← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

دعوته ومثله قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فإن قيل: قد فهم من قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) أنه مأذون له في الدعاء إلى الله سبحانه، فما فائدة قوله تعالى " بإذنه "؟ قلنا: معناه بتسهيله وتيسيره، وقيل: معناه بأمره، لا أنك تدعوهم من تلقاء نفسك. * * * فإن قيل: كيف شبه الله تعالى النبى صلى الله عليه وصلم بالسراج دون الشمس والشمس أتم وأكمل ؟ قلنا: قيل: إن المراد بالسراج هنا الشمس كما قال تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) وقيل: إنما شبهه بالسراج لأن السراج يتفرع ويتولد منه سرج لا تعد ولا تحصى، بخلاف الشمس، والنبى ﵇ تفرع منه بواسطة إرشاده، وهدايته جميع العلماء من عصره إلى يومنا هذا، وهلم جرا إلى يوم القيامة، وقيل: إنما شبهه بالسراج لأنه بعثه في زمان يشبه الليل بظلمات الكفر والجهل والضلال. * * * فإن قيل: كيف شبهه بالسراج دون الشمع، والشمع أشرف، ونوره أتم وأكمل؟ قلنا: قد سبق الجواب عن مثل هذا في قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)

стр. 422

فإن قيل: كيف خص تعالى المؤمنات بعدم وجوب العدة في الطلاق قبل المسيس في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ... الآية) مع أن حكم الكتابية كذلك أيضاً ؟ قلنا: هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر، لا تخصيص. * * * فإن قيل: كيف أفرد سبحانه العم وجمع العمات، وأفرد الخال وجمع الخالات في قوله تعالى: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ) والمعهود في كلام العرب مقابلة الجمع بالجمع؟ قلنا: لأن العم اسم على وزن المصدر الذي هو الضم ونحوه، وكذا الخال على وزن القال ونحوه، فيستوى فيه المفرد والتثنية والجمع. بخلاف العمة والخالة، ونظيره قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ) . * * * فإن قيل: هذا الجواب منقوض بقوله تعالى في سورة النور: (أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ) ؟ قلنا: العم والخال ليسا مصدرين حقيقة بل على وزن المصدر فاعتبر هنا شبههما بالمصدر، وهناك حقيقتهما عملا بالجهتين بخلاف السمع

стр. 423

فإنه لما كان مصدراً حقيقة ما جاء قط في الكتاب العزيز إلا مفرداً. * * * فإن قيل: كيف ذكر سبحانه الأقارب في قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ.... الآية) ولم يذكر العم والخال وحكمهما حكم من ذكر في رفع الجناح ؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة النور في قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... الآية) فالأولى أن تستر المرأة عن عمها وخالها لئلا يصف محاسنها عند إبنه فيفضى إلى الفتنة. * * * فإن قيل: السادة والكبراء بمعنى واحد، فكيف عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) ؟ قلنا: هو من باب عطف اللفظ على اللفظ المغاير له مع إتحاد معناهما كقولهم: فلان عاقل لبيب، وهذا حسن جميل، وقول الشاعر: معاذ الله من كذب ومين................ * * * فإن قيل: المراد بالإنسان آدم ﵇ في قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ) فكيف قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) وفعول من أوزان المبالغة فيقتضى تكرار الظلم والجهل منه، وإنه منتف؟

стр. 424

قلنا: لما كان عظم القدر رفيع المحل، كان ظلمه وجهله أقبح وأفحش، فقام الوصف مقام الكثرة، وقد سبق نظير هذا في سورة آل عمران في قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، وقيل: إنما سماه ظلوماً جهولا لتعدى ضرر ظلمه وجهله إلى جميع الناس، فإنهم أخرجوا من الجنة بواستطه وسلط عليهم إبليس وجنوده.

стр. 425

سورة سبأ * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ولم يقل إلى ما فوقهم وما تحتهم من السماء والأرض ؟ قلنا: ما بين يدى الإنسان هو كل شيء يقع نظره عليه من غير أن يحول وجهه إليه، وما خلفه هو كل شيء لا يقع نظره عليه حتى يحول وجهه إليه، فكان اللفظ المذكور أعم مما ذكرتم. * * * فإن قيل: هلا ذكر سبحانه الإيمان والشمائل هنا كما ذكرها في قوله تعالى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) ؟ قلنا: لأنه وجد هنا ما يغنى عن ذكرها، وهو لفظ العموم وذكر السماء والأرض، ولا كذلك ثم. * * * فإن قيل: كيف استجاز سليمان ﵇ عمل التماثل وهى التصاوير؟ قلنا: قيل إن عمل الصور لم يكن محرماً في شريعته، ويجوز أن يكون سور غير الحيوان كالأشجار ونحوها، وذلك غير محرم في شريعتنا أيضاً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ) ولم يقل آيتان جنتان، وكل جنة كانت آية أي علامة على توحيد الله تعالى؟ قلنا: لما تماثلتا في الدلالة واتحدت جهتهما فيها جعلهما آية واحدة

стр. 426

ونظيره قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي الذين زعمتموهم آلهة من دون الله مع أن المشركين ما زعموا غير الله إلهاً دون الله، بل مع الله على وجه الشركة ؟ قلنا: النص لا يدل على زعمهم حصر الألهية في غير الله أصلا، بل يوهم ذلك، ولو دل فنقول فيه تقديم وتأخير تقديره: قل ادعوا الذين من دون الله زعمتم أنهم شركاء الله. * * * فإن قيل: ما معنى التشكيك في قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ؟ قلنا: قيل إن "أو" هنا بمعنى الواو في الموضعين فيصير المعنى: نحن على الهدى وأنتم في الضلال، وقيل معناه: وإنا لضالون أو مهتدون، وإنكم كذلك وهو من التعريض بضلالهم، كما يقول الرجل لصاحبه إذا أراد تكذيبه: والله إن أحدنا لكاذب، ويعنى به صاحبه. * * * فإن قيل: كيف قالت الملآئكة ﵈ في حق المشركين: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) ولم ينقل عن أحد من المشركين أنه عبد الجن؟ قلنا: معناه بل كانوا يطيعون الشياطين فيما يأمرونهم به من عبادتنا أكثرهم بهم مؤمنون، أي أكثر المشركين مصدقون بالشياطين فيما يخبرونهم به من الكذب أن الملآئكة بنات الله تعالى.

стр. 427

سورة فاطر * * * فإن قيل: في قوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) كيف جاء "فتثير" مضارعاً دون ما قبله وما بعده ؟ قلنا: هو مضارع وضع موضع الماضي كما في قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) . * * * فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) ؟ قلنا: معناه وما يعمر من أحد، إنما سماه معمراً بما هو سائر إليه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) وكم أمة كانت في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ولم يخل فيها نذير؟ قلنا: إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله محمداً عليهما الصلاة والسلام ولميخل فيها نذير؟ * * * فإن قيل: كيف اكتفى سبحانه بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد سبق ذكرهما في أولها؟ قلنا: لما كانت النذارة مشفوعة بالبشارة لا محالة استغنى بذكر أحدهما عن الآخر بعد سبق ذكرهما. * * * فإن قيل: ما الفرق بين النصب واللغوب حتى عطف أحدهما على

стр. 428

الآخر؟ قلنا: النصب: المشقة والكلفة، واللغوب: الفتور الحاصل بسبب النصب، فهو نتيجة النصب، كذا فرق بينهما الزمخشري، ويرد على هذا أن يكون انتفاء الثانى معلوماً من انتفاء الأول. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) مع أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً غير الذي عملوه، وهم ما عملوا صالحاً، بل سيئاً ؟ قلنا: هم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة، كما قال تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) فمعناه غير الذي كنا نحسبه صالحا فنعمله.

стр. 429

سورة يس ﵇ * * * فإن قيل: كيف قال تعالى أولا: (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) وقال الله تعالى ثانياً: (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) ؟ قلنا: لأن الأول ابتداء إخبار فلا يحتاج إلى التأكيد باللام، بخلاف الثانى فإنه بحواب بعد الإنكار والتكذيب فاحتاج إلى التأكيد. * * * فإن قيل: كيف أضاف الفطر إلى نفسه بقوله: (فطرنى) وأضاف البعث إليهم بقوله: (وإليه ترجعون) مع علمه بأن الله تعالى فطره وفطرهم وسوف يبعثه ويبعثهم فهلا قال: فطرنا وإليه نرجع أو فطركم وإليه ترجعون؟ قلنا: لأن الخلق والإيجاد نعمة من الله تعالى توجب الشكر، والبعث بعد الموت وعيد وتهديد يوجب الزجر، فكان إضافته النعمة إلى نفسه أظهر في الشكر، وإضافته البعث إليهم أبلغ في الزجر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) والتحسر على الله تعالى محال؟ قلنا: هو تحسر للخلق معناه قولوا: يا حسرتنا على أنفسنا لا تحسر من الله تعالى. * * * فإن قيل: كيف نفى الإدراك عن الشمس للقمر دون عكسه، وهو قوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) ؟

стр. 430

قلنا: لأن سير القمر أسرع، فإنه يقطع فلكه في شهر، والثسس لا تقطع فلكها إلا في سنة، فكانت الشمس جديرة بأن توسف بنفى الإدراك لبطء سيرها، والقمر خليقاً بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره، هذا سؤال الزمخشري وجوابه، ويرد عليه أن سرعة سير القمر يناسب أن ينفى الإدراك عنه، لأنه إذا قيل: لا القمر ينبغى له أن يدرك الشمس مع سرعة سيره، علم بالطربق الأولى أن الشمس لا ينبغى لها أن تدرك القمر مع بطء سيرها، فأما إذا قيل: لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، أمكن أن يقال: إنما لم تدركه لبطء سيرها، فأما القمر فيجوز أن يدركها لسرعة سيره. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ) أي لأهل مكة، (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) أي ذرية أهل مكة أو ذرية قوم نوح ﵊ (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) والذرية اسم للأولاد والمحمول في سفينة نوح ﵇ آباء أهل مكة لا أولادهم ؟ قلنا: الذرية من الأضداد، تطلق على الآباء وعلى الأولاد بدليل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) وصف جميع المذكورين

стр. 431

بكونهم ذرية وبعضهم آباء، وبعضهم أبناء، فمعناه: حملنا آباء أهل مكة، أو حملنا أبناءهم لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) يعنون الوعد بالبعث والجزاء، والوعد كان واقعاً لا منتظراً؟ قلنا: معناه متى إنجاز هذا الوعد وصدقه بحذف المضاف أو باطلاق اسم الوعد على الموعود كضرب الأمير، ونسج اليمن. * * * فإن قيل: قولهم: (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) سؤال عن البعث فكيف طابقه ما بعده جواباً ؟ قلنا: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل إلا أنه جيء به على هذه الطريقة تبكيتاً لهم وتوبيخاً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في صفة أهل الجنة: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ) والظل إنما يكون حيث تكون الشمس، ولهذا لا يقال لما في الليل ظل، والجنة لا يكون فيها شمس لقوله تعالى: (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) ؟ قلنا: ظل أشجار الجنة من نور العرش لئلا تبهر أبصار أهل الجنة، فإنه أعظم من نور الشمس، وقيل: من نور قناديل العرش. * * * فإن قيل: كيف سمى سبحانه نطق اليد كلاماً ونطق الرجل شهادة فى

стр. 432

قوله تعالى: (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ) ؟ قلنا: لأن اليد كانت مباشرة، والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه ليس بشهادة، بل إقرار بما فعل، قلت: وفى الجواب نظر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) مع أنه ﵊ قد روى عنه ما هو شعر وهو قوله ﵊: أنا النبى لا كذب. . . أنا ابن عبد المطلب وقوله عليه الصلاه والسلام: هل أنت إلا أصبع دميت. . . وفى سبيل الله ما لقيت قلنا: هذا ليس بشعر لأن الخليل لم يعد شطور الرجز شعراً، وقوله ﵊: هل أنت إلا أصبع دميت، من مشطور الرجز، كيف وقد ووى أنه ﵊ قال: ميت، ولقيت، بفتح الياء وسكون التاء، وعلى هذا لا يكون شعراً، ولكن الراوى حرفه فصار شعراً. الثانى: أن حد الشعر قول موزرن مقفى مقصود به الشعر، والقصد منتف فيما ورى عنه ﵊، فكان كما يتفق وجوده في كل كلام منثور من الخطب والرسائل ومحاورات الناس، ولا يعده أحداً شعراً.

стр. 433

فإن قيل: كيف قال تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) والله تعالى منزه عن الجارحة ؟ قلنا: هو كناية عن الانفراد بخلق الأنعام والاستبداد به من غير شريك ولا معين، كما يقال في الحب وغيره من أعمال القلب هذا مما عملته يداك، ويقال لمن لا يد له: يداك أو كفاك، وكذا قوله تعالى: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . فإن قيل: كيف سمى قوله: (مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) مثلا وليس بمثل، وإنما هو استفهام وإنكار؟ قلنا: سماه مثلا لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهو إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى مع أن العقل والنقل كلاهما يشهد بقدرته تعالى على ذلك.

стр. 434

سورة الصافات * * * فإن قيل: كيف جمع تعالى المشارق هنا، وثناهما في سورة الرحمن، وكيف اقتصر هنا على ذكر المشارق، وذكر ثم المغربين أيضاً، وذكر المغارب مع المشارق مجموعين في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ، وذكرهما مفردين في قوله تعالى: (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ؟ قلنا: لأن القرآن نزل بلغة العرب على المعهود من أساليب كلامهم وفنونه، ومن أساليب كلامهم وفنونه الإجمال والتفصيل والبسط والإيجاز، فأجمل تارة بقوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) أراد مشرقى الصيف والشتاء ومغربهما على الاجمال، وفصل تارة بقوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) أراد جميع مشارق السنة ومغاربها، وهى تزيد على سبعمائة، وبسط مرة بقوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) وأوجز واختصر مرة بقوله تعالى: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) لدلالة المذكور وهى المشارق على المحذوف وهو المغارب، وكانت المشارق أولى بالذكر لأنها أشرف إما لكون الشروق سابقاً في الوجود على الغروب، أو لأن المشارق منبع الأنوار

стр. 435

والأضواء. * * * فإن قيل: كيف خص سماء الدنيا بقوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) مع أن غير سماء الدنيا مزينة بالكواكب أيضاً؟ قلنا: إنما خصها بالذكر لأنا نحن نرى سماء الدنيا لا غير. * * * فإن قيل: لأى فائدة ذكر الله تعالى تزيين السماء الدنيا، وكان رؤيته بين الساء الدنيا ظإهراً لا يحتاج إلى ذكره بقوله: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) فينبغى أن يذكر لنفسه سماء غير الدنيا ؟ قلنا: لا غير. * * * فإن قيل: كيف وجه قراءة الضم في قوله تعالى: (بَلْ عَجِبْتَ) وهى قراءة على وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم، واختيار الفراء، والتعجب روعة تعترى الإنسان عند استعظام الشيء، والله تعالى لا تجوز عليه الروعة؟ قلنا: أراد بالتعجب ألاستعظام، وهو جائز من الله تعالى كما استعظم كيد النساء، وإنكار الكفار معجزات الأنبياء ﵈، الثانى: أن معناه قل يا محمد بل عجبت، وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول: إن الله تعالى لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم، فقال إبراهيم النخعى: إن شريحاً كان يعجبه علمه، وعبد الله أعلم منه، وكان يقرأ بالضم يريد عبد الله بن مسعود، قال الزجاج: إنكار هذه القراءة غلط، لأن التعجب من الله تعالى خلاف العجب من الآدميين، ونظيره

стр. 436

قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) وقوله تعالى: (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) وما أشبهه، وفى الذي وقع منه العجب قولان: أحدهما كفرهم بالقرآن، والثانى: إنكارهم البعث. * * * فإن قيل: كيف مدح سبحانه نوح ﵊ بقوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) مع أن مرتبة الرسل فوق مرتبة المؤمنين ؟ قلنا: إنما مدحه بذلك تنبيهاً لنا على جلالة محل الإيمان وشرفه أو ترغيباً في تحصيله والثبات عليه، والازدياد منه كما قال تعالى في مدح إبراهيم ﵇: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) والنظر إنما يعدى بإلى، قال الله تعالى: (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) وقال: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) ؟ قلنا: " في " هنا بمعنى " إلى " كما في قوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) ، الثانى: أن المراد به نظر الفكر لا نظر العين، ونظر الفكر إنما يعدى، بـ " في " قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

стр. 437

فصار المعنى ففكر في علم النجوم أو في أحوال النجوم؟ * * * فإن قيل: كيف استجاز إبراهيم ﵇ أن يقول: (إنى سقيم) ولم يكن سقيماً ؟ قلنا: معناه سأسقم كما في قوله تعالى: (إنك ميت) فهو من معاريض الكلام، قاله ليتخلف عنهم إذا خرجوا إلى عيدهم فيكيد أصنامهم، وقال ابن الأنبارى: أعلمه الله تعالى أنه يمتحنه بالسقم إن طلع نجم كذا، فلما رآه علم أنه سقيم، وقيل: معناه أنى سقيم القلب عليكم إذا عبدتم الأصنام وتكهنتم بنجوم لا تضر ولا تنفع. وقيل: إنه عرض له مرض، وكان سقيماً حقيقة، وقال الزمخشري: قد جوز معض الناس الكذب في المكيدة في الحرب والتقية وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين قال: والصحيح أن الكذب حرام إلا إذا عرض وورى وإبراهيم ﵇ عرض بقوله وررى، فإنه أراد أن من في عنقه الموت سقيم، كما قيل في المثل: كفى بالسلامة داء، وقال لبيد: ودعوت ربى بالسلامة جاهداً. . . ليصحنى فإذا السلامة داء وروى أن رجلا مات فجأة فاجتمع عليه الناس، وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابى: أصحيح من الموت في عنقه؟ * * * فإن قيل: لم لا يجوز النظر في علم النجوم مع أن إبراهيم عليه

стр. 438

السلام قد نظر فيه، وحكم منه؟ قلنا: إذا كان المنجم كإبراهيم ﵇ في أن الله تعالى أراه ملكوت السوات والأرض أبيح له النظر في علم النجوم والحكم منه. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) أي يسرعون، يدل على أنهم عرفوا أنه هو الكاسر لها، وقوله تعالى في سورة الأنبياء: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِ ينَ) وما بعده يدل على أنهم ما تعرفوا أنه الكاسر لها، فكيف التوفيق بينهما؟ قلنا: يجوز أن يكون الذي عرفه وزف إليه بعضهم، والذى جهله وسأل عنه بعض آخر، ويجوز أن الكل جهلوه وسألوا عنه، فلما عرفوا أنه الكاسر لها زف إليه كلهم. * * * فإن قيل: ما معنى قوله ﵇: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) ؟ قلنا: معناه إلى حيث أمرنى ربى بالمهاجرة وهو الشام، وقيل: إلى طاعة ربى ورضاه، وقيل: إلى أرض ربى، وإنما خصها بالإضافة إلى الله تعالى تشريفاً لها وتفضيلا لأنها أرض مقدسة مبارك فيها للعالمين كما في قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) ، وقوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) .

стр. 439

فإن قيل: ما معنى قوله ﵇: (سيهدين) وهو كان مهتدياً ؟ قلنا: معناه سيثبنى على ما أنا عليه من الهدى، ويزيدنى هدى، وقيل: معناه سيهدين إلى الجنة، وقيل: إلى الصواب في جميع أحوالى، ونظيره قول موسى ﵇: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) . * * * فإن قيل: كيف شاور إبراهيم ولده ﵉ في ذبحه بقوله: (فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) مع أنه كان حتما على إبراهيم لأنه أمر بد، لأن معنى قوله: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) أنه أمر بذبحه في المنام، ورؤيا الأنبياء وحق فإذا رأوا شينئاً في المنام فعلوه في اليقظة كذا قاله قتادة، والدليل على أن منامه كان وحياً بالأمر بالذبح قوله: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ؟ قلنا: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه في ذلك، ولكن ليعلم ما عنده من الصبر فيما نزل به من بلاء الله تعالى فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، ويعلم القصة فيوطن نفسه على الذبح ويهونه عليها، فيلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب الثواب بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملآئكة في أكل الشجرة لما فرط منه ذلك.

стр. 440

فإن قيل: كيف قيل له: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) وإنما يكون مصدقاً لها لو وجد منه الذبح ولم يوجد ؟ قلنا: معناه قد فعلت غاية ما في وسعك مما يفعله الذابح من إلقاء ولدك وامرار ألشفرة على حلقه، ولكن الله تعالى منع الشفرة أن تقطع، وقيل: إن الذي رآه في المنام معالجة الذبح فقط، لا إراقة الدم، وقد فعل ذلك في اليقظة فكان مصدقاً للرؤيا. * * * فإن قيل: أين جواب " لما " في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا) ؟ قلنا: قيل هو محذوف تقديره: استبشراً واغتبطاً وشكرا الله تعالى على ما أنعم به عليهما من الفداء، أو تقديره: سعدا أو أجزل ثوابهما، وقيل الجواب هو قوله تعالى: (ناديناه) والواو زائدة كما في قول امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحى وانتحى. . . بنا بطن خبت ذى خفاف عقنقل أى فلما أجزنا ساحة الحى أنتحى، كذا نقله أبن الأنبارى في شرحه. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في آخر قصة إبراهيم ﵇: (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وفى غيرها من القصص قبلها أو بعدها: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ؟ قلنا: لما سبق في قصة إبراهيم ﵇ مرة: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

стр. 441

طرحه في الثانى تخفيفاً أو إختصارً واكتفاءاً بذكره مرة بخلاف سائر القصص. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) وهو كان من المرسلين قبل زمان التنجية ؟ قلنا: قوله تعالى: (إذ نجيناه) لا يتعلق بما قبله بل يتعلق بمحذوف تقديره: وأذكر لهم يا محمد إذ نجيناه أو أنعمنا عليه إذ نجيناه، وكذا السؤال في قوله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) . * * * فإن قيل: كيف صح في قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) و"أو" كلمة شك، والشك على الله تعالى محال؟ قلنا: قيل "أو" هنا بمعنى "بل" فلا شك، وقيل: بمعنى الواو كما في قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) وقوله تعالى: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) ، وقيل: معناه أو يزيدون في تقديركم فلو رآهم أحد منكم لقال هم مائة ألف أو يزيدون، فالشك إنما دخل في حكاية قول المخلوقين، ونظيره قوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) .

стр. 442

فإن قيل: ما فائدة تكرار الأمر بالتولية والإبصار في قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ) ، (وَأَبْصِرْهُمْ) الآيات ؟ قلنا: فائدته تأكيد التهديد والوعيد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى أولا: (وَأَبْصِرْهُمْ) ثم قال ثانياً (وأبصر) ؟ قلنا: طرح ضمير المفعول تخفيفاً واختصاراً واكتفاء بسبق ذكره مرة، وقيل: معنى الأول وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب. ومعنى الثانى وأبصر العذاب إذا نزل بهم فلا فرق بينهما في المعنى.

стр. 443

سورة ص * * * فإن قيل: أين جواب القسم في قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدهما: أنه لما ذكر حرفاً من حروف المعجم على سبيل التحدى والتنبيه على الاعجاز، كما قيل في كل سورة مفتتحة بحرف، أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدى عليه، كأنه قال: والقرآن ذى الذكر إنه لكلام معجز، وكذلك إذا كان الحرف مقسماً به، كأنه قال: أقسمت، بـ "ص" والقرآن ذى الذكر، إنه لكلام معجز، الثانى: إن (ص) خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم السورة، كأنه قال: هذه ص، يعنى هذه السورة التى أعجزت العرب والقرآن ذى الذكر، كما تقول: هذا خاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله، الثالث: أن جواب القسم كم أهلكنا، وأصله لكم أهلكنا، فلما طال الكلام حذفت اللام تخفيفاً كما في قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) ، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) ، الرابع: أن قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) ، وهو قول الكسائى، وقال الفراء: وهذا لا يتقيم في العربية لتأخره جداً عن القسم. * * * فإن قيل: ما وجه المناسبة والإرتباط بين قوله تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) وبين قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) ؟

стр. 444

قلنا: وجه المناسبة بينهما أنه أمر أن يتقوى علي الصبر بذكر قوة داود ﵇ على العبادة والطاعة، الثانى: أن المعنى عرفهم أن داود ﵇ مع كرامته وشهرة طاعته، وعبادته التى منها صوم يوم دون يوم، وقيام نصف الليل كان شديد الخوف من عذابى لا يزال باكياً مستغفراً، فكيف حال هؤلاء مع أفعالهم؟ * * * فإن قيل: كيف قل الملكان لما دخلا علي داود ﵇: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) ، والملآئكة لا يوجد منهم البغى والظلم، وكيف قال: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) إلى آخره، ولم يكن كما قال ؟ قلنا: إنما قالا ذلك على سبيل الفرض والتصوير للمسألة، ومثل ذلك لا يعد كذباً، كما تقول في تصوير المسائل زيد له أربعون شاة وعمرو له أربعون، وأنت تشير إليهما، فخلطاها، وحال عليها الحول، كم يجب فيها، وليس لهما شيء، وتقول لي أربعون شاة، ولك أربعون شاة فخلطناها وما لكما شيء. * * * فإن قيل: كيف حكم داود ﵇ على المدعى عليه بكونه ظالماً قبل أن يسمع كلامه؟ قلنا: لم يحكم عليه إلا بعد اعترافه كذا نقله السدى إلا أنه حذف ذكر الاعتراف في القصة اختصاراً لدلالة الحال عليه، كما تقول العرب: أمرته بالتجارة فكسب الأموال. أي فأتجر فكسب الأموال.

стр. 445

فإن قيل: ما معنى تكرار الحب في قوله ﵇: (أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) وما معنى تعديته بعن وظاهره، أحببت حباً مثل حب الخير، كما تقول أحببت حب زيد، أي أحببت حباً مثل حب زيد ؟ قلنا: أحببت في الآية بمعنى آثرت، كما يقول المخير بين الشيئين: أحببت هذا، أي آثرته، وقد جاء أستحب بمعنى آثر قال الله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) أى آثروه لأن من؟ أحب شيئاً فقد آثره على غيره، و" عن " بمعنى "على " كما في قوله تعالى: (مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) فيصير المعنى أي آثرت حب الخير على ذكر ربى الثانى: وهو اختيار الجرجانى صاحب معانى القرآن أن أحببت بمعنى قعدت وتأخرت مأخوذ من أحب الجمل إذا برك، ومنه قول الشاعر: دعتك إليها مقلتاها وجيدها. . . فملت كما مال المحب على عمد فالمحب هنا الجمل، والعمد علة تكون في صنام الجمل. وكل من ترك شيئاً يحب أن يفعله فقد قعد عنه، فتأويل الآية: إنى قعدت عن ذكر ربى لحب الخير، فيكون انتصاب حب على أنه مفعول به. * * * فإن قيل: كيف قال سليمان ﵇: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)

стр. 446

وهذا يشبه الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عبيده بما لا يضر سليمان ﵇؟ قلنا: قال الحسن وقتادة رضى الله عنهما: المراد به لا ينبغى لأحد أن يسلبه منى في حياتى، كما فعل الشيطان الذي لبس خاتمه وجلس على كرسيه، الثانى: أن الله تعالى علم أنه لا يقوم غيره من عباده بمصالح ذلك الملك، فاقتضت حكمته تخصيصه به فألهمه أن يسأله تخصيصه به، الثالث: أنه أراد بذلك ملكاً عظيماً فعبر عنه بتلك العبارة، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته، كما تقول لفلان ما ليس لأحد من الفضل أو من المال، وتريد بذلك عظم فضله أو ماله، وإن كان في الناس أمثاله. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف أيوب ﵇: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) مع أن الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى على ما قيل، وهو قد شكا ؟ قلنا: الشكوى إلى الله تعالى لا تنافى الصبر ولا تسمى جزعاً لما فيها من إظهار الخضوع والعبودية لله تعالى، والافتقار إليه، ويؤيده قول يعقوب ﵇: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي) مع قوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) وقولهم: الصبر ترك الشكوى، يعني إلى العباد، الثانى: أنه ﵊ إنما طلب الشفاء من الله تعالى بعد ما لم يبق منه إلا قلبه ولسانه خيفة على قومه أن يفتنهم

стр. 447

الشيطان بما كان يوسوس إليهم به، ويقول: إنه لو كان أيوب نبياً لما أبتلى بما هو فيه، ولدعا إلى الله تعالى بكشف ضره وروى أنه ﵇ قال في مناجاته: إلهى قد علمت أنه لم يخالف لسانى قلبى، ولم يتبع قلبى بصرى، ولم يلهنى ما ملكت يمينى، ولم آكل إلا ومعى يتيم، ولم أبت شبعاناً ولا كاسياً ومعى جائع أوعريان، فكشف الله تعالى ضره. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) يدل على أن غاية لعنة الله تعالى لإبليس هى يوم القيامة ثم تنقطع ؟ قلنا: كيف تنقطع وقد قال تعالى: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) يعنى يوم القيامة: (أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) وإبليس أظلم الظلمة، ولكن مراده في الآية أن عليه اللعنة في طول مدة الدنيا. فإذا كان يوم القيامة اقترن له باللعنة من أنواع العذاب ما تنسى عنده اللعنة فكأنها انقطعت.

стр. 448

سورة الزمر * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) وكم من كاذب كفار قد هداه الله تعالى فأسلم وصدق ؟ قلنا: معناه لا يهديه إلى الإيمان ما دام على كفره وكذبه، وقيل: معناه لا يهديه إلى حجة يلزم بها المؤمنين. * * * فإن قيل: كيف يصلح قوله تعالى: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) رداً لقول من ادعى أن له ولداً، وإبطالاً لذلك، مع أن كل من نسب إليه ولداً قال: إنه اصطفاه من خلقه بجعله ولدا، فاليهود يدعون أنه عزير، والنصارى يدعون أنه المسيح ﵉ وطائفة من مشركى العرب يدعون أن الملآئكة بنات الله تعالى؟ قلنا: هذا إن جعل رداً على اليهود والنصارى كان معناه لاصطفى الولد من الملآئكة، لا من البشر، لأن الملآئكة أشرف من البشر بلا خلاف بين اليهود، ولا بين النصارى، وأن كان رداً على مشركى العرب كان معناه لاصطفى له ولداً من جنس، يخلق كل شيء يريده ليكون ولده موصوفاً بصفته ولم يصطف من الملآئكة، الذين لا يقدرون على إيجاد جناح بعوضة، ولا يرد على هذا خلق عيسى ﵇ الطير لأنه ليس بعام، أو لأنه بمعنى التقدير من الطين، ثم الله تعالى يخلقه حيواناً بنفخ عيسى ﵇ إظهاراً ًلمعجزته. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)

стр. 449

وخلق حواء من آدم ﵇ سابق على خلقنا منه، فكيف عطفه عليه بكلمة "ثم "؟ قلنا: " ثم " هنا للعطف في الإخبار لا في الإيجاد كما تقول لصاحبك: أعطيتك اليوم كذا ثم أعطيتك أمس أكثر منه، أي ثم أخبرك بكذا، ومنه قول الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه. . . ثم قد ساد قبل ذلك جده. الثانى: أن " ثم " متعلقة بمعنى واحدة، وعاطفة عليه لا على خلقكم، فمعناه خلقكم من نفس وجدت وأفردت بالإيجاد ثم شفعت بزوج، الثالث: أن " ثم " على ظاهرها لأن الله تعالى خلق آدم ثم أخرج أولاده من ظهره كالذر وأخذ عليهم الميثاق ثم ردهم إلى ظهره ثم خلق منه حواء، فالمراد بقوله تعالى: خلقكم خلقاً يوم أخذ الميثاق دفعة واحدة، لا هذا الخلق الذي نحن فيه الآن بالتوالد والتناسل. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) مع أن الأنعام مخلوقة في الأرض، لا منزلة من السماء ؟ قلنا: قيل إن الله تعالى خلق الأزواج الثمانية في الجنة ثم أنزلها على آدم ﵇ بعد إنزاله إلى الأرض، الثانى: أن الله تعالى أنزل الماء من السماء والأنعام لا توجد إلا بوجود النبات، والنبات لا يوجد إلا بوجود الماء، فكأن الأنعام منزلة له من السماء، ونظيره قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)

стр. 450

وإنما أنزل الماء الذي لا يوجد القطن والكتان والصوف إلا به. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الذي جاء بالصدق وصدق به: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) مع أنه يكفر عنهم سيئ أعمالهم، ويجزيهم بحسنها أيضاً ؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة التوبة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ) مع أنه جاء في الأخبار أن للأنبياء والعلماء والشهداء والأطفال شفاعة يوم القيامة؟ قلنا: معناه أن أحداً لا يملكها إلا بتمليكه كما قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقال تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) . * * * فإن قيل: كيف ذكر الضمير في " أُوتِيتُهُ " وهو للنعمة في قوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا) قال: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ) ؟

стр. 451

قلنا: إنما ذكره نظرا إلى المعنى لأن معنى: (نعمة منا) شيئا من النعمة ,وقسماً منها , أو لأن النعمة والإنعام بمعنى واحد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) والقرآ كله حسن ؟ قلنا: معناه اتبعوا أحسن وحي , أو كتاب أنزل اليكم من ربكم وهو القرآن كله , وقيل: أحسن القرآن الآيات المحكمات , وقيل: أحسنه كل آية تضمنت أمراً بطاعة أو إحسان , وقد سبق نظير هذه الآية في سورة الأعراف في قوله تعالى: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) والأجوبة المذكورة ثم تصلح هنا , وكذا الأجوبة هنا تصلح ثم إلا الجواب الأول. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) مع أن الموحى إليهم جماعة ولما أوحى إلى من قبله لم يكن في الوحي إليهم خطابه؟ قلنا: معناه ولقد أوحى إلى كل واحد منك ومنهم لئن أشركت , الثاني: أن فيه إضمار تقديره: ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك التوحيد ثم أبتدا فقال: لئن أشركت , الثالث: أن فيه تقديما وتأخيراً تقديره: ولقد أوحى إليك لئن أشركت وكذلك أوحى إلى الذين من

стр. 452

قبلك. * * * فإن قيل: كيف عبر سبحانه عن الذهاب بأهل الجنة والنار بلفظ السوق وفيه نوع إهانة ؟ قلنا: المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسرى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل , والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم حثاً واسراعاً بهم إلى دار الكرامة والرضوان , كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على السلطان فشتان ما بين السوقين. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في صفة النار ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بغير واو , وقال في صفة الجنة ٍِ (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) بالواوا؟ قلنا: فيه وجوه. أحدهما: إنها زائدة قاله الفراء وغيره , الثاني: إنها واو الثمانية , وأبواب الجنة ثمانية , الثالث: أنها واو الحال معناه جائوها وقد فتحت أبوابها قبل مجيئهم بخلاف أبواب النار فإنها إنما فتحت عند مجيئهم , والحكمة في ذلك من وجوه. أحدها: أن يستعجل أهل الجنة الفرح والسرور إذا رأوا الأبواب مفتحة , وأهل النار يأتوا النار وأبوابها مغلقة ليكون أشد لحرها , الثاني: أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل وهوان فصين عنه أهل الجنة لا أهل النار , الثالث: أن الكريم يعجل المثوبة ويؤخر العقوبة , فلو وجد أهل الجنة بابها مغلقاً لأثر إنتظار فتحه في كمال الكرم بخلاف أهل النار

стр. 453

سورة غافر * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مع أن الذين آمنوا أيضاً يجادلون فيها , هل هي منسوخة أم محكمة؟ وهل فيها مجاز أم كلها حقيقية؟ وهل هي مخلوقة أم قديمة؟ وغير ذلك ؟ قلنا: المراد الجدال فيها بالتكذيب ودفعها بالباطل , والطعن بقصد إدحاض الحق وإطفاء نور الله تعالى , ويدل عليه قوله تعالى عقيبه ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى في وصف حملة العرش: ( ويؤمنون به) ولا يخفى على أحد أن حملة العرش يؤمنون بالله تعالى؟ قلنا: فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه , كما وصف الأنبياء ﵈ بالصلاح والإيمان في غير موضع من كتابه لذلك , وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن قيل: قوله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة؟ قلنا: هذا كما تقول سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر الجسم الفيل , وكما تقول للحفار ضيق فم الركية ووسع أسفلها , وليس

стр. 454

فيهما نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى الكبر ولا من سعة إلى ضيق , ولا من ضيق إلى سعة , وإنما أردت الأنشاء على تلك الصفات , والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معا على ذات المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما , وكذلك الضيق والسعة وإذا أختارا الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر فجعل صرفه عنه كنقله منه. * * * فإن قيل: قوله تعالى ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ بيان وتقرير لبروزهم في قوله تعالى ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ والله تعالى لا يخفى عليه شيء برزوا أو لم يبرزو ؟ قلنا: معناه لا يخفى على الله منهم شيء في إعتقادهم أيضاً فإنهم كانوا في الدنيا يتوهمون أنهم إذا تستروا بالحيطان والحجب لا يراهم الله , ويؤيده قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ * * * فإن قيل: كيف قال المؤمن في حق موسى ﵇: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مع أنه صادق في زعم القائل لهذا القول , وفي نفس الأمر أيضاً , ويلزم من ذلك أن يصيبهم جميع ما وعدهم؟ قلنا: فيه وجوه: أحدهما: أن لفظة "بعض" صلة , الثاني: أنها بمعنى كل كما في قول الشاعر:

стр. 455

إن الأمور إذا الأحداث دبرها. . . دون الشيوخ ترى في بعضما خللاً ومنه قول لبيد: أو لم تكن تدرى نوار بأننى. . . وصال عقد حبائل جذامها تراك أمكنة إذا لم أرضها. . . أو يرتبط بعض النفوس حمامها قلت: ولقائل أن يقول أن لفظة "بعض " في البيتين على حقيقتها. وكنى لبيد ببعض النفوس عن نفسه كأنه قال: أتركها إلى أن أموت، وكذا فسره ابن الأنباوى على أن أبا عبيدة قال: إن بعضاً في الآية بمعنى " كل " واستدل ببيت لبيد وأنكر الزمخشري على أبى عبيدة هذا التفسير على أن غير أبى عبيدة قد قال في قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ لأمته: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) أن بعضاً فيه بمعنى " كل "، الثالث: أنها على أصلها ثم في ذلك وجهان: أحدهما: أنه وعدهم النجاة إن آمنوا، والهلاك إن كفروا فذكر لفظة " بعض " لأنهم على إحدى الحالتين لا محالة، الثانى: أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، وكان هلاكهم في الدنيا بعضاً، فمراده يصيبكم في الدنيا بعض الذي يعدكم ، الرابع: أنه ذكر البعض بطريق التنزيل والتلطف وإمحاض النصيحة من غير مبالغة ولا تأكيد ليسعوا منه ولا يتهموه، فيردوا عليه وينسبوه إلى ميل ومحاباة بموسى ﵇، كأنه قال: أقل ما يصيبكم البعض، وفيه كفاية، ونظيره قول الشاعر:

стр. 456

قد يدرك المتأنى بعض حاجته. . . وقد يكون من المستعجل الزلل كأنه قال: أقل ما يكون في التأنى إدراك بعض المطلوب، وأقل ما يكون في الإستعجال الزلل، فقد أبان فضل التأنى على العجلة بما لا يقدر الخصم على دفعه ورده، والوجه الرابع: هو اختيار الزمخشري. * * * فإن قيل: التولى والإدبار واحد فما فائدة قوله تعالى: (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ) ؟ قلنا: هو تأكيد كقوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) ونظائره كثيرة، الثانى: أنه إستشارة لحميتهم وأستجلاب لأنفتهم لما في لفظة " مدبرين " من التعريض بذكر الدبر، فيصير نظير قوله تعالى: (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) . * * * فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: (ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) وهلا قال: لعلى أبلغ أسباب السموات، أى أبوابها وطرقها؟ قلنا: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه وتعظيماً لمكانه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها.

стр. 457

فإن قيل: مثل السيئة سيئة فما معنى قوله تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) ؟ قلنا: معناه أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لئلا يزيد على المقدار المستحق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب كما قال تعالى في آخر الآية. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) ينافى ذلك؟ قلنا: ذلك لمنع النقصان لا لمنع الزيادة كما قال الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) ولم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟ قلنا: لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً، وقيل: إن جهنم هى أبعد النار قعرا وخزنتها أعلى الملآئكة الموكلين بالنار مرتبة، فإنما قصدهم أهل النار بطلب الدعاء منهم لذلك. * * * فإن قيل: كيف قال المشركون: (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا) مع قولهم: (هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ) ؟

стр. 458

قلنا: معناه أن الأصنام التى كنا نعبدها لم تكن شيئاً لأنها لا تضر ولا تنفع، الثانى: أنهم قالوا كذباً وجحوداً كقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ولم يقل وفى الفلك كما قال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ؟ قلنا: معنى الوعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما صحيح في الفلك لأنه وعاء لمن يكون فيه وحمولة لمن يستعليه، فلما صح المعنيان استقامت العبارتان معاً.

стр. 459

سورة فصلت * * * فإن قيل: ما فائدة زيادة " من " في قوله تعالى: (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) مع أن المعنى حاصل بقوله تعالى: وبيننا وبينك حجاب ؟ قلنا: لو قيل كذلك لكان المعنى أن حجاباً حاصلا وسط الجهتين. وأما بزيادة " من " فمعناه أن الحجاب ابتداؤه منا ومنك، فالمسافة المتوسطة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. * * * فإن قيل: قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى قوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) يدل على أن السموات والأرض وما ينهما خلقت في ثمانية أيام، وقال تعالى في سورة الفرقان: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) فكيف التوفيق بينهما؟ قلنا: معنى قوله تعالي: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) في تتمة أربعة أيام لأن اليومين اللذين خلق فيهما الأرض من جملة الأربعة، أو معناه كل ذلك في أربعة أيام، يعنى خلق الأرض وما ذكر بعده فصار المجموع ستة، وهذا لا اختلاف فيه بين المفسرين. * * * فإن قيل: السموات وما فيها أعظم من الأرض وما فيها بأضعاف مضاعفة فما الحكمة في أن الله خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام. والسموات وما فيها في يومين؟

стр. 460

قلنا: لأن السموات وما فيها من عالم الغيب، ومن عالم الملكوت، ومن عالم الأمر، والأرض وما فيها من عالم الشهادة والملك والخلق الأول أسرع من الثانى، ووجه آخر: وهو أنه تعالى فعل ذلك ليعلم أن الخلق على سبيل التدريج والتمهيل في الأرض وما فيها لم يكن للعجز عن خلقها دفعة واحدة، بل كان لمصالح لا تحصل إلا بذلك، ولهذه الحكمة خلق العالم الأكبر في ستة أيام، والعالم الأصغر وهو الإنسان في تسعة أشهر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف أهل النار: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) مع أنهم إن لم يصبروا على عذاب النار وجزعوا فالنار مثوى لهم أيضاً ؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: فإن يصبروا أو لا يصبروا فالنار مثوى لهم على كل حال، ولا ينفعهم الصبر في الآخرة كما ينفع في الدنيا. ولهذا قيل: الصبر مفتاح الفرج، وقيل: من صبر ظفر، الثانى: أن هذا جواب لقول المشركين في حث بعضهم لبعض على إدامة عبادة الأصنام: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) فقال الله تعالى: (فَإِنْ يَصْبِرُوا) يعنى على عبادة الأصنام في الدنيا فالنار مثوى لهم في العقبى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الكفار: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي بأسوأ أعمالهم مع أنهم يجزون بسيئ أعمالهم
следующие страницы →