Полный текст (604 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فإن قيل: لو كان المراد هو التسبيح بلسان الحال لما قال: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لأن التسبيح بلسان الحال مفهوم لنا أي مفهوم ومعلوم ؟
قلنا: الخطاب بقوله تعالى: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)
للكفار، وهم مع تسبيحهم بلسان الحال لا يفقهون تسبيح الموجودات على ما ذكرنا من التفسير، لأنهم لما جعلوا لله شركاء وزوجاً وولداًَ دل ذلك على عدم فهمهم تسبيح الموجودات وتنزيهها، وعدم اتضاح
دلائل الوحدانية لهم لأن الله تعالى طبع على قلوبهم.
* * *
فإن قيل: (من فيهن) وهم الملآئكة والثقلان يسبحون حقيقة والسموات والأرض والجمادات تسبح مجازاً، فكيف جمع بين إرادة الحقيقة والمجاز في لفظ واحد، وهو قوله تعالى: "تسبح "؟
قلنا: التسبيح المجازى بلسان الحال حاصل من الجميح فيحمل عليه دفعاً لما ذكرتم من المحذور.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ)
والمستعمل الشائع دعائه فاستجاب لأمره أو بأمره أي أجاب؟
قلنا: قال ابن عباس: المراد بقوله: "بحمده " بأمره، وقال سعيد بن جبير: إذا دعا الله الخلالق للبعث يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك، وقال
стр. 282
غيره: وهم يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) فعلى هذا تكون الباء بمعنى مع كما في قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)
وقوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) .
* * *
فإن قيل: كيف أجمل ذكر الأنبياء كلهم بقوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) ثم خص داود بالذكر، فقال: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) ؟
قلنا: لأنه اجتمع له مالم يجتمع لغيره من الأنبياء، وهو الرسالة والكتابة والخطابة والخلافة والملك والقضاء في زمن واحد، قال الله تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) الثانى:
قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) إشارة إلى تفضيل محمد ﷺ وقوله تعالى:
(وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم، لأن ذلك مكتوب في زبور داود ﵊ واليه الإشارة بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)
стр. 283
يعنى محمداً ﵊ وأمته.
* * *
فإن قيل: لم نكر الزبور هنا وعرفه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) ؟
قلنا: يجوز أن يكون الزبور من الأعلام التى تستعمل بالألف واللام وبغيرهما كالعباس والفضل والحسن والحسين ونحوهما، الثاني: أنه
نكره لأنه أراد وآتينا داود بعض الزبور وهى الكتب، الثالث: أنه نكره لأنه أراد به ما ذكر فيه رسول الله ﷺ من الزبور فسمى ذلك زبوراً، لأنه بعض الزبور كما سمى بعض القرآن قرآناً فقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ ... الآية) وقال: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) وأراد به سورة يوسف ﵊، قال: (وقرآن الفجر) أي القرآن المتلو في صلاة الفجر.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ) مغن عن قوله تعالى: (وَلَا تَحْوِيلًا) لأنهم إذا لم يستطيعون كشف الضر لا يستطيعون تحويله، لأن تحويل الضر نقله من محل وإثباته في محل آخر، ومنه تحويل الفراش والمتاع وغيرهما، وكشف الضر
стр. 284
مجرد إزالته ومن لا يقدر على ألإزالة وحدها فكيف يقدر على الإزالة مع الإثبات؟
والمراد بالآية كشف الفقر والمرض والقحط ونحوها؟
قلنا: التحويل له معنيان أحدهما ما ذكرتم والثانى: التبديل، ومنه قولهم حولت القميص قباء والفضة خاتماً وأريد بالتبديل هنا الكشف لأن في الكشف المنفى في الآية تبديلا، فإن المرض متى
كشف يبدل بالصحة، والفقر متى كشف يبدل بالغنى، والقحط متى كشف يبدل بالخصب، وكذا جميح الأضداد فأطلق التبديل وأراد به الكشف، إلا أنه لم يرد به كشف الضر لئلا يلزم التكرار، بل أراد به مطلق الكشف الذي هو الإذالة، فلا يستطيعون كشف الضر عنكم ولا
كشف ما، ولهذا لم يقل ولا تحويله، وهذا الجواب مما فتح الله تعالى على به من خزائن وجوده، ونظيره ما ذكرناه في سورة النحل في قول تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... الآية)
فيها أسئلة أولها: أن الله تعالى لا يمنعه عما يريده مانع، فإن أراد إرسال الآيات كيف يمنعه تكذيب الأمم الماضية؟
وإن لم يرد إرسالها كان وجود تكذيبهم وعدمه سواء، وكان عدم الإرسال لعدم الإرادة، الثانى: أن الإرسال يتعدى بنفسه قال
الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) فأى حاجه إلى
стр. 285
الباء؟
الثالث: أن المراد بالآيات هنا ما اقترحه أهل مكة على رسول الله ﷺ من جعل الصفا ذهباً، وإزالة جبال مكة ليتمكنوا من الزراعة، وإنزال كتاب مكتوب من السماء ونحو ذلك.
وهذه الآيات ما أرسلت إلى الأولين ولا شاهدوها فكيف كذبوها؟
الرابع: تكذيب الأولين لا يمنع إرسالها إلى الآخرين لجواز أن لا يكذب الآخرون، الخامس: أي مناسبة وارتباط بين صدر الآية وقوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) ؟
السادس: ما معنى وصف الناقة بالابصار؟
السابع: إن الظلم يتعدى بنفسه قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) فأى حاجة إلى الباء، وهلا قال فظلموها يعنى بالعقر والقتل؟
الثامن: أن قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) يدل على الارسال بها وقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) يدل على عدم الإرسال بها؟
قلنا: الجواب على الأول: أن المنع مجازعبر به عن ترك الإرسال بالآيات، كأنه تعالى قال: وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، (وعن) الثانى: أنى الباء لتعدية الإرسال إلى المرسل به، لا إلى المرسل لأن المرسل محذوف وهو الرسول.
تقديره: وما منعنا أن نرسل الرسول بالآيات، والإرسال يتعدى إلى المرسل نفسه وإلى المرسل به بالباء، وإلى المرسل إليه بالى قال الله
стр. 286
تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) وعن الثالث: أن الضمير في قوله تعالى: (بها) عائد إلى جنس الآيات المقترحة لا إلى هذه
الآيات المقترحة كأنه تعالى قال: وما منعنا أن نرسل بالآيات التى اقترحها أهل مكة إلا تكذيب من قبلهم بالآيات المقترحة يريد المائدة والناقة ونحوهما مما اقترحه الأولون على أنبيائهم، (وعن) الرابع: أن سنة الله تعالى في عباده أن من اقترح آية على الأنبياء وأتوه بها فلم يؤمن عجل الله هلاكه، والله تعالى لم يرد هلاك مشركى مكة لأنه تعالى علم أنه يولد منهم من يؤمن، أو لأنه قضى وقدر في سابق علمه بقاء من بعث إليهم محمد ﵊ إلى يوم القيامة، فلو أرسل بالآيات التى اقترحوها فلم يؤمنوا لأهلكهم، وحكمته اقضت عدم إهلاكهم، فلذلك لم يرسل بها فيصير معنى الآية وما منعنا أن نومل بالآيات المقترحة عليك إلا أن كذب بالآيات المقترحة الأولون فأهلكوا فربما كذب بها قومك فأهلكوا.
(وعن) الخامس: أنه تعالى لما أخبر أن الأولين كذبوا بالآيات المقترحة عين منها واحدة وهى ناقة صالح ﵊، لأن آثار ديارهم المهلكة في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم. (وعن) السادس: أن معنى مبصرة دالة كما
стр. 287
يقال الدليل مرشد وهاد، وقيل: مبصراً بها كما يقال: ليل نائم ونهار صائم أي ينام فيه ويصام فيه، وقيل: معناه مبصرة يعنى أنها تبصر الناس صحة نبوة صالح ﵊، ويعضد هذا قراءة من قرأ مبصرة بفتح الميم والضاد أي تبصرة، وقيل: مبصرة صفة لآية محذوفة تقديره: آية مبصرة أي مضيئة بينة، (وعن) السابع: أن الباء ليست لتعدية الظلم - هنا - إلى الناقة بل معناه فظلموا أنفسهم بقتلها أو بسببها، وقيل: الظلم - هنا -
الكفر، فمعناه فكفروا بها، فلما ضمن الظلم معنى الكفر عداه تعديته.
(وعن) الثامن: أن المراد بالآيات ثانياً العبر والدلالات لا
الآيات التى اقترحها أهل مكة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)
وليس في القرآن لعن شجرة ما ؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن، الثانى: أن معناه الملعون آكلوها وهم الكفرة، الثالث: أن الملعونة بمعنى المذمومة كذا قاله ابن عباس رضى الله عنهما وهى مذمومة في القرآن بقول تعالى:
(إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ) وبقوله
تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) . الرابع: أن العرب
تقول لكل طعام مكروه أو ضار ملعون، وفى القرآن الإخبار عن
стр. 288
ضررها وكراهتها، الخامس: أن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد، فالملعون هو المطرود عن رحمة الله تعالى، المبعد عنها، وهذه الشجرة مطرودة مبعدة عن مكان رحمة الله تعالى وهو الجنة، لأنها في قعر جهنم، وهذا الابعاد والطرد مذكور في القرآن بقوله تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ)
وقال بن الأنبارى: سميت ملعونة لأنها مبعدة عن منازل أهل الفضل.
* * *
فإن قيل: كيف خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم بقوله
تعالى: (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ)
ولم خصهم بنفى الظلم عنهم بقوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)
مع أن أصحاب الشمال يقرءون كتابهم ولا يظلمون أيضاً ؟
قلنا: إنما خص أصحاب اليمين بذكر القراءة لأن أصحاب الشمال إذا رأوا ما في كتبهم من الفضائح والقبائح أخذهم من الحياء والخجل والخوف ما يوجب حبسة اللسان، وتتعتع الكلام، والعجز عن إقامة
الحروف فتكون قراءتهم كلا قراءة، وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرءون كتابهم أحسن قراءة وأبينها ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى يقول القارئ لأهل المحشر: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) وأما قولو تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) فهو عائد إلى كل الناس لا إلى أصحاب اليمن،
стр. 289
الثانى: أنه عائد إلى أصحاب اليمين خاصة، وأنما خصهم بذلك لأنهم يعلمون أنهم لا يظلمون، ويعتقدون ذلك بخلاف أصحاب الشمال فإنهم يعتقدون أو يظنون أنهم يظلمون، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال موسى ﵊ لفرعون: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ) يعنى الآيات (إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) يعنى بينات وحججاً واضحات، وفرعون لم يعلم ذلك لأنه لو علم ذلك لم يقل لموسى: (إِنِّي لَأَ ظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا)
أى مخدوعاً أو قد سحرت أو ساحراً. مفعول بمعنى فاعل على اختلاف الأقوال، بل كان يؤمن به، وكيف يعلم ذلك وقد طبع الله على قلبه وأضله وحال بينه وبين الهدى الرشاد ولهذا قرأ على رضى الله عنه "لقد علمت " بضم التاء، وقال: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هو الذي علم، واختار الكسائى وثعلب قراءة على
ونصراها بأنه لمأ نسب موسى إلى أنه مسحوراً علمه بصحة عقله بقوله: "لقد علمت "؟
стр. 290
قلنا: معناه لقد علمت لو نظرت نظراً صحيحاً أو لقد علمت نظراً إلى الحجة والبرهان ولكنك معاند مكابر تخشى فوات دعوى الألهية لو صدقتنى، فكان فرعون ممن أضله الله على علم، ولهذا بلغ ابن عباس قراءة على رضى الله عنهما ويمينه فاستدل بقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال موسى ﵊: (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) وموسى كان عالماً بذلك لا شك عنده فيه ؟
قلنا: قال أكثر المفسرين: الظن هنا بمعنى العلم، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) وإنما أوتى بلفظ الظن ليعارض ظن فرعون بظنه، كأنه قال إن ظننتنى مسحوراً فأنا أظننك مثبوراً، والمثبور الهالك والمصروف عن الخير أو الملعون أو الخاسر.
* * *
فإن قيل: كيف كرر تعالى الإخبار بالخرور الحالين، وهما خروجهم في حال كونهم ساجدين، وفى حال كونهم باكيين؟
قلنا: إنه أراد بالخرور الأول ألخرور في حال سماع القرآن أو قراءته، وبالخرور الثانى: الخرور في سائر الحالات وباقيها.
* * *
فإن قيل: الحمد إنما يكون على نعمة أنعم الله بها على العبد كما في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)
стр. 291
و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) لأن فيها من المنافع لنا ما لا يعد ولا يحصى، فأى نعمة حصلت لنا من كون الله تعالى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك ولا ناصر حتى قال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ... الآية) ؟
قلنا: النعمة في ذلك أن الملك إذا كان له ولد وزوج فإنما ينعم على عبيده بما يفضل عن ولده وزوجه، وإذا لم يكن له ولد وزوج كان جميع انعامه وإحسانه مصروفاً إلى عبيده فكان نفى اتخاذ الولد مقتضياً مزيد الإنعام عليهم، وأما نفى الشريك فلأنه يكون أقدر على الإنعام على عبيده لعدم المزاحم، وأما نفى النصير فلأنه يدل على القوة والاستغناء، وكلاهما يقتضى القدرة على زيادة الإنعام.
стр. 292
سورة الكهف
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (قَيِّمًا) بمعنى مستقيماً وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) مغن عن قوله: "قيماً " لأنه متى انتفى العوج ثبتت الاستقامة، لأن العوج في المعانى كالعوج في الأعيان ، والمراد به هنا نفى الاختلاف والتناقض في معانيه، وأنه لا يخرج منه شىء عن الصواب والحكمة، وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً؟
قلنا: قال الفراء: معنى قوله تعالى "قيماً " قائماً على الكتب السماوي كلها، مصدقاً لها شاهداً بصحتها ناسخاً لبعض شرائعها، فعلى هذا لا تكرار فيه، وعلى القول المشهور يكون الجمع بينهما للتأكيد سواء قدر قيماً مقدماً أو أقر في مرتبته ونصب بفعل مضمر تقديره: ولكن جعله قيماً، ولابد من هذا الإضمار أو من التقديم
والتأخير، وإلا يصير المعنى ولم يجعل له عوجاً مستقيماً، ولكن العوج لا يكون مستقيماً.
* * *
فإن قيل: اتخاذ الله تعالى ولداً محال، فكيف قال تعالى:
(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) وإنما يستقيم أن يقال: فلان ما له علم بكذا إذا كان ذلك الشيء مما يعلمه غيره، أو مما يصح أن يعلم كقولنا: زيد ما له علم بالعربية أو بالحساب أو بالشعر ونحو ذلك؟
قلنا: معناه ما لهم به من علم، لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وهذا لأن انتفاء العلم بالشي تارة يكون للجهل بالطريق الموصل إليه،
стр. 293
وتارة لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به، وما نحن فيه من هذا القبيل.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) وهو عالم بذلك في الأزل ؟
قلنا: معناه لنعلم ذلك علم مشاهدة كما علمناه علم غيب.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ) ولم يقل واحدكم؟
قلنا: لأنه أراد فرداً منهم أيهم كان، ولو قال واحدكم لدل على بعث نرئيسهم ومقدمهم، فإن العرب تقول رأيت أحد القوم أي فرداً منهم، ولا تقول رأيت واحد القوم إلا إذا أرادت المقدم المعظم.
* * *
فإن قيل: كيف جاء تعالى بسين الاستقبال في الفعل الأول دون الآخرين في قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ) ؟
قلنا: أراد دخول الفعلين الآخرين في حكم الأول بمقتضى العطف، فاقتصر على ذكر السين في الأول إيجازاً واختصاراً كما تقول: زيد قد يخرج ويركب، تريد وقد يركب.
* * *
فإن قيل: كيف دخلت الواو في الجملة الثالثة دون الأوليين وهى قوله تعالى: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) ؟
قلنا: قال بعض المفسرين: هى واو الثمانية، وقد ذكرنا مثلها فى
стр. 294
آخر سووة التوبة، وقال الزجاج: دخول هذه الواو وخروجها سواء في صفة النكرة، فجاء القرآن بهما، وقال غيره: الواو مرادة في الجملتين الأوليين، وإنما حذفت فيهما تخفيفاً، وأتى بها في الجملة
الثالثة دلالة على إرادتها فيهما، ويرد على هذا القول أنه لو كان كذلك لكانت مذكورة في الجملة الأولى محذوفة في الجملة الثانية والثالثة، ليدل ذكرها أولا على حذفها بعد ذلك، كما سبق في سين الاستقبال، وقال الزمخشري وغيره: هى الواو التى تدخل على الجملة الواقعة صفة النكرة، كما تدخل على الصفة الواقعة حالا من المعرفة، تقول: جاءنى رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفى يده
سيف، ومنه قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هى التى أذنت، فإن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن، كما رجم غيرهم، والدليل عليه أن الله تعالى أتبع القولين الأولين قوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وأتبع القول الثالث
قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال ابن عباس رضى الله عنه: وقعت الواو لقطع العدد، أي لم يبق بعدها عدد عاد يلتفت إليه.
ويثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات، وقال الثعلبى: هذه واو الحكم والتحقيق، وكأن الله تعالى حكى اختلافهم فتم الكلام
стр. 295
عند قوله سبعة، ثم حكم بأن ثامنهم كلبهم باستئنافه الكلام، فحقق ثبوت العدد الأخير لأن الثامن لا يكون إلا بعد السبعة، فعلى هذا يكون قوله: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) من كلام الله تعالى حقيقة أو تقديراً، ويرد على هذا أن قوله تعالى بعد هذه الواو: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) وقوله تعالى: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ويدل على بقاء الابهام وعدم زوال اللبس بهذه الواو.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) وقال في موضع آخر: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) ويلزم من تبديل الآية بالآية تبديل الكلمات فكيف الجمع بينهما ؟
قلنا: معنى الأول لا مغير للقرآن من البشر، وهو جواب لقولهم للنبى ﵊: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)
الثانى: أن معناه لا خلف لمواعيده ولا مغير لحكمه، ومعنى الثانى النسخ والتبديل من الله تعالى فلا تنافى بينهما.
* * *
فإن قيل: قول تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) اباحة واطلاق للكفر؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنه: معناه فمن شاء ربكم فليؤمن ومن
стр. 296
شاء ربكم فليكفر، يعنى لا إيمان ولا كفر إلا بمشيئة الله تعالى، الثانى: أنه تهديد ووعيد، الثالث: أن معناه لا تنفعون الله بإيمانكم ولا تضرونه بكفركم، فهو إظهار للغنى لا إطلاق للكفر.
* * *
فإن قيل: لبس الأساور في الدنيا عيب للرجال، ولهذا لا يلبسها من يلبس الذهب والحرير من الرجال، فكيف وعدها الله تعالى المؤمنين في الجنة؟
قلنا: كانت عادة ملوك الفرس والروم لبس الأساور والتيجان مخصوصين بها دون من عداهم، فلذلك وعدها الله تعالى المؤمنين في الجنة لأنهم ملوك الآخرة.
* * *
فإن قيل: كيف أفرد تعالى الجنة بعد التثنية فقال: (ودخل جنته) ؟
قلنا: أفردها ليدل على الحصر، معناه ودخل ما هو جنته لا جنة له غيرها ولا نصيب له في الجنة التى وعد المتقون، بل ما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد جنة معينة منهما بل جنس ما كان له.
* * *
فإن قيل: كيف قال الأخ المؤمن لأخيه: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) وهذا تعريض بأن أخاه مشرك، وليس في كلام أخيه ما يقتضى الشرك، بل الكفر وهو قوله تعالى: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)
стр. 297
قلنا: إشراك أخيه الذي عرض له به هو اعتقاده أن زكاة جنته ونماءها بحوله وقوته، ولهذا قال له: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ولهذا قال هو أيضاً لما أصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) اعترف بالشرك.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله: "أنا" في قوله: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ) ؟
قلنا: "أنا" في مثل هذا الموضع يفيد الخبر في المخبر عنه، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) وقوله: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ) ونظائره كثيرة.
* * *
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وكذا كل ما أشبهه مما جاء في القرآن العزيز، فقال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً)
و (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) و (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)
стр. 298
كيف تحقيق معناه؟
قلنا: دون تستعمل في كلام العرب بمعنى غير، كقولهم: لفلان مال دون هذا، ومن دون هذا أي غير هذا ونظيره قوله تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) أي من غيره، وتستعمل أيضاً بمعنى قبل كقولهم: المدينة دون مكة أي قبلها، ومن دونه حرط القتاد، ولا أقوم من مجلس دون أن تجيء، ولا أفارقك دون أن تعطينى حقى.
وما أعلم أنها جاءت في القرآن العزيز بمعنى قبل، بل بمعنى غير فقط.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) يعنى في يوم القيامة أو في مقام الآخرة، والولاية بكسر الواو السلطان والملك، وبفتح الواو التولى والنصرة، وكل ذلك لله تعالى في الدنيا والآخرة، يعز من يشاء ويذل من يشاء، وينصر من يشاء ويخ ذل من يشاء، ويتولى من يشاء بحراسته وحفظه، فما فائدة تخصيص يوم القيامة؟
قلنا: فائدته أن الدعاوى المجازية كثيرة في الدنيا، ويوم القيامة تنقطع كلها ويسلم الملك لله تعالى عن كل منازع، وقد سبق نظير هذا السؤال في سورة الأنعام في قوله تعالى (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) أى
стр. 299
عاقبة، وغير الله تعالي لا يثيب ليكون الله تعالي خيراً منه ثوبا؟
قلنا: هنا على الغرض والتقدير معناه: لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل، ولكانت طاعته أحمد عاقبة وخيراً من طاعة غيره.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ) بلفظ الماضي وما قبله مضارعان، وهما قوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً) أي لا شيء عليها يسترها كما كان في الدنيا ؟
قلنا: للدلالة على أن حشرهم كان قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال وتلك العظائم، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) مع أنه أخبر أن الصغائر تكفر بأجتناب الكبائر بقوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ؟
قلنا: الأية الأولى في حق الكافرين بدليل قوله تعالى: (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) والمراد بهم هنا الكافرون، كذا قاله مجاهد، وقال غيره: كل مجرم في القرآن فالمراد به الكافر، والآية الثانية المراد بها المؤمنون لأن اجتناب الكبائر لا يكون متحققاً مع وجود الكفر.
الثانى: لو ثبت أن المراد بالمجرم مطلق الذنب لم يلزم التناقض لجواز أن تكتب الصغائر ليشاهدها العبد يوم القيامة، ثم تكفر عنه
стр. 300
فيعلم قدر نعمة العفو، فإن أكثر الذنوب يناسها العبد خصوصا الصغائر.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) يدل على أنه من الجن، وقوله تعالى في موضع آخر: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) يدل على أنه من الملآئكة، فكيف الجمع بينهما ؟
قلنا: فيه قولان: احدهما: أنه من لجن عملا بظاهر هذه
الآية، ولأن له ذرية قال الله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي) والملآئكة لا ذرية لهم، ولأنه أكفر الكفرة وأفسق الفسقة، والملآئكة معصومون عن الكبائر لأنهم رسل الله وعن المعاصى مطلقاً لأنهم عقول مجردة بغير شهوة، ولا معصية إلا عن شهوة، ويؤيده قوله تعالى:
(لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقال تعالى: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) "يعنى الملآئكة" فكيف يكون إبليس منهم ويؤمر بالسجود فيمتنع.
فعلى هذا يكون استثناءه من الملآئكة استثناء من غير الجنس أو يكون استثناء من جنس المأمورين بالسجود لا من جنس الملآئكة،
стр. 301
ويكون التقدير: وإذ قلنا للملآئكة وإبليس اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس، كما تقول: أمرت إخوتى وعبدى بكذا فأطاعونى إلا عبدى، والعبد ليس من الأخوة ولا داخلا فيهم إلا من حيث شملهم الأمر بالفعل معهم، فهذا كذلك، القول الثانى: أنه كان من الملآئكة قبل أن
يعصى الله فلما عصاه مسخه شيطاناً، روى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنه فيكون معنى قوله تعالى: "كان من الجن صار من الجن) لمخالفته فتكون كان بمعنى صار، وقيل: معناه كان من الجن في سابق علم الله تعالى، وهذان القولان يدلان على أنه كان من الملآئكة قبل المعصية، وروى عنه أيضاً أنه كان من خزان الجنة، وهم جماعة من الملآئكة يسمون الجن، فعلى هذا يكون قوله تعالى (من الجن) أي من الملائكة الذين هم خزان الجنة (ففسق عن أمر ربه) بمخالفته فيكون استثناء من الجنس، وقال الزمخشري في سورة البقرة في قوله تعالى: (فسجدوا إلا إبليس) هو استثناء متصل لأنه كان جنياً واحداً بين أظهر الألوف من الملآئكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله تعالى: (فسجدوا) قلت: وفى هذا التعليل نظر، ثم قال بعده: ويجوز أن يجعل منقطعاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي) والأولياء: الأصدقاء والأحباب وهم ضد الأعداء، ويؤيده
стр. 302
قوله تعالى: (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) وليس من الناس أحد يحب إبليس وذريته ويصادقهم؟
قلنا: المراد بالمولاة هنا إجابة الناس لهم فيما يأمرونهم به من المعاصي، ويوسوسون في صدورهم وطاعنهم إياهم، فالمولاة مجاز عن هذا لأنه من لوازمها.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) أي لم تجب الأصنام المشركين، فنفى عن الأصنام النطق، وقال تعالى في سورة النحل: (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَ كَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ)
يعنى فكذبتهم الأصنام فيما قالوا فأثبت لهم النطق فكيف الجمع بينهما؟
قلنا: المراد بقول تعالى هنا: (نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) أي نادوهم للشفاعة لكم أو لدفع العذاب عنكم، فدعوهم فلم يجيبوهم لذلك، فنفى عنهم النطق بالاجابة إلى الشفاعة ودفع العذاب عنهم.
وفى سورة النحل أثبت لهم النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم، فلا تناقض بين المنفى والمثبت.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: "شركائى " وقال في سورة النحل:
стр. 303
"شركائهم"؟
قلنا: قوله تعالى: "شركائى" معناه في زعمكم واعتقادكم، ولهذا قال: "شركائى الذين زعمتم " أو أخرجه مخرج التهكم بهم كما قال المشركون للنبى ﷺ : (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) وقوله تعالى: "شركاءهم " يعنى آلهتهم التى جعلوها شركاء، فأضافتها إلى الله تعالى لجعلهم إياها شركاء له.
وإضافتها إليهم لجعلهم: إياها شركاء، والإضافة تصح بأدنى ملابسه لفظية أو معنوية فصحت الإضافتان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (نسيا حوتهما) والناسى إنما كان يوشع وحده بدليل قوله لموسى ﵊ معتذراً: (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) أي قصة الحوت وخبره: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) ؟
قلنا: أضيف النسيان إليهما مجازاً، والمراد أحدهما قال الفراء: نظيره قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإنا يخرج من البحر المالح لا من العذب وقيل: نسى موسى ﵊ تفقد الحوت، ونسى يوشع أن يخبره خبره، وذلك أنه كان حوتاً مملوحاً في مكتل قد تزوداه، فلما أصبابه من ماء عين الحوت
стр. 304
رشائش حى وأنسل من المكتل وسلك في البحر، ويوشع يراه، وكان موسى قد ذهب لقضاء حاجة فعزم يوشع أن يخبره بما رأى من أمر الحوت، فلما جاء موسى نسى أن يخبره، ونسى موسى تفقد الحوت والسؤال عنه.
* * *
فإن قيل: هذا التفسير يدل على أن النسيان من يوشع أو منهما كان بعد حياة الحوت وذهابه في البحر، وظاهر الآية يدل على أن النسيان كان سابقاً على ذهابه في البحر متصلا ببلوغ مجمع البحرين لقوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَ ا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) ؟
قلنا: في الآية تقديم وتأخير تقديره: فلما بلقا مجمع بينهما اتخذ الحوت سبيله في البحر سرباً فنسيا حوتهما.
* * *
فإن قيل: كيف نسى يوشع مثل هذه الأعجوبة العظيمة في مدة يسيرة بل في لحظة، واستمر به النسيان يومه ذلك وليلته إلى وقت الغداء من اليوم الثانى، ومثل ذلك لا ينسى مع تطاول الزمان، كيف وقد كان الله تعالى جعل فقدان الحوت علامة لهما على وجدان
الخضر، على ما نقل أن موسى سأل الله تعالى علامة على موضع وجدانه، فأوحى الله إليه أن خذ معك حوتاً في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم؟
قلنا: سبب نسيانه أنه كان قد اعتاد مشاهدة المعجزات من موسى ﵊، واستأنس بها، فكان إلفه لمثلها من خوارق العادات سبباً لقلة اهتمامه بتلك الأعجوبة وعدم اكتراثه لها.
стр. 305
فإن قيل: كيف قال تعالى: (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) بغير فاء، و (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ) بالفاء ؟
قلنا: جعل خرفها جزاءاً للشرط فلم يحتج إلى الفاء كقولك: إذا ركب زيد الفرس عقره، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط فعطفه عليه بالفاء والجزاء، قال: "أقتلت " كقولك: ركب زيد الفرس فعقره، قال له صاحبه: أعقرته؟
* * *
فإن قيل: كيف خولف بين القصتين؟
قلنا: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقتل الغلام تعقب لقاءه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى في قصة الغلام: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) وفى قصة السفينة: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْراً) ؟
قلنا: قيل: إمراً معناه منكراً فعلى هذا لا فرق في المعنى، لأن النكر والمنكر بمعنى واحد، وقيل: الإمر العجب أو الداهية وخرق السفينة كان أعظم من قتل نفس واحدة، لأن في الأول هلاك كثيرين، وقيل: النكر أعظم من الإمر فمعناه جئت شيئاً أنكر من الأول، لأن ذلك كان يمكن تداركه بالسد، وهذا لا يمكن تداركه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى في قصة السفينة: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ) .
стр. 306
وفى قصة الغلام: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ) ؟
قلنا: لقصد زيادة المواجهة بالعتاب على رفض الوصية مرة ثانية، وللتنبيه على تكرر ترك الصبر والثبات.
* * *
فإن قيل: ما فائدة إعادة ذكر الأهل في قوله تعالى: (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) وهلا قال: "استطعماهم " لأنه قد سبق ذكر الأهل مرة ؟
قلنا: فائدة إعادة التوكيد لا غير.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) نسب الإرادة إلى الجماد، وهى من صفات من يعقل؟
قلنا: هذا مجاز بطريق المشابهة، لأن الجدار بعد مشارفته ومداناته للانقضاض والسقوط شأن من يعقل ويريد في تهيئه للسقوط، فظهرت منه هيئة السقوط كما يظهر ممن يعقل ويريد، فنسبت إليه الإرادة مجازاً بطريق المشابهة في الصورة، وقد أضافت العرب أفعال العقلاء إلى ما لا يعقل مجازاً قال الشاعر:
يربد الرمح صدر أبى براء. . . ويعدل عن دماء بنى عقيل
(وقال حسان) :
إن دهراً يلف شملى بحمل. . . لزمان يهم بالاحسان
ومن أمثالهم: تمرد مارد وعز الأبلق، ومنه قوله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ)
стр. 307
وقوله: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) وقوله: (أتينا طائعين) ونظائره كثيرة.
* * *
فإن قيل: لأى سبب لم يفارقه الخضر ﵊ عند الاعتراض الأول والثانى، وفارقه عند الثالث ؟
قلنا: لوجهين أحدهما أن موسى ﵊ شرط على الخضر ترك مصاحبته على تقدير وجود الاعتراض الثالث، وقد وجد فكان راضياً به، الثانى: أن اعتراض موسى ﵊ في المرة الأولى والثانية كان تورعاً وصلابة في الدين، واعتراضه في المرة الثالثة كان لهوى نفسه وشهوة بطنه فأعقبه هواه هوانا.
* * *
فإن قيل: قوله: (فأردت أن أعيبها) علته خوف الغضب فكان حقه أن يتأخر عن علته فلم قدم عليها؟
قلنا: هو متأخر عنه لأن علة تعييبها أو علة إرادته تعييبها خوف الغضب، وخوف الغضب سابق لأنه الحامل للخضر ﵊ على ما فعله، وفى قراءة أبى وعبد الله رضى ألله عنهما:
"كل سفينة صالحة " لابد من إضمار هذه الزيادة على قراءة الجمهور وإلا لم يفد الخرق.
* * *
فإن قيل: الشمس في السماء الرابعة وهى بقدر كرة الأرض مائة
стр. 308
وستين مرة، وقيل مائة وخمسين مرة، وقيل مائة وعشرون مرة، فكيف تسعها عين في الأرض حتى أخبر الله تعالى عن ذى القرنين أن: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) أو "حامية " على اختلاف القراءتين؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: "وجدها" أي في زعمه وظنه، كما يرى راكب البحر إذا لجج فيه وغابت عنه الأطراف والسواحل أن الشمس تطلع من البحر وتغرب فيه فذو القرنين انتهى إلى آخر البنيان في جهة الغرب فوجد عيناً حمئة واسعة عظيمة فظن أن الشمس تغرب فيها.
* * *
فإن قيل: ذو القرنين كان نبياً أو تقياً حكيماً على اختلاف القولين، فكيف خفى عليه هذا حتى وقع في ظن المستحيل الذي لا يقبله العقل ؟
قلنا: الأنبياء والأولياء والحكماء ليسوا معصومين عن ظن الغلط والخطأ، وإن كانوا معصومين عن كبائر الذنوب ألا ترى إلى ظن موسى ﵊ فيما انكره على الخضر ﵊ في القضايا الثلاث، وظنه أنه يرى الله تعالى في الدنيا.
وهو من كبار الأنبياء، وكذلك يونس ﵊ على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) وكان الواقع بخلاف ظنه، الثانى: أن الله تعالى قادر على تصغير جرم الشمس وتوسيع العين الحميئة وكرة الأرض، بحيث تسع عين الماء عين الشمس فلم لا يجوز أن يكون قد وقع ذلك، ولم نعلم به لقصور علمنا عن
стр. 309
الإحاطة بذلك؟
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) يدل على أنه كان نبياً لأن الله تعالى خاطبه ؟
قلنا: من قال أنه ليس نبياً يقول هذا الخطاب له كان بواسطة النبى الموجود في زمانه، كما في قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) وما أشبهه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا في حق الكفار: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) أي فلا ينصب لهم ميزاناً لأن الميزان إنما ينصب لتوزن به الحسنات بمقابلة السيئات، والكافر لا حسنة له ولا طاعة لقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورً) وقال في موضع آخر: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) أي فمسكنه النار فأثبت له ميزاناً؟
قلنا: معنى قوله تعالى: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) أي لا يكون لهم عندنا قدر (ولا خاطر) لخستهم وحقارتهم، ولو كان معناه ما ذكرتم يكون المراد بقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) من غلبت سيئاته على حسناته من
стр. 310
المؤمنين، فإنه يسكن في النار، ولكن لا يخلد فيها، بل بقدر ما يمحص عنه ذنوبه فلا تنافى بينهما.
стр. 311
سورة مريم ﵍
* * *
فإن قيل: النداء الصوت والصياح يقال ناداه نداء أي صاح به، فكيف وصفه تعالى بكونه خفياً ؟
قلنا: النداء هنا الدعاء، وإنما أخفاه ليكون أقرب إلى الإخلاص، أو لئلا يلام على طلب الولد بعد الشيخوخة، أو لئلا يعاديه بنو عمه ويقولوا لو كره أن نقوم مقامه بعده فسأل ربه الولد لذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال، تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) والنبى لا يورث لقوله ﵊: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة؟
قلنا: المراد بقوله: "يرثنى " أي يرثنى العلم والنبوة، ويرث من آل يعقوب الملك، وقيل: الأخلاق، فأجابه الله تعالى إلى ولى وراثة العلم والنبوة والأخلاق دون الملك، وألمراد بقوله ﷺ :
"لا نورث" المال، ويؤيده قوله: "ما تركناه صدقة " ويعقوب هنا أبو يوسف، وقيل: بل هو أخو زكريا، وقيل: لا بل هو أخو عمران الذي هو أبو مريم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) فعدى الفعل في الأول بنفسه، وفى الثانى بحرف الجر وهو واحد؟
قلنا: يقال ورثه وورث منه، فجمع بين اللغتين وقيل: (من) هنا للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء.
* * *
فإن قيل: كيف طلب الولد بقوله (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا)
стр. 312
أى ولداً صالحاً، فلما بشره الله تعالى به بقوله: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ ... الآية) استبعد ذلك وتعجب منه وأنكره
بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ ... الآية) ؟
قلنا: لم يكن ذلك عن طريق الإنكار والاستبعاد، بل ليجاب بما أجيب به فيزداد الموقنون إيقاناً ويرتدع المبطلون، والا فمعتقد زكريا أولا وأخراً كان على منهاج واحد في أن الله تعالى غنى عن
الأسباب، الثانى: أنه قالى ذلك تعجب فرح وسرو لا تعجب إنكار واستبعاد، الثالث: قيل: إنه قال ذلك استفهاماً عن الحالة التى يهبه الله تعالى فيها الولد، أيهبه في حالة الشيخوخة أم يرده إلى حالة الشباب ثم يهبه، ولكن هذا الجواب لا يناسبه ما أجيب به زكريا ﵊ بعد استفهامه.
* * *
فإن قيل: كيف طلب العلامة على وجود الولد بعد ما بشره الله تعالى به، أكان عنده شك بعد بشارة الله تعالى في وجوده حتى طلب العلامة ؟
قلنا: إنما طلب العلامة على وجود الحمل ليبادر إلى الشكر، ويتعجل السرور، فإن الحمل لا يظهر في أول العلوق بل بعد مدة.
فأراد معرفته أول ما يوجد، فجعل الله تعالى آية وجود الحمل عجزه عن الكلام، وهو سوي الجوارح ما به خرس ولا بكم.
* * *
فإن قيل: كيف قالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)
стр. 313
وإنما يتعوذ من الفاسق لا من التقى؟
قلنا: معناه إن كنت ممن يتقى الله ويخشاه، فستنتهى عنى بتعوذى به منك، فمعنى أعوذ أحصل على ثمرة التعوذ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما إنه كان في زمانها رجل إسمه تقى، ولم يكن تقياً بل كان فاجراً، فظنته إياه فتعوذت منه، والقول الأول هو الذي عليه
المحققون، وقيل: هو على المبالغة معناه إنى أعوذ منك إن كنت تقياً) فكيف يكون حالى في القرب منك إلى الله تعالى إذا لم تكن تقياً) ؟
وقالوا: نظير هذا ما جاء في الخبر: نعم العبد صهيب
لو لم يخف الله لم يعصه) ، معناه أنه إذا كان بحال لو لم يخف الله تعالى لا يوجد منه عصيان، فكيف يكون حاله إذا خاف الله تعالى، وفى قراءة أبى وابن مسعود: إلا أن تكون تقياً.
* * *
فإن قيل: اتفق العلماء على أن الوحى لم ينزل على امرأة، ولم يرسل جبريل ﵊ برسالة إلى امرأة قط، ولهذا قالوا في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) أنه كان وحى إلهام، وقيل: وحى منام فكيف قال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) وقال: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) ؟
قلنا: لا نسلم أن الوحي لم ينزل على امرأة قط، فإن مقاتلا قال فى
стр. 314
قوله تعالى: " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ " أنه كان وحياً بواسطة جبريل ﵊، وإنما المتفق عليه بين العلماء أن جبريل ﵊ لم ينزل بوحى الرسالة على أمرأة لا بمطلق الوحى، وهنا لم ينزل على مويم بوحى الرسالة بل بالبشارة بالولد، ولهذا جاءها على صورة البشر: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) .
* * *
فإن قيل: ما وجه قراءة الجمهور: (لأهب لك) والواهب للولد هو الله تعالى لا جبريل ﵊ ؟
قلنا: قال ابن الأنبارى: معناه إنما أنا رسول ربك يقول لك أرسلت لك رسولى إليك لأهب لك، فيكون حكاية عن الله تعالى لا من قول جبريل ﵊، فيكون فعل الهبة مستنداً إلى الله تعالى لا إليه، الثانى: أن معناه لأكون سبباً في هبة الولد بواسطة النفخ في الدرع، فالإضافة إليه بواسطة السببية.
* * *
فإن قيل: كيف قالت: (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) ولم يقل بغية مع أنه
وصف مؤنث؟
قلنا: قال ابن الأنبارى: لما كان هذا الوصف غالباً على النساء وقلما تقول العرب رجل بغى، ولم يلحقوا به علامة التأنيث إجراء مجرى حائض وعاقر، وقال الأزهرى: لا يقال رجل بغى بل هو مختص بالمؤنث، ولام الكلمة ياء يقال بغت تبغى، فهو فعول عند المبرد
стр. 315
أصلها بغوى، قلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الغين اتباعاً، فهو كصبور وشكور في عدم دخول التاء، وقال ابن جنى في كتاب التمام: هى فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغو، كما قيل هو نهو عن المنكر، ثم قيل هى فعيل بمعنى فاعل فهى كقوله تعالى: (قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) وقال الأخفش: هى مثل ملحفة جديد فجعلها
بمعنى مفعول، وقيل: إنما لم يقل بغية مراعاة لبقية رؤوس الآيات.
* * *
فإن قيل: ما كان حزن مريم وقولها: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسرى والرطب، بل كان لخوف أن يتهمها أهلها بفعل الفاحشة ؟
قلنا: كان حزنها لمجموع الأمرين هو ما ذكرتم، وجدب مكانها الذي ولدت فيه، فإنه لم يكن فيه طعام ولا شراب ولا ماء يتطهر به، فكان إجراء النهر في المكان اليابس الذي لم يعهد فيه ماء، وأخراج الرطب من الشجرة اليابسة دافع لجهتى الحزن، أما دفع الجذب فظاهر، وأما دفع حزن التنمة فمن حيث إنهما معجزتان تدلان قومها
على عصمتها وبراءتهاً من السوء، وإن الله تعالى خصها بأمور إلهية خارجة عن العادة خارقة لها، فيتبين لهم أن ولادتها من غير فحل ليس ببدع من شأنها، ولا بعيد في قدرة الله تعالى المخرج في لحظة واحدة الرطب الجنى من النخلة اليابسة، (والمجرى للماء) بغتة في مكان لم يعهد فيه.
* * *
فإن قيل: كيف أمرها جبريل ﵊ إذا رأت إنساناً أن
стр. 316
تكلمه بعد النذر بالسكوت بقول: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ... الآية) وذلك خلف في النذر؟
قلنا: إنما أمرها بذلك لأنه تمام نذرها، فإنها لم تكن مأمورة بنذر مطلق السكوت حتى يندرج فيه الكف عن الذكر والتسبيح والدعاء ونحوها، بل بنذر السكوت عن تكليم الإنسى، وإذا كان تمام نذرها بقولها: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) لا تكون مكلمة للإنسى بعد تمام النذر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) وكل واحد كان في المهد صبياً ؟
قلنا: كان هنا زائدة وصبياً منصوب على الحال، لا على أنه خبر كان، تقديره كيف نكلم من في المهد في حال صباه، وقيل: كان بمعنى وقع ووجد (صبياً) منصوباً على الوجه الذي مر.
* * *
فإن قيل: خطاب التكليف في جميع الشرائع إنما يكون بعد البلوغ أو بعد التمييز والقدرة على فعل المأمور به، وعيسى ﵊ كان رضيعاً في المهد، فكيف خوطب بالصلاة والزكاة حتى قال: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) ؟
قلنا: تأخير الخطاب إلى غاية البلوغ وغيرها إنما كان ليحصل العقل والتمييز، وعيسى ﵊ كان واجداً للعقل والتمييز التام في تلك الحالة فتوجه نحوه الخطاب أن يفعلهما إذ قدر على
стр. 317
ذلك، ولهذا قيل: إنه أعطى النبوة في صباه أيضاً.
* * *
فإن قيل: الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وعيسى ﵊ لم يزل فقيراً لابس كساء مدة بقائه في الأرض، وعلم الله
تعالى ذلك من حاله، فكيف أوصاه بالزكاة؟
قلنا: المراد بالزكاة هنا تزكية النفس وتطهيرها من المعاصى لا زكاة المال.
* * *
فإن قيل: كيف جاء السلام في قصة يحيى ﵇ منكراً، وفى قصة عيسى ﵊ معرَّفاً ؟
قلنا: قد قيل إن النكرة والمعرفة في مثل هذا سواء لا فرق بينهما في المعنى، الثانى: أنه سبق ذكره في قصة يحيى ﵊ مرة، فلما أعيد ذكره أعيد معرفاً كقوله تعالى: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) كأنه قال ذلك
السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلى.
* * *
فإن قيل: كيف تكون الألف واللام في السلام للعهد، والأول سلام من الله تعالى على يحيى ﵊، والثانى: سلام على عيسى ﵊ على نفسة؟
قلنا: التعريف راجع إلى ماهية السلام ومواطنه لا إلى كونه واردا من عند الله تعالى.
* * *
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ)
وما أشبهه ومثل هذا إنما يستعمل إذا كان المأمور مختاراً في الذكر وعدمه، كما تقول لصاحبك وهو يكتب كتاباً اذكرنى في الكتاب أو
стр. 318
اذكر فلاناً في الكتاب، والنبى ﵊ ما كان بسبيل الزيادة أو النقصان في الكتاب ليوصى بمثل ذلك؟
قلنا: هذا على طريق التأكيد في الأمر بالابلاغ، كتأكيد الملك على رسوله بإعادة بعض فصول الرسالة وتخصيصها بالأمر بالابلاغ.
* * *
فإن قيل: الاستغفار للكافرين لا يجوز، فكيف وعد إبواهيم ﵊ أباه بالاستغفار له بقرله: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) ؟
قلنا: معناه سأسأل الله لك توبة بها مغفرة، يعنى الإسلام والاستغفار والاستسلام والاستغفار للكافر بهذا الطريق جائز وهو أن يقال اللهم وفقه للاسلام، أو اللهم تب عليه، وأهده وارشده وما أشبه ذلك، الثانى، أنه وعده ذلك بناء على أنه يسلم فيستغفر له بعد الإسلام، الثالث: أنه وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر، فإن تحريم ذلك قضية شرعية إنما تعرف بالسمع لا عقلية، فإن العقل لا يمنع من ذلك.
* * *
فإن قيل: الطور وهو الجبل ليس له يمين ولا شمال، فكيف قوله تعالى: (مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) ؟
قلنا: خاطب الله تعالى العرب بما هو معروف في استعمالهم، فإنهم يقولون عن يمين القبلة وشمالها، يعنون ما يلى يمين المستقبل لها وشماله، لأن القبلة لا يدلها ليكون لها يمين وشمال، وفى هذا اتساع منهم في الكلام لعدم اللبس، فالمراد بالأيمن هنا ما عن يمين موسى ﵊ من الطور لأن النداء جاء من قبل يمينه، هذا إن
стр. 319
كان الأيمن ضد الأيسر من اليمين، وإن كان من اليمن وهو البركة من قولهم: يمن فلان قومه فهو يأمن أي كان مباركاً عليهم، فلا إشكال لأنه يصير معناه من جانب الطور المبارك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) وهارون كان أكبر من موسى عليهما الصلاة والسلام فما معنى هبته له ؟
قلنا: معناه أن الله تعالى أنعم على موسى ﵊ باجابته دعوته فيه، حيث قال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي..... الآية) فقال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) فالمراد بالهبة جعله عضداً له وناصراً ومعيناً، كذا فسره ابن عباس رضى الله عنهما.
* * *
فإن قيل: كيف (وصف) الله تعالى النبيين المذكورين في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ.... الاية) بقوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) فالمراد بآيات الرحمن القرآن، والقرآن لم يتل على أحد من الأنبياء المذكورين؟
قلنا: آيات الرحمن غير مخصوصة بالقرآن، بل كل كتاب أنزله الله
стр. 320
تعالى ففيه آياته، ولو سلمنا أن المراد بها القرآن فنقول: إن المراد بقول تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) محمد ﷺ وأمته.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) يدل على أن ترك الصلاة واضاعتها كفر، لأنه شرط في توبة مضيعها الإيمان؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما: المراد بهؤلاء الخلف هنا اليهود تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا إنكاح الأخت من الأب.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) ولم يقل آتيا كما قال تعالى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ) ؟
قلنا: المراد بوعده موعوده وهى الجنة، وهى مأتية يأتيها أولياؤه، الثانى: أن مفعولا هنا بمعنى فاعل كما في قوله تعالى: (حِجَابًا مَسْتُورًا) أي ساتراً.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) وقوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
следующие страницы →