← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تكلمه بعد النذر بالسكوت بقول: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ... الآية) وذلك خلف في النذر؟ قلنا: إنما أمرها بذلك لأنه تمام نذرها، فإنها لم تكن مأمورة بنذر مطلق السكوت حتى يندرج فيه الكف عن الذكر والتسبيح والدعاء ونحوها، بل بنذر السكوت عن تكليم الإنسى، وإذا كان تمام نذرها بقولها: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) لا تكون مكلمة للإنسى بعد تمام النذر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) وكل واحد كان في المهد صبياً ؟ قلنا: كان هنا زائدة وصبياً منصوب على الحال، لا على أنه خبر كان، تقديره كيف نكلم من في المهد في حال صباه، وقيل: كان بمعنى وقع ووجد (صبياً) منصوباً على الوجه الذي مر. * * * فإن قيل: خطاب التكليف في جميع الشرائع إنما يكون بعد البلوغ أو بعد التمييز والقدرة على فعل المأمور به، وعيسى ﵊ كان رضيعاً في المهد، فكيف خوطب بالصلاة والزكاة حتى قال: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) ؟ قلنا: تأخير الخطاب إلى غاية البلوغ وغيرها إنما كان ليحصل العقل والتمييز، وعيسى ﵊ كان واجداً للعقل والتمييز التام في تلك الحالة فتوجه نحوه الخطاب أن يفعلهما إذ قدر على

стр. 317

ذلك، ولهذا قيل: إنه أعطى النبوة في صباه أيضاً. * * * فإن قيل: الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وعيسى ﵊ لم يزل فقيراً لابس كساء مدة بقائه في الأرض، وعلم الله تعالى ذلك من حاله، فكيف أوصاه بالزكاة؟ قلنا: المراد بالزكاة هنا تزكية النفس وتطهيرها من المعاصى لا زكاة المال. * * * فإن قيل: كيف جاء السلام في قصة يحيى ﵇ منكراً، وفى قصة عيسى ﵊ معرَّفاً ؟ قلنا: قد قيل إن النكرة والمعرفة في مثل هذا سواء لا فرق بينهما في المعنى، الثانى: أنه سبق ذكره في قصة يحيى ﵊ مرة، فلما أعيد ذكره أعيد معرفاً كقوله تعالى: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) كأنه قال ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلى. * * * فإن قيل: كيف تكون الألف واللام في السلام للعهد، والأول سلام من الله تعالى على يحيى ﵊، والثانى: سلام على عيسى ﵊ على نفسة؟ قلنا: التعريف راجع إلى ماهية السلام ومواطنه لا إلى كونه واردا من عند الله تعالى. * * * فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ) وما أشبهه ومثل هذا إنما يستعمل إذا كان المأمور مختاراً في الذكر وعدمه، كما تقول لصاحبك وهو يكتب كتاباً اذكرنى في الكتاب أو

стр. 318

اذكر فلاناً في الكتاب، والنبى ﵊ ما كان بسبيل الزيادة أو النقصان في الكتاب ليوصى بمثل ذلك؟ قلنا: هذا على طريق التأكيد في الأمر بالابلاغ، كتأكيد الملك على رسوله بإعادة بعض فصول الرسالة وتخصيصها بالأمر بالابلاغ. * * * فإن قيل: الاستغفار للكافرين لا يجوز، فكيف وعد إبواهيم ﵊ أباه بالاستغفار له بقرله: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) ؟ قلنا: معناه سأسأل الله لك توبة بها مغفرة، يعنى الإسلام والاستغفار والاستسلام والاستغفار للكافر بهذا الطريق جائز وهو أن يقال اللهم وفقه للاسلام، أو اللهم تب عليه، وأهده وارشده وما أشبه ذلك، الثانى، أنه وعده ذلك بناء على أنه يسلم فيستغفر له بعد الإسلام، الثالث: أنه وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر، فإن تحريم ذلك قضية شرعية إنما تعرف بالسمع لا عقلية، فإن العقل لا يمنع من ذلك. * * * فإن قيل: الطور وهو الجبل ليس له يمين ولا شمال، فكيف قوله تعالى: (مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) ؟ قلنا: خاطب الله تعالى العرب بما هو معروف في استعمالهم، فإنهم يقولون عن يمين القبلة وشمالها، يعنون ما يلى يمين المستقبل لها وشماله، لأن القبلة لا يدلها ليكون لها يمين وشمال، وفى هذا اتساع منهم في الكلام لعدم اللبس، فالمراد بالأيمن هنا ما عن يمين موسى ﵊ من الطور لأن النداء جاء من قبل يمينه، هذا إن

стр. 319

كان الأيمن ضد الأيسر من اليمين، وإن كان من اليمن وهو البركة من قولهم: يمن فلان قومه فهو يأمن أي كان مباركاً عليهم، فلا إشكال لأنه يصير معناه من جانب الطور المبارك. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) وهارون كان أكبر من موسى عليهما الصلاة والسلام فما معنى هبته له ؟ قلنا: معناه أن الله تعالى أنعم على موسى ﵊ باجابته دعوته فيه، حيث قال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي..... الآية) فقال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) فالمراد بالهبة جعله عضداً له وناصراً ومعيناً، كذا فسره ابن عباس رضى الله عنهما. * * * فإن قيل: كيف (وصف) الله تعالى النبيين المذكورين في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ.... الاية) بقوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) فالمراد بآيات الرحمن القرآن، والقرآن لم يتل على أحد من الأنبياء المذكورين؟ قلنا: آيات الرحمن غير مخصوصة بالقرآن، بل كل كتاب أنزله الله

стр. 320

تعالى ففيه آياته، ولو سلمنا أن المراد بها القرآن فنقول: إن المراد بقول تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) محمد ﷺ وأمته. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) يدل على أن ترك الصلاة واضاعتها كفر، لأنه شرط في توبة مضيعها الإيمان؟ قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما: المراد بهؤلاء الخلف هنا اليهود تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا إنكاح الأخت من الأب. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) ولم يقل آتيا كما قال تعالى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ) ؟ قلنا: المراد بوعده موعوده وهى الجنة، وهى مأتية يأتيها أولياؤه، الثانى: أن مفعولا هنا بمعنى فاعل كما في قوله تعالى: (حِجَابًا مَسْتُورًا) أي ساتراً. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) وقوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)

стр. 321

يدل من حيث المفهوم أن غير المتقين لا يدخلون الجنة؟ قلنا: المراد بالتقوى هنا التقوى من الشرك، وكل المؤمنين سواء في ذلك. * * * فإن قيل: ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال من دعوتهم الولد لله تعالى، ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات ؟ قلنا: معناه أن الله تعالى يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً على قائلها لولا حلمى وامهالى. فإنى لا أعجل بالعقوبة كما قال الله : (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) يعنى أن تخر على المشركين وتنشق الأرض بهم، ويدل على هذا قوله تعالى في آخر الآية: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورً) ، الثانى: أن يكون استعظاماً لقبح هذه الكلمة وتصويراً لأثرها في الدين، وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات أن يصيب هذه الأجسام العظيمه التى هى قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا في صفة الشرك: (كَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) وهذا يدل على قوة كلمة الشرك وشدتها، وقال تعالى في سورة إبراهيم ﵊ في صفة كلمة الشرك: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)

стр. 322

والمراد بالكلمة الخبثةكلمة الشرك، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: وبالشجرة الخبثة شجرة الحنظل، كذا قاله رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على ضعف كلمة الشرك وتلاشيها واضمحلالها، فكيف التوفيق بينهما؟ قلنا: وصفت كلمة الشرك في سورة إبراهيم ﵊ بالضعف، وهنا بالقبح والفظاعة فلا تنافى بينهما. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) والإحصاء العد على ما نقله الجوهرى، أو الحصر على ما نقله بعض أئمة التفسير، كماسبق ذكره في سورة إبراهيم ﵊ في قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) فإن كان الاحصاء العد فهو تكرار وإن كان الحصر فذكره مغنن ذكر العدد، لأن الحصر لايكون إلا بعد معرفة العدد؟ قلنا: الاحصاء قد جاء بمعنى العلم أيضا، ومنه قوله تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) أي علم عدد كل شيء وقال الشاعر: وكن للذى لم تحصه متعلما. . . وأما الذي أحصيت منه فعلم وهو المراد هنا، فيصير المعنى لقد علمهم أي علم أفعالهم وأقوالهم

стр. 323

وكل ما يتعلق بذواتهم وصفاتهم وعددهم فلا تكرار، ولا استغناء عن ذكر العدد.

стр. 324

سورة طه ﵊ * * * فإن قيل: كيف حكى الله تعالى قول موسى ﵊ لأهله عند رؤية النار في هذه السورة، وفى سورة النمل، وفى سورة القصص بعبارات مختلفة، وهذه القضية لم تقع إلا مرة واحدة، فكيف اختلفت (عبارات) موسى ﵊ فيها ؟ قلنا: قد سبق في سورة الأعراف في قصة موسى ﵊ مثل هذا السؤال والجواب المذكور ثم هو الجواب هنا. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا) ظاهر اللفظ نهى من لا يؤمن بالساعة عن صد موسى ﵊ عن الإيمان بها، والمقصود هو نهى موسى عن التكذيب بها، فكيف تنزيله؟ قلنا: معناه كن شديد الشكيمة في الدين، صليب المعجم لئلا يطمع في صدك عن الإيمان بها من لا يؤمن بها، وهذا كقولهم: لا أرينك هنا معناه لا تدن منى ولا تقرب من حضرتى لئلا أراك، ففى الصورتين النهى متوجه إلى المسبب والمراد به النهى عن السبب. وهو القرب منه والجلوس بحضرته إنه سبب رؤيته وكذلك لين موسى ﵊ في الدين وسلاسة قياده سبب لصدهم إياه. * * * فإن قيل: ما فائدة السؤال في قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) وهو أعلم بما في يده جملة وتفصيلا؟

стр. 325

قلنا: فائدته تأنيسه وتخفيف ما حصل عنده من دهشة الخطاب، وهيبة الاجلال وقت التكلم معه، كما يرى أحدنا طفلا قد دخلته هيبة واجلال وخوف وفى يده فاكهة أو غيرها فيلاطفه ويؤانسه بقوله: ما هذا في يدك؟ مع أنه عالم به، الثانى: أنه أراد بذلك أن يقرأ موسى ﵊ ويعترف بكونها عصا، ويزداد علمه بكونها عصا رسوخاً في قلبه، فلا يحوم حوله شك إذا قلبها ثعباناً إنها كانت عصا ثم انقلبت ثعباناً بقدرة الله تعالى، وأن يقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه فيتنبه على القدرة الباهرة، ونظيره أن يريك الزراد زبرة من حديد ويقول لك ما هذه؟ فتقول زبرة حديدثم يريك بعد أيام درعاً سابغة مسرورة ويقول هذه هى الزبرة صيرتها إلى ما تراه من عجب الصنعة وأنيق السرد. * * * فإن قيل: كيف زاد موسى ﵊ على حرف: الجواب وليس ذلك من شيمة البلغاء خصوماً في مخاطبة الملوك ؟ قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما: إنه لما قال: هى عصاى سئل سؤالاً ثانياً فقيل: ما تصنع بها؟ فأجاب بباقى الآية، الثانى: (أنه) إنما عدد فوائدها وبين حاجته إليها خوفاً من أن يؤمر بإلقائها كما أمر بإلقاء النعلين، الثالث: (أنه) ذكر ذلك لئلا

стр. 326

ينسب إليه العبث في حملها. * * * فإن قيل: كيف نقل أنها كانت تضيء له بالليل، وتدفع نه الهوام، وتثمر له إذا اشتهى الثمار فغرسها في الأرض من ساعتها، ويركزها فينبع الماء من مركزها، فإذا رفعها نضب، وكان يستقى بها فتطول بطول البئر وتقصر بقصرها، فهلا عدد هذه المنافع ؟ قلنا: كره أن يشتغل عن سماع كلام الله تعالى بتفصيل منافعها، ففصل البعض وأجمل الباقى بقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) والله أعلم بما أجمله، الثانى: (أنه) ذكر المنافع التى هى ألزم له وحاجته إليها أمس، وإن كانت المنافع التى أجملها أعجب وأغرب. * * * فإن قيل: قد ذكر الله تعالى عصى موسى ﵊ بلفظ الحية والثعبان والجان، وبين الثعبان والجان تناف، لأن الجان الحية الصغيرة كذا قاله ابن عرفه، والثعبان الحية العظيمة كذا نقله الأزهرى عن الزجاج وقطرب؟ قلنا: أراد بها في صورة الثعبان العظيم وصفة الحية الصغيرة وحركتها، ولهذا قال: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) ، الثانى: أنها كانت في أول انقلابها تنقلب حية صغيرة صغراء دقيقة ثم تتورم ويتزايد حجمها حتى تصير ثعباناً، فأريد بالجان أول حالها، وبالثعبان مآلها.

стр. 327

فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) وهذا لا بيان فيه ؟ قلنا: (أولا) : فائدته الإشارة إلى أنه ليس كل الأمور مما يوحى إلى النساء كالنبوة ونحوها بل بعضها، ثانيا: أنه للتأكيد كقوله تعالى: (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) فكأنه قال: إذ أوحينا إلى أمك إيحاء، ثالثا: أنه أبهمه أولا للتفخيم والتعظيم، ثم بينه وأوضحه بقوله تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ ... الآية) . * * * فإن قيل: كيف قدم هارون على موسى في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) وهارون كان وزيراً لموسى عليهما الصلاة والسلام وتبعاً له، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) ؟ قلنا: إنما قدمه ليقع موسى مؤخراً في اللفظ فتتناسب الفواصل، أعنى في رؤوس الآيات. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) والموت والحياة في صفات الإنسان نقيضان فكيف يرتفعان؟ قلنا: المراد لا يموت فيها موتاً يستريح به، ولا يحيى حياة تنفعه ويستلذ بها، الثانى: أن المراد لا يموت فيها موتاً متصلا ولا يحيى

стр. 328

حياة متصلة، بل كلما مات من شدة العذاب أعيد حياً ليذوق العذاب، هكذا سبعين مرة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا. * * * فإن قيل: الخوف والخشية واحد في اللغة، فكيف قال تعالى: (لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) ؟ قلنا: معناه لا تخاف دركاً أي لحاقاً من فرعون، ولا تخشى غرقاً في البحر كما تقول: لا تخاف زيداً ولا تخاف عمراً، ولو قلت: ولا عمراً صح وكان أوجز، ولكن إذا أعدت الفعل كان أكد، وأما في الآية فلما لم يكن مفعول الخشية مذكوراً ذكر الفعل ثانياً ليكون دليلا عليه، وخولف بين اللفظين رعاية للبلاغة، وقيل: معناه لا تخاف دركاً على نفسك، ولا تخشى دركاً على قومك، والأول عندى أحسن. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ) مغن عن قوله تعالى: (وَمَا هَدَى) ومفيد فوق فائدته، فكيف ذكر معه؟ قلنا: معناه وما هداهم بعدما أضلهم، فإن المضل قد يهدى بعد إضلاله، الثانى: أن معناه وأضل فرعون قومه وما هدى نفسه، الثالث: أن معناه وأضل فرعون قومه عن الدين، وما هداهم طريقاً في البحر، الرابع: أن قوله: "وما هدى" تهكم به في قوله لقومه: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ)

стр. 329

أضاف المواعدة إليهم والمواعدة إنما كانت لموسى ﵊، واعده الله تعالى جانب الطور الأيمن لإيتائه التوراة؟ قلنا: المواعدة وإن كانت لموسى ﵊ ولكنها لما كانت لإنزال الكتاب بسبب بنى اسرائيل وفيه بيان شريعتهم وأحكامهم وصلاح معاشهم ومعادهم أضيفت المواعدة إليهم بهذه الملابسة والاتصال. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) سؤال عن سبب العجلة، فإن موسى ﵊ لما وعده الله تعالى إنزال التوراة عليه في جانب الطور الأيمن وأراد الخروج إلى ميعاد ربه اختار من قومه سبعين رجلا يصحبونه إلى ذلك المقام ثم سبقهم شوقاً إلى ربه، وأمرهم بلحاقه فعوتب على ذلك، فكان الجواب المطابق أن يقول: طلبت زيادة رضاك أو الشوق إلى لقائك وتنجز وعدك، فكيف قدم ما لا يطابق السؤال، وهو قوله: (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) قلنا: ما واجهه به ربه تضمن شيئين إنكار العجلة في نفسها، والسؤال عن سببها، فبدأ موسى ﵊ بالاعتذار عما أنكره عليه بأنه لم يوجد منه إلا ما تقدم يسيراً لا يعتد به فى

стр. 330

العادة، كما يتقدم المقدم جماعته وأتباعه، ثم عقب العذر بجواب السؤال عن السبب. * * * فإن قيل: أليس أن أئمة اللغة قالوا العوج بالكسر في المعانى، وبالفتح في الأعيان، ولهذا قال ثعلب: تقول في الأمر والدين عوج، وفى العصا ونحوها عوج والجبال والأرض عين فكيف صح فيهما المكسور في قوله تعالى: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) ؟ قلنا: قال ابن السكيت: كل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه عوج بالفتح والعوج بالكسر ما كان في الأرض أو دين أو معاش فعلى هذا لا إشكال، الثانى: أنه أراد به نفى الاعوجاج الذي يدرك بالقياس الهندسى، ولا يدرك بحاسة البصر، وذلك اعوجاج لاحق بالمعانى، فلذلك قال فيه عوج بالكسر ومما يوضح هذا إنك لو سويت قطعة أرض غاية التسوية بمقتضى نظر العين بموافقة جماعة من البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم أمرت المهندس أن يعتبرها بالمقاييس الهندسية لوجد فيها عوجاً في غير موضع، ولكنه عوج لا يدرك بحاسة البصر، فنفى الله تعالى ذلك العوج الذي لطف ودق عن الإدراك، فكان لدقته وخفائه ملحقاً بالمعانى. * * * فإن قيل: إن الله تعالى أخبر أن آدم ﵊ نسى عهد الله ووصيته، وأكل من الشجرة بقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) وإذا كان فعل ذلك ناسياً فكيف وصفه بالعصيان

стр. 331

وبالضلال بقوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) وعاقبه عليه بأعظم أنواع العقوبة، وهو الاخراج من الجنة؟ قلنا: النسيان هنا يعنى الترك، كما في قوله تعالى: (إِنَّا نَسِينَاكُمْ) أي تركناكم في العذاب، وقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فمعناه أنه ترك عهد الله ووصيته فكيف يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر، وقد جرى بينه وبين إبليس من المناظرة والمجادلة في أكل الشجرة فصول كثيرة، منها قوله: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. . . الآية) فكيف يبقى مع هذا نسيان؟ * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (ولم يقل يقل فتشقيا) والخطاب لآدم وحواء ﵉ ؟ قلنا: لوجوه أحدها أن الرجل هو قيم أهله وأميرهم، فشقاؤه يتضمن شقاوهم، كما أن سعادته تتضمن سعادتهم، فاختصر الكلام بإسناد الشقاء إليه دونها لما كان متضناً له، الثانى: أنه إنما أسنده إليه دونهما للمحافظة على الفاصلة، الثالث: أنه أراد بالشقاء الشقاء فى طلب القوت واصلاح المعاش، وذلك وظيفة الرجل دون المرأة، قال سعيد بن جبير: أهبهط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فذلك شقاؤه.

стр. 332

فإن قيل: هل يجوز أن يقال كان آدم محامياً غاصياً أخذاً من قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) ؟ قلنا: يجوز أن يقال عصى آدم كما قال تعالى، ولا يجوز أن يقال كان آدم عاصياً، لأنه لا يلزم من جواز إطلاق الفعل جواز إطلاق اسم الفاعل، ألا ترى أنه يجوز أن يقال تبارك ألله ولايجوز أن يقال الله تبارك ونحو ذلك، ويجوز أن يقال تاب الله على آدم ولا يجوز أن يقال الله تائب ونظائره كثيره. * * * فإن قيل: أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية لا محل للقياس فيها، ولهذا يقال الله عالم، ولا يقال علامة، وإن كان هذا اللفظ أبلغ في الدلالة على معنى العلم، أما أسماء البشر وصفاتهم فقياسية فلم لا يجرى فيها على القياس المطرد؟ قلنا: هنا القياس ليس بمطرد في كلام البشر أيضاً ألا ترى أنهم قالوا ذره ودعه بمعنى اتركه، وفلان يذر ويدع ولم يقولوا منهما وذر ولا واذر ولا ودع ولا وادع فاستعملوا منهما الأمر والمضارع فقط، ولقائل أن يقول: هذا شاذ في كلام البشر، ونادر فلا يترك لأحجله القياس المطرد بل يجرى على مقتضى القياس. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) أي عن موعظتى أو ألقرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه) (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) أي حياة في ضيق وشدة. ونحن نرى المعرضين عن

стр. 333

الإيمان والقرآن في أخصب معيشة وأرغدها؟ قلنا: (قال ابن عباس رضى الله عنهما المراد بالمعيشة الضنك) ضنك الحياة في المعصية، وإن كان في رخاء، ونعمة، وروى عن النبى ﷺ "أنها عذاب القبر، الثانى: المراد بها عيشة في جهنم في الآخرة، الثالث: أن المراد بها عيشة مع الحرص الشديد على الدنيا وأسبابها، وهذه الآية في مقابلة قوله تعالى في سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) فكل ما ذكرناه في تفسير الحياة الطيبة فضده وارد في المعيشة الضنك. * * * فإن قيل: أي كلمة هى الكلمة التى سبقت من الله تعالى فكانت مانعة من تعذيب هذه الأمة في الدنيا عذاب الاستئصال حتى قال تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا) ؟ قلنا: قيل: هى قوله تعالى: (سبقت رحمتى غضبى) ويرد عليه أنه لا اختصاص لهذه الكلمة بهذه الأمة، وقيل: هى قوله تعالى للنبى ﷺ : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وقيل في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) يعنى لعالمى أمته بتأخير العذاب عنهم، وفى الآية تقديم وتأخير

стр. 334

تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، وهو الأجل الذي قدره الله تعالى بقاء للعالم وأهله إلى إنقضائه، لكان العذاب لزاماً أي لازماً لهم كما لزم الأمم التى قبلهم. * * * فإن قيل: أصحاب الصراط السوى والمهتدون واحد، فما فائدة التكرار في قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) ؟ قلنا: المراد بأصحاب الصراط ألسوى السالكون للصراط المستقيم السائرون عليه، والمراد بالمهتدون الواصلون إلى المنزل، وقيل: أصحاب الصراط السوى هم الذين ما زالوا على الصراط المستقيم، والمهتدون هم الذين لم يكونوا على الطريق المستقيم ثم صاروا عليه، وقيل: المراد بأصحاب الصراط السوى أهل دين الحق في الدنيا، وألمراد بمن أهتدى المهتدون إلى طريق الجنة في العقبى. فكأنه قاله: فستعلمون من المحق في الدنيا والفائز في الآخرة.

стр. 335

سورة الأنبياء ﵈ * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) وصفه بالقرب، وقد مضى من وقت هذا الإخبار أكثر من ستمائة عام ولم يوجد يوم الحساب بعد ؟ قلنا: معناه أنه قريب عند الله تعالى، وإن كان بعيد عند الناس، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا) وقال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) ، الثانى: أن معناه أنه قريب بالنسبة إلى ما مضى من الزمان، كما قال ﷺ : إن مثل ما بقى من الدنيا في جانب ما مضى كمثل خيط في ثوب، الثالث: أن المراد به قرب حساب كل واحد في قبره إذا مات، ويؤيده قوله ﷺ : من مات فقد قامت قيامته. الرابع: أن كل آت قرقيب وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، وإنما البعيد الذي وجد وانقرض، ولهذا يقول الناس إذا سافروا من بلد إلى بلد بعد ماولوا أظهرهم البلد الأول، البلد الثانى أقرب، وإن كان أبعد مسافة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) والذكر الآتى من الله تعالى هو القرآن، وهو قديم لا محدث؟ قلنا: المراد محدث إنزاله، الثانى: أن المراد به ذكر يكون غير القرآن من مواعظ الرسول ﷺ وغيره، ونسبته إلى

стр. 336

الله تعالى لأن موعظته كل واعظ بإلهامه وهدايته، الثالث: أن المراد بالذكر الذاكر، وهو الرسول ﷺ ، ويؤيده قوله تعالى في سياق الآية: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ) أي استمعوا ذكره أو موعظته * * * فإن قيل: النجوى المسارة فما معنى قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) ؟ قلنا: معناه بالغوا في إخفاء المسارة بحيث لم يفطن أحد لتناجيهم ومسارتهم تفصيلا ولا إجمالا، فإن الإنسان قد يرى اثنين يتساران فيعلم من حيث الاجمال أنهما يتساران، وإن لم يعلم تفصيل ما يتساران به، وقد يتساران في مكان لا يراهما أحد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى لمشركى مكة: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) يعنى فاسألوا أهل الكتاب عمن مضى من الرسل، هل كانوا بشراً أم ملآئكة مع أن المشركين قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ؟ قلنا: هم وإن لم يؤمنوا بكتاب أهل الكتاب، ولكن النقل المتواتر من أهل الكتاب في القضية العقلية يفيد العلم لمن يؤمن بكتابهم ولمن لا

стр. 337

يؤمن به. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (ولا يستحسرون) والاستحسار مبالغة في الحسور وهو الاعياء. فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفى عنهم أدنى الحسور أو مطلقه لا أقصاه ؟ قلنا: ذكر الاستحسار إشارة إلى أن ما هم فيه من التسبيح الدائم والعبادة المتصلة توجب غاية الحسور وأقصاه. * * * فإن قيل: قوله تعالى في وصف الملآئكة: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) إلى قوله تعالى: (مُشْفِقُونَ) يدل على أنهم لا يعصون الله تعالى، كما جاء هذا مصرحاً به في قوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) فإذا كانوا لا يعصون الله تعالى فلم يخافون حتى قال الله تعالى: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) ؟ قلنا: لما رأوا ما جرى على إبليس وعلى هاروت وماروت من القضاء والقدر خافوا من مثل ذلك، الثانى: أن زيادة معرفتهم بالله تعالى وقربهم في محل كرامته يوجد مزيد خوفهم، ولهذا قال أهل التحقيق: من كان بالله أعرف كان من الله أخوف، ومن كان إلى الله أقرب (كان) من الله أرهب، وقال بعضهم: يا عجباً من مطيع آمن ومن عاص خائف. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)

стр. 338

وهم لم يروا ذلك؟ قلنا: معناه أو لم يعلموا ذلك بأخبار من قبلهم أو بوروده في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، ونظيره قوله تعالى للنبى ﷺ : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ... الآية) ونظائره كثيرة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) مع أن الملآئكة أحياء والجن أحياء وليسوا مخلوقين من الماء بل من النور والنار كما قال تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) وكذا آدم مخلوق من التراب، وناقة صالح مخلوقة من الحجر؟ قلنا: المراد به البعض وهو الحيوان كما في قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وقوله تعالى: (وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) ونظائره كثيرة، الثانى: إن الكل مخلوق من الماء، ولكن البعض بواسطة والبعض بغير واسطة، ولهذا قيل: أنه تعالى خلق الملآئكة من ريح خلقها من الماء، وخلق الجن من نار خلقها من الماء، وخلق

стр. 339

آدم من تراب خلقه من الماء. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) بعد قوله تعالى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) وكأنه تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التى يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة. * * * فإن قيل: كيف قال تعال: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) مع أن الصم لا يسمعون الدعاء إذا ما ينشرون أيضاً ؟ قلنا: اللام في الصم إشارة إلى المنذرين السابق ذكرهم بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) فهى لام العهد لا لام الجنس. * * * فإن قيل: كيف قال إبراهيم ﵊: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) أحال كسر الأصنام إلى الصنم الكبير، وكان إبراهيم هو الكاسر لها؟ قلنا: قاله على (طريق) الاستهزاء ولتهكم بهم (لا) على طريق الجد، الثانى: أنه لما كان الحامل له على كثرها اغتياظه من رؤيتها مصفوفة مرتبة (للعبادة) مبجلة معظمة، وكان اغتياظه

стр. 340

من كبيرها أعظم لمزيد تعظيمهم له، أسند الفعل إليه كما يسند إلى سببه، والى الحامل عليه، الثالث: أنه أسنده إليه معلقاً بشرط منتف لا مطلقاً تقديره فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم. * * * فإن قيل: كيف صح مخاطبة النار بقوله تعالى: (نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ولخطاب إنما يكون مع من يعقل ؟ قلنا: خطاب التحويل والتكوين لا يختص بمن يعقل، قال الله تعالى: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) وقال تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) وقال تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ) . * * * فإن قيل: كيف وصف تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بكونهم من الصالحين بقوله تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ... الآية) مع أن أكثر المؤمنين صالحون خصوصاً في الزمن الأول؟ قلنا: معناه أنهم من الصالحين للادخال في الرحمة التى أريد بها النبوة على ما فسره (مقاتل أو الجنة على ما فسره) ابن عباس رضى الله عنهما ويؤيد ذلك قول سليمان ﵊: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) أى

стр. 341

الصالحين للعمل المرضى الذي سبق سؤاله. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) وقال في سورة التحريم (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ؟ قلنا: حيث أنث أراد النفخ في ذاتها، وإن كان مبدأ النفخ من الفرج الذي هو مخرج الولد، أو جيب درعها على اختلاف القولين لأنه فرجة، وكل فرجة بين شيئين تسمى فرجاً في اللغة، وهذا أبلغ فى الثناء عليها، لأنها إذا منعت جيب درعها مما لا يحل كانت لنفسها أمنع وحيث ذكر فظاهر. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) يدل على (أنه) يجب أن يرجعوا لأن كل ما حرم أن لا يوجد وجب أن يوجد فكيف معنى الآية؟ قلنا: معناها وواجب على أهل قرية عزمنا على إهلاكهم أو قدرنا إهلاكهم أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان أو أنهم لا يرجعون بعد إهلاكهم إلى الدنيا، فالحرام هنا بمعنى الواجب، كذا قاله ابن عباس رضى الله عنهما ويؤيده قول الشاعر: فإن حراماً لا أرى الدهر باكياً على شجوة إلا بكيت على عمرو وقد قيل لفظ الحرام على ظاهره، ولا زائدة، والمعنى ما سبق ذكره

стр. 342

والحرمة هنا بمعنى المنع كما في قوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) وقال تعالى في موضع آخر: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) وواردوها يكون قريبا منها لا بعيداً ؟ قلنا: معناه مبعدون عن آلامها وعذابها مع كونهم وارديها، أو معناه مبعدون عنها بعد ورودها بالانجاء المذكور بعد الورود، فلا تنافى بينهما. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) مع أن النبى ﷺ لم يكن رحمة للكافربن الذي ماتوا على كفرهم بل نقمة، لأنه لولا إرساله إليهم ما عذبوا بكفرهم لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ؟ قلنا: كان رحمة للكافرين أيضاً من حيث إن عذاب الاستئصال أخر عنهم بسببه، الثانى: أنه كان رحمة عامة من حيث إنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبعه فهو الذي قصر في حق نفسه وضيع نصيبه من الرحمة، ومثله ﷺ كمثل عين

стр. 343

عذبة فجرها الله تعالى فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا، وفرط ناس في السقى منها فضيعوا، فالعين في نفسها نعمة من الله تعالى للفريقين ورحمة، وإن قصر البعض وفرطوا، الثالث: أن المراد بالرحمة الرحيم وهو ﷺ كان رحيماً للفريقين ألا ترى أنهم لما شجوه يوم أحد وكسروا رباعيته حتى خر مغشياً عليه فلما أفاق قال: اللهم أهد قومى فانهم لا يعلمون؟ * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) مع اخباره تعالى إياهم بقرب الساعة بقوله تعالى: (أتى أمر الله) وقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) ونحوهما ؟ قلنا: معناه ما أدرى أن العذاب الذي توعدونه وتهتدون به ينزل بكم عاجلا أو آجلاً، وليس المراد به قيام الساعة، ويرد على هذا الجواب أنه قريب على كل تقدير، لأنه إن كان قبل قيام الساعة فظاهر، وإن كان بعد قيام الساعة فهو كالمتصل بها لسرعة زمن الحساب فيكون قريباً أيضاً. * * * فإن قيل: إذا كان المؤمنون يعتقدون أن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق فما فائدة الأمر أو الإخبار المتعلق بقوله تعالى: (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ؟

стр. 344

قلنا: ليس المراد بالحق هنا ما هو نقيض الباطل، بل المراد به ما وعده الله تعالى إياه من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين ووعده لا يكون إلا حقاً، فكأنه قال: عجل لنا وعدك وأنجزه ونظيره قوله تعالى: (تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَق) ، الثانى أنه تأكيد لما في التصريح بالصفة من المبالغة وإن كانت لازمة للفعل، ونظيره فى عكسه من صفة الذم قول تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)

стр. 345

سورة الحج * * * فإن قيل: قوله تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) يدل على أن المعدوم شيء ؟ قلنا: لا نسلم وسنده أن المراد أنها إذا وجدت كانت شيئاً لا أنها شيء الآن، ويؤيد هذا قوله تعالى: (عظيم) مع أن المعدوم لا يوصف بالعظم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى أولا: (يوم ترونها) بلفظ الجمع ثم أفرد فقال: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) ؟ قلنا: لأن الرؤية أولا علقت بالزلزلة، فعجل الناس كلهم رائين لها وعلقت آخراً بكون الناس على هيئة السكر، فلابد أن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في حق النضر بن الحارث: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) إلى أن قال: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وهو ما كان غرضه في جداله الضلال عن سبيل الله، فكيف علل جداله به، وما كان أيضاً مهتدياً حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟ قلنا: هذه لام العاقبة والصيرورة، وقد سبق ذكرها غير مرة، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعترض عنه وأقبل على الجدال بالباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. * * * فإن قيل: الضر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين

стр. 346

فكيفا التوفيق بينهما؟ قلنا: معناه يعبد من دون الله ما لا يضر بنفسه إن لم يعبده، ولا ينفعه بنفسه إن عبده، ثم قال تعالى يعبد من يضره الله بسبب عبادته، وإنما أضاف الضمير إليه لحصوله بسببه. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) يدل على أن في عبادة الصنم نفعاً وإن كان فيها ضرر ؟ قلنا: معناه أقرب من النفع المنسوب إليه في زعمهم وهو اعتقادهم أنه يشفع لهم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي بسبب كونهم مظلومين ولم يبين ما الشيء الذي أذن لهم فيه؟ قلنا: تقديره: أذن للذين يقاتلون في القتال، وإنما حذف لدلالة يقاتلون عليه، ولدلالة الحال أيضاً، فإن كفار مكة كانوا يؤذون المؤمنين بأنواع الأذى وهم يستأذنون النبى ﷺ في قتالهم فيقول: لم يؤذن لي في ذلك، حتى هاجر إلى المدينة فنزلت هذه الآية، وهى أول آية نزلت في الأذن في القتال، فنسخت سبعين آية ناهية عن القتال، كذا قاله ابن عباس رضى الله عنهما فكان المأذون فيه ظاهراً لكونه مترقباً منتظراً.

стр. 347

فإن قيل: كيف قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) مع أنهم ما كانوا يقاتلون قبل نزول هذه الآية ؟ قلنا: معناه أذن للذين يريدون أن يقاتلوا سماهم مقاتلين مجازاً باعتبار ما يؤولون إليه، كما في النظائر، وقرئ يقاتلون بفتح التاء، ولا إشكال على تلك القراءة. * * * فإن قيل: كيف صح الاستثناء في قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) ؟ (قلنا: هو استثناء منقطع، تقديره لكن أخرجوا بقولهم: ربنا الله) ، الثانى: أنه بمنزلة قول الشاعر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب. تقديره وان كان فيهم عيب فهو هذا، وهذا ليس بعيب. فلا يكون فيهم عيباً. * * * فإن قيل: أي منة على المؤمنين في حفظ الصوامع والبيع عن الهدم حتى أمتن عليهم بذلك في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... الآية) ؟ قلنا: المنة في ذلك أن الصوامع والبيع والكنائس في حرم المسلمين وحراستهم وحفظهم، لأن أهلها ذمة للمسلمين، الثانى: أن المراد به لهدمت صوامع وبيع في زمن عيسى ﵊ أي كنائس

стр. 348

فى زمن موسى ﵊ ومساجد في زمن النبى ﷺ ، فالامتنان على أهل الأديان الثلاثة لا على المؤمنين. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وكذب موسى) ولم يقل وقوم موسى كما قال تعالى فيما قبله ؟ قلنا: لأن موسى ما كذبه قومه بنو اسرآئيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط، الثانى: أن يكون التنكير والايهام للتفخيم والتعظيم كأنه قال تعالى بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم: وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظيم معجزاته فما ظنك بغيره. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور) ؟ قلنا: هو تأكيد كما في قوله تعالى: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله تعالى: (يقولون بألسنتهم) وما أشبه ذلك، الثانى: أن القلب يستعمل بمعنى العقل، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي عقل في أحد القولين، فكان التقييد مفيداً على قول من يزعم أن العقل في الرأس؟ * * * فإن قيل: المغفرة إنما تكون لمن يعمل السيئات لا لمن يعمل الصالحات والحسنات، فكيف قال تعالى:

стр. 349

(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) ؟ قلنا: المراد بالعمل الصالح هنا الاخلاص في الإيمان، قال الكلبى كل موضع باء في القرآن "الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فالمراد به الاخلاص في الإيمان، فيصير المعنى فالذين آمنوا عن اخلاص يغفر لهم سيئاتهم. * * * فإن قيل: ما الفرق بين الرسول والنبى مع أن كليهما مرسل بدليل قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) ؟ قلنا: الفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من جمع له بين المعجزة وإنزال الكتاب عليه، والنبى فقط من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو أمته إلى شريعة من قبله، وقيل: الرسول من كانت له معجزة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والنبى من لم تكن له منهم معجزة، وفى هذا نظر، وقيل: الرسول من كان مبعوثاً إلى أمة، والنبى فقط من لم يكن مبعوثاً إلى أحد مع كونه نبياً، والجواب عن الآية على هذا القول أن فيه إضمارا تقديره: وما أرسلنا من رسول، ولا أنبأنا من نبى أو، ولا كان من نبى (ونظيره قول الشاعر) : ورأيت ذوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً أى ومعتقلا رمحاً أو وحاملًا رمح. * * * فإن قيل: أين المثل المضروب في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ)

стр. 350

والمذكور بعده قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... إلى آخره) ليس بمثل، بل كلام مبتدأ مستقل بنفسه؟ قلنا: الصفة أو القصة الغربية أو المستحسنة تسمى مثلا، ومنه قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) فالمعنى يثبت صفة وهى عجز الصنم عن خلق الذباب واستنقاذ ما يسلبه، وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ) وانما أبهمه هنا لأنهم كانوا لا يصغون إلى سماع القرآن، ولهذا قالوا: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) وكانوا يحبون الأمثال، فذكر لفظ المثل استدراجاً لهم إلى سماع القرآن والاصغاء إليه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) مع أن قطع اليد التى تساوى خمسة آلاف درهم بسبب سرقة عشرة دراهم حرج في الدين، وكذا رجم المحصن بسبب الوطء مرة واحدة، ووجوب شهرين متتابعين بسبب إفطار يوم واحد، والمخاطرة بالنفس والمال في الحج والغزو وكل ذلك حرج بين؟ قلنا: المراد بالدين كلمة التوحيد، فإنها تكفر شرك سبعين سنة، ولا

стр. 351

يتوقف تأثيرها على الإيمان والاخلاص سبعين سنه، ولا على أن يكون الاتيان بها في بيت الله أو في زمان معين، وقيل: المراد به أن كل ما يقع فيه الإنسان من الذنوب والمعاصي يجد له مخرجا في الشرع بتوبة، أو بكفارة أو رخصة، وقيل: المراد به فتح باب التوبة للمذنبين وفتح أبواب الرخص للمعذورين وشرع الكفارات والأروش والديات، وقيل: المراد به نفى الحرج الذي كان على بني اسرآئيل من الإصر والتشدد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) وإبراهيم ﵊ لم يكن أبا للأمه كلها ؟ قلنا هو أبو رسول الله ﷺ فكان أبا لأمته، لأن أمه الرسول بمنزله أولاده من جهه العطف والشفقه هذا إن كان الخطاب لعامه المسلمين وإن كان للعرب خاصه فإبراهيم أبو العرب قاطبه. * * * فإن قيل: متى سمانا إبراهيم عليه الصلاه والسلام المسلمين من قبل حتى قال الله تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) ؟ قلنا: وقت دعائه عند بناء الكعبه حيث قال: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) فكل من أسلم من هذه الأمه فهو ببركه إبراهيم عليه الصلاه والسلام، وهذا السؤال سئلت عنه في المنام، واجبت عنه بهذا الجواب في المنام الهاماً من الله .

стр. 352

سورة المؤمنين * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) وحفظ الفرج إنما يعدي بعن لا بعلى، يقال فلان يحفظ فرجه عن الحرام، ولا يقال على الحرام ؟ قلنا: على هنا بمعني عن كما في قول الشاعر: إذا رضيت على بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها الثانى: أنه متعلق بمحذوف تقديره: فلا يرسلونها إلا على أزواجهم. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) ولم يقل أو من ملكت أيمانهم مع أن المراد من يعقل؟ قلنا: لأنه أراد من جنس العقلاء ما يجر مجرى غير العقلاء، وهم الإناث فأن قيل: قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) كيف خص الإخبار عن الموت الذي لم ينكره الكفار بلام التأكيد دون الإخبار عن البعث الذي انكروه، والظاهر يقتدي عكس ذلك؟ قلنا: لما كان العطف يقتدي الاشتراك في الحكم استغني به عن اعاده لفظ اللام الموجبه لذايده التأكيد فأنها ثابته معني بقضيه العطف، ولا يلزم على هذا عدم اعاده (إن) لأنها الأصل في التأكيد ولأنها أقوي والحاجه إليها أمس

стр. 353

فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) والمراد بها شجره الزيتون، وهي تخرج من الجبل الذي يسمى طور سيناء ومن غيره؟ قلنا: قيل أن أصل شجره الزيتون من طور سيناء، ثم نقلت إلى سائر المواضع، وقيل: إنما أضيف إلى ذلك الجبل لأن خروجها فيه أكثر من خروجها في غيره من المواضع. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) خبر عن كفار مكه فكيف قال تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) أي بالتوحيد أو بالقرآن، ولم يقل وكلهم كانوا للتوحيد كارهين بدليل قولهم (بِهِ جِنَّةٌ) ؟ قلنا: كان فيهم من ترك الإيمان به أنفه واستنكافاً من توبيخ قومه كيلا يقولوا ترك دين آبائه لا كراهه للحق، كما يحكي عن أبي طالب وغيره. * * * فإن قيل: كيف جمع تعالى فقال: (رب ارجعون) ولم يقل ارجعني والمخاطب واحد وهو الله تعالى؟ قلنا: هو جمع للتفخيم والتعظيم وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) وما أشبهه.

стр. 354

فإن قيل كيف قال تعالى: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) وقال تعالى في موضع آخر: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) ؟ قلنا: يوم القيامه مقداره خمسون الف سنه، ففيه أحوال مختلفه ففي بعضها يتسألون وفى بعضها لاينطقون لشده الهول والفزع.

стр. 355

سورة النور * * * فإن قيل: كيف قدمت المرأه في آية حد الزنا، وقدم الرجل في آية حد السرقة ؟ قلنا: لأن الزنا إنما يتولد من شهوة الوقاع، وشهوة المرأه أقوي وأكثر، والسرقه إنما تتولد من الجسارة والجراءة والقوة، وذلك في الرجل أكثر. * * * فإن قيل: كيف قدم الرجل في قوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ؟ قلنا: لأن الآية الأولى سبقت لعقوبتها على ما جنيا، والمرأه هي الأصل في تلك الجنايه لما ذكرنا، والآية الثانية سيقت لذكر النكاح والرجل هو الأصل فيه عرفاً، لأنه هو الراغب والخاطب والبادئ بالطلب، بخلاف الزنا فإن الأمر فيه بالعكس غالباً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) أي لا يتزوج: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ونحن نري الزاني ينكح عفيفة ومسلمة، والزانيه ينكحها العفيف المسلم؟ قلنا: قال عكرمه: نزلت هذه الآية في في بغايا موسرات كن بمكه، وكان بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير، وكان لا يدخل عليهن إلا زانى من أهل القبله، أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد جماعه من الفقراء المهاجرين أن ينكحوهن فنزلت هذه الآية زجراً لهم عن ذلك. * * * فإن قيل: ما فائدة دخول "من" في غض البصر دون حفظ الفرج
следующие страницы →