← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بقضائه أو يحكم بينهم بحكمته؟ قلنا: معناه بما يحكم به وهو عدله المعروف، المألوف لأنه لا يقضى إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً، وقيل: معناه بحكمته، ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه، جمع حكمة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) ولم يراع المقابلة بقوله تعالى: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أي ليبصروا فيه ؟ قلنا: راعى المقابلة المعنوية دون اللفظية، لأن معنى مبصراً ليبصروا فيه، وقد سبق ما يشبه هذا في قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) مع أن في ذلك علامات على وحدانية الله تعالى لجميع العقلاء؟ قلنا: إنما خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) ولم يقل فيفزع وهو أظهر مناسبة؟ قلنا: أراد بذلك الاشعار بتحقق الفزع وثبوته، وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على الوجود والتحقق قطعاً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) أي صاغرين

стр. 387

أذلاء بعد ألبعث، مع أن النبيين والصديقين والشهداء يأتوه عزيزين مكرمين؟ قلنا: المراد به صغار العبودية والرق وذلهما لا ذل الذنوب والمعاصى، وذلك يعم الخلق كلهم، ونظيره قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) .

стр. 388

سورة القصص * * * فإن قيل: ما فائدة وحى الله تعالى إلى أم موسى ﵇ بإرضاعه وهى ترضعه طبعاً سواء أمرت بذلك أم لا ؟ قلنا: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها فلا يقبل سدى غيرها بعد وقوعه في يد فرعون فلو لم يأمرها بإرضاعه ربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت ذلك المقصود. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي) والشرط الواحد إذا تعلق به جزاءان صدق قولنا إذا وجد هذا الشرط وجد هذا الجزاء أيهما شئت، ويلزم من هذا صدق قوله: فإذا خفت عليه فلا تخافى، وإنه يشبه المتناقض؟ قلنا: معناه إذا خفت عليه من القتل قألقيه في البحر، ولا تخافى عليه من الغرق ولا تناقض بينهما. فأن قيل: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) ؟ قلنا: الخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأرق وقع في الماضى * * * فإن قيل: كيف جعل موسى ﵇ قتله القبطى الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه؟ قلنا: إنما جعله من عمل الشيطان لأنه قتله قبل أن يؤذن له في قتله، فكان ذلك ذنباً يستغفر منه مثله قال ابن جريج: ليس لنبى أن يقتل ما لم يؤمر.

стр. 389

فإن قيل: موسى ﵇ ما سقى لابنتى شعيب طلباً للأجر، فكيف أجاب دعوتها لما قالت له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) ؟ قلنا: يجوز أن يكون قد أجاب دعوتهما ودعوة أبيها لوجه الله تعالى على سبيل البر والمعروف ابتداء لا على سبيل الأجر، وإن سمته هى أجراً، ويؤيد هذا ما ووى أنه لما قدم اليه الطعام امتنع، وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على المعووف ثمناً حتى قال له شعيب ﵇: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. * * * فإن قيل: كيف قال له شعيب ﵇: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) ومثل هذا النكاح لا يصح لجهالة المنكوحة، والنبى ﵇ لا ينكح نكحاً فاسداً ولا يعد به؟ قلنا: إنما كان ذلك وعداً بنكاح معينة عند الواعد وإن كانت مجهولة عند الموعود، ومثله جائز، ويكون التعيين عند إنجاز الوعد كما وقع منه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) فجعل الجناح هنا مضموماً، وقال تعالى في سورة طه: ((وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) فجعل الجناح مضموماً إليه. والقصة واحدة؟

стр. 390

قلنا: المراد بالجناح المضموم هنا هو اليد اليمنى، والمراد بالجناح المضموم إليه في سورة طه ما بين العضد إلى الإبط من اليد اليسرى فلا تناقض بينهما. * * * فإن قيل: ما معنى قول تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) ؟ قلنا: لما هرب من الحية أمره الله تعالى أن يضم إليه جاحه ليذهب عنه الفزع، وإنما قال تعالى: "من الرهب" لأنه جعل الرهب الذي أصابه علة وسبباً لما أمر به من ضم الجناح، قال مجاهد: كل من فزع من شيء فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع (وقيل: حقيقة ضم الجناح غير مراده بل هو مجاز عن تسكين الروع وتثبيت الجأش، قال أبو على: لم يرد به الضم بين الشيئين، وإنما أمر بالعزم والجد في الاتيان بما طلب منه، ومثله قولهم: أشدد حيازيمك للموت........... ليس فيه شد حقيقة، وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره ولى مدبراً من الرهب. * * * فإن قيل: أي فائدة تفيد تصديق هارون لموسى ﵉ حتى قال: (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) ؟ قلنا: ليس مراده بقوله: "يصدقنى" أن يقول له: صدقت في دعوى الرسالة، فإن ذلك لا يفيده عند فرعون وقومه الذين كانوا لا يصدقونه مع وجود تلك الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، بل مراده أن يلخص حججه بلسانه، ويبسط القول فيها ببيانه، ويجادل

стр. 391

عنه بالحق، فيكون ذلك سببا لتصديقه، ألا ترى إلى قوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لما قلنا لا لقوله صدقت، فإن سحبان وادل وباقلا في ذلك سواء. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) أي أحكمنا إليه الوحى مغنى عن قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي من الحاضرين عند ذلك ؟ قلنا: معناه ما كنت من الشاهدين قصته مع شعيب ﵇، فاختلفت القضيتان. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وكم رأينا من الظالمين بالكفر والكبائر من قد هداه الله للإسلام والتوبة؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة المائدة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) وإنما يرى العذاب من كان ضالاً لا مهتدياً؟ قلنا: جواب لو محذوف تقديره: ورأوا العذاب لو أنهم كانوا مهتدين

стр. 392

لما اتبعوهم أو لما رأوا العذاب. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في آخر آية الليل: (بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) وقال في آخر آية النهار: (بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ؟ قلنا: السماع والابصار المذكوران لا تعلق لهما بظلمة الليل ولا بضياء النهار، فلذلك لم يقرن الابصار بالضياء، وبيانه أن معنى الآيتين أفلا يسمعون القرآن سماع تدبر وتأمل فيستدلون بما فيه من الحجج على توحيد الله تعالى، أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة. * * * فإن قيل: كيف وجه صحة الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ؟ قلنا: قال الفراء: هو استثناء منقطع تقديره: ولكن ألقى إليك رحمة من ربك، أي الرحمة.

стр. 393

سورة العنكبوت * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ) ثم قال: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) ؟ قلنا: معناه وما الكافرون بحاملين شيئاً من خطايا المؤمنين التى ضمنوا حملها، وليحمن الكافرون أثقال أنفسهم، وهى ذنوب ضلالهم، وأثقالا مع أثقالهم، وهى ذنوب إضلالهم غيرهم من الكفار لا خطايا المؤمنين التى نفى عنهم حملها، وقد سبق نظير هذا في قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فى آخر سورة الأنعام وفى سورة بنى اسرائيل. * * * فإن قيل: ما فائدة العدول عن قوله تسعمائة وخمسين عاما إلى قوله تعالى: (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) مع أن عادة أهل الحساب هو اللفظ الأول؟ قلنا: لما كانت القصة مسوقة لتسلية النبى ﵇ بذكر ما أبتلى به نوح ﵇ من أمته وكابده من طول مصابرتهم، كان ذكر أقص العدد الذي لا عقد أكثر منه في مراتب العدد أفخم وأعظم وأفضى إلى الغرض المقصود، وهو استطالة السامع مدة صبره، وفيه فائدة أخرى وهى نفى وهم إرادة المجاز باطلاق لفظ التسعمائة والخمسين على أكثرها، فإن هذا الوهم مع الألف والاستثناء منتف أو هو ابعد. * * * فإن قيل: كيف جاء المميز أولا بالسنة وثانيا بالعام؟

стр. 394

قلنا: لأن تكرار اللفظ الواحد مجتنب في مذهب الفصحاء والبلغاء إلا لغرض تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك. * * * فإن قيل: كيف نكر الرزق ثم عرفه في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) ؟ قلنا: لأنه أراد أنهم لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق فابتغوا عند الله الرزق كله، فإنه هو الرزاق وحده، لا يرزق غيره. * * * فإن قيل: كيف أضمر اسمه تعالى في قوله : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ثم أظهره في قوله تعالى: (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) (وكان القياس كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة) ؟ قلنا: إنما عدل إلى ما ذكر لتأكيد الإخبار عن الإعادة التى كانت هى المنكرة عندهم بالإفصاح باسمه تعالى في ذكرها، وجعله مبتدأ لزيادة الاهتمام بشأنها. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) في معرض المدح أو في معرض الامتنان وأجر الدنيا، فإنه منقطع بخلاف أجر الآخرة، فإنه النعيم الباقى المقيم فكان أولى بالذكر؟ قلنا: المراد أجره مضموماً إلى أجره في الآخرة

стр. 395

من غير أن ينقص من أجر الآخرة شيئاً، قال ابن جرير: وإليه الإشارة بقول تعالي: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) يعنى لة في الآخرة جزاء الصالحين وافياً كاملاً وأجره في الدنيا، قيل: هو الثناء الحسن من الناس، والمحبة من أهل الأديان كلها، وقيل: هو البركة التى بارك الله فيه وفى ذريته. * * * فإن قيل: كيف قالوا: (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) يعنون مدينة قوم لوط ﵇، ولم يقولوا تلك القرية مع أن مدينة قوم لوط كانت بعيدة عن موضع إبراهيم ﵇، غائبة عند وقت هذا الخطاب ؟ قلنا: إنما قالوا هذه القرية لأنها كانت قريبة حاضرة بالنسبة إليهم، وإن كانت بعيدة بالنسبة إلى إبراهيم ﵇. * * * فإن قيل: كيف قالوا: (أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) ولم يقولوا أهل هذه القرى، مع أن مدائن قوم لوط كانت خمساً، فأهلكوا أربعة؟ قلنا: إنما اقتصروا في الذكر على قرية واحدة لأنها كانت أكبر وأقرب وهى "سدوم " مدينة لوط ﵇ فجعلوا ما وراءها تبعاً لها في الذكر. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي ذوى بصائر يقال فلان مستبصر إذا كان عاقلاً لبيباً صحيح النظر ولو كانوا كذلك لما عدلوا عن طريق الهدى إلى طريق الضلال؟

стр. 396

قلنا: معناه وكانوا مستبصرين في أمور الدنيا، وقيل: معناه وكانوا عارفين بالحق بوضوح الحجج والدلائل، ولكنهم كانوا ينكرونه متابعة للهوى لقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) ، وقيل: معناه وكانوا مستبصرين لو نظروا نظر تدبر وتفكر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وكل أحد يعلم أن أضعف البيوت تتخذها الهوام بيت العنكبوت ؟ قلنا: معناه لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام أولياء من دون الله مثل اتخاذ العنكبوت بيتاً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) وكل أهل ألكتاب ظالمون لأنهم كافرون، ولا ظلم أشد من الكفر، ويؤيده قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ؟ قلنا: المراد بالظلم هنا الامتناع عن قبول عقد الذمة وأداء الجزية أو نقض العهد بعد قبوله، الثانى: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية)

стр. 397

فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) ؟ قلنا: فائدته تأكيد النفى كما يقال في الاثبات للتأكيد هذا الكتاب مما كتبه فلان بيده ويمينه، ورأيت فلان بعينه، وسمعت هذا الحديث بأذنى ونحو ذلك. * * * فإن قيل: كيف لم يؤكد سبحانه في التلاوة ولم يقل: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب بلسانك ؟ قلنا: الأصل في الكلام عدم الزيادة، فكل ما جاء على الأصل لا يحتاج إلى العلة، وإنما يحتاج إلى العلة ما جاء على خلاف الأصل. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (واوَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) ومعلوم أن المجاهدة في الدين أو في حق الله تعالى مع النفس الأمارة بالسوء أو مع الشيطان أو مع أعداء الدين كل ذلك إنما يكون بعد تقدم الهدية من الله تعالى، فكيف جعل الهداية من ثمرات المجاهدة؟ قلنا: معناه والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبلنا بمعرفة الأحكام وحقائقها، وقيل: معناه لنهدينهم طريق الجنة، وقيل: معناه والذين جاهدوا لتحصيل درجة لنهدينهم إلى درجة أخرى أعلى منها وحاصله لنزيدنهم هداية وتوفيقاً للخيرات كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) وقوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)

стр. 398

وقال أبو سليمان الدارائى: معناه والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا، وعن بعض الحكماء: من عمل بما علم وفق لما لا يعلم، وقيل: أن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم هو من تقصيرنا فيما نعلم.

стр. 399

سورة الروم * * * فإن قيل: كيف ذكر الضمير في قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) والمراد به الإعادة لسبق قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ؟ قلنا: معناه ورجعه أو ورده أهون عليه، فأعاد الضمير على المعنى لا على اللفظ كما في قوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) أي بلداً أو مكاناً. * * * فإن قيل: كيف أخرت الصلة في قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) وقدمت في قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) ؟ قلنا: لأنه هناك قصد الاختصاص، مجرى الكلام فقيل: هو على هين، وإن كان مستصعباً عندكم أن يولد بين هم وعاقر، وأما هنا فلا معنى للاختصاص فجرى على اصله، كيف والأمر مبنى على ما يعقل الناس من أن الإعادة أسهل من الإبتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) والأفعال كلها بالنسبة إلى قدرة الله تعالى في السهولة سواء، وإنما تتفاوت في السهولة والصعوبة بالنسبة إلى قدرتنا؟ قلنا: معناه " وهو هين عليه " وقد جاء في كلام العرب " أفعل "

стр. 400

بمعنى اسم الفاعل من غير تفضيل، ومنه قولهم في الآذان الله أكبر أي الله كبير في قول بعضهم، وقال الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنا لنا. . . بيتاً دعائمه أعز وأطول. أى عزيزة طويلة، وقال معن بن أوس المزنى: لعمرك ما أدرى وإنى لأوجل. . . على أينا تعدو المنية أول. أى وإنى لوجل، وقال الآخر: أصبحت أمنحك مع الصدود وإننى. . . قسماً إليك مع الصدود لأميل. أى لمائل، وقال الآخر: تمنى الرجال أن أموت وإن مت. . . فتلك سبيل لست فيها بأوحد. أى بواحد، الثانى: أن معناه "وهو أهون عليه" في تقديركم وحكمكم، لأنكم تزعمون وتعتقدون فيما بينكم أن الإعادة أهون من الابتداء، كيف وأن الابتداء من ماء والإعادة من تراب، وتركيب الصورة من التراب أهون عندكم، الثالث: أن الضمير في قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) راجع إلى المخلوق لا إلى الله تعالى معناه أنه لا صعوبة على المخلوق فيه ولا إبطاء، لأنه يعاد دفعة واحدة بقوله تعالى: (كن فيكون) وفى الابتداء (خلق نطفة ثم

стр. 401

نقل إلى علقة ثم إلى مضغة ثم إلى عظام ثم إلى كسوة اللحم) ، الرابع: أن الابتداء من قبل التفضل الذي لا مقتضى لوجوبه والاعادة من قبيل الواجب لأنها لابد منها لجزاء الأعمال، وجزاؤها واجب بحكم وعده . * * * فإن قيل: كيف معنى قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا ... الآية) على اختلاف القراءتين بالمد والقصر ؟ قلنا: قال الحسن رضى الله عنه: المراد به الربا المحرم والخطاب لدافعى الربا لا لآخذيه، معناه: وما أعطيتم أكلة الربا من زيادة لتربوا وتزكوا في أموالهم فلا يربوا عند الله ولا يبارك فيها، فهو نظير قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) لا فرق بينهما، وقال ابن عباس رضى الله عنهما والجمهور، المراد به أن يهب غيره هبة أو يهدى إليه هداية على قصد أن يعوضه أكثر منها، وقالوا: وليس في ذلك أجر ولا وزر، وإنما سماه ربا، لأنه مدفوع لاجتلاب الربا وهو الزيادة فكان سبباً لها فسمى باسمها، ومعنى قراءة المد ظاهر، وأما قراءة القصر فمعناها: وما جئتم أي وما فعلتم من إعطاء ربا، كما تقول: أتيت خطأ وأتيت صوابا أى فعلت وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) أي ذو الاضعاف من الحسنات، وهو التفات عن الخطاب إلى الغيبة.

стр. 402

فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (من قبله) بعد قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) ؟ قلنا: فائدته التأكيد كما في قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) وقيل: الضمير لإرسال الرياح أو السحاب فلا تكرار. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف) والضعف صفة الشيء الضعيف، فكيف يخلق الإنسان من تلك الصفة، مع علمنا أنه خلق من عين وهى الماء والتراب لا من صفة؟ قلنا: أطلق المصدر وهو الضعف، وأراد به اسم الفاعل وهو الضعيف كقولهم: رجل عدل أي عادل ونحوه، فمعناه من ضعف وهو النطفة، وقيل: معناه على ضعف، فمن بمعنى على كما في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) والمراد به ضعف جثة الطفل حال طفولته. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ) وهم إنما لبثوا في الأرض في قبورهم؟ قلنا: معناه لقد لبثتم في قبوركم ذماناً في علم كتاب الله أو في خبر كتاب الله، وقيل: معناه في قضاء الله، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم

стр. 403

البعث، وأراد بالذين أوتوا العلم في كتاب الله الذين علموه، وفهموا كقوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) وقال تعالى في موضع آخر: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) فجعلهم مرة طالبين للإعتاب، ومرة مطلوباً منهم الإعتاب ؟ قلنا: معنى قوله تعالى: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) أي ولا هم يقالون عثراتهم بالرد إلى الدنيا، ومعنى قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) أي وإن يستقيلوا فما هم من المقالين، هذا ملخص الجواب وحاصله، وقد أوضحنا معناه في شرح غريب القرآن.

стр. 404

سورة لقمان ﵇ * * * فإن قيل: كيف يحل سماع الغناء بعد قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ. ... الآية) . وقد قال الواحدى في تفسيره الوسيط: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء، وروى هو أيضاً عن النبى ﷺ حديثاً مسنداً أنه قال: والذى نفسى بيده ما رفع رجل قط عقيرته يتغنى إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره وصدره حتى يسكت، وقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن مسعود رضى الله عنهم: لهو الحديث هو: والله الغناء واشتراء المغنى والمغنية بالمال، وروى أيضاً حديثاً آخر عن النبى ﷺ مسنداً أنه قال في هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) اللعب والباطل كثير النفقة سمح فيه، لا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به، وروى أيضا حديثاً آخر مسنداً عن النبى ﷺ أنه قال: من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة. قيل: وما الروحانيون؟ قال: قراء أهل الجنة، قال أهل المعانى: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو واللعب والمزامير والمعاذف على القرآن، وإن كان اللفظ ورد بالشراء، لأن هذا اللفظ يذكر في الاستبدال والاختيار كثيراً، وقال قتادة ﵀: حسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق هذا كله نقل الواحدى ﵀ وكان من كبار السلف في العلم والعمل وقال غيره: قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير

стр. 405

وعكرمة وقتادة رضى الله عنهم المراد بلهو الحديث: الغناء وعن ألحسن رضى الله عنه مثله. وعنه أنه كل ما ألهى عن الله تعالى، وفى معنى يشترى قولان: أحدهما: أنه الشراء بالمال، والثانى: أنه الاختيار كما مر، وقيل: الغناء منفدة للمال مفسدة للقلب مسخطة للرب؟ قلنا: جوابه أنهم يؤولون هذه الآية ونظائرها، وهذه الأحاديث ونظائرها فيصرفونها عن ظاهرها متابعة للهوى وميلا إلى الشهوات. ولو نظروا بعقولهم فيما ينشأ عن جمعيات السماع في زماننا هذا من المفاسد لعلموا حرمته بلا خلاف بين المسلمين، فإن شروط إباحة السماع عند من أباح لا تجتمع في زماننا هذا على ما هو مسطور فى كتب المشايخ، وأرباب الطريق، ولو اشتغلنا بتفصيل مفاسده وعدد شروطه عند من أباحه لخرجنا عن مقصود كتابنا هذا. * * * فإن قيل: كيف وقع قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ... الآيتان) في أثناء وصية لقمان لابنه، وما الجامع بينهما ؟ قلنا: هى جملة وقعت معترضة على سبيل الاستطراد تأكيداً لما في وصية لقمان من النهى عن الشرك. * * * فإن قيل: قول تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) كيف اعترض بين الوصية ومفعولها؟ قلنا: لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم خاصة وتعانيه من المشاقة والمتاعب تخصيصاً لها بتأكيد الوصية وتذكيراً لغظيم حقها بأفرادها بالذكر، ومن هنا قال رسول الله ﷺ لمن قال له من

стр. 406

أبر: قال: أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك: ثم أباك. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) فجمع الأصوات وأفرد صوت الحمير ؟ قلنا: ليس المراد ذكر صوت كل واحد من آحاد الجنس حتى الجمع وإنما أراد أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت وأنكر الأصوات من هذه الأجناس صوت هذا الجنس فوجب إفراده. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) يطابقه وما في الأبحر من ماء مداد فكيف عدل عنه؟ قلنا: استغنى عن ذكر المداد بقوله تعالى: (يمده) لأنه من قولك مد الدواة وأمدها، فجعل البحر المحيط بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة المملوءة مداداً أبداً صباً لا ينقطع، فصار نظير ما ذكرتم ونظيره قول تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ... الآية) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي) ولم يقل من شجر؟ قلنا: لأنه أراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة واحدة إلا وقد بريت أقلاماً. * * * فإن قيل: الكلمات جمع قلة والمقصود التعظيم والتفخيم، فكان جمع الكثرة وهو الكلم أشد مناسبة؟ قلنا: جمع القلة أبلغ فيما ذكرتم من المقصود، لأن جمع القلة إذا لم

стр. 407

يغن بتلك الأقلام وذلك والمداد فكيف يغنى جمع الكثرة. * * * فإن قيل: في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ.... الآية) كيف أضاف العلم إلى نفسه في الأمور الثلاثة من الخمسة المغيبات، ونفى العلم عن العباد في الأمرين الآخرين، مع أن الأمور الخمسة سواء في اختصاص الله تعالى بعلمها وانتفاء علم العباد بها؟ قلنا: إنما خص الأمور الثلاثة الأول بالإضافة إليه تتميماً لها وتفخيماً لأنها أجل وأعظم، وإنما خص الأمرين الآخرين بنفى علمهما عن العباد لأنهما من صفاتهم وأحوالهم، فإذا انتفى عنهم علمهما كان انتفاء علم ما عداهما من الأمور الخمسة الأولى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ولم يقل بأى وقت تموت، وكلاهما غير معلوم، بل نفى العلم بالزمان أولى لأن من الناس من يدعى علمه وهم المنجمون بخلاف المكان، فإن أحداً لا يدعى علمه؟ قلنا: إنما خص المكان بنفى علمه لوجهين: أحدهما: أن الكون في مكان دون مكان في وسع الإنسان واختياره. فيكون اعتقاده علم مكان الموت أقرب بخلاف الزمان، الثانى: أن للمكان تأثيراً في جلب الصحة والسقم بخلاف الزمان أو تأثير المكان في ذلك أكثر.

стр. 408

سورة السجدة * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وقال تعالى في سورة المعارج: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْ مٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) ؟ قلنا: المراد بالأول مسافة عروج الملك من الأرض إلى السطح الأعلى من سماء الدنيا، وذلك ألف سنة، خمسمائة سنة مسافة ما بين السماء والأرض، وخمسمائة سنة مسافة سمك سماء الدنيا. والمراد بالثانى: مسافة عروج الملآئكة من الأرض إلى العرش، الثانى: أن المراد به في الآيتين يوم القيامة، ومقداره ألف سنة من حساب أهل الدنيا لقوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) ومعنى قوله تعالى: "خمسين ألف سنة " أي لو تولى فيه حساب الخلق غير الله تعالى، الثالث: أنه كألف سنة في حق عوام المؤمنين، وكخمسين ألف سنة في حق الكافرين لشدة ما يكابدون فيه من الأهوال والمحن، وكساعة من أيام الدنيا في حق خواص المؤمنين، ويؤيد ما روى أنه قيل: يا رسول الله يوم مقداره خمسون ألف سنة ما أطوله، فقال: والذى نفسى بيده أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا، وروى أن ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن هأتين الآيتين، فقال: يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه. وإنى أكره أن أقول في كتاب الله تعالى بما لا أعلم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) أو

стр. 409

(كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) على اختلاف القراءتين، ومقتضى القراءتين أن لا يكون في مخلوقات الله تعالى شيء قبيح والواقع خلافه، ولو لم يكن إلا الشرور والمعاصى فإنها مخلوقة لله تعالى عند أهل السنة والجماعة مع أنها قبيحة؟ قلنا: أحسن بمعنى أحكم وأتقن، الثانى: أن فيه إضمار تقديره: أحسن إلى كل شيء خلقه، وهذا الجواب يخص قراءة فتح اللام. الثالث: أن أحسن بمعنى علم كما يقال: فلان لا يحسن شيئاً أي لا يعلم شيئاً، وقال على رضى الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسنه أي ما يعلمه، فمعناه أنه علم خلق كل شيء أو علم كل شيء خلقه ولم يتعلمه من أحد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) وقال تعالى في موضع آخر: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ؟ قلنا: المذكور هنا صفة ذرية آدم، والمذكور هناك صفة آدم ﵇ يعلم ذلك من أولى الآيتين فلا تنافى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) والله تعالى منزه عن الروح؟ قلنا: معناه ونفخ فيه من روحه مضافة إلى الله تعالى بالخلق والإيجاد، لا بوجه آخر.

стр. 410

فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) وقال تعالى في موضع آخر: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) وقال تعالى في موضع آخر: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) ؟ قلنا: الله تعالى هو المتوفى بخلق الموت، وأمر الوسائط بنزع الروح، والملآئكة المتوفون أعوان ملك الموت وهم يجذبون من الأظفار إلى الحلقوم، وملك الموت يتناول الروح من الحلقوم فصحت الإضافات كلها. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا ... الآية) وليس المؤمنون منحصرين في من هو موصوف بهذه الصفة، ولا هذه الصفة شرط في تحقق الإيمان؟ قلنا: المراد بقوله تعالى: (ذُكِّرُوا بِهَا) أي وعظوا، والمراد بالسجود: الخضوع والخشوع والتوضع في قبول الموعظة بآيات الله تعالى، وهذه الصفة شرط في تحقق الإيمان، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا.... الآية) . الثانى: أن معناه إنما يؤمن بآياتنا إيماناً كاملا من اتصف بهذه الصفة، وقيل: المراد بالأيات فرائض الصلوات الخمس، والمراد التذكير بها بالآذان والإقامة.

стр. 411

فإن قيل: قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) يدل على أن الفاسق لا يكون مؤمناً ؟ قلنا: الفاسق بمعنى الفاجر بدليل قوله تعالى بعده: (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ، والتقسيم يقتضى كون الفاسق المذكور هنا كافراً لا كون كل فاسق كافراً، ونظيره قوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ولم يلزم من ذلك أن كل مجرم كافر، ولا أن كل مسيء كافر. * * * فإن قيل: ما فائدة العدول عن قوله تعالى: (فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) ؟ قلنا: لما جعله أظلم الظلمة ثم توعد كل المجرمين بالانتقام (منه دل على أن الأظلم يصيبة النصيب الأوفر من الانتقام) ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ) سؤال عن وقت الفتح، وهو يوم القضاء بين المؤمنين والكافرين، يعنى يوم

стр. 412

القيامة فكيف طابقه ما بعده جواباً؟ قلنا: لما كان سؤالهم سؤال تكذيب واستهزاء بيوم القيامة لا سؤال استفهام أجيبوا بالتهديد المطابق للتكذيب والاستهزاء لا ببيان حقيقة الوقت. * * * فإن قيل: على قول من فسر الفتح فتح مكة أو بفتح يوم بدر كيف وجه الجواب، وقد نفع بعض الكفار، إيمانهم في ذينك اليومين وهم الطلقاء الذين آمنوا ؟ قلنا: المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق.

стр. 413

سورة الأحزاب * * * فإن قيل: كيف قال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ولم يقل يا محمد كما قال تعالى: يا موسى ويا عيسى ويا داود ونحوه ؟ قلنا: إنما عدل عن ندائه باسمه إلى ندائه بالنبى والرسول إجلالا وتعظيماً له كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) و (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ) . * * * فإن قيل: لو كان ذلك كما ذكرتم لعدل عن اسمه إلى نعته في الإخبار عنه كما عدل في النداء، ولم يعدل عنه في قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ؟ قلنا: إنما عدل عن نعته في هذين الموضعين لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقينهم أنى يسمونه بذلك ويدعوه به، ولذلك ذكره بنعته لا باسمه في غير هذين. الموضعين من مواضع الإخبار، كما ذكره في النداء: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ، (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ) ، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)

стр. 414

, (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ، (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ) ونظائره كثيرة. * * * فإن قيل: ما فائدة ذكر الجوف في قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة الحج في قوله تعالى: (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) . * * * فإن قيل: ما معنى قولهم: أنت على كظهر أمى؟ قلنا: أرادوا أن يقولوا: أنت على حرام كبطن أمى، فكنوا عن البطن بالظهر (لئلا يذكر البطن الذي يقارب ذكره ذكر الفرج، وإنما كنوا عن البطن بالظهر) لوجهين: أحدهما: أنه عمود البطن، ويؤيده قول عمر رضى الله عنه: يجيء به أحدهم على عمود بطنه، أي على ظهره، الثانى: أن إتيان المرأة من قبل ظهرها كان محرماً عندهم، وكانوا يعتقدون إنها إذا أتيت من قبل ظهرها جاء الولد أحول، فكان المطلق في الجاهلية إذا قصد تغليظ الطلاق قال: أنت على كظهر أمى.

стр. 415

فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) جعل أزواج النبى ﵇ بمنزلة أمهات المؤمنين حكماً، وما جعل النبى ﵇ بمنزلة أبيهم حكماً، كما قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) ؟ قلنا: أراد الله تعالى بقوله: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) أن أمته يدعون أزواجه بأشرف الأسماء، وأشرف أسماء النساء الأم، وأشرف أسماء النبى ﵇ رسول الله لا الأب، الثانى: أنه تعالى جعلهن أمهات المؤمنين تحريماً لهن عليهم إجلالا وتعضيماً له ﵊ كي لا يطمع أحد في نكاحهن فلو جعل النبى ﵇ أباً للمؤمنين لكان أبا للمؤمنات أيضاً فلم يحل له نكاح امرأة من المؤمنات، وذلك ينافى إجلاله وتعظيمه، وقد جعله أعظم من الأب في القرب والحرمة بقوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فجعل أقرب إليهم من أنفسهم وأحب، وكثيراً من الآباء يتبرأ من ابنه، ويتبرأ منه ابنه أيضاً، وليس أحد يتبرأ من نفسه. * * * فإن قيل: كيف قدم النبى ﵇ على نوح ومن بعده في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ؟ قلنا: لأن هذا العطف من باب عطف الخاص على العام الذي هو جزء

стр. 416

منه لبيان التفضيل والتخصيص بذكر مشاهير الأنبياء وذراريهم، فلما كان النبى ﷺ أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم، وفى الميثاق المأخوذ قولان: أحدهما: أنه تعالى أخذ منهم الميثاق يوم أخذ الميثاق بأن يصدق بعضهم بعضاً، والثانى: أنه تعالى أخذ منهم الميثاق أن يوحدوا الله تعالى، ويدعوا إلى توحيده، ويصدق بعضهم بعضاً. * * * فإن قيل: كيف قدم عليه نوح ﵉ في نظير هذه الآية وهى قول تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) ؟ قلنا: لأن تلك الآية سيقت لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة. كأنه قال شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح ﵇ في العهد القديم، وبعث عليه محمد ﵇ في العهد الحديث. وبعث عليه من توسطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح ﵇ أشد مناسبة بالمقصود من سرق الآية. * * * فإن قيل: ما فائدة إعادة أخذ الميثاق في قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) ؟ قلنا: فائدته التأكيد ووصف الميثاق المذكور أولا بالجلالة والعظم استعاذة من وصف الإجرام به، وقيل: إن المراد بالميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا، فلا إعادة لاختلاف الميثاقين.

стр. 417

فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف حال المؤمنين التى أمتن عليهم فيها: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) ولو بلغت القلوب الحناجر لماتوا، ولم يبق للإمتنان وجه ؟ قلنا: قال ابن قتيبة: معناه كادت القلوب تبلغ الحناجر من الخوف، فهو مثل في اضطراب القلوب ووجيبها، ورده ابن الأنبارى فقال: العرب لا تضمر كاد، ولا تعرف معناه ما لم تنطق به، وقال الفراء: معناه أنهم جبنوا وجزعوا، والجبان إذا أشتد خوفه انتفخت رئته، فرفعت قلبه إلى حنجرته، وهى جوف الحلقوم وأقصاه، وكذا إذا اشتد الغضب أو الغم وهذا المعنى مروى عن ابن عباس رضى الله عنه، ومن هنا قيل: للجبان انتفخ منخره. * * * فإن قيل: كيف علق الله تعالى عذاب المنافقين بمشيئته بقوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ) وعذابهم متيقن مقطوع به لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ؟ قلنا: معناه إن شاء تعذيبهم بإماتتهم على النفاق، وقيل: معناه إن شاء ذلك وقد شاءه. * * * فإن قيل: ما حقيقة قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أنه نفسه أسوة حسنة أي قدوة، والأسوة اسم للمتأسى به، أي المقتدى به، كما تقول: في البيضة

стр. 418

عشرون مناً حديداً أي هى في نفسها هذا المقدار، الثانى: أن فيه خصلة من حقها أن يؤنس بها وتتبع وهى مواساته بنفسه أصحابه، وصبره على الجهاد، وثباته يوم أحد حين كسرت رباعيته وشج وجهه. * * * فإن قيل: كيف أظهر تعالى الأسمين مع تقدم ذكرهما في قول تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ؟ قلنا: لئلا يكون الضمير الواحد عائداً على الله تعالى وغيره. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف بنى قريظة: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا) والله تعالى إنما ملكه أرضهم بعدما وطئوها وظهروا عليها؟ قلنا: معناه ويورثكم بطريق وضع الماضي موضع المستقبل مبالغة في تحقيق الموعود وتأكيدا، الثانى: أن فيه إضمار تقديره: وأرضاً لم تطئوها سيورثكم إياها، يعنى أرض مكة، وقيل: أرض فارس والروم، وقيل: أرض خيبر، وقيل: قل أرض ظهر عليها المسلمون بعد ذلك إلى يوم القيامة، الثالث: أن معناه وأورثكم ذلك كله في الأزل بكتابته لكم في اللوح المحفوظ. * * * فإن قيل: كيف خص الله تعالى نساء النبى ﵇ بتضعيف العقوبة على الذنب والمثوبة المطلقة على الطاعة في قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ.... الآيتان) ؟

стр. 419

قلنا: أما تضعيف العقوبة فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهد غيرهن، الثانى: أن في معصيتهن أذى لرسول الله ﷺ ، وذنب من اذى الرسول ﷺ أعظم من ذنب غيره، والمراد بالفاحشة النشوز، وسوء الخلق، كذا قاله ابن عباس رضى الله عنه، وأما تضعيف المثوبة فلأنهن أشرف من سائر النساء بقربهن من رسول الله ﷺ ، فكانت الطاعة منهن أشرف كما كانت المعصية منهن أقبح ونظير ذلك الوزير والبواب في طاعتهما للملك ومعصيتهما. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) ولم يقل كواحدة من النساء ؟ قلنا: قد سبق نظير هذا مرة في آخر سورة البقرة في قوله تعالى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) . * * * فإن قيل: كيف أمر الله تعالى نساء النبى ﵇ بالزكاة في قوله تعالى: (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ) ولم يملكن نصاباً حولا كاملا؟ قلنا: المراد بالزكاة هنا الصدقة النافلة، والأمر أمر ندب. * * * فإن قيل: ما الفرق بين المسلم والمؤمن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ؟

стр. 420

قلنا: المراد بالمسلم الموحد بلسانه، وبالمؤمن المصدق بقلبه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) مع أنه كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم ؟ قلنا: قوله تعالى: (مِنْ رِجَالِكُمْ) يخرجهم من حكم النفى من وجهين: أحد هما: أنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال، بل ماتوا صبياناً، الثانى: أنه أضاف الرجال إليهم، وهم كانوا رجاله، لا رجالهم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) وعيسى ﵇ ينزل بعده، وهو نبى؟ قلنا: معنى كونه خاتم النبيين أنه لا ينباً أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملا بشريعة محمد ﵇ مصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) معناه. يرحمكم وبغفر لكم فما معنى قوله تعالى: (وَمَلَائِكَتُهُ) والرحمة والمغفرة منهم محال؟ قلنا: جعلوا لكونهم مستجابى الدعوة بالرحمة والمغفرة كأنهم فاعلوا الرحمة والمغفرة، ونظيره قولهم: حياك الله، أي أحياك، وأبقاك، وحيا ذيد عمراً أي دعا له بأن يحيه الله اتكالا منه على إجابة

стр. 421

دعوته ومثله قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فإن قيل: قد فهم من قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) أنه مأذون له في الدعاء إلى الله سبحانه، فما فائدة قوله تعالى " بإذنه "؟ قلنا: معناه بتسهيله وتيسيره، وقيل: معناه بأمره، لا أنك تدعوهم من تلقاء نفسك. * * * فإن قيل: كيف شبه الله تعالى النبى صلى الله عليه وصلم بالسراج دون الشمس والشمس أتم وأكمل ؟ قلنا: قيل: إن المراد بالسراج هنا الشمس كما قال تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) وقيل: إنما شبهه بالسراج لأن السراج يتفرع ويتولد منه سرج لا تعد ولا تحصى، بخلاف الشمس، والنبى ﵇ تفرع منه بواسطة إرشاده، وهدايته جميع العلماء من عصره إلى يومنا هذا، وهلم جرا إلى يوم القيامة، وقيل: إنما شبهه بالسراج لأنه بعثه في زمان يشبه الليل بظلمات الكفر والجهل والضلال. * * * فإن قيل: كيف شبهه بالسراج دون الشمع، والشمع أشرف، ونوره أتم وأكمل؟ قلنا: قد سبق الجواب عن مثل هذا في قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)

стр. 422

فإن قيل: كيف خص تعالى المؤمنات بعدم وجوب العدة في الطلاق قبل المسيس في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ... الآية) مع أن حكم الكتابية كذلك أيضاً ؟ قلنا: هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر، لا تخصيص. * * * فإن قيل: كيف أفرد سبحانه العم وجمع العمات، وأفرد الخال وجمع الخالات في قوله تعالى: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ) والمعهود في كلام العرب مقابلة الجمع بالجمع؟ قلنا: لأن العم اسم على وزن المصدر الذي هو الضم ونحوه، وكذا الخال على وزن القال ونحوه، فيستوى فيه المفرد والتثنية والجمع. بخلاف العمة والخالة، ونظيره قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ) . * * * فإن قيل: هذا الجواب منقوض بقوله تعالى في سورة النور: (أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ) ؟ قلنا: العم والخال ليسا مصدرين حقيقة بل على وزن المصدر فاعتبر هنا شبههما بالمصدر، وهناك حقيقتهما عملا بالجهتين بخلاف السمع

стр. 423

فإنه لما كان مصدراً حقيقة ما جاء قط في الكتاب العزيز إلا مفرداً. * * * فإن قيل: كيف ذكر سبحانه الأقارب في قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ.... الآية) ولم يذكر العم والخال وحكمهما حكم من ذكر في رفع الجناح ؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة النور في قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... الآية) فالأولى أن تستر المرأة عن عمها وخالها لئلا يصف محاسنها عند إبنه فيفضى إلى الفتنة. * * * فإن قيل: السادة والكبراء بمعنى واحد، فكيف عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) ؟ قلنا: هو من باب عطف اللفظ على اللفظ المغاير له مع إتحاد معناهما كقولهم: فلان عاقل لبيب، وهذا حسن جميل، وقول الشاعر: معاذ الله من كذب ومين................ * * * فإن قيل: المراد بالإنسان آدم ﵇ في قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ) فكيف قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) وفعول من أوزان المبالغة فيقتضى تكرار الظلم والجهل منه، وإنه منتف؟

стр. 424

قلنا: لما كان عظم القدر رفيع المحل، كان ظلمه وجهله أقبح وأفحش، فقام الوصف مقام الكثرة، وقد سبق نظير هذا في سورة آل عمران في قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، وقيل: إنما سماه ظلوماً جهولا لتعدى ضرر ظلمه وجهله إلى جميع الناس، فإنهم أخرجوا من الجنة بواستطه وسلط عليهم إبليس وجنوده.

стр. 425

سورة سبأ * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ولم يقل إلى ما فوقهم وما تحتهم من السماء والأرض ؟ قلنا: ما بين يدى الإنسان هو كل شيء يقع نظره عليه من غير أن يحول وجهه إليه، وما خلفه هو كل شيء لا يقع نظره عليه حتى يحول وجهه إليه، فكان اللفظ المذكور أعم مما ذكرتم. * * * فإن قيل: هلا ذكر سبحانه الإيمان والشمائل هنا كما ذكرها في قوله تعالى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) ؟ قلنا: لأنه وجد هنا ما يغنى عن ذكرها، وهو لفظ العموم وذكر السماء والأرض، ولا كذلك ثم. * * * فإن قيل: كيف استجاز سليمان ﵇ عمل التماثل وهى التصاوير؟ قلنا: قيل إن عمل الصور لم يكن محرماً في شريعته، ويجوز أن يكون سور غير الحيوان كالأشجار ونحوها، وذلك غير محرم في شريعتنا أيضاً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ) ولم يقل آيتان جنتان، وكل جنة كانت آية أي علامة على توحيد الله تعالى؟ قلنا: لما تماثلتا في الدلالة واتحدت جهتهما فيها جعلهما آية واحدة
следующие страницы →