← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يتوقف تأثيرها على الإيمان والاخلاص سبعين سنه، ولا على أن يكون الاتيان بها في بيت الله أو في زمان معين، وقيل: المراد به أن كل ما يقع فيه الإنسان من الذنوب والمعاصي يجد له مخرجا في الشرع بتوبة، أو بكفارة أو رخصة، وقيل: المراد به فتح باب التوبة للمذنبين وفتح أبواب الرخص للمعذورين وشرع الكفارات والأروش والديات، وقيل: المراد به نفى الحرج الذي كان على بني اسرآئيل من الإصر والتشدد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) وإبراهيم ﵊ لم يكن أبا للأمه كلها ؟ قلنا هو أبو رسول الله ﷺ فكان أبا لأمته، لأن أمه الرسول بمنزله أولاده من جهه العطف والشفقه هذا إن كان الخطاب لعامه المسلمين وإن كان للعرب خاصه فإبراهيم أبو العرب قاطبه. * * * فإن قيل: متى سمانا إبراهيم عليه الصلاه والسلام المسلمين من قبل حتى قال الله تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) ؟ قلنا: وقت دعائه عند بناء الكعبه حيث قال: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) فكل من أسلم من هذه الأمه فهو ببركه إبراهيم عليه الصلاه والسلام، وهذا السؤال سئلت عنه في المنام، واجبت عنه بهذا الجواب في المنام الهاماً من الله .

стр. 352

سورة المؤمنين * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) وحفظ الفرج إنما يعدي بعن لا بعلى، يقال فلان يحفظ فرجه عن الحرام، ولا يقال على الحرام ؟ قلنا: على هنا بمعني عن كما في قول الشاعر: إذا رضيت على بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها الثانى: أنه متعلق بمحذوف تقديره: فلا يرسلونها إلا على أزواجهم. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) ولم يقل أو من ملكت أيمانهم مع أن المراد من يعقل؟ قلنا: لأنه أراد من جنس العقلاء ما يجر مجرى غير العقلاء، وهم الإناث فأن قيل: قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) كيف خص الإخبار عن الموت الذي لم ينكره الكفار بلام التأكيد دون الإخبار عن البعث الذي انكروه، والظاهر يقتدي عكس ذلك؟ قلنا: لما كان العطف يقتدي الاشتراك في الحكم استغني به عن اعاده لفظ اللام الموجبه لذايده التأكيد فأنها ثابته معني بقضيه العطف، ولا يلزم على هذا عدم اعاده (إن) لأنها الأصل في التأكيد ولأنها أقوي والحاجه إليها أمس

стр. 353

فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) والمراد بها شجره الزيتون، وهي تخرج من الجبل الذي يسمى طور سيناء ومن غيره؟ قلنا: قيل أن أصل شجره الزيتون من طور سيناء، ثم نقلت إلى سائر المواضع، وقيل: إنما أضيف إلى ذلك الجبل لأن خروجها فيه أكثر من خروجها في غيره من المواضع. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) خبر عن كفار مكه فكيف قال تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) أي بالتوحيد أو بالقرآن، ولم يقل وكلهم كانوا للتوحيد كارهين بدليل قولهم (بِهِ جِنَّةٌ) ؟ قلنا: كان فيهم من ترك الإيمان به أنفه واستنكافاً من توبيخ قومه كيلا يقولوا ترك دين آبائه لا كراهه للحق، كما يحكي عن أبي طالب وغيره. * * * فإن قيل: كيف جمع تعالى فقال: (رب ارجعون) ولم يقل ارجعني والمخاطب واحد وهو الله تعالى؟ قلنا: هو جمع للتفخيم والتعظيم وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) وما أشبهه.

стр. 354

فإن قيل كيف قال تعالى: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) وقال تعالى في موضع آخر: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) ؟ قلنا: يوم القيامه مقداره خمسون الف سنه، ففيه أحوال مختلفه ففي بعضها يتسألون وفى بعضها لاينطقون لشده الهول والفزع.

стр. 355

سورة النور * * * فإن قيل: كيف قدمت المرأه في آية حد الزنا، وقدم الرجل في آية حد السرقة ؟ قلنا: لأن الزنا إنما يتولد من شهوة الوقاع، وشهوة المرأه أقوي وأكثر، والسرقه إنما تتولد من الجسارة والجراءة والقوة، وذلك في الرجل أكثر. * * * فإن قيل: كيف قدم الرجل في قوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ؟ قلنا: لأن الآية الأولى سبقت لعقوبتها على ما جنيا، والمرأه هي الأصل في تلك الجنايه لما ذكرنا، والآية الثانية سيقت لذكر النكاح والرجل هو الأصل فيه عرفاً، لأنه هو الراغب والخاطب والبادئ بالطلب، بخلاف الزنا فإن الأمر فيه بالعكس غالباً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) أي لا يتزوج: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ونحن نري الزاني ينكح عفيفة ومسلمة، والزانيه ينكحها العفيف المسلم؟ قلنا: قال عكرمه: نزلت هذه الآية في في بغايا موسرات كن بمكه، وكان بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير، وكان لا يدخل عليهن إلا زانى من أهل القبله، أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد جماعه من الفقراء المهاجرين أن ينكحوهن فنزلت هذه الآية زجراً لهم عن ذلك. * * * فإن قيل: ما فائدة دخول "من" في غض البصر دون حفظ الفرج

стр. 356

فى قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) ؟ قلنا: فائدته الدلالة على أن أمر النظر أوسع من أمر الفرج، ولهذا يحل النظر في ذوات المحارم والاماء المسترضعات إلى عدة من أعضائهن، ولا يحل شيء من فروجهن. * * * فإن قيل: لأي حكمه ترك الله تعالى ذكر الأعمام والأخوال في قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) يعني الزينه الخفية: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) وهم من المحارم وحكهم من استثنى في الآية؟ قلنا: سئل الشعبي عن ذلك فقال لئلا يصفها العم عند ابنه وهو ليس بمحرم لها، وكذا الخال فيقضي إلى الفتنة، والمعني فيه أن كل من استثني يشترك هو وابنه في المحرميه إلا العم والخال وهذا من الدلالات البليغه على وجوب الاحتياط في سترهن، ولقائل أن يقول هذا المفسدة محتمله في آباء بعولتهم، لاحتمال أن يذكرها أبو البعل عند ابنه الآخر وهو ليس بمحرم لها وأبو البعل أيضاً نقض على قولهم أن كل من استثني يشترك هو وابنه في المحرميه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)

стр. 357

مع أن اكراههن على الزنا حرام في كل حال؟ قلنا: لأن سبب نزول الآية أن الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا مع إرداتهن التحصن (فورد النهى عن على صفه السبب وإن لم يكن شرطا فيه، الثانى أنه تعالى إنما شرط إراده التحصن) لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن لأن الأمة إذا لم ترد التحصن فإنها تزني بالطبع، لأن إرادتها الجماع مستمره في جميع الأحوال طبعاً، ولا بدله من أحد الطرفين، الثالث أن (إن) بمعني إذ كما في قوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) والرابع: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره: وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم وإن أردن تحصناً، ويبقي قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) مطلقاً معلق. * * * فإن قيل: كيف مثل الله تعالى نوره اي معرفته وهداه في قلب المؤمن بنور المصباح في قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) ولم يمثله بنور الشمس، مع أن نورها أتم وأكمل ؟ قلنا: المقصود تمثيل النور في القلب، والقلب في الصدر، والصدر

стр. 358

فى البدن كالمصباح وهو الضوء أو الفتيله وهى في الزجاجه والزجاجه في الكوه التى لا منفذ لها، وهذا التمثيل لا يستقيم إلا في ذكر، الثانى، أن نور المعرفه له آلات يتوقف على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظه وانشراح القلب وغير ذلك من الخصال الحميده، كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيل وغير ذلك، الثالث: أن نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي لا إلى العالم العلوي، ونور المعرفه يشرق متوجها إلى العالم العلوي كنور المصباح، الرابع: أن نور الشمس لا يشرق إلا بالنهار ونور المعرفه يشرق بالليل والنهار كنور المصباح، الخامس: أن نور الشمس يعم جميع الخلائق ونور المعرفه، لا يصل إليه إلا بعضهم كنور المصباح الموصوف. * * * فإن قيل: هب أنه تعالى لم يمثله بنور الشمس لما ذكرتم فكيف لم يمثله بنور الشمع، مع أنه أتم وأكمل وأشرق من نور المصباح ؟ قلنا: إنما لم يمثله تعالى بنور الشمع لأنه في الشمع غثاً لا محاله بخلاف الزيت الموصوف، فلو مثله تعالى بنور الشمع لتطاول المنافق المغشوش إلى استحقاق نصيب في المعرفه، الثاني: أنه تعالى لم يمثله بنور الشمع لأنه مخصوص بالأغنياء، بخلاف نور المعرفه فإنه في الفقراء أغلب. * * * فإن قيل: التجارة تشمل الشراء والبيع، فما فائده عطف البيع عليها.

стр. 359

فى قوله تعالى: (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) ؟ قلنا: التجاره هى الشراء والبيع الذي يكون صناعه للإنسان ومقصوداً به الربح، وهو حرفة الشخص الذي يسمى تاجراً، والبيع أعم من ذلك، وقيل: المراد بالتجارة هنا مبادلة الآخرة بالدنيا كما في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) والمراد بالبيع مبادلة الدنيا كما في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وقيل: إنما عطف البيع على التجاره لأنه اراد بالتجاره الشراء إطلاقا لأسم الجنس على النوع، وقيل إنما عطفه عليها للتخصيص والتميز من حيث أنه أبلغ في الالهاء، لأن البيع الرابح يتعقبه حصول الربح، بخلاف الشراء الرابح فإن الربح فيه مظنون مع كونه مترقباً منتظراً، وقيل: التجارة مخصوصة بأهل الجلب بخلاف البيع. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) وبعض الدواب ليس مخلوقاً من الماء كآدم ﵊ وناقة صالح وغيرهم ؟ قلنا: المراد بهذا الماء الماء الذي هو أصل جميع المخلوقات، وذلك أن الله تعالى خلق قبل خلق الأشياء جوهرة، ونظر إليها نظر هيبه فستحالت ماء، فخلق من ذلك الماء جميع الموجودات، فقد سبق مثل هذا السؤال في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)

стр. 360

فإن قيل إذا كان الجواب هذا فما فائدة تخصيص الدابة بالذكر او تخصيص الشيء الحي ؟ قلنا: إنما خص بالذكر لأن القدرة فيه أظهر وأعجب منها في الجماد وغيره. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) وقال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) وهى مما لايعقل؟ قلنا: لما كان أسم الدابة يتناول المميز وغيره غلب المميز على غيره فأجرى عليه لفظه. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) وذلك إنما يسمي زحفاً لا مشيا ولا يسمي مشياً إلا ما كان بقوائم؟ قلنا: هو مجاز بطريق المشابهة، كما يقال مشي هذا الأمر، وفلان لا يتمشي له أمر، وفلان ماشي الحال. فإن قيل: كيف أمر الله تعالى بالاستئذان للأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) اي من الأحرار؟ قلنا: هو في المعني أمر للاباء والأمهات بتأديب الأطفال وتهذيبهم لا للأطفال.

стр. 361

فإن قيل: كيف أباح الله للقواعد من النساء وهن العجائز التجرد من الثياب بحضرة الرجال بقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ. . . الآية) ؟ قلنا: المراد بالثياب هنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار لا جميع الثياب، وقوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي غير قاصدات، بوضع الثياب الظاهره إظهار زينتهن ومحاسنهن، بل التخفيف ثم أعقبه بأن التعفف بترك الوضع خيراً لهن. * * * فإن قيل: قال تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) مع أن انتفاء الحرج عن أكل الإنسان من بيته معلوم لا شك فيه ولا شبهة؟ قلنا: المراد بقوله من بيوتكم أي من بيوت أولادكم، لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه فلهذا عبر عنه به وفى الحديث أن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، ويؤيد ذلك أنه ذكر بيوت جميع الأقارب ولم يذكر بيوت الأولاد، وقيل: المراد بقوله تعالى: (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) أي أن تأكلوا من مال أولادكم وأزواجكم الذين هم في بيوتكم ومن جمله عيالكم، وقيل: المراد بقوله تعالى "من بيوتكم" البيوت التى تسكنونها.

стр. 362

وهم فيها عيال لغيرهم كبيت ولد الرجل وزوجه وخادمه ونحو ذلك. * * * فإن قيل معنى السلام هو السلامه فاذا قال الرجل لغيره السلام عليك، كان معناه سلمت منى وأمنت، فما معنى قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) ؟ قلنا: المراد به فإذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلكم وعيالكم، وقيل: معناه إذا دخلتم المساجد أو بيوتا ليس فيها أحد فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أي من ربنا. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) وإنما يقال خالف أمره؟ قلنا: عن زائدة كذا قاله الأخفش، الثانى: أن فيه إضماره تقديره: فليحذر الذين يخالفو الله تعالى ويعرضون عن أمره أو ضمن المخالفه معنى الإعراض فعداه تعديته.

стр. 363

سورة الفرقان * * * فإن قيل: الخلق هو تقدير ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ) أي تقدر فما معنى قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) فكأنه قال تعالى: وقدر كل شى فقدره تقديرا ؟ قلنا: الخلق من الله تعالى بمعنى الإيجاد والاحداث، فمعناه وأوجد كل شيء مقدراً مسوى مهياً لما يصلح له، لا زائداً على ما تقتضيه الحكمه ولا ناقصاً عن ذلك، الثانى: أن معناه وقدر له ما يقيمه ويصلحه أو وقدر له رزقاً وأجلاً أو أحوالاً تجرى عليه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الجنه: (الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا) وهى ما كانت بعد وإنما تكون كذلك بعد الحشر والنشر؟ قلنا: إنما قال كانت لأن ما وعد الله تعالى فهو في تحقيقه كأنه قد كان، أو معناه كانت في علم الله مكتوبة في اللوح المحفوظ إنها جزاؤهم ومصيرهم. * * * فإن قيل: ما فائدة تأخير الهوى في قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) والأصل اتخذ الهوى الهاً كما تقول اتخذ الصنم معبوداً؟ قلنا: هو من باب تقديم المفعول الثانى على الأول للعناية به، كما تقول علمت منطلقاً زيداً لفضل عنايتك بانطلاقه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ) ؟

стр. 364

قلنا: قد مر مثل هذا السؤال وجوابه في قوله تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) . * * * فإن قيل: كيف شبههم بالأنعام في الضلال بقوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ) مع أن الأنعام تعرف الله وتسبحهه بدليل قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُ مْ) وقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ؟ قلنا: المراد تشبيههم بالأنعام في الضلال عن فهم الحق ومعرفة الله تعالى بواسطة دعوة الرسول ﷺ ، الثانى: أن المراد تشبيههم في الضلال والعمى عن أمر الدين بالأنعام في ضلالها وعماها عن أمر الدنيا. * * * فإن قيل: إن كانوا كالأنعام في الضلال فكيف قال تعالى: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) وإن كانوا أضل من الأنعام فكيف قال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ) وإن كانوا كالأنعام في الضلال وأضل منهم أيضا فكيف يجتمع الوصفان؟

стр. 365

قلنا: المراد بقوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ) التشبيه في أصل الضلال لا في مقداره، والثانى بيان لمقداره، وقيل: المراد من أول التشبيه في المقدار أيضاً ولكن المراد بالأول طائفه والثانى طائفه أخرى ووجه كونهم أضل من الأنعام أن الأنعام تنقاد لأربابها التى تعلفها وتتعهدها وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون إلى ربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم مع إساءة الشيطان الذي هو عدو لهم ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشروع الهني والعذب الروي. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) كيف ذكر الصفه والموصوف مؤنث ولا يؤنثها كما أنثها في قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) ؟ قلنا: إنما ذكرها نظراً إلى معني البلده وهو البلد والمكان لا إلى لفظها. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) إنزاله موصوفاً بالطهورية، وتعليل ذلك بالإحياء والسقي يشعر بأن الطهورية شرطاً في حصول تلك المصلحه، كما تقول حملنى الأمير

стр. 366

على فرس سابق لاصيد عليه الوحش وليس كذلك؟ قلنا: وصف الطهورية ذكر إكراما للأناسي الذين شربهم من جمله المصالح التى تنزل لها الماء، وتماماً للنعمة والمنة عليهم، لا لكونه شرطاً في تحقيق تلك المصالح والمنافع، بخلاف النظير فإنه قصد بكونه سابقاً الشرطيه لأن صيد الوحش على الفرس لا يتم إلا بها. * * * فإن قيل: كيف خص تعالى الأنعام بذكر السقى دون غيرها من الحيوان الصامت ؟ قلنا: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء ولا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، الثاني: أن الأنعام قنيه الأناسي وعامه منافعهم متعلقه بها، فكأن الأنعام يسقي الأنعام كالأنعام يسقى الأناسي، فلذلك خصها بالذكر. * * * فإن قيل: كيف قدم تعالى احياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسي؟ قلنا: لأن حياة الأناسي بحياه أرضهم وأنعامهم فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم، الثانى: أن سقي الأرض من ماء المطر سابق في الوجود على سقي الأناسي به. * * * فإن قيل: وجه صحه الأستثناء في قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) ؟ قلنا: هو استثناء منقطع تقديره: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فأنا أدله على ذلك وأهديه إليه، وقيل تقديره: لكن من

стр. 367

شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بإنفاق ماله في مرضاته فليفعل ذلك. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أأجراً لأن من لتأكيد النفى وعمومه وقال تعالى في آية أخرى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فأثبت سؤال الأجر عليه ؟ قلنا: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) راواه مقاتل والضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما والصحيح الذي عليه المحققون إنها غير منسوخة، بل هو استثناء من غير الجنس تقديره: لكن اذكركم المودة في القربى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) ولم يقل أئمه؟ قلنا: مراعاة لفواصل الآيات، وقيل تقديره: واجعل كل واحد منا اماما. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) وهما بمعنى واحد ويؤيده قوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) .

стр. 368

وقوله ﷺ السلام تحية أهل الجنه في الجنه؟ قلنا: قال مقاتل: المراد بالتحية سلام بعض على بعض أو سلام الملآئكه عليهم والمراد بالسلام أن الله تعالى سلمهم مما ياخافون وسلم إليهم أمرهم وقيل التحيه من الملآئكه أو من أهل الجنه من الله تعالى عليهم لقوله تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) . وقيل التحية من الله تعالى لهم بالهدايا والتحف والسلام بالقول وقيل التحية الدعاء بالتعمير والسلام الدعاء بالسلامة فمعناه أنهم يلقون ذلك من الملآئكه أو بعضهم من بعض أو يلقون ذلك من الله تعالى، فيعطون البقاء والخلود مع السلامة من كل آفه.

стр. 369

سورة الشعراء * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) والأعناق لا تعقل ؟ قلنا: قيل أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضوع أو خضوع وترك الكلام على أصله كقولهم ذهبت أهل اليمامه كان الأهل غير مذكور وثله قول الشاعر رأت مر السنين أخذن منى. . . كما أخذ السرار من الهلال. أو لما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو من صفات العقلاء جمعت جمع العقلاء كقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) وقيل: الأعناق رؤساء الناس ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم الرؤوس والنواصى والوجوه، وقيل: الأعناق الجماعات يقال جائنى عنق من الناس أي جماعه وقيل: أن ذلك لمراعاه الفواصل. * * * فإن قيل كيف قال تعالى: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فأفراد، وقال تعالى في موضع آخر: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) فثنى؟ قلنا: الرسول يكون بمعنى المرسل فيلزم تثنيته، ويكون بمعنى الرساله التى هى المصدر فيوصف به الواحد والاثنان والجماعه كما يوصف بسائر المصادر، والدليل على أنه يكون بمعنى الرساله قول

стр. 370

الشاعر قد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول. أي برساله، الثانى: أنهما لا تفاقهما في الأخوة والشريعة والرسالة جعلا كنفس واحده، الثالث: أن تقديره: أن كل واحد منا رسول رب العالمين، الرابع: أن موسي عيله الصلاة والسلام كان الأصل وهارون عليه الصلاه والسلام كان تبعاً له فأفرد إشاره إلى ذلك. * * * فإن قيل: كيف قال موسى ﵊ معتذراً عن قتل القبطي والنبي لا يكون ضالاً ؟ قلنا: أراد به وأنا من الجاهلين كذا قراءة ابن مسعود ﵁، وقيل: أراد من المخطئين لأنه ما تعمد قتله كما يقال ضل عن الطريق إذا عدل عن الصواب إلى الخطأ وقيل من الناسين كقوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) . * * * فإن قيل: كيف قال فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) ولم يقل ومن رب العالمين؟ قلنا: هو كان أعمي القلب عن معرفه الله تعالى منكراً لوجوده فكيف ينكر عليه العدول عن "من " إلى "ما" الثاني: إن ما لا تختص بغير المميز بل تطلق عليهما فقال الله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)

стр. 371

وقال تعالى: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) . * * * فإن قيل: كيف قال موسي عليه الصلاه والسلام: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) علق كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما بشرط كون فرعون وقومه موقنين وهذا الشرط منتف والربوبيه ثابته فكيف صح التعليق ؟ قلنا: معناه إن كنتم موقنين أن السموات والارض وما بينهم موجودات وهذا الشرط موجود، الثاني: أن إن نافيه لا شرطيه. * * * فإن قيل: كيف ذكر السموات والأرض وما بينهم قد استوعب ذكر المخلوقات كلها فما فائده قوله تعالى بعد ذلك: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) وقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ؟ قلنا: أعاد ذكرها تخصيصاً وتمييزاً لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع، والنقل من هيئة إلى هيئة ومن حال إلى حال ومن وقت ولادته إلى وقت وفاته ثم خص المشرق والمغرب لأنه طلوع الشمس من أحدهما وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنه وحساب مستوي من أظهر ما يستدل به على وجود

стр. 372

الصانع ولظهوره انتقل خليل الله عليه الصلاه والسلام إلى الاحتجاج به عن الاحتجاج بالأحياء والإماته: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) . * * * فإن قيل: كيف قال أولاً: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) وقال آخراً: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ؟ قلنا: لاينهم ولاطفهم أولاً، فلما رأى عنادهم وإصرارهم خاشنهم وعارض بقوله (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) . * * * فإن قيل: قوله " لأسجننك " أخصر من قوله: (لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) فكيف عدل عنه؟ قلنا: كان مراده تعريف العهد فكأنه قال قال لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجني وكان إذا سجن إنساناً طرحه في هوة عميقة جداً مظلمة وحده لا يبصر فيها ولا يسمع وكان ذلك أوجع من القتل نكايه. * * * فإن قيل: قصة موسي ﵊ مع فرعون والسحرة ذكرت في سورة الاعراف ثم في سورة طه ثم في هذا السورة فما فائدة تكرارها وتكرار غيرها من القصص؟ قلنا: فائدته تأكيد التحدي وإظهار الإعجاز كما أن المبارز إذا خرج

стр. 373

من الصف قال نزال نزال هل من مبارز هل من مبارز مكرراً ذلك ولذلك سمى الله تعال القرآن مثاني لأنه ثنيت فيه الأخبار والقصص، الثاني: أن أصحاب النبي ﷺ كان بعضهم حاضرين وبعضهم غائبين في الغزوات وكان يحبون حضور مهبط الوحي فكان إذا رجعوا من غزوهم أكرمهم الله تعالى في بعض الأوقات بإعاده الوحي تشريفا لهم وتفضيلا. * * * فإن قيل: كيف كرر الله تعالى ذكر قصة موسي ﵊ أكثر من قصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ قلنا: لأن أحاوله كانت أشبه بأحوال النبي صلي الله عليه وسلم من أحوال غيره منهم في اقامته الحجج وإظهار المعجزات لأهل مصر وإصرارهم على تكذيبه والجفاء عليه كما كان حال النبي صلى لله عليه وسلم مع أهل مكه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) والترائي تفاعل من الروئيه فيقتضي وجود رؤيه كل جمع الجمع الآخر والمنقول أنهم لا ير بعضهم بعض فإن الله تعال أرسل غيما أبيض فحال بين العسكرين حتي منع رؤيه بعضهم بعض؟ قلنا: الترائي يستعمل بمعني التداني والتقابل إيضا كما قال صلي الله عليه وسلم المؤمن والكافر لا يترائيان أي لا يتدانيان ويقال دورنا تتراءى أي تتقارب وتتقابل. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) ولم يقل وإذا أمرضني،

стр. 374

كما قال قبله: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) ؟ قلنا: لأنه كان في معرض الثناء على الله تعالى وتعديد نعمه، فأضاف إليه الخير المحض حفظاً للأدب وإن كان الكل مضاف إليه ونظيره قول الخضر ﵊: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) وقوله: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) . * * * فإن قيل: هذا الجواب يبطل بقوله: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) بقول الخضر عليه الصلاه والسلام: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا) ؟ قلنا: إنما أضاف الموت إلى الله تعالى لأنه سبب لقائه إياه وانتقاله إلى دار كرامته، فكان نعمه من هذا الوجه، وقيل: إنما أضاف المرض إلى نفسه لأن أكثر الأمراض تحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) والمال الذي أنفق في طاعه الله تعالى وسبيله ينفع والولد الصالح ينفع والولد الذي مات صغيرا يشفع وشواهد ذلك كثيرة من الكتاب والسنه خصوصاً قوله ﷺ : إذا مات ابن آدم ينقطع عمله إلا من ثلاث ... الحديث؟ قلنا: المراد بالآية لا ينفعان غير المؤمن فإنه هو الذي يأتي

стр. 375

بقلب سليم من الكفر أو المراد بهما مال لم ينفق في طاعة الله تعالى وولد بالغ غير صالح. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي قربت والجنه لا تنقل من مكانها ولا تحول ؟ قلنا: فيه قلب معناه وأزلفت المتقون إلى الجنة، كما يقول الحجاج غذا دنوا إلى مكه قربت مكه منا، وقيل: معناها أنها كانت محجوبة عنهم فلما رفعت الحجب بينهم وبينها كان ذلك تقريباً لها. * * * فإن قيل: كيف جمع الشافع ووحد الصديق في قوله تعالى: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) ؟ قلنا: لكثرة الشفعاء في العاده وقله الصديق لهذا روى أن بعض الحكماء سئل عن الصديق؟ فقال هو اسما لا معني له وارد بذلك عزة وجوده، ويجوز أن يراد بالصديق الجمع كالعدو. * * * فإن قيل: كيف قرن بين الأنعام والبنين في قوله تعالى: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ) ؟ قلنا: لأن الأنعام كانت من أعز أموالهم عندهم وكان بنوهم هم الذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها فلذا قرن بينهما. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أوعظت أو لم تعض) أخصر من قوله (أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) فكيف عدل عنه؟ قلنا: مرادهم سواء علينا أفعلت هذا الفعل أم لم تكن من أهله أصلا.

стр. 376

وهذا أبلغ في قله اعتدادهم بوعظه من قولهم أم لم تعظ. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) كيف أخذهم العذاب بعد ما ندموا على جنايتهم وقد قال صلي الله عليه وسلم: الندم توبة ؟ قلنا: قال ابن عباس ﵄ ندموا حين رأوا العذاب وذلك ليس وقت التوبة كما قال تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ... الآية) وقيل: كان ندمهم ندم خوف من العقاب العاجل لا ندم توبة فلذلك لم ينفعهم. * * * فإن قيل: كيف طلب لوط ﵊ تنجيته من اللواط بقوله: (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) واللواط كبيرة والأنبياء معصومون من الكبائر؟ قلنا: مراده ربي نجيني وأهلي من عقوبه عملهم أو من شؤمهم والدليل على ذلك ضمه أهله إليه في الدعاء، واستثناء الله تعالى أمرائته من قبول الدعوة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في قصه شعيب ﵊: (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ) ولم يقل أخوهم كما قال تعالى في حق غيره هنا وكما قال في حقه في موضوع آخر؟ قلنا: لأنه هنا ذكر مع أصحاب الأيكة وهو لم يكن منهم إنما كان

стр. 377

من نسل مدين، كذا قال مقاتل، وفى الحديث أن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة، وقال ابن جرير الطبرى: أهل مدين هم أصحاب الأيكة، فعلى هذا يكون حذف الأخ تخفيفاً. * * * فإن قيل: ما الفرق بين حذف الواو في قصة صالح ﵊ وإثباتها في قصة شعيب ﵊ في قولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) و (وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) ؟ قلنا: الفرق بينهما أنه عند إثبات الواو المقصود معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم التسخير والبشرية، وعند حذف الواو المقصود معنى واحد مناف لها، وهو كونه مسخراً ثم قرروا التسخير بالبشرية. كذا أجاب الزمخشري رحمه الله تعالى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة: (وأكثرهم كاذبون) بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك أثيم، والأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر، ويلزم من هذا أن يكون كلهم كذابين؟ قلنا: الضمير في قوله: "وأكثرهم " عائد إلى الشياطين لا إلى كل أفاك.

стр. 378

سورة النمل فإذ قيل: ما فائدة تنكير الكتاب في قوله تعالى: (وَكِتَابٍ مُبِينٍ) ؟ قلنا: فائدته التفخيم له والتعظيم كقوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) . * * * فإن قيل: العطف يقتضى المغايرة فكيف عطف الكتاب المبين على القرآن والمراد به القرآن ؟ قلنا: قيل أن المراد بالكتاب المبين اللوح المحفوظ، فعلى هذا لا إشكال، وعلى القول الآخر نقول العطف يقتضى المغايرة مطلقاً إما لفظاً أو معنى بدليل قول الشاعر: فألفى قولها كذباً ومينا.................. وقولهم: جاءنى الفقيه والظريف، والمغايرة لفظاً ثابتة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) وقال تعالى في موضع آخر: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) ؟ قلنا: تزيين الله تعالى لهم الأعمال بخلقة الشهوة والهوى وتركيبها فيهم، وتزيين الشيطان بالوسوسة والاغواء والغرور والتمنية، فصحت الإضافتان.

стр. 379

فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (سآتيكم) وقال قى سورة طه: (لعلى آتيكم) وأحدهما قطع، والآخر ترج، والقصة واحدة ؟ قلنا: قد يقول الراجى إذا قوى رجاؤه سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) مع أنه لم يكن في النار أحد، بل لم يكن المرئي ناراً، وإنما كان نوراً في قول الجمهور، وقيل: كان ناراً ثم انقلب نوراً؟ قلنا: قال ابن عباس والحسن رضى الله عنهما: معناه قدس من ناداه من النار وهو الله تعالى، لا على معنى أن الله تعالى تجلى في شيء بل على معنى أنه أسعه النداء من النار في زعمه، الثانى: أن "من " زائدة، والتقدير: بورك في النار، وفيمن حولها، وهو موسى عليه السلام والملآئكة، الثالث: أن معناه بورك من في طلب النار، وهو موسى ﵇. * * * فإن قيل: إنما يقال بارك الله على كذا ولا يقال بارك الله كذا؟ قلنا: قال الفراء: العرب تقول: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ) وفى لفظ التحيات: وبارك على محمد وعلى آل محمد

стр. 380

فإن قيل: ما وجه صحة الاستثناء في قوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ....... الآية) ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه استثناء منقطع بمعنى لكن، الثانى: أنه استثناء متصل، كذا قاله الحسن وقتادة ومقاتل رضى الله عنهم، ومعناه إلا من ظلم منهم بارتكاب الصغيرة، كآدم ويونس وداود وسليمان وأخوه يوسف وموسى وغيرهم ﵈ فإنه يخاف مما فعل مع علمه أنى غغور رحيم، فيكون تقدير الكلام إلا من ظلم منهم، فإنه يخاف فمن ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإنى غفور رحيم، ولهذا قال بعضهم: "إن " هنا وقف على قوله تعالى: (إلا من ظلم) وابتداء الكلام الثانى محذوف كما قدرنا، الثالث: أن إلا بمعنى ولا كما في قول تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أي ولا الذين ظلموا منهم. الرابع: أن تقديره: أنى لا يخاف لدى المرسلون ولا غير المرسلين إلا من ظلم. * * * فإن قيل: كيف قال سليمان ﵇: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا) بنون العظمة، وهو من كلام المتكبرين؟ قلنا: لم يرد به نون العظمة، وإنما أراد به نون الجمع وعنى نفسه وأباه، الثانى: أنه كان ملكاً مع كونه نبياً فراعى سياسة الملك وتكلم بكلام الملوك.

стр. 381

فإن قيل: كيف حل له تعذيب الهدهد حتى قال: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا) ؟ قلنا: لعل ذلك أبيح له خاصة كما خص بعضهم منطق الطير وتسخيره له وغير ذلك. * * * فإن قيل: كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان ﵇ حتى قال: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) ؟ قلنا: يجوز أنه استصغر حالها بالنسبة لحال سليمان فاستعظم لها ذلك العرش، الثانى: أنه يجوز أن لا يكون لسليمان مثله، وإن عظمت مملكته في كل شيء كما يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون للملك مثله. * * * فإن قيل: كيف قال الهدهد: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع قول سليمان ﵇: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) فكأنه سوى بينهما؟ قلنا: بينهما فرق وهو أن الهدهد أراد به وأوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا، لأنه عطف على الملك، وسليمان أراد به وأوتينا من كل شيء من أسباب الدين والدنيا، ويؤيد ذلك عطفه على المعجزة وهى منطق الطير. * * * فإن قيل: كيف سوى الهدهد بين عرشها وعرش الله تعالى فى

стр. 382

الوصف بالعظيم حتى قال: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) وقال تعالى: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ؟ قلنا: بين الوصفين بون عظيم لأنه وصف عرشها بالعظيم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله تعالى بالعظيم بالنسبة إلى ما خلق من السموات والأرض وما بينهما. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم ؟ قلنا: معناه ثم تول عنهم مستتراً من حيث لا يرونك فانظر ماذا يرجعون، الثانى: أن فيه تقديماً وتأخيراً تقديره: فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. * * * فإن قيل: كيف استجاز سليمان ﵇ تقديم اسمه في الكتاب على اسم الله تعالى حتى كتب فيه: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ؟ قلنا: لأنه عرف أنها لا تعرف الله تعالى وتعرف سليمان، فخاف أن تستخف باسم الله تعالى إذا كان أول ما يقع نظرها عليه، فجعل اسمه وقاية لاسم الله تعالى، وقيل: أن اسم سليان ﵇ كان على عنوانه واسم الله تعالى كان في أول طية. * * * فإن قيل: كيف يجوز أن يكون "آصف " وهو كاتب سليمان ﵇ ووزيره وليس بنبى يقدر على ما لا يقدر عليه النبى، وهو

стр. 383

إحضار عرش بلقيس في طرفة عين؟ قلنا: يجوز أن يخص غير الرسول بكرامة لا يشاركه فيها رسول. كما خصت مريم بأنها كانت ترزق من فاكهة الجنة، وزكريا لم يرزق منها، وكما أن سليمان ﵇ خرج مع قومه يستسقون فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلي السماء تستسقى فقال لقومه: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم، ولم يلزم من ذلك فضلها على سليمان ﵇، وقد نقل أن النبى ﷺ كان إذا أراد الخروج إلى الغزوات قال لفقراء المهاجرين والأنصار أدعوا لنا بالنصرة، فإن الله تعالى ينصرنا بدعائكم، ولم يكونوا أفضل منه ﵇ مع أن كرامة التبع من جملة كرامات المتبوع، من وجه آخر قالوا: والعلم الذي كان عنده هو اسم الله الأعظم فدعا به فأجيب في الحال، ثم قيل هو يا حى، يا قيوم، وقيل: يا ذا الجلال والاكرام. وقيل: يا الله يا رحمن، وقيل: يا إلهنا وأله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت، فمن أخلص النية، ودعا بهذه الكلمات كلها مع إجتماع شرائط الدعاء المعروفة، فإنه يجاب لا محالة. * * * فإن قيل: كيف قالت: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهى إنما أسلمت بعده، على يده لا معه، لأنه كان مسلماً قبلها ؟ قلنا: إنما عدلت عن تلك العبارة إلى هذه لأنها كانت ملكة، فلم تر أن تذكر عبارة تدل على أنها صارت مولاة له بإسلامها على سده وإن كان الواقع كذلك. * * * فإن قيل: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟

стр. 384

قلنا: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا جمعوا بين البيانين ثم قالوا (مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) ، يعنون ما شهدناه وحده، كانوا صادقين لأنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) ونحن نعلم الجنة والنار وأحوال القيامة وكلها غيب ؟ قلنا: معناه لا يعلم الغيب بلا دليل إلا الله أو بلا معلم إلا الله أو جميع الغيب إلا الله، وقيل: معناه لا يعلم ضمائر أهل السموات والأرض إلا الله. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) وأدرك على اختلاف القراءتين هل مرجع الضمير فيه وفيما قبله واحد أم لا، وكيف مطابقة هذا الاضراب لما قبل، ومطابقته لما بعده من الاضرابين، وكيف وصفهم بنفى الشعور ثم بكمال العلم ثم بالشك ثم بالعمى؟ قلنا: مرجع الضمير في قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ) الكفار فقط، وفيما قبله جميع من في السموات والأرض، وقوله تعالى: "بل ادارك" معناه بل تتابع وتلاحق واجتمع كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا) وأصله تدارك فأدغمت التاء في الدال، وقوله تعالى: "بل ادرك " معناه بل كمل وانتهى،

стр. 385

قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد ما جهلوه في الدنيا علموه في الآخرة، وقال اللدى: يريد اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا ولم يختلفوا، وقال مقاتل: يريد علموا في الآخرة ما شكوا فيه وعموا عنه في الدنيا، وقوله تعالى: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا) معناه بل هم اليوم في شك من الساعة، (بل هم منها عمون) جمع عم: وهو أعمى القلب ومطابقة الاضراب الأول لما قبله، إن الذين لا يشعرون وقت البعث لما كانوا فريقين، فريق منهم لا يعلمون وقت البعث مع علمهم أنه يوجد لا محالة وهم المؤمنون، وفريق منهم لا يعلمون وقته لإنكارهم أصل وجوده، أفرد الفريق الثانى بالذكر بقوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) تأكيداً لنفى علهم بها فى الدنيا كأنه قال تعالى: بل فريق منهم لا يعلمون شيئاً من أمر البعث في الدنيا أصلا، ثم أضرب عن الأخبار بتتابع علمهم وتلاحقه بحقيقة البعث في الآخرة، إلى الأخبار عن شكلهم في الدنيا في أمر البعث والساعة ثم أضرب عنه إلى الإخبار عن عمى قلوبهم في أمر البعث والساعة مع قيام الأدلة الشرعية على وجودها لا محالة، وأما وصفهم بنفى الشعور ثم بكمال العلم ثم بالشك ثم بالعمى فلا تناقض فيه لأختلاف الأزمنة أو لاختلاف متعلقات تلك الأمور الأربعة وهى الشعور والعلم والشك والعمى. * * * فإن قيل: قضاء الله تعالى وحكمه واحد فما معنى قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ) وهو بمنزلة قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ)

стр. 386

بقضائه أو يحكم بينهم بحكمته؟ قلنا: معناه بما يحكم به وهو عدله المعروف، المألوف لأنه لا يقضى إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً، وقيل: معناه بحكمته، ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه، جمع حكمة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) ولم يراع المقابلة بقوله تعالى: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أي ليبصروا فيه ؟ قلنا: راعى المقابلة المعنوية دون اللفظية، لأن معنى مبصراً ليبصروا فيه، وقد سبق ما يشبه هذا في قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) مع أن في ذلك علامات على وحدانية الله تعالى لجميع العقلاء؟ قلنا: إنما خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) ولم يقل فيفزع وهو أظهر مناسبة؟ قلنا: أراد بذلك الاشعار بتحقق الفزع وثبوته، وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على الوجود والتحقق قطعاً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) أي صاغرين

стр. 387

أذلاء بعد ألبعث، مع أن النبيين والصديقين والشهداء يأتوه عزيزين مكرمين؟ قلنا: المراد به صغار العبودية والرق وذلهما لا ذل الذنوب والمعاصى، وذلك يعم الخلق كلهم، ونظيره قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) .

стр. 388

سورة القصص * * * فإن قيل: ما فائدة وحى الله تعالى إلى أم موسى ﵇ بإرضاعه وهى ترضعه طبعاً سواء أمرت بذلك أم لا ؟ قلنا: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها فلا يقبل سدى غيرها بعد وقوعه في يد فرعون فلو لم يأمرها بإرضاعه ربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت ذلك المقصود. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي) والشرط الواحد إذا تعلق به جزاءان صدق قولنا إذا وجد هذا الشرط وجد هذا الجزاء أيهما شئت، ويلزم من هذا صدق قوله: فإذا خفت عليه فلا تخافى، وإنه يشبه المتناقض؟ قلنا: معناه إذا خفت عليه من القتل قألقيه في البحر، ولا تخافى عليه من الغرق ولا تناقض بينهما. فأن قيل: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) ؟ قلنا: الخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأرق وقع في الماضى * * * فإن قيل: كيف جعل موسى ﵇ قتله القبطى الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه؟ قلنا: إنما جعله من عمل الشيطان لأنه قتله قبل أن يؤذن له في قتله، فكان ذلك ذنباً يستغفر منه مثله قال ابن جريج: ليس لنبى أن يقتل ما لم يؤمر.

стр. 389

فإن قيل: موسى ﵇ ما سقى لابنتى شعيب طلباً للأجر، فكيف أجاب دعوتها لما قالت له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) ؟ قلنا: يجوز أن يكون قد أجاب دعوتهما ودعوة أبيها لوجه الله تعالى على سبيل البر والمعروف ابتداء لا على سبيل الأجر، وإن سمته هى أجراً، ويؤيد هذا ما ووى أنه لما قدم اليه الطعام امتنع، وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على المعووف ثمناً حتى قال له شعيب ﵇: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. * * * فإن قيل: كيف قال له شعيب ﵇: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) ومثل هذا النكاح لا يصح لجهالة المنكوحة، والنبى ﵇ لا ينكح نكحاً فاسداً ولا يعد به؟ قلنا: إنما كان ذلك وعداً بنكاح معينة عند الواعد وإن كانت مجهولة عند الموعود، ومثله جائز، ويكون التعيين عند إنجاز الوعد كما وقع منه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) فجعل الجناح هنا مضموماً، وقال تعالى في سورة طه: ((وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) فجعل الجناح مضموماً إليه. والقصة واحدة؟

стр. 390

قلنا: المراد بالجناح المضموم هنا هو اليد اليمنى، والمراد بالجناح المضموم إليه في سورة طه ما بين العضد إلى الإبط من اليد اليسرى فلا تناقض بينهما. * * * فإن قيل: ما معنى قول تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) ؟ قلنا: لما هرب من الحية أمره الله تعالى أن يضم إليه جاحه ليذهب عنه الفزع، وإنما قال تعالى: "من الرهب" لأنه جعل الرهب الذي أصابه علة وسبباً لما أمر به من ضم الجناح، قال مجاهد: كل من فزع من شيء فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع (وقيل: حقيقة ضم الجناح غير مراده بل هو مجاز عن تسكين الروع وتثبيت الجأش، قال أبو على: لم يرد به الضم بين الشيئين، وإنما أمر بالعزم والجد في الاتيان بما طلب منه، ومثله قولهم: أشدد حيازيمك للموت........... ليس فيه شد حقيقة، وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره ولى مدبراً من الرهب. * * * فإن قيل: أي فائدة تفيد تصديق هارون لموسى ﵉ حتى قال: (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) ؟ قلنا: ليس مراده بقوله: "يصدقنى" أن يقول له: صدقت في دعوى الرسالة، فإن ذلك لا يفيده عند فرعون وقومه الذين كانوا لا يصدقونه مع وجود تلك الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، بل مراده أن يلخص حججه بلسانه، ويبسط القول فيها ببيانه، ويجادل
следующие страницы →