Полный текст (604 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)
والعموم ثابت في الوجوه الخمسة.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) بعد قوله: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) ؟
قلنا: معناه ما أريد منهم من رزق لأنفسهم، وما أريد أن يطعمون: أي أن يطعموا عبيدى، وإنما أضاف الإطعام إلى ذاته المقدسة لأن الخلق عياله وعبيده، ومن أطعم عيال غيره فكأنه أطعمه، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى، أي استطعمك عبدى فلم تطعمه.
стр. 492
سورة الطور
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) مع أن الحور ألعين في الجنة مملوكات ملك يمين لا ملك نكاح ؟
قلنا: معناه قرناهم بهن من قولهم زوجت إبلى: أي قرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقد النكاح، ويؤيده أن ذلك لا
يعدى بالباء بل بنفسه، ويقال: زوجه أمرأة ولا يقال بامرأة.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى في وصف أهل الجنة: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) أي مرهون في النار (بعمله) ؟
قلنا: قال الزمخشري: كأن نفس كل عبد ترهن عند الله تعالى بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن
عمل صالحاً فكها وخلصا وإلا أوبقها، وقال غيره: هذه جملة من صفات أهل النار وقعت معترضة في صفات أهل الجنة، ويؤيده ما
روى عن مقاتل أنه قال: معناه كل امرئ كافر بما عمل من الكفر مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى في حق النبى ﷺ : (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) وكل واحد غيره كذلك
لا يكون كاهناً ولا مجنوناً بنعمة الله تعالى؟
قلنا: معناه فما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بالصدق والنبوة بكاهن
стр. 493
ولا مجنون كما يقول الكفار، وقيل: الباء هنا بمعنى مع كما في قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) وقوله تعالى:
(فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) ويقال: أكلت الخبز بالتمر: أي معه.
* * *
فإن قيل: ما معنى الجمع في قوله تعالى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) ؟
قلنا: معناه التفخيم والتعظيم، والمراد بحيث نراك ونحفظك، ونظيره في معنى العين قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)
ونظيره في الجمع للتفخيم والتعظيم قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا)
стр. 494
سورة النجم
* * *
فإن قيل: الضلال والغواية واحدة، فما فائدة قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) ؟
قلنا: قيل: إن بينهما فرقاً لأن الضلال ضد الهدى والغى ضد الرشد وهما مختلفان مع تقاربهما، وقيل: معناه ما ضل في قوله ولا غوى
فى فعله، ولو ثبت اتحاد معناهما يكون من باب التأكيد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)
أدخل كلمة الشك، والشك محال على الله تعالى؟
قلنا: أو هنا للتخيير لا للشك، كأنه قال : إن شئتم قدروا ذلك القرب بقاب قوسين، وإن شئتم قدروه بأدنى منهما.
وقيل: معناه بل أدنى، وقيل: هو خطاب لهم بما هو معهود بينهم، وقيل: هو تشكيك لهم لئلا يعملوا قدر ذلك القرب، ونظيره قوله
تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) والكلام فيهما واحد.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) من رؤية القلب لا من رؤية البصر، فأين مفعولها الثانى؟
قلنا: هو محذوف تقديره: أفرأيتموها بنات الله وأنداده، فإنهم كانوا
стр. 495
يزعمون أن الملآئكة وهذه الأصنام بنات الله .
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) فوصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف بالأخرى الثانية لا الثالثة، فظاهر اللفظ يقتضى أن يكون قد سبق ثالثة أولى، ثم لحقتها الثالثة الأخرى فتكون ثالثتان ؟
قلنا: الأخرى نعت للعزى وتقديره: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة لأنها ثالثة الصنمين في الذكر، وإنما أخر الأخرى رعاية للفواصل كما قال: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) ولم يقل أخر رعاية للفواصل.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي لا يقوم مقام العلم، مع أنه يقوم مقام العلم في صورة القياس؟
قلنا: المراد به الظن الحاصل من أتباع الهوى دون الظن الحاصل من النظر والاستدلال، ويؤيده قوله تعالى قبل هذا: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وقد صح في الأخبار وصول ثواب الصدقة والقراءة والحج وغيرها إلى الميت؟
стр. 496
قلنا: فيه وجوه: أحدها: ما قاله ابن عباس رضى الله عنهما أنها منسوخة بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) معناه أنه أدخل الأبناء الجنة بصلاح الأباء، قالوا وهذا لا يصح لأن الآيتين خبر ولا نسخ في الخبر، الثانى: أن ذلك مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وهو حكاية ما في صحفهم، فأما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعى لها، الثالث:
أنه على ظاهره، ولكن دعاء ولده وصديقه وقراءتهما وصدقتهما عنه من سعيه أيضاً بوسطة اكتسابه للقرابة أو الصداقة أو المحبة من الناس بسبب التقوى والعمل الصالح.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى بعد تعديد النقم: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) والآلاء النعم ؟
قلنا: إنما قال سبحانه بعد تعديد النعم والنقم نعم لما فيها من المزاجر والمواعظ، فمعناه: فبأى نعم ربك الدالة على وحدانيته تشك
يا وليد بن المغيرة.
стр. 497
سورة القمر
* * *
فإن قيل: ما فائدة إعادة التكذيب في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) وهلا قال تعالى كذبت قبلهم قوم نوح عبدنا ؟
قلنا: معناه كذبوا تكذيبا بعد تكذيب، (وقيل: إن التكذيب الأول منهم بالتوحيد، والثانى بالرسالة) ، وقيل: التكذيب الأول منهم لله تعالى، والثانى لرسوله ﷺ .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف ماء الأرض والسماء: (فَالْتَقَى الْمَاءُ) ولم يقل فالتقى الماءان؟
قلنا: أراد به جنس المياه.
* * *
فإن قيل: الجزاء إنما يكون للكافر لا للمكفور فكيف قال تعالى: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) ؟
قلنا: جزاء مفعول له فمعناه: ففتحنا أبواب السماء وما بعده مما كان بسبب إغراقهم جزاء لله تعالى لأنه مكفور به، فحذف الجر وأوصل الفعل بنفسه كقوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) والجزاء يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول كسائر المصادر، الثانى: أنه نوح
﵇ إما لأنه مكفور به فحذف الجار كما مر من الكفر
стр. 498
الذى هو ضد الإيمان، أو لأن كل نبى نعمة من الله على قومه، ومنه
قوله تعالى، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقال رجل للرشيد: الحمد لله عليك، فقال: ما معنى هذا، فقال: أنت نعمة حمدت الله عليها، فكأنه قال: بن جزاء لهذه النعمة إلمكفورة، وكفران
النعمة يتعدى بنفسه قال الله تعالى: (وَلَا تَكْفُرُونِ) ، الثالث: أن "من" بمعنى ما فمعناه: جزاء لما كان كفر من نعم الله تعالى على العموم، وقرأ قتادة كفر بالفتح: أي جزاء للكافرين.
* * *
فإن قيل: كيف قال اللة تعالى: (أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) أي منقلع، ولم يقل منقعرة ؟
قلنا: إنما ذكر الصفة لأن الموصوف وهو النخل مذكر اللفظ ليس فيه علامة التأنيث، فاعتبر اللفظ وفى موضع آخر اعتبر المعنى
وهو كونه جمعاً فقال: (أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) ونظيرهما قوله تعالى: (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) وقال أبو عبيدة: النخل يذكر
وبؤنث، فجمع القرآن اللغتين، وقيل: إنما ذكر رعاية للفواصل.
стр. 499
سورة الرحمن
* * *
فإن قيل: أي مناسبة بين رفع السماء ووضع الميزان حتى قرن بينهما ؟
قلنا: لما صدر هذه السورة بتعديد نعمه سبحان على عبيده، ذكر من جملتها وضع الميزان الذي به نظام العالم وقوامه، لا سيما أن المراد
بالميزان العدل في قول الأكثرين، والقرآن في قول، وكل ما تعرف به المقادير في قول كالميزان والمكيال والذراع المعروف ونحوها.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) أي لا تجاوزوا فيه العدل مغن عما بعده من الجملتين فما فائدتهما؟
قلنا: المراد بالطغيان فيه أخذ الزائد، وبالإخسار فيه إعطاء الناقص وأمر بالتوسط الذي هو إقامة الوزن بالقسط، ونهى عن الطرفين المذمومين.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) وهو الطين اليابس الذي لم يطبخ لكن له صلصلة: أي صوت إذا نقر، وقال تعالى في موضع آخر: (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) وقال تعالى: (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) وقال
تعالى: (مِنْ تُرَابٍ) ؟
قلنا: الآيات كلها متفقة في المعنى، لأنه تعالى خلقه من تراب جعله
стр. 500
طيناً ثم حماً مسنوناً ثم صلصالاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)
فكرر ذكر الرب ولم يكرره في سورة المعارج بل أفرده فقال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) وكذا في سورة المزمل: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ، (لَ ا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) ؟
قلنا: إنما كرر ذكر الرب تأكيداً، وكان التأكيد بهذا الموضع أليق منه بذينك الموضعين، لأنه موضع الامتنان وتعديد النعم، ولأن الخطاب فيه مع جنسين وهما الإنس والجن.
* * *
فإن قيل: بعض الجمل المذكورة في هذه السورة ليست من النعم كقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) وقوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ) فكيف حسن
الامتنان بعدها بقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ؟
قلنا: من جملة الآلاء دفع البلاء وتأخير العقاب، فإبقاء من هو مخلوق للفناء نعمة، وتأخير العقاب عن العصاة أيضاً نعمة فلهذا امتن علينا بذلك.
стр. 501
فإن قيل: كيف قال تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ)
والله تعالى لا يشغله شيء ؟
قلنا: قال الزجاج: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من شغل، والآخر: القصد للشيء والإقبال عليه، وهو تهديد ووعيد، ومنه قولهم: سأتفرغ لفلان: أي سأجعله قصدى، فمعنى الآية
سنقصد لحسابكم ومعاقبتكم.
* * *
فإن قيل: كيف وعد سبحانه الخائف جنتين فقط؟
قلنا: لأن الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل خائفين من الثقلين جنتان، جنة للخائف الإنسى، وجنة للخائف الجنى، وقيل: المراد به
أن لكل خائف جنتين، جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصى، وقيل: جنة يثاب بها، وجنة يتفضل بها عليه زيادة لقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) أي الجنة وزيادة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) ولم يقل سبحانه فيهما والضمير للجنتين؟
قلنا: الضمير لمجموع الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة
وغيرها مما سبق ذكره، وقيل: هو للجنتين، وإنما جمعه لاشتمال الجنتين على قصور ومنازل، وقيل: الضمير للمنازل والقصور التى
دل عليها ذكر الجنتين، وقيل: الضمير لمجموع الجنان التى دل عليها ذكر الجنتين، وقيل: الضمير عائد إلى الفرش لأنها أقرب، وعلى هذا القول "فى" بمعنى على، كما في قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) .
стр. 502
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) أي لم يفتضهن، ونساء الدنيا لا يفتضهن الجان أيضاً، فما فائدة تخصيص
الحور بذلك ؟
قلنا: معناه أن تلك القاصرات الطرف إنسيات للإنس وجنيات للجن، فلم يطمث الإنسيات إنسى، ولا الجنيات جنى، وفى هذه الآية دليل على أن الجن يواقعون كما يواقع الإنس، وقيل فيها دليل على أن الجنى يغش الإنسية في الدنيا.
стр. 503
سورة الواقعة
* * *
فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى:
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) ؟
قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أنه تأكيد مقابل لما سبقه من التأكيد: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) كأنه تعالى قال: والسابقون هم المعروف حالهم المشهور وصفهم، ونظيره قول أبى النجم:
أنا أبو النجم وشعرى شعرى................
الثانى: أن معناه: والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمته، وكرامته، ثم قيل: المراد بهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة.
وقيل: الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: أهل القرآن، وقيل: السابقون إلى المساجد إلى الخروج في سبيل الله، وقيل: هم الأنبياء، فهذه خمسة أقوال.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) مع أن التخليد ليس صفة مخصوصة بالولدان في الجنة، بل كل أهل الجنة مخلدون فيها لا يشيبون ولا يهرمون، بل يبقى كل واحد أبداً على صفته التى دخل الجنة عليها؟
قلنا: معناه أنهم لا يتحولون عن شكل الولدان هيئة الوصافة، وقيل: مقرطون، وقيل: مسورون، ولا إشكال على هذين القولين.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالي: (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ)
стр. 504
أنث ضمير الشجر ثم ذكره؟
قلنا: قد سبق جوابه في سورة القمر.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) أي فهلا تصدقون، مع أنهم مصدقون أنه خلقهم بدليل قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ؟
قلنا: هم وإن كانوا مصدقين بألسنتهم إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، الثانى: أنه تخصيص على التصديق بالبعث بعد الموت بالاستدلال بالخلق الأول، فكأنه تعالى قال: هو الذي خلقكم أولا باعترافكم، فلا يمتنع عليه أن يعيدكم
ثانياً فهلا تصدقون بذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى في الزرع: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) باللام وقال تعالى في الماء: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) بغير لام؟
قلنا: الأصل أن تذكر اللام في الموضعين، إذ لابد منها في جواب
"لو" إلا أنها حذفت في الثانى اختصاراً، وهى منوية لدلالة الأولى عليها، الثانى: أن أصل هذه اللام للتأكيد، فذكرت مع المطعوم دون المشروب، لأن المطعوم مقدم وجوداً ورتبة، لأنه إنما يحتاج إلى
стр. 505
الماء تبعاً له، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، فلما كان الوعيد بفقد المطعوم أشد وأصعب أكد تلك الجملة مبالغة فى
التهديد.
* * *
فإن قيل: التسبيح التنزيه عن السوء، فما معنى باسم في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) وهلا قال تعالى فسبح ربك العظيم ؟
قلنا: فيه وجوه أحدها: أن الباء زائدة والاسم بمعنى الذات فصار المعنى ما قلتم، الثانى: أن الاسم بمعنى الذكر، فمعناه فسبح بذكر
ربك، الثالث: أن الذكر فيه مضمر، فمعناه فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، الرابع: قال الضحاك: معناه فصل باسم ربك: أي افتتح الصلاة
بالتكبير.
* * *
فإن قيل: إذا كان القرآن صفة من صفات الله تعالى قائمة بذاته
المقدسة، فكيف قال تعالى: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) أي اللوح المحفوظ أو المصحف على اختلاف القولين؟
قلنا: معناه مكتوب في كتاب مكنون، ولا يلزم من كتابة القرآن فى
الكتاب أن يكون (القرآن) حالا في الكتاب كما لو كتب إنسان على كفه ألف دينار لإ يلزم منه وجود ألف دينار في كفه، وكذا لو
كتب في كفه العرش. أو الكرسى، وكذا قال تعالى في صفة النبى ﷺ : (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ)
стр. 506
الثانى: أن القرآن لو كان حالا في المصحف (فإما أن يكون جميعه حالا في مصحف واحد، أو في كل مصحف، بعضه) ، ولا سبيل إلى الأول لأن المصاحف كلها سواء في الحكم في كتابته فيها، ولأن البعض ليس أولى بذلك من البعض، ولا سبيل
إلى الثانى وإلا لزم تعدد القرآن وأنه متحد، ولا سبيل إلى الثالث لأنه كله مكتوب في كل مصحف، ولأن هذا المصحف ليس أولى بهذا البعض من ذلك المصحف، وكذا الباقى، فثبت أنه ليس حالا في شيء منها، بل هو كلام الله تعالى وكلامه صفة قديمة قائمة به لا تفارقه.
* * *
فإن قيل: فإذا لم تفارقه فكيف سماه تعالى منزلا وتنزيلا، وقال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) ونظائره كثيرة، وإذا فارقه وباينه يكون مخلوقاً، لأن كل مباين له فهو غيره، وكل ما هو غيره فهو مخلوق ؟
قلنا: معنى إنزاله أنه علمه لجبريل فحفظه، وأمره أن يعلمه للنبى ﷺ ويأمره أن يعلمه لأمته، مع أنه
لم يزل ولا يزال صفة لله تعالى قائمة به لا تفارقه.
стр. 507
سورة الحديد
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ثم قال سبحانه: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ؟
قلنا: معناه إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فإن شريعتهما تقتضى الإيمان بمحمد ﷺ ، الثانى: إن كنتم مؤمنين بالميثاق الذي أخذه عليكم يوم أخرجكم من ظهر آدم ﵇، الثالث: أن معناه: أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه ويتلوا عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقد ركب الله تعالى فيكم العقول ونصب لكم الأدلة
ومكنكم من النظر وأزاح عللكم، فما لكم لا تؤمنون إن كنتم مؤمنين بموجب ما، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه، فإن قيل: كيف قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ولم يذكر مع من لا يستوى، والاستواء لا يتم
إلا بذكر اثنين كقوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) ، (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) ؟
قلنا: هو محذوف تقديره: ومن أنفق وقاتل من بعد الفتح، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه.
* * *
فإن قيل: كيف يقال إن أعلى الدرجات بعد درجة الأنبياء درجة
стр. 508
الصديقين، والله تعالى قد حكم على كل مؤمن بكونه صدريقاً بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ؟
قلنا: قال ابن مسعود ومجاهد: كل مؤمن صديق، الثانى: أن الصديق
هو كثير الصدق، وهو الذي كل أقواله وأفعاله وأحواله صدق، فعلى هذا يكون المراد به بعض المؤمنين لا كلهم، وقد روى عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام.
وهم أبو بكر وعثمان وعلى وحمزة بن عبد المطلب وطلحة والزبير وسعد وزيد، وألحق بهم عمر رضى الله عنهم فصاروا تسعة.
* * *
فإن قيل: كيف وصف سبحانه هؤلاء المذكورين بكونهم شهداء ومنهم من لم يقتل ؟
قلنا: معناه أن لهم أجر الشهداء، الثانى: أنه جمع شهيد بمعنى شاهد، فمعناه أنهم شاهدون عند ربهم على أنفسهم بالإيمان، الثالث: أنه مبتدأ
منقطع عما قبله لا معطوف عليه، معناه: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)
والمسابقة من المفاعلة التى لا تكون إلا بين اثنين كقولك: سابق زيد عمراً؟
قلنا: قيل معناه سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في الميدان.
ويؤيد هذا القول مجيئه بلفظ المسارعة في سورة آل عمران، وقيل: سابقوا ملك الموت قبل أن يقطعكم بالموت عن الأعمال التى توصلكم
стр. 509
إلى الجنة، وقيل: سابقوا إبليس قبل أن يصدكم بغروره وخداعه عن ذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (وقال تعالى في سورة آل عمران: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) (فكيف) يكون عرضها كعرض السماء الواحدة وكعرض السموات السبع ؟
قلنا: المراد بالسماء جنس السموات لا سماء واحدة كما أن المراد بالأرض في الآيتين جنس الأرضين فصار التشبيه في الآيتين بعرض السموات السبع والأرضين السبع.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ولا أحد يملك نفسه عند مضرة تناله أن
لا يحزن، ولا عند منفعة ينالها أن لا يفرح، وليرجع كل واحد منا في ذلك إلى نفسه؟
قلنا: ليس المراد بذلك الحزن والفرح الذي لا ينفك عنه الإنسان بطبعه قسراً وقهراً، بل المراد به الحزن المخرج لصاحبه إلى الذهول عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر نعوذ بالله منهما.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ)
стр. 510
والميزان لم ينزل من السماء؟
قلنا: قيل المراد بالميزان هنا العدل، وقيل العقل، وقيل السلسلة التى
أنزلها الله تعالى على داود ﵇، وقيل هو الميزان المعروف أنزله جبريل فدفعه إلى نوح ﵇، وقال له: مر قومك يزنوا به.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) مع أن المؤمنين مؤمنون برسوله ؟
قلنا: معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد، فيكون خطاباً لليهود والنصارى خاصة، وعليه الأكثرون، وقيل: معناه يا أيها الذين آمنوا يوم الميثاق اتقوا الله وآمنوا برسوله اليوم، وقيل: معناه يا أيها الذين آمنوا بالله في العلانية باللسان اتقوا الله وآمنوا برسوله في السر بتصديق القلب.
стр. 511
سورة المجادلة
* * *
فإن قيل: لأى معنى خص الله تعالى الثلاثة والخمسة بالذكر في النجوى دون غيرها من الأعداد ؟
قلنا: لأن قوما من المنافقين تخلفوا للتناجى على هذين العددين مغايظة للمؤمنين، فنزلت الآية على صفة حالهم تعريضاً بهم وتسميعاً
لهم وزيد فيها ما يتناول كل متناجيين غير تلك الطائفتين وهو قوله تعالى: (وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ) .
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ؟
قلنا: فائدته الإخبار عن المنافقين أنهم يحلفون على أنهم ما سبوا رسول الله ﷺ وأصحابه مع اليهود كاذبين متعمدين
للكذب فهي اليمين الغموس، فكان ذلك نهاية في ذمهم.
стр. 512
سورة الحشر
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) والإيمان ليس مكاناً يتبوأ لأن معنى التبوء اتخاذ المكان منزلا ؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: وأخلصوا الإيمان كقول الشاعر:
علفتها تبناً وماء باردا...............
أى وصقيتها ماء بارداً، الثانى: أنه على ظاهره بغير إضمار ولكنه مجاز، فمعناه أنهم جعلوا الإيمان مستقراً مستوطناً لتمكنهم منه
واستقامتهم عليه، كما جعلوا دار الهجرة كذلك وهى المدينة.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم وحرف الشرط إنما يدخل على ما يحتمل وجوده وعدمه؟
قلنا: معناه: ولئن نصروهم على الفرض والتقدير كقوله تعالى للنبى ﷺ ، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقوله
تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) والله تعالى كما يعلم ما يكون قبل كونه، فهو يعلم ما لا يكون أنه لو كان كيف يكون.
* * *
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى للمؤمنين: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)
стр. 513
أى في صدور المنافقين أو اليهود على
أختلاف القولين، وظاهره لأنتم أشد خوفاً من الله، فإن كان "من الله " متعلقاً بأشد لزم ثبوت الخوف لله تعالى كما تقول: زيد أشد خوفاً في الدار من عمرو، وذلك محال، وإن كان، "من الله " متعلقاً
بالخوف فأين الذي فضل عليه المخاطبون، وأيضاً فإن الآية تقتضى إثبات زيادة الخوف للمؤمنين، وليس المراد ذلك باتفاق المفسرين؟
قلنا: رهبة مصدر رهب مبيناً لما لم يسم فاعله، فكأنه قيل أشد مرهوبية، يعنى أنكم في صدورهم أهيب من الله فيها، كذا فسره ابن
عباس رضى الله عنهما، ونظيره قولك: زيد أشد ضرباً في الدار من عمرو يعنى مضروبية.
* * *
فإن قيل: كيف يستقيم التفضيل وهم ما كانوا يرهبون الله، لأنهم لو رهبوه لتركوا النفاق والكفر ؟
قلنا: معناه أن رهبتهم في السر منكم أشد من رهبتهم من الله التى يظهرونها لكم، وكانوا يظهرون للمؤمنين رهبة شديدة من الله تعالى.
* * *
فإن قيل: كيف قال إبليس: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) وهو لا يخاف الله تعالى لأنه لو خافه لما خالفه ثم أضل عبيده؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة الأنفال.
* * *
فإن قيل: ما فائدة تنكير النفس والغد في قوله تعالى: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ؟
стр. 514
قلنا: أما تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة كأن قال: ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وأين تلك النفس.
وأما تنكير الغد فلعظمة وإبهام أمره كأنه قال: لغد لا يعرف كنهه لعظمه.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (لغد) وأراد به يوم القيامة، والغد عبارة عن يوم بينه وبيننا ليلة واحدة ؟
قلنا: الغد له مفهومان: أحدهما ما ذكرتم، والثانى مطلق الزمان المستقبل، ومنه قول الشاعر:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله. . . ولكننى عن علم ما في غد عمى
وأراد به مطلق الزمان المستقبل كما أراد بالأمس مطلق الزمان الماضي، فصار لكل واحد منهما مفهومان، ويؤيده أيضاً قوله تعالى: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) ، وقيل: إنما أطلق على يوم
القيامة اسم الغد تقريباً له كقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) وقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وكأنه تعالى قال: إن يوم إلقيامة لقربه يشبه ما ليس
стр. 515
بينكم وبينه إلا ليلة واحدة، ولهذا روى النبى ﷺ قال: " اعمل لليلة صبيحتها يوم القيامة "، قالوا: أراد بتلك الليلة ليلة الموت.
* * *
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ... الآية) ؟
قلنا: معناه أنه سبحانه لو جعل في جبل على قساوته تمييزاً كما جعل في الإنسان ثم أنزل عليه القرآن، لتشقق (خشية) من الله تعالى خوفاً أن لا يؤدى حقه في تعظيم القرآن، والمقصود توبيخ
الإنسان على قسوة قلبه وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن، وإعراضه عن تدبر قوارعه وزواجره.
* * *
فإن قيل: ما الفرق بين الخالق والبارئ حتى عطف تعالى أحدهما على الآخر؟
قلنا: الخالق هو المقدر لما يوجده، والبارئ هو المميز بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة، وقيل: الخالق المبدئ والبارئ المعيد.
стр. 516
سورة الممتحنة
* * *
فإن قيل: من ماذا استثنى قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ) ؟
قلنا: من قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) لأنه سبحانه أراد بالأسوة الحسنة قوله الذي حكاه عنه وعن أتباعه وأشياعه ليقتدوا به فيه ويتخذوه سنة يستنون بها.
واستثنى سبحانه استغفاره لأبيه لأنه كان (عن) موعدة وعدها إياه.
* * *
فإن قيل: فإن كان استغفاره لأبيه أو وعده لأبيه بالاستغفار مستثنى من الأسوة، فكيف عطف عليه قوله: (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) وهو لا يصح استثناؤه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) ؟
قلنا: المقصود بالاستثناء هو الجملة الأولى فقط، وما بعدها ذكر لأنه من تمام كلام إبراهيم لا بقصد الاستثناء، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتى إلا الاستغفار.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) ومعلوم أن النبى ﷺ لا يأمر إلا بمعروف، فهلا اقتصر على قوله تعالى: "وَلَا يَعْصِينَكَ "؟
قلنا: فائدته سرعة تبادر الأفهام إلى قبح المعصية منهن لو وقعت،
стр. 517
من غير توقف الفهم على المقدمة التى أوردتم في السؤال.
стр. 518
سورة الصف
* * *
فإن قيل: ما فائدة " قد " في قوله تعالى: (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ؟
قلنا: فائدتها التأكيد، كأنه قال: وتعلمون علماً يقيناً لا شبهة لكم فيه، هذا جواب الزمخشري، وقال غيره: فائدتها التكثير، لأن قد مع الفعل المضارع تارة تأتى للتقليل كقولهم: إن الكذوب قد يصدق.
وتارة تأتى للتكثير كقول الشاعر:
قد أعسف النازح المجهود معسفة. . . في فظل أخضر يدعو هامة البوم
وإنما يتمدح بما يكثر وجوده منه لا بما يقل.
* * *
فإن قيل: كيف قال عيسى ﵇: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ولم يقل محمد ومحمد أشهر أسماء النبى ﷺ ؟
قلنا: إنما قال أحمد لأنه مذكور في الإنجيل بعبارة تفسيرها أحمد لا محمد، وإنما كان كذلك لأن اسمه في السماء أحمد وفى الأرض محمد، فنزل في الانجيل اسمه السماوى، وقيل: إن أحمد أبلغ فى
معنى الحمد من محمد من جهة كونه مبنياً على صيغة التفصيل، وقيل: محمد أبلغ من جهة كونه على صيغة التفصيل الذي هو للتكثير.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ولم يقل سبحانه هذه، والمشار إليه البينات وهى
стр. 519
مؤنثة؟
قلنا: معناه هذا الذي جئت به، فالإشارة إلى المأتى به.
* * *
فإن قيل: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصار الله بقول عيسى ﵇: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) ؟
قلنا: التشبيه محمول على المعنى تقديره: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصاراً لعيسى ﵇ حين قال لهم من أنصارى إلى الله.
стр. 520
سورة الجمعة
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) والسعى العدو، والعدو إلى صلاة الجمعة وإلى كل صلاة مكروه ؟
قلنا: المراد بالسعى القصد، وقال الحسن: ليس هو السعى على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب، ويؤيد قول الحسن قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وقول الداعى في دعاء القنوت: واليك نسعى ونحفد، وليس المراد به العدو والاسراع بالقدم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (انْفَضُّوا إِلَيْهَا) والمذكور شيئان اللهو والتجارة؟
قلنا: قد سبق جواب هذا في سورة التوبة في قوله تعالى: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والذى يؤيده هنا ما قاله الزجاج معناه: واذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه إليهما
بضمير التثنية، وعليه فلا حذف.
стр. 521
سورة المنافقون
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) ؟
قلنا: لو قال تعالى: قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد إنهم لكاذبون (لكان) يوهم أن قولهم هذا كذب، وليس المراد أن
شادتهم هذه كذب، بل المراد أنهم كاذبون في غير هذه الشهادة، وقال أكثر المفسرين: إنه تكذيب لهم في هذه الشهادة لأنهم أضمروا
خلاف ما أظهروا ولم يعتقدوا أنه رسول الله بقلوبهم، فسماهم كاذبين لذلك، فعلى هذا يكون ذلك تأكيد.
* * *
فإن قيل: المنافقون ما برحوا على الكفر، فكيف قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) ؟
قلنا: معناه ذلك الكذب الذي حكم عليهم به، أو ذلك الإخبار عنهم بأنهم هم سماء ما كانوا يعملون بسبب أنهم آمنوا بألسنتهم (ثم كفروا) بقلوبهم (فطبع على قلوبهم) كما قال تعالى فى
وصفهم. (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ... الآية) ، الثانى: أن المراد به أهل الردة منهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) ولم يقل هى العدو؟
стр. 522
قلنا: عليهم هم ثانى مفعولين يحسبون تقديره: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم: أي لجبنهم وهلعهم، فالوقف على قوله تعالى عليهم
وقوله سبحانه: (هُمُ الْعَدُوُّ) ابتداء كلام، وقيل: إن المفعول الثانى هو قوله تعالى: (هُمُ الْعَدُوُّ) ولكن تقديره: يحسبون أهل كل صيحة عليهم هم العدو، والأول أظهر (بذلك) بدليل عدم نصب العدو.
стр. 523
سورة التغابن
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) قدم الكافر في الذكر ؟
قلنا: الواو لا تعطى رتبة ولا تقتضى ترتيباً كما قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) وقال تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) وقال سبحانه: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) وقال تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) وقد ذكرنا في إلآية
الأخيرة معنى آخر في موضعها.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) يوهم وجود التولى والاستغناء معاً بعد مجيء رسلهم إليهم، والله تعالى لم يزل غنياً؟
قلنا: معناه وظهر استغناء الله تعالى عن إيمانهم وعبادتهم حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته تعالى على ذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) مع أن الهداية سابقة على الإيمان، لأنه لولا سبق الهداية لما وجد الإيمان؟
قلنا: ليس المراد يهد قلبه للإيمان، بل المراد به يهد قلبه لليقين
стр. 524
عند نزول المصائب، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، الثانى: يهد قلبه للرضا والتسليم عند نزول المصائب، الثالث: يهد قلبه للاسترجاع عند نزول المصائب، وهو أن
يقول: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ، الرابع: يهد قلبه: أي يجعله ممن إذا ابتلى صبر، واذا أنعم عليه شكر، وأذ ظلم غفر، الخامس: يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه، وقرئ " يهدأ " بفتح الدال وبالهمز من الهدو وهو السكون، فمعناه: ومن يؤمن (بالله) إيماناً خالصاً يسكن قلبه ويطمئن عند نزول المصائب والمحن ولا يجزع ويقلق.
стр. 525
سورة الطلاق
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) أفرد الخطاب أولا ثم جمعه ثانياً ؟
قلنا: أفرد سبحانه النبى ﷺ أولا بالخطاب لأنه إمام أمته وقدوتهم إظهاراً لتقدمه ورياسته، وأنه وحده في حكم كلهم وساد مسد جميعهم، الثانى: إن معناه: يا أيها النبى قل لأمتك إذا طلقتم النساء.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ونحن نرى كثيراً من الأتقياء مضيقاً عليهم رزقهم؟
قلنا: معناه يجعل له مخلصاً من هموم الدنيا والآخرة، وعن النبى ﷺ أنه قال: مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، والصحيح أن هذه الآية عامة، وأن الله يجعل لكل متق مخرجاً من كل ما يضيق على من لا يتقى، ولهذا قال النبى ﷺ : "إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ) وجعل يقرؤها ويعيدها "، وأما تضييق رزق الأتقياء فهو مع ضيقه وقلته يأتيهم من
حيث لا يأملون ولا يرجون، وتقليله لطف بهم ورحمة ليتوفر حظهم في الآخرة ويخف حسابهم، ولتقل عوائقهم عن الاشتغال
بمولاهم، ولا يشغلهم الرخاء والسعة عما خلقوا له من الطاعة
стр. 526
والعبادة، ولهذا اختار الأنبياء والأولياء والصديقون الفقر على الغنى.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
أى من يثق به فيما نابه كفاه الله شر ما أهمه، وقد رأينا كثيراً من الناس يتوكل على الله في بعض أموره وحوائجه ولا يكفيه الله همه ؟
قلنا: محال أن يتوكل على الله حق التوكل ولا يكفيه همه، بل ربما قلق وضجر واستبطأ قضاء حاجته بقلبه أو بلسانه أيضا ففسد
توكله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) أي نافذ حكمه، يبلغ ما يريده ولا يفوته (مراد) ولا يعجزه مطلوب، وبقوله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي جعل لكل شيء من الفقر والغنى والمرض والصحة والشدة والرخاء ونحو ذلك أجلا ومنتهى ينتهى إليه لا يتقدم عنه ولا يتأخر.
* * *
فإن قيل: كيف قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) علقه بشكنا مع أن عدتهن ذلك سواء وجد شكنا أم لا؟
قلنا: المراد بالشك الجهل بمقدار عدة الآيسة والصغيرة، وإنما علقه به لأنه لما نزل بيان عدة ذوات الأقراء في سورة البقرة قال بعض
الصحابة رضى الله عنهم: قد بقى الكبار والصغار لا ندرى كم عدتهن، فنزلت هذه الآية على هذا السبب، فلذلك جاءت مقيدة
стр. 527
بالشك والجهل.
* * *
فإن قيل: إذا كانت المطلقة طلاقاً بائناً تجب لها النفقة عند بعض العلماء، فما فائدة قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) عند ذلك القائل ؟
قلنا: فائدته أن لا يتوهم أنه إذا طالت مدة الحمل بعد الطلاق حتى مضت مدة عدة الحائل سقطت النفقة، فنفى هذا الوهم بقوله: (حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وقال سبحانه في موضع آخر: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فكيف التوفيق بينهما؟
قلنا: المراد بقوله تعالى " مع " بعد لأن الضدين لا يجتمعان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) فنسب العتو إليها، وقال تعالى: " فحاسبناها "، " وعذبناها " والعذاب
على الحساب يكون في الآخرة لا في الدنيا؟
قلنا: معناه عتا أهلها، وإنما جيء به على لفظ الماضي تحقيقا له وتقريراً، لأن المنتظر من وعد الله تعالى ووعيده آت لا محالة، وما هو كائن فكأنه قد وقع، ونظيره قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ)
стр. 528
النَّارِ) وما أشبهه.
стр. 529
سورة التحريم
* * *
فإن قيل: قرله تعالى: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) إن كان المراد به الفرد فأى فرد هو، وأيضاً فإنه لا يناسب مقابلة الملآئكة الذين هم جمع، وإن كان المراد به الجمع فهلا كان مكتوباً في المصحف بالواو ؟
قلنا: هو فرد أريد به الجمع كقولك: لا يفعل هذا الفعل الصالح من ألناس، تريد به الجنس كقولك: لا يفعله من صلح منهم، وقوله
تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) وقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) وقوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) وقوله تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) ونظائره كثيرة، الثانى: أنه يجوز
أن يكون جمعاً، ولكنه كتب في المصحف بغير واو على اللفظ كما جاءت ألفاظ كثيرة في المصحف على اللفظ دون اصطلاح الخط.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) ولم يقل ظهراء وهو خبر عن الجمع وهم الملآئكة؟
قلنا: هو فرد وضع موضع الجمع كما سبق، الثانى: اسم على وزن المصدر كالزميل والدبيب والصليل، فيستوى فيه الفرد والتثنية والجمع، الثالث: أن فعيلا يستوى فيه الواحد والإثنان والجمع بدليل
стр. 530
قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى بعد ذلك تعظيم للملآئكة ومظاهرتهم، وقد تقدمت نصرة الله تعالى وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله سبحانه أعظم ؟
قلنا: مظاهرة الملآئكة من جملة نصرة الله تعالى، فكأنه فضل نصرته بهم على سائر وجوه نصرته لفضلهم وشرفهم، ولا شك أن نصرته
بجميع الملآئكة أعظم من نصرته بجبريل وحده أو بصالح المؤمنين.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ ... الآية) ، فأثبت الخيرية لهن
باتصافهن بهذه الصفات، وإنما تثبت لهن الخيرية بهذه الصفات لو لم تكن تلك الصفات ثابتة في نساء النبى ﷺ وهى ثابتة فيهن؟
قلنا: المراد به خيراً منكن في حفظ قلبه ومتابعة رضاه، مع اتصافهن بهذه الصفات المشتركة بينكن وبينهن.
* * *
فإن قيل: كيف أخليت الصفات كلها عن الواو وأثبتت بين الثيبات والأبكار؟
قلنا: لأنهما صفتان متنافيتان لا تجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو، ومن جعلها واو الثمانية فقدمها، لأن واو
الثمانية لا يفسد الكلام بحذفها بخلاف هذه.
* * *
فإن قيل: هذه الصفات إنما ذكرت في معرض المدح، فأى مدح في كونهن ثيبات؟
следующие страницы →