← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الثانى: أنه مجاز معناه: ولا تحسبن الله مهمل الظالمين، وتاركهم سدى لكون هذا من لوازم الغفلة عنهم، الثالث: أن النهى وإن كان حقيقة والخطاب للنبى ﵊ فالمراد به دوامه وثباته على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلا كقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقوله تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) ونظير هذا النهى من الأمر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وقول بعض المفسرين إن معنى الآية يا أيها الذين آمنوا بموسى أو بعيسى آمنوا بمحمد لا يخرج الآية عن كونها نظيرا، لأن الاستدلال بالإيمان بألله باق فتأمل.

стр. 247

سورة الحجر * * * فإن قيل: كيف قالوا: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) اعترفوا بنبوته لأن الذكر هو القرآن المنزل عليه، ثم وصفوه بالجنون ؟ قلنا: إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية لا تصديقا ولا اعترافا، كما قال فرعرن لقومه: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وكما قال قوم شعيب له: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) . ونظائره كثيرة، الثانى: أن فيه إضمار تقديره: يا أيها الذي يدعى أنه نزل عليه الذكر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) والوارث هو الذي يتجدد له الملك، بعد فناء المورث، والله تعالى إذا مات الخلائق لم يتجدد له ملك لأنه لم يزل مالكا للعالم بجميع ما فيه ومن فيه؟ قلنا: الوارث في اللغة عبارة عن الباقى بعد فناء غيره، سواء تجدد له بعده ملك أو لا، ولهذا يصح أن يقال لمن أخبر أن زيدا مات وترك ورثة، هل ترك لهم مالاً أو لا؟ فيكون معنى الآية: ونحن الباقون بعد فناء الخلائق، الثانى: أن الخلائق لما كانوا يعتقدون أنهم مالكون، وبسمون بذلك أيضاً مجازاً أو خلافة عن الله تعالى كالعبد المأذون والمكاتب أو يدل عليه قوله تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ)

стр. 248

فإذا مات الخلائق كلهم سلمت الأملاك كلها لله تعالى عن ذلك القدر من التعلق، فبهذا إلاعتبار كانت الوراثة، ونظير هذا قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) والملك له أزلا وأبد. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) دل على الشمول والإحاطة وأفاد التوكيد فما فائدة قوله تعالى: "أجمعون "؟ قلنا: قال سيبويه والخليل هو توكيد بعد توكيد، فيفيد ذيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن، فلا يكون تحصيل الحاصل، بل تكون نسبة "أجمعون" إلى "كلهم" كنسبة "كلهم" إلى أصل الجملة، وقال المبرد: قوله تعالى: "أجمعون " يدل على اجتماعهم في زمان السجود، و"كلهم" يدل على وجود السجود من الكل، فكأنه قال فسجد الملآئكة كلهم معا في زمان واحد، واختار ابن الأنبارى هذا القول، واختار الزججاج وأحد الأئمة قول سيبويه، وقالوا: لو كان الأمر كما زعم المبرد لكان "أجمعون " حالاً لوجود حد الحال فيه. وليس بحال لأنه مرفوع، ولأنه معرفة كسائر ألفاظ التأكيد. * * * فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) بما قبله من قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي ... الآيتان) ؟ قلنا: لما أنزل الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي ... الآيتان) ولم يعين أهل المغفرة، وأهل العذاب، غلب الخوف على الصحابة رضى الله عنهم

стр. 249

فأنزل الله تعالى بعد ذلك قصة ضيف إبراهيم ﵊ (ليزول خوف الصحابة، وتسكن قلوبهم، فإن ضيف إبراهيم) جاءوا ببشارة للولى وهو إبراهيم ﵊، وعقوبة للعدو وهم قوم لوط ﵊، فكذلك تنزيل الآيتين المقدمتين على الولى والعدو لا على الولى وحده، الثانى: أن وجه الارتباط أن العبد وإن كان كثير الذنوب والخطايا غير طامع في المغفرة، لا يبعد أن يغفر الله تعالى له على يأسه، كما رزق إبراهيم الولد على يأسه بعد ما شاخ وبلغ مائة سنة أو قريباً منها. * * * فإن قيل: كيف قالت الملائكة: (قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) أي قضينا، والقضاء لله تعالى لا لهم ؟ قلنا: هو مجاز كما يقول خواص الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، ويكون الفاعل لجميع ذلك هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك مزيد قربهم واختصاصهم بالملك. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) وأصحاب الحجر قوم صالح، والحجر اسم واديهم أو مدينتهم على اختلاف القولين، وقوم صالح لم يرسل إليهم غير صالح فكيف يكذبونهم؟ قلنا: من كذب رسولاً واحدا فكأنما كذب الكل لأن كل الرسل متفقون في دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى.

стр. 250

فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال في سورة الرحمن: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ؟ قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما قد ذكرناه في مثل هذا السؤال في سورة هود، الثانى: أن المراد هنا أنهم يسألون سؤال توبيخ وهو سؤال لم فعلتم؟ والمراد ثم إنهم لا يسألون سؤال استعلام واستخبار وهو سؤال هل فعلتم؟

стр. 251

سورة النحل * * * فإن قيل: لم قدمت الاراحة وهى مدخرة في الواقع على الروح وهو مقدم في الواقع في قوله تعالى: (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) ؟ قلنا: لأن الأنعام في وقت الاراحة وهى وردها عشيا إلى المراح تكون أجمل وأحسن، لأنها تقبل ملأى البطون حاملة الضروع متهادية فى مشيها يتبع بعضها بعضاً، بخلاف وقت السرح وهو إخراجها إلى المراعى، فإن كل هذه الأمور تكون على ضد ذلك. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) إن أريد به لم تكونوا بالغيه عليها إلا بشق الأنفس، فلا امتنان فيه وإن أريد لم تكونوا بالغيه بدونها إلا بشق الأنفس، فهم لا يبلغون عليها أيضا إلا بشق الأنفس، وهو مشقتها فما فائدة ذلك؟ قلنا: معناه وتحمل أثقالكم إلى أجسامكم وأمتعتكم معكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بدونها بأنفسكم من غير أمتعتكم إلا بجهد ومشقة، فكيف لو حملتم أمتعتكم على ظهوركم؟ والمراد بالمشقة: المشقة التى تنشأ من المشي، أو من المشي من الحمل على الظهر لا مطلق مشقة السفر، وهذا مخصوص بحال فقد الإبل، فظهر فائدة ذلك. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) بقتضى حرمة أكل لحم الخيل، كما اقتضاها في البغال والحمير، من حيث إنه لم ينص على منفعة أخرى فيها غير الركوب والزينة،

стр. 252

ومن حيث إن التعليل بعلة تقتضى الانحصار فيها، كقولك: فعلت هذا لكذا، فإنه يناقضه أن تكون فعلته لغيره أو له مع غيره إلا إذا كان أحدهما جهة من الآخر؟ قلنا: ينتقض بالحمل عليها والحراثه بها، فإن ذلك مباح مع أنه لم ينص عليه. * * * فإن قيل: إنما ثبت ذلك بالقياس على الأنعام، فإنه منصوص عليه فيها بقوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) والمراد به كل منفعة معهودة منها عرفاً لا كل منفعة، فثبت مثل ذلك في الخيل والبغال والحمير ؟ قلنا: لو كان ثبوته فيها بالقياس على ثبوته في الأنعام لثبت حل الاكل في الخيل بالقياس على ثبوته في الأنعام، لما ثبت، لأنه لو ثبت في الخيل لثبت في البغال والحمير كما ثبت الحمل والحراثة ثبوتاً شاملا للكل بالقياس على ثبوته في الأنعام، الجواب على الجهة الثانية في الأصل السؤال، أن هذه ليست لام التعليل بل لام التمكين كقوله تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) ومع هذا يجوز في الليل غير السكون. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف السماء: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ولم يقل كل الثمرات مع أن كل الثمرات تنبت بماء السماء؟ قلنا: كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما ينبت في الدنيا بعض

стр. 253

منها نموذجا وتذكرة، فالتبعيض بهذا الاعتبار، فيكون المراد بالثمرات ما هو أعم من ثمرات الدنيا، ومن يجوز (زيادة) (من) في الآيات يحتمل أن يجعلها زائدة هنا. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) المراد بمن لا يخلق الأصنام بدليل قوله تعالى بعده: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) فكيف جيء بمن المختصة بأولى العلم والعقل ؟ قلنا: خاطبهم على معتقدهم، لأنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولى العلم، ونظير هذا قوله تعالى في الأصنام أيضا: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ... الآية) أجرى عليهم ضمير أولى العلم والعقل لما قلنا، ويرد على هذا الجواب أن يقال: إذا كان معتقدهم خطأ وباطلا فالحكمة تقتضى أن ينزعوا عنه ويقلعوا لا أن يبقوا عليه ويقروا في خطابهم على معتقدهم إيهام لهم أن معتقم حق وصواب، وجوابه أن الغرض من الخطاب الافهام، ولو خاطبهم على خلاف معتقدهم ومفهومهم فقال: أفمن يخلق كما لا يخلق، لاعتقدوا أن المراد بالثانى غير الأصنام من الجماد، الثانى: قال ابن الأنبارى: إنما جاز ذلك لأنها ذكرت مع العالم فغلب عليها حكمه في اقتضاء (من) كما غلب على الدواب في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ... الآية)

стр. 254

وكما في قول العرب: اشتبه على الركب. وجمله فما أدري من ذا ومن ذا. * * * فإن قيل: هذا إلزام للذين عبدوا الأصنام، وسموها آلهة تشبيها بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فظاهر الإلزام يقتضى أن يقال لهم: إفمن لا يخلق كمن يخلق ؟ قلنا: لما سووا بين الأصنام وخالقها في تسميتها باسمه، وعبادتها كعبادته، فقد سووا بين خالقها وبينها قطعا فصح الإنكار بتقديم أيهما كان. وإنما قدم في الإنكار عليهم ذكر الخالق. أما لأنه أشرف، أو لأنه هو المقصود الأصلي من هذا الكلام (تنزيها له) وتكريما واجلالا وتعظيما. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى في وصف الأصنام (غير أحياء) بعد قوله تعالى: (اموات) ؟ قلنا: فائدته أنها أموات لا يعقب موتها حياة كالنطف والبيض والأجساد الميتة وذلك أبلغ في موتها، كأنه قال أموات في الحال غير أحياء في المآل، الثانى: أنه ليس وصفا لها بل لعبادها، معناه: وعبادها غير أحياء القلوب، الثالث: أنه إنما قال غير أحياء ليعلم أنه أراد أموات في الحال، لا أنها ستموت كما في قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) * * * فإن قيل: كيف عاب الأصنام أو عبادها بأنهم لا يعلمون وقت البعث.

стр. 255

فقال تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) والمؤمنون الموحدون كذلك؟ قلنا: معناه وما تشعر الأصنام متى يبعث عبادها، فكيف تكون آلهة مع الجهل؟ أو معناه وما يشعر عبادها وقت بعثهم لا مفصلا ولا مجملا لأنهم ينكرون البعث، بخلاف الموحدين فإنهم يشعرون وقت بعثهم مجملا أنه يوم القيامة وأن لم يشعروه مفصلا. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) كيف يعترفون بأنه من عند الله تعالى بالسؤال المعاد في ضمن الجواب، ثم يقولون: هو أساطير الأولين ؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال، وجوابه في سورة الحجر في قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) وقال فى موضع آخر: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) قلنا: معناه ومن أوزار اضلال الذين يضلونهم، فيكون عليهم وزر كفرهم مباشرة، ووزر كفر من أضلوا تسببا فقوله تعالى: (أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً)

стр. 256

يعنى أوزار الذنوب التى باشروها، وأما قوله تعالى: " وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " معناه وزر لا مدخل لها فيه، ولا تعلق له بها مباشرة ولا تسببا، ونظير هاتين الآيتان الأخريان في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) إلى قوله تعالى: (وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) وجوابهما مثل جواب هاتين الآيتين. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ... الآية) يدل على أن المعدوم شيء، ويدل على أن خطاب المعدوم جائز، والأول منتف عند أكثر العلماء، والثانى منتف بالإجماع ؟ قلنا: أما تسميته شيئاً فمجاز باعتبار ما يؤول إليه، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) وقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) وأما الثانى فإن هذا الخطاب للتكوين يظهر به أثر المقدرة، فيمتنع أن يكون المخاطب به موجودا قبل الخطاب، لأنه يكون بالخطاب، فلا يسبقه بخلاف خطاب الأمر والنهى. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ) كيف لم يغلب العقلاء من الدواب على

стр. 257

غيرهم، كما في قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ... الآية) بل أولى، لأنه وصف ما لا يعقل بخصوصه بلفظ (من) وهو الحية والأنعام، وهنا لو قال من في السموات ومن في الأرض لا يلزم وصف ما لا يعقل بخصوصه وتعيينه بلفظ من بل المجموع؟ قلنا: لأنه أراد عموم كل دابة وشمولها، فجاء بما التى تعم النوعين وتشملها، ولو جاء بمن لخص العقلاء. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ) يقتضى أنه لو أخذ الظالمين بظلمهم لأهلك غير الظالمين من الناس، ولأهلك جميع الدواب غير الناس، ومؤاخذة البريء بسبب ظلم الظالم لا يحسن بالحكيم ؟ قلنا: المراد بالظلم هنا الكفر، وبالدابة الدابة الظالمة وهى الكافر كذا قاله ابن عباس، وقيل: معناه لو هلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء، الثانى: أنه لم لا يجوز أن يكون (بمعنى) يهلك الجميع بشؤم ظلم الظالمين مبالغة في إعدام الظالم ونفى وجود أثره، حتى لا يوجد بعد ذلك من بقية الناس ظلم موجب للإهلاك، كما وجد من الذين أهلكهم بظلمهم، ودليل جواز ذلك ما وجد في زمان نوح عليه الصلاة والسلام فإنه أهلك بشؤم ظلم قوم نوح جميع دواب الأرض إلا من نجا في السفينة، فلم تبق على ظهر الأرض دابة، وكما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ثم إذا فعل ذلك للحكمة والمصلحة التى اقتضت فعله

стр. 258

عوض البريء في الآخرة ما هو خير وأبقى، الثالث: أن كل انسان مكلف، فهو ظالم إما لنفسه أو لغيره، لأنه لا يخلو عن ذنب صغير أو كبير، فلو أهلك الناس بذنوبهم لأهلك الدواب أيضاً لأنه إنما خلق الدواب لمصالح الناس، فإذ أعدم الناس وقع استغناؤهم عن الدواب كلها. * * * فإن قيل: لا نسلم أن غير الإنسان من لحيوان مخلوق لمصالح الإنسان، وسنده أنه كان مخلوقا قبل خلق الإنسان بالنقل عن الشريعة وغيرها، وقد جاء مصرحاً به في الحديث في باب الخلق من باب الأصول: سلمنا أنه مخلوق لمصلحة الإنسان لكن هلاك غير الإنسان معه يخفف عليه ألم المصيبة، لا سيما إذ كان الهالك معه من جنسه، ولهذا قيل المصيبة إذا عمت طابت، سلمنا أن إهلاكه غيره معه مؤلم له، لكن لو كان إهلاكه معه لأنه خلق لمصلحته فأُهلك تبعاً لاستغنائه عنه أو لزيادة الإيلام فالنبات أيضا خلق لمصلحته على قولكم فلم كان إهلاك الحيوان عقوبة للإنسان أولى من إهلاك النبات. ولم يقل ما ترك عليها من دابة ونبات أو من شيء؟ قلنا: الجواب عن الأول قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) وخلقه قبل الإنسان لا ينفى خلقه لمصلحة الإنسان، كما يعد عظماء الناس الدور والقصور والخدم والحشم والدواب والثياب لأولادهم وأولاد أولادهم قبل وجودهم، (وعن) الثانى:

стр. 259

أنا لا ندعى أنه يهلك مع الإنسان، بل قبله لتؤلمه مشاهدة هلاك محبوبه ومألوفه، (وعن) الثالث: أن المراد ما ترك عليها من دابة بواسطة منع المطر، فيعدم النبات ثم يعدم بواسطة عدمه غير الإنسان من الحيوان، ثم يعدم الإنسان كذا جاء في تفسير هذه الآية والآية التى في آخر سورة فاطر، وهذا الترتيب أبلغ في العذاب. وأعظم في العقاب من تقديم إهلاك الحيوان على النبات لأن الإنسان إذا بقى حيوانه بلا غلف كان أوجع له، مما إذا أبقى علفه بلا حيوان. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ) ولم يقل في الجبال وفى الشجر والاستعمال إنما هو بفى يقال اتخذ فلان بيتا في الجبل أو في الصحراء ونحو ذلك ؟ قلنا: قال الزمخشري إنما أتى بلفظة (من) لأنه أراد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل الشجر ولا في كل مكان من الجبل والشجر، وأنا أقول: إنه إنما ذكره بلفطة (من) لأنه أراد كون البيت بعض الجبل وبعض الشجر كما يشاهد ويرى من بناء بيوت النحل، لأنه متخذ من طين أو عيدان في الجبل والشجر كما تتخذ الطيور، فلو أتى بلفظة في لم تدل على هذا المعنى ونظيره قوله تعالى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) وأزواجنا ليست من أنفسنا لأنهن لو كن من أنفسنا

стр. 260

لكن حراما علينا، فإن المتفرعة من الإنسان لا يحل له نكاحها؟ قلنا: المراد بهذا أنه خلق آدم ثم خلق منه حواء، كما قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) الثانى: أن المراد من جنسكم كما قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) عبر عن الأصنام بالواو والنون وهما من خواص من يعقل؟ قلنا: كان (فى) من يعبدونه من دون الله من يعقل كعزير وعيسى والملآئكة عليهم الصلاة والسلام فغلبهم. * * * فإن قيل: لما أفرد في قوله تعالى: "ما لا يملك " ثم جمع في قوله: " ولا يستطيعون "؟ قلنا: أفرد نظراً إلى لفظ ما، وجمع نظراً إلى معناها، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) فأفرد الضمير نظراً إلى لفظ ما، وجمع الظهور نظراً إلى معناها. * * * فإن قيل: ما فائدة نفى استطاعة الرزق بعد نفى ملكه والمعنى واحد،

стр. 261

لأن نفى ملك الفعل هو نفى استطاعته، والرزق هنا اسم مصدر بدليل أعماله في (شيئا) ؟ قلنا: ليس في يستطيعون ضمير مفعول وهو الرزق، بل الاستطاعة منفية عنهم مطلقاً، معناه لا يملكون أن يرزقوا، أو لا استطاعة لهم أصلاً في رزق أو غيره لأنهم جماد، الثانى: أنه لو قدر فيه ضمير مفعول على معنى ولا يستطيعونه كان مفيدا أيضاً على أعتبار كون الرزق اسماً للعين لأن الإنسان يجوز (له) أن لا يملك الشيء، ولكن يستطيع أن يملكه لوجود الأهلية والقدرة على اكتساب ملكه بخلاف هؤلاء فإنهم لا يملكون ولا يستطيعون أن يملكوا. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (مملوكاً) بعد قوله تعالى: (عبداً) وما فائدة قوله: " لا يقدر على شيء) بعد قوله: (مملوكاً) ؟ قلنا: لفظ العبد يصلح للحر والمملوك، لأن ألكل عبيد الله تعالى، فإن الله تعالى قال: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) فقال مملوكاً ليتمز عن الحر، وقال " لايقدرعلى شيء " ليتميز عن المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف استقلالاً. * * * فإن قيل: المضروب به المثل اثنان، وهما المملوك والمرزوق رزقاً حسناً، فظاهره أن يقال هل يستويان، فكيف قال تعالى: (هَلْ يَسْتَوُونَ) ؟

стр. 262

قلنا: لأنه أراد جنس المماليك وجنس المالكين، لا مملوكاً معيناً ولا مالكاً معيناً، الثانى: أنه أجرى الاثنين مجرى الجمع، الثالث: أن (من) تقع على الجمع، ولقائل أن يقول على الوجه الثالث يلزم منه أن يصير المعنى ضرب الله مثلا عبد مملوكاً وجماعة مالكين هل يتسوون، وأنه لا يحسن مقابلة الفرد بالجمع في التمثيل. * * * فإن قيل: (أو) في الخبر للشك، والشك على الله تعالى محال، فما معنى قوله تعالى: (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) ؟ قلنا: قيل (أو) هنا بمعنى بل كما في قوله تعالى: (إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) وقوله: (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) وقوله: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) ويرد على هذا أن بل للاضراب، والاضراب رجوع عن الأخبار وهو على الله تعالى محال، وقيل: هى بمعنى الواو في هذه الآيات، وقيل: (أو) للشك في الكل لكن بالنسبة إلينا لا إلى الله تعالى، وكذا في قوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) يعنى بالنسبة إلى نظر النبى ﵊. وقال الزجاج ليس المراد أن الساعة تأتى في أقرب من لمح البصر، ولكن المراد وصف قدرة الله تعالى على سرعة الاتيان بها متى شاء. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يقل والبرد، مع أن السرابيل وهى الثياب تلبس لدفع الحر والبرد، وهى

стр. 263

مخلوقه لهما؟ قلنا: حذف ذكر إحداهما لدلالة ضده، كما في قوله تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) ولم يقل والشر، كما في قول الشاعر: وما أدرى إذا يممت أرضاً. . . أريد الخير أيهما يلينى أى إلى يد الخير لا الشر أو أريد الخير وأحذر الشر. * * * فإن قيل: فلم كان ذكر الخير والحر أولى من ذكر الشر والبرد؟ قلنا: لأن الخير مطلوب العباد من ربهم ومرغوبهم إليه، ولأنه أكثر وجوداً في العالم من الشر، وأما الحر فلإن الخطاب بالقرآن أول ما يقع مع أهل الحجاز، والوقاية (من الحر) أهم عندهم لأن الحر في بلادهم أشد من البرد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) مع أن كلهم كافرون ؟ قلنا: قال الحسن: المراد بالأكثر هنا الجمع، وفى هذا نظر لأن بعض الناس لا يجوز إطلاق اسم البعض على الكل، لأنه ليس لازما له بخلاف عكسه. * * * فإن قيل: ما فائدة قول المشركين عند رؤية الأصنام: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ) الله تعالى عالم بذلك؟

стр. 264

قلنا: لما أنكروا الشرك بقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم وأنطق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم: (هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا) أي قد أقررنا بعد الإنكار وصدقنا بعد الكذب طلباً للرحمة، وفراراً من الغضب، فكان هذا القول على وجه الاعتراف منهم بالذنب لا على وجه إعلام من لا يعلم، الثانى: أنهم لما عاينوا عظم الله تعالى وعقوبته قالوا: "ربنا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا " رجاء أن يلزم الله تعالى الأصنام ذنوبهم. لأنهم كانوا يعتقدون لها العقل والتمييز فيخف عنهم العذاب. * * * فإن قيل: لم قالت الأصنام للمشركين: (إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) وكانوا صادقين فيما قالوه ؟ قلنا: إنما قالت لهم ذلك لتظهر فضيحتهم، وذلك أن الأصنام كانت جماداً لا تعرف من يعبدها، فلم تعلم أنهم عبدوها في الدنيا فظهرت فضيحتهم، حيث عبدوا من لا يعلم بعبادتهم، ونظير هذا قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) . * * * فإن قيل: إذا كان القرآن تبياناً لكل شيء من أمور الدين فمن أين وقع بين الأمة في أحكام الشريعة هذا الخلاف الطويل العريض؟ قلنا: إنما وقع الخلاف بين الأمة لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور

стр. 265

الدين ليس مبيناً في القرآن نصاً بل بعضه مبين نصاً وبعضه مستنبط بيانه منه بالنطر والاستدلال، وطرق النظر والاستدلال مختلفة فلذلك وقع الخلاف. * * * فإن قيل: كثير من أحكام الشريعة لم تعلم من القرآن نصاً ولا استنباطاً، كعدد ركعات الصلوات ومقادير ديات الأعضاء، ومدة السفر والمسح، والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب الزكاة، والسرقة، وما أشبه ذلك مما يطول ذكره ؟ قلنا: القرآن تبياناً لكل شيء من أمور الدين، لأنه نص على بعضها، وأحال على السنة في بعضها بقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) وأحال على الإجماع أيضاً بقوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية) وأحال على القياس أيضاً بقوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) والاعتبار والنظر والاستدلال فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن فصح كونه تبياناً لكل شيء. * * * فإن قيل: كيف وحدت القدم ونكرت في قوله تعالى: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) ولم يقل القدم أو الاقدام وهو اشد مناسبة لجمع

стр. 266

الإيمان؟ قلنا: وحدت ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الجنة، فكيف بأقدام كثيرة. * * * فإن قيل: (من) تتناول الذكر والأنثى لغة، ويؤيده قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ... الآية) وقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ... الآية) وقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ونظائره كثيرة، فكيف قال تعالى هنا: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) ؟ قلنا: إنما صرح بذكر النوعين هنا بسبب اقتضى ذلك، وهو أن النساء قلن: ذكر الله تعالى الرجال في القرآن بخير ولم يذكر النساء بخير، فلو كان فينا خير لذكرنا به، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... ألآية) وأنزل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) فذهب عن النساء وهم تخصيصهن عن العمومات. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وقد رأينا كثيراً من الصلحاء الأتقياء قطعوا أعمارهم في المصائب والمحن

стр. 267

وأنواع البلاء أعتبر بالأمثل فالأمثل إلى الأنبياء؟ قلنا: المراد بالحياة الطيبة الحياة في القناعة، وقيل: في الرزق الحلال، وقيل: في رزق يوم بيوم، وقيل: في التوفيق للطاعات، وقيل: في حلاوة الطاعات، وقيل: في الرضا بالقضاء، وقيل: المراد به الحياة في القبر، كما قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ، قيل: المراد به الحياة في الدار الآخرة، وهى الحياة الحقيقية لأنها حياة لا موت بعدها دائمة في النعيم المقيم، والظاهر أن المراد به الحياة في الدنيا لقوله تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ) وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة كما قال: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وكثير من الصحابة وغيرهم كانوا كافرين فهداهم الله تعالى إلى الإيمان ؟ قلنا: المراد بهذا الكافرون الذين علم الله تعالى أنهم يموتون على الكفر، ويؤيده ما بعد ذلك من الآيتين. * * * فإن قيل: ما معنى إضافة النفس إلى النفس في قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) والنفس ليس لها نفس

стр. 268

أخرى؟ قلنا: النفس اسم للجوهر القائم بذاته المتعلق بالجسم تعلق التدبير، والتقرن وقيل: هى اسم لجملة الإنسان لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) وقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) والنفس أيضا اسم لعين الشيء وذاته كما يقال نفس الذهب والفضة محبوبة أي عينها وذاتها فكأنه قال: يوم تأتى كل نفس تجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول نفسى نفسى فاختلف معنى النفسين (١) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ) ولم يقل فكساها الله لباس الجوع، والإذاقة لا تناسب اللباس وإنما تناسبه الكسوة ؟ قلنا: الاذاقة تناسب المستعار له وهو الجوح، (من حيث إن) الجوع يقتضى الأكل فيقتضى الذوق، وأن كانت لا تناسب المستعار وهو اللباس، والكسوة تناسب المستعار وهو اللباس، ولا تناسب المستعار له وهو الجوع، وكلاهما من دقائق علم البيان يسمى الأول منها تجريد الاستعارة، والثانى ترشيح الاستعارة، فجاء القرآن

стр. 269

العزيز في هذه الآية بتجريد الاستعارة، وقد ذكرنا تمار هذا في كتابنا المسمى " روضة الفصاحة " ولباس الجوع والخوف استعارة لما يظهر على أهل القرية من أثر الجوع والخوف من الصفرة والتحول فهو كقوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) استعار اللباس لها يظهر على المتقى من أثر التقوى، وقيل: فيه إضمار تقديره فاذاقها الله طعم الجوع وكساها لباس الخوف.

стр. 270

سورة الإسراء * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (بِعَبْدِهِ لَيْلًا) ولم يقل بنبيه أو برسوله أو بحبيبه أو بصفيه ونحو ذلك مع أن المقصود من ذلك الإسراء تعظيمه وتبجيله ؟ قلنا: إنما سماه عبدا في أرفع مقاماته وأجلها وهو هذا، وقوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) لئلا تغلط فيه أمته وتضل (فيه كما) ضلت أمة المسيح به فدعته إلهاً، وقيل: لئلا يتطرق إليه الكبر والعجب. * * * فإن قيل: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما فائدة ذكر الليل؟ قلنا: فائدته أنه ذكر منكراً ليدل على قصر الزمان الذي كان فيه الإسراء والرجوع، مع أنه كان من مكة إلى بيت المقدس، مسيرة أربعين ليلة، وذلك لأن التنكير يدل على البعضية، ويؤيده قراءة عبد الله وحذيفة (من الليل) أي من بعض الليل كقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) فإنه أمر بالقيام في بعض الليل. * * * فإن قيل: أي حكمة من نقله ﵊ من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به من بيت المقدس إلى السماء وهلا عرج به من مكة إلى السماء دفعة واحدة؟ قلنا: لأن بيت المقدس محشر الخلائق، فأراد الله تعالى أن تطأها قدمه ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم عيها ببركة أثر قدمه، الثانى: أن بيت المقس مجمع أرواح الأنبياء، فأراد الله تعالى أن

стр. 271

يشرفهم بزيارته ﵊. الثالث: أنه أسرى به إلى بيت المقدس ليشاهد من أحواله وصفاته ما يخبر به كفار مكة صبيحة تلك الليلة، فيدلهم اخباره بذلك مطابقاً لما رأوا وشاهدوا على صدقه في حيث الإسراء. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) ولم يقل باركنا عليه أو باركنا فيه، مع أن البركة في المسجد تكون أكثر من خارج المسجد وحوله خصوصاً المسجد الأقصى ؟ قلنا: أراد (بها) البركة الدنيوية بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة، وذلك حوله لا فيه، وقيل: أراد بالبركة الدينية، فإنه مقر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومتعبدهم، ومهبط الوحى والملآئكة، وإنما قال تعالى: (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) لتكون بركته أعم وأشمل، فإنه أراد بما حوله ما أحاط به من أرض الشام وما قاربه منها، وذلك أوسع من مقدار بيت المقدس، ولأنه إذا كان هو الأصل وقد بارك في لواحقه وتوابعه من البقاع كان هو مباركا فيه بالطريق الأولى، خلاف العكس، وقيل: المراد البركة الدنيوية والدينية ووجهها ما مر. وقيل: المراد باركنا حوله من بركة نشأت منه فعمت جميع الأرض، لأن مياه الأرض كلها أصل انفجارها من تحت الصخرة التى في بيت المقدس. * * * فإن قيل: ما وجه ارتاط قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) بما قبله ومناسبته له؟ قلنا: معناه لا تتخذوا من دونى رباً فتكونوا كافرين، ونوح كان عبدا

стр. 272

شكورا وأنتم من آمن به وحمل معه، فتأسوا به في الشكر كما تأسى به آباؤكم. * * * فإن قيل: (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) ولم يقل فعليها كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) ؟ قلنا قيل اللام هنا بمعنى على كما في قوله تعالى: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) وقوله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) وقيل معنى فلها رجاء الرحمة اى فلهامخلص بالتوبة والاستغفار والصحيح أن اللم هنا على بابها لأنها للاختصاص، وقيل عامل مخصص بجزاء عمله حسنة كانت أو سيئة، وقد سبق مثل هذا مستوفى في آخر سورة البقرة في قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) وقال في قصة مريم وعيسى ﵉ (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) مع أن عيسى ﵊ كان وحده آيات شتى حيث كلم الناس في المهد، وكان يحيى الميت، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق الطير بإذن الله إلى غير ذلكمن الآيات، وأمه وحدها كانت آية حيث حملت من غير فحل؟

стр. 273

قلنا: إنما أراد به الآية التى كانت مشتركة بينهما ولم يتم إلا بهها، وهى ولادة ولد من غير فحل، بخلاف الليل والنهار والشمس والقمر، الثانى: أن لفظ الآية الأخرى محذوفة إيجازاً واختصاراً تقديره: وجعلناها آية وابنها آية، وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) (والإبصار) من صفات ما له حياة، والمراد بآية النهار إما الشمس أو النهار نفسه وكلاهما غير مبصرة ؟ قلنا: المبصرة في اللغة بمعنى المضيئة، نقله الجوهرى وقال غيره: معناه بينة واضحة مضيئة، ومنه قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) أي آية واضحة مضيئة وقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً) الثانى: معناه مبصراً بها إن كانت الشمس أو فيها إن كانت النهار، ومنه قوله تعالى: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أي مبصراً فيه ونظيره قولهم ليل نائم ونهار صائم أي ينام فيه ويصام فيه، الثالث: أنه فعل رباعى منقول بالهمزة عن الثلاثى الذي هو بصر بالشي أي علم به فهو بصير أي عالم معناه أنها تجعلهم بصراء فيكون أبصره، بمعنى بصره، وعلى هذا حمل الأخفش قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً) أي تبصرهم فتجعلهم بصراء، الرابع: أن بعض الناس زعم أن الشمس حيوان له حياة وبصر

стр. 274

وقدرة، وهو متحرك بإرادته في امتثال أمر الله تعالى كما يتحرك الإنسان. * * * فإن قيل: ما الفائدة في ذكر عدد السنين في قوله تعالى: (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) مع أنه لو اقتصر على قوله: "لتعلموا الحساب " دخل فيه عدد السنين إذ هو من جملة الحساب ؟ قلنا: العد كله موضع الحساب كبدن الإنسان موضوع الطب ادخال المكلفين وموضوع الفقه، وموضوع كل علم مغاير له وليس جزء منه، كبدن الإنسان ليس جزءا من الطب، ولا أفعال المكلفين جزءا من الفقه، فكذا العدد ليس جزءا من الحساب، وإنما ذكر عدد السنين وقدمه على الحساب لأن المقصود الأصلى من محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة علم عدد الشهور والسنين، ثم يتفرع من ذلك علم حساب التاريخ وضرب المدد والآجال. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) وقال في موضع آخر: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) ؟ قلنا: مواقف القيامة مختلفة، ففى موقف يكل الله تعالى حسابهم إلى أنفسهم وعلمه محيط به، وفى موضع يحاسبهم هو، وقيل: هو ألذى يحاسبهم لا غيره، وقال تعالى: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) أى يكفيك أنك شاهد على نفسك بذنوبها عالم بذلك، فهو توبيخ وتقربع لا أنه تفويض لحساب العبد إلى نفسه، وقيل: من يرد مناقشته في الحساب يحاسبه بنفسه، ومن يرد مسامحته فيه يكل

стр. 275

حسابه إليه. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) يرد ما جاء في الأخبار أن في يوم القيامة يؤخذ من حسنات المغتاب والمديون ويزاد في حسنات رب الدين، والشخص الذي أغتيب ، فإن لم تكن لهما حسنات يوضع عليهما من سيئات خصميهما، وكذلك جاء هذا في سائر المظالم؟ قلنا: المراد من الآية أنها لا تحمله اختياراً رداً على الكافرين حيث قالوا للذين آمنوا: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ... إلآيتان) والمراد من الخبر أنها تحمله كرهاً فلا تنافى بينهما، وقد سبق مرة (هذا) في آخر سورة الأنعام. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) وقال في آية أخرى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وقال الزجاج ومثله قولهم: أمرته فعصانى، وأمرته فخالفنى، لا يفهم منه الأمر بالمعصية ولا الأمر بالمخالفة، الثانى: أن معناه كثرنا مترفيها يقال: أمرته - بالقصر والمد - بمعنى كثرته وقد قرئ بهما، ومنه الحديث: خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة، أي كثير النتاج والنسل، الثالث: أن معناه أمرنا مترفيها - بالتشديد - يقال أمرت

стр. 276

فلانا بمعنى أمرته أي جعلته أميرا فمعنى الآية سلطناهم بالامارة، ويعضد هذا الوجه قراءة من قرأ أمرنا - بالتشديد - وقال الزمخشري ﵀ لا يجوز أن يكون معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا، لأن حذف ما لا دليل عليه في اللفظ غير جائز فكيف يقدر حذف ما قام الدليل في اللفظ على نقيضه، وذلك أن قوله: "ففسقوا " يدل على أن المأمور به المحذوف هو الفسق وهو كلام مستفيض، يقال: أمرته فقام وأمرته فقعد وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا المأمور به، القيام والقعود والقراءة بخلاف قولهم أمرته فعصانى وأمرته فخالفنى حيث لا يكون المأمور به المحذوف المعصية والمخالفة، لأن ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض لأمر وينافيه مأموراً به فيكون المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوى، والمتكلم بمثل هذا لا ينوى لأمره مأموراً به بل كأنه قال: كان منى أمر فلم تكن منه طاعة أو فكانت منه مخالفة كما تقول: مر زيداً يطعمك، وكما تقول فلان يأمر وينهى ويعطى ويمنع ويصل ويقطع ويضر وينفع فإنك لا تنوى فيه مفعولا. * * * فإن قيل: على هذا حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم أفسقوا وهذا لا يكون من الله تعالى، فلا يقدر الفسق محذوفاً ولا مأموراً به ؟ قلنا: الفسق المحذوف المقدر مجار عن اترافهم وصب النعم عليهم صباً أفضى بهم إلى جعلها ذريعة إلى المعاصى ووسيلة إلى اتباع الشهوات، فكأنهم أمروا بذلك، لما كان السبب في وجوده الاتراف وفتح باب النعم. * * * فإن قيل: لم لا يكون ثبوت العلم بأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء،

стр. 277

وإنما يأمر بالطاعة وألعدل والخير دليلاً على أن ألمراد أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلنا: لو جاز مثل هذا الإضمار والتقدير لكان المتكلم مريداً من مخاطبة علم الغيب، لأنه أضمر ما لا دليل عليه في اللفظ، بل أبلغ، لأنه أضمر في اللفظ ما يناقضه وينافيه، وهو قوله: "ففسقوا" فكأنه أظهرشيئاً وادعى إضمار نقيضه. فكان صرف الأمر إلى ما ذكرنا من المجاز هو الوجه، هذا كله كلام الزمخشري ﵀، ولا أعلم أحداً من أئمة التفسير صار إليه غيره، ثم أنه أيده فقال ونظيره أمر شاء في أن مفعوله استفاض فيه الحذف لدلالة ما بعده عليه، تقول: لو شاء فلان لأحسن إليك، ولو شاء لأساء إليك، تريد لو شاء الإحسان لأحسن ولو شاء الإساءة لأساء، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت وتعنى لو شاء الإساءة لأحسن إليك، ولو شاء الإحسان لأساء إليك، وتقول قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان دائماً أو من أهل الإساءة دائماً، فيترك الظاهر المنطوق به ويضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة لم تكن على سداد. * * * فإن قيل: على الوجه الأول لو كان المضمر المحذوف الأمر بالطاعة لما كان مخصوصاً بالمترفين، لأن أمر الله تعالى بالطاعة عام للمترفين وغيرهم ؟ قلنا: أمر الله تعالى بالطاعة وإن كان عاماً، ولكن لما كان صلاح الأمراء والرؤساء وفسادهم مستلزما لصلاح الرعية وفسادها غالباً خصتهم بالذكر، ويؤيد هذا ما جاء في الخبر: صلاح الوالى صلاح الرعية وفساد الوالى فساد الرعية.

стр. 278

فإن قيل: قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ... الآية) (يدل) على أن من لم يزهد في الدنيا ولم يتركها كان من أهل النار والأمر بخلافه ؟ قلنا: المراد من كان يريد بإسلامه وطاعته وعبادته الدنيا لا غير، ومثل هذا لا يكون إلا كافراً أو منافقاً، ولهذا قال ابن جرير هذه الآية لمن لا يوقن بالمعاد، فأما من أراد الدنيا قدر ما يتزود به إلى الآخرة كيف يكون مذموماً، مع أن الاستغناء عن الدنيا بالكلية وعن جميع ما فيها لا يتصور في حق البشر، ولو كانوا أنبياء، فعلم أن المراد ما قلنا. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) أى ممنوعاً، ونحن نرى ونشاهد في الواقع أن راحد أعطاه قناطير مقنطرة وآخر منعه حتى الدائق والحبة؟ قلنا: المراد بالعطاء هنا الرزق والله تعالى سوى في ضمان الرزق وإيصاله بين البر والفاجر والمطيع والعاصى ولم يمنع الرزق على العاصى بسبب عصيانه، فلا تفاوت بين العباد في أصل الرزق، وإنما التفاوت بينهم في مقادير الإملاك. * * * فإن قيل: كيف منع الله تعالى الكفار التوفيق والهداية ولم يمنعهم الرزق؟ قلنا: لأنه لو منعهم الرزق لهلكوا وصار ذلك حجة لهم يوم القيامة،

стр. 279

بأن يقولوا لو أمهلتنا ورزقتنا لبقينا أحياء فآمنا، الثانى: أنه لو أهلكهم بمنع الوزق لكان قد عاجلهم بالعقوبة، فيتعطل معنى اسمه الحليم عن معناه لأن الحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، الثالث: أن منع الطعام والشراب من صفات البخلاء والأخساء، والله تعالى منزه عن ذلك، وقيل: إعطاء الرزق لجميع العبيد عدل وعدل الله تعالى عام، وهبة التوفيق والهداية فضل، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله: "عندك " في قوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) ؟ قلنا: فائدته أنهما يكبران في بيته وكنفه ويكونان كلا عليه لا كافل لهما غيره، وربما تولى منهما من المشاق ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ولم يقل ولا تزنوا ؟ قلنا: لو قال ولا تزنوا كان نهياً عن الزنا لا عن مقدماته كاللمس والمعانقة والقبلة ونحو ذلك، ولما قال: "ولا تقربو) كان نهياً عنه وعن مقدماته، لأن فعل المقدمات قربان للزنا. * * * فإن قيل: الإشارة بقوله تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ) إلى ماذا على قراءة التنوين؟

стр. 280

قلنا: الإشارة إلى كل ما هو منهى عنه من جميع ما ذكر من قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) إلى هذه الآية، لا إلى جميع ما ذكر، فإن فيه حسناً وسيئاً، وقال أبو على: هو إشارة إلى قوله تعالى: "ولا تقف" وما بعده لأنه لا حسن فيه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) وقوله: "من فيهن " يتناول الآدميين كلهم ، والمراد به العموم كما هو مقتضى الصيغة بدليل تأكيده بقوله تعالى بعده: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) . والتسبيح هو التنزيه من كل ما لا يليق بصفات جلاله وكماله، والكفار يضيفون اليه الزوج والولد والشريك وغير ذلك فإين تسبيحهم؟ قلنا: الضمير في قوله تعالى: "ومن فيهن " راجع إلى السموات فقط، الثانى: أنه راجع إلى السموات والأرض والمراد بقوله تعالى: "ومن فيهن " يعنى من المؤمنين، فيكون عاماً أريد به الخاص، وعلى هذا يكون المراد بالتسبيح المسند إلى (من فيهن) التسبيح بلسان المقال، الثالث: أن المراد به التسبيح بلسان الحال، حيث يدل على وجود الصانع وعظيم قدرته ونهاية حكمته، فكأنها تنطق بذلك وتنزهه عما لا يجوز عليه ولا يليق به من السوء، ويؤيده قوله تعالى بعده: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) والتسبيح العام لجميع الموجودات إنما هو التسبيح بلسان الحال.

стр. 281

فإن قيل: لو كان المراد هو التسبيح بلسان الحال لما قال: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لأن التسبيح بلسان الحال مفهوم لنا أي مفهوم ومعلوم ؟ قلنا: الخطاب بقوله تعالى: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) للكفار، وهم مع تسبيحهم بلسان الحال لا يفقهون تسبيح الموجودات على ما ذكرنا من التفسير، لأنهم لما جعلوا لله شركاء وزوجاً وولداًَ دل ذلك على عدم فهمهم تسبيح الموجودات وتنزيهها، وعدم اتضاح دلائل الوحدانية لهم لأن الله تعالى طبع على قلوبهم. * * * فإن قيل: (من فيهن) وهم الملآئكة والثقلان يسبحون حقيقة والسموات والأرض والجمادات تسبح مجازاً، فكيف جمع بين إرادة الحقيقة والمجاز في لفظ واحد، وهو قوله تعالى: "تسبح "؟ قلنا: التسبيح المجازى بلسان الحال حاصل من الجميح فيحمل عليه دفعاً لما ذكرتم من المحذور. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) والمستعمل الشائع دعائه فاستجاب لأمره أو بأمره أي أجاب؟ قلنا: قال ابن عباس: المراد بقوله: "بحمده " بأمره، وقال سعيد بن جبير: إذا دعا الله الخلالق للبعث يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك، وقال

стр. 282

غيره: وهم يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) فعلى هذا تكون الباء بمعنى مع كما في قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) وقوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) . * * * فإن قيل: كيف أجمل ذكر الأنبياء كلهم بقوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) ثم خص داود بالذكر، فقال: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) ؟ قلنا: لأنه اجتمع له مالم يجتمع لغيره من الأنبياء، وهو الرسالة والكتابة والخطابة والخلافة والملك والقضاء في زمن واحد، قال الله تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) الثانى: قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) إشارة إلى تفضيل محمد ﷺ وقوله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم، لأن ذلك مكتوب في زبور داود ﵊ واليه الإشارة بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)

стр. 283

يعنى محمداً ﵊ وأمته. * * * فإن قيل: لم نكر الزبور هنا وعرفه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) ؟ قلنا: يجوز أن يكون الزبور من الأعلام التى تستعمل بالألف واللام وبغيرهما كالعباس والفضل والحسن والحسين ونحوهما، الثاني: أنه نكره لأنه أراد وآتينا داود بعض الزبور وهى الكتب، الثالث: أنه نكره لأنه أراد به ما ذكر فيه رسول الله ﷺ من الزبور فسمى ذلك زبوراً، لأنه بعض الزبور كما سمى بعض القرآن قرآناً فقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ ... الآية) وقال: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) وأراد به سورة يوسف ﵊، قال: (وقرآن الفجر) أي القرآن المتلو في صلاة الفجر. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ) مغن عن قوله تعالى: (وَلَا تَحْوِيلًا) لأنهم إذا لم يستطيعون كشف الضر لا يستطيعون تحويله، لأن تحويل الضر نقله من محل وإثباته في محل آخر، ومنه تحويل الفراش والمتاع وغيرهما، وكشف الضر

стр. 284

مجرد إزالته ومن لا يقدر على ألإزالة وحدها فكيف يقدر على الإزالة مع الإثبات؟ والمراد بالآية كشف الفقر والمرض والقحط ونحوها؟ قلنا: التحويل له معنيان أحدهما ما ذكرتم والثانى: التبديل، ومنه قولهم حولت القميص قباء والفضة خاتماً وأريد بالتبديل هنا الكشف لأن في الكشف المنفى في الآية تبديلا، فإن المرض متى كشف يبدل بالصحة، والفقر متى كشف يبدل بالغنى، والقحط متى كشف يبدل بالخصب، وكذا جميح الأضداد فأطلق التبديل وأراد به الكشف، إلا أنه لم يرد به كشف الضر لئلا يلزم التكرار، بل أراد به مطلق الكشف الذي هو الإذالة، فلا يستطيعون كشف الضر عنكم ولا كشف ما، ولهذا لم يقل ولا تحويله، وهذا الجواب مما فتح الله تعالى على به من خزائن وجوده، ونظيره ما ذكرناه في سورة النحل في قول تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) . * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... الآية) فيها أسئلة أولها: أن الله تعالى لا يمنعه عما يريده مانع، فإن أراد إرسال الآيات كيف يمنعه تكذيب الأمم الماضية؟ وإن لم يرد إرسالها كان وجود تكذيبهم وعدمه سواء، وكان عدم الإرسال لعدم الإرادة، الثانى: أن الإرسال يتعدى بنفسه قال الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) فأى حاجه إلى

стр. 285

الباء؟ الثالث: أن المراد بالآيات هنا ما اقترحه أهل مكة على رسول الله ﷺ من جعل الصفا ذهباً، وإزالة جبال مكة ليتمكنوا من الزراعة، وإنزال كتاب مكتوب من السماء ونحو ذلك. وهذه الآيات ما أرسلت إلى الأولين ولا شاهدوها فكيف كذبوها؟ الرابع: تكذيب الأولين لا يمنع إرسالها إلى الآخرين لجواز أن لا يكذب الآخرون، الخامس: أي مناسبة وارتباط بين صدر الآية وقوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) ؟ السادس: ما معنى وصف الناقة بالابصار؟ السابع: إن الظلم يتعدى بنفسه قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) فأى حاجة إلى الباء، وهلا قال فظلموها يعنى بالعقر والقتل؟ الثامن: أن قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) يدل على الارسال بها وقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) يدل على عدم الإرسال بها؟ قلنا: الجواب على الأول: أن المنع مجازعبر به عن ترك الإرسال بالآيات، كأنه تعالى قال: وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، (وعن) الثانى: أنى الباء لتعدية الإرسال إلى المرسل به، لا إلى المرسل لأن المرسل محذوف وهو الرسول. تقديره: وما منعنا أن نرسل الرسول بالآيات، والإرسال يتعدى إلى المرسل نفسه وإلى المرسل به بالباء، وإلى المرسل إليه بالى قال الله
следующие страницы →