← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قد يدرك المتأنى بعض حاجته. . . وقد يكون من المستعجل الزلل كأنه قال: أقل ما يكون في التأنى إدراك بعض المطلوب، وأقل ما يكون في الإستعجال الزلل، فقد أبان فضل التأنى على العجلة بما لا يقدر الخصم على دفعه ورده، والوجه الرابع: هو اختيار الزمخشري. * * * فإن قيل: التولى والإدبار واحد فما فائدة قوله تعالى: (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ) ؟ قلنا: هو تأكيد كقوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) ونظائره كثيرة، الثانى: أنه إستشارة لحميتهم وأستجلاب لأنفتهم لما في لفظة " مدبرين " من التعريض بذكر الدبر، فيصير نظير قوله تعالى: (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) . * * * فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: (ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) وهلا قال: لعلى أبلغ أسباب السموات، أى أبوابها وطرقها؟ قلنا: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه وتعظيماً لمكانه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها.

стр. 457

فإن قيل: مثل السيئة سيئة فما معنى قوله تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) ؟ قلنا: معناه أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لئلا يزيد على المقدار المستحق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب كما قال تعالى في آخر الآية. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) ينافى ذلك؟ قلنا: ذلك لمنع النقصان لا لمنع الزيادة كما قال الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) ولم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟ قلنا: لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً، وقيل: إن جهنم هى أبعد النار قعرا وخزنتها أعلى الملآئكة الموكلين بالنار مرتبة، فإنما قصدهم أهل النار بطلب الدعاء منهم لذلك. * * * فإن قيل: كيف قال المشركون: (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا) مع قولهم: (هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ) ؟

стр. 458

قلنا: معناه أن الأصنام التى كنا نعبدها لم تكن شيئاً لأنها لا تضر ولا تنفع، الثانى: أنهم قالوا كذباً وجحوداً كقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ولم يقل وفى الفلك كما قال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ؟ قلنا: معنى الوعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما صحيح في الفلك لأنه وعاء لمن يكون فيه وحمولة لمن يستعليه، فلما صح المعنيان استقامت العبارتان معاً.

стр. 459

سورة فصلت * * * فإن قيل: ما فائدة زيادة " من " في قوله تعالى: (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) مع أن المعنى حاصل بقوله تعالى: وبيننا وبينك حجاب ؟ قلنا: لو قيل كذلك لكان المعنى أن حجاباً حاصلا وسط الجهتين. وأما بزيادة " من " فمعناه أن الحجاب ابتداؤه منا ومنك، فالمسافة المتوسطة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. * * * فإن قيل: قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى قوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) يدل على أن السموات والأرض وما ينهما خلقت في ثمانية أيام، وقال تعالى في سورة الفرقان: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) فكيف التوفيق بينهما؟ قلنا: معنى قوله تعالي: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) في تتمة أربعة أيام لأن اليومين اللذين خلق فيهما الأرض من جملة الأربعة، أو معناه كل ذلك في أربعة أيام، يعنى خلق الأرض وما ذكر بعده فصار المجموع ستة، وهذا لا اختلاف فيه بين المفسرين. * * * فإن قيل: السموات وما فيها أعظم من الأرض وما فيها بأضعاف مضاعفة فما الحكمة في أن الله خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام. والسموات وما فيها في يومين؟

стр. 460

قلنا: لأن السموات وما فيها من عالم الغيب، ومن عالم الملكوت، ومن عالم الأمر، والأرض وما فيها من عالم الشهادة والملك والخلق الأول أسرع من الثانى، ووجه آخر: وهو أنه تعالى فعل ذلك ليعلم أن الخلق على سبيل التدريج والتمهيل في الأرض وما فيها لم يكن للعجز عن خلقها دفعة واحدة، بل كان لمصالح لا تحصل إلا بذلك، ولهذه الحكمة خلق العالم الأكبر في ستة أيام، والعالم الأصغر وهو الإنسان في تسعة أشهر. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف أهل النار: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) مع أنهم إن لم يصبروا على عذاب النار وجزعوا فالنار مثوى لهم أيضاً ؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: فإن يصبروا أو لا يصبروا فالنار مثوى لهم على كل حال، ولا ينفعهم الصبر في الآخرة كما ينفع في الدنيا. ولهذا قيل: الصبر مفتاح الفرج، وقيل: من صبر ظفر، الثانى: أن هذا جواب لقول المشركين في حث بعضهم لبعض على إدامة عبادة الأصنام: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) فقال الله تعالى: (فَإِنْ يَصْبِرُوا) يعنى على عبادة الأصنام في الدنيا فالنار مثوى لهم في العقبى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الكفار: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي بأسوأ أعمالهم مع أنهم يجزون بسيئ أعمالهم

стр. 461

أيضاً؟ قلنا: قد سبق نضير هذا السؤال في آخر سورة التوبة والجواب الأول هناك يصلح جوابا ً هنا. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلَا لِلْقَمَرِ) بعد قوله تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ) وهو مستفاد من الأول بالطريق الأولى ؟ قلنا: فائدة ثبوت الحكم بأقوى الدليلين وهوالنص.

стр. 462

سورة الشورى * * * فإن قيل: كيف قال تعالي: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) بلفظ المضارع، والوحى إلي من قبله ماضى ؟ قلنا: قال الزمخشري: قصد بلفظ المضارع كون ذلك عادة وسنة لله تعالى، وهذا لا يوجد في لفظ الماضي، قلت: ويحتمل أن يكون باعتبار وضع المضارع موضع الماضي كما في قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) أو بإضمار وأوحى إلى الذين من قبلك. * * * فإن قيل: إلى ماذا يرجع الضمير في قوله تعالى: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) ؟ قلنا: معناه في هذا التدبير أو في الجعل المذكور، وقيل: في الرحم الذي دل عليه ذكر الأزواج. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وظاهره يقتضى إثبات المثل، ونفى مثل المثل، كما يقال: ليس كدار زيد دار، فإنه يقتضى وجود الدار لزيد؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن المثل في لغة العرب كناية عن الذات، ومنه قولهم: مثلى لا يقال له كذا، ومثلك لا يليق به كذا، فمعناه ليس كهو شيء، الثانى: أن الكاف زائدة للتأكيد، والمعنى ليس مثله شيء، الثالث: أن مثل زائدة، فيصيو المعنى ليس كهو شيء كما مر في الوجه الأول، وألفرق بين الوجهين أن المثل في الوجه الأول كناية عن الذات، وفى الوجه الثالث زائد مطرح كأنه لم يذكر.

стр. 463

فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ولم لم يقل سبحانه إلا مودة القربى، أي القرابة، أو إلا المودة للقربى ؟ قلنا: جعلوا محلا للمودة ومقراً لها للمبالغة، كأنه قال: إلا المودة الثابتة المستقرة في القربى، كما يقال: لي في آل فلان مودة. ولى فيهم هوى وحب شديد. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ) والدواب إنما هى في الأرض فقط؟ قلنا: فيهما بمعنى فيها، باعتبار إطلاق لفظ التثنية على المفرد كما في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح، وقيل: إن الملآئكة لهم دبيب مع طيرانهم أيضاً، وهم مبثوثون في السماء، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) فتقييده بالأرض يدل على وجود الدابة في غير الأرض من حيث المفهوم. * * * فإن قيل: كيف قدم سبحانه الإناث على الذكور في قوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم عليهن، ولم نكر الإناث وعرف الذكور؟ قلنا: إنما قدم الإناث لأن الآية إنما سيقت لبيان عظمة ملكه ونفاد مشيئته، وأنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء عبيده، فكان ذكر الإناث

стр. 464

اللاتى من جملة ما لا يشاؤه عبيده أهم، والأهم واجب التقديم، فلما قدمهن وأخر الذكور لذلك المعنى تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المشهورين الذين لا يخفون على أحد، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، فعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر فقال تعالى: (ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) كما قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وقال: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) . * * * فإن قيل: كيف يقال إن الله تعالى كلم محمداً ﵇ ليلة المعراج مواجهة بغير حجاب ولا واسطة، وقد حصل الله تعالى تكليمه للبشر في طريق الوحى وهو الإلهام، كما كلم أم موسى ﵇ ، والإسماع من وراء حجاب، كما كلم موسى ﵇، وإرسال الرسول كما كلم الأنبياء ﵈ بواسطة جبريل ﵇، وكما كلم الأمم بواسطة الرسل ﵈؟ قلنا: قيل: المراد بالوحى الأول هنا الإشارة، ومنه قولهم: وحى العين، ووحى الحاجب أي إشارتهما، وقوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا) فتكليمه لمحمد ﷺ ليلة ألمعراج كان مواجهة بالإشارة.

стр. 465

فإن قيل: في قوله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) كيف كان لا يعلم الإيمان قبل أن يوحى إليه، والإيمان هو التصديق بوجود الصانع وتوحيده، والأنبياء ﵈ كلهم كانوا مؤمنين بالله تعالى قبل أن يوحى إليهم بأدلة عقولهم ؟ قلنا: المراد بالإيمان هنا شرائع الإيمان وأحكامه، كالصلاة والصوم ونحوهما، وقيل: المراد به الكلمة التى بها دعوة الإيمان والتوحيد وهى لا إله إلا الله محمد رسول الله، والإيمان بهذا التفسير إنما علمه بالوحى لا بالعقل، كما علم الكتاب - وهو القرآن - به.

стр. 466

سورة الزخرف * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ولم يقل قلناه أو أنزلناه، والقرآن ليس بمجعول لأن الجعل هو الخلق، ومنه قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وقوله تعالى: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَا لْأُنْثَى) ؟ قلنا: الجعل أيضاً (هنا) بمعنى القول، ومنه قوله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) وقوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) أي قالوا ووصفوا لا أنهم خلقوا كذلك هنا. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) والنبى ﷺ ما لقيهم حتى يسألهم؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: واسأل أتباع من أرسلنا من قبلك، الثانى: أنه مجاز عن النظر في أديانهم والبحث عن مللهم هل فيها ذلك. الثالث: أن النبى ﷺ حشر له الأنبياء ﵈ ليلة المعراج، فلقيهم وأمهم في مسجد بيت المقدس، فلما فرغ من الصلاة نزلت عليه هذه الآية والأنبياء حاضرون لديه، فقال لا اسأل قد كفيت، وقيل إنه خطاب له والمراد به أمته. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)

стр. 467

يعنى الآيات التسع التى جاء بها موسى ﷺ ، فإن كان المراد به أن كل واحدة منهن أكبر مما سواها لزم أن يكون كل واحدة فاضلة ومفضولة، وإن كان المراد به أن كل واحدة منهن أكبر من أخت معينة لها فأيتها هى الكبرى وأيتها هي الصغرى؟ قلنا: المراد بذلك أنهن موصوفات بالكبرى لا يكدن يتفاوتن فيه، ونظيره بيت الحمساة: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم. . . مثل النجوم التى يسرى بها السارى * * * فإن قيل: كيف قال عيسى ﵇ لأمته: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) والنبى المبعوث إلى أمة يبين لهم كل ما يختلفون فيه ؟ قلنا: كانوا يختلفون فيما يعنيهم من أمر الديانات وفيما لا يعنيهم من أمور أخرى، فكان يبين لهم الشرائع والأحكام خاصة، وقيل إن البعض هنا بمعنى الكل كما سبق في قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) . * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بعد قوله:

стр. 468

(بَغْتَةً) أي فجأة؟ قلنا: فائدته أنها تأتيهم وهم غافلون مشغولون بأمور دنياهم، كما قال تعالى: (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) فلولا قوله تعالى: (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) جاز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون مستعدون لها. * * * فإن قيل: كيف وصف سبحانه أهل النار فيها بكونهم مبلسين، والمبلس هو الآيس من الرحمة والفرج، ثم قال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فطلبوا الفرج بالموت ؟ قلنا: تك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف فيها أحوالهم، فيغلب عليهم اليأس تارة فيسكنون، ويشتد ما بهم من ألم العذاب تارة فيستغيثون. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ظاهره يقتضى تعدد الألهة لأن النكرة إذا أعيدت تعددت كقولك: له على درهم ودرهم، وأنت طالق وطالق، ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما: لن يغلب عسر يسرين؟ قلنا: الإله هنا بمعنى المعبود (بالنقل) كما في قوله تعالى:

стр. 469

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) فصار المعنى: وهو الذي في السماء معبود وفى الأرض معبود، والمغايرة ثابتة بين معبوديته في السماء ومعبوديته في الأرض لأن العبودية من الأمور الإضافية فيكفى في تغايرهما التغاير من أحد الطرفين فإذا كان العابد فى السماء غير العابد في الأرض صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض مع أن المعبود واحد.

стр. 470

سورة الدخان * * * فإن قيل: الخلاف بين النبى ﷺ ومنكرى البعث إنما كان في الحياة بعد الموت لا في الموت، فكيف قال ﵎: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى) ولم يقل: "إن هى إلا حياتنا الأولى"، كما قال تعالى في موضع آخر: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) وما معنى وصف الموتة بالأولى كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها وأثبتوا الموتة الأولى؟ قلنا: لما وعدوا موتة تكون بعدها حياة نفوا ذلك، كأنهم قالوا لا يقع في الوجود موتة تكون بعدها حياة إلا ما كنا فيه من موتة العدم وبعثنا منه إلى حياة الوجود، وقيل: إنهم نفوا بذلك الموتة الثانية فى القبر بعد إحيائهم لسؤال منكر ونكير. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) والعذاب لا يصب، وإنما يصب الحميم كما قال في موضع آخر: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) ؟ قلنا: هو استعارة ليكون الوعيد أهول وأهيب، ونظيره قوله تعالى: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) وقوله تعالى: (أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) وقول الشاعر:

стр. 471

صبت عليهم صروف الدهر من صبب.................. * * * فإن قيل: كيف وعد الله تعالى أهل الجنة لبس الاستبرق وهو، غليظ الديباج مع أن لبس الغليظ من الديباج عند السعداء من أهل الدنيا عيب ونقص ؟ قلنا: كما أن رقيق ديباج الجنة وهو السندس لا يماثل رقيق ديباج الدنيا إلا في الإسم فقط، فكذلك غليظ ديباج الجنة، وقيل: السندس لباس السادة من أهل الجنة، والإستبرق لباس العبيد والخدم إظهاراً لتفاوت المراتب. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف أهل الجنة: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) مع أن الموته الأولى لم يذوقوها في الجنة؟ قلنا: قال الزجاج والفراء: إلا هنا بمعنى سوى كما في قوله تعالى: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) وقول تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، الثانى: إن إلا بمعنى بعد كما قال بعضهم في قوله تعالى: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) ، الثالث: أن السعداء إذا حضرتهم الوفاة كشف لهم الغطاء وعرضت عليهم منازلهم ومقاماتهم في الجنة، وتلذذوا في حال النزع بروحها وريحانها، فكأنهم ماتوا في الجنة. وهذا قول ابن قتيبة.

стр. 472

سورة الجاثية * * * فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال في قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) ؟ قلنا: وجه المطابقة أنهم الزموا بما هم مقرون به من أن الله تعالى هو الذي أحياهم اولاً ثم يميتهم، ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على جمعهم يوم القيامة، فيكون قادراً على إحياء آبائهم. * * * فإن قيل: كيف أضاف الكتاب إلى الأمة وإليه في قوله تعالى: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) ثم قال تعالى: (هَذَا كِتَابُنَا) ؟ قلنا: الإضافة تصح بأدنى ملابسة وقد لابسهم الكتاب بكون أعمالهم مثبتة فيه، ولابسه بكونه مآلكه وكونه آمراً لملآئكته أن يكتبوا فيه أعمالهم.

стр. 473

سورة الأحقاف * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) مع أن حسن ما عملوا يتقبل عنهم أيضاً ؟ قلنا: أحسن بمعنى حسن، وقد سبق نظيره في سورة الروم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الفريقين: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) مع أن أهل النار لهم دركات لا درجات؟ قلنا: الدرجات الطبقات من المراتب مطلقاً من غير اختصاص، الثانى: أن فيه إضمار تقديره: ولكل فريق درجات أو دركات مما عملوا إلا أنه حذفه اختصاراً لدلة المذكور عليه. * * * فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال في قوله تعالى: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) ؟ قلنا: طابقه من حيث إن قولهم ذلك استعجال للعذاب الذي توعدهم به بدليل قوله تعالى بعده: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) فقال لهم لا علم لي بوقت تعذيبكم، بل الله تعالى هو العالم به وحده. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف الريح: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) وكم من شىء لم تدمره؟ قلنا: معناه تدمر كل شيء مرت به من أموال قوم عاد وأملاكهم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ولم يقل

стр. 474

يغفر لكم ذنوبكم؟ قلنا: لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كمظالم العباد وغيرها.

стр. 475

سورة محمد ﷺ * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) ولم يسبق ضرب مثل ؟ قلنا: معناه كذلك يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين، وقيل: أراد به أنه جعل أتباع الباطل مثلا لعمل الكفار. وأتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو أنه جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في حق الشهداء بعد ما قتلوا في سبيل الله: (سَيَهْدِيهِمْ) والهداية إنما تكون قبل الموت لا بعد؟ قلنا: معناه سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير، وقيل: سيهديهم يوم القيامة إلى طريق الجنة. * * * فإن قيل: ما معنى قولع تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ) إلى قوله تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) ؟ قلنا: قال الفراء: معناه من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، وقال غيره تقديره: أمثل الجنة الموصوفة كمثل جزاء من هو خالد في النار فحذف منه ذلك إيجازاً واختصاراً. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى للنبى ﷺ : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وهو عالم بذلك قبل أن يوحى إليه وبعده؟

стр. 476

قلنا: معناه اثبت على ذلك العلم، وقال الزجاج: الخطاب له ﷺ ، والمراد أمته كما ذكرنا في أول سورة الأحزاب.

стр. 477

سورة الفتح * * * فإن قيل: كيف جعل سبحانه فتح مكة علة للمغفرة فقال تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ... الآية) ؟ قلنا: لم يجعله علة للمغفرة بل لاجتماع ما وعده من الأمور الأربعة، وهى المغفرة وإتمام النعمة وهداية السراط المستقيم والنصر العزيز. وقيل الفتح لم يكن إتمام النعمة والنصر العزيز حاصلا وإن كان الباقى حاصلا، ويجوز أن يكون فتح مكة سبباً للمغفرة من حيث إنه جهاد للعدو. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) إن كان المراد بما تأخر ذنباً يتأخر وجوده عن الخطاب بهذه الآية فهو معدوم عند نزولها، فكيف يغفر الذنب المعدوم، وإن كان إلمراد به ذنباً وجد قبل نزولها فهو متقدم فكيف سماه متأخراً؟ قلنا: المراد بما تقدم قصة مارية، وبما تأخر قصة امرأة زيد، وقيل: المراد بما تقدم ما فرط منه قبل النبوة، وبما تأخر ما فرط منه بعدها، وقيل: المراد بما تقدم ما وجد منه، وبما تأخر ما لم يوجد (منه) على معنى أنه موعود بمغفرته على تقدير وجوده، أو على طريق المبالغة (كقولهم: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه، بمعنى يضرب كل أحد) فكذا هذا معناه ليغفر لك

стр. 478

الله كل ذنب: فالحاصل أن الذنب المتأخر (عن نزولها) متقدم على نزول الآية، وإن كان متأخراً بالنسبة إلى شيء آخر قبله أو متأخراً عن نزولها وهو موعود بمغفرته، أو على طريق المبالغة كما بينا. * * * فإن قيل: ما معنى قوله: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) وهو مهدى إلى الصراط المستقيم، ومهدى به أمته أيضاً ؟ قلنا: معناه وبزيدك هدى، وقيل: وبثبتك على الهدى، وقيل: معناه ويهديك سراطاً مستقيماً في كل (أمر) تحاوله. * * * فإن قيل: كيف يقال أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان وقد قال الله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) ؟ قلنا: الإيمان الذي يقال أنه لا يقبل الزيادة والنقصان هو الإقرار بوجود الله تعالى، كما أن إلهيته لا تقبل الزيادة والنقصان، فأما الإيمان بمعنى الأمن أو اليقين أو التصديق فإنه يقبلهما، وهو فى الآية بمعنى التصديق لأنهم بسبب السكينة التى هى الطمأنينة وبرد اليقين كلما نزلت فريضة وشريعة صدقوا بها فازدادوا تصديقاً مع تصديقهم.

стр. 479

فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَأَهْلَهَا) بعد قوله (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا) ؟ قلنا: الضمير في بها لكلمة التوحيد، وفى أهلها للتقوى فلا تكرار. * * * فإن قيل: ما وجه تعليق الدخول بمشيئة الله تعالى في إخباره حتى قال : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن "إن" بمعنى إذ كما في قوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، الثانى: أنه استثناء من الله تعالى فيما يعلم تعليماً لعباده أن يستثنوا فيما لا يعلمون، الثالث: أنه على سبيل الحكاية لرؤيا النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه رأى أن قائلا يقول له: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) ، الرابع: أن الاستثناء متعلق بقوله تعالى: (آمِنِينَ) فأما الدخول فليس فيه تعليق. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (لَا تَخَافُونَ) بعد قوله: (آمِنِينَ) ؟ قلنا: معناه آمنين في حال الدخول لا تخافون عدوكم أن يخرجكم

стр. 480

منه في المستقبل. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) تعليل لماذا ؟ قلنا: لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وقوتهم كأنه قال: إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) وكل أصحاب النبى ﷺ موصوفون بالإيمان والعمل الصالح وبغيرهما من الصفات الحميدة التى ذكرها الله تعالى في هذه الآية فما معنى التبعيض هنا؟ قلنا: من هنا لبيان الجنس لا التبعيض كما في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) .

стр. 481

سورة الحجرات * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) والمراد به نهيهم أن يتقدموا على رسول الله ﷺ بقول أو فعل، لا أن يقدموا غيرهم ؟ قلنا: قدم هنا لازم بمعنى تقدم كما في قولهم بين وتبين، وفكر وتفكر، ووقف وتوقف ومنه قول الشاعر: إذا نحن سرنا سارت الناس خلفنا. . . وإن نحن أو منا إلى الناس وقفوا أى توقفوا، وقيل: معناه لا تقدموا فعلاً قبل أمر رسول الله ﷺ . * * * فإن قيل: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) بعد قوله سبحانه: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) ؟ قلنا: فائدة تحريم الجهر في مخاطبته وإن لم يتضمن رفع صوتهم على صوته، وهذا غير مستفاد من النهى الأول، الثانى: إن المراد بالثانى النهى عن مخاطبته ﷺ بأسمه نحو قولهم يا محمد ويا أحمد فهو أمر لهم بتوقيره وتعظيمه في المخاطبة، وأن يقولوا يا رسول الله ويا نبى الله ونحو ذلك، ونظيره قوله : (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)

стр. 482

فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) أي مخافة أن تحبط أعمالكم مع أن الأعمال إنما تحبط بالكفر لا بغيره من المعاصى ، ورفع الصوت في مجلس النبى ﷺ ليس بكفر، كيف وقد روى أن الآية نزلت في أبى بكر وعمر رضى الله عنهما لما رفعا أصواتهما بين يدى رسول ألله ﷺ ، وروى أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جهورى الصوت، فربما تأذى رسول الله ﷺ بصوته؟ قلنا: معناه لا تستخفوا به، فإن الاستخفاف به ربما أدى خطؤه إلى عمده، وعمده كفر يحبط العمل، وقيل: حبوط العمل مجاز عن نقصان المنزلة وانحطاط المرتبة. * * * فإن قيل: ما وجه الإرتباط والتعلق بين قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ) وبين ما قبله؟ قلنا: معناه فاتركوا عادة الجاهلية فإن الله تعالى لم يترككم عليها، ولكن الله حبب إليكم الإيمان، وقيل: معناه فتثبتوا في الأمور كما يليق بالإيمان، فإن الله حبب إليكم الإيمان. * * * فإن قيل: إن كان الفسوق والعصيان بمعنى واحد، فما فائدة الجمع بينهما، وإن كان العصيان أعم من الفسوق فذكره مفن عن ذكر الفسوق لدخوله فيه فما فائدة الجمع بينهما؟ قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما المراد بالفسوق هنا الكذب، وبالعصيان بقية المعاصى، وإنما أفرد الكذب بالذكر لأنه سبب نزول الآية.

стр. 483

فإن قيل: كيف يقال إن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، والله يقول: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) ؟ قلنا: المنفى هنا الإيمان بالقلب بدليل قوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) يعنى لم تصدقوا بقلوبكم: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) أي استسلمنا وانقدنا خوف السيف، ولا شك في الفرق بين الإيمان والاستسلام بهذا التفسير، والذى يدعى اتحادهما لا يريد به أنهما حيث استعملا كانا بمعنى واحد، بل يريد به أن أحد معانى الإيمان هو الإسلام. * * * فإن قيل: كيف يقال إن العمل ليس من الإيمان، والله تعالى يقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية) ؟ قلنا: معناه إنما المؤمنون إيماناً كاملا كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقوله صلي الله عليه وسلم: المسلم من سلم " المسلمون من لسانه ويده " وقولهم: الرجل من يصبرعلى الشدائد، ويرد على هذا الجواب أن المنفى في أول الآية عن الأعراب نفس الإيمان الكامل فلا يناسب أن يكون المثبت بعد ذلك الإيمان الكامل بل نفس الإيمان.

стр. 484

سورة ق * * * فإن قيل: جواب القسم في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه مضمر تقديره: إنهم مبعثون بعد الموت، الثانى: أن قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) واللام محذوفة لطول الكلام تقديره: لقد علمنا كما فى قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) ، الثالث: أنه قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وأراد به حب الحصيد فأضاف الشيء إلى نفسه والإضافة تقتضى المغايرة بين المضاف والمضاف إليه؟ قلنا: معناه وحب الزرع الحصيد أو النبت الحصد، الثانى: إن إضافة الشيء إلى نفسه جائزة عند اختلاف اللفظين كما في قوله تعالى: (حق اليقين) و (حبل الوريد) و (در الآخرة) و (وعد الصدق) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) ولم يقل قعيدان، وهو وصف للملكين اللذين سبق ذكرهما بقوله

стр. 485

تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) ؟ قلنا: معناه عن اليمين قعيد وعن الشال قعيد، إلا أنه حذف أحدهما لدلالة المذكور عليه كما قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما. . . عندك راض والرأى مختلف وقال آخر: رمانى بأمر كنت منه ووالدى. . . بريئاً ومن أجل الطوى رمانى الثانى: إن فعيلا يستوى فيه الواحد والإثنان والجمع، قال الله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) وقيل: إنما لم يقل قعيدان رعاية لفواصل السورة. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَلْقِيَا) والخطاب لواحد وهو مالك خازن النار ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: ما قاله المبرد أن تثنية الفاعل أقيمت مقام تثنية الفعل للتأكيد باعتبار اتحادهما (حكماً) كأنه قال تعالى ألق ألق، ونظيره قول امرئ القيس: قفا نبك أي قف قف، الثانى: أن العرب كثيراً ما يرافق الرجل منهم اثنين فأكثر على ألسنتهم خطابا الإثنين فقالوا: خليلى وصاحبى وقفا وأسعدا وعوجا ونحو ذلك. قال الفراء: سمعت ذلك كثيراً من العرب قال وأنشدنى بعضهم:

стр. 486

فقالت لصاحبى لا تحبسانا. . . بنزع أصوله واجتز شيحا فقال لاتحسبانا والخطاب لواحد، بدليل قوله لصاحبى قال: وأنشدنى أبو ثور: فإن تزجرانى يا بن عفان أنزجر. . . وإن تداعانى أجم عرضاً ممنعا وقال امرؤ القيس: خليلى مرا بى على أم جندب. . . نقضى لبانات الفؤاد المعذب ثم قال: ألم تر أنى كلما جئت طارقاً. . . وجدت بها طيباً وإن لم طيب الثالث: أنه أمر للملكين اللذين سبق ذكرهما بقوله تعالى: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (غَيْرَ بَعِيدٍ) ولم يقل غير بعيدة وهو وصف للجنة ؟ قلنا: لأنه على زنة المصار كالزئير والصليل، والمصادر يستوى في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف: أي مكاناً غير بعيد، وكلا الجوابين للزمخشرى. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (غَيْرَ بَعِيدٍ) بعد قوله تعالى:

стр. 487

(وَأُزْلِفَتِ) بمعنى قربت؟ قلنا: فائدته التأكيد كقولهم: هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل. * * * فإن قيل: كيف قان تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) وكل إنسان له قلب بل كل حيوان ؟ قلنا: المراد بالقلب هنا العقل، كذا قاله ابن عباس رضى الله عنهما. قال ابن قتيبة: لما كان القلب موضعاً للعقل كنى به عنه، الثانى: أن المراد لمن كان له قلب واع، لأن من لا يعى قلبه فكأنه لا قلب له. ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ... الآية) .

стр. 488

سورة الذريات * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ) والصادق وصف الواعد لا وصف الوعد ؟ قلنا: قيل صادق بمعنى مصدوة كـ (عيشة راضية) و (ماء دافق) وقيل: معناه لصدق، فإن المصدر قد جاء على وزن اسم الفاعل كقولهم: قمت قائماً، (وقولهم) : لحقت بهم اللائمة: أي اللوم. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) والمتقون لا يكونون في الجنة في العيون؟ قلنا: معناه أنهم في الجنات والعيون الكثيرة محدقة بهم من كل ناحية وهم في مجموعها لا في كل عين، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) لأنه بمعنى أنهار، إلا أنه عدل عنها رعاية للفواصل. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) أي في قرى قوم لوط ﵇، وقرى قوم لوط ليست موجودة، فكيف توجد فيها العلامة؟ قلنا: الضمير في قوله تعالى: "فيها" عائد إلى تلك الناحية والبقعة لا إلى مدائن قوم لوط، الثانى: أنه عائد إليها، ولكن " فى" بمعنى

стр. 489

من كما في قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) وقوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) ويؤيد هذا الوجه مجيئه مصرحاً به في سورة العنكبوت بلفظ من في قوله تعالى: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ثم قيل الآية آثار منازلهم الخربة، وقيل: هى الحجارة التى أبقاها الله تعالى حتى أدركها أوائل هذه الأمة، وقيل: هى الماء الأسود إلذى يخرج من الأرض. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) أي صنفين، مع أن العرش والكرسى والقلم واللوح لم يخلق منها إلا واحد ؟ قلنا: قيل معناه ومن كل حيوان خلقنا ذكراً أو أنثى، وقيل: معناه ومن كل شيء تشاهدونه خلقنا صنفين كالليل والنهار، والصيف والشتاء، والنور والظلمة، والخير والشر، والحياة والموت، والبحر والبر، والسماء والأرض، والشمس والقمر، ونحو ذلك. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) وقال سبحانه في موضع آخر: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ؟ قلنا: معنى قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) أي الجئوا إليه

стр. 490

بالتوبة، وقيل: معناه ففروا من عقوبته إلى رحمته، ومعنى قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي يخوفكم عذاب نفسه أو عقاب نفسه. وقال الزجاج: معنى نفسه إياه كأنه قال تعالى: ويحذركم الله إياه، كما قال : (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أى إياه، فظهر أنه لا تناقض بين الآيتين. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وإذا قلنا، خلقهم للعبادة كان مريداً لها منهم فكيف أرادها منهم ولم توجد منهم ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه عام أريد به الخاص وهم المؤمنون، بدليل خروج البعض منه بقوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) ومن خلق لجهنم لا يكون مخلوقاً للعبادة، الثانى: إنه على عمومه، والمراد بالعبادة التوحيد، وقد وحده الكل يوم أخذ الميثاق، وهذا الجواب يختص بالإنس، لأن أخذ الميثاق مخصوص بهم بالآية، وقيل: معناه إلا أن يكونوا عبيداً لي، وقيل: معناه إلا ليذلوا ويخضعوا وينقادوا لما قضيته وقدرته عليهم فلا يخرج عنه أحد منهم، وقيل: معناه إلا لعيبدون إن اختاروا لا قرأ وإلجاء، وقيل: إلا ليعبدون العبادة المرادة في قوله تعالى:

стр. 491

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) والعموم ثابت في الوجوه الخمسة. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) بعد قوله: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) ؟ قلنا: معناه ما أريد منهم من رزق لأنفسهم، وما أريد أن يطعمون: أي أن يطعموا عبيدى، وإنما أضاف الإطعام إلى ذاته المقدسة لأن الخلق عياله وعبيده، ومن أطعم عيال غيره فكأنه أطعمه، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى، أي استطعمك عبدى فلم تطعمه.

стр. 492

سورة الطور * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) مع أن الحور ألعين في الجنة مملوكات ملك يمين لا ملك نكاح ؟ قلنا: معناه قرناهم بهن من قولهم زوجت إبلى: أي قرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقد النكاح، ويؤيده أن ذلك لا يعدى بالباء بل بنفسه، ويقال: زوجه أمرأة ولا يقال بامرأة. * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى في وصف أهل الجنة: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) أي مرهون في النار (بعمله) ؟ قلنا: قال الزمخشري: كأن نفس كل عبد ترهن عند الله تعالى بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحاً فكها وخلصا وإلا أوبقها، وقال غيره: هذه جملة من صفات أهل النار وقعت معترضة في صفات أهل الجنة، ويؤيده ما روى عن مقاتل أنه قال: معناه كل امرئ كافر بما عمل من الكفر مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى في حق النبى ﷺ : (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) وكل واحد غيره كذلك لا يكون كاهناً ولا مجنوناً بنعمة الله تعالى؟ قلنا: معناه فما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بالصدق والنبوة بكاهن

стр. 493

ولا مجنون كما يقول الكفار، وقيل: الباء هنا بمعنى مع كما في قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) وقوله تعالى: (فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) ويقال: أكلت الخبز بالتمر: أي معه. * * * فإن قيل: ما معنى الجمع في قوله تعالى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) ؟ قلنا: معناه التفخيم والتعظيم، والمراد بحيث نراك ونحفظك، ونظيره في معنى العين قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ونظيره في الجمع للتفخيم والتعظيم قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا)

стр. 494

سورة النجم * * * فإن قيل: الضلال والغواية واحدة، فما فائدة قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) ؟ قلنا: قيل: إن بينهما فرقاً لأن الضلال ضد الهدى والغى ضد الرشد وهما مختلفان مع تقاربهما، وقيل: معناه ما ضل في قوله ولا غوى فى فعله، ولو ثبت اتحاد معناهما يكون من باب التأكيد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) أدخل كلمة الشك، والشك محال على الله تعالى؟ قلنا: أو هنا للتخيير لا للشك، كأنه قال : إن شئتم قدروا ذلك القرب بقاب قوسين، وإن شئتم قدروه بأدنى منهما. وقيل: معناه بل أدنى، وقيل: هو خطاب لهم بما هو معهود بينهم، وقيل: هو تشكيك لهم لئلا يعملوا قدر ذلك القرب، ونظيره قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) والكلام فيهما واحد. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) من رؤية القلب لا من رؤية البصر، فأين مفعولها الثانى؟ قلنا: هو محذوف تقديره: أفرأيتموها بنات الله وأنداده، فإنهم كانوا

стр. 495

يزعمون أن الملآئكة وهذه الأصنام بنات الله . * * * فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) فوصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف بالأخرى الثانية لا الثالثة، فظاهر اللفظ يقتضى أن يكون قد سبق ثالثة أولى، ثم لحقتها الثالثة الأخرى فتكون ثالثتان ؟ قلنا: الأخرى نعت للعزى وتقديره: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة لأنها ثالثة الصنمين في الذكر، وإنما أخر الأخرى رعاية للفواصل كما قال: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) ولم يقل أخر رعاية للفواصل. * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي لا يقوم مقام العلم، مع أنه يقوم مقام العلم في صورة القياس؟ قلنا: المراد به الظن الحاصل من أتباع الهوى دون الظن الحاصل من النظر والاستدلال، ويؤيده قوله تعالى قبل هذا: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) . * * * فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وقد صح في الأخبار وصول ثواب الصدقة والقراءة والحج وغيرها إلى الميت؟
следующие страницы →