← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8379

الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (399 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

-- القواعد المتفرعة على قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، والمندرجة تحتها: -- القاعدة الفرعية الأولى: قاعدة: (الضرر يدفع بقدر الإمكان) . معنى القاعدة: (إن الضرر يدفع شرعاً، فإن أمكن دفعه بدون ضرر أصلاً وإلا فيتوسل لدفعه بالقدر الممكن) . هذه القاعدة تفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة، وفقاً لقاعدة المصالح المرسلة والسياسة الشرعية، فهي من باب الوقاية خير من العلاج، وذلك بقدر الاستطاعة، لأن التكليف الشرعي مقترن بالقدرة على التنفيذ. دليل هذه القاعدة: لهذه القاعدة أدلة شرعية من الكتاب والسنة منها: قوله تعالى: (وأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعْتُم من قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّا اللهِ وعَدُوَّكُمْ) . سورة الأنفال، الآية (٦٠) .

стр. 247

(ا) ففي جانب المصالح العامة: شرع الجهاد لدفع شر الأعداء، ووجبت العقوبات لقمع الأجرام وصيانة الأمن، ووجب سد ذرائع الفساد من جميع أنواعه. (ب) ومن جانب الحقوق الخاصة: شرع حق الشفعة لدفع الضرر المتوقع عن الجار. وشرع الحجر على السفيه لدفع الضرر سوء تصرفاته المالية. وشرع الحجر على المفلس منعاً للضرر عن الدائنين. وحق للقاضي منع المدين من السفر بناء على طلب الدائن، أو يوكل وكيلاً بالخصومة. وشرع الإجبار القضائي على قسمة المال المشترك القابل للقسمة، بناء على طلب أحد الشركاء دفعاً لضرر شركة الملك. ولو امتنع الأب من الإنفاق على ولده القاصر أو العاجز، يحبس لدفع ضرر الهلاك عن الولد. ومن شهر على المسلمين سيفاً فعليهم أن يقتلوه إذا مست الضرورة، لقوله ﵊: (مَن شهر على المسلمين سيفاً فقد أحلَ دمه) . الحديث رواه الترمذي في الحدود، وكذلك ابن ماجة باختلاف لفظ، النسائي في كتاب التحريم) . لأنه باغ فلضرورة دفع الضرر سقطت عصمته. وكذلك للمضطر أن يأكل مال غيره حفاظاً على حياته، لكن عليه الضمان، لأن الضرر يدفع بقدر الإمكان، ولأن الاضطرار لا يبطل حق الغير كما سبق بيانه. ومنها أن الأجير الذي لعمله أثر في العين، كالصبغ مثلاً أو الخياطة، إذا حبسها لقبض الأجرة فهلكت، يلزمه الضمان لكن له الأجر، لأن الضرر يدفع بقدر الإمكان.

стр. 248

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية: قاعدة: (الضرر يزال) : هذه القاعدة تفيد وجوب إزالة الضرر ورفعه بعد وقوعه. من فروع هذه القاعدة وأمثلتها: إذا سلط إنسان ميزابه على الطريق العام بحيث يضر بالمارين، فإنه يزال، وكذلك إذا تعدى على الطريق ببناء أو حفر بالوعة أو غير ذلك. وكذلك يضمن المتلف عوض ما أتلف للضرر الذي أحدثه. وإذا طالت أغصان شجرة لشخص وتدلت على دار غيره فأضرته يكلف رفعها أو قطعها. وقد شرع كثير من الخيارات في بعض العقود لإزالة الأضرار الواقعة على أحد المتعاقدين، كخيار العيب وخيار الغبن.

стр. 249

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة: قاعدة: (الضرر لا يزال بمثله) . أو (الضرر لا يزال بالضرر) . هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها، لأن الضرر مهما كان واجب الإزالة، فلا يكون بإحداث ضرر مثله، ولا بأكثر منه بطريق الأولى. فالشرط إذاً أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن وإلا فبأخف منه. فمن فروع هذه القاعدة وأمثلتها: لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك جوعاً عن نفسه أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أكره بالقتل أن يقتل إذا كان المراد قتله مسلماً بغير وجه حق، لأن هذه إزالة ضرر بمثله، بخلاف أكل ماله. وإذا ظهر في المبيع عيب قديم وحدث عند المشتري عيب جديد، امتنع رد المبيع بالعيب القديم؛ لتضرر البائع بالعيب الحادث، إلا أن يرضى، ولكن يعود المشتري على البائع بالنقصان.

стр. 250

-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة: وردت هذه القاعدة بألفاظ مختلفة: (ا) الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. (ب) يختار أهون الشرين، أو أخف الضررين. (ج) إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما. (د) وإذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر للأكبر. هذه القواعد مهما اختلفت ألفاظها فهي متحدة المعنى، أي (أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الضرر الأخف، ولا يرتكب الأشد) . -- أصل القاعدة: والأصل في هذه القاعدة قولهم: (إن من ابتلي ببليتين وهم متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما، لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة) . من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:

стр. 251

لو كان برجل جرح لو سجد سال دمه، يومئ ويصلي قاعداً؛ لأن ترك السجود أهون من الصلاة من الحدث - عند من يوجبون انتقاض الوضوء عن سيلان الدم - ولأن ترك السجود أهون من الصلاة مع النجاسة، ولأن الدم نجس وملوِّث، كما أن ترك السجود في هذه الحالة يدفع عن الجريح ضرر خروج الدم ونزفه، وزيادة ضرره أو تأخر برئه. لو أن مصلياً لو صلى قائماً ينكشف من عورته ما يمنع جواز الصلاة، ولو صلى قاعداً لا ينكشف منه شيء، فإنه يصلي قاعداً؛ لأن ترك القيام أهون. ولو ابتلعت دجاجة شخص لؤلؤة ثمينة لغيره، فلصاحب اللؤلؤة أن يتملك الدجاجة بقيمتها ليذبحها. وإذا خشي من السفينة غرقها، فإنه يرمي منها ما ثقل من المتاع ويغرم أهل السفينة ما رموا به على قيمة ما معهم من المتاع. جاز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت حياته ترجى. لو أحاط الكفار بالمسلمين - ولا مقاومة بهم - جاز دفع المال إليهم، وكذلك جاز استنقاذ الأسرى منهم بالمال، إذا لم يمكن بغيره، لأن مفسدة بقائهم بأيديهم واصطلامهم للمسلمين أعظم من بذل المال. لو هدد بالقتل أو يرمي نفسه من مكان عال - كالمنارة مثلاً - فهل له أن يختار؟ وهل المفسدتان هنا متساويتان؟ عند أبي حنيفة ﵀: له الخيار إن شاء فعل ذلك وإن شاء لم يفعل ويصير حتى يقتل لتساوي البليتين. وعند أبي يوسف ومحمد رحمها الله: يصبر ولا يلقى بنفسه، لأن في إلقاء نفسه شبهة الانتحار وهو لا يجوز بحال، ولا يجوز للمسلم أن يعين على قتل نفسه

стр. 252

وهو الصحيح إن شاء الله. هذا بخلاف ما لو كان في سفينة فاحترقت فهو بالخيار بين أن يلقي بنفسه في الماء - وإن كان يخشى الغرف - أو يبقى في السفينة فيحترق. وعند الحنابلة خلاف في المسألة، وعند أحمد فيها روايتان.

стр. 253

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة: قاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام: هذه القاعدة تدخل ضمناً في القاعدة السابقة - وإن كانت أخص منها موضوعاً - وهي قاعدة مهمة مبنية على المقاصد الشرعية في مصالح العباد، استخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص، وتعتبر قيداً لقاعدة (الضرر لا يزال بمثله) التي سبقت. فالشرع إنما جاء ليحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأييد مقاصد الشرع يدفع الضرر الأعم بارتكاب الضرر الأخص، ولهذه الحكمة شرع الله حد القطع حماية للأموال، وحد الزنا والقذف صيانة للأعراض، وحد الشرب حفظاً للعقول، والقصاص وقتل المرتد صيانة للأنفس والأديان. ومن هذا القبيل شرع قتل الساحر المضر، والكافر المضل، لأن أحدهم يفتن الناس والآخر يدعوهم إلى الكفر، فيتحمل الضرر الأخص ويرتكب لدفع الضرر الأعم. ومن فروع هذه القاعدة وأمثلتها: جواز الرمي إلى كفار تترسوا بالمسلمين من الأسرى أو الصبيان أو النساء. ومنها جواز الحجر على المفتي الماجن حرصاً على دين الناس. والحجر على الطبيب الجاهل حرصاً على أرواح الناس. والحجر على المكاري المفلس حرصاً على أموالهم وأوقاتهم.

стр. 254

كما يجوز التسعير على الباعة - في بعض الأحوال - دفعاً لضررهم عن العامة. ومنها وجوب هدم حائط مال إلى طريق العامة أو هدم عمارة آيلة للسقوط. دفعاً للضرر العام. ومنها بيع طعام المحتكر جبراً عليه عند الحاجة وامتناعه من البيع دفعاً للضرر العام. ومنها اتخاذ حانوت للطبخ - مطبخ - في سوق باعة القماش والتجار دفعاً لضرر الحريق عن الآخرين.

стр. 255

-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة: قاعدة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) : معنى القاعدة: المراد بدرء المفاسد دفعها ورفعها وإزالتها. فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، فدفع المفسدة مقدم في الغالب، إلا أن تكون المفسدة مغلوبة؛ وذلك لأن اعتناء الشرع بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، لما يترتب على المناهي من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النهي. دليل هذه القاعدة: ١. قوله تعالى: (ولا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دوُنِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) . سورة الأنعام، آية (١٠٨) . ففي سب آلهة الكفار مصلحة وهي تحقير دينهم وإهانتهم لشركهم بالله سبحانه، ولكن لما تضمن ذلك مفسدة وهي مقابلتهم السب بسب الله نهى الله عن سبهم درءاً لهذه المفسدة. ٢. وقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) . الحديث رواه النسائي في باب وجوب الحج واللفظ له، ورواه ابن ماجة في المقدمة، بلفظ: (فخذوا منه) .

стр. 256

ومثل هذه القاعدة قاعدة أخرى تقول: (إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم) . والمراد بالمانع هنا المفسدة، والمراد بالمقتضي الأمر الطالب للفعل لتضمنه المصلحة فوجود المانع يمنع من الفعل إلا إذا كانت المصلحة أعظم. وهذا من باب تغليب جانب الحرمة على جانب الحلال بناء على القاعدة القائلة: (إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح والمحرم غلّب الحرام) . لأن في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة وتقديم المانع، ومن ثَمَّ إذا تعارض دليل يقتضي التحريم وآخر يقتضي الإباحة قدم دليل التحريم في الأصح تغليباً للتحريم ودرءاً للمفسدة. ومن أمثلة هذه القواعد وفروعها: إذا وجب على امرأة الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخر الغسل؛ لأن في كشف المرأة على الرجال مفسدة وأي مفسدة - بخلاف الرجل إذا لم يجد سترة من الرجال يغتسل ولا يؤخره. وأما إذا أراد الرجل أن يستنجى ولم يجد سترة من الرجال فلا يتكشف بل يترك الاستنجاء، لأن النجاسة الحكمية أقوى من النجاسة الحسية، والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال. منع التجارة في المحرمات من خمر ومخدرات وخنزير، ولو أن فيها أرباحاً ومنافع

стр. 257

اقتصادية. ويمنع مالك الدار من فتح نافذة تطل على مقر نساء جاره، ولو كان فيها منفعة له. وإذا كانت جارية بين شريكين يحرم وطؤها عليهما. وإذا اشتبه محرّمة بأجنبيات محصورات لم يحل الزواج بإحداهن. وما كان أحد أبويه مأكول اللحم والآخر غير مأكول لا يحل أكله على الصحيح كالبغل. ومنها إذا أرسل كلبه المعلم وشاركه كلب غير معلم في الصيد حرم أكل الصيد بهما. وكذلك لو وضع المجوسي أو الشيوعي يده على يد المسلم الذابح لا يحل أكل المذبوح لاجتماع المحرم والمبيح. ولو اشتبه مذكي بميتة أو لبن بقر بلبن أتان، أو ماء وبول، لم يجز تناول شيء منها، ولا بالاجتهاد، ما لم تكثر الأواني. ولو اختلطت زوجته بغيرها فليس له الوطء، ولا بالاجتهاد، حتى يستيقن. استثناء من القاعدة: لو رمى سهماً على طائر فجرحه ووقع على الأرض فمات فإنه يحل أكله، وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الأرض والارتطام بها - لأن ذلك لا بد منه - فعفي عنه، بخلاف ما لو وقع في الماء. ومنها معاملة من أكثر ما له حرام إذا لم يعرف عين المال فلا يحرم في الأصح ولكن يكره.

стр. 258

وإذا اختلطت محرّمة - برضاع أو نسب - بنسوة غير محصورات فله النكاح منهن. ومنها جواز مس كتب التفسير للمحدث إلا إذا كان الأكثر قرآناً، وبعضهم لم يفصل. والصلاة مع اختلال شرط من شروطها من الطهارة أو التستر أو الاستقبال، فإن في ترك ذلك مفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله تعالى في أن لا يناجي إلى على أكمل الأحوال، لكن متى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه تقديماً لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة. ومنه الكذب مفسدة محرمة لكن متى تضمن ذلك جلب مصلحة تربو عليه جاز كالكذب في الإصلاح بين الناس، وفي الحرب لخداع العدو، وعلى الزوجة لإصلاحها. وإذا جمع في عقد واحد بين من تحل له وبين من لا تحل، كمن يجمع بين مسلمة ووثنية، أو أجنبية ومحرمة، جاز العقد فيمن تحل، وبطل في غيرها. كل ما سبق فيما إذا اجتمع حلال وحرام. اختلاط الواجب بالمحرم: وأما إذا اختلط الواجب بالمحرم فتراعى مصلحة الواجب. من أمثلة ذلك: إذا اختلط موتى المسلمين بالكفار، ولم يمكن التمييز بينهم غسِّل الجميع وصلى عليهم ويكون التمييز بالنية.

стр. 259

ودليل ذلك ما احتج به البيهقي: (بأن النبي ﷺ مر بملجسٍ فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم) . اختلاط الشهداء بغيرهم يجب غسل الجميع والصلاة عليهم، وإن كان الغسل والصلاة على الكفار والشهداء حراماً. المرأة يحرم عليها ستر وجهها في الصلاة ولا يمكن إلا بكشف شيء من الرأس، وستر الرأس واجب في الصلاة فإذا صلت راعت مصلحة الواجب. الهجرة على المرأة من بلاد الكفار واجبة وإن كان سفرها وحدها دون محرم حراماً.

стр. 260

-- القاعدة الخامسة من القواعد الكلية الكبرى: قاعدة: (العادة محكَّمة) : أصل هذه القاعدة: في أصول الإمام الكرخي: (الأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عَمّ وغلَب لا على ما شذ وندر، والأصل أن جواب السؤال يمضي على ما تعارف كل قومٍ في مكانهم) . دليل هذه القاعدة: قول الرسول ﷺ : (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) . قال العلائي عن هذا الحديث: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في مسنده.

стр. 261

وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: حديث: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) . أخرجه أحمد في كتاب السنة ووهم من عزاه للمسند. وقال المعلق في هامشه: بل هو في المسند أيضاً - من حديث أبي وائل عن ابن مسعود - ثم روى الحديث بطوله وقال: هو موقوف حسن. وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية، بل هو عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود. بهذا الحديث استدل من ذكر هذه القاعدة ولم يذكروا معه دليلاً آخر. ولكن يمكن أن يستدل لهذه القاعدة بأدلة أخرى من الكتاب والسنة، نعم لم يرد في الكتاب العزيز لفظ العُرف والمعروف، كما ورد في السنة لفظ المعروف، كما وردت أخبار كثيرة يستفاد منها أثر العادة في بناء الأحكام: أولاً: الأدلة من الكتاب العزيز: ١. قوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) . سورة الأعراف، آية (١٩٩) . ٢. وقوله تعالى: (فَاتْبِاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) . سورة البقرة، آية (١٧٨) . ٣. وقوله تعالى: (الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالمَعْروفِ حَقاً عَلَى المُتَّقِينَ) . سورة البقرة، آية (١٨٠)

стр. 262

٤. وقوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ) . سورة البقرة، آية (٢٢٨) . ٥. ومثله قوله تعالى: (وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ) . سورة البقرة، آية (٢٣٣) . ٦. ومثله قوله: (ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى المُتّقِينَ) . سورة البقرة، آية (٢٤١) . وقد ورد لفظ المعروف في القرآن العظيم في سبعة وثلاثين موضعاً، كما أن أثر العادة والعرف والمعروف ورد في السنّة تارة مصرحاً به وتارة لم يصرح به ولكن بنى الحكم عليه، فمما ورد في السنة مصرحاً بلفظ المعروف وبناء الحكم عليه: ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة: ١. قوله ﷺ لهند زوجه أبي سفيان ﵄: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . البخاري في البيوع والنفقات والأقضية وغيرها وعند مسلم وغيره. ٢. وقوله ﵊: (لا جناح على من وَليها أن يأكل بالمعروف) . البخاري ومسلم وغيرهما. ٣. (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف) . ومما ورد فيه أثر العرف والعادة وبناء الأحكام عليهما وإن لم يصرح بهما: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قدِم المدينة وهم يسلفون في الثمر السنة والسنتين. وربما قال: السنتين والثلاث، فقال: (مَن سلَّفَ فليسلِّف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم) .

стр. 263

فالرسول ﷺ أجاز السلم - وهو بيع معدوم - لأن الناس كانوا يتعاملون به فأقرَّهم ﷺ ونظَّم عملية التبادل ليقطع النزاع. وهذا من العرف العملي ويكون السلف جائزاً بإقرار رسول الله ﷺ بناء على العرف الموجود والعادة المتبعة بينهم، ومثل ذلك في السنة كثير. فإذا ثبت أنَّ لقاعدة (العادة محكَّمة) أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع فما معنى هذه القاعدة: معنى هذه القاعدة: العادة في اللغة: مأخوذة من العود أو المعاودة بمعنى التكرار، والعادة: اسم لتكرير الفعل أو الانفعال حتى يصير سهلاً تعاطيه كالطبع، ولذلك قيل: العادة طبيعة ثانية. ومادة العادة تقتضي تكرار الشيء وعوده تكراراً كثيراً حتى يخرج عن كونه واقعاً بطرق الاتفاق، ولذلك كان خرق العوائد لا يجوز إلا في معجزة نبي أو كرامة ولي. وأقل المرات ليكون الشيء عادة ثلاث متواليات على الأرجح عند الأكثرين، وأما كلمة (محكَّمة) فهي اسم مفعول مت التحكيم، ومعنى التحكيم القضاء والفصل بين الناس، أي أن (العادة هي المرجع للفصل عند التنازع) . وأما معنى العرف: (فهو المعروف من الإحسان) والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حُسْنه، والمنكر ما ينكر بهما، ولهذا قيل للاقتصاد في الجود معروف لما كان ذلك مستحسناً في العقول والشرع.

стр. 264

وقال الجرجاني في تعريفاته: (العرف ما استقر في النفوس بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول) ثم قال: (وكذا العادة، وهذا في الحقيقة هو الجامع بين العادة والعرف. وأما معنى العادة في الاصطلاح فهو يختلف عند الأصوليين عنه عند الفقهاء. تعريف العادة عند الأصوليين: عرَّف الأصوليون العادة (بأنها الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية) . لأن التكرار إذا كان ناشئاً عن علاقة عقلية، وهي التي يحكم العقل فيها لم يكن عندئذ من قبيل العادة، بل من قبيل التلازم العقلي، وذلك كتكرر حدوث الأثر كلما حدث مؤثرة، بسبب إن المؤثر علة لا يختلف عنها معلولها، كتحرك الخاتم بحركة الإصبع وتحرك ورق الشجر كلما تحرك الريح، وتبدل مكان الشيء بحركته، فهذا لا يسمى عادة مهما تكرر، لأنه ناشئ عن تلازم وارتباط في الوجود بين العلة والمعلول، يقضي به العقل، وليس ناشئاً عن ميل الطبع. ٢. تعريف العادة عند الفقهاء: عرَّف الفقهاء العادة بأنها (عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة) . فكون العادة الأمر المتكرر متفق عليه بين الأصوليين والفقهاء، والأمر المتكرر يشمل كل حادث يتكرر لأن لفظ الأمر من أوسع ألفاظ اللغة عموماً وشمولاً.

стр. 265

ويفترق تعريف الفقهاء عن تعريف الأصوليين بأنه لم يشترط نفي العلاقة العقلية، فتعريف الأصوليين أخص وتعريف الفقهاء أعم من هذا الوجه. ومع أن تعريف الفقهاء للعادة يتضمن قبولها عند الطباع السليمة لكن إطلاق لفظ العادة عند الفقهاء يتضمن ما يلي: ١. يطلق لفظ العادة على ما يعتاده الفرد من الناس في شئونه الخاصة، كعادته في نومه وأكله، ونوع مأكوله وملبوسه وحديثه وكثير من أفعاله، وهذا يسمى عادة فردية. ٢. يطلق أيضاً على ما تعتاده الجماعات مما ينشأ في الأصل عن اتجاه عقلي وتفكير حسناً كان ذلك أو قبيحاً، وهذا يسمى عند الأكثرين عرفاً. ٣. كما تطلق العادة على كل حال متكررة سواء كانت ناشئة عن سبب طبيعي كإسراع بلوغ الأشخاص ونضج الثمار في الأقاليم الحارة، وإبطائه في الباردة وكثرة الأمطار في بعضها صيفاً وفي بعضها شتاءً. أم كانت ناشئة عن الأهواء والشهوات وفساد الأخلاق، كالتقاعس عن فعل الخبرات، والسعي بالضرر والفساد، وتفشي الكذب وأكل المال بالباطل والفسق والظلم، مما يسميه الفقهاء فساد الزمان. أم كانت ناشئة عن حادث خاص كفشو اللحن من اختلاط العرب بالأعاجم، فكل ذلك يعتبر في نظر الفقهاء من قبيل العادة، مع أن ما ذكر ثالثاً: إما أن يكون من قيل التلازم العقلي، وإما أن يكون مما لا يكون مقبولاً عند الطباع السليمة، فالأول ليس عادة عند الأصوليين لأنهم اشترطوا في العادة عدم التلازم العقلي، والثاني: يجب أن لا يكون عادة عند الفقهاء لأنه غير مقبول عند الشرع

стр. 266

ولا عند الطباع السليمة. فمعنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي. (إن العادة تجعل حَكَمَاً لإثبات حكم شرعي) . أي أن (للعادة في نظر الشارع حاكمية تخضع لها أحكام التصرفات، فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي مخالف لتلك العادة) . رأينا في تعريف العادة أنها مأخوذة من العود والمعاودة، فهي بتكررها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية، فهل العرف يختلف عن العادة؟ حينما عرَّف بعضهم العادة قال: (العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول) ، فعلى هذا فالعرف هو العادة المعروفة، فالعرف والعادة لفظان بمعنى واحد من حيث الماصَدَق - أي من حيث ما يدل عليه لفظاهما اصطلاحاً ويصدقان عليه، وهو العادة المعروفة - وإن كان مختلفين ن حيث المفهوم - اللغوي - حيث أن مفهوم كل واحد منهما مختلف عن الآخر. فالعادة هي العود والتكرار، والعرف هو المتعارف. وقد فرق بعض العلماء المُحدَثين بين مدلولي العرف والعادة، فأطلق العادة على ما يشتمل عادة الفرد والجماعة، وخص العرف بعادة الجماعة حيث عَرَّفه بأنه (عادة جمهور قوم في قول أو عمل) . فبينهما عموم وخصوص مطلق.

стр. 267

أنواع العادة والعرف وأقسامها: أولاُ: من حيث العموم والخصوص: العادة والعرف ثلاثة أنواع: ١. عادة عرفية عامة - أو عرف عام: هو عرف هيئة غير مخصوصة بطبقة من طبقاتها وواضعه غير متعين، وهو العرف الجاري منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم حتى زماننا، وهو العرف الذي قبله المجتهدون وعملوا به - ولو كان مخالفاً للقياس ويثبت به حكم عام. وهو العرف المعتبر الذي تخص به النصوص ويترك به القياس - أي القواعد العامة - ولكن لا يعتبر ذلك العرف إلا في زمن الرسالة، وأما الأعراف المستجدة بعد زمن الرسالة مهما عمَّت فلا تُخص بها النصوص ولا يترك بها القياس. وإنما ينزل الناس على حكمها فيما يتعاملون به ولم ينص على خلافه. والعموم قد يكون عموماً زمانياً فيكون العرف عاماً في الأزمنة كلها منذ عهد الصحابة إلى الآن، أو في عصر من العصور، وقد يكون عموماً مكانياً، بمعنى أن العرف يعم الأمكنة كلها ويعمل به في جميع البلاد أو أكثرها. ومن أمثلة العادة العرفية العامة: إذا حلف إنسان أن لا يضع قدمه في دار فلان - فهو يحنث ولو دخلها محمولاً وبقيت قدمه خارجها - ولا يحنث لو وضع قدمه فيها وبقي هو خارجها؛ لأن المراد بوضع القدم عند الجميع هو الدخول وليس مجرد وضع قدم فقط. وتعارف الناس عقد الاستصناع وهو الاتفاق على صنع أشياء معينة بأوصاف مبينة محددة وهو من بيع المعدوم ولكن جاز لتعارف الناس وتعاملهم به من العصر الأول، وهذا العرف يصلح مخصصاً للنص ويترك به القياس، كجواز السلم وغيره.

стр. 268

عادة عرفية خاصة، أو عرف خاص، وذلك ما كان عرفاً لإقليم خاص، أو طائفة مخصوصة، أو اصطلاحاً لطائفة مخصوصة، مثل: الرفع عند النحاة، فإنه عندهم اسم لما هو علم الفاعلية. والفرق والجمع والنقض عند علماء الجدل والمناظرة، فإن الفرق عندهم هو أن يبين في الأصل - المقيس عليه - وصف له مدخل في العلّية لا يوجد في الفرع فلا يصح القياس. والجمع هو أن يجمع بين الأصل والفرع بعلة مشتركة بينهما فيقع القيس. والنقض هو تخلف الحكم المدَّعى عن الدليل. مع أن معاني هذه الألفاظ اللغوية مختلفة عن هذه المعاني الاصطلاحية. النوع الثالث: عادة عرفية شرعية أو العرف الشرعي: كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من المصطلحات الشرعية، حيث تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية، فالصلاة في اللغة الدعاء، والزكاة معناها الزيادة أو الطهارة، والصوم مطلق الإمساك. والحج معناه القصد، لكن انتقلت هذه الألفاظ عن معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية، فأصبحت حقائق شرعية وأعرافاً شرعية بحيث أنها إذا أطلقت لم يتبادر إلى الأذهان إلى المعنى الشرعي، وهذا النوع يعتبر أيضاً من العرف الخاص. فالعادة العرفية الخاصة أو العرف الخاص إذا كان خاصاً في المكان بأن كان عرف أهل بلدة واحدة أو ناحية، فهو لا يعتبر عند جمهور الفقهاء مخصصاً ولا يجوز أن يترك به القياس، إذ قالت الحنفية والشافعية: (المذهب عدم اعتبار العرف الخاص) .

стр. 269

ولكن بعض فقهاء الحنفية والشافعية أفتوا باعتباره، ومثلوا له بما لو دفع غزلاً إلى حائك لينسجه بذراع منه أو بجزء شائع كالربع مثلاً، فعند جمهور فقهاء الحنفية والشافعية بأنه لا يجوز قياساً على قفيز الطحان. لكن بعض فقهاء الحنفية والشافعية - في بلاد ما وراء النهر - تركستان - أفتوا بجوازه حيث قالوا: وفيه عرف شائع عندنا ولو لم نُجَوِّزه، وعلل تجويزه بقوله: وإنما عدم جوازه قياساً على المنصوص - أي أن الأصل في المنع الأثر، ونسج الثوب مقيس على قفيز الطحان - قال: لكن القياس يترك بالعرف كما في الاستصناع. أي فحيث كان دليل المنع هنا القياس على قفيز الطحان، جاز العمل بخلاف القياس للعرف الشائع، وليس في ذلك مصادمة للنص. ونزل القفال من الشافعية العادة المطردة في ناحية منزلة الشرط، فقال: إذا عَمَ الناس اعتياد إباحة منافع الرهن للمرتهن فاطراد العادة فيه بمثابة شرط عقد في عقد حتى يفسد الرهن ويصبح عارية مضمونة، وجعل العرف الخاص بمثابة العادة العامة، ولم يساعده الجمهور على ذلك. والعلة في عدم جواز تخصيص النص أو القياس بالعرف الخاص كتعامل أهل بلدة واحدة؛ لأن تعامل أهل بلدة إن اقتضى أن يُجَوِّز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص، فلا يثبت التخصيص بالشك. ثانياً: من حيث العمل والقول: يقسم العرف إلى القسمين:

стр. 270

(ا) العرف العملي أو الفعلي: وهو ما جرى عليه عمل الناس في تصرفاتهم واعتيادهم على شيء من الأفعال العادية أو التصرفات المنشئة للالتزامات. من أمثلة العرف العملي: اعتياد الناس تعطيل بعض أيام الأسبوع عن العمل، وكاعتيادهم أكل نوع خاص من المآكل أو استعمال نوع من الملابس أو الأدوات. تعارف بعض البلدان والأقطار تقسيم المهر في الزواج إلى مقدم ومؤخر، وإن الذي يجب دفعه قبل الزواج هو المقدم، وأما الثاني فلا يجب إلا بالموت أو الطلاق أيهما أقرب. وتعارف الناس تقديم الأجرة قبل استيفاء المنفعة في إجارة الأماكن شهرياً أو سنوياً. اعتياد بعض الناس عند بيع الأشياء الثقيلة أن تكون حمولتها إلى مكان المشتري على البائع. والعرف العملي عند الحنفية يعتبر مخصصاً إذا كان عاماً خلافاً للجمهور حيث لا يعتبرون العرف مخصصاً إلا إذا كان قولياً. مثال للعرف العملي المخصص: لو وكل شخص آخر بأن يشتري له خبزاً أو لحماً، ومن عادة الناس في تلك البلدة أكل خبز خاص ولحم خاص، فليس للوكيل أن يشتري للموكل خبزاً من نوع آخر أو لحماً غير ما اعتادوه، اعتماداً على إطلاق الموكل، لأن العرف هنا يخص به الإطلاق، فيسمى عرفاً عاماً مخصصاً.

стр. 271

(ب) العرف القولي: وهو اصطلاح جماعة على لفظ يستعملونه في معنى مخصوص حتى يتبادر معناه إلى ذهن أحدهم بمجرد سماعه، وهذا العرف إذا كان عاماً فهو عند الجميع يسمى عرفاً مخصصاً كما سبق، أو هو تعارف الناس على إطلاق لفظ على معنى غير معناه اللغوي بحيث يتبادر منه هذا المعنى العرفي عند إطلاقه بدون حاجة إلى قرينة، حتى سموا استعمال اللفظ فيه حقيقة عرفية، لأن المعنى اللغوي صار مهجوراً لا يقصد من اللفظ إلا بقرينة تدل على إرادته. أمثلته: من قال لآخر اشتر لي دابة، والمتعارف عندهم أن لفظ الدابة يطلق على الحمار مثلاً فليس له أن يشتري فرساً أو بغلاً، استنباطاً من أن لفظ الدابة يطلق عند آخرين على ذات الأربع. وكذلك لو قال شخص لآخر: اشتر لي سيارة بخمسة آلاف، ولم يعين النقود هنا، فيلزم الوكيل أن يشتري بالريالات السعودية لأنها المتعارفة هنا عند الإطلاق، وليس له أن يشتري بريالات قطرية مثلاً أو دولارات أو جنيهات. مجالات عمل العادة والعرف. أو متى تكون العادة والعرف حجة وحكماً؟ إنما يعتبر العرف والعادة حجة وحكماً عند عدم مخالفته لنص شرعي أو شرط لأحد المتعاقدين، وفي حالة انعدام النص الموافق له، لأنه إذا وجد نص موافق للعرف، فالمعتبر النص دون العرف، ولذلك قالوا: (إن العادة تحكَّم فيما لا

стр. 272

ضبط له شرعاً أو لا نص لأحد المتعاقدين فيه) . وقد اعتمد الفقهاء على العرف في مسائل كثيرة جداً منها: أقل سن الحيض والبلوغ. وفي قدر الحيض والنفاس أقله وأكثره وأغلبه. وفي حرز المال المسروق. وفي كثرة الأفعال المنافية للصلاة. وفي التأخير المانع من الرد بالعيب. وفي الشرب وسقى الدواب من الجداول. وأما إذا كان هناك نص أو شرط مخالف للعرف فلا اعتبار للعرف هنا. وذلك كما لو استأجر شخص آخر ليعمل له من الظهر إلى العصر فقط بأجرة معينة، فليس للمستأجر أن يلزم الأجير بالعمل من الصباح إلى المساء بحجة أن عرف البلدة كذلك، بل يتبع المدة المشروطة بينهما. العرف والعادة أمام النصوص الشرعية: أولاً: إذا وافق العرف والعادة الدليل الشرعي فيجب مراعاته وتطبيقه؛ لأن العمل في الحقيقة بالدليل الشرعي لا بالعرف وإنما يستأنس بالعرف فقط. ثانياً: إذا خالف العرف الدليل الشرعي فالنظر إلى ذلك من أوجه: الوجه الأول: أن يخالف العرف الدليل الشرعي من كل وجه، وهو ما يعبر عنه بمصادمة النص، ويلزم من اعتبا العرف ترك النص، فهذا لا شك في رده وعدم اعتباره، لأن العرف والعادة إنما تعتبر حَكَمَاً لإثبات حكم شرعي إذا لم يرد نص في ذلك

стр. 273

الحكم المراد إثباته، فأما إذا ما ورد النص فيجب العمل بموجبه، ولا يجوز ترك النص للعمل بالعادة أو العرف لأسباب ثلاثة: الأول: لأنه ليس للعابد حق تغيير النصوص. الثاني: ولأن النص أقوى من العرف. الثالث: ولأن العرف قد يكون مستنداً على باطل، وأما نص الشارع فلا يجوز أن يكون مبنياً على باطل، فلذلك لا يترك القوي لأجل العمل بالضعيف. ومن أمثلة مخالفة العرف للنصوص: تعارف الناس كثيراً من المحرمات كالمعاملة بالربا وفوائد البنوك وشرب الخمر والتبرج ولبس الحرير والتختم بالذهب للرجال، وغير ذلك مما ورد تحريمه نصاً. الوجه الثاني: أن تكون مخالفة العرف للدليل الشرعي لا من كل وجه، وذلك بأن يرد الدليل عاماً والعرف خالفه في بعض أفراده، أو كان الدليل قياساً، فإن العرف يعتبر إذا كان عرفاً عاماً، وهو المتعارف في جميع البلاد أو أكثرها، لأن العرف العام يصلح مخصصاً ويترك به القياس، كما سبق بيانه، وذلك كما في جواز السلم والاستصناع، ودخول الحمام، والشرب من السقاء، وكثير من مسائل الفقه، مذكورة في أبوابه، وأما إذا كان العرف خاصاً فلا يعتد به عند الأكثرين. الوجه الثالث: أن يكون النص الذي جاء العرف بمخالفته مبنياً على العرف والعادة السائدين في زمان نزوله، فإنه عند بعض الأئمة يترك النص ويصار إلى العرف والعادة إذا تبدلت بتبدل الزمان.

стр. 274

مثال ذلك: الأموال الربوية إما وزنية كالذهب والفضة وما يقاس عليها، وإما كيلية كالتمر والبر والشعير والملح وما يقاس عليها، فعند جمهور الفقهاء وأئمة المذاهب أنه لا يجوز بيع الوزني بجنسه إلا وزناً، ولا بيع الكيلي بجنسه إلا كيلا؛ لأن النص ورد فيها كذلك فلو تغير عرف الناس وأصبح الذهب يباع عدداً مثلاً، والتمر ما معه يباع وزناً، فلا يجوز استبدال الذهب والفضة بجنسهما إلا وزناً، وكذلك لا يجوز استبدال التمر أو أحد أخواته إلا كيلاً، وإلا كان رباً فيحرم، ولكن بعض الفقهاء رأى أنه إذا تبدل العرف فيجوز استعمال الناس بالعرف الحادث، ومنهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والشيخ تقي الدين ابن تيمية حيث قال: إن بيعَ المكيل بشيء من جنسه وزناً ساغ. وقال في الفروع: ويتوجه من جواز بيع حب بدقيقه وسويقه جواز بيع مكيل وزناً وموزون كيلاً اختاره شيخنا، وفي هذا في الحقيقة تسهيل ورفع حرج عظيم عن الناس فيما اعتادوه من استعمال ما نص عليه الشارع أنه مكيل موزوناً وبالعكس. الوجه الرابع: أن يخالف العرف مسائل فقهية لم تثبت بصريح النص، بل بالاجتهاد والرأي، وكثير منها بناه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في الزمان

стр. 275

الذي حدث فيه العرف الجديد لقال بخلاف ما قال أولاً، فهذا يعتبر فيه عرف الحادثة ولو خالف حكماً سابقاً مبنياً على عرف مخالف، وهذا مبني على قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) . ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: إنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام يختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد. ولهذا ترى كثيراً من العلماء خالفوا ما نص عليه المجتهدون في مواضع كثيرة بناء على ما كان في زمنهم، لعلمهم بأنهم لو كانوا في زمنهم لقالوا بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبهم. أمثلة و فروع على القاعدة: إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطاء المعلمين، إذ لو اشغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة أو صناعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذلك على الإمامة والأذان، مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه كثير من أئمة المذاهب من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليها كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك. ومن ذلك تضمين الساعي بالفساد، مع أن ذلك مخالف لقاعدة (الضمان على المباشر دون المتسبب) ولكن أفتوا بضمانه زجراً بسبب كثرة السعاة المفسدين. وتضمين الأجير المشترك.

стр. 276

وقولهم: إن الوصي ليس له أن يضارب في مال اليتيم والوقف، وبعدم إجارته دور اليتيم والوقف لأكثر من سنة، والأراضي لأكثر من ثلاث سنين، مع مخالفة ذلك لاجتهادات كثير من الأئمة بعدم الضمان وعدم التقدير بمدة. ومن ذلك منع النساء عما كنَّ عليه في زمن ﷺ من حضور المساجد لصلاة الجماعة. وإفتاؤهم بمنع الزوج من السفر بزوجته بغير رضاها، وإن أوفاها المهر المعجل. وعدم قبولهم قول الزوج: إنه استثنى بعد الحلف بطلاق زوجته، أي قوله بعد الطلاق: إن شاء الله، إلا ببينة لفساد الزمان. إلى غير ذلك من الشواهد على تغيير الأحكام لتغيير الأعراف والأحوال. ولكن لا بد للمفتي والحاكم من نظر سديد وتبحر مديد في الأحكام الشرعية أصلاً وفروعاً، مع الوقوف على أحوال الزمان وأهله وعادتهم، ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام، وأنه مخالف للنص أولاً، وعن هذا قال أحد المحققين: (لا بد للحاكم من فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع. وكذلك المفتي الذي يفتي بالعرف لا بد له من معرفة الزمان وأحواله أهله، ومعرفة أن هذا العرف عام أو خاص، وأنه مخالف للنص أو غير مخالف) . تعارض الألفاظ: أولاً: تعارض اللفظ بين العرف والشرع: ومعناه أن يرد لفظ له معنى في الشرع ومعنى في العرف ويكون معناه في

стр. 277

الشرع أعم أو أخص. فإذا تعارض لفظ بين العرف والشرع فينظر: (ا) إذا كان ذلك اللفظ استعمل في الشرع بلا تعلق حكم ولا تكليف قدِّم العرف وخاصة في الإيمان، لأن الإيمان مبناها على عرف الحالف. فمن ذلك: إذا حلف لا يجلس على الفراش أو البساط، أو لا يستضيء بالسراج، لم يحنث بجلوسه على الأرض وإن سماها الله تعالى فراشاً وبساطاً. ولا يحنث بالاستضاءة بالشمس، وإن سماها الله تعالى سراجاً. كذل إذا حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء لم يحنث، وإن سماها الله تعالى سقفاً. وكذلك لو حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل السمك، وإن سماه الله تعالى لحماً. وكذلك لو حلف لا يركب دابة، فركب كافراً لم يحنث، وإن سماه الله تعالى دابة، إذا يقدم في ذلك كله وأمثاله عرف الاستعمال لأنه المتبادر حين الحلف. أو حلف لا يأكل ميتة أو دماً لم يحنث بالسمك ولا بالجراد ولا بالكبد والطحال. (ب) أن يكون اللفظ في إطلاق الشارع قد تعلق به حكم، فيقدم استعمال الشرع هنا على الاستعمال العرفي. ومن أمثلته: إذا حلف لا يصلي لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو حلف لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك بغير نية. أو حلف لا ينكح حنث بالعقد إن كان غير متزوج لا بالوطء لأنه الشائع شرعاً، وأما إن كان زوجة وحلف لا ينكح فيحنث بالوطء.

стр. 278

أو قال: إن رأيت الهلال فأنت طالق، فرآه غيره وعلمت به، طلقت، حملاً له على الشرع فإن الرؤية فيه بمعنى العلم. لقوله ﷺ : (إذا رأيتموه فصوموا) . ج: وأما إن كان اللفظ العرفي يقتضي العموم والشرعي يقتضي التخصيص اعتبر خصوص الشرع في الأصح عند الحنفية وغيرهم. ومن أمثلته: إذا حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل الميتة، لأن الشارع ما سمي الميتة لحماً. وإذا أوصى لأقاربه، لم يدخل ورثته عملاً بتخصيص الشرع حيث: (لا وصية لوارث) . هذا عند الحنفية والشافعية، وأما عند الحنابلة ففيه وجهان. ثانياً: تعارض اللفظ بين اللغة والعرف: (ا) عند الحنفية: إن الأيمان مبنية على العرف قولاً واحداً لا على الحقائق اللغوية، فمن حلف لا يأكل الخبز لم يحنث إلا بما اعتاده أهل بلده. ولو حلف لا يأكل الرأس لم يحنث إلا برأس الغنم إذا كان أهل بلده لا يعدّون غيره رأساً. وكذلك لو حلف لا يدخل بيتاً لم يحنث بدخول الكعبة أو المسجد أو كنيسة أو بيعة أو بيت نار.

стр. 279

وقد خرجت عن هذا مسائل عند بعضهم اعتد فيها بالإطلاق اللغوي منها: ولو حلف لا يأكل لحماً حنث بأكل لحم الخنزير والآدمي. ولو حلف لا يركب حيواناً يحنث بالركوب على الإنسان. وكذلك قالوا فيمن حلف لا يهدم بيتاً حنث بهدم بيت العنكبوت، بخلاف لا يدخل بيتاً، قالوا: والعلة في ذلك لتناول اللفظ، والعرف العملي لا يصلح مقيداً، بخلاف لا يركب دابة، ولكن الراجح في المذهب خلافه. (ب) أما عند الشافعية: فقد اختلفوا في ذلك، إذ قدم بعضهم الحقيقة اللفظية عملاً بالوضع اللغوي، فإذا حلف لا يسكن بيتاً وسكن خيمة حنث، سواء كان بدوياً أو قروياً. وقد آخرون الدلالة العرفية: قالوا: لأن العرف يحكم في التصرفات لا سيما الأيمان. ومبنى خلافهم اختلاف ما ورد عن الإمام الشافعي ﵀ في ذلك، حيث اعتبر الحقيقة اللغوية تارة، والعرفية تارة أخرى. لو دخل دار صديقه فقدم إليه طعاماً فامتنع، فقال: إن لم تأكل فامرأتي طالق. فخرج ولم يأكل. ثم قدم اليوم الثاني فقدم إليه ذلك الطعام فأكل، فعلى القول الأول لا يحنث، أو لا تطلق امرأته، وعلى الثاني يحنث. وإن حلف لا يسكن بيتاً فإن كان بدوياً حنث بالمبني وغيره، لأنه قد تظاهر فيه العرف واللغة؛ لأن الكل يسمونه بيتاً، وإن كان من أهل المدن فوجهان، إن اعتبر العرف لم يحنث. وقالوا: والأصح الحنث ترجيحاً للاستعمال اللغوي. ولو حلف لا يشرب ماء، حنث بالمالح، وإن لم يعتد شربه، اعتباراً بالإطلاق والاستعمال اللغوي.

стр. 280

حلف لا يأكل الخبز، حنث بخبز الأرز، وإن كان من قوم لا يتعارفون ذلك، لإطلاق الاسم عليه لغة. وإذا قال: أعطوه دابة. أعطى فرساً أو بغلاً أو حماراً على المنصوص، لا الإبل والبقر؛ إذ لا يطلق عليها عرفاً وإن كان يُطلق عليها لغة. فهنا قدم العرف. ومن تقديم العرف عندهم: إذا قال: زوجتي طالق. لم تطلق سائر زوجاته عملاً بالعرف. وإن كان وضع اللغة يقتضي ذلك؛ لأن الاسم الجنس إذا أضيف عمّ. وكذلك قوله: الطلاق يلزمني. لا يحمل على الثلاث. وإن كانت الألف واللام للعموم. (ج) وأما عند الحنابلة: ففرقوا بين أن يكون قد غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده حتى صار حقيقة عرفية، فهذا خصوا به العموم دون خلاف، أي أعملوا العرف، فمن حلف على شواء، اختصت يمينه باللحم المشوي دون البيض وغيره مما يشوي. كذلك لو حلف على لفظ الدابة والسقف والسراج والوتد، لا يتناول إلا ما يسمى في العرف كذلك، دون الآدمي والسماء والشمس والجبل؛ لأن هذه التسمية في هذه هجرت حتى عادت مجازاً. وبين أن لا يكون غلب الاستعمال الخاص وتحت ذلك صورتان. (ا) أحدهما: ما لا يطلق عليه الاسم العام إلا مقيداً به ولا يفرد بحال، فهذا لا يدخل في العموم بغير خلاف. مثل جوز الهند لا يدخل في مطلق الجوز، والتمر هندي لا يدخل في مطلق التمر، فمن حلف لا يأكل جوزاً أو تمراً لا يحنث بأكل

стр. 281

جوز الهند أو التمر هندي. (ب) الثانية: ما يطلق عليه الاسم العام لكن الأكثر أن لا يذكر معه إلا بقرينة ولا يكاد يفهم عند الإطلاق دخول فيه، فهذا فيه خلاف. فلو حلف لا يأكل الرؤوس فعند بعضهم: إنه يحنث بأكل كل ما يسمى رأساً من رؤوس الطير أو السمك، وعند آخرين إنه لا يحنث إلا برأس يؤكل في العادة مفرداً. وكذلك لو حلف لا يأكل البيض فهو على الوجهين أيضاً. كذلك لو حلف لا يأكل اللحم ففي أكل السمك وجهان أيضاً. وكذلك لو حلف لا يدخل بيتاً. (د) وأما عند المالكية، فقد سبق أن ذكرت أن الأيمان عندهم مبنية على النية أولاً، فإن لم تكن نية فعلى الباعث، أو ما يسمونه البساط، أي ملابسات الحادثة، فإن لم يكن باعث فعلى العرف وإلا فعلى الوضع اللغوي. ومنهم من لم يعمل العرف.

стр. 282

-- القاعدة الكلية الفرعية المندرجة تحت قاعدة (العادة محكَّمة) : -- القاعدة الكلية الفرعية الأولى: قاعدة: (استعمال الناس حجة يجب العمل بها) . هذه القاعدة ب معنى القاعدة الكبرى، العادة محكمة، ومبينة لها وهي شاملة للعرف القولي والعرف العملي. معنى القاعدة: (إن عادة الناس، إذا لم تكن مخالفة للشرع، حجة ودليل يجب العمل بموجبها، لأن العادة محكَّمة) . واستعمال الناس إن كان عاماً يعدّ حجة في حق العموم. وأما إذا كان العرف خاصاً ببلدة مثلاً، فقد رأينا أن جمهور الحنفية والشافعية لا يعدُّونه حجة تخصص النص العام أو القياس. ودليلهم على ذلك: أن الإجماع العمومي يستحيل تواطؤ أفراده على الكذب والضلال لكثرتهم واختلاف أقطارهم، وأما العرف الخاص فلا يمتنع فيه ذلك، وهو مع ذلك يخالفه عرف بلد آخر. فما يتفق مع النص ويساير القياس فهو أولى بالاعتبار من المخالف. وحاصل القاعدة: أن استعمال الناس غير المخالف للشرع ولا لنصوص الفقهاء، يعدُّ حجة كبيع السلم وعقد الاستصناع مثلاً، فقد اتفق الفقهاء على جوازهما لما مسَّت الحاجة إليهما مع أنهما في الأصل غير جائزين لأنهما بيع

стр. 283

معدوم. ملحوظة: قد يعتبر استعمال الناس المخالف لنصوص الفقهاء إذا كانت هذه النصوص مبنية على العرف أو على ضرب من الاجتهاد والرأي، فبتبدل العرف لا مانع من تبدل الحكم إذا كان الاستمرار على الحكم السابق فيه ضرر ومشقة تصيب العباد. فمن ذلك: عدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، فعلى الحاكم أن يتحقق من عدالة الشهود مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أو حنيفة ﵀ من الاكتفاء بظاهر العدالة، وبناءً على ما كان في زمنه من غلبة العدالة على الناس، ولكن أبا يوسف ومحمداً نصاً على أنه لا يكتفي بذلك الظاهر لفشو الكذب في زمانهما، وعلى ذلك فقهاء مختلف المذاهب. ومن ذلك تضمين الساعي (أي النمَّام) بالفساد بين الناس ما أتلف بسبب سعايته مع مخالفة ذلك لقاعدة: (الضمان على المباشر دون المتسبب) ، ولكن لكثرة السعاة المفسدين أفتوا بتضمينه. وسيأتي مزيد من الأمثلة على ذلك حين الحديث عن قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) . من أمثلة هذه القاعدة وفروعها: إذا استعان شخص بآخر على شراء عقار، وبعد وقوع البيع والشراء طلب المستعان به من المستعين أجرة، فينظر تعامل أهل السوق، فإن كان معتاداً في مثل هذه الحال أخذ أجرة كصاحب مكتب عقاري، فللمستعان به أخذ الأجرة المثلية من

стр. 284

المستعين وإلا فلا. وإذا تقاول ملاح مع نجار على أن يصنع له زورقاً أو سفينة وبيَّن له طولها وعرضها وأوصافها اللازمة، وقبل النجار بعد بيان الثمن المطلوب، انعقد الاستصناع. وكذلك لو اتفق إنسان مع مقاول أو متعهد أن يبني له بيتاً طبقاً لمخطط مرسوم ومواصفات خاصة بثمن مبين وشروط واضحة، انعقد الاستصناع وجازت المعاملة. ومنها لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة، حُمِل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره، بغير خلاف، إلا إذا نص في العقد على زمن مخصوص.

стр. 285

-- القاعدتان الكليتان الفرعيتان الثانية والثالثة: ٢. قاعدة: (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت) . ٣. قاعدة: (العبرة للغالب الشائع لا للنادر) . هاتان القاعدتان تعبران عن بعض شرائط العرف لكي يعتبر. وهي شرائط: الاطراد، والغلبة، والشيوع. ما المراد باطراد العرف؟ المراد من اطراد العرف هنا: أن يكون العمل به مستمراً في جميع الأوقات والحوادث، بحيث لا يتخلف إلا بالنص على خلافه، ومعنى ذلك أن تكون العادة كلية. فجريان العرف على تقسيم المهر في النكاح، في بعض البلدان، إلى معجل ومؤجل إنما يكون مطرداً في البلد إذا كان أهله يجرون على هذا التقسيم في جميع حوادث النكاح، ولا يخرجون عنه إلا عند النص على خلافه. ما المراد من الغلبة؟ المراد من الغلبة هنا: أن يكون جريان أهله عليه حاصلاً في أكثر الحوادث أو عند أكثر الناس. فاشتراط الاطراد والغلبة هو في الحقيقة اشتراط للأغلبية العملية فيه لأجل اعتباره حاكماً في الحوادث. ما المراد من الشيوع؟
следующие страницы →