Полный текст (399 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
رابعاً: الإجماع على عدم وقوع التكليف بالشاق من الأعمال.
وهو يدل دلالة قطعية على عدم قصد الشارع الحكيم إليه.
والأدلة على سماحة الشريعة أكثر من أن تحصر، لأن أحكام الشريعة كلها مبنية على التيسير ومصالح العباد، وكيف لا تكون كذلك وهي الشريعة السمحة التي جعل الشارع الحكيم من أهم مقاصدها مصلحة العباد في دنياهم وأخراهم ودرء المفاسد والمشاق عنهم.
فلو أن كل واحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه، ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه، ولا يأخذه إلا بكماله، ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه لكان في ذلك مشقة عظيمة، ولكن حرصاً من الشارع الحكيم على مصلحة عباده، ودفعاً للمشقة عنهم سهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة والإعارة والقرض، وبالاستعانة بالغير وكالة وإيداعاً وشركة ومضاربة ومساقاة، وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثيق على الدين برهن أو كفيل ولو بالنفس، وبإسقاط بعض الدين صلحاً أو كله إبراءً، ولحاجة افتداء اليمين جوز الشرع الصلح عن إنكار.
ومن الأدلة على رعاية الشرع لمصالح العباد جوازُ تعاطي العقود الجائزة، لأن لزومها لو وجبت، شاق فيكون سبباً لعدم تعاطيها، ووقف عزل الوكيل والقاضي على علمهما بالعزل دفعاً للحرج.
ومنها: مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط فيه في حال حياته، ومنها إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ، والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن دون القطع واليقين.
ومنها: إباحة الشارع النظر إلى الأجنبية للطبيب والشاهد وعند الخطبة وللسيد.
стр. 212
ومنها: جواز النكاح من غير نظر لما في اشتراطه من المشقة التي لا يتحملها كثير من الناس في بناتهم وأخواتهم من نظر كل خاطب، ولم يكن في النكاح خيار رؤية كالبيع.
ومنها: إباحة أربع نسوة تيسيراً على الرجل وعلى النساء لكثرتهن.
ومنها: مشروعية الطلاق لما في إبقاء الزوجية مع التنافر من المشقة، وكذلك مشروعية الخلع والافتداء والرجعة في العدة قبل الثلاث.
ومنها: مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيراً على المكلفين، وكذلك التخيير في كفارة اليمين لتكريرها، إلخ ما في هذه الشريعة السمحة من أحكام مبنية على اليسر، وما ذكرناه غيض من فيض هذه الشريعة الدال على السماحة واليسر ودفع الحرج.
والناظر في التخفيفات الواردة في الشرع يرى أنها لا تخرج عن أحد نوعين:
الأول: نوع شرع من أصله للتيسير وهو عموم التكاليف الشرعية في الأحوال العادية.
الثاني: نوع شرع لما يوجد من الأعذار والعوارض وهو المسمى بالرخصة وهو المقصود من قاعدتنا هذه.
فقاعدة: (المشقة تجلب التيسير) إذاً مجالها الرخص بأنواعها والعوارض سماوية كانت أم غير سماوية، فهي قاعدة الضرورات والاضطرار بخلاف قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) الآتية.
الرخصة ومعناها:
стр. 213
(ا) في اللغة:
هي السهولة واللين واليسر والتوسع، قال ابن فارس: الراء والحاء والصاد أصل يدل على لين وخلاف شدة، من ذلك اللحم الرخص: هو الناعم، ومن ذلك الرخص: خلاف الغلاء، والرخصة في الأمر: خلف التشديد.
وقال في المصباح المنير: والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير فيه، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصاً إذا سهله ويسره، وفلان يترخص في الأمر أي لم يتسقص، وقضيب رخِص: أي طري لين ورَخُُص البدن رخصة إذا نَعُم ولان ملْمسه.
(ب) في اصطلاح الفقهاء:
(هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناءً على الأعذار مع قيام الدليل المحرم، توسعاً في الضيق) .
وكان ذلك كذلك لأن من الأحكام ما ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة تصيبه في نفسه أو ماله أو ضرورة من ضرورياته بسبب مرض أو فقر أو ظرف خاص طارئ، فالشريعة رحمة بالمكلف تخفف هذه الأحكام وتبدلها بما يقع تحت قدرة المكلف تيسيراً عليه ودفعاً للإحراج والتضييق والتشديد.
وعلى هذا الأساس جُعل المرض والسفر رخصة في الواجبات الدينية كالصلاة والصوم، فأسقطت الشرعية بعضها وخففت بعضاً آخر وأخرت ثالثاً إذ أسقطت الشريعة عن المريض والمسافر صلاة الجمعة، وشُرع قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وجواز الصلاة قاعداً أو مضجعاً لمن لم يستطع القيام أو القعود، وشرع إباحة الفطر
стр. 214
للمسافر والمريض وقضاء الصوم حين الإقامة والصحة.
كما شرع بيع السلم مع أنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل، ولكن لحاجة الناس جُوِّز هذا العقد تيسيراً وتسهيلاً.
وكذلك الخطأ في الأفعال والتصرفات يبدل الأحكام العامة المقررة لها في حال العقد، لأن المؤاخذة على الخطأ كالعمد فيه إحراج عظيم على المكلفين.
وقلة عدالة الشهود تسوغ قبول شهادة الأمثل فالأمثل.
أنواع المشاق والمشقة الميسرة:
المشاق التي يتعرض لها المكلف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مشقة في الحدود العادية، وهي المشقة التي لا تنفك عنها العبادة غالباً، ويستلزمها أداء الواجبات والقيام بالمساعي التي تقتضيها الحياة الصالحة، كما لا يمكن انفكاك التلكيفات المشروعة عنها، لأن كل واجب لا يخلو عن مشقة كمشقة العلم واكتساب المعيشة، ومشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود ورجم الزناة، وقتل الجناة وقتال البغاة، في حال الصحة والقدرة، فهذه المشقة لا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات، لأن لكل تكليف منها نوع مشقة تستلزمها طبيعته وتختلف بحسبه درجته، وهذا لا ينافي التكليف ولا يوجب التخفيف، لأن التخفيف فيه حينئذ إهمال وتفريط، فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، ولقد جعل الله له القدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف.
ولقد رأينا بالدليل أن الشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه.
стр. 215
القسم الثاني: وهو ثلاث مراتب:
الأولى: مشقة عظيمة فادحة تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كما إذا كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو يؤدي إلى خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد وموجبة للتخفيف والترخيص قطعاً؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات.
ومن أمثلتها: الخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد بأن لا يجد مكاناً يؤويه ولا ثوباً يتدفأ به ولا ماء مسخناً ولا حماماً، فجاز له التيمم.
وكذا إذا لم يجد للحج إلا طريقاً من البحر وكان الغالب عدم السلامة فلا يجب عليه الحج.
المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف، فهذا وأمثاله لا أثر له ولا التفات إليه، لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها.
المرتبة الثالثة: متوسطة بين هاتين، فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف، أو من المرتب المرتب الدنيا لم يوجبه كحمى خفيفة أو وجع ضرس يسير وذلك كمريض في رمضان يخاف من الصوم زيادة مرض أو بطء البرء أو تأخيره، فيجوز له الفطر إذا غلب على ظنه ذلك، وهكذا في المرض المبيح للتيمم، واعتبروا في الحج الزاد والراحلة المناسبين للشخص، حتى قالوا، يعتبر في حق كل إنسان ما يصح معه بدنه.
عوامل المشقة الميسرة وأسباب التخفيف:
стр. 216
ومع أن أصل الشريعة كما رأينا مبناه على التيسير ودفع الجرح، فقد شرعت إلى جانب ذلك رخص التسهيل تابعة للعوارض التي تصيب الإنسان سماوية كانت أو غير سماوية، فمن العوارض السماوية المسببة للتخفيف:
الصغر والجنون والعته والنسيان والنوم والإغماء والرق والمرض والموت والحيض والنفاس.
فالصغر يرفع التكليف ويسقط به ما يحتمل السقوط عن البالغ بالجنون لأن التكليف مناطه العقل والجنون المطبق يسقط به كل العبادات والتكاليف.
والعته أدنى درجة من الجنون أو هو نوع منه يمنع العهدة، ويصح من المعتوه ما لا عهدة فيه كالصبي المميز.
والنسيان يكون عفواً في حقوق الله تعالى، وهو عذر في سقوط الإثم، لا في حقوق العباد.
والنوم لما كان عجزاً عن استعمال القدرة وجب تأخير الخطاب ولم يمنع الوجوب، والنوم مناف للاختيار.
ومثل النوم الإغماء، إلا إذا امتد فيسقط به الأداء، وذلك إذا زاد عن يوم وليلة.
أما الرق فهو عجز حكمي لا حقيقي، يسقط عن العبد الجمعة والحج.
والمرض شرعت العبادات عليه بالقدرة الممكنة.
والحيض والنفاس، وهما لا يعدمان الأهلية، ولكن تسقط بهما الصلاة ويؤخر الصوم دفعاً للحرج.
والموت يسقط كل التكاليف الدنيوية ويبقى للميت ما تقتضي به الحاجة من تجهيز وديون ووصايا.
стр. 217
وأما العوارض المكتسبة: فمنها:
الجهل بالشريعة في دار الحرب من مسلم لم يهاجر إلينا، فيعذر بالجهل بالأحكام، ويلحق به جهل الشفيع بالبيع حيث يكون له عذراً، وله حق الشفعة حين يعلم، ويلحق به جهل الأمة إذا عتقت أن لها خيار العتق.
ومن العوارض المكتسبة: السفه، والمراد به هنا الإساءة بالتصرف في المال، فيحجر على السفيه في ماله نظراً له.
والسفر من أسباب التخفيف.
والخطأ كذلك فهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى.
والإكراه عذر فإن له رخصاً معلومة.
أسباب التخفيف:
وقد حصر بعض الفقهاء أسباب التخفيف في سبعة أسباب رئيسية هي:
الأول: السفر، ورخصه تتعلق بقصر الصلاة، وتأخير الصوم، والمسح أكثر من يوم وليلة في السفر الطويل، وترك الجمعة، والتنفل على الدابة به وبالسفر القصير.
الثاني: المرض، ورخصه كثيرة كالتيمم عند الخوف من استعمال الماء بزيادة المرض أو تأخير الشفاء، وكالقعود في صلاة الفرض والاضطجاع والإيماء فيها، والتخلف عن الجماعة مع حصول الفضيلة، والفطر في رمضان للشيخ الفاني مع وجوب الفدية عليه، وإباحة النظر للطبيب حتى العورة والسوأتين.
الثالث: الإكراه، ومن رخصه جواز النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان.
الرابع: النسيان، ومن خصه رفع الإثم بسببه، وعدم الفطر له أكل أو شرب ناسياً، وعدم القضاء عند غير مالك ﵀.
الخامس، الجهل، وهو أربعة أنواع:
стр. 218
١. جهل باطل لا يصلح عذراً في الآخرة كجهل الكافر بصفات الله تعالى وأحكام الآخرة، وجهل صاحب الهوى، وجهل الباغي، وجهل من خالف في اجتهاده الكتاب والسنة المشهورة والإجماع.
٢. الجهل في موضوع الاجتهاد الصحيح أو في موضع الشبهة فهو يصلح عذراً، كمن زنى بجارية ولده أو جارية زوجته على ظن أنها تحل له.
٣. الجهل في دار الحرب من مسلم لم يهاجر، فهو عذر في حقه، فلو شرب الخمر جاهلاً حرمتها لم يعاقب.
٤. جهل الشفيع بحقه في المشفوع، وجهل الأمة بالإعتاق، وجهل البكر بنكاح الولي، ففي هذه الثلاثة يعتبر الجهل عذرا حتى يعلم.
السادس: العسر وعموم البلوى، كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها، ونجاسة المعذور التي تصيب ثيابه، وطين السوق، ومس المصحف للصبيان للتعلم.
وهذا السبب يعتبر من أعم الأسباب وأهمها للترخيص، بل إن أحكام الشرع كلها مبنية على التخفيف لذلك السبب.
متى يعتبر العسر وعموم البلوى عذراً؟
يعتبر العسر وعموم البلوى عذراً في موضع لا نص فيه؛ لأنه لا اعتبار للبلوى في موضع النص، كحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر، وعدم العفو عن بول الآدمي يصيب الثوب أو البدن.
السابع: النقص، وبسببه لم يكلف الصبي ولا المجنون لنقص عقليهما، وفوض أمر أموالهما إلى الولي، وكذلك عدم تكليف النساء بكثير مما وجب على الرجال.
стр. 219
أنواع رخص الشرع التي ورد فيها التخفيف:
قسم الفقهاء الرخص الشرعية إلى سبعة أنواع:
١. رخصة إسقاط: كإسقاط العبادات عند وجود أعذارها كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وعدم وجوب الحج عمن لم يجد له طريقاً إلا البحر، وكان الغالب عدم السلامة، وعدم وجوب الحج على المرأة إذا لم تجد محرماً.
٢. رخصة تنقيص: أي إنقاص للعبادة لوجود العذر كالقصر في السفر، والقعود والاضطجاع والإيماء في الصلاة.
٣. رخصة إبدال: أي إبدال عبادة بعبادة، كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وإبدال القيام في الصلاة بالعقود أو الاضطجاع للمرض، وإبدال الركوع والسجود بالإيماء عند عدم الاستطاعة، ولا ينافي ذلك كونها رخصة تنقيص أيضاً؛ لأن القعود أنقص من القيام، والإيمان أنقص من الركوع والسجود، بل هو رخصة إسقاط أيضاً وإن كان إلى بدل، وإبدال الصيام بالإطعام عند عدم القدرة.
٤. رخصة تقديم: كالجمع بعرفات بين الظهر والعصر، وتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر على الفطر في رمضان.
٥. رخصة تأخير: كالجمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء، (هذا عند الحنفية فقط، وأما عند غيرهم فيجوز الجمع تقديماً وتأخيراً بعرفات ومزدلفة وغيرهما) ، وتأخير صيام رمضان للمسافر والحائض والنفساء، وتأخير الصلاة عن وقتها في حق مشتغل بإنقاذ غريق أو العناية بمريض يخشى عليه أو جريح تجري له عملية.
٦. رخصة اضطرار: كشرب الخمر للغصة، وأكل الميتة والخنزير عند المسغبة وخشبة الموت جوعاً.
٧. رخصة تغيير: كتغيير نظم الصلاة للخوف.
стр. 220
-- القواعد الكلية الفرعية المندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير .
القاعدة الأولى: (إذا ضاق الأمر اتسع من قول الإمام الشافعي ﵁ .
القاعدة الثانية: (إذا اتسع الأمر ضاق) .
هاتان القاعدتان متقابلتان ومعناهما: (أنه إذا ظهرت مشقة في أمر فيرخص فيه ويوسع فإذا زالت المشقة عاد الأمر إلى ما كان) .
أي أنه إذا حصلت ضرورة عارضة للشخص أو الجماعة أو طرأ ظرف استثنائي أصبح معه الحكم الأصلي للحالات العادية محرجاً للمكلفين ومرهقاً لهم حتى يجعلهم في ضيق من التطبيق، فإنه يخفف عنهم ويوسع عليهم حتى يسهل ما دامت تلك الضرورة قائمة، فإذا انفرجت الضرورة وزالت عاد الحكم إلى أصله، وهذا معنى (إذا اتسع ضاق) .
وفي الحقيقة هذا شأن الرخص كلها إذا اضطر الإنسان ترخص، وإذا زالت الأسباب الموجبة للترخيص عاد الأمر إلى العزيمة التي كان عليها.
أدلة هاتين القاعدتين:
لهاتين القاعدتين أدلة كثيرة من الكتاب والسنة نذكر منها:
أولاً من الكتاب: قوله : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تَقْصُرُوا
стр. 221
مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ١٠١، وَإِذا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَيْلَةً واحِدَةً، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِن كانَ بِكُمْ أَذًى مِن مَطَرٍ أَوْ كُنتُم مَرْضى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ؛ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ١٠٢، فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ، فَإِذا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ١٠٣) .
ففي الآيتين الأوليين دليل القاعدة الأولى، حيث إن الله سبحانه خفف على المؤمنين في حال الخوف فأباح لهم قصر الصلاة وتغيير كيفية أدائها وشرع لهم صلاة الخوف، وفي الآية الثالثة دليل القاعدة الثانية، حيث أمرهم سبحانه عند الاطمئنان وزوال حالة الخوف بإتمام الصلاة وأدائها على كيفيتها الأصلية.
ثانياً: من السنة ومنها:
ما أخرجه أبو داود عن عمرة بنت عبد الرحمن (هي عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة النجارية روت عن عائشة وأم سلمة وكانت عالمة، وكانت هي وأخواتها في حجر عائشة) ، قالت: سمعت عائشة تقول دَفَّ ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ (ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي) فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله لقد
стр. 222
كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله ﷺ : (وما ذاك) ؟ أو كما قال.
قالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال رسول الله ﷺ : (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا) .
وفي رواية عن نبيشة قال: قال رسول الله ﷺ : (إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا) .
فقد نهى رسول الله ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث أو فوق الثلث لما ضاق الأمر على المسلمين للحاجة حينما دفت الدافة، فلما اتسع الأمر وزالت الحاجة رجع الأمر إلى أصله، فأباح لهم الادخار والانتفاع كما كانوا قبل ذلك.
فإذاً لا تقتصر دلالة هاتين الآيتين على الترخص عند الطوارئ، بل تدلان أيضا على جواز نوع من التضييق على الناس لصالح أناس آخرين عند الحاجة الماسة إلى ذلك، إذا زالت تلك الحاجة رجع الأمر إلى ما كان عليه قبل نزول تلك الحاجة، وما سبق من السنة دليل على ذلك.
стр. 223
ومن فروع هاتين القاعدتين وأمثلتهما:
المدين إذا كان معسراً ولا كفيل له بالمال يترك إلى وقت الميسرة، وإذا لم يقدر على إيفاء الدين جملة يساعد على تأديته مقسطاً.
إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلاً يجوز ذلك كما قال الشافعي.
ومنها شهادة النساء والصبيان في الحمامات والمواضع التي لا يحضرها الرجال دفعاً لحرج ضياع الحقوق، والأصل في ذلك متفق عليه ولكن اختلفوا في الفروع.
ومنها شهادة القابلة على الولادة ضرورة حفظ الولد ونسبه.
ومنها إباحة أكل الميتة للمضطر، أو أكل مال الغير على أن يضمنه حفظاً للحياة.
ومنها الأعذار الموجبة لفسخ الإجارة دفعاً للضرر.
ومنها جواز الإجارة على الطاعات كتعليم القرآن والأذان والإمامة حفظاً للشعائر من الضياع.
стр. 224
-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة:
قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) :
هذه القاعدة أدرجها السيوطي وابن نجيم تحت قاعدة (الضرر يزال) ولكن لما كانت قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) نصاً في الترخص للاضطرار، وكما رأينا أن قاعدة (المشقة تجلب التيسير) تتعلق أيضاً بالرخص والتخفيضات الشرعية رأيت أن قاعدة (الضرورات) أولى بها أن تكون مندرج' تحت قاعدة المشقة، ومتفرعة عليها، وسنرى أن قاعدة (الضرر يزال) أو قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) مجالها الأوسع هو ما يتعلق بالعدوان على الأموال أو الأنفس والأطرف أو الحقوق. ومن هنا نرى أن هاتين القاعدتين غير متحدتين، خلافاً لما يراه بعضهم بل فيهما نوع تداخل بجامع أن كلاً منهما فيها دفع ضرر مع الاعتراف باختلاف أسباب الأضرار وعواملها ونتائجها في كل منهما، هذه القاعدة فقهية أصولية.
أصل هذه القاعدة ودليلها:
١. قوله تعالى: (وقد فصَّل لكُم ما حَرَّم عليكُم إلا ما اضطررتُم إليهِ) . سورة الأنعام، آية (١١٩) .
٢. وقوله تعالى: (فَمَن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عَلَيهِ إن اللهَ غفورٌ رحيمٌ) . سورة البقرة، آية (١٧٣) .
стр. 225
٣. وقوله تعالى: (فمن اضطرَّ في مَخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإن اللهَ غفورٌ رحيمٌ) . سورة المائدة، آية (٣) .
٤. وقوله تعالى: (فمن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنَّ ربكَ غفورٌ رحيمٌ) . الأنعام، آية (١٤٥) .
٥. وقوله تعالى: (فمن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإن الله غفورٌ رحيمٌ) . النحل، آية (١١٥) .
معنى القاعدة:
(ا) في اللغة:
الضرورات جمع ضرورة مأخوذة من الاضطرار وهو الحاجة الشديدة.
والضروري هنا ما لا يحصل وجود الشيء إلا به كالغذاء الضروري بالنسبة للإنسان.
والمحظورات جمع محظورة والمراد بها هنا الحرام المنهي عن فعله.
(ب) ومعنى القاعدة على ذلك اصطلاحاً:
(إن الممنوع شرعاً يباح عند الحاجة الشديدة، وهي الضرورة) .
من الأحكام التي تتعلق بفعل المكلف حكم يتعلق به أولاً وبالذات مقاصد أخروية، وهي إما عزيمة أو رخصة، وهذه القاعدة تتعلق بالرخص الشرعية.
أنواع الرخص التي تتخرَّج على قاعدة الضرورة:
стр. 226
النوع الأول: يفيد إباحة المرخص به (أي تغيير حكم الفعل ووصفه) ما دامت حالة الضرورة قائمة، وذلك كأكل الميتة للمضطر بقدر دفع الهلاك عند المجاعة، وأكل لحم الخنزير، وإساغة اللقمة عن الغصة بالخمر، أو عند العطش، أو عند الإكراه التام لا الناقص.
هذه الأشياء تباح عند الاضطرار لقوله تعالى: (إلا ما اضطررتم إليه) . أي دعتكم شدة الحاجة لأكلها، والاستثناء من التحريم إباحة.
وكما رأينا فإن الاضطرار كما يتحقق بالمجاعة يتحقق أيضاً بالإكراه التام فيباح التناول (وقد يصبح واجباً) ويحرم الامتناع حتى لو امتنع حتى مات أو قتل كان آثماً؛ لأنه بالامتناع صار ملقياً بنفسه إلى التهلكة وقد نهى عن ذلك.
وأما إن كان الإكراه ناقصاً كحبس أو ضرب لا يخاف منه التلف، فلا يحل له أن يفعل.
النوع الثاني: نوع من الرخص لا تسقط حرمته بحال أي أن الفعل يبقى حراماً لكن رخص في الإقدام عليه لحالة الضرورة كإتلاف مال المسلم أو القذف في عرضه أو إجراء كلمة الكفر على لسانه مع اطمئنان القلب بالإيمان (إذا كان الإكراه تاماً) فهذه الأفعال في نفسها محرمة مع ثبوت الرخصة، فأثر الرخصة في تغيير حكم الفعل وهو المؤاخذة فقط (لا في تغييره وصفه أي حرمته، والامتناع عن الفعل) في هذا النوع أفضل حتى لو امتنع فقتل كان مأجوراً.
النوع الثالث: أفعال لا تباح بحال ولا يرخص فيها أصلاً لا بالإكراه التام ولا غيره كقتل المسلم أو قطع عضو منه أو الزنا أو ضرب الوالدين أو أحدهما، فهذه الأفعال لا يباح الإقدام عليها ولا ترتفع المؤاخذة ولا الإثم لو فعل مع الإكراه، لأنه قد تعارض هنا مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما: فقتل المسلم أشد من
стр. 227
تهديده بالقتل، ولو قُتِلَ في هذه الحالة كان مأجوراً ولو قَتلَ كان ظالماً.
لكن لو قتل في هذه الحال هل يقتص منه أو من المكره أو من كليهما؟ خلاف بين الفقهاء، ولو زنا تحت الإكراه التام فإنه يسقط عنه الحد للشبهة لكن لا يرفع الإثم.
وعلى هذا: فالضرورة في النوع الأول: ترفع حكم الفعل وصفته، فالفاعل لا يؤاخذ ولا يأثم، لأن الفعل أصبح مباحاً بل واجباً كما رأينا، ولكن لو اضطر لأكل مال الغير فعليه ضمانه؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير كما سبق وكما سيأتي.
والنوع الثاني: ترفع الضرورة فيه المؤاخذة فقط فالفاعل لا يأثم لكن لا ترفع الضرورة صفة الفعل ولا الضمان، إذ يبقى الفعل حراماً.
والنوع الثالث: لا ترفع الضرورة فيه المؤاخذة ولا الصفة ولا الضمان ولكن يدرأ الحد بالشبهة.
وبناء على ذلك فهذه القاعدة لا تتناول النوع الأخير لأنه لا يباح بحال من الأحوال فهو مستثنى من هذه القاعدة، ولكن يذكر هنا لبيان خروجه حتى لا يلتبس بالنوعين الأولين، ولأن بعض فروعه ومسائله وقع فيها الخلاف بين الفقهاء.
فالقاعدة إنما تتناول النوع الأول مع ثبوت إباحته، والنوع الثاني مع بقاء حرمته، والترخيص إنما هو في رفع الإثم كنظر الطبيب إلى ما لا يجوز انكشافه شرعاً من مريض أو جريح، فإنه ترخيص في رفع الإثم لا الحرمة، وكالاضطرار لأكل مال الغير عند المخمصة، فإنه لا يسقط حرمة مال الغير بل يسقط الإثم، ويجب عليه ضمانه أو الاستحلال من صاحبه.
стр. 228
مما بنى على هذه القاعدة:
أخذ رب الدين من مال المدين الممتنع من أداء الدين بغير إذنه إذا ظفر بجنس حقه.
وجاز دفع الصائل ولو أدى ذلك الدفع إلى قتله إن لم يمكن الدفع بدونه وللمسألة صور ينبني عليها أحكامٌ متعددة.
استدراك على القاعدة:
زاد الشافعية على هذه القاعدة قيداً وهو عدم نقصان الضرورة عن المحظور، إذ قالوا: (الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها) .
وقالوا: ليخرج عن هذه القاعدة لو كان الميت نبياً فإنه لا يحق أكله للمضطر؛ لأن حرمة النبي في نظر الشرع أعظم من مهجة المضطر.
وهذا الشرط ملتزم أيضاً عند غير الشافعية وإن لم يشترطوه، فإنه لو أكره إنسان على قتل غيره بقتل فلا يرخص له، وكذلك لو دفن الميت بغير تكفين لا ينبش عليه، لأن مفسدة هتك حرمته أشد من مفسدة عدم تكفينه، لأن التستر بالتراب قام مقامه.
وهذا في الحقيقة يندرج تحت القاعدة القائلة: (باختيار أهون الضررين) .
стр. 229
-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة:
قاعدة: (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها) .
أو (الضرورات تقدر بقدرها) .
هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها أي أن كل فعل أم ترك جوِّز للضرورة فلا يتجاوز عنها.
ويترتب على هذه القاعدة وأمثلتها:
أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، أي بمقدار ما يدفع عن نفسه خطر الهلاك جوعاً.
الطبيب ينظر من العورة بقد الحاجة للمعالجة.
اليمين الكاذبة لا تباح للضرورة، وإنما يباح التعريض لاندفاع الضرورة به.
إذا أحدث رجل في بنائه شباكاً أي نافذة تُطل على مقر نساء جاره لا يؤمر بهدم الحائط وسد شبَّاكه كلياً، بل بقدر ما يرفع الضرر عن جاره بصورة تمنع النظر.
وإذا ظهر للحاكم مماطلة مدين في أداء دينه مع اقتداره وطلب الغرماء بيع ماله وتأدية دينه، حجر الحاكم عليه ماله، وأمره ببيعه لإيفاء الدين، وإذا امتنع باع عليه الحاكم بدءاً بما هو أهون في حق المدين بتقديم النقود أولاً، فإن لم تلف بسداد الدين باع العروض، فإن لم تف باع العقار؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
ومنها المرضعة إذا ظهر بها حبل وانقطع لبنها، وليس لأب الصغير ما يستأجر به
стр. 230
مرضعة ولم يمكن استغناء الطفل بغير ثدي أمه وخيف هلاك الولد، قالوا: يباح أن تعالج المرضعة في استنزال الدم ما دام الحمل نطفة أو علقة أو مضغة لم يخلق له عضو، وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوماً؛ لأنه يكون قتل نفس محترمة لصيانة نفس أخرى وهذا لا يجوز.
ومنها أن الكفار في حال الحرب إذا تترسوا بالمسلمين، أو أقاموا لهم معسكرات بين المسلمين فلا بأس بالرمي لضرورة إقامة فرض الجهاد، لكن يقصد بالرمي الكفار دون المسلمين.
لكن هل يجب الدية والكفارة فيما لو أصيب مسلمون؟ عند الجمهور إنها لا تجب، وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي من علماء الحنفية القدماء، إنه تجب الدية والكفارة؛ لأن دم المسلم معصوم، فكان ينبغي أن يمنع من الرمي إلا أنه لم يمنع لضرورة فرض الجهاد، وتقدر الضرورة بقدرها في رفع المؤاخذة لا في نفي الضمان.
وإذا اضطر محارب في دار الحرب إلى الطعام أخذ من الغنيمة قبل القسمة على سبيل الحاجة، وبعد الخروج من دار الحرب لا يجوز له ذلك، ويجب عليه رد ما فضل إلى الغنيمة، لأن الانتفاع يكون بقدر الضرورة.
كذلك الجبيرة يجب أن لا تستر من العضو الصحيح في مواضع الغسل، إلا بقدر ما لا بد منه في استمساك الجبيرة، فلو زاد لم يصح المسح عليها ولا الاكتفاء بغسل ظاهرها.
стр. 231
-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة:
قاعدة: (ما جاز لعذر بطل بزواله) .
ومعناها قريب من القاعدة السابقة، أي أن مقام على الضرورة يزول بزوال هذه الضرورة، لأن جوازه لما كان لعذر فهو خلف عن الأصل المتعذر، فإذا زال العذر أمكن العمل بالأصل، فلو جاز العمل بالخلف أيضا لزم الجمع بين البدل والمبدل منه فلا يجوز، كما لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، فمعنى البطلان هنا شامل لسقوط اعتباره من حيث إنه يصير في حكم العدم، ولوجوب الانسلاخ منه وتركه.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
المتيمم إذا وجد الماء وقدر على استعماله بطل تيممه، فإن كان العجز عن الماء لفقده بطل التيمم بالقدرة على الماء، وإن كان لمرض بطل بشفائه وبرئه، وإن كان لبرد بطل بزواله.
فمن لبس الحرير بسبب جرب أو حكة يجب عليه خلعه إذا زالت الحكة والجرب.
والموميء في الصلاة إذا قدر على القيام لزمه، والأمي إذا قدر على القراءة، والعاري إذا وجد ثوباً يستر عورته، لأن القيام والقراءة والستر فرض على القادر عليها والسقوط كان للعجز وقد زال.
ومنها المعتدة عن وفاة زوجها يجب عليها المكث في بيتها المعتدة فيه إلى تمام عدتها، لكن إذا لم تجد نفقة واضطرت للخروج لكسب عيشها جاز خروجها، فمتى حصل لها مال فاستغنت عن الخروج أو وجد من ينفق عليها فقد زال العذر فليس لها الخروج، ويتخرج على هذه القاعدة كثير من أحكام عوارض الأهلية.
стр. 232
-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة:
قاعدة: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة) :
المراد بالحاجة هنا ما كان دون الضرورة، لأن مراتب ما يحرص الشرع على توفيره للإنسان ثلاث:
الأولى: الضرورة: وهي بلوغ الإنسان حداً إذا لم يتناول الممنوع عنه هلك أو قارب، وهذا يبيح تناول الحرام، كما فُصِّل في قاعدة سابقة.
الثانية: الحاجة: وهي بلوغ الإنسان حداً لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أه يكون في جهد ومشقة، فهذا لا يبيح الحرام، ولكنه يسوغ الخروج على بعض القواعد العامة ويبيح الفطر في الصوم.
الثالثة: الكمالية أو التحسينية: وهي ما يقصد من فعله نوع من الترفه وزيادة في لين العيش.
وما عدا ذلك فهو زينة وفضول دون الخروج عن الحد المشروع.
فإذا كانت هناك حاجة عامة لمجموع من الناس أو خاصة بشخص ما نزِّلت هذه الحاجة منزلة الضرورة في جواز الترخيص لأجلها، لكن الحاجة مبنية على التوسع والتسهيل فيما يسع العبد تركه بخلاف الضرورة لأن مبنى الضرورة على لزوم فعل ما لا بد منه للتخلص من عهدة تلزم العبد ولا يسعه الترك.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة والسلم جوزت على خلاف القياس لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمّت كانت كالضرورة؛ لأن الإجارة والسلم بيع
стр. 233
معدوم وبيع المعدوم باطل، ولكنه جوِّز هنا لحاجة الناس، والجعالة فيها جهالة.
وفي الحالة بيع دين بدين وهو ممنوع، ولكنه جوّز هنا لعموم الحاجة.
ومنها جواز الاستصناع وهو عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً مثل أن يقول لصانع، كخياط مثلاً، اصنع لي ثوباً، أو خِط لي ثوباً من هذا القماش بهذه الصفة وبهذا الثمن، فيصح، أو يقول لمقاول ابن لي بيتاً على هذا المخطط.
ومنها ضمان الدَرَك وهو عبارة عن ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، جوِّز على خلاف القياس للجهالة من المكفول به للحاجة إليه.
стр. 234
-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة:
قاعدة: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) :
هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) .
لأن الاضطرار وإن كان في بعض المواضع يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، وفي بعضها يقتضي الترخيص في فعله مع بقاء حرمته ككلمة الكفر، إلا أنه على كل حال لا يبطل حق الآخرين، وإلا كان من قبيل إزالة الضرر بالضرر وهذا غير جائز.
فبناءً عليه لو اضطر لأكل طعام غيره، فبعد زوال الاضطرار عليه قيمة ما أكل إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً.
والاضطرار كما يكون سماوياً كالمجاعة، يكون أيضاً بالإكراه الملجئ كالقتل أو القطع أو الإتلاف، أو بالإكراه غير الملجئ كالضرب والحبس، ففي الملجئ الضمان على الآمر لا على الفاعل وفي غير الملجئ على الفاعل.
والراجح عند الحنابلة في الإكراه على القتل اشتراك المكرَه والمكرِه في القَوَد والضمان. قالوا: لأن الإكراه ليس بعذر في القتل.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لو صال عليه حيوان محترم كجمل أو ثور فقتله، فعند الحنفية يضمن قيمته لصاحبه؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، إلا إذا عرف هذا الحيوان بالأذية
стр. 235
وطلب من صاحبه حفظه عن الناس فلم يفعل، فلا ضمان على قاتله.
وأما عند الشافعية والحنابلة فإن لا ضمان عليه مطلقاً؛ لأنه دفع الهلاك عن نفسه.
وإذا استأجر شخص قارباً أو حصاناً ساعة من الزمن وبعد أن وصل إلى عرض البحر بالقارب أو مسافة بعيدة بالحصان وانقضت مدة الإجارة فبمقتضى العقد يجب على الراكب أن يبارح القارب أو ينزل عن الحصان ويسلمه إلى صاحبه، إلا إذا رضي المؤجر أن يؤجره ثانية، لكن بما أنه يوجد هنا اضطرار فصاحب السفينة أو الحصان مجبر على أن يبقى المستأجر في القارب حتى يخرج به إلى البر، أو على ظهر الحصان حتى يرده إلى منزله، ولكن هذا الإجبار لا يمنع المؤجر من أن يطالب المستأجر بدفع أجرة المثل عن المدة الزائدة.
ولو أشرفت السفينة على الغرق فألقى متاع غيره ليخففها ضمنه.
стр. 236
-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة:
قاعدة: (إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل) :
ولأن المصير إلى البدل إنما يجوز عند عدم الأصل.
لما كان إتيان البدل عند تعذر الأصل رخصة كانت هذه القاعدة مندرجة تحت قاعدة (المشقة تجلب التيسير) ومتفرعة عليها.
أدلة هذه القاعدة:
لهذه القاعدة أدلة كثيرة من كتاب الله:
١. منها قوله تعالى: (فَمَن كانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ، وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) . البقرة، آية (١٨٤) .
٢. وقوله تعالى: (فَإِذا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) . البقرة، آية (١٩٦) .
٣. قوله تعالى: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْبانًا؛ فَإِذا أَمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) . سورة البقرة، الآيتان (٢٣٨ و٢٣٩) .
стр. 237
٤. وقوله تعالى: (وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُم مِن فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) . النساء، آية (٢٥) .
٥. وقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) . النساء، آية (٤٣) .
٦. وقوله تعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) . النساء، آية (١٠١) .
ففي كل هذه الآيات كان الأصل عزيمة ولما شق أداؤه وتعسر خفف الله سبحانه عن عباده بالانتقال إلى البدل وهو الرخصة، لأن المشقة تجلب التيسير.
معنى القاعدة:
المراد بالأصل هنا ما يجب أداؤه أي العزيمة ولكن إذا تعذر أو تعسر وشق على المكلف ولم يمكنه إيفاء الأصل بالفوات أو التفويت ينتقل الحكم إلى البدل، أي الرخصة.
ومعنى الأداء: تسليم عين الواجب، ويكون في حقوق الله تعالى كالصلاة على وقتها وصوم رمضان، ويكون في حقوق العباد كرد المغصوب دون نقصان، وتسليم عين المبيع إلى المشتري.
أنواع الأداء: الأداء ثلاثة أنواع:
стр. 238
(ا) أداء كامل: كالصلاة على وقتها في جماعة، ورد المغصوب دون نقصان.
(ب) أداء ناقص: كالصلاة منفرداً، أو رد المغصوب وقد شغل بجناية أو دين.
(ج) أداء يشبه القضاء: كما لو جعل عبد غيره مهراً، ثم اشتراه وسلمه لها، فإنه أداء من حيث إنها تجبر على قبوله، وهو شبيه بالقضاء لأنه قبل التسليم ملكه ينفذ فيه اعتاقها، ولو كان ذا رحم محرم منها لا يعتق عليها، ولأنه في معنى المثل؛ إذ أن تبدل الملك يوجب تبدلاً في العين.
ويقابل الأداء وهو الإتيان بالأصل القضاء وهو الإتيان بالخلف أو البدل.
والقضاء قسمان:
(ا) قضاء كامل: كمن اغتصب حنطة واستهلكها، فعليه مثلها أو قيمتها.
(ب) قضاء قاصر: كمن يؤدي قيمة مغصوب قيمي بدلاً عنه لأنها مثل غير معقول.
أنواع البدل:
الإبدال التي يصار إليه عند العجز ثلاثة أنواع:
(ا) الأول: نوع بدل ينتقل إليه عند العجز مع إمكان القدرة على الأصل مستقبلاً ولكن بوقت يفوت بفواته: وأمثلته:
من دخل عليه وقت الصلاة ولم يجد الماء ينتقل إلى التيمم، وإن كان يرجو القدرة على الماء بعد خروج الوقت.
المتمتع إذا عجز عن الهدي ينتقل إلى الصوم، ولو كان له مال غائب لأنه تعلق بوقت يفوت بفواته.
ومثله المحصر إذا وجد الثمن ولم يجد الهدي يصوم ولا يلزمه الصبر للضرورة.
ومثله المال الغائب لا يمنع نكاح الأمة كما لا يمنع ابن السبيل الزكاة.
(ب) الثاني: نوع بدل لا يتعلق بوقت يفوت بفواته ولا يضر تأخيره، مثل كفارة
стр. 239
القتل، واليمين، والجماع في الصوم، فلا يجوز الانتقال عنها إلى البديل إذا كان يرجو القدرة عليه، بل يصبر حتى يجد الرقبة، لأن الكفارة على التراخي، وبتقدير أن يموت يؤدي من تركته بخلاف العاجز عن المال.
(ج) الثالث: ما يحتمل الوجهين مثل كفارة الظهار، يمكن أن يقال: يلزمه التأخير لأنها ليست مضيقة الوقت، أو له الانتقال إلى البدل لأنه يتضرر بالتأخير، ولو كان واجداً طول الحرة ولا يجد في القرية حرة، فهل له الزواج بالأمة؟
في المسألة خلاف، إلا إذا خشي العنت أي الزنا فله نكاح الأمة.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
إذا مات الزوج حين يهل الشهر فابتداء العدة بالأهلّة: لأنها أصل في الشهور العربية لقوله تعالى: (يسألُونك عن الأهِلَّةِ قل هي مواقيتُ للناسِ والحج) . البقرة، آية (١٨٩) .
وإن مات في خلال الشهر فالعدة بالأيام واعتبار الشهر ثلاثون يوماً، وكذا الإجارة وأجل البيع.
وقيل: الشهر الأول يتم بالأيام والباقي بالأهل، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
يذبح الصيد إذا استأنس، ويكفي جرح نَعَمَ توحش أو سقط في بئر ولم يمكن ذبحه؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار.
لما كان الأصل في إثبات الأحكام هو البينة الشرعية، فإذا تعذرت البينة ينتقل إلى بدلها، فالعمل بالاستصحاب إنما يصار إليه عند عدم وجود الأصل وهو البينة فهو
стр. 240
بدل عنها.
والرجوع إلى تعامل القائمين السابقين على الوقف بدل من البينة الشرعية، أو التسجيل لشروط الوقف في ديوان القضاة إذا اختلف أهل الوقت في شرط الواقف.
وكذلك تحكيم مهر المثل إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر ولا بينة لأحدهما.
وكذلك اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن أو جنسه.
وفي كل موضع يكون القول فيه لأحد المتخاصمين مع يمينه يكون بدلاً عن الأصل وهو البينات الشرعية.
стр. 241
ْْْْْْْْْْْْ
بسم الله الرحمن الرحيم.
اسم الكتاب:
الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية.
تأليف الشيخ الدكتور:
محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو أبي الحارث الغزي.
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
مؤسسة الرسالة.
(المجلد الثالث) .
-- القاعدة الرابعة من القواعد الكلية الكبرى:
قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) أو (الضرر يزال) .
عبَّر أكثر من كتب في القواعد عن هذه القاعدة بقولهم: (الضرر يزال) وجعلوا ما عبَّرنا به، وهو الحديث دليلاً على القاعدة وأصلاً لها.
ولكن التعبير بصيغة الحديث عن القاعدة أشمل وأعم، حيث يشمل الضرر ابتداءً ومقابلة، وأيضاً يعطي ذلك القاعدة قوة؛ إذ يجعلها دليلاً شرعياً صالحاً لبناء الأحكام عليه باعتبار أنها نص حديث نبوي كريم، بخلاف قولنا الضرر يزال فليس لهذا القول قوة شرعية كنص الخبر.
-- أصل هذه القاعدة وهو دليلها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم في رتبة الحسن أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلاً.
وأخرجه الحاكم في المستدرك، والبيهقي، والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، كما أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت ﵃.
معنى الحديث:
الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً.
стр. 242
والضرار: مقابلة الضرر بالضرر، أو إلحاق مفسدة بالغير على جهة المقابلة.
وفسره بعضهم: بأن لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء.
والحديث نص في تحريم الضرر؛ لأن النفي بلا الاستغراقية يفيد تحريم سائر أنواع الضرر في الشرع؛ لأنه نوع من الظلم، إلا ما خص بدليل كالحدود والعقوبات، أي أن الضرر والإضرار المحرَّمين إذا كانا بغير حق، وأما إيقاع الضرر بحق فهو مطلوب شرعاً، لأنه إدخال الضرر على من يستحقه، كمن تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل.
وإلحاق الضرر بغير حق على نوعين:
(ا) أحدهما: أن لا يكون له في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، أي ليس ثمة نفع يعود عليه، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن الكريم النهي عن مثل ذلك في مواضع:
منها النهي عن المضارة في الوصية في قوله تعالى: (مِن بَعدِ وصيَّةٍ يُوصى بِها أو دَينٍ غَيْرِ مُضَارٍ) . سورة النساء، آية (١٢) .
ولذلك كان الأضرار بالوصية من الكبائر.
ومنها الرجعة في النكاح في قوله: (وإذا طلقتُم النِساءَ فبَلَغنَ أجَلَهُنَّ فأمسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أو سَرِّحوهُنَّ بمعروفٍ ولا تُمسِكُوهُنَّ ضِراراً لتَعْتدُوا) . سورة البقرة، آية (٢٣١) .
стр. 243
ومنها في الرضاع في قوله تعالى: (لا تُضارَّ والِدَة بِوَلَدِها ولا مَولودٌ بِوَلَدِهِ) . سورة البقرة، آية (٢٣٣) .
قالوا: لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك، أو أن المطلقة تطلب إرضاع ولدها بزيادة عن أجرة المثل لقصد المضارة بالزوج.
(ب) والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه فيتضرر الممنوع بذلك، فأما الأول وهو التصرف في ملكه فإن كان على غير الوجه المعتاد، كمن أوقد في أرضه ناراً في يوم عاصف فتعدت إلى جاره وأحرقت ماله، فالفاعل متعد في ذلك وعليه الضمان.
وأما إن كان على الوجه المعتاد، ففي منعه قولان: أحدهما لا يمنع من ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لأنه تصرف في خالص حقه.
والقول الثاني: بالمنع وهو قول أحمد ووافقه مالك في بعض الصور كمن فتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناءً عالياً يشرف على جاره ولا يستره، فعند أحمد وطائفة من أصحاب الشافعي يلزم بستره، ويجتهد الحاكم في منعه إذا ظهر له قصد الفساد.
منها أن يحدث في ملكه ما يضر جاره من هز أو دق، أو له رائحة خبيثة تضر بالسكان، فإنه يمنع في ظاهر مذهب مالك وأحمد وهو أحد الوجوه للشافعية.
ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول.
стр. 244
-- شرح القاعدة إجمالاً:
هذه القاعدة من أركان الشريعة وتشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وقد سبق ذكر بعض منها، وهي أساس لمنع الفعل الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، كما أنها سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي عدة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث.
وعلى هذه القاعدة ينبني كثير من أبواب الفقه: كالرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات والحجر بسائر أنواعه والشفعة، والقصاص، والحدود والكفارات، وضمان المتلفات، والجبر على قسمته المشترك إذا اتحد الجنس، ونصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة.
إلى غير ذلك مما في حكمة مشروعيته دفع للضرر (إذ لا ضرر ولا ضرار) .
ونص هذه القاعدة (كما رأينا) ينفي الضرر فيوجب منعه وتحريمه مطلقاً، ويشمل ذلك: الضرر العام والخاص، وأيضاً: دفع الضرر قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة، كما يشمل أيضاً: رفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره.
ومن ثم كان إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة وإن ترتب عليها ضرر بهم، لأن فيها عدلاً ودفعاً لضرر أعم وأعظم.
ما المقصود بنفي الضرار؟
стр. 245
إذا عرفنا أن معاني الضرار مقابلة الضرر بالضرر، فإذاً يكون المقصود بنفي الضرار هنا نفي فكرة التأر بمجرد الانتقام، الفكرة التي تزيد في الضرر وتوسع دائرته.
فالإضرار ولو كان على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً، وإنما يلجأ إليه اضطراراً.
فمن أتلف مال غيره مثلاً لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله، لأن في ذلك توسعة للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف.
وذلك بخلاف الجناية على النفس أو البدن مما شرع فيه القصاص، لأن الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لو انتهت مدة إجارة الأرض الزراعية قبل أن يستحصد الزرع، تبقى في يد المستأجر بأجر المثل حتى يستحصد؛ منعاً لضرر المستأجر بقلع الزرع قبل أوانه.
إذا كان الملك المشترك بين يتيمين محتاجاً إلى تعمير فأبى أحد الوصيين، وكان في إبائه ضرر على اليتيم، يجبر من قبل الحاكم دفعاً للضرر.
كذلك لو باع ثمر نخل، والمشتري إذا ارتقى ليقطع الثمر يطلع على عورات الجيران، يؤمر بأن يخبرهم وقت الارتقاء ليستتروا مرة أو مرتين، فإن فعل وإلا رفع إلى الحاكم ليمنعه من الارتقاء.
ولو باع شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً، وغاب المشتري قبل نقد الثمن وقبض المبيع وخيف فساده، فللبائع أن يفسخ البيع ويبيع من غيره دفعاً للضرر.
ويجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي دفعاً لشرهم.
стр. 246
-- القواعد المتفرعة على قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، والمندرجة تحتها:
-- القاعدة الفرعية الأولى:
قاعدة: (الضرر يدفع بقدر الإمكان) .
معنى القاعدة: (إن الضرر يدفع شرعاً، فإن أمكن دفعه بدون ضرر أصلاً وإلا فيتوسل لدفعه بالقدر الممكن) .
هذه القاعدة تفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة، وفقاً لقاعدة المصالح المرسلة والسياسة الشرعية، فهي من باب الوقاية خير من العلاج، وذلك بقدر الاستطاعة، لأن التكليف الشرعي مقترن بالقدرة على التنفيذ.
دليل هذه القاعدة:
لهذه القاعدة أدلة شرعية من الكتاب والسنة منها:
قوله تعالى: (وأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعْتُم من قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّا اللهِ وعَدُوَّكُمْ) . سورة الأنفال، الآية (٦٠) .
стр. 247
(ا) ففي جانب المصالح العامة:
شرع الجهاد لدفع شر الأعداء، ووجبت العقوبات لقمع الأجرام وصيانة الأمن، ووجب سد ذرائع الفساد من جميع أنواعه.
(ب) ومن جانب الحقوق الخاصة:
شرع حق الشفعة لدفع الضرر المتوقع عن الجار.
وشرع الحجر على السفيه لدفع الضرر سوء تصرفاته المالية.
وشرع الحجر على المفلس منعاً للضرر عن الدائنين.
وحق للقاضي منع المدين من السفر بناء على طلب الدائن، أو يوكل وكيلاً بالخصومة.
وشرع الإجبار القضائي على قسمة المال المشترك القابل للقسمة، بناء على طلب أحد الشركاء دفعاً لضرر شركة الملك.
ولو امتنع الأب من الإنفاق على ولده القاصر أو العاجز، يحبس لدفع ضرر الهلاك عن الولد.
ومن شهر على المسلمين سيفاً فعليهم أن يقتلوه إذا مست الضرورة، لقوله ﵊: (مَن شهر على المسلمين سيفاً فقد أحلَ دمه) . الحديث رواه الترمذي في الحدود، وكذلك ابن ماجة باختلاف لفظ، النسائي في كتاب التحريم) .
لأنه باغ فلضرورة دفع الضرر سقطت عصمته.
وكذلك للمضطر أن يأكل مال غيره حفاظاً على حياته، لكن عليه الضمان، لأن الضرر يدفع بقدر الإمكان، ولأن الاضطرار لا يبطل حق الغير كما سبق بيانه.
ومنها أن الأجير الذي لعمله أثر في العين، كالصبغ مثلاً أو الخياطة، إذا حبسها لقبض الأجرة فهلكت، يلزمه الضمان لكن له الأجر، لأن الضرر يدفع بقدر الإمكان.
стр. 248
-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية:
قاعدة: (الضرر يزال) :
هذه القاعدة تفيد وجوب إزالة الضرر ورفعه بعد وقوعه.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
إذا سلط إنسان ميزابه على الطريق العام بحيث يضر بالمارين، فإنه يزال، وكذلك إذا تعدى على الطريق ببناء أو حفر بالوعة أو غير ذلك.
وكذلك يضمن المتلف عوض ما أتلف للضرر الذي أحدثه.
وإذا طالت أغصان شجرة لشخص وتدلت على دار غيره فأضرته يكلف رفعها أو قطعها.
وقد شرع كثير من الخيارات في بعض العقود لإزالة الأضرار الواقعة على أحد المتعاقدين، كخيار العيب وخيار الغبن.
стр. 249
-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة:
قاعدة: (الضرر لا يزال بمثله) .
أو (الضرر لا يزال بالضرر) .
هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها، لأن الضرر مهما كان واجب الإزالة، فلا يكون بإحداث ضرر مثله، ولا بأكثر منه بطريق الأولى.
فالشرط إذاً أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن وإلا فبأخف منه.
فمن فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك جوعاً عن نفسه أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أكره بالقتل أن يقتل إذا كان المراد قتله مسلماً بغير وجه حق، لأن هذه إزالة ضرر بمثله، بخلاف أكل ماله.
وإذا ظهر في المبيع عيب قديم وحدث عند المشتري عيب جديد، امتنع رد المبيع بالعيب القديم؛ لتضرر البائع بالعيب الحادث، إلا أن يرضى، ولكن يعود المشتري على البائع بالنقصان.
стр. 250
-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة:
وردت هذه القاعدة بألفاظ مختلفة:
(ا) الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
(ب) يختار أهون الشرين، أو أخف الضررين.
(ج) إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما.
(د) وإذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر للأكبر.
هذه القواعد مهما اختلفت ألفاظها فهي متحدة المعنى، أي (أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الضرر الأخف، ولا يرتكب الأشد) .
-- أصل القاعدة:
والأصل في هذه القاعدة قولهم: (إن من ابتلي ببليتين وهم متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما، لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة) .
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
следующие страницы →