Полный текст (604 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
والعبادة، ولهذا اختار الأنبياء والأولياء والصديقون الفقر على الغنى.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
أى من يثق به فيما نابه كفاه الله شر ما أهمه، وقد رأينا كثيراً من الناس يتوكل على الله في بعض أموره وحوائجه ولا يكفيه الله همه ؟
قلنا: محال أن يتوكل على الله حق التوكل ولا يكفيه همه، بل ربما قلق وضجر واستبطأ قضاء حاجته بقلبه أو بلسانه أيضا ففسد
توكله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) أي نافذ حكمه، يبلغ ما يريده ولا يفوته (مراد) ولا يعجزه مطلوب، وبقوله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي جعل لكل شيء من الفقر والغنى والمرض والصحة والشدة والرخاء ونحو ذلك أجلا ومنتهى ينتهى إليه لا يتقدم عنه ولا يتأخر.
* * *
فإن قيل: كيف قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) علقه بشكنا مع أن عدتهن ذلك سواء وجد شكنا أم لا؟
قلنا: المراد بالشك الجهل بمقدار عدة الآيسة والصغيرة، وإنما علقه به لأنه لما نزل بيان عدة ذوات الأقراء في سورة البقرة قال بعض
الصحابة رضى الله عنهم: قد بقى الكبار والصغار لا ندرى كم عدتهن، فنزلت هذه الآية على هذا السبب، فلذلك جاءت مقيدة
стр. 527
بالشك والجهل.
* * *
فإن قيل: إذا كانت المطلقة طلاقاً بائناً تجب لها النفقة عند بعض العلماء، فما فائدة قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) عند ذلك القائل ؟
قلنا: فائدته أن لا يتوهم أنه إذا طالت مدة الحمل بعد الطلاق حتى مضت مدة عدة الحائل سقطت النفقة، فنفى هذا الوهم بقوله: (حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى هنا: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وقال سبحانه في موضع آخر: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فكيف التوفيق بينهما؟
قلنا: المراد بقوله تعالى " مع " بعد لأن الضدين لا يجتمعان.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) فنسب العتو إليها، وقال تعالى: " فحاسبناها "، " وعذبناها " والعذاب
على الحساب يكون في الآخرة لا في الدنيا؟
قلنا: معناه عتا أهلها، وإنما جيء به على لفظ الماضي تحقيقا له وتقريراً، لأن المنتظر من وعد الله تعالى ووعيده آت لا محالة، وما هو كائن فكأنه قد وقع، ونظيره قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ)
стр. 528
النَّارِ) وما أشبهه.
стр. 529
سورة التحريم
* * *
فإن قيل: قرله تعالى: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) إن كان المراد به الفرد فأى فرد هو، وأيضاً فإنه لا يناسب مقابلة الملآئكة الذين هم جمع، وإن كان المراد به الجمع فهلا كان مكتوباً في المصحف بالواو ؟
قلنا: هو فرد أريد به الجمع كقولك: لا يفعل هذا الفعل الصالح من ألناس، تريد به الجنس كقولك: لا يفعله من صلح منهم، وقوله
تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) وقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) وقوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) وقوله تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) ونظائره كثيرة، الثانى: أنه يجوز
أن يكون جمعاً، ولكنه كتب في المصحف بغير واو على اللفظ كما جاءت ألفاظ كثيرة في المصحف على اللفظ دون اصطلاح الخط.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) ولم يقل ظهراء وهو خبر عن الجمع وهم الملآئكة؟
قلنا: هو فرد وضع موضع الجمع كما سبق، الثانى: اسم على وزن المصدر كالزميل والدبيب والصليل، فيستوى فيه الفرد والتثنية والجمع، الثالث: أن فعيلا يستوى فيه الواحد والإثنان والجمع بدليل
стр. 530
قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) .
* * *
فإن قيل: قوله تعالى بعد ذلك تعظيم للملآئكة ومظاهرتهم، وقد تقدمت نصرة الله تعالى وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله سبحانه أعظم ؟
قلنا: مظاهرة الملآئكة من جملة نصرة الله تعالى، فكأنه فضل نصرته بهم على سائر وجوه نصرته لفضلهم وشرفهم، ولا شك أن نصرته
بجميع الملآئكة أعظم من نصرته بجبريل وحده أو بصالح المؤمنين.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ ... الآية) ، فأثبت الخيرية لهن
باتصافهن بهذه الصفات، وإنما تثبت لهن الخيرية بهذه الصفات لو لم تكن تلك الصفات ثابتة في نساء النبى ﷺ وهى ثابتة فيهن؟
قلنا: المراد به خيراً منكن في حفظ قلبه ومتابعة رضاه، مع اتصافهن بهذه الصفات المشتركة بينكن وبينهن.
* * *
فإن قيل: كيف أخليت الصفات كلها عن الواو وأثبتت بين الثيبات والأبكار؟
قلنا: لأنهما صفتان متنافيتان لا تجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو، ومن جعلها واو الثمانية فقدمها، لأن واو
الثمانية لا يفسد الكلام بحذفها بخلاف هذه.
* * *
فإن قيل: هذه الصفات إنما ذكرت في معرض المدح، فأى مدح في كونهن ثيبات؟
стр. 531
قلنا: التثييب مدح من وجه، فإن الثيب أقبل للميل بالنقل وأكثر تجربة وعقلا، والبكارة مدح من وجه فإنها أطهر وأطيب وأكثر مراغبة وملاعبة.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) بعد قوله سبحانه: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) ؟
قلنا: قيل المراد بالأمر الأول الأمر بالعبادات والطاعات، وبالأمر
الثانى الأمر بتعذيب أهل النار، وقيل هو تأكيد.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (تَوْبَةً نَصُوحًا) ولم يقل توبة نصوحة؟
لأن فعولا من أوزان المبالغة التى يستوى في لفظة الذكور والإناث كقولهم: امرأة صبور وشكور ونحوهما.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (مِنْ عِبَادِنَا) بعد قوله
تعالى: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ) ؟
قلنا: فائدته مدحهما والثناء عليهما بإضافتهما إليه إضافة التشريف والتخصيص كما في قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) وقوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) وهو مبالغة في المعنى المقصود
стр. 532
وهو (أن) الإنسان لا ينفعه إلا صلاح نفسه لإصلاح غيره، وإن كان ذلك الغير في أعلى مراتب الصلاح والقرب من الله تعالى.
* * *
فإن قيل: وكيف قال تعالى: (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) ولم يقل سبحانه من القانتات ؟
قلنا: معناه كانت من القوم القانتين: أي المطيعين لله تعالى، يعنى رهطها وأهلها، فكأنه تعالى قال: وكانت من بنات الصالحين، وقيل:
إن الله تعالى لما تقبلها في النذر وأعطاها مرتبة الذكور الذين كان لا يصلح النذر إلا بهم، عاملها معاملة الذكور في بعض الخطاب إشارة
إلى ذلك، وقال تعالى: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) وقال
تعالى: (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) .
стр. 533
سورة الملك
* * *
فإن قيل: ما فائدة تقديم الموت على الحياة في قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ؟
قلنا: إنما قدم سبحانه الموت لأنه هو المخلوق أولا، قال ابن عباس رضى الله عنهما: أراد به خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة، ولو سلم أن المراد به الحياة في الدنيا فالموت سابق عليها لقوله
تعالى: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) مع أن في خلقه سبحانه تفاوتاً عظيماً، فإن الأضداد كلها من خلقه وهى متفاوتة، والسموات أيضاً متفاوتة في الصغر والكبر والارتفاع والانخفاض وغير ذلك؟
قلنا: المراد بالتفاوت هنا الخلل والعيب والنقصان في مخلوقه تعالى الذي هو السموات، ويؤيده قوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)
أى من شقوق وصدوع في السماء.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) والله ليس في السماء ولا في غير السماء، بل هو سبحانه منزه عن كل مكان؟
قلنا: معناه من ملكوته في السماء، لأنها مسكن ملآئكته ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل أقضيته وكتبه وأوامره
стр. 534
ونواهيه، الثانى: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء فخوطبوا على حسب اعتقادهم.
стр. 535
سورة القلم
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَا يَسْتَثْنُونَ) أي ولا يقولون إن شاء الله فسمى ألشرط استثناء ؟
قلنا: إنما سماه استثناء لأنه في معناه، فإن معنى قولك لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد، وقال عكرمة: المراد به
حقيقة الاستثناء: أي أنهم لا يستثنون حق المساكين، والجمهور على الأول.
* * *
فإن قيل: كيف سمى أوسطهم الاستثناء تسبيحاً فقال: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) اى لولا تسثنون؟
قلنا: إنما سماه تسبيحاً لاشتراكهما في معنى التعظيم، لأن الاستثناء تفويض إليه وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلا بمشيئته سبحانه، والتسبيح تنزيه له عن السوء، الثانى: أنه كان استثناؤهم
(قول) سبحان الله، الثالث: أن معناه لولا تنزهون أنفسكم وأموالكم عن حق الفقراء.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) (ولا تكليف في الدار الآخرة؟
قلنا: لا يدعون إليه تكليفاً وتعبداً، ولكن ~توبيخاً وتعنيفاً على تركه في الدنيا.
стр. 536
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) وهم إنما كانوا يدعون إلى الصلاة، فإن المراد بالآية دعاؤهم إلى الجماعات بأذان المؤذن حين يقول حى على الصلاة ؟
قلنا: عبر سبحانه عن الصلاة بالسجود لأنه من أركانها، بل هو أعظم الأركان وغايتها، كما عبر عنها بالركوع وبالقرآن.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَهُمْ سَالِمُونَ) أي صحيحون، مع أن الصحة ليست شرطاً لوجوب الصلاة؟
قلنا: وجوب الخروج إلى الصلاة بالجماعة مشروط بالصحة وهو المراد.
стр. 537
سورة الحاقة
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) ولم يقل صرصرة، كما قال تعالى: (عَاتِيَةٍ) وهو صفة لمؤنث، لأنها الشديدة الصوت أو الشديدة البرد ؟
قلنا: لأن الصرصر وصفه مخصوص بالريح لا يوصف به غيرها.
قاشبه باب حائض وطامث وحامل، بخلاف عاتية فإن غير الريح من الأسماء المؤنثة يوصف به.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى) أي في تلك الليالى والأيام، والنبى ﷺ ما رآهم فيها ولا يراهم فيها؟
قلنا: فيها ظرف لقوله تعالى صرعى، لا لقوله تعالى فترى، والرؤية هنا من رؤية العلم والاعتبار، فصار المعنى فتعلمهم صرعى في تلك الليالى والأيام بإعلامنا حتى كأنك تشاهدهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ) إلى قوله سبحانه: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) والمراد بها النفخة الأولى، وهى نفخة الصعق بدليل ما ذكر بعدها من فساد العالم
العلوى والسفلى، والعرض إنما يكون بعد النفخة الثانية، وبين النفختين من الزمان ما شاء الله تعالى فكيف قال سبحانه: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) ؟
стр. 538
قلنا: وضع اليوم موضع الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان وما بعدهما.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) ؟
قلنا: معناه تيقنت، والظن يطلق بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى في وصف أهل النار: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) وقال سبحانه في موضع
آخر: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) وفى موضع آخر: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ) وفى موضع آخر: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) وفى موضع آخر: (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) ؟
قلنا: معناه إلا من غسلين وما أشبهه، أو وضع الغسلين موضع كل
стр. 539
طعام مؤذ كريه، الثانى: أن العذاب الوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم. ومنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الضريع، لكل باب منهم جزء مقسوم.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) يعنى أن القرآن قول جبريل ﵇ مع أنه قول الله تعالى لا قول جبريل ؟
قلنا: الاكثرين على أن المراد به النبى ﷺ ، والمعنى أنه يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله تعالى لا من تلقاء نفسه كما تزعمون.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) فوصف الفرد بالجمع؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في آخر سورة البقرة.
стр. 540
سورة المعارج
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) ويفسره ما بعده والإنسان في حال خلقه ما كان موصوفاً بهذه الصفات ؟
قلنا: هلوعاً حال مقدرة، فالمعنى مقدراً فيه الهلع كما في قوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) وهم ليسوا محلقين حال الدخول.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى أولا: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) ثم قال تعالى ثانياً: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) فهل بينهما فرق؟
قلنا: المراد بالدوام المواظبة عليها والملازمة أبداً، وقيل: المراد به سكونهم فيها بحيث لا يلتفتون يميناً ولا شمالا، واختاره الزجاج وقال: إشتقاقه من الدائم بمعنى الساكن، كما جاء في الحديث: أنه ﷺ نهى عن البتول في الماء الدائم، قلت: وقوله " على " ينفى هذا المعنى، فإنه لا يقال هو على صلاته ساكن، بل يقال: هو في صلاته ساكن، والمراد بالمحافظة عليها أدؤها على
أكمل وجوهها جامعة لجملة سننها وأدبها، فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة والمحافظة إلى أحوالها.
стр. 541
سورة نوح ﵇
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)
فإن كان المراد به تأخيرهم عن الأجل المقدر لهم في الأزل فهو محال لقوله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَ ا يُؤَخَّرُ) وإن كان المراد به تأخيرهم إلى مجيء الأجل المقدر لهم في الأزل فما فائدة تخصيصهم بهذا وهم وغيرهم في ذلك سواء على تقدير وجود الإيمان منهم وعدم وجوده؟
قلنا: معناه ويؤخركم عن العذاب إلى منتهى آجالكم على تقدير الإيمان فلا يعذبكم في الدنيا كما عذب غيركم من الأمم الكافرة.
الثانى: إنه سبحانه قضى أنهم إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن لم يؤمنوا أهلكهم بالعذاب لتمام خمسمائة سنة، فقيل لهم آمنوا يؤخركم
إلى ذلك الأجل.
* * *
فإن قيل: كيف أمرهم بالاستغفار، والاستغفار إنما يصح من المؤمن دون الكافر؟
قلنا: معناه استغفروا ربكم من الشرك بالتوحيد.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)
والحيوان ضد النبات، فكيف يطلق على الحيوان أنه نبات؟
قلنا: هو استعارة للإنشاء والإخراج من الأرض بواسطة آدم ﵇.
стр. 542
فإن قيل: كيف دعا نوح ﵇ على قومه بقوله: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) مع أنه أرسل ليهديهم ويرشدهم ؟
قلنا: إنما (دعا) عليهم بذلك بعد ما أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) وصفهم بالفجور والكفر في حال ولادتهم وهم أطفال، وكيف علم أنهم لا يلدون إلا فاجراً كفاراً؟
قلنا: إنهم لا يلدون إلا من يفجر ويكفر إذا بلغ، وإنما علم ذلك باعلام الله .
стр. 543
سورة الجن
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) ولم يقل سبحانه رسول الله أو نبى الله، والمراد به النبى ﵊ ؟
قلنا: لأنه ﷺ لم يكن في ذلك المقام مرسلا إليهم.
بل اتفق مرورهم به وجوازهم عليه، فلو قال تعالى رسول الله أو نبى الله لأوهم ذلك قصد أداء الرسالة (إليهم) .
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) مع أن الأمد اسم للغاية، والغاية تكون
زماناً قريباً وزماناً بعيداً، ويؤيده قوله تعالى: (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) ؟
قلنا: أراد بالقريب الحال، وبالمجعول له الأمد المؤجل، سواء كان الأجل قريباً أو بعيداً.
стр. 544
سورة الزمل
فإذ قيل: ما معنى وصف القرآن بالثقل في قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه كان يثقل نزول الوحى على النبى ﵊ حتى يعرق عرقاً شديدا في اليوم الثانى،
الثانى: أن العمل بما فيه من التكاليف ثقيل شاق، الثالث: ثقيل في الميزان يوم القيامة، الرابع: أنه ثقيل على المنافقين، الخامس: أنه كلام له وزن
ورجحان، كما يقال للرجل العاقل: رزين راجح) ، السادس: أنه ليس بسفساف، لأن السفساف من الكلام يكون خفيفاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) (ولم يقل سبحانه منفطرة به) والسماء مؤنثة ؟
قلنا: هو على النسب: أي ذات إنفطار، وقيل: ذكر السماء على معنى السقف، وقيل: معناه السماء شيء منفطر به، وقيل: السماء تذكير وتؤنث.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) ولم يقل تعالى أن لن تحصوهما: أي لن تعرفوا تحقيق مقادير ساعات الليل والنهار؟
قلنا: الضمير عائد إلى مصدر يقدر معناه: لن تحصوا تقديرهما.
стр. 545
سورة المدثر
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (غَيْرُ يَسِيرٍ) بعد قوله
قوله سبحانه: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) ؟
قلنا: قيل معناه أنه غير لا يرجى أن يرجع يسيراً، كما يرجع تيسير العسير من أمور الدنيا، وقيل: إنه تأكيد.
* * *
فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) ومعناهما واحد؟
قلنا: معناه لا تبقى للكفار لحماً ولا تذر لهم عظماً، وقيل: معناه لا تبقيهم أحياء ولا تذرهم أمواتاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) وما سبق من وصفهم بالاستيقان وازدياد الإيمان دل على إنتفاء الارتياب، والجمل كلها متعلقة بعدد خزنة النار، والمعنى
ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أن ما جاء به ﵊ حق، حيث أخبر عن عدد خزنة النار بمثل ما في التوراة، ويزداد الذين آمنوا من أهل الكتاب إيماناً بالنبى ﷺ والقرآن.
حيث وجدوا ما أخبرهم به مطابقاً لما في كتابهم؟
قلنا: فائدته التأكيد والتعريض أيضاً بحال من عداهم من الشاكين وهم الكافرون والمنافقون، فمعناه ولا يرتاب هؤلاء كما أرتاب أولئك.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) يعنى
стр. 546
حصر عدد الخزنة في تسعة عشر وذلك ليس بمثل.
قلنا: هو استعارة من المثل المضروب مما وقع غريباً وبديعاً فى
الكلام استغرابا منهم لهذا العدد واستبداعاً له، والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأى حكمة قصد في جعل الخزنة تسعة عشر لا عشرين، الثانى: أن المثل هنا بمعنى الصفة كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) فالمعنى: ماذا أراد الله بهذا العدد صفة للخزنة.
* * *
فإن قيل: كيف طابق قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) وهو سؤال للمجرمين قوله تعالى: (يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ) وهو
سؤال عنهم، وإنما المطابق الظاهر يسألون المجرمين ما سلككم في سقر أو يتساءلون عن المجرمين ما سلكهم في سقر: أي يسأ ل أهل
الجنة بعضهم بعضا عن أهل النار؟
قلنا: قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ) ليس بيانا للتساؤل عنهم، وإنما هو حكاية قول المسؤلين عن المجرمين، فالمسؤلون من أهل الجنة
ألقوا إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، وذلك أن المؤمنين إذا أخرجهم الله تعالى من النار بعد ما عذبهم بقدر ذنوبهم وأدخلهم الجنة يسألهم بعض أصحاب اليمين عن حال المجرمين وسبب تخليدهم، فقال المسئولون: قلنا لهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ،
стр. 547
وهؤلاء المؤمنون بعد إخراجهم من النار وإدخالهم الجنةصاروا من أصحاب اليمين، وقيل: المراد بأصحاب اليمين الملآئكة ﵈.
وقيل: الأطفال لأنهم لا يرتهنون
بذنوب إذ لا ذنوب لهم.
стр. 548
سورة القيامة
* * *
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)
والقارئ له على النبى ﷺ إنما هو جبرايل ﵇ ؟
قلنا: معناه فإذا جمعناه في صدرك، ويؤيده أول الآية: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) أي إن علينا ضمه وجمعه في صدرك فلا تعجل بقراءته قبل أن يتم حفظه، وقيل: إنما أضيفت القراءة إلى الله
تعالى، لأن جبريل ﵇ يقرؤه بأمره كما تضاف الأفعال إلى الملوك والأمراء بمجرد الأمر، مع أن المباشر لها أعوانهم أو أتباعهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) والذى يوصف بالنظر الذي هو الإبصار والإدراك إنما هو العين دون الوجه؟
قلنا: قيل إنما أراد بالوجوه هنا السعداء وأهل الوجاهة يوم القيامة لا الوجه هو العضو، ولا أرى هذا الجواب مطابقاً لقوله تعالى: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ) لأن العبوس والقطوب إنما يوصف به الوجه
الذى هو العضو، ومما يؤيد أن المراد بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) الأعضاء المعروفة قوله تعالى: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ)
стр. 549
فإن قيل: النطفة المنى، فما فائدة قوله تعالى: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) ؟
قلنا: النطفة اسعملت هنا بمعنى القطرة لأن النطفة تطلق على الماء القليل والكثير، ومنه الحديث: حتى يسير الراكب بين النطفتين لا
يخشى جوازاً، أراد بحر المشرق والمغرب.
стр. 550
سورة الإنسان
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) فوصف المفرد وهى النطفة بالجمع (وهو) الأمشاج لأنه جمع مشج والأمشاج الأخلاط، والمراد أنه مخلوق من نطفة مختلطة من ماء الرجل والمرأة ؟
قلنا: قال الزمخشري: أمشاج لفظ مفرد لا جمع، كقولهم: برمة أعشار، وبيت أكباش، وبر أهدام، وقال غيره: الموصوف به أجزاء
النطفة وأبعاضهاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)
والإبتلاء متأخر عن جعله سميعاً بصيراً؟
قلنا: قال ألفراد: فيه تقديم وتأخير (تقديره) فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه، وقال غيره: معناه ناقلين له من حال إلى حال نطفة
ثم علقة ثم مضغة فسمى ذلك ابتلاء استعارة.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) والقوارير اسم لما يتخذ من الزجاج؟
قلنا: معناه أن تلك الأكواب مخلوقة من فضة، وهى مع بياض الفضة وحنسها في صفاء القوارير وشفيفها، قال ابن عباس رضى الله
عنهما: لو ضربت فضة الدنيا حتى جلتها جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، وقوارير الجنة من فضة ويرى ما فيها من ورائها.
стр. 551
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (كَانَتْ قَوَارِيرَا) ؟
قلنا: معناه تكونت، فهو من قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) وكذا قوله تعالى: (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) .
* * *
فإن قيل: كيف شبه الله تعالى الولدان (باللؤلؤ) المنثور دون المنظوم؟
وقلنا: إنما شبههم باللؤلؤ المنثور لنه أراد تشيبيههم باللؤلؤ الذي لم يثقب بعد، لأنه إذا ثقب نقصت مائيته وصفاؤه، واللؤلؤ (الذى) لم يثقب لا يكون إلا منثوراً، وقيل: إنما شبههم الله تعالى باللؤلؤ المنثور لأن اللؤلؤ المنثور على البساط أحسن منظراً من المنظوم، وقيل: إنما شبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور
لانتشارهم وأنبثاثهم في مجالهم ومنازلهم وتفريقهم في الخدمة بدليل قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) ولو كانوا وقوفاً صفاً لشبهوا بالمنظوم.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) مع أن ذلك في الدنيا إنما هو عادة الإماء ومن في مرتبتهن؟
قلنا: القرآن أول من خوطب به العرب، وكان من عادة رجالهم
стр. 552
ونسائهم من بيت المملكة التحلى بالذهب والفضة منفردين ومجتمعين.
الثانى: إن الاسم وإن كان مشتركاً بين فضة الدنيا والآخرة، ولكن شتان (ما) بينهما قال النبى ﷺ : (المثقال من فضة الآخرة خير من الدنيا وما فيها) ، وكذا الكلام في السندس
والإستبرق وغيرهما مما أعده الله تعالى في الجنة.
* * *
فإن قيل: أي شرف لتلك الدار يسقى الله تعالى عباده الشراب الطهور فيها مع أنه تعالى في الدنيا سقاهم ذلك بدليل قوله تعالى: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) وقوله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) ؟
قلنا: المراد به في الآخرة سقيهم بغير واسطة، وشتان بين الشرابين والآنيتين أيضاً.
* * *
فإن قيل قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) الضمير لمشركى مكة بلا خلاف، فما معنى تقسيمهم إلى الآثم والكفور.
وكلهم آثم وكلهم كفور؟
قلنا: المراد بالآثم عتبة بن ربيعة، فإنه كان ركاباً للمآثم متعاطياً لأنواع ألفسوق، والمراد بالكفور الوليد بن المغيرة، فإنه كان غالياً
فى الكفر شديد الشكيمة فيه مع أن كليهما كافر وآثم، والمراد به نهيه عن طاعتهم فيما كانوا يدعونه إليه من ترك الدعوة وموافقتهم فيما كانوا عليه من الكفر والضلال.
стр. 553
فإن قيل: ما معنى النهى عن طاعة أحدهما، وهلا نهى عن طاعتهما ؟
قلنا: قال بعضهم إن أو هنا بمعنى الواو كما في قوله تعالى: (أَوِ الْحَوَايَا) ، الثانى: أنه لو قال تعالى ولا تطعهما جاز له أن يطيع أحدهما، وأما إذا قيل ولا تطع أحدهما كان منهياً عن طاعتهما
بالضرورة.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى هنا: (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) أي خلقهم، وقال سبحانه في موضع آخر: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) ؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما والأكثرون: المراد به أنه ضعيف عن الصبر عن النساء، فلذلك أباح الله تعالى له نكاح الأمة كما سبق قبل هذه الآية، وقال الزجاج: معناه أنه يغلبه هواه وشهوته فلذلك
وصف بالضعف، وأما قوله تعالى: (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) فمعناه ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب، وقيل: المراد بالأمر العصعص، فإن الإنسان في القبر يصير رفاتاً إلا عصعصه فإنه
لا يتفتت، وقال مجاهد: المراد بالأثر مخرج البول والغائط، فإنه يسترخى حتى يخرج منه الأذى، ثم ينقبض ويجتمع ويشتد بقدرة
الله تعالى.
стр. 554
سورة المرسلات
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ) ينفى وجود الاعتذار منهم لأن الاعتذار إنما يكون بالنطق، فما فائدة نفى الاعتذار بعد نفى النطق ؟
قلنا: معناه أنهم لا ينطقون ابتداء بعذر مقبول وحجة صحيحة، ولا بعد أن يؤذن لهم في ذلك، فإن الأثير والجانى الخائف عادة قد لا
ينطق لسانه بعذره وحجته ابتداء لفرط خوفه ودهشته، ولكن إذا أذن (له) في إظهار عذره وحجته انبسط وانطلق لسانه، فكانت
الفائدة في الجملة، الثانية نفى هذا المعنى: أي لا ينطقون بعذر ابتداء ولا بعد الإذن.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) يدل على وجود الاعتذار منهم، فكيف التوفيق بينه وبين ما نحن فيه؟
قلنا: قيل المراد بتلك الظالمون من المسلمين، وبما نحن فيه الكافرون وآخر تلك الآية يضعف هذا الجواب، أي قوله: (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) .
стр. 555
سورة النبأ
* * *
فإن قيل: كيف اتصل وارتبط قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) بما قبله ؟
قلنا: لما كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو البعث والنشور
وكانوا ينكرونه، قيل لهم: ألم يخلق من وعد بالبعث والنشور هذه المخلوقات العظيمة العجيبة الدالة على كمال قدرته فما وجه إنكارهم
قدرته على البعث.
* * *
فإن قيل: لو كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه ما ذكرتم لما قال تعالى: (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) ، لأن كفار مكة لم يختلفوا في أمر البعث، بل اتفقوا على إنكاره؟
قلنا: كان فيهم من يقطع القول بإنكاره، وفيهم من يشك فيه وبتردد فثبت الإختلاف (لأن) جهة الإختلاف لا تنحصر في الجزم
بإثباته والجزم بنفيه، الثانى: إن بعضهم صدق به فآمن، وبعضهم كذب به فبقى على كفره، فثبت الإختلاف الإثبات والنفى، الثالث: إن الضمير في "يتساءلون " وفى "هم " عائد إلى الفريقين من المسلمين
والمشركين، وكلهم كانوا يتساءلون عنه لعظم شأنه عندهم، فصدق به
المسلمون فأثبتوه، وكذب به المشركون فنفوه.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) إن كان قوله تعالى: (اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) هو جزاء الشرط فأين الشرط، وشاء وحده لا يصلح شرطاً لأنه لا يفيد دون ذكر مفعوله، وإن
стр. 556
كان كل المذكور هو الشرط فأين الجزاء؟
قلنا: معناه فمن شاء النجاة من اليوم الموصوف اتخذ إلى ربه مرجعا بطاعته، الثانى: إن معناه فمن شاء أن يتخذ إلى ربه مآبا لقوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) أي فمن شاء الإيمان فليؤمن، ومن شاء الكفر فليكفر.
стр. 557
سورة النازعات
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَالنَّازِعَاتِ) .
(وَالنَّاشِطَاتِ) بلفظ التأنيث، وكذا ما بعده، والكل أوصاف للملآئكة، والملآئكة ليسوا إناثاً ؟
قلنا: هو قسم بطوائف الملآئكة وفرقها، والطوائف والفرق مؤنثة.
* * *
فإن قيل: كيف أضاف الله تعالى الأبصار إلى القلوب في قوله تعالى: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) أي ذليلة لمعاينة العذاب، والمراد بها الأعين بلا خلاف؟
قلنا: المراد أبصار أصحابها بدليل قوله تعالى: (يَقُولُونَ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى) مع أن موسى ﵊ أراه الآيات كلها بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ) وكل آياته كبرى؟
قلنا: الإخبار في هذه الآية عن أول ملاقاته إياه، وإنما أراه في أول ملاقاته العصاة واليد، فاطلق عليهما الآية الكبرى لاتحاد معناهما.
وقيل: أراد بالآية الكبرى العصا، لأنها كانت المقدمة والأصل والأخرى كالتبع لها لأنه كان يتبعها بيده، فقيل له أدخل يدك في جيبك.
* * *
فإن قيل: كيف أضاف الله سبحانه الليل إلى السماء بقوله تعالى:
стр. 558
(وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا) مع أن الليل إنما يكون في الأرض لا في السماء؟
قلنا: إنما أضافه إليها لأنه أول ما يظهر عند غروب الشمس إنما يظهر من أفق السماء من موضع الغروب، وأما قوله تعالى: (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) فالمراد به ضوء الشمس بدليل قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) أي وضوئها فلا إشكال في إضافته إليها.
стр. 559
سورة عبس
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) ثم قال : (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) ولم يقل ذكرها ؟
قلنا: الضمير المؤنث لآيات القرآن أو لهذه السورة، والضمير في قوله تعالى: (ذَكَرَهُ) راجع إلى القرآن، وقيل: إنه راجع إلى معنى
التذكرة وهو الوعظ والتذكير لا إلى لفظها.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) روى أن عمر رضى الله تعالى عنه قرأ هذه الآية وقال: كل هذا قد عرفنا فما الأبُّ؟
ثم قال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا عمر أن لا تدرى ما الأبُّ.
ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا البيان وما لا فدعوه، وهذا شبيه
النهى أن تتبع معانى القرآن والبحث عن مشكلاته؟
قلنا: لم يرد بقوله ما ذكرت، ولكن الصحابة رضى الله عنهم كانت أكثر همهم عاكفة على العمل، وكان الاشتغال بعلم لا يعمل به تكلفا
عندهم فأراد أن الآية مسوقة في الإمتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أن الأب بعض ما أنبته
الله تعالى للإنسان متاعاً له ولأنعامه. فكأنه قال: عليك بما هو الآهم وهو الشكر على ما تبين لك ولم يشكل مما عدد من نعمه تعالى، ولا
تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص، واكتف بمعرفته جملة إلى أن يتبين لك في وقت آخر، وعن أبى بكر رضى الله عنه أنه سئل عن الأب فقال: أيُّ سماء تظلني وأى أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى بما لا علم لي به، وأكثر المفسرين
стр. 560
قالوا: الأب كل ما ترعاه البهائم.
стр. 561
سورة التكوير
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) والسؤال إنما يحسن للقاتل لا للمقتول ؟
قلنا: سؤالها لتبكيت قاتلها وتوبيخه بما تقوله من الجواب، فإنها تقول: قتلت بغير ذنب، ونظيره في التبكيت والتوبيخ قوله تعالى لعيسى ﵇: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي) حتى قال: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) فأثبت العلم لنفس واحدة، مع أن كل نفس تعلم ما أحضرت يوم القيامة بدليل قوله تعالى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) ؟
قلنا: هذا مما أريد به عكس مدلوله، ومثلا كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب كقوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) فإن رب هنا بمعنى كم للتكثير، وقوله تعالى حكاية
عن موسى ﵊ لقومه: (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) وقول الشاعر:
стр. 562
قد أترك القرن مصفراً أنامله. . . كأن أثوابه مجت بفرصاد.
стр. 563
سورة الانفطار
* * *
فإن قيل: لأى فائدة ذكر صفة الكرم دون سائر صفاته في قوله
تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ؟
قلنا: قال بعض: إنما قال ذلك لطفاً بعبده وتلقيناً له حجتهم وعذره ليقول: غرنى كرم الكريم، وقال الفضيل: لو سألنى الله تعالى هذا
السؤال لقلت: غرنى ستورك المرخاة، وروى أن عليا صاح بغلام له مرات فلم يلبه، ثم أقبل فقال له: مالك لم تجبنى؟
فقال: لثقتى بحلمك وأمنى عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه، ولهذا قالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، والحق أن الواجب على الإنسان أن لا
يغتر بكرم الله تعالى وجوده في خلقه إياه وأسباغه النعمة الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر نعمته اغتراراً بتفضيله الأول، فأن ذلك
أمر منكر خارج عن حد الحكمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ لما قرأها: غره جهله، وقال عمر رضى الله تعالى عنه:
غره حمقه وجهله، وقال الحسن: غره والله شيطانه الخبيث الذي زين له المعاصى، فقال له: افعل ما شئت فإن ربك كريم.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا)
والنفوس المقبولة الشفاعة تملك لمن شفعت فيه شيئاً وهو الشفاعة؟
قلنا: المنفى ثبوت النصرة بالملك والسلطنة والشفاعة ليست بطريق الملك والسلطنة فلا تدخل في المنفى. ويؤيده قوله تعالى: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) قال مقاتل: المراد بالنفس الثانية الكافرة، والأصح
أنه على العموم في النفسين.
стр. 564
سورة المطففين
* * *
فإن قيل: هلا قال الله تعالى إذا اكتالوا أو اتزنوا على الناس يستوفون كما قال سبحانه في مقابلة: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) ؟
قلنا: لأن المطففين كانت عادتهم أنهم لا يأخذون ما يكال وما يوزن إلا بالمكيال لأن استيفاء الزيادة بالمكيال كان أمكن لهم وأهون عليهم
منه بالميزان، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس فيهما.
* * *
فإن قيل: كيف فسر سجيناً بكتاب مرقوم فقال تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ) وكذا فسر
تعالى عليين به مع أن سجيناً اسم للأرض السابعة، وهو فعيل من السجن، وعليين اسم للجنة أو لأعلى الأمكنة، أو للسماء السابعة، أو لسدرة المنتهى؟
قلنا: قوله تعالى: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) وصف معنوى لكتاب الفجار
ولكتاب الأبرار، لا لسجين ولعليين تقديره: وهو كتاب مرقوم.
стр. 565
سورة الانشقاق
* * *
فإن قيل: أين جواب "إذا " في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه متروك لتكرر مثله في القرآن، الثانى: إنه أذنت الثانية والواو فيها زائدة، الثالث: إنه محذوف تقديره بعد
قوله تعالى: (وَحُقَّتْ) بعثتم أو جوزيتم أو لاقيتم ما عملتم، ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: (فَمُلَاقِيهِ) ، الرابع: إن فيه تقديماً وتأخيراً تقديره: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت.
следующие страницы →