Полный текст (604 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
سورة التكوير
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) والسؤال إنما يحسن للقاتل لا للمقتول ؟
قلنا: سؤالها لتبكيت قاتلها وتوبيخه بما تقوله من الجواب، فإنها تقول: قتلت بغير ذنب، ونظيره في التبكيت والتوبيخ قوله تعالى لعيسى ﵇: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي) حتى قال: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) فأثبت العلم لنفس واحدة، مع أن كل نفس تعلم ما أحضرت يوم القيامة بدليل قوله تعالى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) ؟
قلنا: هذا مما أريد به عكس مدلوله، ومثلا كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب كقوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) فإن رب هنا بمعنى كم للتكثير، وقوله تعالى حكاية
عن موسى ﵊ لقومه: (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) وقول الشاعر:
стр. 562
قد أترك القرن مصفراً أنامله. . . كأن أثوابه مجت بفرصاد.
стр. 563
سورة الانفطار
* * *
فإن قيل: لأى فائدة ذكر صفة الكرم دون سائر صفاته في قوله
تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ؟
قلنا: قال بعض: إنما قال ذلك لطفاً بعبده وتلقيناً له حجتهم وعذره ليقول: غرنى كرم الكريم، وقال الفضيل: لو سألنى الله تعالى هذا
السؤال لقلت: غرنى ستورك المرخاة، وروى أن عليا صاح بغلام له مرات فلم يلبه، ثم أقبل فقال له: مالك لم تجبنى؟
فقال: لثقتى بحلمك وأمنى عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه، ولهذا قالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، والحق أن الواجب على الإنسان أن لا
يغتر بكرم الله تعالى وجوده في خلقه إياه وأسباغه النعمة الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر نعمته اغتراراً بتفضيله الأول، فأن ذلك
أمر منكر خارج عن حد الحكمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ لما قرأها: غره جهله، وقال عمر رضى الله تعالى عنه:
غره حمقه وجهله، وقال الحسن: غره والله شيطانه الخبيث الذي زين له المعاصى، فقال له: افعل ما شئت فإن ربك كريم.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا)
والنفوس المقبولة الشفاعة تملك لمن شفعت فيه شيئاً وهو الشفاعة؟
قلنا: المنفى ثبوت النصرة بالملك والسلطنة والشفاعة ليست بطريق الملك والسلطنة فلا تدخل في المنفى. ويؤيده قوله تعالى: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) قال مقاتل: المراد بالنفس الثانية الكافرة، والأصح
أنه على العموم في النفسين.
стр. 564
سورة المطففين
* * *
فإن قيل: هلا قال الله تعالى إذا اكتالوا أو اتزنوا على الناس يستوفون كما قال سبحانه في مقابلة: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) ؟
قلنا: لأن المطففين كانت عادتهم أنهم لا يأخذون ما يكال وما يوزن إلا بالمكيال لأن استيفاء الزيادة بالمكيال كان أمكن لهم وأهون عليهم
منه بالميزان، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس فيهما.
* * *
فإن قيل: كيف فسر سجيناً بكتاب مرقوم فقال تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ) وكذا فسر
تعالى عليين به مع أن سجيناً اسم للأرض السابعة، وهو فعيل من السجن، وعليين اسم للجنة أو لأعلى الأمكنة، أو للسماء السابعة، أو لسدرة المنتهى؟
قلنا: قوله تعالى: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) وصف معنوى لكتاب الفجار
ولكتاب الأبرار، لا لسجين ولعليين تقديره: وهو كتاب مرقوم.
стр. 565
سورة الانشقاق
* * *
فإن قيل: أين جواب "إذا " في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه متروك لتكرر مثله في القرآن، الثانى: إنه أذنت الثانية والواو فيها زائدة، الثالث: إنه محذوف تقديره بعد
قوله تعالى: (وَحُقَّتْ) بعثتم أو جوزيتم أو لاقيتم ما عملتم، ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: (فَمُلَاقِيهِ) ، الرابع: إن فيه تقديماً وتأخيراً تقديره: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت.
стр. 566
سورة البروج
* * *
فإن قيل: أين جواب القسم ؟
قلنا: فيه وجوه أحدها: أنه متروك، الثانى: أنه قوله
تعالى: (قُتِلَ) أي لقد قتل: أي لعن، الثالث: أنه قوله تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) . الرابع: أنه محذوف تقديره: لتبعثن أو
نحوه، الخامس: أنه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا) .
стр. 567
سورة الطارق
* * *
فإن قيل: أين جواب القسم ؟
قلنا: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ) فإن بمعنى ما، ولما بالتشديد بمعنى إلا، فيكون المعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ، ولما بالتخفيف ما فيه
زائدة وإن هى المخففة من الثقيلة، فيكون المعنى: إن كل نفس لعليها حافظ، والقسم يتلقى بما وبإن.
* * *
فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ) بما قبله؟
قلنا: وجهه أنه لما ذكر سبحانه أن على كل نفس حافظا أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في أول أمره ونشأته الأولى، ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته ومجازاته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، فلا
يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته.
* * *
فإن قيل: ما فائدة الجمع بين فمهل وأمهل ومعناهما وأحد؟
قلنا: التأكيد وإنما خولف بين اللفظين طلباً للخفة.
стр. 568
سورة الأعلى
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) مع أنه كان ﷺ مأموراً بالذكرى نفعت أو لم تنفع ؟
قلنا: معناه إذا نفعت، وقيل: معناه قد نفعت، وقيل: إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وذكر الماوردى: أنها
بمعنى ما، وكأنه أراد ما الظرفية، وإن بمعنى ما الظرفية ليس بمعروف.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) مع أن الحيوان لا يخلو عن الاتصاف بأحد هذين الوصفين؟
قلنا: معناه لا يموت موتاً يستريح به، ولا يحيا حياة ينتفع بها، وقال ابن جرير: تصعد نفسه إلى حلقومه ثم لا تفارقه فيموت ولا
ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا، وقد سبق هذا السؤال مرة في سورة طه.
стр. 569
سورة الغاشية
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) مع أن جميع أبدانهم أيضاً تصلى النار ؟
قلنا: الوجه يطلق ويراد به جميع البدن كما في قوله تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) وقيل: إن المراد بالوجوه هنا الأعيان والرؤساء، كما يقال: هولاء وجوه القوم، ويا وجه العرب: أي يا
وجيههم، ويؤيد هذا القول ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: إن المراد به الرهبان وأصحاب الصوامع.
* * *
فإن قيل: كيف ارتبط قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) بما قبله، وأى مناسبة بين السماء والابل والجبال والأرض حتى جمع بينها؟
قلنا: لما وصف الله تعالى الجنة بما وصف، عجب من ذلك الكفار، فذكرهم عجائب صنعه، وقال قتادة: لما ذكر ارتفاع سرر الجنة قالوا: كيف نصعدها؟ فنزلت هذه الآية: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) نظر اعتبار كيف خلقت للنهوض بالأثقال وحملها إلى
البلاد البعيدة، وجعلت تبرك حتى تحمل وتركب عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت، فليس في الدواب ما يحمل عليه وهو بارك ويطيق النهوض إلا هى، وصخرت لكل من قادها حتى الصبى
الصغير، ولما جعلت سفائن البر أعطيت الصبر على احتمال العطش عشرة أيام فصاعدا وجعلت ترعى كل نبات في البرارى ومفاوز مما
стр. 570
لا يرعاه سائر البهائم، وإنما لم يذكر الفيل والزرافة والكركدن وغيرها مما هو أعظم من الجمل لأن العرب لم يروا شيئا من ذلك
ولا كانوا يعرفونه، ولأن الإبل كانت أنفس أموالهم وأكثرها لا تفارقهم ولا يفارقونها، وإنما جمع بينها وبين ما بعدها لأن نظر العرب قد انتظم هذه الأشياء في أوديتهم وبواديهم، فانتظمها الذكر
على حسب ما انتظمها نظرهم وكثرة ملابستهم ومخالفتهم، ومن فسر الابل بالسحاب فإنما قصد بذلك طلب المناسبة بطريق تشبيه
الإبل بالسحاب في السير وفى الشكل أيضاً في بعض الأوقات، لا أنه أراد أن الإبل من أسماء السحاب حقيقة، وقد جاء في أشعار العرب
تشبيه السحاب بالإبل كثيراً، وشبهها ابن دريد أيضا بالسحاب في قصيدته، وقرأ أبى بن كعب وعائشة رضى الله عنهما الإبل بتشديد
اللام، قال أبو عمرو وهو اسم السحاب الذي يحمل الماء.
стр. 571
سورة الفجر
* * *
فإن قيل: كيف نكر الليالى العشر دون سائر ما أقسم به، وهلا عرفها بلام العهد وهى ليالى معلومة معهودة فإنها ليالى عشر ذى الحجة فى
فى قول الجمهور ؟
قلنا: لأنها مخصوصة من بين جنس الليالى العشر بفضيلة ليست لغيرها فلما يجمع بينها وبين غيرها بلام الجنس، وإنما لم تعرف بلام
العهد لأن التنكير أدل على التفخيم والتعظيم بدليل قوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ونظيره قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) فعرفه ثم قال: (وَوَالِدٍ) فنكره، والمراد به آدم وإبراهيم أو محمد ﵊، ولأن الأحسن أن تكون
اللامات كلها متجانسة، ليكون الكلام أبعد عن الألغاز والتعمية، وهى في الباقى للجنس.
* * *
فإن قيل: كيف ذم الله تعالى الإنسان على قوله: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) مع أنه صادق فيما قال، لأن الله تعالى أكرمه بدليل قوله تعالى: (فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) كيف وأن هذا تحدث بالنعمة وهو مأمور به؟
قلنا: المراد به أن يقول ذلك مفتخراً على غيره ومتطاولا به عليه ومعتقداً استحقاق ذلك على ربه كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)
стр. 572
ومستدلا به على علو منزلته في الدر الآخرة، وكل ذلك منهى عنه، وأما إذا قاله على وجه الشكر
والتحدث بنعمة الله فليس بمذموم ولا منهى عنه.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى في الجملة الأولى: (فَأَكْرَمَهُ) ولم يقل في الجملة الثانية فأهانه ؟
قلنا: لأن بسط الرزق إكرام لأنه إنعام وأفضال من غير سابقة وقبضه ليس بإهانة لأن ترك الإنعام والإفضال لا يكون إهانة بل هو واسطه بين الاكرام والاهانة، فإن المولى قد يكرم عبده وقد يهينه.
ولا يكرمه ولا يهينه، وتضييق الرزق ليس إلا عبارة عن ترك إعطاء القدر الزائد، ألا ترى أنه يحسن أن تقول زيد أكرمنى إذا أهدى لك هدية، ولا يحسن أن تقول أهاننى إذا لم يهد لك.
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) الانتقال والحركة على الله محالان لأنهما من خواص الكائن في جهة؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما، وجاء أمر ربك لأن في القيامة تظهر جلائل آيات الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) وقيل: معناه وجاء ظهور
ربك لضرورة معرفته يوم القيامة ومعرفة الشيء بالضرورة تقوم مقام ظهوره ورؤيته، فمعناه: زالت الشكوك وارتفعت الشبهه كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
стр. 573
سورة البلد
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) ولم يقل ومن ولد ؟
قلنا: لأن في "ما " من الإبهام ما ليس في "من "، فقصد به التفخيم والتعظيم كأنه تعالى قال: وأى شيء عجيب غريب ولد، ونظيره
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) .
стр. 574
سورة الشمس
* * *
فإن قيل: كيف نكر الله تعالى النفس دون سائر ما أقسم به ؟
قلنا: لأنه لا سبيل إلى لام الجنس، لأن نفوس الحيوانات غير الإنسان خارجة عن ذلك بدليل قوله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) ولا سبيل إلى لام العهد لأن المراد ليس نفساً واحدة
معهودة، وعلى قول من قال إن المرأد بها نفس آدم ﵇، فالتنكير للتفخيم والتعظيم كما سبق في سورة الفجر.
* * *
فإن قيل: أين جواب القسم؟
قلنا: قال الزجاج وغيره: إنه قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) وحذفت اللام لطول الكلام، وقال ابن الأنبارى: جوابه محذوف، وقال الزمخشري: تقديره ليدمدمن الله على أهل مكة
لتكذيبهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً ﵇، قال: وأما: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)
فكلام تابع لما قبله على طريق الاستطراد وليس من جواب القسم في شيء.
стр. 575
سورة الليل
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) مع أن الشقى أيضاً يصلاها: أي يقاسى حرها وعذابها ؟
قلنا: قال أبو عبيدة: الأشقى هنا بمعنى الشقى، والمراد به كل كافر، والعرب تسعمل أفعل في موضع فاعل ولا تريد به التفضيل.
وقد سبق تقرير ذلك والشواهد عليه في سورة الروم في قول تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) ، وقال الزجاج: هذه نار موصوفة معينة، فهو درك مخصوص ببعض الأشقياء، ورد عليه ذلك بقوله
تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) والأتقى يجنب عذاب أنواع نار جهنم كلها، والمراد بالأتقى هنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه
بإجماع المفسرين، ولهذا قال الزمخشري: إن الأشقى ليس بمعنى الشقى بل هو على ظاهره، والمراد به أبو جهل أو أمية بن خلف.
فالآية واردة للموازنة بين حالتى أعظم المؤمنين وأعظم المشركين، فبولغ في صفتيهما المتناقضتين، وجعل هذا مختصاً بالمصلى كأن النار لم تخلق إلا له لوفور نصيبه منها وجاء قوله تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) على موازنة ذلك ومقابلته، مع أن
كل تقى يجنبها، قال بعض العلماء: هذه الآية تدل على أن أبا بكر رضى الله عنه أفضل الصحابة لأنه وصفه بالأتقى، وقال تعالى:
стр. 576
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وإذا كان أكرم عند الله أفضل.
стр. 577
سورة الضحى
* * *
فإن قيل: كيف وصف ﷺ بالضلال والنبى ﵊ معاذ الله أن يكون ضالاً: أي كافراً لا قبل النبوة ولا
بعدها، والضال أكثر ما ورد في القرآن بمعنى الكافر ؟
قلنا: المراد به هنا أنه تعالى وجده ضالا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة فهداه إليها، هذا قول الجمهور، الثانى: إنه ضل وهو صغير
فى شعاب مكة فرده الله تعالى إلى جده عبد المطلب، الثالث: إن معناه ووجدك ناسيا فهداك إلى الذكر، لأن الضلال جاء بمعنى النسيان.
ومنه قوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .
* * *
فإن قيل: لو كان الضلال بمعنى النسيان لما جمع بينهما في قوله تعالى: (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) ؟
قلنا: لا ندعى أنه حيث ذكر كان بمعنى النسيان فهو في تلك الآية بمعنى الخطأ، وقيل: بمعنى الغفلة، الرابع: إن معناه: ووجدك جاهلا فعلمك.
* * *
فإن قيل: كيف من سبحانه عليه بإخراجه من الفقر إلى الغنى بقوله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) أي فقيراً، والعائل الفقير سواء
كان له عيال أو لم يكن؟
قلنا: قال ابن السائب، واختاره الفراء: إنه لم يكن غناه بكثرة المال، ولكن الله أرضاه بما آتاه، (ولمم) يكن ذلك الرضا قبل النبوة
стр. 578
وذلك حقيقة الغنى، ويؤيده قوله ﷺ : "الغنى غنى القلب "، وقال غيره: المراد به أنه أغناه بمال خديجة عن مال أبى طالب، والمراد به الإغناء بتسهيل ما لابد منه وتيسيره، لا الإغناء
بفضول المال الذي لا يجامع صفة الفقر.
стр. 579
سورة الشرح
* * *
فإن قيل: أي فائدة في زيادة ذكر لك وعنك والكلام تام بدونهما ؟
قلنا: فائدته الإبهام ثم الإيضاح، وهو نوع من أنواع البلاغة، فلما قال
تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ) فهم أن ثم مشروحا له ثم
قال: (صَدْرَكَ) فأوضح ما علم بهما بلفظ لك، وكذا الكلام في (وَوَضَعْنَا عَنْكَ) .
* * *
فإن قيل: وكلمة مع للمصاحبة والقرآن، فعا معنى إقتران العسر واليسر؟
قلنا: سبب نزول هذه الآية أن المشركين عيروا رسول الله ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم بالفقر والضائقة التى كانوا فيها.
فوعدهم الله تعالى يسراً قريباً من زمان عسرهم، وأراد تأكيد الوعد لتسليتهم وتقوية قلوبهم، فجعل اليسر الموعود كالمقارن للعسر في سرعة مجيئه.
* * *
فإن قيل: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم: لن يغلب عسر يسرين، ويروى ذلك عن النبى صلى الله علية وسلم أيضاً؟
قلنا: هذا عمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء، وإن وعد الله لا يحمل إلا على أحسن ما يحتمله اللفظ وأكمله، وأما حقيقة القول فيه فهو أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تأكيدا للأولى، كما فى
стр. 580
تكرار قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) وما أشبهه، وكما في قولك: جاءنى رجل جاءنى رجل، وأنت تعنى واحد بعينه فى
الجملتين، فعلى هذا يتحد العسر واليسر، أو يكون تعريف العسر لأنه حاضر معهود، وتنكير اليسر لأنه غائب مفقود، وللتفخيم
والتعظيم، ويحتمل أن تكون الجملة الثانية وعداً مستأنفاً فيتعدد اليسر حينئذ على ما قيل، ويؤكد أن الجملة الثانية للتأكيد أنه ليس في مصحف عبد الله بن مسعود رضى الله عنه إلا مرة واحدة.
* * *
فإن قيل: وإذا أثبت في قراءته غير مكرر، فكيف قال: والذى نفسى بيده لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين ؟
قلنا: كأنه نزل ما فيه من التفخيم والتعظيم بالتنكير منزلة التثنية، لأن المعنى يسراً وأى يسر، وأما من فسره بيسرين فإنه قال: أحد
اليسرين ما تيسر من الفتوح في زمن النبى ﷺ ، والثانى: ما تيسر بعده في زمن الخلفاء، وقيل: هما يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهما حسن الظفر وحسن الثواب.
стр. 581
سورة التين
* * *
فإن قيل: كيف وجه صحة الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ؟
قلنا: قال الاكثرون: المراد بالإنسان هنا الجنس، ويرده أسل سافلين
إدخاله النار فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا ظاهر الاتصال، ويكون قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) قائا مقام قوله تعالى فلا نردهم أسفل سافلين، وأما على قول من فسر الرد أسفل سافلين
بالهرم والخرف وقال السافلون هم الضعفاء والزمى والأطفال والشيخ الهرم أسفل هؤلاء كلهم، فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا بمعنى
لكن، ومعنى قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)
أى غير مقطوع بالهرم والضعف الحاصل من الكبر: أي إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات في حال شبابهم وقوتهم، فإنهم إذا عجزوا عن العمل كتب لهم ثواب ما كانوا يعملونه من الطاعات والحسنات إلى وقت موتهم.
وهذا معنى قول ابن عباس رضى الله عنهما: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، وقال بعضى العلماء: الذين آمنوا وعملوا الصالحات فى
شبابهم وقوتهم فإنهم لا يردون إلى الخرف وأرذل العمر وإن عمروا طويلا، وتمسك بظاهر قول ابن عباس رضى ألله عنهما.
стр. 582
سورة العلق
* * *
فإن قيل: أين مفعول خلق الأول ؟
قلنا: يحتمل وجهين: أحدهما: أن لا يقدر له مفعول، بل يكون المراد الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه، كما في قوله
تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) في أحد القولين، وقولهم: فلان يعطى ويمنع ويصل ويقطع، الثانى: أن يكون مفعوله مضمراً تقديره: الذي خلق كل شيء، ثم أفرد الإنسان بالذكر تشريفاً له وتفصيلاً.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) على الجمع ولم يقل: من علقة؟
قلنا: لأن الإنسان في معنى الجمع بدليل قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) والجمع إنما خلق من جمح علقة لا من علقة.
* * *
فإن قيل: هذا الجواب يرده قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) ؟
قلنا: المراد به فإنا خلقنا أباكم من تراب، ثم خلقنا كل واحد من أولاده من نطفة، وقيل: إنما قال من علق رعاية للفاصلة الأولى وهى خلق.
стр. 583
سورة القدر
* * *
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) وتنزلهم من الأمر لا معنى له ؟
قلنا: من هنا بمعنى الباء كما في قوله تعالى: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) وقوله تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ) أي لكل أمر قضاه الله تعالى في تلك السنة من ليلة القدر إلى مثلها تنزل الملآئكة به من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وقيل: إلى الأرض.
стр. 584
سورة البينة
* * *
فإن قيل: المراد بالرسول هنا محمد ﷺ بلا خلاف، فكيف قال تعالى: (يَتْلُو صُحُفًا) وظاهره يدل على قراءة المكتوب من الكتاب وهو منتف في حقه ﷺ لأنه كان أمياً ؟
قلنا: المراد يتلو ما في الصحف عن ظهر قلبه، لأنه هو المنقول عنه ﷺ بالتواتر.
* * *
فإن قيل: ما الفرق بين الصحف والكتب حتى قال تعالى: (صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ) ؟
قلنا: الصحف القراطيس، وقوله تعالى: "مطهرة " أي من الشرك الباطل، وقوله تعالى: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أي مكتوبات مستقيمة
ناطقة بالعدل والحق، يعنى الآيات والأحكام.
* * *
فإن قيل: كيف قالى الله تعالى: (
هن بمد ما بحاه قه وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) أي النبى ﷺ آو القرآن، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم ما زالوا متفرقين مختلفين يكفر كل فريق منهم الآخر قبل مجيء البينة وبعدها؟
قلنا: المراد به تفرقهم عن تصديق النبى ﷺ والإيمان به قبل أن يبعث، فإنهم كانوا مجتمعين على ذلك متفقين
عليه بأخبار التوراة والإنجيل، فلما بعث إليهم تفرقوا، فمنهم من آمن
стр. 585
ومنهم من كفر، وقال بعض العلماء: المراد بالبينة ما في التوراة والإنجيل من الإيمان بنبوته ﷺ ، ويؤيد هذا القول
أن أهل الكتاب أفردوا بالذكر في هذا التفرق مع وجود التفرق من المشركين أيضاً بعدها جمعوا مع المشركين في أول السورة، فلابد أن
يكون مجيء البينة أمراً يخصهم، ومجيء النبى ﷺ والقرآن العزيز لا يخصهم.
стр. 586
سورة الزلزلة
* * *
فإن قيل: ما معنى إضافة الزلزال الذي هو المصدر إلى الأرض، وهلا قال زلازلا كما قال تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) وما أشبهه ؟
قلنا: معناه الزلزال الذي تستوجبه في حكمة الله تعالى ومشيئته في ذلك اليوم، وهو الزلزال الذي ليس بعده زلزال، ونظيره قولك:
أكرم التقى إكرامه وأهن الفاسق إهانته، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة، ويجوز أن يكون المراد بالإضافة الاستغراق معناه
زلزالها كله الذي هو ممكن لها.
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) على العموم، وحسنات الكافر محيطة بالكفر وسيئات المؤمن معفو عنها مغفورة
باجتناب الكبائر، فكيف تثبت رؤية كل عامل جزاء عمله؟
قلنا: معناه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرة شراً من فريق الأشقياء، لأنه جاء بعد قوله تعالى: (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا) ، وذكر مقاتل أنها نزلت في رجلين من أهل
المدينة كان أحدهما يستقل أن يعطى السائل الكسرة أو التمرة ويقول: إنما نؤجر على ما نعطيه ونحن نحبه، وكأن الآخر يتهاون
بالذنب اليسير ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر.
стр. 587
سورة العاديات
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) مع أنه تعالى أخبر بهم في كل في زمان، فما وجه تخصيص ذلك اليوم ؟
قلنا: معناه أن ربهم سبحانه مجازيهم يومئذ على أعمالهم، فالعلم مجاز عن المجازاة، ونظيره قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) معناه يجازيهم على ما فيها، لأن علمه شامل لما فى
قلوب كل العباد، ويقرب منه قوله تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) .
стр. 588
سورة القارعة
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي رجحت سيئاته على حسناته: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) أي فمسكنه النار.
وأكثر المؤمنين سيئاتهم راحجة على حسناتهم ؟
قلنا: قوله تعالى: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) لا يدل على خلوده فيها، فيسكن المؤمن فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة، وقيل: المراد بخفة الموازين خلوها من الحسنات بالكلية، وتلك موازين الكفار.
стр. 589
سورة التكاثر
* * *
فإن قيل: أين جواب (لَوْ تَعْلَمُونَ) ؟
قلنا: هو محذوف تقديره: لو تعلمون الأمر يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر، ثم ابتدأ سبحانه بوعيد آخر فقال تعالى: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) .
* * *
فإن قيل: كل أحد لا يخلو عن نيل نعيم في الدنيا ولو مرة واحدة، فما النعيم الذي يسأل عنه العبد؟
قلنا: فيه سبعة أقوال: أحدها: أنه الأمن والصحة، الثانى: أنه الماء البارد، الثالث: أنه خبز البر والماء العذب، الرابع: أنه كل مأكول
ومشروب لذيذان، الخامس: أنه الصحة والفراغ، السادس: أنه كل لذة من لذات الدنيا، السابع: أنه دوام الغداء والعشاء، وقيل: إن
السؤال خاص للكفار، والصحيح أنه عام في كل إنسان وفى كل نعيم، فالكافر يسأل توبيخاً والمؤمن يسأل عن شكرها، ويؤيد هذا ما جاء
فى الحديث أنه ﷺ قال: "يقول الله تعالى ثلاث لا اسأل عبدى عن شكرهن وأسأله عما سوى ذلك: بيت يكنه، وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يوارى به عورته من اللباس.
стр. 590
سورة العصر
* * *
فإن قيل: الاستثناء الذي في السورة لا يدل على أن المؤمنين الموصوفين في ربح مع أن الاستثناء إنما سيق لمدحهم بمضادة حالهم لحال من لم يتناوله الاستثناء ؟
قلنا: الاستثناء وإن لم يدل بصريحه على أنهم في ربح، ولكن اتصافهم بتلك الصفات الأربع الشريفة يدل على أنهم في أعظم ربح، مع أنا لو قدرنا أنهم ليسوا في ربح فالمضادة حاصلة أيضاً لأنهم
ليسوا في خسر بمقتضى الاستثناء.
стр. 591
سورة الهمزة
* * *
فإن قيل: ما الفرق بين الهمزة واللمزة ؟
قلنا: قيل إنهما بمعنى واحد لا فرق بينهما، وإنما الثانى تأكيداً للأول، وقيل: إنهما مختلفتان، فقيل: الهمزة للمغتاب، واللمزة العياب في القفا، وقيل: الهمزة العياب في الوجه، واللمزة العياب فى
القفا، وقيل: الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الطعان في أنساب الناس، وقيل: الهمزة يكون بالعين، واللمزة باللسان، وقيل: عكسه.
فهذه ستة أقوال.
стр. 592
سورة الفيل
* * *
فإن قيل: ما معنى الأبابيل، وهل هو واحد أو جمع ؟
قلنا: معناها جماعات في تفرقة أي حلقة حلقة، وقيل: التى يتبع بعضها بعضا، وقيل: الكثرة، وقيل: المختلفة الألوان، وقال الفراء
وأبو عبيدة: لا واحد لها، وقيل: واحدها أبالة وأبول وأبيل.
стр. 593
سورة قريش
* * *
فإن قيل: بأى شيء تتعلق اللام في قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) ؟
قلنا: قيل إنها متعلقة بآخر السورة التى قبلها: أي فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، ويؤيد هذا أنهما في مصحف أبى رضى الله
عنه سورة واحدة بلا فصل، والمعنى أنه أهلك أصحاب الفيل الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيهابوهم ويحترموهم، فينتظم لهم الأمر في رحلتهم ولا يجترئ أحد عليهم، وقيل: معناه أهلكهم
ليألف قريش رحلة الشتاء والصيف بهلاك من كان يخيفهم ويمنعهم.
وقيل: إنها متعلقة بما بعدها وهو قوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، معناه أن نعم الله تعالى عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة
الظاهرة، وقيل: هى لام التعجب معناه آعجبوا لإيلاف قريش، وكانت لقريش في كل سنة رحلتان للتجارة التى بها معاشهم، رحلة
فى الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ثم قيل الإيلاف هنا مصدر بمعنى الإلف تقول: آلفته إيلافاً بالمد كما تقول ألفته إلفاً
بالقصر كلاهما متعد إلى مفعول واحد، فيكون معنى لإيلاف قريش لإلف قريش: أي لحبهم الرحلتين، وقيل: آلف بالمد متعد إلى
مفعولين، تقول ألف زيد المكان وآلف زيد عمرا المكان، فيكون معنى الآية لإيلاف الله تعالى قريشاً الرحلتين، فعلى هذ الوجه يكون.
стр. 594
المصدر مضافا إلى المفعول، وعلى الوجه الأول يكون مضافاً إلى الفاعل، وأما تكرار إضافة المصدر في قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ) فقيل: إن الثانى بدل من الأول، وقيل: إنه للتأكيد كما
تقول: أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن ذل السؤال.
стр. 595
سورة الماعون
* * *
فإن قيل: كيف توعد الله الساهى عن الصلاة، والحديث ينفى مؤاخذته وهو قوله ﷺ : "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان "؟
قلنا: المراد بالسهو هنا التغافل عنها والتكاسل في أدائها وقلة الإلتفات إليها، وذلك فعل المنافقين أو الفسقة والشياطين من المسلمين، وليس
المراد ما يتفق فيها من السهو بوسوسة الشيطان أو حديث النفس مما لا صنع للعبد فيه ولا اختيار، وهو المراد في الحديث، وكان النبى
ﷺ يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره، ولهذا
قال تعالي: (عَنْ صَلَاتِهِمْ) ولم يقل في صلاتهم، وعن أنس رضى الله عنه أنه قال: الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم.
стр. 596
سورة الكوثر
* * *
فإن قيل: ما الكوثر ؟
قلنا: فيه قولان: أحدهما: وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما أنه الخير الكثير فوعل من الكثرة كقولهم: رجل نوفل: أي كثير النوافل.
ومنه قول الشاعر:
وأنت كثير يا ابن مروان طيب. . . وكان أبوك ابن العقائل كوثراً.
قيل لأعرابية رجع ابنها من سفر: كيف آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر، ولقد أعطانى النبى ﷺ خيراً كثيراً، فإنه آتاه الحكمة، ومن يوت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً، ومنهم من فسر هذا الخير الكثير بالنبوة، ومنهم من فسره بالعلم والحكمة، ومنهم من فسره بالقرآن، والقول الثانى: أن الكوثر (اسم) نهر
فى الجنة، وهو قول أكثر المفسرين، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الكوثو نهر وعدنيه ربى في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتى يوم القيامة ".
وعنه ﷺ أيضاً في الحديث الصحيح أنه قال: " بينما أنا أسير في الجنة فإذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف.
فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فضرب الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفر"، وروى عن صفته أنه
أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء، لا يظمأ من شرب منه أبداً.
стр. 597
سورة الكافرون
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) ولم يقل "من " مع أنه القياس ؟
قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أنه إنما قال «ما» رعاية للمقابلة في قوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) الثانى: أن "ما " مصدرية:
أى لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتى، وقال الزمخشري: إنما قال: "ما " لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق.
وقال غيره: "ما " في الكل بمعنى الذي، والعائد محذوف.
* * *
فإن قيل: ما فائدة التكرار؟
قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أنه للتأكيد وقطع أطماعهم فيما طلبوه من، الثانى: أن الجملتين الأوليين لنفى العبادة في الحال، والجملتين
الأخريين لنفى العبادة في الاستقبال فلا تكرار فيه، وهذا قول ثعلب والزجاج، والخطاب لجماعة علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وقال
الزمخشرى: ما يرد الوجه الثانى، وذلك أنه قال لا أعبد أريد به العبادة فيما يستقبل، لأن " لا " (لا تدخل إلا على المضارع فى
معنى الاستقبال كما أن "لا ") لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال، فالجملتان الأوليان لنفى العبادة في المستقبل، والجملتان
الأخريان لنفى العبادة في الماضي، فقوله: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) أي ما عهدتم من عبادة الأصنام في الجاهلية، فكيف
стр. 598
يرجى منى بعد الإسلام، وقوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي ما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته، ويرد على قوله والجملتان
الأخريان لنفى العبادة في الماضي أن اسم الفاعل المنون العامل عمل الفعل لا يكون إلا بمعنى الحال أو الاستقبأل وعابد هنا عامل فى
" ما " وكذلك عابدون، وجوابه أنه على الحكاية كما قال تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) وأورد على هذا التقدير فقال:
* * *
فإن قيل: هلا قال تعالى: "ولا أنتم عابدون ما عبدت "، بلفظ الماضي، كما قال: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) ؟
قلنا: لأنهم كانوا يعبون الأصنام قبل بعثه، وهو ما كان يعبد الله تعالى قبل بعثه، بل بعد بعثه، ويرد على هذا التقدير: أن أعظم
العبادة التوحيد، وكل الأنبياء كانوا موحدين بعقولهم قبل البعثة، وقال بعض العلماء: إنما جاء الكلام مكرراً لأنه ورد جوابا لسؤالهم
العبادة مناوبة، وكان سؤالهم مكرراً، فإنهم قالوا: يا محمد تعبد ألهتنا كذا مدة ونعبد إلهك كذا مدة، ثم تعبد آلهتنا كذا مدة ونعبد إلهك
كذا مدة، فورد الجواب مكررا ليطابق السؤال، وهذا وجه حسن لطيف.
стр. 599
سورة النصر
* * *
فإن قيل: أي مناسبة بين الأمر بالاستغفار وبين ما قبله، فإن مجيء الفتح والنصر والظفر يناسب الشكر والحمد لا الاستغفار والتوبة ؟
قلنا: قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما نزلت هذه السورة علم النبى ﷺ أنه قد نعيت إليه نفسه، وقال الحسن:
أعلم النبى ﷺ أنه قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح والتوبة ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح، فكان يكثر من قوله: سبحانك اللهم أغفر لي إنك أنت التواب، وعن ابن
مسعود رضى الله عنه أن هذه السورة تسمى سورة التوديع، وروى أن النبى ﷺ عاش بعد نزولها سنتين.
стр. 600
سورة المسد
* * *
فإن قيل: كيف ذكره الله تعالى بكنيته دون اسمه، مع أن ذلك إكرام واحترام ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه يجوز أنه لم يعرف له اسم ولم يشتهر
إلا بكنيته، فذكره بما أشتهر به لزيادة تشهيره بدعوة السوء عليه، الثانى: إنه نقل أنه كان اسمه عبد العزى، وهو كان عبد الله لا عبد
العزى، فلو ذكره باسمه لكان خلاف الواقع، الثالث: إنه ذكره بكنيته (لموافقة حاله لكنيته) فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، وإنما كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما.
следующие страницы →