يكن قوله شهادة ؟
قلنا: لما أدى معنى الشهادة في ثبوت قول يوسف ﵇، وبطلان قولها سمى شهادة، فالمراد بقوله "شهد" أعلم وبين وحكم.
* * *
فإن قيل: (قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) يدل على أنها كاذبة وأنها هى التى تبعته وجذبت قميصه من خلفه فقدته، فأما قده من قبل كيف يدل على أنها صادقة؟
قلنا: يدل من وجهين أحدهما أنه إما كان طالبها وهى تدفعبه عن نفسها بيدها أو برجلها فتقد قميصه من قبل بالدفع، الثانى: أنه يسرع خلفها وهى هاربة منه فيعثر في مقادم قميصه فيشقه، ويرد على الوجه الثانى أنه مشترك ألدلالة من جهة العثار الذي هو نتيجة الإسراع، لأنه يحتمل أن يكون اسراعا في الهرب منها، وهى خلفه
فيعثر فيقد قميصه من قبل.
стр. 222
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) وإنما يقال خرجت إلى السوق وطرقت عليه الباب فخرج إلى ؟
قلنا: إذا كان الخروج بقهر وغلبة أو بجمال وزينة أو بآية وأمر عظيم فإنما يعدى بعلى ومنه قولهم: خرج علينا في السفر قطاع الطريق، وقوله تعالى:
(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) وقوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ) .
* * *
فإن قيل: كيف شبهن يوسف ﵊ بالملك فقلن: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) وهن ما رأين الملآئكة قط؟
قلنا: إن كن ما رأين الملآئكة فقد سمعن وصفها، (الثانى) : أن الله تعالى ركز في الطباع حسن الملآئكة، كما ركز فيها قبح الشياطين، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن بالملك، وكل متناه في القبح بالشيطان.
* * *
فإن قيل: كيف قال يوسف ﵊: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) وترك الشىء إنما يكون بعد ملابسته والكون فيه، يقال: ترك فلإن شرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك إذا كان فيه ثم أقلع عنه، ويوسف ﵊ لم يكز على ملة الكفار قط؟
стр. 223
قلنا: الترك نوعان: ترك بعد الملابسة ويسمى ترك انتقال، وترك قبل الملابسة ويسمى ترك إعراض كقوله تعالى في قصة موسى ﵊: (ويذرك وآلهتك) وموسى ﵊ ما لابس في عبادة آلهه في وقت من الأوقات، وما نحن فيه من النوع الثانى، وسيأتى نظير هذا السؤال في سورة إبراهيم ﵊ في قوله تعالى: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فسر الأمر بالنهى أو بما جزاؤه بالنهى وهما ضدان ؟
قلنا فيه إضمار أمر لآخر تقديره أمر أمراً اقتضى أن لا تعبدوا إلا إياه وهو قوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) فإنه باعتبار تقديم المفعول في معنى الحصر، كما في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
الثانى: أن فيه إضمار نهى تقديره أمر ونهى ثم فسرالأمرين بقوله: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)
الثالث: أن قوله تعالى " ألا نعبدوا " وأن كان مضاد للأمر من حيث اللفظ فهو موافق له من حيث المعنى، فلم قلتم أن تفسير الشيء بما يضاده سورة ويوافقه معنى غير جائز، بيان موافقته معنى من وجهين أحدهما أن النهى عن الشيء أمر بضده، وعبادة الله تعالى ضد عبادة غير الله تعالى،
стр. 224
الثانى: أن معنى مجموع قوله تعالى: "ألا تعبدوا إلا إياه " اعبدوه وحده، فيكون تفسيرا للأمر المطلق بفرد من أفراده، وأنه جائز.
* * *
فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعظم الناس زهدا في الدنيا ورغبة في الآخرة، فكيف قال يوسف ﵊: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) طلب أن يكون معتمدا على الخزائن ومتوليا لها، وهو من أكبر مناصب الدنيا ؟
قلنا: إنما طلب ذلك ليتوصل به إلى امضاء أحكام الله تعالى واقامة الحق وبسط العدل ونحوه، مما يبعث له الأنبياء، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء لوجه الله تعالى وسعيا في منافع العباد ومصالحهم لا لحب الملك والدنيا، ونظيره
قوله ﵊: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، يعنى لو كنت أعلم أي وقت يكون القحط لأدخرت لزمن القحط طعاما كثيرا، لا للحرص ولكن لأتمكن من إعانة الضعفاء والفقراء وقت الضرورة والضائقة، ويحتمل أن يكون علم تعيينه
لذلك العمل فكان طلبه واجبا عليه.
* * *
فإن قيل: كيف جاز ليوسف ﵊ أن يأمر المؤذن أن يقول: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) وذلك بهتان وتسريق بالصواع لمن لم يسرقه، وتكذيب للبريء واتهام له؟
قلنا: قوله: (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) تورية عما جرى منهم مجرى السرقة وتصويرها بصورتها من فعلهم بيوسف ﵊ ما فعلوه
стр. 225
أولا، الثانى: أن ذلك القول كان من المؤذن بغير أمر يوسف ﵊ كذا قال بعض المفسرين، الثالث: أن حكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية، التى يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية
كقوله تعالى لأيوب ﵊: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) وقول إبراهيم ﵊ في حق زوجته: "هى أختى" لتسلم من يد الكافر، وما أشبه ذلك.
* * *
فإن قيل: كيف تأسف يعقوب ﵊ على يوسف دون أخيه بقوله: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) والرزء الأحداث أشد على النفس وأعظم أثرا ؟
قلنا: إنما يكون أشد إذا تساوت المصيبتان في العظم ولم يتساويا هنا، بل فقد يوسف كان أعظم عليه وأشد من فقد أخيه، فإنما خصه بالذكر ليدل على أن الرزء فيه مع تقادم عهده ما زال غضاً طرياً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ)
والحزن لا يحدث بياض العين لا طبا ولا عرفا؟
قلنا: قال ابن عباس: (من الحزن) أي من البكاء، ولأن الحزن سبب للبكاء، فأطلق عليه اسم السبب وأراد به المسبب، وكثرة البكاء قد
يحدث بياضا في العين يغشى السواد، وهكذا حدث ليعقوب ﵊، وقيل: إذ كثرت الدموع محقت سواد العين وقلبته إلى بياض كدر.
* * *
فإن قيل: كيف قال يعقوب ﵊: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
стр. 226
مع أن من المؤمنين من ييأس من روح الله أي من فرجه وتنفيسه أو من رحمته على اختلاف
القولين، إما لشدة مصيبته أو لكثرة ذنوبه، كما جاء في الحديث في قصة الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه، ويذروا رماده في البر والبحر، ففعلوا به ذلك ثم أن الله تعالى غفر له كما جاء مشروحاً في الحديث المشهور، وهو من الصحاح مع أنه يأس من رحمة الله تعالى، وضم إلى يأسه ذنبا آخر وهو اعتقاده أنه إذا أحرق وذرى رماده لا يقدر الله تعالى على إحيائه وتعذيبه، ومع هذا كله
غفر له فدل أنه لم يمت كافرا؟
قلنا: إنما ييأس من روح الله الكافر لا المسلم عملا بظاهر الآية، وكل مؤمن يتحقق منه الأياس من روح الله فهو كافر في الحال حتى يعود إلى الإسلام بعوده إلى رجاء روح ألله، وأما الرجل المغفور له في الحديث فلا نسلم أنه لم يكفر ثم أن الله تعالى لما أحياه في الدنيا عاد إلى الإسلام بعوده إلى رجاء روح الله تعالى، فلذلك غفر
له أو يكون قد عاد إلى رجاء روح الله تعالى قبل موتته الأولى ولم يتسع له الزمان أن يرجع عن وصيته التى أوصى أهله بها فمات مسلما فلذلك غفر له.
* * *
فإن قيل: كيف ذكر يوسف ﵊ نعمة الله تعالى عليه في إخراجه من السجن فقال: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ولم يذكر نعمته عليه فى
стр. 227
إخراجه) من الجب وهو أعظم نعمة، لأن وقوعه في الجب كان أعظم خطراً؟
قلنا: إنما ذكر هذه النعمة دون تلك النعمة لوجوه، إحداها: أن منحة السجن ومصيبته كانت أعظم لطول مدتها، فإنه لبث فيه بضع سننين.
وما لبث في الجب إلا مدة يسيرة، الثانى: أنه إنما لم يذكر الجب كيلا يكون في ذكره توبيخ وتقريع لأخوته بعد قوله لهم: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) ، الثالث: أن إخراجه من السجن كان مقدمة لملكه وعزه، فلذلك ذكره، وخروجه من الجب كان مقدمة الذل والرق والأسر فلذلك لم يذكره. الرابع: أن مصيبة السجن كانت أعظم عنده لمصاحبته الأوباش والأرذال وأعداء الدين، بخلاف مصيبة الجب فإنه كان مؤنسه فيه جبريل وغيره من الملآئكة عليهم الصلاة والسلام.
* * *
فإن قيل: كيف قال يوسف ﵊:
(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) وهو يعلم أن كل نبى لا يموت إلا مسلما ؟
قلنا: يجوز أن يكون قد دعا بذلك في حال غلبة الخوف عليه غلبة أذهلته عن ذلك العلم في تلك الساعة، الثانى: أنه دعا بذلك حال علمه إظهاراً للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة وتعليماً للأمة.
* * *
فإن قيل: كيف يجتمع الإيمان والشرك، وهما ضدان حتى قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) ؟
стр. 228
قلنا: معناه وما يومن أكثرهم بأن الله خالقه ورازقه وخالق السموات والأرض قولا إلا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلا، الثانى: أن المراد بها المنافقون يؤمنون بألسنتهم قولا ويشركون بقلوبهم اعتقاداً.
الثالث: أن المراد بها تلبية العرب، كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فكانوا يؤمنون بأول تلبيتهم بنفى الشريك، ويشركون بآخرها بإثباته.
* * *
فإن قيل: هذه التلبية توحيد كلها ولا شريك فيها، لأن معنى قولهم:
إلا شريكاً هو لك، إلا شريكاً هو مملوك لك، موصوفاً بأنك تملكه وتملك ما ملك ؟
قلنا: اللام هنا للملك لا لعلاقة الشركة، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون حقيقيا، ويحتمل أن يكون مجازياً بيان الأول، أما إن قلنا إن اللام حقيقة في المعنى العام في مواردها وهو الاختصاص يكون قولهم: (لا شريك لك) عاماً في نفى كل شريك مضاف إلى الله
تعالى بجهة اختصاص ما فيدخل في النفى من جهة اللفظ
(الشريك) المضاف لجهة المملوكية، وهو شريك زيد وعمرو ونحوهما، ثم يقع عليه الاستثناء فيكون استثناء، وإن قلنا: أنها مشتركة بين المعانى الثلاثة الموجودة في موارد استعمالها وهى الملك والاستحقاق، ويقال: الاختصاص والغلبة، فقولهم: (لا شريك
لك) يكون عاماً أيضاً عند من يجوز حمل المشترك على مفهوميه في حالة واحدة، فيكون الاستثناء أيضاً حقيقياً كما مر، وأما على قول من لا يجوز ذلك يكون النفى وارداً على أحد مفهوماته، وهو
علاقة الشركة، فيكون الاستثناء بعده مجازياً من باب تأكيد المدح بما
стр. 229
يشبه الذم، وهو نوع من أنواع البلاغة مذكور في علم البيان، وشاهده قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم. . . بين فلول من قراع لكتايب.
معناه إن كان (هذا) عيباً ففيهم عيب، وهذا ليس بعيب فلا يكون فيهم عيب، فكذا هنا، فلا يكون لك شريك لأن كل ما يدعى أنه شريك لك فهو مملوك لك، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية) .
* * *
فإن قيل: على الوجه الأول أنه ليس بصحيح، لأنا لو جعلنا اللام حقيقه في المعنى العام وهو الاختصاص يلزم منه الكفر حيث وجد نفى الشريك، من غير استثناء، لأنه يلزم منه نفى ملكه تعالى شريك زيد وعمرو ونحوهما، وهو كفر، واللازم منتف لأنه إيمان محض بلا خلاف ؟
قلنا: إنما لم يكن كفراً مع عمومه لأن حقيقته العرفية عند عدم الاستثناء نفى كل شريك مناف إلى الله بعلاقة الشركة، لا نفى كل شريك مضاف إليه بجهة ما، فصارت الحقيقة اللغوية مهجورة بالحقيقة العرفية عند عدم الاستثناء، والجواب عن أصل السؤال أنه سؤال حسن محقق، وأن هذه التلبية توحيد محض على التقديرين، فإن صح النقل أن النبى ﷺ نهى
عنها فإنما نهى عنها لإنها توهم إثبات الشريك بمقتضى الاستثناء عند
قاصرى النظر، وهم عموم الناس، فلهذه المفسدة نهى عنها.
стр. 230
سورة الرعد
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) ولم يقل ومن هو سارب بالنهار، ليتناول معنى الاستواء المتخفى والسارب، والا فقد تناول واحداً هو مستخف وسارب أي ظاهر، وليتناسب لفظ الجملة الأولى والثانية، فإنه قال في الجملة الأولى: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) ؟
قلنا: قوله تعالى: "وسارب " معطوف على "من " لا على
(مستخف) فيتناول معنى الاستواء اثنين، الثانى: أنه وإن كان معطوفا على "مستخف" إلا أن (من) هنا في معنى التثنية كقوله:
تكن مثل من يا ذنب يصطلحان
فكأنه سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) أي في ضياع وبطلان، والكفار يدعون الله تعالى في أوقات الشائد والأهوال ومشارفتهم الغرق في البحر فيستجيب لهم؟
قلنا: المراد وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في ضلال، ويعضده قوله تعالى قبله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي يعبدون.
* * *
فإن قيل: كيف طابق قولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) وقوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) ؟
стр. 231
قلنا: هو كلام جرى مجرى التعجب من قولهم، لأن الأيات الباهرة المتكاثرة التى أوتيها رسول الله لم يؤتها نبى من قبله، وكفى بالقرآن وحده آية، وراء كل آية، فإذا جحدوا آياته ولم يعتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط كان موضعا للتعجب، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم.
* * *
فإن قيل: كيف المطابقة بين قوله تعالى: (مَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) وقوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) ؟
قلنا: فيه محذوف تقديره: أفمن هو رقيب على كل نفس صالحة وطالحة يعلم ما كسبت من خير وشر، ويعد لكل جزاء كمن ليس كذلك، وهو الضم ثم ابتدأ فقال "وجعلوا لله شركاء " أو تقديره أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا لله شركاء، أو تقديره: أفمن هو بهذه الصفة يغفل عن أهل مكة وأقوالهم وأفعالهم وجعلوا لله شركاء.
* * *
فإن قيل: كيف أتصل قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) بما قبله وهو قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) ؟
قلنا: هو جواب للمنكرين معناه قل أنما أمرت فيما أنزل إلى بأن
стр. 232
أعبد الله ولا أشرك به، فإنكاركم لبعضه إنكار لعبادة الله تعالى وتوحيده، كذا أجاب الزمخشري وفيه نظر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أثبت لهم مكرا ثم نفاه بقوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) ؟
قلنا: معناه أن مكر الماكرين مخلوق له ولا تضر إلا بإرادته، فبهذه الجهة صحت إضافة مكرهم إليه، الثانى: أنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون، وهم في غفلة عما يراد بهم فيعكس مكرهم عليهم.
стр. 233
سورة إبراهيم ﵇
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)
هذا في حق غير النبى ﵊ من
الرسل مناسب لأن غيره لم يبعث إلى الناس كافة بلى إلى قومه فقط، فأرسل بلسانهم ليفقهوا عنه الرسالة، ولا يبقى لهم حجة بأنا لم نفهم رسالتك، فأما النبى ﵊ فإنه بعث إلى الناس كافة: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) فإرساله بلسان قومه إن كان لقطع
حجة العرب، فالحجة باقية لغيرهم من أهل الألسن الباقية، وإن لم يكن لغير العرب حجة فلو نزل القرآن بلسان غير العرب لم يكن للعرب حجة؟
قلنا: نزله على النبى ﷺ بلسان واحد كاف، لأن الترجمة لأهل بقية الألسن تغنى عن نزوله بجميع الألسن، ويكفى التطويل كما جرى في القرآن العزيز، الثانى: أن نزوله بلسان واحد
أبعد عن التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والخلاف، الثالث: أنه لو نزل بألسنة كل الناس، وكان معجزا في كل واحد منها، وكلم الرسول العربى كل أمة بلسانها كما كلم أمته التى هو منها لكان ذلك
قريباً من القسر والالجاء، وبعثة الرسل لم تبن على قسر والجاء بل على التمكين من الاختيار، فلما كان نزوله بلسان واحد كافيا كان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه وأفهم عنه.
стр. 234
فإن قيل: كيف قال تعالى في سورة البقرة: (يذبحون) وفى سورة الأعراف (يقتلون) بغير واو فيهما، وقال هنا:
(ويذبحون) بالواو والقصة واحدة ؟
قلنا: حيث حذف الواو جعل التذبيح والتقتيل تفسيراً للعذاب وبيانا له، وحيث أثبتها جعل التذبيح كأنه جنس آخر غير العذب، لأنه أوفى على بقية أنواعه، وزاد عليها زيادة ظاهرة، فعلى هذا يكون إثبات الواو أبلغ.
* * *
فإن قيل: ما معنى التبعيض في قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ؟
قلنا: ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله تعالى في سورة نوح: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وقوله تعالى في سورة الأحقاف: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وقال تعالى في خطاب المؤمنين في سورة الصف: (اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ ... إلى قوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)
وقال في آخر سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)
стр. 235
وكذا باقى الايات في خطاب الفريقين إذا تتبعتها، وما
ذلك إلا للتفرقة بين الخطابين لئلا يسوى بين الفريقين في الوعد، مع اختلاف رتبتهما، لا لأنه يغفر للكفار مع بقائهم على الكفر بعض ذنوبهم، والذى يؤيد ما ذكرناه من العلة أنه في سورة نوح ﵊، وفى سورة الأحقاف وعدهم مغفرة بعض الذنوب
بشرط الإيمان (لا مطلقاً) وقيل: معنى التبعيض أنه يغفر لهم ما بينهم وبينه، لا ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها، وقيل: من زائدة.
* * *
فإن قيل: كيف كرر تعالى الأمر بالتوكل وكيف قال أولا: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وقال ثانيا: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ؟
قلنا: الأمر الأول لاستحداث التوكل، والثانى: لتثبيت المتوكلين على ما استحدثوا من توكلهم فلهذا كرره، وقالى أولاً المؤمنون، وثانيا المتوكلون.
* * *
فإن قيل: كيف قالوا لرسلهم: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) والرسل لم يكونوا على ملة الكفار قط، والعود هو الرجوع إلى ما كان فيه الإنسان؟
قلنا: العود في كلام العرب يستعمل كثيراً بمعنى الصيرورة، يقولون
стр. 236
عاد فلان لا يكلمنى، وعاد لفلان ماله وأشباه ذلك، ومنه قوله تعالى: (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) .
الثانى: أنهم خاطبوا الرسل بذلك بناء على زعمهم الفاسد، واعتقادهم أن الرسل كانوا أولا على ملل قومهم ثم انتقلوا عنها، الثالث: أنهم خاطبوا كل رسول
ومن آمن به فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد، ونظير هذا السؤال ما سبق في سورة الأعراف من قوله تعالى: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) وفى سورة يوسف ﵊ من قوله: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ ... الآية) .
* * *
فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال في قوله تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَ هَدَيْنَاكُمْ) ؟
قلنا: لما كان قول الصعفاء توبيخا وتقريعا وعتاباً للذين استكبروا على استتباعهم إياهم واستغوائهم أحالوا الذنب على الله تعالى في ضلالهم وإضلالهم، كما قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)
وقوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)
يقولون ذلك في الآخرة، كما كانوا يقولونه في الدنيا،
стр. 237
كما حكى الله تعالى عن المنافقين: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ... الآية) ، وقيل معني جوابهم لو هدانا الله في الآخرة طريق النجاة من العذب لهديناكم أي لأغنينا عنكم، وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة في الدنيا.
* * *
فإن قيل: كيف اتصل وارتبط قولهم: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا) بما قبله ؟
قلنا: اتصاله به من حيث إن عتاب الضعفاء للذين استكبروا كان جزعا مما هم فيه، وقلقا من ألم العذاب، فقال لهم رؤساؤهم: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ)
يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة التى كانوا مجتمعين عليها في الدنيا، كأنهم قالوا للضعفاء ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة فيه كما لا فائدة في الصبر، فإن الأمر أطم من ذلك وأعم.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) عبر عنه بلفظ الماضي، وذلك القول من الشيطان لم
يقع بعد، وإنما هو مترقب منتظر يقوله يوم القيامة؟
قلنا: يجوز وضع المضارع موضع الماضي، ووضع الماضي موضع المضارع إذا أمن اللبس، قال الله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
стр. 238
أى ما تلت، وقال تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
وقال الحطيئة:
شهد الخطيئة يوم يلقى ربه. . . أن الوليد أحق بالعذر
فقوله: "على ملك سليمان " نفى اللبس، وكذا قوله تعالى: "من قبل "، وقول الحطيئة: يوم يلقى ربه، وقوله تعالى: "لماقضى الأمر" لأن قضاء الأمر إنما يكون يوم القيامة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ)
وقد رأينا كثيراً من الظالمين هداهم الله بالإسلام وبالتوبة، وصاروا من الأتقياء ؟
قلنا: معناه أنه لا يهديهم ما داموا مصرين على الكفر والظلم، معرضين عن النظر والاستدلال، الثانى: أن المراد منه الظالم الذي سبق له القضاء في الأزل أنه يموت على الظلم، فالله تعالى يثبته على الضلالة بخذلانه، كما يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت وهو كلمة
التوحيد، الثالث: أن معناه (أنه) يضل المشركين عن طريق الجنة يوم القيامة.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) والضلال والاضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد وهى الأصنام وإنما عبدوها لتقربهم إلى الله تعالى، كما حكى الله
стр. 239
تعالى عنهم ذلك بقوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ؟
قلنا: وقد شرحنا ذلك في سورة يونس ﵊، إذ قلنا هذه لام العاقبة والصيرورة، لا لام الغرض، والمقصود كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب........
وقال الآخر:
فللموت تغدوا الوالدات سخالها. . . كما لخراب الدهر تبنى المساكن.
والمعنى فيه أنه لما أفضى لهم اتخاذ الأنداد إلى الضلال أو الاضلال صار كأنهم اتخذوها لذلك، وكذا الألتقاط والولادة والبناء، ونظائره كثيرة في القرآن العزيز وفى كلام العرب.
* * *
فإن قيل: كيف طابق الأمر بإقامة الصلاة وإنفاق المال وصف اليوم بأنه لا بيع فيه ولا خلال ؟
قلنا: معناه قل لهم يقدمون من الصلاة والصدقة متجراً يجدون ربحه يوم لا تنفعهم متاجر الدنيا من المعاوضات والصدقات التى يجلبونها بالهدايا والتحف لتحصيل المنافع الدنيوية فجاءت المطابقة.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ)
أى لا
стр. 240
صداقة، وفى يوم القيامة خلال لقوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) ولقوله ﵊: " المرء مع من أحب"؟
قلنا: معناه لا خلال فيه لمن لم يقم الصلاة ولم يؤد الزكاة، فأما المقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة فهم الأتقياء، وبينهم الخلال يوم القيامة لما تلونا من الآية.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) والمسخر للإنسان هو الذي يكون في طاعته يصرفه كيف يشاء في أمره ونهيه كالدابة والعبد والفلك، كما قال الله تعالى: (وَتَقُولُوا سُبْحَ انَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا)
وقال تعالى: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ) ويقال فلان مسخر لفلان إذا كان
مطيعا له ممتثلاً لأوامره ونواهيه؟
قلنا: لما كان طلوعهما وغروبهما وتعاقب الليل والنهار لمنافعنا متصلا مستمراً اتصالا لا تنقطع علينا فيه المنفعة وتنخرم سواء شاءت هذه المخلوقات أم أبت، أشبهت المسخر المقهور في الدنيا كالعبد والفلك ونحوهما، الثانى: أن معناه أنها مسخرة لله تعالى لأجلنا ولمنافعنا، فأضافة التسخير إلينا بمعنى عود نفع التسخير إلينا
стр. 241
فصحت الإضافتان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) والله تعالى لم يعطنا كل ما سألناه ولا بعضا من كل فرد مما سألناه ؟
قلنا: معناه وأتاكم بعضاً من جميع ما سألتموه، لا من كل فرد فرد.
* * *
فإن قيل: لا يصح هذا المحمل لوجهين: أحدهما: أنه لا يحسن الامتنان به، الثانى: أنه لا يناسبه قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ؟
قلنا: إذا كان البعض الذي أعطانا هو الأكثر من جميع ما سألناه وهو الأصلح والأنفع لنا في معاشنا ومعادنا بالنسبة إلى البعض الذي منعه عنا لمصالحتنا أيضا، لم لا يحسن الامتنان به ويكون مناسباً لما بعده، وجواب آخر عن أصل السؤال أنه يجوز أن يكون قد أعطى جميع السائلين بعضاً من كل فرد مما سأله جميعهم وبهذا المقدار يصح الإخبار في الآية، وأن يعط كل واحد من السائلين
بعضا من كل فرد مما سأله، ويضاح ذلك أن يكون قد أعطى هذا
شيئاً مما سأله ذاك، وأعطى ذاك شيئاً مما سأله هذا على ما أقتضته الحكمة والمصلحة في حقهما، كما أعطى النبى ﷺ الرؤية ليلة المعراج، وهى سؤل موسى ﵊ وما أشبه ذلك.
стр. 242
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) والإحصاء والعدد بمعنى واحد كذا نقله الجوهرى، فيكون المعنى وأن تعدوا نعمة الله لا تعدوها، وأنه متناقض كقولك: وأن تر زيداً لا تبصره، وإذ الرؤية والأبصار واحد ؟
قلنا: بعض المفسرين فسر الاحصاء بالحصر، فإن صح ذلك لغة اندفع السؤال، ويزيد ذلك قول الزمخشري: لا تحصوها أي لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، وعلى القول الأول فيه إضمار تقديره: وإن تريدوا عد نعمة الله لا تعدوها.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: "لا تحصوها" وهو يوهم أن نعمة الله تعالى علينا غير متناهية
وكل نعمة (ممتن) بها علينا فهى
مخلوقة وكل مخلوق متناه؟
قلنا: لا نسلم أنه يوهم أنها لا تتناهى، وذلك لأن المفهوم منه منحصر في أنا لا نطيق عدهما أو حصر عددها، ويجوز أن يكون الشيء متناهيا في نفسه، والإنسان لا يطيق عدده كرمل القفار، وقطر البحار، وورق الأشجار، وما أشبه ذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال إبراهيم ﵊: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) وعبادة الأصنام كفر، والأنبياء معصومون عن الكفر بإجماع الأمة، فكيف حسن منه هذا السؤال؟
قلنا: إنما سأل هذا السؤال في حالة خوف أذهله عن ذلك العلم، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعلم الناس بالله، فيكونون أخوفهم منه
стр. 243
فيكون معذوراً بسبب ذلك. وقيل: إن في حكمة الله تعالى وعلمه أن لا يبتلى نبياً من الأنبياء بالكفر، بشرط أن يكون متضرعاً إلى ربه
طالبا منه ذلك، فأجرى على لسانه هذا السؤال لتحقيق شرط العصمة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) جعل الأصنام مضلة، والمضل ضال، وقال في موضع آخر: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) ونظائره كثيرة فكيف التوفيق بينهما ؟
قلنا: إضافة الاضلال إليها مجاز بطريق المشابهة، ووجهه أنهم لما ضلوا بسببها فكأنها أضلتهم، كما يقال: فتنتهم الدنيا وأغرتهم أي أفتتنوا بسببها وأغتروا، ومثله قولهم دواء مسهل، وسيف قاطع.
وطعام مشبع وماء مرو، وما أشبه ذلك، معناه حصول هذه الآثار بسبب هذه الأشياء، وفاعل الآثار هو الله تعالى.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) ولم يقل أفئدة الناس، وقوله قلوب الناس أظهر استعمالا من قوله: قلوبا من الناس؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما: لو قال إبراهيم ﵊ في دعائه أفئدة الناس لحجت جميع الملل وازدحمت عليه الناس حتى لم يبق لمؤمين فيه موضع، مع أن حج غير الموحدين لا يفيد، والأفئدة هنا القلوب في قول الأكثرين، وقيل: الجماعة من الناس.
* * *
فإن قيل: إذا كان الله تعالى قد ضمن رزق العباد، فلم سأل إبراهيم
стр. 244
عليه الصلاة والسلام الرزق لذريته فقال: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ؟
قلنا: الله تعالى ضمن الرزق والقوت الذي لابد
للإنسان منه، ما دام حياً ولكن لم يضن كونه ثمراً أو حباً أو نوعاً معيناً، فالسؤال كان لطلب الثمر عيناً.
* * *
فإن قيل قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) شكر على نعمة الولد فكيف يناسب قوله بعده: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) ؟
قلنا: لما كان قد دعا ربه لطلب الولد بقوله: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) ناسب قوله بعد الشكر: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي لمجيبه، من قولهم: سمع الملك كلام فلان إذا أجابه وقبله، ومنه قولهم في الصلاة: سمع الله لمن حمده، أي أجابة وإثابة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) استغفر لوالدية، وكانا كافرين والاستغفار للكافرين لا يجوز، ولا يقال أن هذا موضع الاستثناء المذكور في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ... الآية) لأن المراد بذلك استغفار لأبيه خاصة بقوله: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) والموعدة التى
стр. 245
وعدها إياه كانت له خاصة بقوله: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) ولهذا قال الله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) ؟
قلنا: هذا الاستغفار لهما (كان) مشروطاً بإيمانهما تقديراً كأنه قال ولوالدى إن آمنا، الثانى: أراد بهما آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام، وقرأ ابن مسعود وأبى والنخعى والزهرى "ولولدى"
(يعنى) اسماعيل واسحاق، ويعضد هذه القراءة ما سبق ذكرهما.
ولا اشكال على هذه القراءة، وقيل: إن هذا الدعاء على القراءة المشهورة كان زلة من إبراهيم ﵊، وإليها أشار بقوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) .
* * *
فإن قيل: الله تعالى منزه ومتعال عن السهو والغفلة، والنبى ﵊ أعلم الناس بصفات جلاله وكماله، فكيف يحسبه النبى
﵊ غافلا حتى نهاه عن ذلك بقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) ؟
قلنا: يجوز أن يكون هذا نهيا لغير النبى ﵊ ممن يجوز أن يسحبه غافلا لجهله بصفاته، وقوله تعالى بعده: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ) لا يدل قطعا على أن الخطاب الأول للنبى ﵊، لجواز أن يكون ذلك النهى لغيره مع أن هذا الأمر له،
стр. 246
الثانى: أنه مجاز معناه: ولا تحسبن الله مهمل الظالمين، وتاركهم
سدى لكون هذا من لوازم الغفلة عنهم، الثالث: أن النهى وإن كان حقيقة والخطاب للنبى ﵊ فالمراد به دوامه وثباته
على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلا كقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقوله تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) ونظير هذا النهى من الأمر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وقول بعض المفسرين إن معنى الآية يا أيها الذين آمنوا بموسى أو بعيسى آمنوا بمحمد لا يخرج الآية عن كونها نظيرا، لأن الاستدلال بالإيمان بألله باق فتأمل.
стр. 247
سورة الحجر
* * *
فإن قيل: كيف قالوا: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) اعترفوا بنبوته لأن الذكر هو القرآن المنزل عليه، ثم وصفوه بالجنون ؟
قلنا: إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية لا تصديقا ولا اعترافا، كما قال فرعرن لقومه: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)
وكما قال قوم شعيب له: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) .
ونظائره كثيرة، الثانى: أن فيه إضمار تقديره: يا أيها الذي يدعى أنه نزل عليه الذكر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) والوارث هو الذي يتجدد له الملك، بعد فناء المورث، والله تعالى إذا مات الخلائق لم يتجدد له ملك لأنه لم يزل مالكا للعالم بجميع ما فيه ومن فيه؟
قلنا: الوارث في اللغة عبارة عن الباقى بعد فناء غيره، سواء تجدد له بعده ملك أو لا، ولهذا يصح أن يقال لمن أخبر أن زيدا مات وترك ورثة، هل ترك لهم مالاً أو لا؟
فيكون معنى الآية: ونحن الباقون بعد فناء الخلائق، الثانى: أن الخلائق لما كانوا يعتقدون أنهم مالكون، وبسمون بذلك أيضاً مجازاً أو خلافة عن الله تعالى كالعبد
المأذون والمكاتب أو يدل عليه قوله تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ)
стр. 248
فإذا مات الخلائق كلهم سلمت الأملاك كلها لله تعالى عن
ذلك القدر من التعلق، فبهذا إلاعتبار كانت الوراثة، ونظير هذا قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) والملك له أزلا وأبد.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) دل على الشمول والإحاطة وأفاد التوكيد فما فائدة قوله تعالى: "أجمعون "؟
قلنا: قال سيبويه والخليل هو توكيد بعد توكيد، فيفيد ذيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن، فلا يكون تحصيل الحاصل، بل تكون نسبة "أجمعون" إلى "كلهم" كنسبة "كلهم" إلى أصل الجملة، وقال المبرد: قوله تعالى: "أجمعون " يدل على اجتماعهم في زمان
السجود، و"كلهم" يدل على وجود السجود من الكل، فكأنه قال فسجد الملآئكة كلهم معا في زمان واحد، واختار ابن الأنبارى هذا القول، واختار الزججاج وأحد الأئمة قول سيبويه، وقالوا: لو كان الأمر كما زعم المبرد لكان "أجمعون " حالاً لوجود حد الحال فيه.
وليس بحال لأنه مرفوع، ولأنه معرفة كسائر ألفاظ التأكيد.
* * *
فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) بما قبله من قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي ... الآيتان) ؟
قلنا: لما أنزل الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي ... الآيتان) ولم يعين أهل المغفرة، وأهل العذاب، غلب الخوف على الصحابة رضى الله عنهم
стр. 249
فأنزل الله تعالى بعد ذلك قصة ضيف إبراهيم ﵊ (ليزول خوف الصحابة، وتسكن قلوبهم، فإن ضيف إبراهيم)
جاءوا ببشارة للولى وهو إبراهيم ﵊، وعقوبة للعدو وهم قوم لوط ﵊، فكذلك تنزيل الآيتين المقدمتين على الولى والعدو لا على الولى وحده، الثانى: أن وجه الارتباط أن العبد وإن كان كثير الذنوب والخطايا غير طامع في المغفرة، لا يبعد أن يغفر الله تعالى له على يأسه، كما رزق إبراهيم
الولد على يأسه بعد ما شاخ وبلغ مائة سنة أو قريباً منها.
* * *
فإن قيل: كيف قالت الملائكة:
(قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) أي قضينا، والقضاء لله تعالى لا لهم ؟
قلنا: هو مجاز كما يقول خواص الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، ويكون الفاعل لجميع ذلك هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك مزيد قربهم واختصاصهم بالملك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) وأصحاب الحجر قوم صالح، والحجر اسم واديهم أو مدينتهم على اختلاف القولين، وقوم صالح لم يرسل إليهم غير صالح فكيف يكذبونهم؟
قلنا: من كذب رسولاً واحدا فكأنما كذب الكل لأن كل الرسل متفقون في دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى.
стр. 250
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال في سورة الرحمن: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ؟
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما قد ذكرناه في مثل هذا السؤال في سورة هود، الثانى: أن المراد هنا أنهم يسألون سؤال توبيخ وهو سؤال لم فعلتم؟
والمراد ثم إنهم لا يسألون سؤال استعلام واستخبار
وهو سؤال هل فعلتم؟
следующие страницы →