← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8379

الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (399 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأمثلة وأمثالها خارجة عن قاعدة الأمور بمقاصدها ومستثناة منها، لإهمال المقاصد والعناية بالألفاظ. استثناءات: يستثني من هذه القاعدة. لو باع شخص لآخر شيئاً مع نفي الثمن بقوله: بعتُك هذه السلعة بدون ثمن. فعند الحنفية يكون البيع باطلاً ولا يعتبر العقد هبة، وكذلك لو آجره بدون أجرة لأن الثمن والأجرة من أركان العقد. وأما عند الشافعية والحنابلة: فإنه ليس بيعاً وفي انعقاده هبة قولان، لتعارض اللفظ والمعنى. ولو قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد، فليس بسلم قطعاً، وفي انعقاده بيعاً قولان.

стр. 142

-- ثانياً: قواعد في الأيمان: -- القاعدة الأولى: هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص؟ معاني المفردات: العام في اللغة: معناه الشامل لمتعدد سواء كان لفظاً أم غير لفظ. ومنه: عمَّهم المطر. أي شملهم. ومطر عام: أي شامل. والعام في الاصطلاح: (هو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب الوضع، دفعة من غير حصر) كلفظ الرجال مثلاً، يشمل ويستغرق معناه كل رجل. وأما الخاص أو التخصيص في اللغة: فهو تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وهو خلاف العموم. والخاص في الاصطلاح هو: (إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص (أو) قصر العام على بعض أفراده) . صيغ القاعدة باختلاف المذاهب: ١. اتفق المالكية والحنابلة على مضمون القاعدة فقالو: (النية تعمم الخاص وتخصص العام) . ٢. وقال الشافعية: النية في اليمين تخصص اللفظ العام ولا تعمم الخاص.

стр. 143

٣. وأما عند الحنفية فقالو: (تخصيص العام بالنية مقبول ديانة لا قضاء) وعند الخصاف: مقبول قضاء أيضاً. وأما تعميم الخاص بالنية فقد اختلف فيه علماء الحنفية ما بين نافٍ ومثبت. فبالنظر إلى هذه التعريفات نرى أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين المذاهب، وإن كان جمهور الحنفية يعتبرونه ديانة لا قضاءً وأما تعميم الخاصة بالنية فأجازه المالكية والحنابلة ومنه الشافعية وجمهور الحنفية. أمثلة على القاعدة: (أمثلة الشطر الأول) : من حلف لا يكلم أحداً، ثم قال: نويت زيداً فقط. فعند المالكية والحنابلة والشافعية والخصاف من الحنفية إنه لا يحنث لو كلم غير زيد، إذ لفظ (أحداً) نكرة في سياق النفي فهي عامة تشمل كل أحد، ولكنه حينما قال: نويت زيداً فقط، أعملت نيته فخص عدم التكلم به، وجاز أن يكلم غير زيد ولا يحنث. وأما عند غير جمهور الحنفية فهو يحنث قضاء وعليه الكفارة ويدَّيَّن بينه وبين الله تعالى. من قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق. ثم قال: نويت من بلدة كذا أو محلة كذا صح له أن يتزوج امرأة من غير البلدة التي عينها أو المحلة التي ذكرها عند غير جمهور الحنفية، وأما عند جمهورهم فلو تزوج أي امرأة طلقت منه، ولكن يدَّيَّن بينه وبين الله تعالى.

стр. 144

وأما الشطر الثاني من القاعدة فمن أمثلته: (لو حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش) فعند الحنفية والشافعية أنه لا يحنث بطعامه أو ثيابه، لأن اليمين عندهم تنعقد على الماء خاصة، ولو نوى أنه لا ينتفع منه بشيء. وأما عند المالكية والحنابلة فهو يحنث بتناول أي شيء يملكه المحلوف عليه. وكذلك لو حلف لا يدخل هذا البيت يريد هجران أهله فدخل عليهم بيتاً آخر حنث عند المالكية والحنابلة. وأما من قال لزوجته: إن لبست ثوباً فأنت طالق. وقال: أردت ثوباً أحمر. فجمهور الحنابلة يقبل منه ديانة، وفي قبوله في الحكم (أي القضاء) روايتان. وخلاصة الأمر: أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين المالكية والشافعية والحنابلة والخصاف من الحنفية، وأما عد جمهور الحنفية فإن تخصيص العام بالنية مقبول ديانة فقط لا قضاء، ومعنى ذلك أن ادعاء الحالف التخصيص غير مقبول في الحكم، إذ يعتبر حانثاً وتجب عليه الكفارة ولكنه يدين به بينه وبين الله تعالى. وأما تعميم الخاص بالنية فهو جائز على الإطلاق عند المالكية والحنابلة، وإن اختلف الحنابلة في تقييد المطلق بالنية. والشافعية منعوا تعميم الخاص بالنية على الإطلاق. وكذلك عند الحنفية على الراجح لأنهم يمنعون عموم المشترك فهذا أولى بالمنع، وإن ورد عنهم بعض أمثلة تدل على أخذ بعضهم بتعميم الخاص، ولكنها غير مسلمة عند الأكثرين منهم.

стр. 145

ومن هنا نقول: إن رأي الحنفية والشافعية في هذه القاعدة يجعل هذه القاعدة مستثناة من قاعدة (الأمور بمقاصدها) لإهمالهم النية وتمسكهم باللفظ وقد خالف الحنفية في هذه القاعدة النهج الذي ساروا عليه في قاعدة العقود حيث غلبوا هناك القصد على اللفظ. وسبب الخلاف ومرجعه عندهم القاعدة التالية التي تقول:

стр. 146

-- القاعدة الثانية: (هل الأيمان مبنية على الألفاظ أو على الأغراض) ؟ خلاف بين المذاهب في ذلك. فعند المالكية والحنابلة: (أن الأيمان مبنية على النيات) إذا مبنى اليمين عندهم على نية الحالف إذا احتملها اللفظ ولم يكن ظالماً، سواء كان موافقاً لظاهر اللفظ أم مخالفاً له. وأما عند الحنفية والشافعية فإن الأيمان مبنية عندهم على الألفاظ إن أمكن استعمال اللفظ، وإلا فالأعراض، أي النيات. فعندهم لو اغتاظ من إنسان فحلف أن لا يشتري له شيئاً بريال فاشتري له شيئاً بمائة ريال لم يحنث. وكذلك لو حلف لا يبيعه بعشرة، فباعه بأحد عشر أو بتسعة، لم يحنث مع أن غرضه الزيادة، لكن لا حنث بلا لفظ عندهم، وأما عند المالكية والحنابلة فإن يحنث في ذلك كله.

стр. 147

-- القاعدة الثالثة: (هل الأيمان مبنية على العرف) : اختلف الأئمة في ذلك: فعند الحنفية وفي قول عند الحنابلة: إن الأيمان مبنية على عرف الحالف: إن لم يمكن الحمل على المعنى الشرعي. فلو حلف لا يسكن بيتاً فسكن بيتاً من جلود أو شعر أو خيمة فلا يحنث إن كان من سكان المدن، ويحنث إن كان من أهل البادية. وعند الشافعي وأحمد في قول: يحنث إذا لم تكن له نية، قروياً كان أو بدوياً. وأما عند المالكية فإن الإيمان عندهم مبنية على النية أولاً، فإن لم تكن له نية فعلى الباعث أو ما يسمونه البساط، فإن لم يكن باعث فعلى العرف، وإلا فعلى الوضع اللغوي. فعندهم من حلف أن لا يدخل أو لا يسكن بيتاً، وهو من أهل المدن، وسكن بيتاً من بيوت الشعر، فإن لم تكن له نية، فهو حانث لأن الله ﵎ سماه بيتاً. وهذا يعني أن اليمين هنا بدون النية مبنية على الاستعمال القرآني وهو موافق للوضع اللغوي، وعلى هذا ففي اعتبار العرف عندهم خلاف.

стр. 148

-- القاعدة الرابعة: قاعدة: هل اليمين على نية الحالف أو على نية المستحلف ؟ عند الحنفية أن مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين، فقد اسثنوها فقالوا: اليمين عند القاضي على نيَّة الحالف إن كان مظلوماً، وعلى نية المستحلف أي القاضي إن كان الحالف ظالماً. هذا في غير الطلاق والعتاق ففيهما على نية الحالف سواء كان ظالماً أم مظلوماً. وأما عند المالكية والشافعية فاليمين على نية المستحلف أي القاضي عند التحالف في الأحكام كلها، فلا يصح فيها التورية ولا ينفع الاستثناء. وأما عند الحنابلة فقد قال في منار السبيل: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ ولم يكن ظالما، وهم بهذا كالحنفية.

стр. 149

-- ثالثا: القواعد المستثناة من قاعدة (الأمور بمقاصدها) : (ا) قاعدة: (من استعجل ما أخره الشرع يجازى برده) . اختلفت تعبيرات الفقهاء عن هذه القاعدة، ولكنها مهما اختلفت فالمقصود منها معنى متحد. قال الحنفية: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) . وقال المالكية: (الأصل المعاملة بنقيض المقصود الفاسد) . وقالوا أيضاً: (من استعجل الشيء قبل أوانه يعاقب بحرمانه) . وقال الشافعية: (المعارضة بنقيض المقصود) . وقالوا أيضاً: (من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه) . وقال الحنابلة: (من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل أو يسقط الواجبات على وجه محرم، وكان مما تدعو النفوس إليه ألغى ذلك السبب وصار وجوه كالعدم، ولم يترتب عليه أحكامه) . وقالوا أيضاً: (من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم

стр. 150

عوقب بحرمانه) . فهذه القواعد مهما اختلفت صيغها فهي ذات مضمون واحد وهو: (إن من يتوسل بالوسائل غير المشروعة تعجلا منه للحصول على مقصوده المستحق له فإن الشرع عامله بضد مقصوده، فأوجب حرمانه جزاء فعله واستعجاله) . مكانة هذه القواعد: (هذه القواعد تمثل جانباً من جوانب السياسة في القمع وسد الذرائع) . فهذه القواعد تعتبر استثناء من قاعدة (الأمور بمقاصدها) . حيث إن الفاعل هنا يعامل ويعارض بنقيض مقصوده، وسنرى من خلال الأمثلة أن مقصد الفاعل من فعله كان تحايلاً على الشرع من جانب، أو استعجالاً لأمر مستحق أو مباح من جانب آخر بفعل أمر محرم، ولذلك أهمل قصد الفاعل وعومل بنقيض ما قصد عقوبة له وزجراً لغيره، إلى جانب العقوبة المستحقة على الفعل نفسه. أمثله على هذه القواعد: إذا قتل الوارث مورثة الذي يرث منه عمداً مستعجلاً الإرث، فإنه يحرم من الميراث، سواء كان متهماً أم غير متهم عند أكثر الحنابلة. إذا قتل الموصى له الموصي فهو يحرم من الوصية بالإجماع. ومنها لو طلق الرجل امرأته ثلاثاً بغير رضاها في مرض موته قاصداً حرمانها من الإرث ومات وهي في العدة فإنها ترثه. وفي قول آخر إنها ترث ولو مات بعد انقضاء عدتها.

стр. 151

ومنها الفارُّ من الزكاة قبل تمام الحول بتنقيص النصاب أو إخراجه عن ملكه، إذا تجب فيه الزكاة. ومنها: لو صرف أكثر أمواله في ملك لا زكاة فيه كالعقار والحلي، عن من يقول بعدم الزكاة فيه، فهل ينزل منزلة الفارّ من الزكاة؟ وجهان عند الحنابلة والمالكية. ومنها الغال من الغنيمة يحرم أسهمه منها. على قول. ومنها من تزوج امرأة من عدتها من غيره حرمت عليه على التأييد على رواية. ومنها: من تزوجت بعبدها فإنه يحرم عليها على التأييد، كما روى عن عمر ﵁. ومنها: من ثبت عليه الرشوة لغرض ما فهو يحرم منه عقوبة له. ومنها: السكران يشرب الخمر عمداً، يجعل كالصاحي في أقواله وأفعاله فيما عليه. استثناءات من القواعد: مما خرج عن هذه القواعد: لو قتلت أم الولد سيدها عتقت، ولا تحرم العتق للقتل، ولو تعمدت قتله للعتق لأن إعتاقها ثابت بالشرع، ولا ينفي ذلك القصاص منها. ولو قتل المدبَّر سيده عتق، على قول ويسعى في جميع قيمته؟ لأنه لا وصية لقاتل وعلى قول آخر بطل تدبيره عقوبة له. (والمدبر هو العبد أو الأمة التي قال سيدها أو سيده: أنت عتيق على دُبر مني أي بعد وفاتي فكأنه أوصى بعتقه بعد الوفاة) . ومنها: لو قتل الدائن صاحب الدين المدين، حلّ دينه على قول راجح

стр. 152

وطالب به الورثة. ومن أمسك زوجته مسيئاً لعشرتها لأجل إرثها، ورثها لو ماتت والحالة هذه، ولو أمسكها لأجل الخلع نفذ وجاز. ومنها لو شربت دواء فحاضت لا تقضي الصلواتـ وكذلك من شرب شيئاً قبل الفجر ليمرض فأصبح مريضاً جاز له الفطر. (ب) قال الشافعية: (الإيثار في القرب مكروه وفي غيرها محبوب) . معاني المفردات: الإيثار: معناه تفضيل الغير على نفسه وتقديمه عليه، ومنه قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) . سورة الحشر، آية (٩) . ويقابل الإيثار الأثرة ومعناها الاستثار بالشيء ومنعه من الغير. والإيثار نوعان: إيثار الغير على النفس في الحظوط الدنيوية وهو محبوب مطلوب، كمن آثر غيره على نفسه بطعامه أو بشرابه مع حاجته إليه، أو يؤثر غيره بالحياة ويعرض نفسه للقتل بدلاً عنه، كالمجاهدين وهذا أعلى درجات الإيثار. وهذا النوع من الإيثار مندرج وداخل تحت القاعدة الكبرى (الأمور بمقاصدها) . النوع الثاني: إيثار في الحظوظ الأخروية وهذا النوع قد يكون حراماً وقد يكون مكروهاً وهو موضوع هذه القاعدة. والقُرَبُ: جمع قربة وهو كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة

стр. 153

وعبادة. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة ولا بستر العورة ولا بالصف الأول، والتعليل لأن الغرض بالعبادات التعظيم والإجلال لله ، فمن آثر به غيره فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه، فيصير بمثابة من أمره سيده بأمر فتركه، وقال لغيره: قم به، فإن هذا يستقبح عند الناس بتباعده من إجلال الآمر وقربه. وقد يكون الإيثار في القرب حراماً أو مكروهاً أو خلاف الأولى. فمثال الإيثار المحرم: إيثار غيره بماء الطهار حيث لا يوجد غيره، أو إيثاره غيره بستر العورة في الصلاة، أو يؤثر غيره بالصف الأولى ويتأخر هو. ومثال المكروه: أن يقوم رجل عن مجلسه في الصف لغيره، وتأخر، وكان ابن عمر: (إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه) كما رواه مسلم في صحيحه. مثال خلاف الأولى: كمن آثر غيره بمكانه الأقرب للإمام في نفس الصف. والحاصل أن الإيثار إذا أدى إلى ترك واجب فهو حرام كالماء وساتر العورة، وإن أدى إلى ترك سنة أو ارتكاب مكروه فمكروه، أو لارتكاب خلاف الأولى مما ليس فيه نهي مخصوص فخلاف الأولى. وهذا النوع من الإيثار يعرض فاعله للمعاملة بنقيض مقصوده فيكون مستثنى من القاعدة الكبرى. استدراك على قاعدة (الأمور بمقاصدها) : هل تشترط النية في التروك؟

стр. 154

قالوا: إن ترك المنهي عنه كالزنا وشرب الخمر والفواحش لا يحتاج إلى نية للخروج عن عهدة النهي، فمن لم يزن أو لم يشرب الخمر أو لم يقتل يعتبر منتهياً عن تلك الأفعال ولو لم تحضره نية الترك. ولكن هل يثاب على ذلك الترك؟ علمنا مما سبق أن الثواب مترتب على نية التقرب إلى الله تعالى بإيجاد الفعل أو الامتناع عنه، فمن ترك الزنا بدون استحضار نية الترك أو لعدم قدرته عليه، أو كان أعمى فترك النظر المحرم، فهنا لا ثواب على الترك لأنه لم يتقرب إلى الله بهذا الترك، وإنما يحصل الثواب بأن كان قادراً على الفعل ودعته نفسه إليه فكفها عنه طاعة لله وخوفاً من عقابه، فهو يثاب بهذه النية لا بمجرد الترك. طريقة معرفة حكم الجزئيات من القاعدة الكلية: فمثلاً قاعدة: (الأمور بمقاصدها) كلية وإذا أردنا أن نتعرف منها حكم جزئية ما مما يندرج تحتها نقول مثلاً: (زيد أعطى فلانا من الناس مالاً) فما حكمه. فنستخرج من القاعدة الكلية الأمور بمقاصدها أن إعطاك المال قد يكون مقصوداً به التصدق مثلاً، أو الهبة، أو القرض أو الإيداع، أو الوفاء أو غير ذلك من المقاصد، ولما كان لكل مقصد حكم يخصه، نقول: إن كان مقصد زيد من الإعطاء التصدق أو الهبة كان فعله طاعة يثاب عليها، وإن كان قصده إقراضه إياه أو إيداعه عنده كان له حق استرداده وعلى الآخذ وجوب الرد، وهو مضمون على الآخذ في الأولى غير مضمون عليه في الثانية، إذا لم يتعدَّ أو يقصر في الحفظ، وإن كان قصده وفاء دين عليه كان الحكم براءة ذمته ورداً لحق الآخر، لأن الأمور بمقاصدها.

стр. 155

ولو رأينا شخصاً يريد الصلاة ولا يستطيع القيام لمرض أصابه فأقعده فنقول له: صل قاعداً وإن لم تستطع فمضطجعاً أو على جنب لأن المشقة تجلب التيسير، وهكذا.

стр. 156

-- القاعدة الثانية من القواعد الكبرى: قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) أو (لا يزال، أو لا يرفع) : أصل هذه القاعدة: هذه القاعدة من أصول أبي حنيفة ﵀ وقد عبر عنها في تأسيس النظر بقوله: (الأصل عند أبي حنيفة أنه متى عُرِف ثبوت الشيء من طريق الإحاطة والتيقن لأي معنى كان فهو على ذلك ما لم يتيقن بخلافه) . وهي الأصل الأول من أصول الإمام الكرخي وعبر عنها بقوله: (إن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك) . أدلة ثبوت هذه القاعدة: (ا) من الكتاب العزيز: قوله تعالى: (وما يتَبِعُ أكثرهُم إلا ظناً إنَّ الظن لا يغني من الحقِ شيئاً) . يونس، آية (٣٦) . (ب) من السنة المطهرة: ١. قوله ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه

стр. 157

أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) . قال النووي ﵀: (وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها) . ٢. وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: شُكي إلى النبي ﷺ الرجلُ يخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) . ٣. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً! فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع

стр. 158

كانتا ترغيماً للشيطان) . ٤. وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثاً فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم) . (ج) دليل عقلي: وهو أن اليقين أقوى من الشك، لأن في اليقين حكماً قطعياً جازماً فلا ينهدم بالشك. معنى القاعدة: (ا) المعنى اللغوي: اليقين: هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء. يقال: يقِن الماء في الحوض إذا استقر فيه. والشك في اللغة: هو مطلق التردد، أو هو التردد بين النقيضين دون ترجيح لأحدهما. والشك عند الفقهاء: تردد الفعل بين الوقوع وعدمه، فهو قريب من المعنى اللغوي، وأما الشك في اصطلاح الأصوليين: فهو استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بين شيئين حيث لا يميل القلب لأحدهما، فإن ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين، وإن لم يترجح فهو وهم.

стр. 159

المدركات العقلية: ورتب بعضهم المدركات العقلية كالآتي: ١. اليقين: وهو جزم القلب مع الاستناد إلى الدليل القطعي. ٢. الاعتقاد: جزم القلب من غير استناد إلى الدليل القطعي، ومثلوا له باعتقاد العامي. ٣. الظن: وهو تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر. ٤. الشك: وهو تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، أي متساويين. ٥. الوهم: تجويز أمرين أحدهما أضعف من الآخر مع إدراك الجانب المرجوح. (ب) معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي: (إن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع إلا بدليل قاطع، ولا يحكم بزواله لمجرد الشك، كذلك الأمر المتيقن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك، لأن الشك أضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتاً وعدماً) . وبعبارة أخرى: إذا ثبت أمر من الأمور ثبوتاً يقينياً قطعياً وجوداً وعدماً ثم وقع الشك في وجود ما يزيله، يبقى المتيقن هو المعتبر إلى أن يتحقق السبب المزيل. مكانة هذه القاعدة: هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو أكثر.

стр. 160

أمثلة لهذه القاعدة وبعض الفروع المخرجة عليها: المتيقن للطهارة إذا شك في الحدث فهو متطهر عند الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة، والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وأما عند مالك ﵀: فمن شك في الطهارة يجب عليه الوضوء، بناء على قاعدة تقول: (الشك في الشرط مانع من ترتب المشروط) . والطهارة شرط في صحة الصلاة، فالشك فيها مانع من صحة الصلاة، وحمل الأحاديث الواردة والتي ذكرت دليلاً للقاعدة، على المتلبس بالصلاة فعلاً، وأما من كان خارج الصلاة وشك في الطهارة فيجب عليه التطهر بناء على القاعدة آنفة الذكر. وإذا ثبت دين على شخص وشككنا في وفائه، فالدين باق. وإذا وقع النكاح بين رجل وامرأة بعقد صحيح، ثم وقع الشك في الطلاق، فالنكاح باق لأنه شك طرأ على يقين فوجب إطراحه، ويقول ابن قدامة هنا: والورع التزام الطلاق، فإن كان المشكوك فيه طلاقا رجعياً راجع امرأته إن كانت مدخولاً بها، أو جدد نكاحها إن كانت غير مدخول بها أو انقضت عدتها، وإن شك في طلاق ثلاث طلقها واحدة وتركها. نص الفقهاء على عدم جواز البيع مجازفة في الأموال الربوية كالمكيلات والموزنات، لأن المماثلة في بيعها شرط محقق، والمماثلة مع المجازفة مشكوك فيها، فلا تثبت

стр. 161

صحة بين المجازفة بناء على الأصل المقرر وهو: (إن الحكم المعلق على شرط أو المشروط بشرط، إذا وقع الشك في وجود شرطه لا يثبت) لأن ما ليس ثابتاً بيقين لا يثبت بالشك والثابت بيقين لا يزول بالشك. ْْْْْْْْْْْْ

стр. 162

-- القواعد الكلية المندرجة تحت قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) : ١. القاعدة الأولى: قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) . وهي قاعدة: (ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه) . معنى القاعدة: (أن ما ثبت على حال في الزمان الماضي، ثبوتاً أو نفياً، يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره) . وهذه القاعدة: دليل الاستصحاب. معنى الاستصحاب وأنواعه: (ا) معنى الاستصحاب في اللغة: مأخوذ من الصحبة قال ابن فارس: الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، وكل شيء لاءمَ شيئاً فقد استصحبه. وقال في القاموس: استصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه. فيكون معنى الاستصحاب: الملازمة وعدم المفارقة والملاءمة. (ب) في الاصطلاح الأصولي: الاستصحاب عند الأصوليين أنواع هي:

стр. 163

١. استصحاب النص إلى أن يرد نسخ (أي العمل بالنص من كتاب أو سنة حتى يرد دليل ناسخ) وهذا متفق عليه بينهم. ٢. استصحاب العموم إلى أن يرد دليل تخصيص (أي العمل باللفظ العام حتى يرد المخصص، فيقتصر العام على بعض أفراده وهذا أيضاً متفق عليه بينهم. ٣. استصحاب الحال وهو (ظن دوام الشيء بناء على ثبوت وجوده قبل ذلك) . وهذا قريب من تعريف الفقهاء التالي للاستصحاب وقد اختلف الأصوليون في كونه حجة أو ليس بحجة: فذهب الأكثرون منهم مالك وأحمد وجماعة من أصحاب الشافعي، كالمزني والصيرفي وإمام الحرمين، والغزالي، إلى أنه حجة. وذهب جمهور الحنفية وأبو الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين وأبو الخطاب من الحنابلة إلى أنه ليس بحجة.

стр. 164

وأما الاستصحاب في الاصطلاح الفقهي وهو مدار البحث فهو: (لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه) كالملك عند جريان العقد المملّك وكشغل ذمة المتلف عند وقوع الاتلاف، وذمة المديون عند مشاهدة استدانته. وقال الجرجاني في تعريفه لاستصحاب: هو عبارة عن إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير) وهذا قريب من نص القاعدة. وكما قال أيضاً في تعريفه (هو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان لأول) . ويكون التعريف الأول منهما تعريفاً للمعنى المصدري للاستصحاب، والثاني تعريفاً للمفعول وهو المستصحب. أقسام الاستصحاب عند الفقهاء الحنفية: الأول: استصحاب الماضي للحال وهذا القسم متفق عليه عند جميع المذاهب وهو الذي دل عليه تعريف الاستصحاب الفقهي السابق، ومعناه أن الشيء إذا كان على حال في الزمان الماضي فهو على حاله في المستقبل ما لم يوجد ما يغيره. وهذا القسم هو الذي تشير إليه قاعدتنا، ومن أمثلته وفروعه: مسألة الفقود الذي انقطع خبره ولم يعلم موته ولا حياته، فهو يحكم بحياته، لأنه حين تغيبه كانت حياته محققة، فما لم يقم دليل على موته حقيقة أو يحكم بموته فهو حي حكماً، فليس لورثته اقتسام تركته، ولا تؤخذ وديعته من مودَعه، ولا تبين منه امرأته. الثاني: استصحاب الحال للماضي: ومعناه أن الشيء على حالته الحاضرة

стр. 165

بحكم أنه كان عليها في الزمن الماضي ما لم يقم دليل التغيير، هذا القسم قال به الحنفية والشافعية، وسموه الاستصحاب المعكوس أو المقلوب، ومن أمثلته عندهم: الاختلاف في جريان ماء الطاحون أو البالوعة أو الماء الذي يجري إلى دار أحد أو أرضه بأنه حادث أو قديم. فإذا وقع الخلاف فيه ينظر إليه قبل وقت الخصومة هل كان موجوداً أو غير موجود، فإن كان موجوداً يحكم ببقائه على الحال التي وُجِد عليها. ومنها: مات نصراني فجاءت امرأته مسلمة وقالت: أسلمت بعد موته فاستحق في ميراثه، وقال الورثة: بل أسلمت قبل موته، فلا ميراث لك. فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد القول قول الورثة. والتعليل: أن سبب الحرمان من الميراث وهو اختلاف الدين قائم في الحال، فثبت فيما مضى تحكيماً للحال، كما في جريان ماء الطاحون، وعند زفر بن الهذيل أن القول للزوجة. والتعليل أن إسلامها حادث والحادث يضاف إلى أقرب أوقاته. حكم الاستصحاب: ١. عند الحنفية: الاستصحاب عند أكثر الحنفية يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق وهذا نص القاعدة عند الكرخي حيث قال: (الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه) كمسألة المفقود التي سبقت، حيث أن استصحاب حياته يمنع تقسيم تركته وبينونة امرأته، ولكنه لو مات شخص يرثه المفقود فلا يستحق المفقود من إرثه شيئاً لعدم تحقق حياته عند موته مورثه.

стр. 166

فاستصحاب حياة المفقود لم يصلح حجة لاستحقاقه الإرث في حال غيبته والتعليل عندهم: (أن الثابت باستصحاب الحال يصلح حجة لإبقاء ما كان على ما كان ولا يصلح لإثبات ما لم يكن) . ولذلك قالوا: كون الاستصحاب يصلح حجة للدفع يدخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك، فالمفقود تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له، لأن حياته حين تغيبه متيقنة وموته مشكوك فيه، فيدخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك، وأما فيما لم يكن له فتجري عليه أحكام الأموات فلا يرث أحداً إلا ببرهان على حياته كأنه ميت حقيقة. وبناء على أن الاستصحاب لا يصلح للاستحقاق قالت الحنفية: إن الجزء إذا بيع من الدار وطلب الشريك الشفعة فأنكر المشتري ملك الطالب فيما في يده فالقول للمشتري ولا شفعة للطالب إلا بينة. ٢. عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إن الاستصحاب يصلح حجة للدفع والاستحقاق حيث قالوا: إن المفقود يرث ولا يورث، لأنه قبل فقده كان حياً يقيناً فيجب استصحابه حياته حتى يظهر خلاف ذلك. والحنابلة يوقفون نصيب المفقود لحين ظهور حياته أو موته، فإن ظهر حياً ورث، وإلا رد المال لورثة مورث المفقود. من فروع هذه القاعدة: من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة

стр. 167

فهو محدث. شك في الطاهر المغير للماء هل هو قليل أو كثير، فالأصل بقاء الطهورية. أحرم بالعمرة ثم الحج، وشك، هل كان أحرم بالحج قبل طواف العمرة فيكون إحرامه بالحج صحيحاً أو بعده فيكون باطلاً، حكم بصحة إحرامه بالحج؛ لأن الأصل جواز الإحرام بالحج حتى يتيقن أن إحرامه بالحج كان بعد طواف العمرة. وكمن تزوج وأحرم ولم يدر هل أحرم قبل تزوجه أو بعده! قالوا: إن الشافعي نص على صحة نكاحه، لأن الأصل عدم الإحرام. أحرم بالحج ثم شك هل كان إحرامه في أشهر الحج أو قبلها؟ كان إحرامه بالحج صحيحاً؛ لأنه على يقين من هذا الزمان، وعلى شك من تقدمه. أكل آخر النهار بلا اجتهاد وشك في الغروب، بطل صومه؛ لأن الأصل بقاء النهار، وأما من أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وكذا لو وقف بعرفة آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح حجه. تعاشر الزوجان مدة مديدة ثم ادعت الزوجة عدم الكسوة والنفقة، فالقول قولها عند عدم بينة الزوج مع يمينها؛ لأن الأصل بقاؤهما في ذمته وعدم أدائهما، كالمديون إذا ادعى دفع الدين وأنكر الدائن. ولو ادعت المطلقة امتداد الطهر وعدم انقضاء العدة صدقت ولها النفقة؛ لأن الأصل بقاؤها، أي العدة. استثناء من قاعدة الاستصحاب: الأمين يصدق يمينه في براءة ذمته: لو ادعى الأمين أنه أعاد الوديعة لصاحبها أو أنها تلفت في يده بلا تعدِّ منه أو تقصير، يقبل ادعاؤه مع يمينه، مع أنه كان يجب

стр. 168

بمقتضى قاعدة الاستصحاب أن يعد الأمين مكلفاً بإعادة الأمانة ما لم يثبت إعادتها، لأن الحال الماضي هو وجود الأمانة عند المودع. ولكن السبب في تصديقه بيمينه: أن الأمين هنا يدَّعي براءة الذمة من الضمان، وأما المودع فهو يدعي شغل ذمة الأمين، وذلك خلاف الأصل: (لأن الأصل براءة الذمة) . ومن هنا نرى أن كل استثناء من قاعدة يندرج تحت قاعدة أخرى. قاعدة متفرعة على قاعدة الاستصحاب: تفرع على قاعدة الاستصحاب قاعدة تقول: (القديم يترك على قِدَمِه ولا يغير إلا بحجة) . أي أن القديم المشروع يجب أن يترك على حاله ما لم يثبت خلافه، لأن بقاء الشيء مدة طويلة دليل على أنه مستند إلى حق مشروع، فيحكم بأحقيته، وذلك من باب حسن الظن بالمسلمين بأنه ما وضع إلا بوجه شرعي. ما لم يكن هذا القديم ضاراً فيجب إزالته بناءً على القاعدة التي تقول: (الضرر لا يكون قديماً) أي لا يعتبر قِدَمه حجة في بقائه. والمراد بالقديم هنا ما لا يعرف أوله ومبدؤه، لا ما يعرف مبدؤه لا يكون قديماً.

стр. 169

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية: -- قاعدة: (الأصل براءة الذمة) : دليل هذه القاعدة: هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف وهو قوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) . المعنى اللغوي للقاعدة: المراد بالأصل في نص القاعدة (القاعدة المستمرة) كقولهم: الأصل أن الفاعل مرفوع. الذمة في اللغة: العهد والأمان إذ أن نقض العهد موجب للذم. والذمة عند الفقهاء: بمعنى النفس أو الذات التي لها عهد، والمراد بها هنا: أهلية الإنسان لتحمل عهدة ما يجري بينه وبين غيره من العقود الشرعية أو التصرفات. المعنى الفقهي للقاعدة: القاعدة المستمرة أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل. ولأن الأصل براءة ذمة الإنسان، فالمتمسك بالبراءة متمسك بالأصل، والمدعى متمسك بخلاف الأصل، ولذلك لا يقبل في دعوى شغل الذمة شاهد واحد ما لم يعتضد بشاهد آخر أو يمين المدعى عليه، ولذلك كان القول للمدعى عليه مع

стр. 170

يمينه عند عدم البينة لأنه متمسك بالأصل. وتعليل ذلك أن المتمسك بالأصل متمسك بالظاهر، والمتمسك بخلاف الأصل متمسك بخلاف الظاهر، وكل من يتمسك بخلاف الظاهر ويريد إثبات أمر عارض فهو مدَّع والمدعي تجب عليه البينة كما نص الحديث لأنه مثبت. وكل من يتمسك بالظاهر منكر للأمر العارض فهو مدّعى عليه فعليه اليمين لأنه نافٍ ولا سبيل لإقامة البينة على النفي. وقد عبر عن ذلك أبو الحسن الكرخي في أصوله بقوله: (الأصل أن من ساعده الظاهر فالقول قوله والبينة على من يدعي خلاف الظاهر) . وهذا الأصل أي براءة الذمة إنما يعتبر ويكون القول قول من يتمسك به مع يمينه إذا شهد له ظاهر سواء كان الظاهر هو الأصل بحسب ما يتبادر أو بحسب المعنى. مثال ذلك: إذا ادعى رجل على بكر بالغة أنَّ وليها زوجها منه قبل استئذانها، فلما بلغها سكتت وقالت: بل رددت. فالقول لها في الراجح؛ لأن الزوج يدعي سكوتها ليتملك بضعها من غير ظاهر معه، وهي تنكر، والظاهر هو الاستمرار على الحالة المتيقنة، وهي عدم ورود ملك عليها الذي هو الأصل، فكانت هي متمسكة بأصل معنى هو الظاهر، فكان القول لها، كالمودَع يدعي رد الوديعة والمودِع ينكر، فإن القول لمدعي الرد وإن كان مدعياً صورة لتمسكه بالأصل الظاهر وهو فراغ ذمته

стр. 171

وبراءتها من الضمان لكونه ظاهراً. أما إن أقام الزوج البينة على سكوتها فيعمل بها. من أمثلة هذه القاعدة وفروعها: اختلفا في قيمة المتلف، حيث تجب قيمته على متلفه كالمستعير، والمستام والغاصب، والمودع المتعدي، فالقول قول الغارم، مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته مما زاد. لو أقر شخص بشيء أو حق قُبِل تفسيره بماله قيمة، والقول للمقر مع يمينه.

стр. 172

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية: -- قاعدة: (ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين) . أو (الذمة إذا أعمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين) . هاتان القاعدتان في الحقيقة بيان للقاعدة الكبرى، لأن اليقين إذا لم يُزل بالشك فهو يزول ويرتفع بيقين مثله. أصل هذه القاعدة: قال السيوطي في الأشباه: إن هذه القاعدة ذكرها الشافعي ﵁. ويرتبط بهاتين القاعدتين قواعد: ١. من شك هل فعل شيئاً أو لا؟ فالأصل أنه لم يفعله. وهذه في الحقيقة تعود إلى القاعدة السابقة الأصل براءة الذمة. ٢. قاعدة من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل لأنه المتيقن، اللهم إلا أن تشتغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين. ٣. قاعدة عند المالكية: (إن الشك في النقصان كتحققه، وإن الشك في الزيادة كتحققها) . فروع هذه القاعدة وأمثلة لها: شك في ترك مأمور في الصلاة: قالوا يسجد للسهو. شك في ارتكاب فعل منهي عنه وهو في الصلاة فلا يسجد؛ لأن الأصل عدم الفعل.

стр. 173

سها وشك هل سجد للسهو؟ يسجد، لأن الذمة أعمرت بيقين، والسجود مشكوك فيه، فعليه باليقين وهو السجود فعلاً. من شك في صلاة هل صلاها أو لا؟ أعاد في الوقت، وإن خرج الوقت فلا إعادة. من عليه دين وشك في قدره، لزمه إخراج القدر المتيقن به إبراء الذمة. وإن شك في ركوع أو سجود وهو فيها أعاد، وإن كان بعدها فلا يعيد. ولو شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً، أتى برابعة. أو شك في بعض أشواط الطواف أو السعي، أو شك هل أتى بالثالثة في الوضوء أم لا؟ في كل ذلك يبني على الأقل لأنه المتيقن. شك في حصول التفاضل في عقود الربا، فالعقد باطل. لو نسي صلاة من الخمس تلزمه الخمس. لو كان عليه زكاة بقر وشياه وإبل وشك في أن عليه كلها أو بعضها لزمه زكاة الكل؛ لأن ذمته هنا مشغولة بالأصل فلا يبرأ إلا مما تيقن أداءه. لو شك هل طلق أو لم يطلق؟ لم يقع الطلاق، لأن الإباحة متيقنة بعقد النكاح، والطلاق المحرم مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك، وقد سبق أن ذكرنا قول ابن قدامة: الورع التزام الطلاق. وكذلك لو شك أنه طلق واحدة أو أكثر بنى على الأقل لأنه المتيقن، والمسألة فيها خلاف. وإذا شك فيما عليه من صيام، أو شكّت فيما عليها من عدة هل هي عدة طلاق أو وفاة ينبغي أن يلزم الأكثر عليها وعلى الصائم أخذاً بالأحوط، وهذا بناء على قاعدة (الشك في الزيادة كتحققها) ، وأيضاً فإن الذمة أعمرت هنا بيقين فلا تبرأ إلا بيقين، والله أعلم.

стр. 174

-- القاعدة الكلية الفرعي الرابعة: قاعدة: (الأصل العدم) : أو (الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم) . وردت هذه القاعدة بالعبارة الأولى عند ابن نجيم والسيوطي. مقدمة: الأشياء لها صفات وهذه الصفات نوعان: (ا) صفات أصلية: وهي ما كان الأصل وجودها في الموصوف ابتداءً مثل كون المبيع صحيحاً سليماً من العيوب، وكون رأس مال المضاربة على حاله خالياً من الربح أو الخسارة. (ب) صفات عارضة: وهي صفاتٌ الأصل عدم وجودها في الموصوف، ولم يتصف بها ابتداءً، كالعيب في المبيع والربح والخسارة في مال المضاربة. مثال: لو اشترى شخص من آخر فرساً أو سيارة، وتسلمه ثم ادعى أن فيه عيباً قديماً، وادعى البائع السلامة من العيوب، ولا بينة لأحدهما فالقول قول البائع مع يمينه، لأن الصحة من الصفات الأصلية والأصل فيها الوجود، والذي يدعي الصفة الأصلية متمسك بأصل متيقن وظاهر، فالقول له مع يمينه لأنه مدعى عليه، والذي يدعي الصفة العارضة متمسك بخلاف الأصل وهو مشكوك فيه فكان مدعياً، ومن ادعى خلاف الأصل فعليه البيِّنة. معنى القاعدة:

стр. 175

(أنه عند الاختلاف في ثبوت الصفة العارضة وعدمها القول قول من يتمسك بعدمها مع يمينه) . فروع على هذه القاعدة وأمثلة لها: إذا اختلف شريكا المضاربة في حصول الربح وعدمه، فقال رب المال: ربحت ألفاً وقال المضارب: ما حصل ربح، فالقول للمضارب مع يمينه، لتمسكه بالأصل وهو عدم الصفة العارضة وهي الربح، والبينة على رب المال لإثبات الربح، لأنه يدعي خلاف الأصل، فيحتاج للإثبات. إذا باع شخص من آخر بقرة، ثم طلب المشتري ردها لكونها غير حلوب، فأنكر البائع وقوع البيع على هذه الشرط، فالصفة الأصلية في البقرة كونها غير حلوب، وصفة الحلب طارئة، فالقول هنا للبائع الذي يدعي عدم حصول هذا الشرط، وعلى المشتري الذي يدعي خلاف الأصل إثبات ما يدعيه. لو باع الوكيل نسيئة (أي بالدين) فقال موكله: أمرتك بنقد، وقال الوكيل: بل أطلقت أي لم تحدد صُدِّق الآمر مع يمينه، لتمسكه بالصفة الأصلية في الوكالة وهي الخصوص. ومنها لو ثبت على أحد دين بإقرار أو بينة، ثم ادعى الأداء أو الإبراء، فالقول لغريمه مع يمينه، لأن الأصل عدم ذلك، فثبوت الدين في الذمة متيقن، ودعوة الأداء أو الإبراء بعد ذلك مشكوك فيها، فالقول لصاحب اليقين وهو الدائن وعلى المدين البينة. لأن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله، ودعوى الأداء أو الإبراء صفة عارضة فعلى مدعيها البينة.

стр. 176

من مستثنيات هذه القاعدة: ١. إذا أراد الواهب الرجوع في الهبة، وادعى الموهوب له تلف الهبة، فالقول له بلا يمين، والعلة في ذلك؛ أن تلف الهبة وصف عارض وهو خلاف الأصل، فكان الواجب بمقتضى القاعدة أن يكون الموهوب له مكلفاً بإثبات ذلك، لكن بما أن الموهوب له هنا ينكر وجوب الرد على الواهب، فأصبح شبيهاً بالمستودع الذي يدعي براءة الذمة. ٢. كذلك إذا تصرف الزوج في مال الزوجة فأقرضه آخر، وتوفيت الزوجة وادَّعى ورثتها أن الزوج تصرف في المال بدون إذن وطلبوا الحكم بضمانه، وادعى الزوج أن تصرفه كان بإذنها، فالقول للزوج مع يمينه، مع أن الإذن الذي ادعاه الزوج من الصفات العارضة، فكان الواجب أن يكون القول للورثة؛ ولكن الزوج هنا ينكر الضمان ويتمسك بأصل أقوى وهو براءة الذمة، فكان القول له مع يمينه.

стр. 177

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة: قاعدة: (الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته) : أو (الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن) . معنى هذه القاعدة: (إذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر، ولا بينة ينسب هذا الأمر إلى أقرب الأوقات إلى الحال، ما لم يثبت نسبته إلى زمن أبعد) . تعليل ذلك: (إن أحكام الحوادث ونتائجها وما يترتب عليها كثيراً ما تختلف باختلاف تاريخ حدوثها، فعند التنازع في تاريخ الحادث يحمل على الوقت الأقرب إلى الحال حتى يثبت الأبعد، لأن الوقت الأقرب قد اتفق الطرفان على وجود الحادث فيه وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك. فوجود الحادث في الوقت الأقرب متيقن وفي الأبعد مشكوك. فروع على هذه القاعدة وأمثلة لها: لو تبين في المبيع عيب بعد القبض وادعى البائع حدوثه عند المشتري وادعى المشترى حدوثه عند البائع، فالقول لمدّعي الوقوع في الزمن الأقرب، ويعتبر العيب هنا حادثاً عند المشتري، فيكون القول للبائع منع يمينه، وليس للمشتري حق فسخ البيع حتى

стр. 178

يثبت أن العيب قديم عند البائع، إلا أن يكون العيب مما لا يحدث، بل هو من أصل الخلقة كالخيّف في الفرس. ويمكن لهاذ المثال أن يندرج أيضاً تحت قاعدة: (الأصل العدم) ، حيث إن المشتري متمسك بالوصف العارض والأصل فيه العدم فيكون القول للبائع مع يمينه لأنه متمسك بوصف أصلي هو سلامة المبيع من العيب. من رأى في ثوبه منياً ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل وتجب عليه إعادة كل صلاة صلاها من آخر نومه نامها فيه. ومن ضرب بطن حامل فانفصل الولد حياً، وبقي زماناً بلا ألم ثم مات، فلا ضمان على الضارب لأن الظاهر أن الولد مات بسبب آخر إلا إذا عاضد ذلك السبب ظاهر قوي كمن جُرح وبقي زماناً يتألم من جرحه ثم مات إذ ينسب الموت هنا إلى الجرح لأنه سبب ظاهر مع احتمال أن يكون مات بغيره. إذا ادَّعت الزوجة أن زوجها طلقها أثناء مرض الموت (طلاق الفار) وطلبت الإرث وادعى الورثة أنه طلقها في حال صحته، وأنه لا حق لها في الإرث، فالقول للزوجة، لأن الأمر الحادث المختلف على زمن وقوعه هنا هو الطلاق، فيجب أن يضاف إلى الزمن الأقرب، وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة، ما لم يقم الورثة البينة على أن طلاقها كان حال الصحة. إذا ادعى المحجور عليه أو وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور قد حصل بعد صدور الحكم بحجره، وطلب فسخ البيع، وادعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ

стр. 179

الحجر، فالقول للمحجور أو وصيه، لأن وقوع البيع بعد الحجر أقرب زمناً مما يدعيه المشتري، وعلى المشتري إثبات خلاف الأصل وهو حصول البيع له قبل صدور الحكم بالحجر. من مستثنيات هذه القاعدة: إذا قال الوكيل بالبيع بعت وسلمت قبل العزل عن الوكالة، وقال الموكل: بل بعت وسلمت بعد العزل، كان القول للوكيل إن كان المبيع مستهلكاً، ولو فرعنا على القاعدة لكان القول قول الموكل لأنه يضيف الفعل إلى الزمن الأقرب، ولكن قالوا: إن القول للوكيل مع يمينه لأنه ينفي عن نفسه الضمان ويندرج تحت قاعدة (الأصل براءة الذمة) بخلاف ما إذا كان المبيع قائماً لم يستهلك فالقول للموكل مع يمينه. وإذا قال شخص لغيره: قطعت يدك وأنا صغير فقال المقر له: بل قطعتها وأنت كبير، كان القول للمقر، لأنه ينفي عن نفسه الضمان مع أنه تبعاً للقاعدة يكون القول للمقر له لأنه يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته. إذا ادعت زوجة ذمي نصراني أو يهودي أنها أسلمت بعد وفاة زوجها، وأن لها الحق في أن ترث منه لكونها على دينه حين وفاته، وادعى الورثة أنها أسلمت قبل وفاته فلا ترث لاختلاف الدين، فهذا الفرع تنازعه أصلان: الأصل الأول الاستصحاب المعكوس أو المقلوب، وهو أن اختلاف الدين سبب للحرمان من الإرث وهو موجود بالحال، فاستصحب الحال للماضي فاعتبرت الزوجة مسلمة في الزمن السابق أيضاً فلا ترث، ويكون القول للورثة وعلى الزوجة البينة، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.

стр. 180

والأصل الثاني إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فيكون القول للزوجة؛ لأن اعتناقها الإسلام أمر حادث والزوجة تدعي حدوثه في الوقت الأقرب، وعلى الورثة أن يثبتوا خلاف الأصل. وبهذا قال زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة، فلو نظرنا إلى الأصل الأول نقول إن هذه المسألة مستثناة من الأصل الثاني، وإذا نظرنا إلى الأصل الثاني تكون هذه المسألة مستثناة من الأصل الأول. ونلاحظ هذا أن المسائل المستثناة من أي قاعدة تندرج تحت قاعدة أخرى أوجبت التعارض فلزم الترجيح، ومن هنا قال ابن نجيم وغيره: إن هذه المسائل تحتاج إلى نظر دقيق للفرق بينها.
следующие страницы →