Полный текст (399 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
جوز الهند أو التمر هندي.
(ب) الثانية: ما يطلق عليه الاسم العام لكن الأكثر أن لا يذكر معه إلا بقرينة ولا يكاد يفهم عند الإطلاق دخول فيه، فهذا فيه خلاف.
فلو حلف لا يأكل الرؤوس فعند بعضهم: إنه يحنث بأكل كل ما يسمى رأساً من رؤوس الطير أو السمك، وعند آخرين إنه لا يحنث إلا برأس يؤكل في العادة مفرداً.
وكذلك لو حلف لا يأكل البيض فهو على الوجهين أيضاً.
كذلك لو حلف لا يأكل اللحم ففي أكل السمك وجهان أيضاً.
وكذلك لو حلف لا يدخل بيتاً.
(د) وأما عند المالكية، فقد سبق أن ذكرت أن الأيمان عندهم مبنية على النية أولاً، فإن لم تكن نية فعلى الباعث، أو ما يسمونه البساط، أي ملابسات الحادثة، فإن لم يكن باعث فعلى العرف وإلا فعلى الوضع اللغوي.
ومنهم من لم يعمل العرف.
стр. 282
-- القاعدة الكلية الفرعية المندرجة تحت قاعدة (العادة محكَّمة) :
-- القاعدة الكلية الفرعية الأولى:
قاعدة: (استعمال الناس حجة يجب العمل بها) .
هذه القاعدة ب معنى القاعدة الكبرى، العادة محكمة، ومبينة لها وهي شاملة للعرف القولي والعرف العملي.
معنى القاعدة:
(إن عادة الناس، إذا لم تكن مخالفة للشرع، حجة ودليل يجب العمل بموجبها، لأن العادة محكَّمة) .
واستعمال الناس إن كان عاماً يعدّ حجة في حق العموم.
وأما إذا كان العرف خاصاً ببلدة مثلاً، فقد رأينا أن جمهور الحنفية والشافعية لا يعدُّونه حجة تخصص النص العام أو القياس.
ودليلهم على ذلك: أن الإجماع العمومي يستحيل تواطؤ أفراده على الكذب والضلال لكثرتهم واختلاف أقطارهم، وأما العرف الخاص فلا يمتنع فيه ذلك، وهو مع ذلك يخالفه عرف بلد آخر.
فما يتفق مع النص ويساير القياس فهو أولى بالاعتبار من المخالف.
وحاصل القاعدة: أن استعمال الناس غير المخالف للشرع ولا لنصوص الفقهاء، يعدُّ حجة كبيع السلم وعقد الاستصناع مثلاً، فقد اتفق الفقهاء على جوازهما لما مسَّت الحاجة إليهما مع أنهما في الأصل غير جائزين لأنهما بيع
стр. 283
معدوم.
ملحوظة: قد يعتبر استعمال الناس المخالف لنصوص الفقهاء إذا كانت هذه النصوص مبنية على العرف أو على ضرب من الاجتهاد والرأي، فبتبدل العرف لا مانع من تبدل الحكم إذا كان الاستمرار على الحكم السابق فيه ضرر ومشقة تصيب العباد.
فمن ذلك: عدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، فعلى الحاكم أن يتحقق من عدالة الشهود مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أو حنيفة ﵀ من الاكتفاء بظاهر العدالة، وبناءً على ما كان في زمنه من غلبة العدالة على الناس، ولكن أبا يوسف ومحمداً نصاً على أنه لا يكتفي بذلك الظاهر لفشو الكذب في زمانهما، وعلى ذلك فقهاء مختلف المذاهب.
ومن ذلك تضمين الساعي (أي النمَّام) بالفساد بين الناس ما أتلف بسبب سعايته مع مخالفة ذلك لقاعدة: (الضمان على المباشر دون المتسبب) ، ولكن لكثرة السعاة المفسدين أفتوا بتضمينه.
وسيأتي مزيد من الأمثلة على ذلك حين الحديث عن قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
إذا استعان شخص بآخر على شراء عقار، وبعد وقوع البيع والشراء طلب المستعان به من المستعين أجرة، فينظر تعامل أهل السوق، فإن كان معتاداً في مثل هذه الحال أخذ أجرة كصاحب مكتب عقاري، فللمستعان به أخذ الأجرة المثلية من
стр. 284
المستعين وإلا فلا.
وإذا تقاول ملاح مع نجار على أن يصنع له زورقاً أو سفينة وبيَّن له طولها وعرضها وأوصافها اللازمة، وقبل النجار بعد بيان الثمن المطلوب، انعقد الاستصناع.
وكذلك لو اتفق إنسان مع مقاول أو متعهد أن يبني له بيتاً طبقاً لمخطط مرسوم ومواصفات خاصة بثمن مبين وشروط واضحة، انعقد الاستصناع وجازت المعاملة.
ومنها لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة، حُمِل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره، بغير خلاف، إلا إذا نص في العقد على زمن مخصوص.
стр. 285
-- القاعدتان الكليتان الفرعيتان الثانية والثالثة:
٢. قاعدة: (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت) .
٣. قاعدة: (العبرة للغالب الشائع لا للنادر) .
هاتان القاعدتان تعبران عن بعض شرائط العرف لكي يعتبر.
وهي شرائط: الاطراد، والغلبة، والشيوع.
ما المراد باطراد العرف؟
المراد من اطراد العرف هنا: أن يكون العمل به مستمراً في جميع الأوقات والحوادث، بحيث لا يتخلف إلا بالنص على خلافه، ومعنى ذلك أن تكون العادة كلية.
فجريان العرف على تقسيم المهر في النكاح، في بعض البلدان، إلى معجل ومؤجل إنما يكون مطرداً في البلد إذا كان أهله يجرون على هذا التقسيم في جميع حوادث النكاح، ولا يخرجون عنه إلا عند النص على خلافه.
ما المراد من الغلبة؟
المراد من الغلبة هنا: أن يكون جريان أهله عليه حاصلاً في أكثر الحوادث أو عند أكثر الناس.
فاشتراط الاطراد والغلبة هو في الحقيقة اشتراط للأغلبية العملية فيه لأجل اعتباره حاكماً في الحوادث.
ما المراد من الشيوع؟
стр. 286
والمراد من الشيوع هنا: اشتهار العمل بذلك العرف وانتشاره بين الناس، وأما إذا كان العرف خاصاً، فقد رأينا أنه لا يعتد به في الأصح في تخصيص النص أو الأثر، فأولى بذلك العرف النادر استعماله.
وأما إذا تساوى عمل الناس وعدمه بالعادة أو العرف فيسمى حينئذ عرفاً مشتركاً، والعرف المشترك لا يعتبر في معاملات الناس ولا يصلح مستنداً ودليلاً للرجوع إليه في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة، لأن عمل القوم به أحياناً إذا صلح دليلاً على قصدهم إلى تحكيمه، فتركهم له أحياناً مماثلة ينقض هذه الدلالة.
وهذان الشرطان شاملان للعرف العام والعرف الخاص، عند من يقول باعتباره، فكلاهما يشترط لاعتباره وتحكيمه في المعاملات المطلقة أن يكون في محيطه مطرداً أو غالباً على أعمال أهله، وشائعاً بينهم شيوعاً شاملاً لهم.
стр. 287
-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة:
٤. قاعدة: (العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر اللاحق) .
ولذلك قالوا: (لا عبرة بالعرف الطارئ) :
هذه القاعدة تعبر عن شرط آخر من شروط اعتبار العرف وهو: كونه سابقاً للحكم في الوجود لا تالياً له متأخراً عنه، وأن يحمل الحكم على العرف الموجود وقت التلفظ، فلا يجوز أن يحمل حكم حدث قبلاً على عرف حدث متأخراً؛ لأن النصوص التشريعية يجب أن تفهم مدلولاتها اللغوية والعرفية في عصر صدور النص لأنها هي مراد الشارع أو العاقد، ولا اعتبار بتبديل مفاهيم اللفظ في الأعراف المتأخرة.
فمثلاً: لفظ في سبيل الله، ولفظ ابن السبيل من آية مصارف الزكاة لها معنى عرفي إذ ذاك وهو مصالح الجهاد الشرعي أو سبل الخيرات في الأول، ومن ينقطع من الناس في السفر، في الثاني، فلو تبدل عرف الناس في شيء من هذه التعابير فأصبح سبيل الله مثلاً، معناه طلب العلم خاصة، وابن السبيل الطفل اللقيط مثلاً، فإن النص الشرعي يبقى محمولاً على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولاً به في حدود ذلك المعنى لا غير، ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحية الطارئة.
ولأن العبرة بالعرف المقارن السابق لا المتأخر أثرت العادة الغالبة في المعاملات لكثرة وقوعها، ولم تعتبر في التعليق والإقرار والدعوى، إذ يبقى الشرط
стр. 288
في التعليق على عمومه ولا يخصه العرف الطارئ عليه، لأن انعقاده إنما هو على العرف المقارن للتلفظ لا على العرف الحادث بعده، فلو كان العرف في بلدة على بيع رأس الغنم وأكله فقال لزوجته: إن أكلت رأساً فأنت طالق، ثم تعورف فيها أكل رأس البقر فأكلت بعد تبديل العرف رأس البقر، قالوا: لا يقع الطلاق، لأن اليمين انعقدت على رأس الغنم بحسب العرف المقارن للتعليق، فلا يتغير بالعرف المتأخر.
وأما الإقرار فهو إخبار عن وجوب سابق وربما يتقدم الوجوب على العرف الحادث الغالب في البلد، فلو اعتبر فيه العرف دائماً لأدى إلى إبطال بعض الحقوق فلا بد من التفصيل.
فلو أقر لإنسان بألف ريال غصبها أو سرقها أو استدانها منذ خمسين سنة ولم يبين فيجب حملها على الريالات التي كانت سائدة في ذلك الزمن، لا الريالات التي يتعارفها الناس اليوم، إلا أن يُبين.
وكذلك الدعوى، لأن الدعوى كالإقرار فهي إخبار بما تقدم، فلا يقيدها العرف المتأخر، بخلاف العقد فإنه باشره للحال فقيده العرف، ولذلك صدرت هذه المقولة: (إن العادة الغالبة إنما تؤثر في المعاملات لكثرة وقوعها، ولا تؤثر في التعليق والإقرار والدعوى، بل يبقى اللفظ فيها على عمومه ولا يخصصه العرف فإذا اشترى بألف في بلد عملته الريالات لزمه ذلك، لأن البيع معاملة والغالب أن المعاملة تقع بما اعتاده الناس من نقود) .
стр. 289
-- القواعد الكلية الفرعية الخامسة والسادسة والسابعة وهي:
٥. قاعدة: الحقيقة تترك بدلالة العادة.
٦. قاعدة: الكتاب كالخطاب.
هذه القواعد الثلاث تتعلق باعتبار العرف اللفظي وما يقوم مقامه عرفاً في التعبير كالكتابة والإشارة.
-- القاعدة الأولى منها: (الحقيقة تترك بدلالة العادة) :
هذه القاعدة تدخل تحت مسألة تعارض اللغة مع العرف.
فمعنى الحقيقة في اللغة: من حَقَّ الشيء إذا ثبت، والمراد بالحقيقة هنا: دلالة اللفظ في أصل وضع اللغة، وهو المعبر عنه في اصطلاح البلاغيين بأنه: (اللفظ المستعمل فيما وضع له) أي تعيَّن له بحيث يدل عليه بغير قرينة، سواء كان التعيين من جهة واضع اللغة فيكون حقيقة لغوية، أم غيره، فيكون حقيقة عرفية أو شرعية.
أنواع الحقيقة:
للحقيقة أربعة أنواع:
١. حقيقية لغوية:
وهي الألفاظ المستعملة فيما وضعت له لغة، كلفظ الأسد للحيوان المفترس، ولفظ الحمار للحيوان الناهق، ولفظ الدابة في كل ما دب على
стр. 290
الأرض.
٢. حقيقة شرعية:
وهي الألفاظ التي وضعها الشارع للدلالة على معانيها الخاصة كالصلاة والزكاة والصوم والحج، إلخ.
٣. حقيقة عرفية عامة:
وهي اللفظ الذي غلب استعماله في غير مسماه اللغوي، كلفظ الدابة في ذوات الأربع، أو على الحمار خاصة أو الفرس في بعض البلدان.
٤. حقيقة عرفية خاصة:
وهي الألفاظ التي يستعملها بعض الطوائف كاصطلاح لهم، كلفظ الفعل والفاعل عند النحاة، والجوهر والعرض عند المتكلمين، والسبب والوتد عند العروضيين.
ولما كان الأصل في الكلام الحقيقة، كما سيأتي بيانه، كان الواجب استعمال كل لفظ في معناه الحقيقي؛ ولكن قد يهجر المعنى الحقيقي عرفاً أو عادة، فيكون الحكم في ذلك متعذراً أو كالمتعذر.
مثال ذلك: لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان، إذ ينصرف المعنى إلى الدخول بأي وجه كان راكباً ما ماشياً، حافياً أو منتعلاً لأنه هو المتعارف، لا المعنى الحقيقي، وهو مباشرة القدم دخل أو لم يدخل، لأن هذا المعنى مهجور عرفاً، والعرف قاض على الوضع، وقد تركت الحقيقة هنا بدلالة العادة والعرف.
-- معنى القاعدة اصطلاحاً:
إن دلالة اللفظ الحقيقية تترك ولا تعتبر إذا دل العرف والعادة على استعمال هذه اللفظة استعمالاً مغايراً لمعناها الحقيقي، ويبني الحكم على المعنى الذي دل عليه العرف والعادة.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
صيغ الماضي في العقود كبعث واشتريت يتم العقد بها، وإن كانت للماضي
стр. 291
وضعاً، لأنها جعلت إيجاباً للحال في عرف أهل اللغة والشرع.
وأما القاعدة الثانية وهي:
قاعدة: (الكتاب كالخطاب) :
فتفيد أن العبارات الكتابية كالمخاطبات الشفهية، لأن المراد بالخطاب هنا المخاطبة والمكالمة، فما يترتب على المكالمات الشفوية يترتب على المكالمة الكتابة وكما قيل: القلم أحد اللسانين، والكتابة ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا.
والرسول ﷺ كان مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة وبلغهم بالكتاب مرة وبالخطاب أخرى، والقرآن أصل الدين قد وصل إلينا بالكتاب بعد ثبت بالحجة.
والكتابة على هذا معمول بها سواء كانت من الجانبين، كما لو كان رجل في مكة فكتب إلى آخر في دمشق: بعتك داري الكائنة في دمشق أو غيرها وذكر أوصافها وحدودها والمبلغ الذي سيبيعها به، فكتب إليه الآخر: اشتريت منك الدار المذكورة، فيعقد البيع بينهما كالمشافهة، أم كانت الكتابة من جانب واحد كما لو قال المكتوب إليه في دمشق، حال قراءة الكتاب في المجلس: اشتريت، أو خاطبه بالقبول هاتفياً.
وعلى هذا سائر التصرفات المالية والعقود من كفالة أو حوالة أو إيجار أو نكاح، إلخ، غير أن صحة عقد النكاح تتوقف على أن يقرأ المكتوب إليه الكتاب ويعلن الموافقة بمحضر من الشهود.
-- شروط الكتابة المقبولة:
من شروط الكتابة المقبولة التي هي في حكم الخطاب، أن تكون مستبينة
стр. 292
أي بينة واضحة الخط، ومعنونة بأن كانت على الرسم المعتاد، فلو لم تكن مستبينة أو غير معنونة فلا يعمل بها إلا بالنية أو الإشهاد عليها، أو الإملاء على الغير، إلا في خط السمسار والبياع والصراف يكتبون ما عليهم في دفاترهم، فيعمل به وإن لم يكن معنوناً.
والحاصل: أن كل كتاب يحرر على الوجه المتعارف بين الناس يكون حجة على كاتبه كالنطق باللسان.
-- القاعدة الثالثة:
(الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان) .
-- معنى هذه القاعدة:
إن إشارة الأخرس، وهو المعقول اللسان خلقه أو عاهة دائمة، إشارته المعهودة منه كالإشارة باليد أو بالعين أو الحاجب تعتبر كبيان الناطق في بناء الأحكام عليها.
-- التعليل:
إن الأخرس لو لم تعتبر إشارته لما صحت معاملته لأحد من الناس، ولكان عرضة للموت جوعاً وعرياً إن لم يجد أحداً يقضي له مصالحه نيابة عنه، ووجود النائب في كل حال متعذر، وكيف تقبل نيابته إذا لم تعتبر إشارته؟!
ويفهم من إيراد هذه القاعدة مطلقة أن إشارة الأخرس تكون معتبرة سواء كان عالماً بالكتابة أو غير عالم؛ لأن الكتابة والإشارة بدرجة واحدة من حيث الدلالة على المراد.
стр. 293
فيم تعتبر إشارة الأخرس؟
تعتبر إشارة الأخرس في كل تصرفاته ومعاملاته من: نكاح وطلاق وعتق وبيع وشراء ورهن وهبة وإبراء وإقرار ويمين ونكول ووصية ودعوى ولعان وقذف وإسلام وغير ذلك من الأحكام، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته.
فكما أن الشرع قد اعتبر إشارة الأخرس في العبادات فإذا حَرَّك لسانه بالقراءة والتكبير كان صحيحاً معتبراً فكذلك في المعاملات.
وإذا كانت الإشارة قد تكون بياناً من القادر في بعض المواضع، كما ثبت أن الرسول ﷺ ، وهو أفصح العرب والعجم، قد أنبأنا بالإشارة عدد أيام الشهر حينما قال: (الشهر هكذا) ويشير بيده أنه تسعة وعشرون يوماً، فالعاجز عن النطق أولى أن تقبل إشارته وتكون بياناً لما يريد، ولأن الكتاب من الغائب إذا كان معتبراً كالخطاب ففي حق الأخرس أولى، لأن عجزه أظهر وألزم عادة، لأن الغائب يقدر على الحضور والأخرس لا يقدر على الكلام والتعبير، فكان قبول إشارته أولى.
ما الإشارة المعتبرة للأخرس؟
الإشارة المعتبرة للأخرس هي الإشارات المعهودة المعتاد صرف كل إشارة منها لمعنى خاص، فلو لم تكن إشارته معهودة معلومة عند القاضي يلزم استفساره
стр. 294
ممن يعرف من نحو أصحابه وجيرانه وأقربائه، ويشترط أن يكون المترجم عدلاً، لأن الفاسق لا يقبل كلامه.
مَن الأخرس الذي يعتد بإشارته؟
اختلف في المراد بالأخرس هل هو الأخرس خلقه دون من عرض له اعتقال اللسان أو هما سواء! خلاف بين المذاهب، فعند الحنفية إنما يعتد بإشارة الأخرس خلقة دون من عقل لسانه إلا إذا امتد، وأما عند الشافعية فهما سواء.
متى لا تعتبر إشارة الأخرس ولا يعتد بها؟
رأينا أن إشارة الأخرس تقبل في عبادته ومعاملاته وتصرفاته الحقوقية والمدنية كلها، ولكن في الحدود والعقوبات الخالصة لله تعالى، لا تقبل إشارته بناء على قاعدة (وجوب درء الحدود بالشبهات) فالأخرس لا يحد ولا يحد له، واختلفوا في القذف، فعند أبي حنيفة إذا كان الأخرس قاذفاً ليس بصريح والحد لا يجب إلا بالقذف بصريح الزنا، وإن كان مقذوفاً فلعله بإيمائه يكون مصدقاً للقاذف، فلا يتيقن بطلبه الحد، ولهذا اشترط الحنفية أن يكون المشهود عليه بالزنا غير أخرس، لأنه، أي الأخرس لا يقدر على دعوى شبهة تسقط الحد، والحدود إنما شرعت زاجرة فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة.
والقذف عند الحنفية حق خالق لله تعالى وهي رواية عن أحمد، وأما عند مالك والشافعي ورواية عن أحمد أن القذف حق العبد، ولذلك يحد الأخرس به ويسقط بإسقاط المقذوف.
стр. 295
وتقبل إشارة الأخرس في القصاص لأنه حق غير خالص لله تعالى وفيه معنى المعاوضة.
وعند أبي حنيفة وأحمد لا تصح شهادة الأخرس وإن كانت له إشارة تفهم، وقال مالك تصح شهادة الأخرس إذا كانت له إشارة تفهم، وعند الشافعية خلاف في قبول شهادته.
استثناء ات لا تعتبر بها الإشارة من الأخرس وغيره:
١. شهادته لا تقبل بالإشارة عند غير مالك.
٢. يمينه لا ينعقد بها إلا اللعان، عند الشافعية، وعند الحنفية تنعقد يمينه في كل دعوى.
٣. إذا خاطب بالإشارة في الصلاة لا تبطل على الصحيح.
٤. حلف لا يكلمه فأشار إليه، لا يحنث.
стр. 296
-- القواعد الكلية الفرعية الثامنة والتاسعة والعاشرة وهي:
١. قاعدة: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) .
٢. قاعدة: (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص) .
٣. قاعدة: (المعروف بين التجار كالمشروط بينهم) .
هذه القواعد الثلاث تعبر عن سلطان العرف العملي، فالناظر في نصوص الفقهاء يرى أن للعرف العملي في نطاق أفعال العباد وتصرفاتهم العادية، ومعاملاتهم الحقوقية سلطاناً وسيادة تامَّين في فرض الأحكام وتقييد آثار العقود وتحديد الالتزامات على وفق المتعارف، ما لم يصادم ذلك العرف نصاً شرعياً، فالعرف عند ذلك يلتزم ويعتبر مرجعاً للأحكام ودليلاً شرعياً عليها حيث لا دليل سواه.
-- معاني هذه القواعد:
أولاً: القاعدتان الأوليان من هذه القواعد الثلاث تعبران عن العرف العملي العام ومعناهما: (إن ما تعرف عليه الناس في معاملاتهم وإن لم يذكر صريحاً، هو قائم مقام الشرط في الالتزام والتقييد) .
وعلى ذلك قالوا: فيما يفترع على هاتين القاعدتين:
إن توابع العقود التي لا ذكر لها صريحاً في العقود تحمل على عادة كل بلد، فمن
стр. 297
اشترى سيارة دخل فيها عُدّتها ومفاتيحها وعجلها الاحتياطي بدون ذكر في العقد للعرف المتداول والعادة الجارية، إلا إذا نص على خلافه.
ومن وكل شخصاً بشراء لحم أو خبز أو ثوب مثلاً تقيد عقد الوكالة بنوع اللحم والخبز المعتاد أكله، والثوب المعتاد لبسه، فلو اشترى لو نوعاً خر غير معتاد لا يلزمه.
وإن نفقة الزوجة على زوجها يكون بالقدر المتعارف المعتاد بين أمثالها من الناس وبحسب حالهما غنى وفقراً.
ومن استأجر دابة أو سيارة للحمل فإن له تحميلها النوع والقدر المعتاد مما لا ضرر منه عليها.
وفي أحكام الجوار قالوا:
لا يجوز لأحد ذي حق في منفعة أن يتجاوز في استيفاء حقه إلى حد يضر بغيره، فلو فعل كان ضامناً للضرر، ومقياس التجاوز وعدمه إنما هو العرف والعادة، فلو أوقد صاحب الأرض أو مستأجرها ناراً في الأرض فتطاير منها ما أحرق شيئاً لجيرانه من يبادر ونحوها، فإن كان أوقدها بصورة معتادة عرفاً، فهو غير ضامن، وأما إذا تجاوز المعتاد أو أوقدها في هبوب الرياح كان ضامناً.
وقد قرر الفقهاء، أنه يجوز للصديق وهو في بيت صديقه أن يأكل مما يجد أمامه، وأن يستعمل بعض الأدوات للشرب ونحوه، وأن يقرأ في بعض كتبه بدون إذن صاحب البيت؛ لأنه مباح عرفاً، فلو انكسرت الآنية أثناء استعماله المعتاد أو تلفت بآفة سماوية لا يكون ضامناً لها شرعاً كما يضمن الغاصب، لأنه لا يعتبر متعدياً.
ومن ذلك صمت البكر عند استئذانها للزواج لجريان عادة الأبكار بذلك، فسكوتها يعتبر توكيلاً وإذناً منها بالزواج والنص الشرعي مؤيد لذلك.
стр. 298
ومن ذلك عقود التعاطي استئذانها للزواج لجريان عادة الأبكار بذلك، فسكوتها يعتبر توكيلاً وإذناً منها بالزواج والنص الشرعي مؤيد لذلك. تالتي أقر الفقهاء، غير الشافعي، فيها انعقاد المعاوضات المالية بالقبض والدفع دون إيجاب وقبول باللفظ، كما لو سأل مريد الشراء صاحب البضاعة عن سعرها فبينه له، أو وجد سعرها مكتوباً عليها فدفعه له وأخذها ومضى وكلاهما ساكت، فإن البيع ينعقد بينهما شرعاً، ومستند ذلك هو العرف العام.
وأما ثالثة القاعدتين:
فهي تعتبر عن العرف الخاص لطائفة ما، وهي داخلة تحت القاعدتين السابقتين ولكن ذكرها من قبيل ذكر الأخص بعد الأعم اهتماماً بشأن المعاملات التجارية، فما يقع بين التجار من المعاملات التجارية أو بين غيرهم من العقود والمعاملات التي هي من نوع التجارة ينصرف عند الإطلاق إلى العرف والعادة ما لم يوجد شرط مخالف.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
لو تبايع تاجران شيئاً ولم يصرحا في صلب العقد أن الثمن نقد أو نسيئة، فعقد البيع، وإن كان مقتضاه نقد الثمن حالاً، إلا أنهم إذا تعارفوا على أن ذلك الشيء يؤدي ثمنه بعد أسبوع أو شهراً، أو مقسطاً، لا يلزم المشتري أداء الثمن حالاً، وينصرف إلى عرفهم وعادتهم في الأجل، لأن المعروف بينهم كالمشروط.
ومن العرف الزمني أن المستفيد من سند الأمر إذا وقع في ظهره توقيعاً مجرداً على بياض وسلمه لشخص كان ذلك التوقيع حوالة منه إلى المستلم أو إلى من يختاره
стр. 299
المستلم، وإذا وقع شخص على صك يعتبر رضاً بالعقد في عرف الناس اليوم؛ لأن التوقيع إنما يوضع عادة للتعبير عن الرضا والموافقة.
وعلى هذا لو عقد فضول إجارة أو بيعاً على مال شخص وكتب بالعقد صك وقعه العاقدان، ثم اطلع عليه المالك فوقعه باسمه أيضاً، فتوقيع المالك يعتبر بحسب العرف إجازة لعقد الفضولي فينفذ عليه.
стр. 300
-- القاعدة الكلية الفرعية الحادية عشرة:
وهي قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
إن تغير الأوضاع والأحوال الزمنية له تأثير كبير في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، لأن ما كان من الأحكام الشرعية مبنياً على عرف الناس وعاداتهم تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم باختلاف العادة عن الزمن السابق.
وأما أصل الحكم الثابت بالنص فلا يتغير، فمثلاً أثبت الشرع خيار الرؤية لمن اشترى شيئاً ولم يره، وهذا ثابت بحديث رسول الله ﷺ القائل: (من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه) .
فبناء على هذا الحديث، وقد رأى الفقهاء المتقدمون اعتياد الناس في عصرهم بناء الدور على نسق واحد لا تفاوت بين بيوتها، فقالوا: إن رؤية بيت واحد من الدار يغني عن رؤية الجميع في إسقاط الخيار.
ولكن لما اختلفت طُرُز الإنشاءات وصارت الدار يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عادتهم أفتى المتأخرون بأنه لا بد من رؤية جميعها، فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر وزمان.
وكذلك أفتى المتأخرون، من علماء الحنفية بعدم تصديق الزوجة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع أنها منكرة للقبض، والقاعدة إن القول للمنكر مع يمينه، لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه.
стр. 301
ويوضح هذه القاعدة مسألتان:
المسألة الأولى: ما الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان؟
نص القاعدة عام في ظاهره فالتغير في الظاهر شامل للأحكام النصية وغيرها، لكن هذا العموم ليس مقصوداً، لأنه اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس إنما هي الأحكام الاجتهادية فقط المبنية على المصلحة أو على القياس أو على العرف أو العادة، وعلى ذلك فالأحكام النصية ثابتة لا تقبل التغيير ولا تدخل تحت هذه القاعدة، ولذلك رأى بعضهم أن يكون نص القاعدة:
(لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان) .
دفعاً لهذا اللبس، وهذا قيد حسن.
المسألة الثانية:
ما العوامل التي تسبب تغير الأحكام؟
العوامل التي ينشأ عنها تغير الأحكام نوعان:
١. النوع الأول: فساد الزمان وانحراف أهله عن الجادة، حيث ينشأ عن ذلك تبدل وتشدد في كثير من الأحكام.
٢. النوع الثاني: تغير العادات وتبدل الأعراف وتغير المصلح وتطور الزمن.
(ا) أمثلة لتغير الأحكام بناء على فساد الزمان وانحراف أهله:
من المقرر في أصول مذهب الحنفية أن المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، هذا مقتضى القواعد القياسية.
стр. 302
لكن لما فسد الزمان وخربت الذمم وكثر الطمع وقل الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية والحنابلة في وجه عندهم بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين، إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
وعند الإمام أبي حنيفة أنه لا يلزم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم، اكتفاء بظاهر العدالة، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس.
كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة (إن الضمان على المباشر دون المتسبب) ، وهذا لزجر المفسدين، كما سبق بيانه.
كذلك جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا، مع أنه مكان معد للعبادة ينبغي أن لا يغلق، وإنما جوز الإغلاق صيانة للمسجد عن السرقة.
ومن ذلك أيضاً قبول شهادة الأمثل فالأمثل، وجواز أخذ الأجرة على أداء الشعائر وتعليم القرآن، والتقاط ضالة الإبل زمن عثمان ﵁.
(ب) أمثلة للأحكام التي تغيرت لتغير العادات وتبدل المصالح وتطور الزمن.
منها نهي النبي ﷺ عن كتابة حديثه، ثم انصرف العلماء إلى تدوين السنة بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀.
ومنها كتابة القرآن الكريم في الورق ثم طباعته بعد ذلك وإعجامه بعد أن كان مجرداً.
ومنها إنشاء المدارس ومراحل التعليم المختلفة والجامعات بأنواعها ونظمها المختلفة.
стр. 303
ومنها إنشاء المستشفيات والوزارات المتخصصة.
ومنها إنشاء المحاكم على درجات مختلفة.
ومنها اعتبار عقد الملكية حين التسجيل ولو لم يتسلم المشتري العقار أو يخليه له البائع.
إلى غير ذلك من التصرفات والأحكام.
стр. 304
-- القاعدة الكلية الكبرى السادسة:
وهي قاعدة: (إعمال الكلام أولى من إهماله) :
هذه القاعدة ذات مكانة عظيمة وفوائد عميمة ذكرها كل من كتب في القواعد أو صنف فيها، ولكن العلماء الذين دونوا القواعد لم يعتبروها من القواعد الكبرى ولم يتوسعوا في الحديث عنها ولم يذكروا في فروعها إلا القليل، ولكني بعد دراستي لهذه القاعدة دراسة واعية متأنية وإدراكي العميق لما اشتملت عليه من قواعد فرعية ومسائل جزئية لا تحصى، ولما تبين لي مكانتها من الفقه من جانب وأصوله من جانب آخر، وبخاصة بعد ما كتب فيها تلميذنا النجيب محمود مصطفى عبود رسالته لنيل درجة الماجستير تأكد لدي أن هذه القاعدة من حقها أن تكون سادسة القواعد الكلية الكبرى.
ونتبين أهمية هذه القاعدة عندما نعلم أنها محل اتفاق عند جميع العلماء كما يظهر من تفريعاتهم عليها وتعليلاتها بها، كما تزداد أهميتها عندما نعلم أنها تتعلق بتصرفات المكلف القولية كلها وتصحيحها، وهذا أمر ضروري عند جميع الأئمة لأن تصحيح الكلام مبدأ أخذ به الجميع دون استثناء.
وأيضاً فهي تتعلق بالدرجة الأولى بخطابات الشارع الحكيم، كما تتعلق بالكلام الصادر عن المكلف من حيث كونه يجب صونه عن الإهمال والإلغاء.
ومن هنا كان لهذه القاعدة تأثير كبير في بعض الأبحاث القرآنية التي تتعلق بكلام الله ، وكلام رسوله ﷺ .
стр. 305
كما أن لهذه القاعدة تعلقاً كبيراً وتأثيراً واضحاً في بعض المسائل الأصولية التي تتعلق بالخطابات الشرعية.
وهذا كله يدلنا على أهمية هذه القاعدة وضرورتها في تشريع الأحكام.
-- معنى القاعدة:
إعمال الكلام: أي إعطاؤه حكماً مفيداً حسب مقتضاه اللغوي.
وإهمال الكلام: عدم ترتب ثمرة عملية عليه بإلغاء مقتضاه ومضمونه.
فالعاقل يصان كلامه عن الإلغاء ما أمكن، بأن ينظر إلى الوجه المقتضي لتصحيح كلامه فيرجح، سواء كان بالحمل على الحقيقة أم المجاز، إلا عند عدم الإمكان فيلغى.
فإن اللفظ الصادر في مقام التشريع أو التصرف إذا كان حمله على أحد المعاني الممكنة يرتب عليه حكم، وحمله على معنى آخر يقتضيه لا يترتب عليه حكم، فالواجب حمله على المعنى المفيد للحكم، لأن خلافه إهمال وإلغاء.
أما إذا لم يوجد إمكان لحمل الكلام على الحقيقة أو المجاز فيلغى ويهمل.
ومن مسائل هذه القاعدة وفروعها:
من حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئاً، ثم أكل من ثمرها أو جُمارها أو طلعها أو يسرها أو الدبس الذي يخرج من رطبها حنث، لأن النخلة لا يتأتى أكل عينها فحمل على ما يتولد منها.
وكذلك لو حلف لا يأكل من هذا القدر يحمل على ما يطبخ فيه.
فأما إذا لم يوجد إمكان لحمل الكلام على الحقيقة أو المجاز ألغي، كقول الرجل لزوجته الثابت نسبها من غيره: هذه بنتي فلا تحرم عليه، سواء كانت أكبر منه سناً
стр. 306
أو أصغر. لأنه لما تعذر كل من الحقيقة والمجاز وقع لغواً.
وتعذر الحقيقة لاستحالة أن تكون ابنته إن كانت أكبر منه سناً، وإن كانت أصغر فلا شتهار ثبوت نسبها من غيره، فإقراره في حق نفسه لا يعتبر إقراراً في حق غيره.
وأما تعذر المجاز، وهو إرادة الطلاق المحرم بقوله هذا، فلا يجوز استعارة، هذه بنتي للطلاق الذي هو من حقوق النكاح.
ما يتفرع على هذه القاعدة من قواعد فرعية:
تفرعت عن هذه القاعدة قواعد عدة ترسم كيفية إعمال الكلام الذي أوجبته هذه القاعدة، وتبين الطرق الراجحة المعقولة فيه.
من هذه القواعد:
стр. 307
القواعد الكلية الفرعية الأولى وهي:
قاعدة: (الأصل في الكلام الحقيقة) :
المعنى اللغوي الاصطلاحي:
الأصل: معناه هنا، الراجح عند السامع، أي أن السامع يحمل كلام المتكلم على معناه الحقيقي.
الحقيقة: فعليه بمعنى مفعولة، وهي صفة لموصوف محذوف من حق الشيء إذا ثبت واستقر، وأصلها الكلمة الحقيقة، ثم نقلت من الوصفية إلى الاسمية.
ومعناها اصطلاحاً: (اللفظ المستعمل في المعنى الذي وضع له في أصل اللغة) كلفظ الأسد للحيوان المفترس.
ويقابل الحقيقة المجاز ومعناه: (اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وضع له في أصل اللغة لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي) كاستعمال لفظ النور للعلم أو للإسلام، ومن خلال تعريف المجاز نرى أنه يشترط في المجاز أن يكون ثمة علاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ والمعنى المنقول إليه، كما يشترط أن تكون هناك قرينة تدل على أن المتكلم إنما أراد المعنى المجازي لا المعنى الحقيقي.
المعنى الفقهي للقاعدة:
إن إعمال كلام المتكلم من شارع أو عاقد أو حالف أو غيرهم، إنما يكون بحمل ألفاظه على معانيها الحقيقية عند الخلو عن القرائن التي ترجح إرادة المجاز.
стр. 308
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
إذا قال شخص لآخر: وهبتك هذا الشيء، فأخذه المخاطب ثم ادعى القائل أنه أراد بلفظ الهبة البيع مجازاً ثمناً، فلا يقبل قوله؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وحقيقة الهبة تمليك بدون عوض، بخلاف ما إذا قال: وهبتكه بدينارين. فإن ذكر الدينارين على سبيل العوضية قرينة على أنه أراد بالهبة البيع مجازاً فيحمل عليه.
إذا وقف شخص على أولاده دخل الأبناء مع البنات، لأن لفظ الولد يشملهم جميعاً حقيقة.
وإذا أوصى شخص لأولاد فلان وكان لفلان أولاد صلبيون وحفدة انصرفت الوصية إلى الأولاد الصليبين فقط، أي الطبقة الأولى من ذريته، لأنه المعنى الحقيقي للأولاد، وقيل يدخل ولد الولد أيضاً حملاً للكلام على الحقيقة والمجاز معاً.
وإذا قال: هذه الدار لزيد، كان إقراراً له بالملك، حتى لو قال: أردت أنها مسكنه لم يسمع قوله.
وإذا حلف إنسان إنه لا يبيع ولا يشتري، فوكل في ذلك لم يحنث، حملاً للفظ على الحقيقة، إلا إذا كان الحالف ممن لا يتولى هذه الأمور بنفسه، أو كان الفعل مما لا يفعله بنفسه كالبناء مثلاً، فإنه يحنث بالأمر بفعله.
стр. 309
-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية وهي:
قاعدة: (إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز) :
الحقيقة هي الأصل الراجح المقدم في الاعتبار، والمجاز فرع الحقيقة، فحيث كان المجاز خلفاً عن الحقيقة، فإن احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز ولا يوجد مرجح تتعين الحقيقة لأنها الأصل.
فمثلاً: المعنى الحقيقي للفظ النكاح عند الحنفية هو الوطء دون المجازي وهو العقد ودليله قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نَكَح آباؤكم من النساء) . سورة النساء، آية (٢٢) .
فبناء على ذلك تحرم مزنية الأب على فروعه عندهم بهذا النص، وأما حرمة المعقود له عليها عقداً صحيحاً فبالإجماع.
والحقيقة هي الأصل ما أمكنت، كمن لو قال لعبد له يولد مثله لمثله معروف النسب من غيره: هذا ابني، عتق وأمه أو ولد له، فيصدق في حق نفسه، لا في إبطال نسبه من غيره، فكأن ادعاء البنوة هنا مجاز عن العتق فيعتق.
شرط الانصراف عن الحقيقة إلى المجاز:
يشترط في اللفظ المستعمل في معناه المجازي وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، كاستحالة الحقيقة وتعذرها، أو يكون المعنى الحقيقي مهجوراً شرعاً أو عرفاً.
ومن أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وقف على ولده وله ولد ولد، فالوقف لولد ولده، وهو المجاز.
من قال لأجنبية: إن نكحتك فلك كذا ينصرف إلى المجاز عند الحنفية، وهو
стр. 310
العقد دون الوطء، لأن المعنى الحقيقي وهو الوطء مهجور شرعاً لحرمة وطء الأجنبية.
أما لو قال هذا لزوجته، فيحمل على المعنى الحقيقي وهو الوطء، حتى لو أبانها أي طلقها طلقة بائنة، ثم تزوجها لم يحنث حتى يطأها.
وإذا حلف أن لا يأكل من هذا الدقيق، يحنث لو أكله بعد أن صار خبزاً، ولا يحنث له استفه، لأن أكل الدقيق دون خبز مهجور عرفاً.
وإذا حلف ليأكلن من هذه الشجرة، فإن حقيقة الأكل منها هو أكل خشبها وذلك مهجور عرفاً، لأنه متعسر، فيكون قرينة على إرادة المجاز وهو الأكل من ثمرها، فينصرف إليه.
стр. 311
-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة وهي:
قاعدة: (إذا تعذر إعمال الكلام يهمل) :
معنى تعذر أعمال الكلام:
أي استحال حمله على معنى صحيح حقيقي أو مجازي، فحينئذ يعتبر لغواً فيهمل. أي يلغى ولا يعتد به.
أسباب إهمال الكلام:
من أسباب إهمال الكلام وإلغائه:
تعذر إرادة كل من المعنيين جميعاً الحقيقي والمجازي، كما في قوله لزوجته الأكبر منه سناً المعروفة النسب من غيره: هذه بنتي.
ومنها أن يكون اللفظ مشتركاً بين معنيين ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر، كما لو أوصى لمواليه، وله معتِق ومعتَق، فعند الحنفية بطلت الوصية، لصحة إطلاق هذا اللفظ عليهما مع اختلاف المعاني والمقاصد، وأما عند غير الحنفية فتكون الوصية للجميع.
ومنها تعذر صحة الكلام شرعاً، كما لو قال لإحدى زوجتيه، أنت طالق أربعاً فقالت: الثلاث تكفيني. فقال: أوقعت الزيادة على فلانة زوجته الأخرى، لا يقع على الأخرى شيء، لأنها لما لم تصح الرابعة على الأولى أصبحت لغواً فلم تقع على الأخرى؛ لأن الشرع لم يوقع الطلاق بأكثر من الثلاث.
ومنها ما يكذبه الظاهر، كمن ادعى على إنسان أنه قطع يده فإذا هي غير مقطوعة، أو أنه قتل شخصاً فإذا هو حي.
ومنها ما يكون فيه مصادمة للشرع فيلغى، كمن أقر بأن أخته ترث ضعفي حصته من تركة أبيه.
ففي كل هذه الأحوال يعتبر الكلام لغواً غير مفيد وغير ملزم.
стр. 312
-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة وهي:
-- قاعدة: (ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله) :
أصل هذه القاعدة في تأسيس النظر (الأصل أن ما لا يتجزأ فوجود بعضه كوجود كله) .
وخالف في ذلك زفر بن الهذيل من تلاميذ أبي حنيفة فلم يعتبر ذلك.
وعبر عنها الزركشي بقوله: (ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله وإسقاط بعضه كإسقاط كله) .
معنى هذه القاعدة:
إذا كان إعمال اللفظ أولى من إهماله فكل ما لا يقبل التجزئة فذكر بعضه في الحكم كذكر كله، ووجود بعضه كوجود كله، إذ لا يخلو إما أن يجعل ذكر البعض كذكر الكل فيعمل الكلام، وإما لا فيهمل، لكن الإعمال أولى من الإهمال.
ومن أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
إذا طلق رجل نصف امرأته أو ربعها تطلق كلها، أو طلقها نصف تطليقة، فتعتبر تطليقة كاملة عند الجميع.
وفي الكفالة بالنفس إن كفل ربع الشخص أو نصفه كان كفيلاً به كله، لعدم إمكان تجزئ الشخص، بخلاف الكفالة بالمال.
стр. 313
فعدم التجزؤ يكون في نحو: الطلاق والقصاص ولكفالة بالنفس والشفعة ووصاية الأب والولاية، وهذا راجع لعدم إمكان التجزو عقلاً.
وقد يكون عدم التجزؤ لحق الغير. كلزوم الضرر على المشتري بتفريق الصفقة.
ومنها من أذن لعبده في نوع من التجارة صار مأذوناً في جميعها، عند غير زفر من علماء الحنفية.
ومنها من أجوب على نفسه ركعة لزمه أن يصلي ركعتين لأن ذلك لا يتبعض، فذكر أحداهما كذكر كليهما.
ومنها أن المرأة إذا طهرت من حيضتها أو نفاسها آخر الوقت، وقد بقي من الوقت مقدار ما يمكنها من الاغتسال فيه والتحريمة للصلاة لزمها صلاة ذلك الوقت لأن الواجب لا يتبعض.
ومنها إذا أسلم الكافر أو أدرك الغلام في آخر الوقت، ولم يبق من الوقت إلا مقدار ما يمكنه التحريمة للصلاة، لزمه فرض تلك الصلاة.
استثناءات من هذه القاعدة:
إذا قال نصفي كفيل لك بفلان أو بدينه لم تنعقد الكفالة.
إذا عفا عن بعض حد القذف، فلا يسقط منه شيء في الصحيح عند الشافعية.
ومما خرج وزاد فيه البعض عن الكل:
إذا قال لزوجته، أنت علي كظهر أمي فإنه صريح ويعتبر مظاهراً لكنه لو قال: أنت كأمي، كان كناية عن الاحترام مثلا ولا يقع ظهاراً إلا إذا نواه.
стр. 314
-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة وهي:
قاعدة: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة) .
وهذا عند أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة.
وأما عند أبي حنيفة ﵁:
ف (إن الإذن المطلق إذا تعرى عن المتهمة والخيانة لا يختص بالعرف) .
الإطلاق والتقييد من صفات الألفاظ:
فاللفظ المطلق: هو ما دل على أمر مجرد عن القيود التي توجب فيه بعض المعاني أو الحدود، وعرّفه الأصوليون بأنه (هو اللفظ الشائع في جنسه بلا شمول ولا تعيين) .
واللفظ المقيد: هو الذي يكون محدداً بشيء من تلك القيود.
فلفظ فرس مثلاً مطلق، وإذا قلنا: فرس أبيض، صار مفيداً، ولفظ مكان، مطلق، ومكان الدراسة مقيد.
معنى القاعدة: إن اللفظ المطلق يعمل به على إطلاقه حتى يقوم دليل التقييد إما بالنص عليه أو بدلالة الحال، وأما عند أبي حنيفة يتقيد بدلالة العرف إلا بوجود تهمة أو خيانة.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وكل شخصاً بشراء فرس أو سيارة فاشتراها له حمراء أو بيضاء. فقال: أردت سوداء، يلزم بما اشتراه الوكيل، لأن كلامه مطلق فيجري على إطلاقه.
وعقد الإعارة أو الإجارة المطلقة يسوِّغ للمستعير أو المستاجر جميع وجوه الانتفاع
стр. 315
بالحدود المعتادة، فلا يتقيد بمكان ولا زمان أو استعمال مما ليس عليه دليل.
حالات التقييد:
١. التقييد بالنص:
وهو اللفظ الدال على القيد، كما لو قال الموكل لوكيله مثلاً: بع بعشرين، فلا ينفذ بيع الوكيل بأقل، أو قال: بيع بالنقد، فليس له البيع نسيئة.
٢. التقييد بالدلالة:
والمراد بالدلالة غير اللفظ، فقد تكون عرفية أو حالية، كما لو وكل طالب علم شرعي آخر بشراء بعض الكتب، فاشترى له كتباً في الفن أو الهندسة أو الطلب، فإنه لا يلزمه ما اشتراه، لأن حالته تنبئ أن مراده كتب العلم الشرعي، وإن كان اللفظ مطلقاً، واتفقوا على أن وكيل الشراء يتقيد بثمن المثل، فلا ينفذ على الموكل شراؤه بأكثر منه.
стр. 316
-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة وهي:
قاعدة: (الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر) :
معنى القاعدة:
(ا) مفردات: الوصف: هو الصفة وهي الحالة القائمة بذات الموصوف.
اللغو: معناه الباطل الذي لا حكم له.
المعتبر: معناه المعتد به.
(ب) إجمالاً اصطلاحياً: وصف الشيء الحاضر مع الإشارة إليه لا اعتبار به؛ لأن الإشارة إليه أقوى، وأما في الشيء الغائب فالوصف يعتد به لأنه يميزه.
مجال هذه القاعدة:
هذه القاعدة تجري في سائر عقود المبادلة كالبيع والإجارة والنكاح، حيث يشترط لصحتها معرفة البدلين وانتفاء الجهالة، وذلك يكون بتمييز الشيء عن غيره بجنسه ونوعه وصفته، ويحصل هذا الإشارة إليه حساً إذا كان هذا الشيء حاضراً، أو بالذكر إذا كان غائباً.
فإذا كان حاضراً مشاراً إليه فالعبرة لتعريفه بالإشارة؛ لأن التعريف بها أقوى من التعريف بالوصف، من حيث إن الإشارة ترفع الاشتراك واحتمال المجاز في اللفظ، إلا إذا ظهر أن ذلك الشيء المسمى جنس آخر، فلا عبرة حينئذ للإشارة لعدم وجود المسمى من أصله، فيكون الاعتبار للوصف.
وأما الغائب فلما لم يمكن الإشارة إليه اعتبر ذكر أوصافه، فإذا ظهر بخلاف تلك الصفة لم يلزم.
стр. 317
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: بعتك هذا الفرس الأبيض، وأشار إليه، وكان أسود، صح البيع إذا قبل المشتري، وألغي الوصف.
وأما إذا كان الفرس غائباً فذكر أنه باعه فرساً أبيض ثم ظهر أنه أسود، فالمشتري بالخيار.
وإذا قال: بعتك هذا الحجر من الماس، ثم ظهر أنه من الزجاج فالبيع باطل، لاختلاف الجنس، وإن أشار إليه.
وإذا باع بقرة حلوباً ثم ظهر أنها غير حلوب، فالمشتري بالخيار بين أن يأخذها بكل الثمن أو أن يترك.
ملحوظة:
الوصف المراد به هنا هو الوصف الذي يعرف الموصوف تعريفاً، لا وسف الشرط في اليمين ولا الوصف الداعي إلى اليمين.
فمثال الأول: إذا قال: (إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق) فإنه يعتبر في الحاضر أيضاً، لأن وصف الشرط كالشرط فيتعبر للتعليق لا للتعريف.
ومثال الثاني: كما لو حلف لا يأكل هذا الرطب أو هذا العنب، فأكله بعد ما صار تمراً أو زبيباً لا يحنث، لأنه أفاد شيئاً غير التعريف، وهو تقييد اليمين به، فيعتبر ولو كان حاضراً، لأن هذه الأوصاف داعية لليمين، فإنه قد يضره أكل الرطب أو العنب دون التمر أو الزبيب.
стр. 318
-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة وهي:
قاعدة: السؤال معاد في الجواب، أو كالمعاد في الجواب.
معنى القاعدة:
إذا ورد جواب بإحدى أدواته: (نعم، بلى، أجل) بعد سؤال مفصل، يعتبر الجواب مشتملاً على مضمون السؤال، لأن مدلولات هذه الأدوات تعتمد على ما قبلها من تفصيل؛ ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة.
فمن سئل: هل أخذت من فلان مالاً؟
فأجاب: بنعم. كان جوابه متضمناً إقراره بالأخذ.
ومن سئل: ألم تقتل فلاناً؟ فأجابه: ببلى. كان مقراً بالقتل، وهكذا.
استدراك:
قد يكون المراد بالسؤال هنا أعم من الاستخبار فيشمل الإخبار والإنشاء.
فلو باع شخص فضولي مالاً من آخر، وبلغ صاحب المال، وحينما وصله الخبر قال: رضيت، فيعتبر قوله: رضيت إذناً وصح البيع.
ولو قال شخص لآخر: بعتك داري أو دكاني. فقال: نعم أو قبلت. كان رضاء بالبيع.
وإذا قال الزوج لزوجته: أمرك بيدك، ونوى الثلاث. فطلقت نفسها ثلاثاً أو قالت: طلقت نفسي، أو اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث، كان ثلاثاً، لأنها جواب تفويض الثلاث فيكون ثلاثاً.
стр. 319
-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة وهي:
قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد:
معنى القاعدة: أسس البناء جعل له أساً وهو القاعدة والأساس.
التأكيد: معناه التقوية. يقال أكد كلامه باليمين، أي قواه به، والمراد بالتأسيس هنا إفادة معنى جديد.
معنى القاعدة الاصطلاحي:
إن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديداً وبين أن يؤكد معنى سابقاً، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على التأكيد، وكما قالوا: (الإفادة خير من الإعادة) .
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
من قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق، طلقت ثلاثا. فإن قال: أردت به التأكيد، صدق ديانة لا قضاء، لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر. وهذا عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله، لا يلزمه إلا واحدة.
وإذا حلف على أمر بأنه لا يفعله، ثم حلف في ذلك المجلس أو مجلس آخر لا يفعله أبداً، ثم فعله. إن نوى بالثاني يميناً آخر أو الشديد على نفسه، أو لم ينو شيئاً فعليه كفارة يمينين. وأما إن نوى بالثاني الأول، أي تكريره وتوكيد، فعليه كفارة واحدة.
ْْْْْْْْْْْْ
стр. 320
-- النوع الثاني:
-- القواعد الكلية غير الكبرى:
следующие страницы →