← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8379

الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (399 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من مستثنيات هذه القاعدة: ١. إذا أراد الواهب الرجوع في الهبة، وادعى الموهوب له تلف الهبة، فالقول له بلا يمين، والعلة في ذلك؛ أن تلف الهبة وصف عارض وهو خلاف الأصل، فكان الواجب بمقتضى القاعدة أن يكون الموهوب له مكلفاً بإثبات ذلك، لكن بما أن الموهوب له هنا ينكر وجوب الرد على الواهب، فأصبح شبيهاً بالمستودع الذي يدعي براءة الذمة. ٢. كذلك إذا تصرف الزوج في مال الزوجة فأقرضه آخر، وتوفيت الزوجة وادَّعى ورثتها أن الزوج تصرف في المال بدون إذن وطلبوا الحكم بضمانه، وادعى الزوج أن تصرفه كان بإذنها، فالقول للزوج مع يمينه، مع أن الإذن الذي ادعاه الزوج من الصفات العارضة، فكان الواجب أن يكون القول للورثة؛ ولكن الزوج هنا ينكر الضمان ويتمسك بأصل أقوى وهو براءة الذمة، فكان القول له مع يمينه.

стр. 177

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة: قاعدة: (الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته) : أو (الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن) . معنى هذه القاعدة: (إذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر، ولا بينة ينسب هذا الأمر إلى أقرب الأوقات إلى الحال، ما لم يثبت نسبته إلى زمن أبعد) . تعليل ذلك: (إن أحكام الحوادث ونتائجها وما يترتب عليها كثيراً ما تختلف باختلاف تاريخ حدوثها، فعند التنازع في تاريخ الحادث يحمل على الوقت الأقرب إلى الحال حتى يثبت الأبعد، لأن الوقت الأقرب قد اتفق الطرفان على وجود الحادث فيه وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك. فوجود الحادث في الوقت الأقرب متيقن وفي الأبعد مشكوك. فروع على هذه القاعدة وأمثلة لها: لو تبين في المبيع عيب بعد القبض وادعى البائع حدوثه عند المشتري وادعى المشترى حدوثه عند البائع، فالقول لمدّعي الوقوع في الزمن الأقرب، ويعتبر العيب هنا حادثاً عند المشتري، فيكون القول للبائع منع يمينه، وليس للمشتري حق فسخ البيع حتى

стр. 178

يثبت أن العيب قديم عند البائع، إلا أن يكون العيب مما لا يحدث، بل هو من أصل الخلقة كالخيّف في الفرس. ويمكن لهاذ المثال أن يندرج أيضاً تحت قاعدة: (الأصل العدم) ، حيث إن المشتري متمسك بالوصف العارض والأصل فيه العدم فيكون القول للبائع مع يمينه لأنه متمسك بوصف أصلي هو سلامة المبيع من العيب. من رأى في ثوبه منياً ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل وتجب عليه إعادة كل صلاة صلاها من آخر نومه نامها فيه. ومن ضرب بطن حامل فانفصل الولد حياً، وبقي زماناً بلا ألم ثم مات، فلا ضمان على الضارب لأن الظاهر أن الولد مات بسبب آخر إلا إذا عاضد ذلك السبب ظاهر قوي كمن جُرح وبقي زماناً يتألم من جرحه ثم مات إذ ينسب الموت هنا إلى الجرح لأنه سبب ظاهر مع احتمال أن يكون مات بغيره. إذا ادَّعت الزوجة أن زوجها طلقها أثناء مرض الموت (طلاق الفار) وطلبت الإرث وادعى الورثة أنه طلقها في حال صحته، وأنه لا حق لها في الإرث، فالقول للزوجة، لأن الأمر الحادث المختلف على زمن وقوعه هنا هو الطلاق، فيجب أن يضاف إلى الزمن الأقرب، وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة، ما لم يقم الورثة البينة على أن طلاقها كان حال الصحة. إذا ادعى المحجور عليه أو وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور قد حصل بعد صدور الحكم بحجره، وطلب فسخ البيع، وادعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ

стр. 179

الحجر، فالقول للمحجور أو وصيه، لأن وقوع البيع بعد الحجر أقرب زمناً مما يدعيه المشتري، وعلى المشتري إثبات خلاف الأصل وهو حصول البيع له قبل صدور الحكم بالحجر. من مستثنيات هذه القاعدة: إذا قال الوكيل بالبيع بعت وسلمت قبل العزل عن الوكالة، وقال الموكل: بل بعت وسلمت بعد العزل، كان القول للوكيل إن كان المبيع مستهلكاً، ولو فرعنا على القاعدة لكان القول قول الموكل لأنه يضيف الفعل إلى الزمن الأقرب، ولكن قالوا: إن القول للوكيل مع يمينه لأنه ينفي عن نفسه الضمان ويندرج تحت قاعدة (الأصل براءة الذمة) بخلاف ما إذا كان المبيع قائماً لم يستهلك فالقول للموكل مع يمينه. وإذا قال شخص لغيره: قطعت يدك وأنا صغير فقال المقر له: بل قطعتها وأنت كبير، كان القول للمقر، لأنه ينفي عن نفسه الضمان مع أنه تبعاً للقاعدة يكون القول للمقر له لأنه يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته. إذا ادعت زوجة ذمي نصراني أو يهودي أنها أسلمت بعد وفاة زوجها، وأن لها الحق في أن ترث منه لكونها على دينه حين وفاته، وادعى الورثة أنها أسلمت قبل وفاته فلا ترث لاختلاف الدين، فهذا الفرع تنازعه أصلان: الأصل الأول الاستصحاب المعكوس أو المقلوب، وهو أن اختلاف الدين سبب للحرمان من الإرث وهو موجود بالحال، فاستصحب الحال للماضي فاعتبرت الزوجة مسلمة في الزمن السابق أيضاً فلا ترث، ويكون القول للورثة وعلى الزوجة البينة، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.

стр. 180

والأصل الثاني إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فيكون القول للزوجة؛ لأن اعتناقها الإسلام أمر حادث والزوجة تدعي حدوثه في الوقت الأقرب، وعلى الورثة أن يثبتوا خلاف الأصل. وبهذا قال زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة، فلو نظرنا إلى الأصل الأول نقول إن هذه المسألة مستثناة من الأصل الثاني، وإذا نظرنا إلى الأصل الثاني تكون هذه المسألة مستثناة من الأصل الأول. ونلاحظ هذا أن المسائل المستثناة من أي قاعدة تندرج تحت قاعدة أخرى أوجبت التعارض فلزم الترجيح، ومن هنا قال ابن نجيم وغيره: إن هذه المسائل تحتاج إلى نظر دقيق للفرق بينها.

стр. 181

-- القاعدة الكلية السادسة: قاعدة: (هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحرمة؟) في هذه المسألة ثلاثة أقوال ولكل قول أدلته: القول الأول: الأصل في الأشياء الإباحة، وهذا قول الأكثرين. ومن أدلة هذا القول: (ا) من الكتاب العزيز: ١. قوله تعالى: (هو الذي خلَقَ لكم ما في الأرضِ جميعاً) . سورة البقرة، آية (٢٩) . والاستدلال بهذه الآية من وجهين. الوجه الأول: إن هذه الآية وردت في مقام الامتنان فقد امتن الله علينا بخلق ما في الأرض لنا، وأبلغ درجات المن الإباحة. والوجه الثاني: أن الله أضاف ما خلق لنا باللام، واللام تفيد الملك وأدنى درجات الملك إباحة الانتفاع بالمملوك. ٢. قوله تعالى: (قُل مَن حرَّمَ زينةَ الله التي أخرَجَ لِعِبادهِ والطيباتِ من الرزقِ) . سورة الأعراف، آية (٣٢) . حيث أنكر من حرَّم ذلك، فوجب أن لا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته ككل امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبت الحرمة في فرد من أفراده لثبتت الحرمة في زينة الله وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة.

стр. 182

٣. قوله تعالى: (قُل لا أَجِدُ ما أُوحي إليَّ مُحرماً على طاعِمٍ يطعمه إلا أن يكونَ ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لَحمَ خِنزيرِ فإنه رِجسٌ أو فِسقاً أُهِلَّ لغير الله به فَمَنِ اضطُرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنَّ ربك غفورٌ رحيمٌ) . سورة الأنعام، آية (١٤٥) . فجعل الأصل الإباحة والتحريم مستثن. ٤. قوله تعالى: (قُل تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربكم عليكم ألا تُشركوا بهِ شيئاً وبالوالِدَينِ إحساناً ولا تقتُلوا أولادَكم من إِملاقٍ نحنُ نرزُقُكُم وإيَّاهُم ولا تقربوا الفواحِشَ ما ظهَرَ منها وما بَطنَ ولا تقتلوا النَّفسَ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِ ذلِكم وصَّاكُم بهِ لعَلَّكُم تَعْقِلُونَ) . سورة الأنعام، آية (١٥١) . ٥. قوله تعالى: (قُل إنما حرَّمَ ربي الفواحِشَ ما ظهر منها وما بَطنَ والإثمَ والبغي بغيرِ الحَقِ وأن تُشركوا باللهِ ما لم يُنزّل بهِ سُلطاناً وأن تَقُولوا على الله ما لا تعلَمُونَ) . سورة الأعراف، آية (٣٣) . ففي هاتين الآيتين بيَّن سبحانه ما حرَّم بتعداده وبطريق الحصر، فدل ذلك على إباحة ما سواه. (ب) من السنة المطهرة: ١. قوله ﷺ : (ما أحل الله فهو حلال، وما حرَّم هو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فأقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً) . الحديث رواه أبو الدرداء وأخرجه البطراني والبزار بسندٍ حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ١. قول ﷺ : (ما أحل الله فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً) . ٢. قوله ﷺ : (إن الله فرض فلا تضيعوها، ونهى عن

стр. 183

أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) وفي لفظ: (وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها) . ٣. حديث سلمان ﵁: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) . ٤. قوله ﷺ : (أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته) . (ج) دليلان عقليان: ١. إن الانتفاع بالمباح انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك، وهو الله سبحانه، قطعاً، ولا على المنتفع فوجب أن لا يمتنع كالاستضاء بضوء السراج والاستظلال بظل الجدار. ٢. إن الله سبحانه إما أن يكون خلق هذه الأعيان أو الأشياء لحكمة أو لغير حكمة وكونه خلقها لغير حكمة باطل؛ لقول تعالى: (وما خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما لاعبين) . سورة الدخان، آية (٣٨) . والعبث لا يجوز على الحكمة فثبت أنه سبحانه خلقها لحكمة، ولا تخلو هذه الحكمة إما تكون لعود النفع إليه سبحانه أو إلينا،

стр. 184

والأول باطل لاستحالة الانتفاع عليه ، فثبت أنه خلقها لينتفع بها المحتاجون إليها، فعلى ذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة. وقال قبله الزركشي: عند الإمام الشافعي ﵁: (ما لم يدل دليل على تحريمه فهو الحلال) وعن أبي حنيفة ﵀: (ما دلَّ الدليل على حله فهو الحلال) . وقال الحنفية: المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا، ودليل هذا القول قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) أخبر سبحانه بأنه خلقه لنا على وجه المنة علينا، وأبلغ وجوه المنة علينا، وأبلغ وجوه المنة إطلاق الانتفاع فثبتت الإباحة. وذكر في الهداية: (إن الإباحة أصل) وقالوا أيضاً: إن الأصل في الأشياء الإباحة عند بعض أصحابنا ومنهم الكرخي. فإذا كان الشافعية والحنفية يرون أن الأصل في الأشياء الإباحة فمن إذن الذي يقول إن الأصل في الأشياء التحريم؟

стр. 185

قال ابن نجيم في الأشباه: وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها الحظر. وقال ابن قدامة في الروضة: (وقال ابن حامد والقاضي وبعض المعتزلة: هي على الحظر، لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله سبحانه المالك، ولم يأذن، ولأنه يحتمل أن في ذلك ضرراً فالإقدام عليه حظرٌ. أدلة القائلين بأن الأصل التحريم والرد عليها: ١. استدلوا بقوله تعالى: (ولا تقولوا لِما تَصِفُ ألسنتُكم الكذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله) . سورة النحل، آية (١١٦) . قالوا: أخبر الله سبحانه أن التحريم والتحليل ليس إلينا، وإنما إليه، فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه. ويجاب على دليلهم هذا: بأن القائلين بالإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم، بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأيضاً هذا الدليل كما هو لكم هو عليكم لأنكم حرمتم شيئاً لم يقم الدليل على تحريمه. ٢. استدل بعضهم بقوله ﷺ : (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه

стр. 186

وعرضه) . الحديث. فأرشد صلى الله عليه وسم إلة اتقاء الشبهات بترك ما بين الحلال والحرام، ولم يجعل الأصل فيه أحدهما. وأجيب عن دليلهم هذا: بأن هذا الحديث لا يدل على أن الأصل المنع، لأن المراد بالمشتبهات في الحديث ما تنازعه دليلان أحدهما يدل على إلحاقه بالحلال والآخر يدل على إلحاقه بالحرام، كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة، أما ما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه. ٣. كذلك استدل المانعون بدليل عقلي حيث قالوا: إن التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز، والقول بالإباحة دون دليل تصرف في ملك الله بغير إذنه، وهذا باطل. وأجيب عن هذه بأن ذلك بالنسبة للعباد لأنهم يصيبهم الضرر عند التصرف في أملاكهم بغير إذنهم، وأما بالنسبة لله فذلك غير وارد؛ لأنه سبحانه لا يصيبه ضرر بتصرف العباد فيما يملك، ولم يرد دليل بالمنع. القول الثالث: الوقف بمعنى أنه لا يدري هل هنا حكم أولاً، وإن كان فلا ندري أهو إباحة أم حظر؟ وهؤلاء تعارضت عندهم الأدلة فلم يترجح واحد منها. وأصحاب هذا الرأي بعض الحنفية، وأبو الحسن الأشعري، وأبو بكر الصيرفي، وأبو الحسن الخزري الحنبلي.

стр. 187

ورد على هذا القول: بأن لكل تصرف حكم ولا يخلو تصرف عن حكم عرفه من عرفه وجهله من جهله. متى يظهر أثر الخلاف ؟ يظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه، ويتخرج على هذه القاعدة ما أشكل حاله، كالحيوانات التي لم ينص الله ولا رسول الله ﷺ على تحريمها أو تحليلها بدليل عام ولا خاص. كذلك النباتات التي تنبتها الأرض مما يدل دليل على تحريمها ولا كانت مما يضر مستعمله بل مما ينفعه. فالحيوان المشكل أمره كالزرافة والفيل مثلاً فيهما وجهان، أصحهما في الزرافة الحل. والنبات المجهول سمِّيته فيه خلاف الأظهر الحل. ومنها إذا لم يعرف حال النهر هل مباح أو مملوك؟ هل يجري عليه حكم الإباحة أو الملك؟ فيه وجهان. ومنها لو دخل برجه حمام وشك هل هو مباح أو مملوك؟ فهو أولى به وله التصرف فيه؛ لأن الأصل الإباحة، إلا إذا كان مثله لا يوجد إلا مملوكاً فهو لُقطة، فعليه تعريفه وحفظه حتى يأتي أصحابه. ويتخرج على هذا الأصل كثير من الأطعمة والأشربة من النباتات والفواكه والحبوب التي ترد إلينا من بلاد بعيدة ولا نعرف أسماءها ولم يثبت ضررها. ويتخرج عليها أيضاً كثير من أنواع الفرش والأثاث والآلات المستحدثة فيما لا يندرج تحت نهي. كما يتخرج عليها أيضاً بعض أنواع العقود المستحدثة والمعاملات الجديدة إذا

стр. 188

ثبت خلوها عن الربا والجهالة والغرر والضرر. استثناء: استثنى من هذه القاعدة قاعدة أخرى متفق عليها هي:

стр. 189

القاعدة الكلية الفرعية السابعة: (الأصل في الأبضاع التحريم) . (الأصل في الذبائح التحريم) . المراد بالأبضاع: الفروج، جمع بُضع وهو الفرج كناية عن النساء والنكاح، أي أن الأصل في النكاح الحرمة والحظر وأبيح لضرورة حفظ النسل، ولذلك لم يبحه الله إلا بإحدى طريقتين: هما العقد وملك اليمين، وما عداهما فهو محظور. ولهذا لو تقابل في المرأة حِل وحرمة، غُلّبت الحرمة: فلو أن رجلاً له جوارٍ أعتق واحدة منهم بعينها، ثم نسيها فلم يدر أيتهن أعتق، لم يسعه أن يتحرى للوطء ولا للبيع بمعنى أنه يحرم عليه أن يطأ واحدة منهن أو يبيعها ولو تحرى واجتهد، كما لا يسع الحاكم أن يخلي بينهن وبينه حتى يبين المعتقة من غيرها. وكذلك إذا طلق إحدى نسائه بعينها ثلاثاً ثم نسيها، هذا رأي الجمهور في هذه المسألة، وعند أحمد بن حنبل ﵀ قولان في هذه المسألة: الأول: أنها تعين بالقرعة، ويحل له البواقي، لأن القرعة قامت مقام الشاهد والخبر للضرورة. القول الثاني: لا يقرع بل يتوقف حتى يتبين، واختار ابن قدامة الثاني وجمهور الحنابلة الأول. كذلك امتنع الاجتهاد فيما إذا اختلطت محرَّمة بنسب أو رضاع، بنسوة قرية محصورات، لأنه ليس أصلهن الإباحة حتى يتأيد الاجتهاد باستصحابه، وإنما جازِ

стр. 190

النكاح في غير صورة المحصورات رخصة من الله لئلا ينسد باب النكاح عليه. ولو وكل شخص آخر في شراء جارية ووصفها فاشترى الوكيل الجارية بالصفة ومات قبل أن يسلمها للموكل، لم يَحُل للموكل وطؤها؛ لاحتمال أن الوكيل اشتراها لنفسه، وإن كان شراء الوكيل للجارية بالصفات المذكورة ظاهراً في الحل، ولكن الأصل التحريم حتى يتيقن الحل.

стр. 191

-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة: قاعدة: (لا عبرة للدلالة فهي مقابلة التصريح) . ما المراد بالدلالة هنا؟ المراد بالدلالة هنا غير اللفظ من حال أو عرف أو إشارة أو يد أو غير ذلك، وأما الصريح فهو عند العلماء ما كان المراد منه ظاهراً ظهوراً بيِّناً وتاماً ومعتاداً نطقاً أو كتابة. معنى القاعدة: أن التصريح بالمراد أقوى من الدلالة فإذا تعارضاً أي الصريح والدلالة، فلا عمل للدلالة ولا اعتداد بها، وأما عند عدم التعارض فيعمل بالدلالة لأنها في حكم التصريح وقوته، وهذا في المواضع التي جعلوا السكوت فيها كالنطق. -- التعليل: وكان ذلك لأن دلالة الحال في مقابلة الصريح ضعيفة، فلا تقاوم التصريح القوي. مجال العمل بهذه القاعدة: مجال هذه القاعدة الأحكام المتعلقة بالتعبير عن الإرادة من إيجاب وقبول وإذن ومنع رضا ورفض، ونحو ذلك. فعلى ذلك لو أن شخصاً كان مأذوناً بدلالة الحال بعمل شيء فمنع

стр. 192

صراحة عن عمل ذلك الشيء فلا يبقى اعتبار لحكم ذلك الإذن الناشئ عن الدلالة. أمثلة على القاعدة وفروع لها: إذا دخل إنسان دار آخر بإذنه فوجد إناءً معداً للشرب فهو إذن بالشرب دلالة، فإذا أخذ ذلك الإناء ليشرب منه فوقع من يده وانكسر، فهو غير ضامن، وأما لو نهاه صاحب البيت أو الدار عن الشرب منه، ثم أخذه ليشرب به فوقع وانكسر، فإنه يضمن قيمته؛ لأن التصريح بالنهي أبطل حكم الإذن المستند إلى دلالة الحال، ففي صورة عدم التصريح بالنهي هو مأذون شرعاً بالدلالة (والجواز الشرعي ينافي الضمان) كما سيأتي إن شاء الله، وأما التصريح بالنهي فإنه يعدم بالدلالة فلا حكم لها. والأمين له السفر بالوديعة دلالة فأما إذا نهاه المودع عن السفر بها صراحة فليس له السفر بها؛ لأن التصريح أقوى من الدلالة. في قوله تعالى: (فإن لم يكن له ولدٌ وورثهُ أبواهُ فلأمِّهِ الثلث) . تخصيص الأم بالثلث بيان لكون الأب يستحق الباقي ضرورة ودلالة. ولو تصدِّق على إنسان فسكت المتصدَّق عليه يثبت له الملك ولا حاجة إلى قوله: قبلتُ، لكن لو صرح بالرد والرفض لا يملك؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة. كذلك إذا أبرأ دائن مدينه فسكت المدين برئت ذمته من الدين، لأن السكوت قبول لإبراء دلالة، ولكنه لو رده ارتدّ؛ لأن الرد يفيد عدم القبول صراحة فهو أقوى. إذا قبض الأب مهر ابنته البكر البالغة من الزوج فسكتت، كان سكوتها إذناً بالقبض

стр. 193

دلالة ويبرأ الزوج؛ لأن ما كان السكوت فيه كالنطق فهو من قبيل الدلالة، ولكن لو صرحت البنت بالنهي لا يجوز قبض الأب عليها ولا يبرأ الزوج. متى ترجح الصراحة على الدلالة؟ إنما تكون الصراحة راجحة على الدلالة عند حصول معارضة بينهما قبل ترتب حكم مستند إلى الدلالة، أما بعد العمل بالدلالة، أي بعد ترتب الحكم وجريانه استناداً إليها، فلا اعتبار للصراحة. تنبيه: اللفظ المطلق في عبارات المكلفين منه ما يوجد مقيداً بقيد نصاً، ومنه ما يكون مقيداً بالعرف والعادة، فحين الإطلاق إذا انصرف اللفظ إلى قيده المتعارف فهو تقييد من المتكلم دلالة بحسب العرف، كمن قال لآخر: اشتر لي لحماً، والمتعارف عندهم لحم الإبل مثلاً، فلا يجوز شراء لحم الضأن. وأما إذا صرَّح بعدم إرادة القيد العرفي كما لو قال: اشترط لحم ضأن أو بقر، فلا اعتبار للدلالة المتعارفة بمقابلة الصريح. وكذلك إذا شهدت البينة أن شراء الخارج كان قبل شراء ذي اليد، كان الخارج أولى، لأن الصريح أولى من الدلالة، حيث البينة صريح واليد دلالة. استثناء من القاعدة: قد تكون الدلالة أقوى من الصريح إذا كانت دلالة الشرع، لأن دلالة الشرع أقوى من صريح العبد، لعدم احتمال دلالة الشرع الكذب، فيعمل بها.

стр. 194

فدلالة الشارع في أن الولد للفراش أقوى في ثبوت النسب من منكر جماع المطلقة رجعياً أو إنكاره أنه راجعها في العدة، بقوله: لم أجامعها أو لم أراجعها. فيعمل بدلالة الشرع وينسب الولد إليه؛ لأن دلالة الشرع أقوى من صريح العبد.

стр. 195

-- القاعدة الكلية التاسعة: قاعدة: (لا ينسب إلى ساكت قول) : (ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان) . هذه القاعدة مشتملة على فقرتين: الفقرة الأولى: تفيد أن الشرع حيث ربط معاملات الناس بالعبارات الدالة على المقاصد فما جعل للسكوت حكماً ينبني عليه شيء كما تبنى الأحكام على الألفاظ. ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول. الفقرة الثانية: كالاستثناء مما قبلها، وهي قاعدة ذكرها الأصوليون أيضاً حيث أفادت أن السكوت في حكم النطق، وذلك في كل موضع تمس الحاجة فيه إلى البيان. وسمى الأصوليون هذا بيان الضرورة، وهو نوع من أنواع البيان يقوم السكوت فيه مقام الكلام، إما لدلالة حال في المتكلم، تدل على أن سكوته لو لم يكن بياناً ما كان ينبغي له أن يسكت عنه وذلك كسكوت صاحب الشرع ﷺ عند أمر يعاينه، عن التغيير أو الإنكار، فيكون سكوته إذناً به. وإما لأجل حال في الشخص اعتبر سكوته كلاماً لأجل حاله، كسكوت البكر البالغة في إجازة النكاح لأجل حالها الموجبة للحياء عن بيان الرغبة في الرجال، وكسكوت الناكل عن اليمين، فإنه يجعل بياناً لثبوت الحق عليه عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله. وأما عند مالك والشافعي رحمهما الله فيتعتبر النكول عن اليمين إنكاراً وردا

стр. 196

اليمين على المدعي. وإما لضرورة دفع الغرور كسكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع إذ جعل سكوته إسقاطاً للشفعة لدفع الضرر عن المشتري. والفقرة الأولى من هذه القاعدة هي الأصل، لأن المعاملات مربوطة بالعقود والألفاظ الصريحة، وليس لجزئياتها عدد محصور. أمثلة الفقرة الأولى: إذا سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن قطعاً. ولو باع أجنبي مال أحد فضولاً وسلمه للمشتري، وصاحب المال يشاهد البيع والتسليم وهو ساكت أو بلغه فسكت، لا يعد سكوته توكيلاً بالبيع ولا إجازة. ولو سكن شخص داراً لآخر غير معدة للإيجار وصاحب الدار ساكت، لا يعد سكوته إيجاراً، ولا حق له في طلب الأجرة. ولو أتلف شخص مال آخر وصاحب المال يشاهد وهو ساكت، لا يكون سكوته إذناً بالإتلاف، بل له أن يضمنه. وأما الفقرة الثانية من هذه القاعدة فهي كالاستثناء من الأولى؛ إذ يعتبر السكوت فيها كالنطق، فمسائلها محصورة معدودة بالاستقراء حيث أوصلها بعض الفقهاء إلى نيف وأربعين مسألة، منها: سكوت البكر عند استثمار وليها قبل التزويج. سكوتها عند قبض أبيها مهرها من زوجها. سكوتها إذا بلغت بكراً فلا خيار لها بعده. لو حلفت أن لا تتزوج فزوجها أبوها فسكتت حنثت.

стр. 197

سكوت المتصدق عليه يعتبر قبولاً بخلاف الموهوب له. سكوت الوكيل قبول ويرتد برده. إذا سكت المحرم، وقد حلق رأسه حلال، مع القدرة على منعه، لزمه الفدية في الأصح. القراءة على الشيخ وهو ساكت ينزل منزلة نطقه في الأصح. إذا قال الزوج المطلق رجعياً، قد راجعت، والزوجة تسمع فتسكت، ثم تدعي من الغد أن عدتها كانت قد انقضت، فلا يعتد بقولها هذا، ويعتبر سكوتها إقراراً بالرجعة.

стр. 198

-- القاعدة الكلية الفرعية العاشرة: قاعدة: (لا عبرة بالتوهم) . معنى القاعدة: (ا) في اللغة: لا عبرة: أي لا اعتبار ولا اعتداد. التوهم: التخيل والتمثل في الذهن، وهو أدنى درجة من الظن أو الشك، والمراد به هنا تخيل غير الواقع، أي الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول، فهذا لا ينبني عليه حكم، ولا يمنع القضاء ولا يؤخر الحقوق؛ لأن التوهم غير مستند إلى دليل عقلي أو حسي، بل هو أحط درجة من الشك. (ب) معنى القاعدة في الاصطلاح: (لا يثبت حكم شرعي استناداً إلى وهم، كما لا يجوز تأخير الشيء الثابت بصورة قطعية بوهم طارئ) . وقد ذكر الحنفية لذلك أصلاً في بدائع الصنائع: (بأن ما لم يكن نابتاً إذا وقع الشك في ثبوته لا يثبت مع الشك فكيف مع التوهم؟ فهو باطل لا يثبت معه حكم شرعي، كما لا يؤخر لأجله حكم شرعي. أمثلة لهذه القاعدة وفروع عليها: لو اشتبهت عليه القبلة فصلى إلى جهة بدون نحر ولا اجتهاد، لا تصح صلاته؛ لابتنائها على مجرد الوهم، بخلاف ما لو تحرى واجتهد مع غلبة الظن إذ تصح

стр. 199

صلاته وإن أخطأ القبلة. ومنها إذا مات الشهود أو غابوا بعد أداء الشهادة في المعاملات فللحاكم أن يزكيهم ويحكم بشهادتهم، ولا يؤخر الحكم لتوهم رجوعهم عن الشهادة؛ لأن التوهم لا عبرة به. وكذلك لو مات مدين عن تركة مستغرقة بالديون، وطلب الغرماء من القاضي بيعها وتقسيم أثمانها بينهم، يفعل ولا يؤخر العمل بمجرد احتمال ظهور دائن آخر، إذ لا عبرة بالتوهم، فلو فرض ظهور دائن آخر يستوفي حقه على حسب الأصول المشروعة. ومنها ما لو كان لدار شفيعان أحدهما غائب فللحاضر أن يأخذ كل الدار بالشفعة لأن سبب ثبوت الحق على الكمال وجد في حقه، وقد تأكد بالطلب، ولم يعرف تأكد حق الغائب، لأنه يحتمل أن يطلب وأن لا يطلب أو يعرض، فلم يقع التعارض والتزاحم، فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقه الثابت بحق محتمل، ولا عبرة بالتوهم.

стр. 200

-- القاعدة الكلية الفرعية الحادية عشرة: قاعدة: (لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه) . الظن: هو إدراك الاحتمال الراجح الذي ظهر رجحانه على نقيضه بدليل معتبر، فإذا ازداد قوة حتى أصبح خلافه موهوماً فهو غالب الظن. معنى هذه القاعدة الاصطلاحي: (إذا بني فعل من حكم أو استحقاق على ظن ثم تبين خطأ ذلك الظن فيجب عدم اعتبار ذلك الفعل وإلغاؤه) . مجالات اعتبار هذه القاعدة: هذه القاعدة لها فروع مختلفة الأنواع تشمل: الاجتهاديات وأحكام القضاة والعبادات والمعاملات الجارية بين الناس من عقود وإقرار وإبراء وغيرها، فالعبرة في جميع ذلك لما في نفس لا لخطأ الظن، فكل ما كان مبنياً على خطأ الظن لا يعتبر. فروع لهذه القاعدة وأمثلة لها: المجتهد في المسائل الظنية إذا عرض له استنباط أو دليل آخر أقوى فيجب عليه الرجوع عن قوله الأولى إلى ذلك القول الآخر، لأن القول الأول ثبت أنه كان مبنياً على ظن خاطئ. والقاضي إذا حكم على ظن أن حكمه موافق للشرع وهو في نفس الأمر ليس كذلك فحكمه باطل لا عبرة به، ويجب الرجوع إلى الحكم الموافق للشرع، كما لو ظهر أن الشهود عبيد، مثلاً بطل حكمه.

стр. 201

لو وكل دائن وكيلاً بقبض دين له على رجل، ثم وهب الموكل الدين للمدين للمدين. والوكيل لا يعلم وقبض الوكيل الدين من المدين وهلك في يده، يرجع المدين على الموكل، لأن العبرة لما في نفس الأمر لا لخطأ الظن. وكذلك لو ادعت امرأة نكاحاً على رجل فأنكر، ثم صالحها على مال بذله لها، لا يجوز وله أن يسترد المال لأنه لا يخلو الحال من أحد أمرين: إما أن يكون النكاح ثابتاً، أو غير ثابت، فإن لم يكن النكاح ثابتاً كان دفع المال إلى المرأة من الرجل بمعنى الرشوة، وإن كان النكاح ثابتاً فلا تثبت الفرقة بهذا الصلح، لأن العوض في الفرقة تعطيه الزوجة لا الزوج، فلا يكون المال الذي تأخذه المرأة عوضاً عن شيء، فلا يجوز، فهو ظن بيِّن الخطأ. إذا قال الزوج لزوجته: إن كان زيد في الدار فأنت طالق ثلاثاً، ومضى مع زوجته على ظن أن زيداً ليس في الدار، ثم تبين في الغد وجوده فيها، فتعتبر الزوجة طالقاً من حين القول، وتعتد منه لا من وقت التبين. كذلك كل أمر يوجب نقض القسمة للتركة بعد وقوعها، كما لو ظهر دين على الميت بعد القسمة، أو ظهر وارث آخر كان غائباً، أو ثبت فيها خطأ فاحش، فيجب نقض القسمة؛ إذ لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه. وفي العيادات لو ظن الماء نجساً فتوضأ به ثم تبين أنه طاهر، جاز وضوءه إذا لم يصل. وأما إذا صلى فيعيد الصلاة. ولو ظن المدفوع إليه غير مصرف للزكاة فدفع له، ثم تبين أنه مصرف، أجزأه اتفاقاً.

стр. 202

لو ظن أنه متطهر فصلى ثم تبين له الحدث، أو ظن دخول الوقت فصلى ثم تبين أنه صلى قبل الوقت، أو ظن طهارة الماء فتوضأ به ثم تبين نجاسته، ففي كل ذلك لا اعتداد بظنه لأنه ظن تبين خطؤه. استثناءات من هذه القاعدة: باع شخص حيواناً من آخر، فطلبه جاره بالشفع، فظن المشتري أن الشفعة تجري في المنقول كما في غيره، وسلم الحيوان للشفيع برضاه واختياره، فليس له بعد ذلك، إذا اطلع على خطئه، استرداد الحيوان، لأنه بتسليمه المبيع يكون قد عقد بينه وبين ذلك الرجل عقداً جديداً. لو أعطى زكاته من ظنه مصرفاً لها ثم تبين أنه غنى أو أنه ابنه، أجرأه عند أبي حنيفة ومحمد وجمهور الفقهاء، ولم يجزئه عند أبي يوسف، ولكن لو تبين أنه عبده أو مكاتبه أو حربي لم يجزئه اتفاقاً. لو صلى في ثوب وعنده أنه نجس فظهر أنه طاهر، أعاد الصلاة. وكذلك لو صلى وعنده أنه محدث ثم ظهر أنه متوضئ، أعاد كذلك. ولو صلى الفرض وعنده أن الوقت لم يدخل فظهر أنه كان قد دخل، لم يجزئه ووجب عليه إعادة الصلاة. إذا رأى المتيمم ركباً فظن أن معهم ماء توجه عليه الطلب. لو خاطب امرأته بالطلاق وهو يظنها أجنبية أو عبده بالعتق، وهو يظنه لغيره نفذ طلاقه وعتقه، ولا عبرة بخطأ ظنه في كل هذه المسائل.

стр. 203

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية عشرة: قاعدة: (الممتنع عادة كالممتنع حقيقة) : الممتنع حقيقة: هو المستحيل الذي لا يمكن وقوعه عقلاً، كمن ادعى على من هو أصغر منه أو مساويه سناً أنه أبوه، فهذا الادعاء غير مقبول قطعاً للاستحالة. وأما الممتنع عادة: فهو الذي لم يعهد وقعه وإن كان فيه احتمال عقلي بعيد، كما لو ادعى معروف الفقر أموالاً عظيمة على آخر أنه اقترضها منه دفعة واحدة، أو غصبها منه حال كونه لم يرث ولم يصب مالاً، لا تسمع هذه الدعوى لأنها مستحيلة عادة. مقدمات: المقدمة الأولى: الشيء الممتنع عند الأصوليين والمتكلمين ينقسم إلى قسمين: الأول: الممتنع حقيقة وهو نوعان: (ا) أن يكون امتناع وقوعه عقلاً لذاته، كشريك الباري سبحانه، واجتماع النقيضين والجمع بين الضدين. (ب) أن يكون امتناع وقوعه لغيره، وهو ما يمتنع لعلم الله بعدم وقوعه؛ لعدم تعلق الإرادة كإيمان أبي جهل مثلاً، فإنه ممكن في نفسه ممتنع لغيره، وهو تعلق علم الله وإرادته بعدم وقوعه. فالأول: وهو الممتنع لذاته لا نزاع بين أهل السنة والمعتزلة في عدم وقوع التكليف به، كما أنه لا نزاع بين الطرفين في وقوع التكليف بالثاني وهو الممتنع لغيره.

стр. 204

الثاني: الممتنع عادة، كالصعود إلى السماء مثلاً، فالجمهور على أن التكليف به غير واقع، خلافاً للأشعري القائل بوقوعه، مع الاتفاق على جواز التكليف به. المقدمة الثانية: إن الفقهاء الذي لا ينظرون إلا في أحكام المكلفين عندهم أن الممنوع عادة كالممنوع حقيقة، فالمرء مؤاخذ بإقراره مع أنه قد يكون كاذباً إلا أنه لما كان إقرار الإنسان على نفسه كذباً بما هو ضرر عليه ممتنعاً في العادة نزّل الممتنع في العادة منزلة الممتنع في الحقيقة فكان مؤاخذاً. من فروع هذه القاعدة وأمثلتها: من أقر بثوب في ثوب أو في منديل لزمه الثوبان أو الثوب والمنديل، لأن الثوب قد يظرف في ثوب أو في منديل فيلزمه بإقراره الظرف والمظرف فيه. ومن أقر بثوب في عشرة أثواب لزمه ثوب واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن العادة تمنع أن يلف في عشرة أثواب، فكان كالممتنع حقيقة، وأما عند محمد فيلزمه أحد عشر ثوباً، لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب، فأمكن جعلها ظرفاً له. ويدخل تحت هذه القاعدة كل شيء مستبعد في العادة. استثناء من هذه القاعدة: استثنى من هذه القاعدة فلم يعتبر الممتنع عادة كالممتنع حقيقة في اليمين عند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، حيث إن شرط انعقاد اليمين عنده أن تكون في أمر في المستقبل ممكن أو غير ممكن، أما كون المحلوف عليه متصور الوجود عادة فهو ليس بشرط عنده، فإذا قال إنسان: والله لأشربن الماء الذي في هذه الكأس

стр. 205

معتقداً أن معتقداً فيها ماء، فإذا هي لا ماء فيها، حنث عند أبي يوسف وحده، ولم تنعقد اليمين عند جمهور الحنفية ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، لأن شرط انعقاد اليمين عندهم أن تكون على أمر في المستقبل مع إمكان البر أو الحنث، أما مع عدم الإمكان فلا تنعقد، وكذلك لو حلف لأقتلن فلاناً معتقداً حياته، وهو ميت ولا يعلم بموته، فتنعقد اليمين عند أبي يوسف، ولا تنعقد عند جمهور الفقهاء لأن المحلوف عليه غير متصور الوجود عادة.

стр. 206

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة عشرة: قاعدة: (لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل) : معاني المفردات: الحجة: معناها البرهان. الدليل: مأخوذ من الدلالة، ومعناها الإرشاد، والدليل اصطلاحاً: كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم أو الظن بشيء آخر، أو هو كومن الشيء بحيث يلزم من الظن به الظن بشيء آخر. معنى القاعدة اصطلاحاً: (إنه لا حجة مقبولة أو مفيدة مع الاحتمال الذي ينشأ عن دليل ظني أو قطعي بوجود تهمة) . وأصل هذه القاعدة في تأسيس النظر: (إن التهمة إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله) وهذا عند أبي حنيفة دون صاحبيه ودون الشافعي. ومعنى تمكن التهمة أن لها مؤيداً من ظاهر الحال وليست مجرد توهم. ومن فروع هذه القاعدة وأمثلتها: لو أقر شخص من مرض موته لبعض ورثته بدين، لا ينفذ إقراره إلا بتصديق باقي الورثة، لأن احتمال اتخاذ هذا الإقرار مطية لترجيح بعض الورثة على بعض في الإرث هو احتمال قوي تدل عليه حالة المرض. وأما إذا كان الإقرار في حال الصحة فجائز، واحتمال إرادة حرمان

стр. 207

بعض الورثة حينئذ من حيث إنه احتمال مجرد ونوع من التوهم لا يمنع حجية الإقرار. أما لو أقر لأجنبي فإنه يصح بمنزلة إقراره في حال صحته، لأن هذا من حوائجه، فإنه يحتاج إلى إظهار ما عليه ليفك رقبته، وحاجته مقدمة على حق الورثة. وهذا أي الإقرار في مرض الموت عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله، وأما عند مالك فإن كان المورث لا يتهم صح وإلا لم يصح، وعند الشافعي يصح إقراره.

стр. 208

-- القاعدة الثالثة من القواعد الكلية الكبرى: قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) : معنى القاعدة: (ا) في اللغة: المشقة في اللعب: التعب من قولك شق علي الشيء يشق شقاً ومشقة إذا أتعبك. ومنه قوله تعالى: (وتحمِلُ أثقالَكُم إلى بلدٍ لم تكونوا بالِغيه إلا بشقِ الأنفُس) . سورة النحل، آية (٧) . أي تعبها ومن معاني المشقة الانكسار والجهد والعناء. والتيسير في اللغة: السهولة والليونة، يقال يَسر الأمر إذا سهل ولان، ومنه الحديث: (إن الدين يسر) أي سهل سمح. قليل التشدد، واليسر ضد العسر. والمعنى اللغوي الإجمالي للقاعدة: (إن الصعوبة والعناء تصبح سبباً للتسهيل) . (ب) المعنى الشرعي الاصطلاحي للقاعدة: (إن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج) . أدلة هذه القاعدة: لهذه القاعدة أدلة كثيرة من الكتاب العزيز، ومن السنة المطهرة، وعمومات الشريعة النافية للحرج، ومشروعية الرخص، والإجماع الدال على عدم التكليف

стр. 209

بالشاق من الأعمال، وهي تلك الأدلة التي تشير إلى أن الشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، وتبين أن أصل الشريعة مبني على السماحة واليسر دون الإعنات والعسر. أولاً: الأدلة من الكتاب العزيز: ١. قوله تعالى: (يُريدُ الله بكُمُ اليسر ولا يريدُ بكم العُسر) . البقرة، آية (١٨٥) . ٢. قوله تعالى: (لا يُكلف الله نفساً إلا وُسعَها) . البقرة، آية (٢٨٦) . ٣. وقوله جل ذكره: (ربنا ولا تحمِل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلِنا ربنا ولا تُحملنا ما لا طاقة لنا به) . البقرة، آية (٢٨٦) . ٤. قوله سبحانه: (يُريد الله أن يخفف عنكم) . النساء، آية (٢٨) . ٥. قوله تعالى: (ما يُريد الله ليجعَل عليكُم من حَرَجٍ) . سورة المائدة، آية (٦) . ٦. قوله جل ذكره: (ويضَعُ عنهم إصرَهُم والأغلالَ التي كانتْ عليهِم) . سورة الأعراف، آية (١٥٧) . ٧. قوله سبحانه: (وما جَعَلَ عليكُم في الدّينِ مِنْ حَرجٍ) . سورة الحج، آية (٧٨) . ثانياً: من السنة المطهرة: ١. قوله ﵊: (بعثت بالحنيفية السمحة) .

стр. 210

٢. وقوله ﵊ فيما رواه ابن عباس ﵄ وقد سئل أي الأديان أحب إلى الله قال: (الحنيفية السمحة) . ٣. ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة وغيره: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) . ٤. وما رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: (إن الله شرع الدين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً ولم يجعله ضيقاً) . ٥. وقول عائشة ﵂: (ما خير رسول الله ﷺ بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) . ٦. قوله ﵊: (إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . ثالثاً: ما ثبت من مشروعية الرخص: وهذا أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة بالضرورة: كرخص القصر والفطر والجمع، وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعاً على مطلق رفع الحرج والمشقة. وكذلك ما جاء في النهي عن التعمق والتكلف، وعن كل ما يسبب الانقطاع عن دوام الأعمال. ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكليف لما كان ثم ترخص ولا تخفيف.

стр. 211

رابعاً: الإجماع على عدم وقوع التكليف بالشاق من الأعمال. وهو يدل دلالة قطعية على عدم قصد الشارع الحكيم إليه. والأدلة على سماحة الشريعة أكثر من أن تحصر، لأن أحكام الشريعة كلها مبنية على التيسير ومصالح العباد، وكيف لا تكون كذلك وهي الشريعة السمحة التي جعل الشارع الحكيم من أهم مقاصدها مصلحة العباد في دنياهم وأخراهم ودرء المفاسد والمشاق عنهم. فلو أن كل واحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه، ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه، ولا يأخذه إلا بكماله، ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه لكان في ذلك مشقة عظيمة، ولكن حرصاً من الشارع الحكيم على مصلحة عباده، ودفعاً للمشقة عنهم سهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة والإعارة والقرض، وبالاستعانة بالغير وكالة وإيداعاً وشركة ومضاربة ومساقاة، وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثيق على الدين برهن أو كفيل ولو بالنفس، وبإسقاط بعض الدين صلحاً أو كله إبراءً، ولحاجة افتداء اليمين جوز الشرع الصلح عن إنكار. ومن الأدلة على رعاية الشرع لمصالح العباد جوازُ تعاطي العقود الجائزة، لأن لزومها لو وجبت، شاق فيكون سبباً لعدم تعاطيها، ووقف عزل الوكيل والقاضي على علمهما بالعزل دفعاً للحرج. ومنها: مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط فيه في حال حياته، ومنها إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ، والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن دون القطع واليقين. ومنها: إباحة الشارع النظر إلى الأجنبية للطبيب والشاهد وعند الخطبة وللسيد.

стр. 212

ومنها: جواز النكاح من غير نظر لما في اشتراطه من المشقة التي لا يتحملها كثير من الناس في بناتهم وأخواتهم من نظر كل خاطب، ولم يكن في النكاح خيار رؤية كالبيع. ومنها: إباحة أربع نسوة تيسيراً على الرجل وعلى النساء لكثرتهن. ومنها: مشروعية الطلاق لما في إبقاء الزوجية مع التنافر من المشقة، وكذلك مشروعية الخلع والافتداء والرجعة في العدة قبل الثلاث. ومنها: مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيراً على المكلفين، وكذلك التخيير في كفارة اليمين لتكريرها، إلخ ما في هذه الشريعة السمحة من أحكام مبنية على اليسر، وما ذكرناه غيض من فيض هذه الشريعة الدال على السماحة واليسر ودفع الحرج. والناظر في التخفيفات الواردة في الشرع يرى أنها لا تخرج عن أحد نوعين: الأول: نوع شرع من أصله للتيسير وهو عموم التكاليف الشرعية في الأحوال العادية. الثاني: نوع شرع لما يوجد من الأعذار والعوارض وهو المسمى بالرخصة وهو المقصود من قاعدتنا هذه. فقاعدة: (المشقة تجلب التيسير) إذاً مجالها الرخص بأنواعها والعوارض سماوية كانت أم غير سماوية، فهي قاعدة الضرورات والاضطرار بخلاف قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) الآتية. الرخصة ومعناها:

стр. 213

(ا) في اللغة: هي السهولة واللين واليسر والتوسع، قال ابن فارس: الراء والحاء والصاد أصل يدل على لين وخلاف شدة، من ذلك اللحم الرخص: هو الناعم، ومن ذلك الرخص: خلاف الغلاء، والرخصة في الأمر: خلف التشديد. وقال في المصباح المنير: والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير فيه، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصاً إذا سهله ويسره، وفلان يترخص في الأمر أي لم يتسقص، وقضيب رخِص: أي طري لين ورَخُُص البدن رخصة إذا نَعُم ولان ملْمسه. (ب) في اصطلاح الفقهاء: (هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناءً على الأعذار مع قيام الدليل المحرم، توسعاً في الضيق) . وكان ذلك كذلك لأن من الأحكام ما ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة تصيبه في نفسه أو ماله أو ضرورة من ضرورياته بسبب مرض أو فقر أو ظرف خاص طارئ، فالشريعة رحمة بالمكلف تخفف هذه الأحكام وتبدلها بما يقع تحت قدرة المكلف تيسيراً عليه ودفعاً للإحراج والتضييق والتشديد. وعلى هذا الأساس جُعل المرض والسفر رخصة في الواجبات الدينية كالصلاة والصوم، فأسقطت الشرعية بعضها وخففت بعضاً آخر وأخرت ثالثاً إذ أسقطت الشريعة عن المريض والمسافر صلاة الجمعة، وشُرع قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وجواز الصلاة قاعداً أو مضجعاً لمن لم يستطع القيام أو القعود، وشرع إباحة الفطر

стр. 214

للمسافر والمريض وقضاء الصوم حين الإقامة والصحة. كما شرع بيع السلم مع أنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل، ولكن لحاجة الناس جُوِّز هذا العقد تيسيراً وتسهيلاً. وكذلك الخطأ في الأفعال والتصرفات يبدل الأحكام العامة المقررة لها في حال العقد، لأن المؤاخذة على الخطأ كالعمد فيه إحراج عظيم على المكلفين. وقلة عدالة الشهود تسوغ قبول شهادة الأمثل فالأمثل. أنواع المشاق والمشقة الميسرة: المشاق التي يتعرض لها المكلف تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مشقة في الحدود العادية، وهي المشقة التي لا تنفك عنها العبادة غالباً، ويستلزمها أداء الواجبات والقيام بالمساعي التي تقتضيها الحياة الصالحة، كما لا يمكن انفكاك التلكيفات المشروعة عنها، لأن كل واجب لا يخلو عن مشقة كمشقة العلم واكتساب المعيشة، ومشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود ورجم الزناة، وقتل الجناة وقتال البغاة، في حال الصحة والقدرة، فهذه المشقة لا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات، لأن لكل تكليف منها نوع مشقة تستلزمها طبيعته وتختلف بحسبه درجته، وهذا لا ينافي التكليف ولا يوجب التخفيف، لأن التخفيف فيه حينئذ إهمال وتفريط، فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، ولقد جعل الله له القدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف. ولقد رأينا بالدليل أن الشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه.

стр. 215

القسم الثاني: وهو ثلاث مراتب: الأولى: مشقة عظيمة فادحة تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كما إذا كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو يؤدي إلى خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد وموجبة للتخفيف والترخيص قطعاً؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات. ومن أمثلتها: الخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد بأن لا يجد مكاناً يؤويه ولا ثوباً يتدفأ به ولا ماء مسخناً ولا حماماً، فجاز له التيمم. وكذا إذا لم يجد للحج إلا طريقاً من البحر وكان الغالب عدم السلامة فلا يجب عليه الحج. المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف، فهذا وأمثاله لا أثر له ولا التفات إليه، لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها. المرتبة الثالثة: متوسطة بين هاتين، فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف، أو من المرتب المرتب الدنيا لم يوجبه كحمى خفيفة أو وجع ضرس يسير وذلك كمريض في رمضان يخاف من الصوم زيادة مرض أو بطء البرء أو تأخيره، فيجوز له الفطر إذا غلب على ظنه ذلك، وهكذا في المرض المبيح للتيمم، واعتبروا في الحج الزاد والراحلة المناسبين للشخص، حتى قالوا، يعتبر في حق كل إنسان ما يصح معه بدنه. عوامل المشقة الميسرة وأسباب التخفيف:
следующие страницы →