Полный текст (399 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وهاتان ليستا قاعدتين فقهيتين، بل هما مسألتان كلاميتان يوردهما الأصوليون عند حديثهم عن الاجتهاد ومسائلة.
٣. ومن هذه المجموعة أيضاً كتاب (الفروق) للإمام القرافي المالكي فقد جمع فيه ثمانية وأربعين وخمسمائة فرق أو قاعدة، ووضح الفرق بين كل اثنتين منها وربما يناسبهما من فروع ومسائل وأمثلة، وقد تضمن كتابه هذا مباحث لم يسبق إليها ولكنه مع ذلك لم يجمع قواعد فقهية بالمعنى الاصطلاحي وإنما أراد من القواعد معنى الأحكام الأساسية والضوابط اللغوية أو الأصولية أو الكلامية، فهو يعرض هذه الأحكام والضوابط في كل موضوعين متشابهين ثم يجلو ما بينهما من فروق، ومع ذلك فقد انتشرت في فصوله قواعد فقهية كثيرة بالمعنى الاصطلاحي في مناسبات تعليل الأحكام ونصب الضوابط وبعض المقارنات المذهبية.
ومن أمثلة كتاب الفروق: الفرق الثامن: (الفرق بين قاعدة أجزاء العلة والشرط) .
الفرق الثالث عشر في الفرق بين (قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين وضابط كل منهما وتحقيقه بحيث لا يلتبس بغيره) .
ومن هذه المجموعة كتب في القواعد أو الأصول (كما كانت تسمى) تعتبر مع اشتمالها على كثير من القواعد الاصطلاحية من كتب الخلاف أي من كتب الفقه المقارن، وإنما ألحقت بكتب القواعد لأنها بنيت على الأصول المختلفة لفقهاء المذاهب المختلفة التي بموجبها اختلفت أحكام الفروع والمسائل.
ومن أول هذه الكتب وأهمها كتاب تأسيس النظر للإمام أبي زيد الدبوسي
стр. 107
الحنفي، وقد سبق ذكر بعض أمثلته، وهو كتاب يشتمل على الأصول التي سار عليها علماء الحنفية الأوائل والخلاف بينهم فيها ثم بينهم وبين مالك أو الشافعي أو ابن أبي ليلى، فهو يقول في مقدمة كتابه (إني لما نظرت في المسائل التي اختلف فيها الفقهاء فوجدتها منقسمة على أقسام ثمانية:
١. قسم منها خلاف بين أبي حنيفة ﵀ وبين صاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف بن إبراهيم الأنصاري.
٢. وقسم منها خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد بن الحسن ﵏.
٣. وقسم منها خلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
٤. وقسم منها خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
٥. وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وبين زفر رحمة الله عليهم أجمعين.
٦. وقسم منها خلاف بين علمائنا وبين الإمام الأقدم مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
٧. وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة محمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر وابن أبي ليلى.
٨. وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة وبين أبي عبد الله الإمام القرشي محمد بن إدريس الشافعي ﵀.
ثم هو يذكر أسلوبه وطريقته في بيان الخلاف فيقول: ثم جعلت لكل قسم
стр. 108
من هذه الأقسام الثمانية باباً، وذكرت لكل باب منه أصولاً (أي قواعد) وأوردتم فيه لكل اصل ضرباً من الأمثلة والنظائر إلى آخر ما قاله.
ومن هذه الكتب أيضاً كتاب تخريج الفروع على الأصول لمحمود بن أحمد الزنجاني الشافعي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، وهو في كتابه هذا يرسم علاقة الفروع والجزئيات من مسائل الفقه بأصولها وضوابطها من القواعد ضمن إطار لتقييد الاختلاف بين المذهبين الشافعي والحنفي، وبيان الأصل الذي تُرد إليه كل مسألة خلافية فيهما.
وقد التزم السير وراء أبواب الفقه ملتزماً تخريج فروعها على الأصول التي تنتمي إليها، فقد قال هو عن كتابه هذا: فبدأت بالمسألة الأصولية ثم رددت الفروع الناشئة منها إليها، فتحرر الكتاب مع صغر حجمه حاوياً لقواعد الأصول جامعاً لقوانين الفروع.
وطريقته في كتابه أن يأتي بالقاعدة الأصولية أو الضابط الفقهي ثم يذكر الخلاف فيه وبعد ذلك يفرع المسائل على كلا المذهبين بعد ذكر استدلال كل مذهب على أصله، ومن أمثلته: من مسائل الإقرار، الأصل عند الشافعي ﵁: أن الفعل إذا وجد مطابقاً لظاهر الشرع حكم بصحته، ولا تعتبر التهمة في الأحكام، لأن الأحكام تتبع الأسباب الجلية دُون المعاني الخفية.
وقال أبو حنيفة ﵁: (كل فعل تمكنت التهمة فيه حكم بفساده لتعارض دليل الصحة والفساد، ويتفرع على هذا الأصل مسائل) . إلخ.
стр. 109
المجموعة الثالثة:
كتب نسبت لعلم القواعد الفقهية إما لأنها تحمل اسم القواعد أو القوانين الفقهية أو لأنها تشتمل على قواعد ولكنها عند التحقيق ليست قواعد فقهية.
من أمثلة كتب هذه المجموعة:
١. كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للإمام العز بن عبد السلام الشافعي سلطان العلماء، وهو كتاب مبني على فصول فقهية أخلاقية تحتها أحكام مفصلة تفصيلاً فيه كثير من بيان حكمة التشريع، وهو قد بني كتابه هذا على قاعدة جلب المصالح، ودرء المفاسد، بل أرجع الكل إلى اعتبار المصالح لأن درء المفاسد من اعتبار المصالح، وهو لم ينهج نهج غيره من الفقهاء في اعتبار القواعد التي ذكروها ولم يُرجع كل فرع فقهي إلى قاعدته أو ضابطه ليسهل على الناظر فهمه، لأنه في حقيقة الأمر لم يرد من كتابه أن يكون كتاباً فقهياً بالمعنى الأخص لكلمة (الفقه) بل أراد من كتابه كما قال في فصل بيان مقاصد الكتاب: الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، ليسعى العباد في تحصيلها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خبر منها، وبيان ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد على بعض، وما يدخل تحت اكتساب العبيد دون ما لا قدرة لهم عليه ولا سبيل لهم إليه. فالكتاب حقه أن يدرج ضمن الكتب التي تبحث في أسرار التشريع لا في كتب القواعد الفقهية.
٢. ومنها كتاب (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) لجمال الدين عبد
стр. 110
الرحيم بن الحسن الإسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ، وهو كتاب في مسائل الخلاف الأصولي ضمن مذهب الشافعي فقط، وقد بنى الكتاب على ترتيب كتب الأصول إذ يجعل الموضوع الأصولي عنواناً ثم يذكر تحته مسائل وما يتفرع على كل مسألة منها. فمثلاً يقول: (باب أركان الحكم وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه) ثم يذكر مسألة (الأفعال الصادرة من الشخص قبل بعثة الرسل) وهي مسألة الإباحة والحظر، ويذكر الخلاف المذهبي فيها، ثم يفرع على ذلك فروعاً مع بيان الخلاف بين علماء مذهب الشافعي في كل منها. وهو كتاب في قواعد الأصول الخلافية لا في قواعد الفقه.
٣. ومنها كتاب (القوانين الفقهية) لمحمد بن أحمد بن جزي المالكي المتوفى سنة ٧٤١ هـ، وفيه تلخيص لمذهب المالكية مع التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة، وقد ذكر في مقدمة كتابه طريقته في إيراد المسائل إذ يبدأ أولاً بمذهب مالك ثم يتبعه بمذهب غيره، وقد صدَّر كتابه بعشرة أبواب في التوحيد، وقد رتب كتابه على الأبواب الفقهية إذ بدأ بكتاب الطهارة من العبادات وهي عشرة كتب، وتلا ذلك بعشرة كتب أخرى بدأها بكتاب النكاح، وختم الكتاب بكتاب جامع في السيرة وتاريخ الخلفاء والأخلاق، وعادته أن يذكر المسألة والأقوال فيها بدون ذكر الأدلة، وهو كتاب ليس فيه من القواعد الفقهية شيء، وعده من كتب القواعد تجوز ومن وضع الشيء في غير موضعه. والله أعلم.
(نهاية المجلد الأول) .
стр. 111
بسم الله الرحمن الرحيم.
اسم الكتاب:
الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية.
تأليف الشيخ الدكتور:
محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو أبي الحارث الغزي.
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
مؤسسة الرسالة.
(المجلد الثاني) .
القسم الثاني:
المقاصد:
القواعد الفقهية وشرحها:
النوع الأول:
القواعد الكلية الكبرى:
стр. 112
القاعدة الأولى:
قاعدة الأمور بمقاصدها:
أدلة القاعدة وأصلها:
١. قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهو حديث صحيح مشهور أخرجه الستة من حديث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وهو أصل القاعدة.
٢. ما رواه البيهقي من حديث أنس ﵁: (لا عمل لمن لا نية له) .
٣. ما رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أنس أيضاً (نية المؤمن أبلغ من عمله) . ضعيف.
وفيه عن النواس بن سمعان الكلابي ﵁: (نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله. كما روه الطبراني في (الكبير) وأبو نعيم في (الحلية) ، والخطيب في التاريخ، وفي إسناده من هو غير معروف.
٤. ما أخرج في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها حتى ما تجعل فيّ في امرأتك) .
٥. ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ (ولكن جهاد ونيَّة) .
٦. ما أخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود رضي الله (رب قتيل
стр. 113
بين الصفين الله أعلم بنيته) .
٧. ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله ﵄: (يبعث الناس على نياتهم) .
كل هذه الأحاديث وكثير غيرها تدل دلالة واضحة على أن ميزان الأعمال إنما هو النية والقصد من وراء ذلك العمل.
معنى القاعدة:
١. في اللغة: الأمور: جمع أمر ومعناه الحال والشأن والحادثة والفعل، ودليل ذلك قوله تعالى: (وما أمرُ فرعون برشيد) . هود، آية (٩٧) .
أي حاله: وقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) . آل عمران، آية (١٢٨) . أي الشأن والحال.
ويقال: أمور فلان مستقيمة أي أحواله، والأمر يجيء أيضاً بمعنى طلب الفعل، وهذا المعنى ليس مقصوداً هنا، بل المقصود هنا بلفظ الأمر نفس الفعل وهو عمل الجوارح، ومنها اللسان وفعله القول ومنها القلب وفعله الاعتقاد.
والمقاصد: جمع مقصد من القصد ومعناه: الاعتزام، والتوجه، والأم والقصد يأتي بمعنى: النية وهو المعنى المراد هنا.
فمعنى القاعدة في اللغة: إن الأفعال والتصرفات تابعة للنيات.
ومعنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي:
стр. 114
(إن أعمال المكلف وتصرفاته من قولية أو فعلية تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصود الشخص وغايته وهدفه من وراء تلك الأعمال والتصرفات، أو أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون موافقاً ومطابقاً لما هو المقصود من ذلك الأمر) .
أمثلة القاعدة:
١. من قتل غيره بلا مسوغ شرعي إذا كان عامداً فلفعله حكم وإذا كان مخطئاً فلفعله حكم آخر.
٢. ومن قال لغيره: (خذ هذه الدراهم، فإن نوى التبرع كان هبة، وإلا كان قرضاً واجب الإعادة، أو أمانة وجب عليه حفظها، وإلا كان ضامناً، فصورة الإعطاء واحدة ولكن المقاصد من وراء ذلك مختلفة فتترتب الأحكام تبعاً لتك المقاصد والأهداف.
٣. ومن التقط لقطة بقصد أخذها لنفسه كان غاصباً عليه ضمانها إذا تلفت في يده، ولو التقطها بنية حفظها وتعريفها وردها لصاحبها متى ظهر كان أميناً، فلا يضمنها إذا هلكت بلا تعد منه عليه أو تقصير في حفظها.
وهذه القاعدة على وجازة لفظها وقلة كلماتها ذات معنى عام متسع يشمل كل ما يصدر عن الإنسان بقول أو فعل، إذ لفظ: (الأمور) عام بدليل دخول أل الجنسية عليه فهو من ألفاظ العموم، ولفظ (مقاصدها) كذلك عام لإضافته إلى ضمير لفظ عام.
стр. 115
وكان ذلك كذلك لأن كل تصرف من تصرفات المكلف يحكمه ويوجهه دافع منبعث من القلب، سواء في ذلك تصرفاته الدنيوية أم الأخروية.
مباحث النيَّة:
لما كان القصد يأتي بمعنى النية، وهو المعنى المراد في قاعدتنا هذه، فما معنى النية وما حقيقتها؟
١. معنى النية في اللغة:
النية في اللغة: مصدر الفعل نوى ينوي كضرب يضرب، وأصلها نِوية على وزن فِعلة، اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصارت (نيَّة) ومعناها: العزم على الشيء يقال: نويت نيَّة أي عزمت، والنية الوجه الذي تنويه أي تقصده.
٢. النية في الاصطلاح:
لها معنيان معنى عام ومعنى خاص:
(ا) النية بمعناها العام هي: (انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضُرٍ حالاً أو مآلاً) . وهذا المعنى العام شامل للأعمال الدينية والدنيوية.
(ب) النية بمعناها الخاص: هي (قصد الطاعة والتقرب إلى الله بإيجاد الفعل أو الامتناع عنه) .
فالنية بمعناها الخاص (وهو قصد الطاعة والتقرب إلى الله سبحانه
стр. 116
وتعالى) تدخل في جل أبواب الفقه إن لم يكن كلها، وقال الشافعي ﵀ (إن حديث النية يدخل في سبعين بابا) وقال غيره (يدخل في ثلاثين بابا) وابن نجيم جعل للنية في الأعمال الأخروية قاعد من قواعده الكبرى وهي قاعدة (لا ثواب إلا بالنية) ولكنها تختص بالجانب الأخروي العبادي منها، ولذلك أدرجناها ضمنها لأن الأمور أعم من كونها دنيوية أو أخروية، ومقاصد الأعمال أعم كذلك من كونها يرجى ثوابها أو لا يرجى.
ما حكم النية؟
النية عبادة مشروعة، وقد اختلف في كونها ركناً أو شرطاً أو هي ركن في بعض العبادات شرطاً في غيرها.
ما المقصود من النية؟
يقصد من النية أمران:
الأمر الأول: تمييز العبادات عن العادات، حيث إن أكثر العبادات لها مثيل في العادات، فمثلاً: الإمساك عن المفطرات قد يكون حمية أو تداوياً أو لعدم الحاجة، وهذه أمور عادية دنيوية، وقد يكون الإمساك لصوم شرعي ابتغاء الثواب، فلا بد من النية لتمييز هذا عن ذاك وليستحق الممسك الأجر والثواب، والجلوس في المجسد قد يكون للاستراحة، فهو عادة، أو للاعتكاف فهو عبادة، ودفع المال قد يكون هبة أو لغرض دنيوي، وقد يكون قربة كزكاة أو صدقة أو كفارة.
والذبح قد يكون للأكل فيكون مباحاً أو مندوباً أو للأضحية فيكون
стр. 117
عبادة أو يكون لقبر أو صنم فيكون حراماً أو شركاً، ولا يفرق بين هذه الأفعال إلا بالنية المميزة.
الأمر الثاني: تمييز العبادات بعضها عن بعض حيث إن العبادات من صلاة وصيام وغسل وحج قد تكون فرضاً ونذراً ونفلا وكله تقرب إلى الله تعالى، لكن لما اختلفت ربتها شرعت النية لتمييزها.
هل من العبادات ما لا يشترط فيه النية ؟
لما كانت النية مشروعة لتمييز العبادات من العادات فإن العبادة التي لا تكون عادة ولا تلتبس بغيرها لأنها عبادة خالصة لا تشترط فيها النية، وذلك كالإيمان بالله تعالى ومعرفته والخوف منه والرجاء فيه، والنية. وقراءة القرآن والأذكار، لأنها متميزة بصورتها، إلا إذا كانت القراءة منذورة فتشترط النية لتمييز الرفض عند غيره، وهناك مسائل اختلف في اشتراط النية لها كالأذان وخطبة الجمة وغسل الميت، والخروج من الصلاة.
تعيين النية ومتى يشترط؟
رأينا أنه لا تكون عبادة إلا بنية ولكن هل يشترط في كل عبادة تعيين نيتها بحيث إنها لا تجوز بنية مطلقة؟
قالوا: لما كانت العبادات منها ما يكون وقتها طرفاً للمؤدي بمعنى أن الوقت يسعه ويسع غيره من جنسه كالصلاة، وهو ما يسميه الأصوليون بالواجب الموسع، فهذا النوع من العبادة يجب فيه تعيين النية بلا خلاف بين الأئمة، فمن أراد الصلاة يجب أن يعين ما يريد أداءه إن كان فرضاً أو نفلا، أداء أو قضاء أو نذراً
стр. 118
ظهراً أو عصراً.
ومن العبادات ما يكون وقته معياراً للمؤدي كصوم رمضان وهو ما يسميه الأصوليون بالواجب المضيق، فوقت العبادة وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يسع غير صوم واحد.
فهذا في تعيين النية فيه خلاف، فعند الحنفية: إن التعيين ليس بشرط بل يجوز بمطلق النية وبنية واجب آخر وبنية النفل، لأن التعيين في المتعين لغو.
وعند الشافعية يشترط التعيين لتمييز رمضان من القضاء والنذر والكفارة والفدية وإن كان ما صامه في رمضان لا يقع عن غيره.
وعند الحنابلة خلاف.
هذا إذا كان مريد الصوم صحيحاً مقيماً، وأما إذا كان مريد الصوم مسافراً أو مريضاً ففي وجوب تعيين نية الصوم عليه خلاف.
ففي الصلاة إذا كانت فرضاً يشترط تعيين نيتها باتفاق، لأنها تلتبس بغيرها، لأنها تكون أداءً وقضاء ونذراً وإعادة وتلتبس بالنافلة، لذلك اشترط تعيينها.
وأما النوافل فإذا كانت رواتب غير مطلقة أو ذات سبب كصلاة الضحى وتحية المسجد عند الشافعية والحنابلة فيشترطون لها تعيين نيتها.
وأما عند الحنفية فالنوافل الراتبة وغير الراتبة لا يشترط فيها التعيين، بل تصح بنية النفل وبمطلق النية.
قالوا: ومما لا يشترط فيه تعيين النية: الطهارات والحج والعمرة والزكاة
стр. 119
والكفارات، لأنه لو عين غيرها انصرف إليها، فلو توضأ بمطلق نية الوضوء للطهارة وإزالة الحدث جاز وله أن يصلي به الفرائض والنوافل، ويقرأ به القرآن، ويطوف به حول الكعبة، وكذلك لو أحرم بنية حج مطلقة جاز أن يتمتع أو يفرد أو يقرن ولكن يعين عند بدء الفعل وهكذا.
ماذا يترتب على اشتراط التعيين أو عدم اشتراطه؟
مما يترتب على اشتراط التعيين أن العبادة التي يشترط لها تعيين النية لو أخطأ المكلف في نيتها أنها تبطل، كمن أراد أن يصلي الظهر فنوى العصر، فلا يصح ظهراً ولا عصراً قبل دخول وقته.
وأما ما لا يشترط فيه التعيين فلو أخطأ فيما نوى فلا يضره خطؤه، كمن نوى في رمضان صوم قضاء أو نافلة فيقع عن رمضان ولا يضره خطؤه.
هل تدخل نية العبادة في المباحات ؟
تدخل النية سائر القرب بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى، وأما المباحات فيمكن أن تصبح عبادات إذا صحبتها نية التقرب إلى الله تعالى، كالأكل والنوم والاكتساب إذا قصد بها التقوى على طاعة الله سبحانه، والنكاح إذا قصد به إقامة السنة أو الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة، كل ذلك يكون عبادة يثاب عليها فاعلها.
ما حكم انفراد النية عن الفعل أو الفعل عن النية؟
١. إذا انفردت النية ولم تقترن بفعل ظاهر لا تترتب عليها أحكام شرعية، فلو طلق إنسان زوجته في قلبه أو باع داره أو أعتق عبده ولم ينطق بلسانه فلا يترتب على ذلك الفعل الباطني حكم شرعي دنيوي، وكذلك لو نوع أن يقف وقفاً أو يغصب شيئاً ولم يصدر منه فعل، فلا يترتب على نيَّته تلك حكم، لأن
стр. 120
الأحكام الشرعية تتعلق بالظواهر، والنية وحدها لا يترتب عليها حكم شرعي دنيوي.
أما أحكام الآخرة عند الله فقد يترتب على النية ولو لم يصاحبها فعل ظاهر (حكم) دليل ذلك حديث صهيب ﵁ الذي رواه الطبراني: (إيما رجل تزوج امرأة فنوى أن لا يعطيها من صداقها شيئاً مات يوم يموت وهو زان) . الحديث.
٢. أما لو انفردت الأفعال عن النية فهي مختلفة:
(ا) إذا كان الفعل لفظاً فإما أن يكون اللفظ صريحاً أو غير صريح، فإن كان اللفظ صريحاً فلا يحتاج إلى نية ويكفي صدور اللفظ لترتب الحكم عليه لأن اللفظ الصريح تكون النية متمثلة به، كما لو قال شخص لآخر: بعتك هذه الشيء أو أوصيت لك به أو أقر بشيء أو وكلّ أو أودع أو قذف أو طلق، فكل هذه أمور لا تتوقف على النية بل يكفي التلفظ بها لترتب الحكم عليها.
وإما أن يكون اللفظ غير صالح (أي لفظاً كنائياً) كمن قال لامرأته: اذهبي لأهلك أو قال لعبده ليس لي عليك يد، فيختلف هنا حكم اللفظ الواحد باختلاف مقصد الفاعل إذا غير الصريح لا يعطي حكمه إلا بالقصد فلا ينفصل الفعل عن النية فيه.
(ب) وأما إذا كان التصرف فعلاً غير النطق كمن سرق، أو ضرب، أو هرب من المعركة، فالحكم في مثل هذا تابع للفعل ولا ينظر إلى نيته ومقصده غالباً.
كما أن هناك أفعالاً لا تتبدل أحكامها باختلاف القصد أو النية كما لو أخذ
стр. 121
شخص مال آخر على سبيل المزاح بدون إذنه، فمبجرد وقوع الأخذ يكون الآخذ غاصباً ولا ينظر إلى نيته، كذلك لو أقدم إنسان على عمل غير مأذون فيه فإنه يضمن الخسارة الناشئة عن عمله ولو حصلت عن غير أرادة منه، كمن أخذ مال صغير أو مغمى عليه أو سكران ليحفظه له فضاع المال فهو ضامن.
مبحث شروط صحة النية:
لما كانت النية عبادة كان لها شروط لا تصح إلا بها، ولا يعتد بالنية إذا فقد واحد منها وهي: (الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي، عدم المنافي بين النية والمنوي) .
وإليك تفصيل القول في كل منها:
الشرط الأول، الإسلام: يشترط في الناوي أن يكون مسلماً، لأن النية عبادة ونية العبادة لا تصح من الكافر؛ لأن العبادة لا تصح منه، لأنه فاقد شرط صحة قبول العبادة وهو الإيمان بالله تعالى.
وبناء على هذا الشرط فقد اختلف العلماء في مسائل:
المسألة الأولى:
المرأة الكتابية (اليهودية أو النصرانية) إذا كانت زوجة لمسلم وطهرت من الحيض هل يشترط غسلها ليحل وطؤها؟ وإذا قلنا بوجوب ذلك فهل تشترط نيتها؟
عند الأئمة مالك والشافعي وقول عند أحمد ﵏: يلزمها الغسل وتشترط النية لذلك الغسل، وإن كانت ليست من أهلها، ليحل وطؤها، فالغسل لِحق الزوج، وتكون المسألة بذلك مستثناة من القاعدة لفقدان شرط الإسلام،
стр. 122
وأما إن امتنعت أجبرها الزوج على الاغتسال واستباحها وإن لم تنو للضرورة.
وعند الحنفية يحل وطء الكتابية بمجرد انقطاع الدم لأقل من عشرة أيام ولا يتوقف على الغسل لأنها ليست من أهله، وإن صح منها لو فعلته، وعلى هذا تكون المسألة مندرجة تحت القاعدة.
المسألة الثانية:
يمين الكافر وهل تنعقد؟ وبالتالي هل تجب عليه الكفارة بالحنث؟ وهل عليه كفارة لو قتل مسلماً خطأ؟
في هاتين المسألتين خلاف.
فعند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى: أن الكافر لا تنعقد يمينه، سواء حنث حال كفره أم بعد إسلامه، ولا تصح منه الكفارة، ودليلهما قوله تعالى في الكفار (إنهم لا أيمان لهم) . التوبة، آية (١٢) وكذلك لا تصح منه الكفارة لو قتل مسلماً خطأ لأن الكفارة عبادة وهو ليس من أهلها.
أما عند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: فإن يمين الكافر تنعقد وتلزمه الكفارة بالحنث فيها سواء حنث حال كفره أم بعد إسلامه.
وكذلك تجب عليه كفارة القتل الخطأ عقوبة له، ويشترط نيتها للتمييز لا القربة.
فعلى مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تكون هاتان المسألتان مندرجتين تحت القاعدة، وعلى مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله تكونان مستثنتين منها
стр. 123
لاعتبار النية مع فقدان شرط صحتها وهو إسلام الناوي.
الشرط الثاني: التمييز، ومعناه القوة التي في الدماغ وبها تستنبط المعاني، فلا يصح عبادة صبي لا يميز ولا مجنون، والطفل المميز هو الطفل الذي أصبح له بصر عقلي يستطيع به الفصل بين الحسن والقبيح من الأمور، ويعرف به الفرق بين الخير والشر والنفع والضر، وحُدَّ ببلوغه سبع سنين.
ممن فقد التمييز: الصبي والمجنون والسكران، فما حكم تصرفاتهم وجناياتهم، وهل تجب الكفارة عليهم إذا قتلوا؟
أولاً: الصبي والمجنون إذا قتلا عامدين:
فعند الحنفية حكم عمدهما حكم الخطأ سواء كان الصبي مميزاً أم غير مميز، كما لا تنعقد يمين الصبي، والسكران عندهم مكلف فهو كالصاحي في جميع تصرفاته إذا كان السكر بمحرم غير مكره أو مضطر، ولكن لم يعتبروه كالصاحي في مسائل: إذا ارتد حال سكره، أو أقر بحد خالص لله، أو أشهد على شهادة نفسه، أو زوج صغيراً أو صغيرة بأقل من مهر المثل أو بأكثر، أو وُكِّل بالطلاق صاحياً فسكر وطلق، لم يقع طلاقه، أو وُكّل بالبيع صاحباً فسكر وباع لم ينفذ بيعه على موكله.
كما أنه لا كفارة عندهم في قتل الصبي والمجنون لعدم القصد الصحيح. ولكن تلزم الدية على عاقلتهما.
والسكران ينتقض وضوءه وتبطل صالته بالسكر فمذهب الحنفية في كل هذه المسائل مندرج تحت القاعدة إلا في السكران فهو استثناء من القاعدة عقوبة له.
стр. 124
وأما عند المالكية: فإن لا قود على صبي ولا مجنون، ولا قصاص إلا على بالغ غير مغلوب على عقله، فهم مع القاعدة في ذلك لعدم القصد عند الصبي والمجنون، والدية على العاقلة، فهم اعتبروا عمد الصبي والمجنون خطأ كالحنفية سواء ولكنهم أوجبوا الكفارة عليه إن كان غنياً.
قالوا: والسكران عليه قود.
وأما عند الشافعية فالطفل إذا كان غير مميز فعمده خطأ وكذلك المجنون غير المميز، وأما ما كان عنده تمييز منهما فقد اختلفوا فيه، والأصح عندهم أن عمدهما عمدٌ.
وأما السكران فهو مكلف وحكموا عليه ببطلان وضوئه وصلاته إذا انتشى وفقد التمييز أو كاد.
وأما عند الحنابلة فالراجح أن عمد الصبي والمجنون عمد وتضاعف عليهما الدية من مالهما وتجب عليهما الكفارة، ولكن قال في منار السبيل: ولا قصاص على صغير ومجنون والدية على العاقلة كالقاتل خطأ. وهو قول آخر في المذهب.
أما السكران فقالوا: بانتقاض وضوئه وإن كان مميزاً، ويجعل كالصاحي في أقواله وأفعاله فيما عليه المشهور من المذهب.
стр. 125
الشرط الثالث: العلم المنوي:
ومعناه: أن يعلم المكلف حكم ما نواه من فرض أو نفل، عبادة أو غيرها، فمن جهل فرضية الصلاة أو الوضوء لم يصح منه فعلهما.
لكن الذي لا يميز بين السنن والفرائض تصح عبادته بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض.
واستُثني من هذا الشرط الإحرام المبهم في الحج، فمن أحرم بما أحرم به زيد من الناس وهو لا يعلمه، صح إحرامه، لأن علياً ﵁ أحرم بما أحرم به النبي ﷺ وهو لا يعلمه وصححه له رسول الله ﷺ .
أما في غير الحج فلا يصح إلا بالعلم فلو قال: طلقتك مثلما طلق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد أو قال: بعتك مثلما باع زيد، وهو لا يعلم قدره لا يصح في الصورتين لعدم العلم، وعند الحنابلة وجهان.
الشرط الرابع: أن لا يأتي بمنافٍ بين النية والمنوي:
والمراد بالمنافي العمل الخارج عن المنوي وليس من النية، كمن ارتد بعد نية العبادة فقد بطلت عبادته.
أنواع المنافي:
(ا) من المنافي نية القطع:
فمن نوى قطع الإيمان والعياذ بالله تعالى، صار مرتداً في
стр. 126
الحال.
ومن نوى قطع الصلاة بطلت عند الشافعي؛ لأنها شبيهة بالإيمان، ولم تبطل عند الحنفية.
ومن نوع قطع الصلاة بعد الفراغ منها لم تبطل عند الجميع، وكذا سائر العبادات.
ومن نوى الأكل أو الجماع في الصوم، أو نوى فعل مناف في الصلاة كالأكل والفعل الكثير، لم يضره ما لم يفعل.
ومن نوى الصوم من الليل ثم قطع النية قبل الفجر سقط حكمها، ولو صام لم يصح صومه ما لم يجدد النية قبل الفجر، بخلاف ما لو نوى ثم أكل بعد النية فلا تطبل لأن الأكل ليس ضدها، وهذا عند غير الحنفية، وعندهم لو نوى بعد الفجر صح صومه.
من نوع قطع الحج والعمرة لم يبطلا بلا خلاف لأنه لا يخرج منهما بالإفساد.
ومن نوع قطع الجماعة بطلت صلاته عند الحنفية.
ومن نوع الإتمام في أثناء الصلاة امتنع عليه القصر.
(ب) ومما يقرب من نية القطع نية القلب أو النقل، فمن نقل فرضاً إلى فرض لم يحصل واحد منهما، ومن نقل نفلاً إلى فرض لم يحصل واحد منهما، وأما إن نقل فرضاً إلى نفل فإنه يصح.
(ج) ومن المنافي التردد وعدم الجزم في أصل النية من ذلك:
من اشترى خادماً للخدمة أو فرساً للركوب أو بيتاً للسكنى وهو ينوي إن أصاب ربحاً باعه فلا زكاة عليه لعدم خلوص نية التجارة.
ومن نوى يوم الشك: إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان
стр. 127
كان صائماً، لم تصح نيته، وأما لو تردد في الوصف بأن نوى، إن كان من شعبان فسيصوم نفلاً وإن كان من رمضان ففرضاً، صحت نيَّته وجاز صومه؛ لأن صوم رمضان يصح بنية النفل ولأن أصل الصوم لا تردد فيه.
ومن عليه صلاة فائتة، وشك في قضائها. فقضاها، ثم تيقنها لم يجزئه القضاء، وعليه إعادة قضائها، لأن نية القضاء متردد فيها.
(د) ومن المنافي عدم القدرة على المنوي: إما عقلاً وإما شرعاً وإما عادةً.
فمن أمثلة عدم القدرة على المنوي عقلاً.
نوى بوضوئه أن يصلي صلاة وأن لا يصليها، لم تصح نيته لتناقضه.
ومن أمثلة عدم القدرة على المنوي شرعاً:
نوى بوضوئه الصلاة في مكان نجس، قالوا: ينبغي أن لا يصح وضوءه.
ولكني أرى صحة وضوئه، وأما إن صلى في ذلك المكان فصلاته باطلة لا وضوءه.
ومن أمثلة عدم القدرة على المنوي عادة:
نوى بوضوئه صلاة العيد وهو في أول السنة، أو نوى به الطواف وهو بالشام ففي صحة وضوئه خلاف.
وأرى أن وضوءَه صحيح لأن النية المستحيلة ليست من نواقض الوضوء.
مما استثنى وصحت فيه النية مع التردد أو التعليق:
من عليه صوم واجب لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس فصلى الخمس.
وإن قال مريد الإحرام: إن كان زيد محرماً فقد أحرمت، فإن كان زيد محرماً
стр. 128
انعقد إحرامه.
وإذا أحرم يوم الثلاثين من رمضان، وهو شاك فقال: إن كان من رمضان فإحرامي بعمرة، وإن كان من شوال فإحرامي بحج، ثم تبين أن اليوم أول شوال كان إحرامه بالحج صحيحاً.
وكذلك من شك في قصر إمامه فقال: إن قصر قصرت وإلا أتمت، ثم ظهر أن إمامه كان قاصراً فصلاته قصر.
مسألة: هل تعقيب النية بالمشيئة يعتبر من المنافي فيبطل النية والعمل؟
إذا عقب النية بالمشيئة، كمن نوى الصوم ثم قال: إن شاء، أو نوى صلاة وعقبها بقوله: إن شاء الله، أو طلق أو أعتق، أو حلف يميناً ثم استثنى بقوله بعده: إن شاء الله، فهل تبطل النية؟
الأقوال في المسألة:
١. عند الحنفية وقول عند الشافعية وقول لأحمد وغيرهم الاستثناء بالمشيئة يؤثر في النطق ولا يؤثر في النبات.
والمراد بالنطق: الأحكام التي يشترط فيها التلفظ كالطلاق والعتاق واليمين والبيع، فلا يقع الطلاق ولا العتق، ولا يحنث في اليمين إذا عقب اللفظ بقوله: إن شاء الله.
والتعليل لذلك: أنه علقه على مشيئة لم يعلم وجودها فلم يقع كما لو علَّقه على مشيئة زيد من الناس، ودليلهم قوله ﷺ : (من حلف على
стр. 129
يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) .
والمراد بالنيات: أي العبادات التي يكتفي فيها بالنية القلبية كالصلاة والصوم. فمن عقب نية الصلاة أو الصوم بقوله: إن شاء الله، صحت صلاته وصومه.
٢. وأما عند المالكية وقول عند أحمد ورجحه ابن قدامة في المغني: بأنه ليس في الطلاق ولا العتاق استثناء إن شاء الله، وإنما هو الاستثناء في اليمين بالله خاصة، فمن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، طلقت عند مالك وأحمد.
والتعليل: إن هذا استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، ولأنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله كما لو قال: أبرأتك إن شاء الله، أو تعليق على ما لا سبيل إلى علمه فأشبه تعليقه على المستحيلات.
والدليل: قول ابن عباس ﵄: (إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق) وما روى عن ابن عمر وأبي سعيد قالا: (كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى الاستثناء جائزاً في كل شيء إلا في العتاق والطلاق) .
٣. وقول عند الشافعية وهو الأصح عندهم: أنه إذا نوى التعليق بطلت نيته وبالتالي بطل صومه وصلاته ولم يقع طلاقه أو عتقه؛ للتردد وعدم الجزم، وأما إذا نوى
стр. 130
التبرك فلا تبطل النية ولا العمل في الجميع.
٩. شرط قبول النية في العبادات وشرط ترتب الثواب عليها:
لما كانت المقصود من النية كما سبق بيانه، تمييز العبادات عن العادات، ولما كان المقصود من العبادة وجه الله وطلب مرضاته ورضوانه، كان لا بد من شرط مهم لقبول العبادة وترتب ثوابها عليها وهذا الشرط هو: (الإخلاص) :
والمراد بالإخلاص هنا: إرادة وجه الله وحده من العبادة.
ودليل ذلك قوله تعالى: (وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء) . سورة البينة، آية (٥) .
ومن ثم لا يجوز التشريك في النية، فذلك يبطل العمل ويحبطه، ومن هنا لم تقبل النيابة ولا التوكيل في النية، لأن المقصود اختبار سر العبادة.
ولكن أجيز التوكيل في النية؛ إذا اقترنت بفعل كتفرقة زكاة أو ذبح أضحية أو صوم عن الميت أو حج.
والإخلاص أمر زائد على النية لا يحصل بدونها وقد تحصل هي بدونه، ونظر الفقهاء قاصر على النية وأحكامهم تجري عليها، وأما الإخلاص فأمره إلى الله تعالى لأنه أمر قلبي وهو من شؤون الآخرة.
مسائل على التشريك في النية وأثر ذلك في العمل:
لو نوى إنسان مع العبادة ما ليس بعبادة فقد تبطل العبادة، مثل أن يذبح الأضحية
стр. 131
لله ولغيره، فانضمام غير الله إليه يوجب حرمة الذبيحة.
وإذا كانت البدنة تجزئ عن سبعة فإن كان الكل مريداً للقربة، وإن اختلفت جهاتها من أضحية وقران ومتعة صحت وأجزأت، وأما إن كان أحدهم مريداً لحماً لأهله أو كان نصرانياً لم يجز عن واحد منهم.
والتعليل: أنه لم يقع البعض قربة خرج الكل عن ان يكون قربة لأن الإراقة لا تتجزأ.
هذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية والحنابلة فيجوز إذا كان أحدهم يريد اللحم، وأما مالك ﵀ فلا يجيز الاشتراك في الأضحية.
لو افتتح الصلاة خالصاً لله تعالى ثم دخل في قلبه الرياء، والمراد بالرياء هنا: أنه لو خلا عن الناس لا يصلي ولو كان مع الناس يصلي ففي هذه المسألة قولان:
١. هو على ما افتتح صلاته.
٢. أنه لو صلى رياء فلا أجر له وعليه الوزر.
إذا صلى مع الناس يُحسِّن صلاته، وإذا صلى وحده لا يحسنها، فله ثواب أصل الصلاة دون الإحسان، والمراد بتحسين الصلاة: إطالة القراءة وتحسين الصوت وإطالة الركوع والسجود وإظهار التخشع فيها.
السوقي الذي يصاحب الجيش بقصد التجارة قالوا: إنه لا سهم له؛ لأنه عند المجاوزة لم يقصد إلا التجارة لا إعزاز الدين وإرهاب العدو، فإن قاتل استحق، لأنه
стр. 132
ظهر بالمقاتلة أنه قصد القتال، والتجارة تبع فلا تضره.
ومن ذلك أيضاً لو سافر للحج والتجارة، فالأرجح الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب فلا أجر له، وإن كان المديني هو الأغلب كان له الأجر بقدره، وإن تساويا تساقطا.
نوى الوضوء أو الغسل والتبرد، فالأصح الصحة، لأن التبرد حاصل، قصده أم لم يقصده، فلم يجعل تشريكاً وتركاً للإخلاص، بل هو قصد العبادة على حسب وقوعها لأن من ضرورتها حصول التبرد، ولكن هل يثاب على الوضوء أو الغسل؟
قالوا: الأصح أنه لا يثاب.
١٠. محل النية:
النية محلها القلب، فلا يكفي التلفظ باللسان دونه، كما لا يشترط مع القلب التلفظ، ولم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه التلفظ بالنية، لا في حديث صحيح ولا ضعيف، إلا في الحج بخلاف بقية العبادات.
واستحب الشافعية التلفظ بالنية مساعدة للقلب، واختلف فقهاء الحنفية في التلفظ بها فبعضهم استحبه، ورآه بعضهم سنة وكرهه آخرون.
وعند المالكية: أن التلفظ بالنية جائز ولكن الأولى تركه، ورأى بعضهم أن النطق بالنية مكروه وبدعة إلا مَن كثر عليه الوسواس فيجوز له ذلك لدفع الوسواس.
стр. 133
وعند الحنابلة: أن التلفظ بالنية بدعة كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد.
ومن لا يقدر أن يحضر قلبه لينوي به أو شك في النية يكفيه التكلم بلسانه، كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلى وُسعها) . البقرة، آية (٢٨٦) .
ولو اختلف اللسان والقلب فالمعتبر ما في القلب عند الجميع.
ومما استثنى فاعتبر اللسان دون القلب:
عند الحنفية: لو سبق لسانه إلى لفظ اليمين بغير قصد انعقدت الكفارة، أو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره انعقدت الكفارة كذلك، هذا إذا كانت اليمين بالله تعالى.
وأما عند الشافعية: فمن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد، ولا يتعلق به كفارة، وكذلك لو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره.
وأما الإيلاء والطلاق والعتاق فيقع قفضاء لا ديانة ولا يقبل في الظاهر لتعلق حق الغير به، وهذا عند الجميع.
ومما خرج عن هذا الأصل كذلك: الزكاة في قول عند الشافعية، حيث قالوا: يكتفي بنيتها لفظاً، بدليل أنها تخرج من مال المرتد ولا تصح نيته، وكذلك تجوز النيابة فيها لمن ليس من أهلها كالعبد والكافر.
ومما استثنى أيضاً: لو لبى بحج أو عمرة ولم ينو، ففي قول إنه ينعقد إحرامه
стр. 134
ويلزمه ما سمي، وعلى هذا لو لبى مطلقاً انعقد الإحرام مطلقاً، على رأي ضعيف عند الشافعية.
وعند الحنابلة، كما هو رأي الجمهور لا ينعقد الإحرام بغير نية.
ومما يكتفي فيه باللفظ: النذر والطلاق، حيث قالوا: لا يكفي في انعقاد النذر أو وقوع الطلاق النية بل لا بد من التلفظ، ومثل ذلك العتق فلا يكفي فيه مجرد النية دون اللفظ، وكذلك ألفاظ العقود لا بد من اللفظ ولا عمل للنية المجردة.
وعند الحنفية إن الوقوف لا بد فيه من التلفظ به ولو كان الموقوف مسجداً.
وأما عند الآخرين فيجوز بمجرد النية بل بإباحته بالفعل.
١١. وقت النية:
الأصل أن وقت النية أول العبادات ولو حكماً، لأن الأولية تكون حقيقية كمصاحبة النية لتكبيرة الإحرام، وقد تكون الأولية حكمية، كما لو نوى الصلاة قبل الشروع فيها عند الوضوء، فإذا توضأ ونوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة، إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية؛ لأن النية المتقدمة يبقيها إلى وقت الشروع حكماً إذا لم يبدلها بغيرها كما في الصوم، وهذا عند الحنفية، والحنابلة، وقول عند المالكية.
стр. 135
وأما عند الشافعية، وأكثر المالكية، فالواجب مقارنة النية لأول الفعل الواجب كالوضوء والصلاة إلا في الصوم والكفارة والزكاة والأضحية حيث تصح بالنية المتقدمة للمشقة.
وعلى ذلك: فيجوز تقديم نية الزكاة على دفعها للإمام أو وكيله عند العزل تيسيراً أو عندما يوكل رب المال غيره في دفعها، وهذا عند جمهور الفقهاء.
وقال بعض فقهاء الحنفية والشافعية يجب مقارنة النية دفع الزكاة إلى الأمام أو الأصناف ولا يجوز تقديمها، والأول الراجح.
والخلاف في صدقة الفطر كالخلاف في الزكاة.
وأما الصوم فعند الشافعية والحنابلة يجب تقديم النية من الليل في الصوم الواجب فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح.
وأما عند الحنفية فيجوز تقديم النية من الليل ومقارنتها للفجر وتأخيرها عن الشروع إلى ما قبل نصف النهار، تيسيراً على الصائمين، في صوم رمضان وفي النفل، وأما عند المالكية فيجب تقديم النية عن الفجر في كل صوم واجب أو نفل.
وأما القضاء والنذر والكفارة فلا يجوز فيها تأخير النية عن الفجر عند الجميع.
стр. 136
وأما الحج فالنية فيه سابقة على الأداء عند الإحرام عند الجميع.
ومما يجوز تقديم النية فيها الأضحية فيجوز تقديمها على الذبح ولا يجب اقترانها به في الأصح، كما تجوز النية عند الدفع إلى الوكيل في الأصح.
ومنها نية الاستثناء في اليمين فإنها تجب قبل الفراغ من الحلف مع وجوبها في الاستثناء أيضاً.
стр. 137
-- أولاً: القواعد المندرجة تحت قاعدة (الأمور بمقاصدها) والمتفرعة عنها:
-- القاعدة الأولى: قاعدة العقود:
اختلف في صيغة هذه القاعدة عند فقهاء المذاهب تبعاً لاختلافهم في الأحكام المترتبة عليها، تبعاً للاتفاق أو للاختلاف على مضمونها، فالحنفية والمالكية صاغوها بالأسلوب الخيري؛ لأن معناها ومدلولها متفق عليه عندهم، وقد اتفقوا على أحكامها دون تردد، ولذلك فسنعمد في شرحها على مفهومها عندهم مع الإشارة إلى اختلاف غيرهم إن وجد.
ولما كان الشافعية والحنابلة قد اختلف فقاؤهم في مفهوم هذه القاعدة وأحكامها فقد أوردوها بالأسلوب الإنشائي الذي يشير إلى الاختلاف.
صيغ القاعدة:
١. عند الحنفية والمالكية: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني) .
٢. عند الشافعية: (هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها) ؟
٣. عند الحنابلة: (إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟) .
أجاب
стр. 138
ابن رجب: فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلَّب هل هو اللفظ أو المعنى؟
شرح القاعدة:
معاني المفردات:
العبرة: الاعتداد.
العقود: جمع عقد وهو ارتباط الإيجاب بالقبول، كعقد البيع والإجارة والإعارة.
اللفظ: هو الكلام الذي ينطق به الإنسان بقصد التعبير عن ضميره وما في نفسه.
المقاصد: جمع مقصد ومعناه نية المتكلم ومراده.
المعاني: جمع معنى وهو الصورة الذهنية التي دل عليها القول أو الفعل.
ومعنى القاعدة عند الحنفية في الاصطلاح:
إنه عند حصول العقد لا ينظر للألفاظ التي يستعملها العاقدان وإنما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام الذي يلفظ به حين العقد، لأن المقصود الحقيقي هو المعنى، وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة، لأن الألفاظ ما هي إلا قوالب للمعاني.
وأما إذا تعذر التأليف بين الألفاظ والمعاني المقصودة فلا يجوز إلغاء الألفاظ.
مسائل القاعدة:
لو اشترى شخص من بقال سلعة وقال له: خذ هذا السيف أمانة عندك حتى أحضر لك الثمن، فالسيف يعتبر رهناً، وله حكم الرهن، ولا يكون أمانة، لأن الأمانة يحق للمؤتمن استرجاعها وقتما يشاء، ويجب على الأمين إعادتها وليس ما نحن فيه كذلك.
ولو قال شخص لآخر: قد أحلتك بالدين المطلوب مني على فلان، على أن تبقى ذمتي مشغولة حتى يدفع المحال عليه لك الدين.
стр. 139
فالعقد هذا لا يكون عقد حوالة لأن الحوالة هي نقل ذمة إلى ذمة أخرى، وهنا بقيت ذمة المدين مشغولة بالدين، والذي جرى وقصد إنما هو ضم ذمة إلى ذمة أخرى، وهذا عقد كفالة، فأصبح المحال عليه كفيلاً بالدين والمدين أصيلاً.
وكذلك الكفالة إذا اشترط فيها عدم مطالبة الدائن للمدين المكفول انقلبت حوالة وأخذت أحكامها، لأنها تصبح في معناها.
والهبة إذا اشترط فيها الثواب أي دفع العوض كمن قال لآخر: وهبتك هذا الشيء بكذا أو بشرط أن تعطيني كذا، أخذ العقد أحكام البيع عند الحنفية والمالكية قولاً واحداً، لأنه أصبح في معناه على الرغم من استعمال العاقد لفظ الهبة، فيرد الموهوب بالعيب، وكذا يسترد الموهوب له العوض المدفوع إذا استحق الموهوب في يده، وكذا سائر أحكام البيع.
وأما عند الشافعية والحنابلة ففي صحة العقد خلاف:
فعند الشافعية الأصح كونه بيعاً اعتباراً بالمعنى.
وعند الحنابلة في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه بيع نظراً للمعنى.
الثاني: أنه عقد هبة صحيح، لأنه يصح عندهم شرط العوض في الهبة كما يصح شرط العوض في العارية.
الثالث: أنه عقد فاسد.
ولو أعاره شيئاً وشرط عليه العوض، فهل يصح أو لا يصح؟ على الوجهين: أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض، هذا إذا كان مما يتلف كالأطعمة
стр. 140
والأشربة فيملكه بالقبض، وعلى آخذه رد بدله، وإذا كان مما لا يتلف فيكون عقد إجارة.
الثاني: قال بعضهم إنه عقد عارية لأنه يصح عندهم شرط العوض في العارية كالهبة ولا تفسد بذلك.
وفي قول آخر: إنها تفسد (أي يبطل عقد العارية) ولا يكون عقداً آخر.
ولو قال: خذ هذا المال مضاربة والربح كله لك أوْلي.
فقال القاضي أبو يعلى وابن عقيل: هي مضاربة فاسدة يستحق فيها أجر المثل، وبمثل ذلك قال صاحب المغني. لكنه قال: إنه لا يستحق شيئاً في الصورة الثانية، لأنه دخل على أن لا شيء له ورضي به.
وقال ابن عقيل وابن قدامة في موضع آخر: إنه إبضاع صحيح، فيراعي الحكم دون اللفظ، وعلى هذا يكون في الصورة الأولى قرضاً.
وعلى هذا فمن اعتبر العقد في هذه الصور صحيحاً نظراً للمعنى فتكون هذه الأمثلة مندرجة تحت قاعدة الأمور بمقاصدها، لأنه إنما صححت العقود نظراً إلى مقاصد المتعاقدين، وأما من لم يعتبر العقد صحيحاً في هذه الصور فتكون هذه
стр. 141
الأمثلة وأمثالها خارجة عن قاعدة الأمور بمقاصدها ومستثناة منها، لإهمال المقاصد والعناية بالألفاظ.
استثناءات:
يستثني من هذه القاعدة.
لو باع شخص لآخر شيئاً مع نفي الثمن بقوله: بعتُك هذه السلعة بدون ثمن. فعند الحنفية يكون البيع باطلاً ولا يعتبر العقد هبة، وكذلك لو آجره بدون أجرة لأن الثمن والأجرة من أركان العقد.
وأما عند الشافعية والحنابلة: فإنه ليس بيعاً وفي انعقاده هبة قولان، لتعارض اللفظ والمعنى.
ولو قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد، فليس بسلم قطعاً، وفي انعقاده بيعاً قولان.
стр. 142
-- ثانياً: قواعد في الأيمان:
-- القاعدة الأولى: هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص؟
معاني المفردات:
العام في اللغة: معناه الشامل لمتعدد سواء كان لفظاً أم غير لفظ. ومنه: عمَّهم المطر. أي شملهم. ومطر عام: أي شامل.
والعام في الاصطلاح: (هو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب الوضع، دفعة من غير حصر) كلفظ الرجال مثلاً، يشمل ويستغرق معناه كل رجل.
وأما الخاص أو التخصيص في اللغة: فهو تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وهو خلاف العموم.
والخاص في الاصطلاح هو: (إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص (أو) قصر العام على بعض أفراده) .
صيغ القاعدة باختلاف المذاهب:
١. اتفق المالكية والحنابلة على مضمون القاعدة فقالو: (النية تعمم الخاص وتخصص العام) .
٢. وقال الشافعية: النية في اليمين تخصص اللفظ العام ولا تعمم الخاص.
стр. 143
٣. وأما عند الحنفية فقالو: (تخصيص العام بالنية مقبول ديانة لا قضاء) وعند الخصاف: مقبول قضاء أيضاً. وأما تعميم الخاص بالنية فقد اختلف فيه علماء الحنفية ما بين نافٍ ومثبت.
فبالنظر إلى هذه التعريفات نرى أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين المذاهب، وإن كان جمهور الحنفية يعتبرونه ديانة لا قضاءً وأما تعميم الخاصة بالنية فأجازه المالكية والحنابلة ومنه الشافعية وجمهور الحنفية.
أمثلة على القاعدة: (أمثلة الشطر الأول) :
من حلف لا يكلم أحداً، ثم قال: نويت زيداً فقط. فعند المالكية والحنابلة والشافعية والخصاف من الحنفية إنه لا يحنث لو كلم غير زيد، إذ لفظ (أحداً) نكرة في سياق النفي فهي عامة تشمل كل أحد، ولكنه حينما قال: نويت زيداً فقط، أعملت نيته فخص عدم التكلم به، وجاز أن يكلم غير زيد ولا يحنث.
وأما عند غير جمهور الحنفية فهو يحنث قضاء وعليه الكفارة ويدَّيَّن بينه وبين الله تعالى.
من قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق. ثم قال: نويت من بلدة كذا أو محلة كذا صح له أن يتزوج امرأة من غير البلدة التي عينها أو المحلة التي ذكرها عند غير جمهور الحنفية، وأما عند جمهورهم فلو تزوج أي امرأة طلقت منه، ولكن يدَّيَّن بينه وبين الله تعالى.
стр. 144
وأما الشطر الثاني من القاعدة فمن أمثلته:
(لو حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش) فعند الحنفية والشافعية أنه لا يحنث بطعامه أو ثيابه، لأن اليمين عندهم تنعقد على الماء خاصة، ولو نوى أنه لا ينتفع منه بشيء.
وأما عند المالكية والحنابلة فهو يحنث بتناول أي شيء يملكه المحلوف عليه.
وكذلك لو حلف لا يدخل هذا البيت يريد هجران أهله فدخل عليهم بيتاً آخر حنث عند المالكية والحنابلة.
وأما من قال لزوجته: إن لبست ثوباً فأنت طالق. وقال: أردت ثوباً أحمر. فجمهور الحنابلة يقبل منه ديانة، وفي قبوله في الحكم (أي القضاء) روايتان.
وخلاصة الأمر:
أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين المالكية والشافعية والحنابلة والخصاف من الحنفية، وأما عد جمهور الحنفية فإن تخصيص العام بالنية مقبول ديانة فقط لا قضاء، ومعنى ذلك أن ادعاء الحالف التخصيص غير مقبول في الحكم، إذ يعتبر حانثاً وتجب عليه الكفارة ولكنه يدين به بينه وبين الله تعالى.
وأما تعميم الخاص بالنية فهو جائز على الإطلاق عند المالكية والحنابلة، وإن اختلف الحنابلة في تقييد المطلق بالنية.
والشافعية منعوا تعميم الخاص بالنية على الإطلاق.
وكذلك عند الحنفية على الراجح لأنهم يمنعون عموم المشترك فهذا أولى بالمنع، وإن ورد عنهم بعض أمثلة تدل على أخذ بعضهم بتعميم الخاص، ولكنها غير مسلمة عند الأكثرين منهم.
стр. 145
ومن هنا نقول: إن رأي الحنفية والشافعية في هذه القاعدة يجعل هذه القاعدة مستثناة من قاعدة (الأمور بمقاصدها) لإهمالهم النية وتمسكهم باللفظ وقد خالف الحنفية في هذه القاعدة النهج الذي ساروا عليه في قاعدة العقود حيث غلبوا هناك القصد على اللفظ.
وسبب الخلاف ومرجعه عندهم القاعدة التالية التي تقول:
следующие страницы →