Полный текст (399 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة وهي:
قاعدة: (الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر) :
معنى القاعدة:
(ا) مفردات: الوصف: هو الصفة وهي الحالة القائمة بذات الموصوف.
اللغو: معناه الباطل الذي لا حكم له.
المعتبر: معناه المعتد به.
(ب) إجمالاً اصطلاحياً: وصف الشيء الحاضر مع الإشارة إليه لا اعتبار به؛ لأن الإشارة إليه أقوى، وأما في الشيء الغائب فالوصف يعتد به لأنه يميزه.
مجال هذه القاعدة:
هذه القاعدة تجري في سائر عقود المبادلة كالبيع والإجارة والنكاح، حيث يشترط لصحتها معرفة البدلين وانتفاء الجهالة، وذلك يكون بتمييز الشيء عن غيره بجنسه ونوعه وصفته، ويحصل هذا الإشارة إليه حساً إذا كان هذا الشيء حاضراً، أو بالذكر إذا كان غائباً.
فإذا كان حاضراً مشاراً إليه فالعبرة لتعريفه بالإشارة؛ لأن التعريف بها أقوى من التعريف بالوصف، من حيث إن الإشارة ترفع الاشتراك واحتمال المجاز في اللفظ، إلا إذا ظهر أن ذلك الشيء المسمى جنس آخر، فلا عبرة حينئذ للإشارة لعدم وجود المسمى من أصله، فيكون الاعتبار للوصف.
وأما الغائب فلما لم يمكن الإشارة إليه اعتبر ذكر أوصافه، فإذا ظهر بخلاف تلك الصفة لم يلزم.
стр. 317
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: بعتك هذا الفرس الأبيض، وأشار إليه، وكان أسود، صح البيع إذا قبل المشتري، وألغي الوصف.
وأما إذا كان الفرس غائباً فذكر أنه باعه فرساً أبيض ثم ظهر أنه أسود، فالمشتري بالخيار.
وإذا قال: بعتك هذا الحجر من الماس، ثم ظهر أنه من الزجاج فالبيع باطل، لاختلاف الجنس، وإن أشار إليه.
وإذا باع بقرة حلوباً ثم ظهر أنها غير حلوب، فالمشتري بالخيار بين أن يأخذها بكل الثمن أو أن يترك.
ملحوظة:
الوصف المراد به هنا هو الوصف الذي يعرف الموصوف تعريفاً، لا وسف الشرط في اليمين ولا الوصف الداعي إلى اليمين.
فمثال الأول: إذا قال: (إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق) فإنه يعتبر في الحاضر أيضاً، لأن وصف الشرط كالشرط فيتعبر للتعليق لا للتعريف.
ومثال الثاني: كما لو حلف لا يأكل هذا الرطب أو هذا العنب، فأكله بعد ما صار تمراً أو زبيباً لا يحنث، لأنه أفاد شيئاً غير التعريف، وهو تقييد اليمين به، فيعتبر ولو كان حاضراً، لأن هذه الأوصاف داعية لليمين، فإنه قد يضره أكل الرطب أو العنب دون التمر أو الزبيب.
стр. 318
-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة وهي:
قاعدة: السؤال معاد في الجواب، أو كالمعاد في الجواب.
معنى القاعدة:
إذا ورد جواب بإحدى أدواته: (نعم، بلى، أجل) بعد سؤال مفصل، يعتبر الجواب مشتملاً على مضمون السؤال، لأن مدلولات هذه الأدوات تعتمد على ما قبلها من تفصيل؛ ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة.
فمن سئل: هل أخذت من فلان مالاً؟
فأجاب: بنعم. كان جوابه متضمناً إقراره بالأخذ.
ومن سئل: ألم تقتل فلاناً؟ فأجابه: ببلى. كان مقراً بالقتل، وهكذا.
استدراك:
قد يكون المراد بالسؤال هنا أعم من الاستخبار فيشمل الإخبار والإنشاء.
فلو باع شخص فضولي مالاً من آخر، وبلغ صاحب المال، وحينما وصله الخبر قال: رضيت، فيعتبر قوله: رضيت إذناً وصح البيع.
ولو قال شخص لآخر: بعتك داري أو دكاني. فقال: نعم أو قبلت. كان رضاء بالبيع.
وإذا قال الزوج لزوجته: أمرك بيدك، ونوى الثلاث. فطلقت نفسها ثلاثاً أو قالت: طلقت نفسي، أو اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث، كان ثلاثاً، لأنها جواب تفويض الثلاث فيكون ثلاثاً.
стр. 319
-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة وهي:
قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد:
معنى القاعدة: أسس البناء جعل له أساً وهو القاعدة والأساس.
التأكيد: معناه التقوية. يقال أكد كلامه باليمين، أي قواه به، والمراد بالتأسيس هنا إفادة معنى جديد.
معنى القاعدة الاصطلاحي:
إن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديداً وبين أن يؤكد معنى سابقاً، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على التأكيد، وكما قالوا: (الإفادة خير من الإعادة) .
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
من قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق، طلقت ثلاثا. فإن قال: أردت به التأكيد، صدق ديانة لا قضاء، لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر. وهذا عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله، لا يلزمه إلا واحدة.
وإذا حلف على أمر بأنه لا يفعله، ثم حلف في ذلك المجلس أو مجلس آخر لا يفعله أبداً، ثم فعله. إن نوى بالثاني يميناً آخر أو الشديد على نفسه، أو لم ينو شيئاً فعليه كفارة يمينين. وأما إن نوى بالثاني الأول، أي تكريره وتوكيد، فعليه كفارة واحدة.
ْْْْْْْْْْْْ
стр. 320
-- النوع الثاني:
-- القواعد الكلية غير الكبرى:
стр. 321
-- القاعدة الأولى:
قاعدة: (التابع تابع) :
معنى القاعدة: (إن ما كان تابعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه) .
والمراد بالتابع هنا: ما لا يوجد مستقلا بنفسه، بل وجوده تابع لوجود غيره، فهذا لا ينفك حكمه عن حكم متبوعه.
فإذا بيعت دابة وفي بطنها حمل يدخل الحمل في البيع تبعاً لأمه، ولا يجوز إفراده بالبيع.
الشرب وحق المرور في الطريق يدخلان في بيع الأرض تبعاً، ولا يفردان بالحكم، فعلى هذا كل ما جرى في العرف على أنه من مشتملات المبيع في البيع من غير ذكر، وكذلك ما كان في حكم جزء من أجزاء المبيع مما لا يقبل الانفكاك عن المبيع نظراً إلى غرض المشتري، يدخل في البيع بدون ذكر.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القفل يدخل في البيع مفتاحه، وكذلك توابع المبيع المتصلة به اتصال قرار كالأبواب والنوافذ والأحواض في بيع الدور، والأشجار في بيع الحدائق والبساتين.
كذلك بالنسبة للعقود فكل ما كان من توابع العقد التي لا ذكر لها فيه تحمل على عادة كل بلد وعرفها، فمثلاً: من استأجر خياطاً ليخيط له ثوباً فإن الخيوط والأزرار على الخياط، ومن استأجر فلاحاً ليحفر أو يحرث فإن أدوات الحفر
стр. 322
والحرث على الفلاح، وكذلك من استأجر بناءً ليبني له فإن أدوات البناء وآلاته على البناء.
ومن توابع هذه القاعدة قول الحنفية والحنابلة: إن خطاب الله تعالى للرسول ﷺ يعم الأمة، وحجتهم أن الرسول ﷺ له منصب الاقتداء به كل شيء إلا بدليل صارف على الاختصاص به وكل من هو كذلك يفهم من أمره شمول أتباعه، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) . سورة الطلاق، آية (١) . الخطاب للنبي ﷺ والمراد هو وأتباعه، إذ التابع لا ينفك عن المتبوع.
استثناء من القاعدة:
قالوا يصح أعتاق الحمل دون أمه بشرط أن تلده لأقل من ستة أشهر، ويصح كذلك إفراده بالوصية.
ومنها ما لو اشترى أمة، وهي حبلى من أبيه، والأمة لغير الأب، جاز الشراء وعتق ما في بطنها، ولا تعتق الأمة، ولا يجوز بيعها إلا بعد الوضع، وكون الأمة لغير الأب لأنها لو كانت للأب لكانت أم ولد له.
ومنها لو أسقط المرتهن حقه في حبس الرهن، جاز مع بقاء الدين.
ومنها لو أبرأ الدائن الكفيل صح مع بقاء الدين كذلك، مع أن الرهن والكفيل تابعان للدين.
стр. 323
-- القاعدة المتفرعة على قاعدة: التابع تابع.
القاعدة الكلية الفرعية الأولى وهي:
قاعدة: التابع لا يفرد بالحكم:
هي القاعدة بمعنى سابقتها، وتفيد أن ما لم يوجد مستقلاً بنفسه بل وجوده تبع لوجود غيره، فهو ينزل منزلة المعدوم من حيث تعلق الأحكام، فلا يجوز إفراده بالحكم.
وذلك كالجنين في بطن أمه، وكالصفة القائمة بالموصوف، وكحق الشرب أو المرور تبعاً للأرض، فعلى ذلك:
لا يجوز بيع الجنين في بطن أمه منفرداً ولا هبته، ولا بيع حق الشرب أو المرور دون الأرض.
كذلك الصفات مثل الخبز والكتابة في العبد لما كانت تابعة للمبيع غير مستقلة بنفسها فلا يقابلها شيء من الثمن: حتى لو اشترى عبداً بشرط أنه خباز أو كاتب فظهر بخلافه أخذه بكل الثمن أو تركه، لأن الوصف لا يفرد بالحكم دون الموصوف، وهذا عند الحنفية، وأما عند الحنابلة فله الفسخ أو أرش فقد الصفة.
стр. 324
-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية وهي:
قاعدة: (من مَلك شيئاً ملك ما هو من ضروراته) .
ما المراد بالضرورة هنا؟
الضرورة هنا يراد بها اللزوم لا الضرورة بمعنى الاضطرار، فمن ملك شيئاً ملك ما هو من لوازمه عقلاً أو عرفاً، ولو لم يشترط في العقد.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من ملك الأرض ملك ما فوقها وما تحتها، ومن اشترى بقرة دخل في البيع لبنها في ضرعها، ومن اشترى غنماً دخل في البيع صوفها على ظهرها.
من اشترى داراً واقعة في سكة غير نافذة مشتركة بين عدة دور يملك بحكم التبعية حصة الدار من الطريق من هذه السكة، ولو لم ينص عليها في العقد؛ لأن الطريق من ضرورات الدار ولوازمها، والدار بدون الطريق لا يمكن الانتفاع بها أو السكنى فيها.
ملحوظة: الأصل أن ما يدخل في شراء الدار وغيرها من غير ذكر يندرج تحت قاعدتين:
(ا) كل ما كان في الدار من بناء وغيره يتناوله اسم المبيع عرفاً، كالحجارة المخلوقة والمثبتة في الأرض والدار.
(ب) ما كان متصلاً اتصال قرار وهو ما وضع لا لأن يفصل، فيدخل الشجر لاتصاله بها اتصال قرار، ولا يدخل الزرع لأنه متصل لأن يفصل.
وفي حكم المتصل المنقول المنفصل التابع للمتصل كالمفتاح تبعاً للقفل بحيث لا
стр. 325
ينتفع به إلا به فيصير في حكم الجزء.
وما لم يكن من القسمين فإنه من حقوقه ومرافقه، فلا يدخل إلا بالذكر الصريح أو بقوله: بعتكها بكل ما فيها.
стр. 326
-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة هي:
قاعدة: (التابع يسقط بسقوط المتبوع) :
أو: (الفرع يسقط إذا سقط الأصل) :
وهذه القاعدة شبه طردة في المحسوسات والمعقولات فالشيء الذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود، يكون ذلك فرعاً مبتنى عليه، كالشجرة إذا ذوت ذوي أغصانها وذوي ثمرها.
وكالإيمان بالله أصل وجميع الأعمال فروعه، فإذا زال الإيمان، والعياذ بالله تعالى، حبطت الأعمال، لأن اعتبارها مبني عليه.
ومن أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا بريء الأصيل بريء الضامن والكفيل لأنهما فرعه، فلو أبرأ ذمة مدينة تبرأ ذمة كفيلة تبعاً، فلا حق في مطالبة الكفيل، أما لو أبرأ الكفيل فلا يبرأ الأصيل.
كذلك الوكيل ينعزل بموت الموكل أو جنونه، إذا لم يتعلق بوكالته حق غيره، فلا يبقى له حق التصرف، بخلاف موت الوكيل أو جنونه.
ومن فاتتها صلوات في أيام الحيض أو النفاس لا تقضى سننها الرواتب.
ومن فاته الحج وتحلل بأفعال العمر لا يأتي بالرمي ولا بالمبيت؛ لأنهما تابعان للوقوف بعرفة وقد سقط.
وإذا مات الفارس سقط سهم فرسه، لا العكس.
استثناءات:
стр. 327
إذا مات الغازي المجاهد والعالم ومن له حق منهم في ديوان الخراج يفرض لأولادهم تبعاً، ولا يسقط بموت الأصل؛ ترغيباً في الجهاد وفي طلب العلم.
المحرم الذي لا شعر على رأسه يندب أمرار الموسى عليه أو يجب، مع أن الأصل قد سقط وهو الشعر.
ومنها إذا بطل أمان رجال، لم يبطل أمان نسائهم وصبيانهم في الأصح.
стр. 328
-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة وهي:
قاعدة: (قد يثبت الفرع مع سقوط الأصل) :
هذه القاعدة عكس سابقتها، ويمكن أن تعتبر استثناء من القاعدة الأم، وفيها تعبير عن إثبات الحقوق، وهو أكثر استعمالاتها أمام القضاء ولا تبحث عن نشوءها في الواقع، لأن وجود الفرع في الواقع يستلزم وجود الأصل الذي تفرع عنه، ولكن إثبات المسؤوليات الحقوقية على الأشخاص قد تفقد وسائل إثباتها في حق الأصل وتتوافر في حق الفرع.
من أمثلة هذه القاعد' ومسائلها:
لو قال شخص: لزيد على عمرو ألف، وأنا ضامن. فأنكر عمرو: لزم القائل وهو الكفيل إن ادعاها زيد؛ لأن المرء مؤاخذ بإقراره، فهنا سقط الأصل وثبت المال في ذمة الفرع وهو الكفيل.
إذا ادعى الزوج الخلع وأنكرت المرأة، بانت، ولم يثبت المال الذي هو الأصل، وثبتت البينونة التي هي فرع عن المال.
لو أقر أحد لشخص مجهول النسب أنه أخوه، فهذا الإقرار يمس حقوق الأب لأن فيه تحميلاً للنسب عليه، لأن كونه أخاً للمقر هو فرع عن بنوته لأبيه فيحتاج إلى تصديق الأب.
فإذا أنكر الأب بنوته ولم يمكن إثباتها بالبينة لا تثبت بنوته للأب، ولكن يؤاخذ بإقراره أنه أخوه فيقاسمه حصته من ميراث أبيه.
стр. 329
-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة وهي:
قاعدة: التابع لا يتقدم على المتبوع:
من أمثله هذه القاعدة ومسائلها:
لا يصح تقدم المأموم على إمامه في الموقف ولا في تكبيرة الإحرام والسلام ولا في سائر الأفعال.
إذا باع بشرط الرهن فقدم لفظ الرهن على البيع لم يصح.
المزارعة على البياض بين النخيل والعنب جائزة بشروط: أن يتقدم لفظ المساقاة، فلو قدم لفظ المزارعة فقال: زارعتك على البياض وساقيتك على النخيل على كذا، لم يصح؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع.
هذه عند الشافعية، وعند الحنابلة تجوز المزارعة إطلاقاً بشروطها.
стр. 330
-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة وهي:
قاعدة: (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها) .
أو (قد يثبت الشيء ضمناً وحكماً ولا يثبت قصداً) .
أو (يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل) .
هذه القاعدة وردت بهذه العبارات المختلفة وهي في كلها تؤدي معنى واحداً.
أصل هذه القاعدة:
أصلها في أصول الإمام الكرخي وهو قوله: (الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعاً وحكماً وإن كان يبطل قصداً) .
الشرائط الشرعية المطلوبة يجب توافرها جميعاً في المحل الأصلي، ولكن التوابع قد يتساهل في استيفائها بعض هذه الشروط، لأنه قد يكون للشيء قصداً شروط مانعة، وأما إذا ثبت ضمناً أو تبعاً لشيء آخر فيكون ثبوته ضرورة ثبوت متبوعة أو ما هو ضمنه.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يشترط في الوقف أن يكون الموقوف عقاراً، أو مالاً ثابتاً، فلا يصح وقف
стр. 331
المنقولات إلا ما تعورف عليه، مثل كتب العلم وأدوات الجنازة، ولكن لو وقف عقاراً كقرية أو دار بما فيها من منقولات، صح الوقف في هذه المنقولات أيضاً تبعاً للعقار.
الجنين في بطن الذبيحة إذا كان تام الخلق جاز أكله عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك والشافعي وأحمد ﵏، لتبعيته لأمه في الذبح؛ لأن ذكاة أمه ذكاة له، مع أنه لا يجوز أكله بدون ذبح لو ولدته حياً أو أخرج من بطنها بعد ذبحها وهو حي.
كذلك الرمي على المسلمين إذا تترس بهم الكفار يجوز قصداً إلى الكفار، مع أن قصد المسلمين بالقتل حرام.
من حلف لا يشتري صوفاً فاشترى شاة على ظهرها صوف، لم يحنث لأن الصوف دخل في البيع تبعاً للشاة لا قصداً فاغتفر فيه.
من حلف لا يشتري خشباً أو إسمنتاً أو حديد يدخل تبعاً بدون تسمية فلم يصر مقصوداً بالعقد.
وكذلك كل شيء ثبت دلالة أو ضرورة لا قصداً يغتفر فيه ما لا يغتفر في القصد، مثل الزيادة المتولدة من أصل الرهن كالولد والثمر، فهي مرهونة كالأصل ومحبوسة مع الأصل بكل الدين، وليس للراهن أن يفك أحدهما إلا بقضاء الدين كله، غير أنها تفارق الأصل بأنها لو هلكت لا يكون لها حصة من الضمان، إلا إذا صارت مقصودة بالفكاك.
استثناءات من هذه القاعدة:
قالوا: الفاسق يجوز تقليده القضاء إذا ظن صدقه، عند عدم وجود غيره، لكن إذا قُلّد عدلاً ففسق في أثناء قضائه انعزل، فقد جاز تقليده ابتداء ولم يجز انتهاء.
стр. 332
-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة وهي:
قاعدة: (إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه) .
أو (إذا بطل المتضمِّن بطل المتضمَّن) .
ويقرب من هذا قولهم: (المبني على الفاسد فاسد) .
المعنى اللغوي للقاعدة:
المتضمِّن، بكسر الميم: اسم فاعل من تضمَّن بمعنى اشتمل واحتوى.
والمتضمَّن بفتح الميم: اسم مفعول.
فالشيء قد يتضمَن شيئاً آخر حقيقة بأن يكون المتضمَّن من أجزاء مدلوله ويشمله المتضمِّن في حكمه، كما أن اللفظ الدال على معناه بالمطابقة يدل على جزئه بالتضمن، كلفظ (أسد) يدل على الحيوان المفترس الذي يزأر مطابقة، ويدل على الحيوان وعلى الذي يزأر تضمناً لأن كل واحد منهما جزء مدلوله.
وهذا القسم المتضمَّن يكون مصاحباً في الحكم للمتضمِّن غير متأخر عنه زماناً وإن تأخر رتبة، بحيث متى أطلق المتضمِّن يشمل حكمه المتضمَّن، كالصلاة مثلاً: فهي متضمنة لأجزاء فروض وواجبات وسنن وآداب وإذا بطلت بطل جميع ما تضمنته والمطلق مثلاً متضمن للمقيد فإذا نسخ المطلق ينسخ المقيد في ضمنه.
وقد يكون المتضمَّن مرتباً على المتضمِّن ترتب المسبب على السبب، فإطلاق المتضمِّن والمتضمَّن عليهما مجاز لأدنى ملابسة.
стр. 333
معنى هذه القاعدة اصطلاحاً:
(إن الشيء الذي ثبت ضمناً إذا بطل متضمنه لا يبقى له حكم) .
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صالح عن عيب في المبيع ثم زال العيب بطل الصلح ويرد ما أخذ؛ لأن المعوَّض عنه، وهو صفة السلامة قد عادت، فبطل الصلح وببطلانه بطل أخذ العوض.
ولو أكره غير المسلم على أن يقر أنه أسلم لا يحكم بإسلامه؛ لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار، وإذا بطل الشيء وهو هنا الإقرار، بطل ما في ضمنه، وهو هنا اعترافه بأنه أسلم.
وإذا تصالح طرفان فابرأ الواحد منهما الآخر، وكتبوا بذلك صحكوكاً فيما بينهما، ثم ظهر أن هذا الصلح فاسد فالإبراء الذي تضمنه هذا الصلح باطل، لبطلانه أيضاً.
ولو قال شخص لآخر: بعتك دمي بألف، فقتله، وجب القصاص، لأن العقد إذا بطل بطل ما في ضمنه وهو الإذن.
ولو جعل الكفيل بالنفس مالاً للمكفول له ليسقط عنه كفالة النفس، فأسقطها تسقط ولا يجب المال، إذا سقط بإسقاط الكفالة.
لو جدد النكاح لمنكوحته بمهر لم يلزمه، لأن النكاح الثاني لم يصح، فلم يلزم ما في ضمنه من المهر.
وإذا صولح الشفيع بمال ليترك الشفعة، لم يصح الصلح لكن يكون إسقاطاً لشفعته، وكذلك لو باع شفعته بمال لم يصح وسقطت، فقد بطل المتضمِّن والمتضمَّن في كليهما.
стр. 334
وكذلك لو قال العنين لامرأته أو المخير للمخيرة اختاري ترك الفسخ بألف فاختارت لم يلزم المال وسقط خيارها، فقد بطل التزام المال وما في ضمنه.
استثناءات من القاعدة:
إذا أبرأ المولى مكاتبة عن بدل الكتابة فلم يقبل عتق وبقي البدل، مع أن الإبراء متضمِّن للعتق، وقد بطل المتضمِّن بالرد ولم يبطل ما في ضمنه من العتق.
وإذا اشترى شخص من آخر اليمين الموجهة عليه في المحاكمة وهذا شراء باطل، فلا تسقط اليمين التي في ضمنه مع بطلانه، فقد بطل المتضمن ولم يبطل ما في ضمنه.
стр. 335
-- القاعدة الثانية من القواعد الكلية غير الكبرى:
قاعدة: (تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات) .
وبمعناها قاعدة: (اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان) .
أصل هذه القاعدة ودليلها ما في الحديث الشريف: (أن رسول الله ﷺ دخل يوماً على بريرة معتقة عائشة رضي الله عن أبيها وعنها، فقدمت إليه تمراً وكان القدر يغلي من اللحم فقال ﵇: ألا تجعلين لي نصيبا من اللحم؟ فقالت: يا رسول الله إنه لحم تصدق به عليَّ. فقال ﵊: لك صدقة ولنا هدية. يعني أنك أخذته من مالكه فكان صدقة عليك، فملكته وإذا أعطيتنا إياه يصير هدية لنا منك.
فدل هذا الحديث على أن تبدل الملك يوجب تبديلاً في العين.
معنى القاعدة:
(إذا تبدل سبب تملك شيء ما يُعَدّ ذلك الشيء متبدلاً حكماً، وإن لم يتبدل هو حقيقة) .
من مسائل هذه القاعدة:
الفقير إذا أخذ زكاة أو صدقة ثم وهبها أو أهداها لغني أو هاشمي أو باعها منهما حل ذلك لهما؛ لتبدل العين بتبدل سبب الملك.
وإذا تصدق رجل على قريبه أو أعطاه زكاة ماله ثم مات المتصدق عليه، وعادت
стр. 336
الصدقة للمعطي بالوراثة، ملكها وما ضاع ثوابه.
ومنها أن الواهب وإن كان يصح، رجوعه في هبته عند عدم المانع، برضى الموهوب له أو بحكم الحاكم لكن لو باع الموهوب له الهبة أو وهبها، فلا يبقى للواهب حق الرجوع في الهبة لأن الموهوب بانتقال ملكيته إلى غير الموهوب له صار كأنه شيء آخر حكماً، وحتى لو عاد الموهوب للموهوب له بملك جديد كشراء أو غيره، فليس للواهب الرجوع فيه، وكذلك لو مات الموهوب له وانتقل الملك إلى وارثه.
стр. 337
-- القاعدة الثالثة:
قاعدة: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) :
أصل هذه القاعدة: قول الشافعي ﵁ (منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم) .
وأصله قول عمر رضوان الله عليه (إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة وإلى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت) . أخرجه الدارمي في سننه.
وما ذكره أبو يوسف ﵀ في كتاب الخراج حيث قال: بعث عمر بن الخطاب ﵁ عمار بن ياسر على الصلاة والحرب، وبعث عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وبعث عثمان بن حُنيف على مساحة الأرضين، وجعل بينهم شاة كل يوم، في بيت المال، شطرها وبطنها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها الآخر لعثمان بن حنيف، وقال: إني أنزلت نفسي وإياكم من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم، فإن الله ﵎ قال: (ومَن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) . سورة النساء، آية (٦) .
(والله ما أرى أرضاً يؤخذ منها شاة كل يوم إلا استسرع خرابها) .
ومن أدلة هذه القاعدة:
قوله ﷺ : (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت
стр. 338
وهو غاش رعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة) .
٢. قوله ﵊: (ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم وينصح لهم كنصحه وجهده لنفسه إلا لم يدخل معهم الجنة) .
معنى القاعدة:
في اللغة: المراد بالرعية هنا: عموم الناس الذين هم تحت ولاية الوالي.
منوط: اسم مفعول من الفعل نيط به مبنياً للمفعول، ومعنى نيط به أي ربط وعلق ومنه قولهم: ذات أنواط، فمنوط معناه، معلّق ومرتبط ومعهود به.
المعنى الاصطلاحي: (إن تصرف الإمام وكل من ولي شيئاً من أمور المسلمين يجب أن يكون مبنياً ومعلقاً ومقصوداً به المصلحة العامة، أي بما فيه نفع لعموم من تحت يدهم، وما لم يكن كذلك لم يكن صحيحاً ولا نافذاً شرعاً) .
فهذه القاعدة تضبط الحدود التي يتصرف في نطاقها كل من ولي شيئاً من أمور العامة من إمام أو والٍ أو أمير أو وقاض أو موظف، وتفيد أن أعمال هؤلاء وأمثالهم وتصرفاتهم لكي تنفذ على الرعية وتكون ملزمة لها يجب أن تكون مبنية على مصلحة الجماعة وخيرها.
لأن الولاة والعمال والأمراء والقضاة والقادة وغيرهم ليسوا عمالاً لأنفسهم إنما هو وكلاء على الأمة في القيام بشؤونها، فعليهم أن يراعوا خير التدابير لإقامة العدل وإزالة الظلم وإحقاق الحق وصيانة الأخلاق وتطهير المجتمع من الفساد، ونشر العلم ومحاربة الجهل، والحرص على الأموال العامة ورعايتها وإنفاقها فقط فيما يعود على الأمة بالخير والنفع، كما لا يجوز لهم أن يحابوا بها أحداً دون أحد لجاه أو
стр. 339
لسلطان أو رغبة أو طمع، لأنه لا يجوز للوالي أن يأخذ درهماً من أموال الناس إلا بحق، كما لا يجوز له أن يضعه إلا في يد تستحق، كما لا يجوز له كذلك أن يأخذ من مال أحد شيئاً إلا بحق ثابت معروف.
مسائل وأمثلة على هذه القاعدة:
إذا لم يكن لإنسان وارث بقرابة أو ولاء أو موالاة إذا مات فتركته لبيت مال المسلمين، وإذا قتله أحد عمداً فوليه السلطان لقوله ﵊: (السلطان ولي من لا ولي له) . وليس للسلطان أن يعفو عن قاتله، لأن القصاص حق المسلمين، بدليل أن ميراثه لهم والسلطان نائب عنهم في إقامة الحد، وفي العفو إسقاط حقهم أصلاً، ولكن للإمام أن يصالح على الدية يأخذها من القاتل أو يدفعها من ماله ليضعها في بيت مال المسلمين.
وإذا قسم الإمام المال على المستحقين يحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات؛ لأن عليه التعميم وكذا التسوية بخلاف المالك.
فلا يجوز للإمام أن يقدم في مال بيت مال المسلمين الغني على الفقير أو ذي القرابة على البعيد، أو غير المحتاج على المحتاج.
وإذا أمر وال أو قاض شخصاً بأن يستهلك مالاً من بيت المال أو مالاً لشخص آخر، فإنه غير صحيح، والمستهلك ضامن حتى أن الوالي نفسه أو القاضي لو استهلك ذلك المال كان ضامناً.
كذلك لا يجوز للوالي أو القاضي أو الناضر أو الوصي أن يهب أموال الوقف أو
стр. 340
أموال الصغير، لأن تصرفه فيها يجب أن يكون مقيداً بالمصلحة.
ولا يجوز لأحد من ولاة الأمور أن ينصب إماماً للصلوات فاسقاً.
وإن صحح بعضهم الصلاة خلفه، لأنها مكروهة، وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه.
كما أنه ليس لولي الأمر أن يزوج امرأة ليس لها ولي بغير كفء وإن رضيت؛ لأن حق الكفاءة للمسلمين وهو نائب عنهم فلا يقدر على إسقاطه.
стр. 341
-- القاعدة الرابعة:
قاعدة: (الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان) :
معنى هذه القاعدة:
(ا) مفردات: البرهان: هو البينة والدليل الشرعي، والمراد به هنا البينة العادلة. العيان: المعاينة والمشاهدة.
(ب) المعنى الإجمالي الاصطلاحي: (الشيء الثابت بالبينة أو الدليل الشرعيين يعتبر كالثابت بالمعاينة والمشاهدة في الإلزام) .
أدلة هذه القاعدة:
أولاً: من القرآن الكريم قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداءِ) . البقرة، آية (٢٨٢) .
وقوله تعالى: (شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدلٍ منكم) . المائدة، آية (١٠٦) .
ثانياً من السنة: قوله ﷺ : (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) .
وقوله ﵊: (إنما أنا بشر وإنكم لتختصمون إلي وعسى أن يكون بعضكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما
стр. 342
أسمع) . الحديث.
ووجه الدلالة من الآيتين والحديثين أن البينة لو لم تكن حجة وقائمة مقام المعاينة لما أمر الله بالاستشهاد، ولما أمر رسوله ﵊ بالبينة واليمين، ولما قضى ﵊ بهما، فدل كل ذلك على أن الثابت بالدليل قائم مقام الثابت بالمشاهدة؛ وذلك تيسيراً على العباد وضماناً لعدم ضياع الحقوق لو لم يقبل إلا المعاينة والمشاهدة.
أمثلة على القاعدة:
من قال تكفلت بما لك عليه، بلا تعيين قدر المال، ثم اختلفا فيه فبرهن الطالب على ألف، لزم الكفيل؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينته.
وينتج عن كون الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان ثلاث نتائج:
١. أنه لا يقبل من المدعى عليه الإنكار بعد ذلك الثبوت.
٢. وأنه لا يسمع منه بعد القضاء ادعاء بخلاف ما قضي به عليه، إلا بسبب جديد.
٣. وأنه يسري الإثبات بالبينة على غير المقضي عليه بها من ذوي العلاقة الذين تجمعهم وحدة السبب الموجب، فيعتبر الموضوع ثابتاً بالنسبة لهم أيضاً.
فمن شُهِد عليه بإتلاف مال لغيره أو غصبه منه أو سرقته وثبت ذلك بالبينة العادلة وقضى به عليه، فلا يقبل إنكاره بعد ذلك الثبوت، كما لا يقبل منه ادعاء بخلاف ما قضي به عليه، وإذا كان قد باع المغصوب أو المسروق أو وهبه إلى غيره، فيسترد منه بناء على الحكم بثبوت اغتصابه أو سرقته.
стр. 343
-- القاعدة الخامسة:
قاعدة: (المرء مؤاخذ بإقراره) :
أو: (إقرار الإنسان على نفسه مقبول) :
معنى القاعدة لغة:
الإقرار: إفعال من قرَّ الشيء إذا ثبت فالإقرار إثبات لما كان متردداً بين الإثبات والجحود.
الإقرار شرعاً: إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه.
معنى القاعدة اصطلاحاً: (إن الإنسان مؤاخذ ومصدق في إخباره عن ثبوت حق للغير على نفسه) .
حكم الإقرار: هل الإقرار حجة ملزمة؟
الإقرار في الأصل خبر، والخبر هو القول الذي يحتمل الصدق والكذب، فكان الإقرار بحسب ظاهره محتملاً والمحتمل لا يكون حجة، ولكن الإقرار مع ذلك حجة لأدلة.
أولاً: دليل الشرع:
(ا) قوله تعالى: (وَليُمللِ الذي عليه الحق وليتَّقِ الله ربهُ ولا يبخَس منه شيئاً) . البقرة، آية (٢٨٢) .
والإملال هو الإملاء، أي فليملل المدين الذي عليه الحق على الكاتب لأنه المشهود عليه، والإملاء هنا لا يتحقق إلا بالإقرار، لأنه لو لم يقر بالحق
стр. 344
لم يملل، وكذلك في الآية نهى عن الكتمان والبخس، وهو دليل على لزوم ما أقر به.
(ب) وقوله تعالى: (قال أأقررتُم وأخذتُم على ذلكم إصْرِى قالوا أقررنا) . سورة آل عمران، آية (٨١) . ولو لم يكن الإقرار حجة لما طلبه.
ثانياً: دليل العقل:
وهو ظهور رجحان صدق المقر على كذبه، لأن عقل الإنسان ودينه يمنعانه من الكذب وخاصة على نفسه ويحملانه على الصدق، فكان الصدق ظاهراً فيما أقر به، لأن العاقل لا يقر بضرر على نفسه دون حق، ولأن اعتبار الإقرار أعمال للكلام وهو أولى من إهماله.
مسألة: هل يقبل رجوع المقر؟
لو أقر زيد لعمرو بمبلغ معلوم من المال ديناً عليه، ثم ادعى الغلط أو الخطأ. هل يقبل رجوعه؟
قالوا: لا يقبل رجوع المقر عن إقرار لأنه تكذيب لنفسه، إلا إذا كان مكذباً شرعاً أو كان الإقرار بمحال أو كان الإقرار بحق لله تعالى كالزنا.
فلو ادعى المشتري الشراء بألف والبائع بألفين وأقام البينة، فإن الشفيع يأخذها بألفين، لأن قضاء القاضي تكذيب للمشتري في إقراره.
لو أقر بقتل إنسان ثم تبين حياته، أو بقطع يد ثم تبين سلامتها، فإقراره غير مقبول لأنه يكذبه ظاهر الحال.
لو أقر على نفسه بالزنا ثم أكذب نفسه يعتبر رجوعاً ولا يقام عليه الحد متى يصح إقراره؟
стр. 345
يشترط في المُقر أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا يصح إقرار الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة.
كما يشترط رضا المقر فلا يصح الإقرار الواقع بالجبر لأنه لا إقرار مع الإكراه.
стр. 346
-- القاعدة السادسة:
قاعدة: (الإقرار حجة قاصرة) :
أصل هذه القاعدة: من أصول الإمام الكرخي ونصها: (الأصل أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به ولا يصدق على إبطال حق الغير ولا بإلزام الغير حقا) .
-- معنى القاعدة:
(ا) المفردات: حجة: أي دليل ملزم وبرهان.
قاصرة: اسم فاعل من قصر يقصر قصراً، والقصر معنا الحبس ومنه قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عينٌ) . الصافات، الآية (٤٨) .
أي حابسات أبصارهن على أزواجهن وعن غير أزواجهن.
ومعنى قاصرة هنا: أي حابسة أثر الإقرار عن غير المقر وعلى المقر فقط.
(ب) معنى القاعدة اصطلاحاً:
إذا أثبت الإنسان حقاً لغيره على نفسه، فإن إقراره ملزم له فقط ولا يتعداه إلى غيره؛ لأن الإقرار لا يتوقف على القضاء بل حجة في نفسه.
ويقابل الإقرار البينة والمراد بها الشهود وما يثبت الحق غير الإقرار، فإذا كان الإقرار حجة قاصرة فإن البينة حجة متعدية؛ لأن الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان كما مر قريباً، ولذلك فقد صيغت القاعدة التالية:
(البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة) .
стр. 347
ومعنى تعدية البينة هنا أن الثابت بالبينة غير مقصور على المدعى عليه، بل يمكن أن يتجاوزه إلى غيره ممن له علاقة بالقضية، لأن حجية البينة مستندة إلى القضاء.
أمثلة على القاعدة بشقيها:
من أقر بدين مشترك عليه وعلى غيره فإن إقراره هذا ينفذ في حق نفسه فقط فيؤاخذ به في ماله ولا يتعداه إلى شريكه ما لم يصدقه أو تقوم البينة.
وأما إذا قامت البينة بشهادة الشهود على أن زيداً من الناس أقرض فلاناً وفلاناً مالاً أو ضار بهما معاً، فإن المؤاخذة على الاثنين فيطالبان معاً برد المال.
لو أقر المشتري أن المبيع مستحق فلا يرجع على البائع بالثمن، ولكن لو ثبت استحقاق المبيع بالبينة فإنه يرجع على البائع بالثمن.
لو ادعى أنه اشترى الوديعة من صاحبها وصدقه المودَع لم يؤمر بدفعها إليه، لأنه إقرار على الغير.
ولو أقر عبد بالدين لا يؤخذ من مولاه، بل يؤخذ به العبد بعد عتقه.
أمثلة لما استثني من القاعد' وتعدي أثر الإقرار غير المقر:
لو أقرت الزوجة بدين فللدائن حبسها، وإن فات حق الزوج بسبب الحبس.
ولو أقر المؤجر بدين ولا وفاء له إلا العين المؤجرة فله أن يبيعها لقضاء دينه ولو تضرر المستأجر.
لو أقرت المجهولة النسب بأنه بنت أب الزوج وصدقها الأب انفسخ النكاح بينهما؛ لأن تصديق الأب أثبت بنوتها له وأخوتها للزوج فينفسخ النكاح.
أما لو كان الإقرار لأجنبي فلا يعتبر إقرارها إلا في حق نفسها ولا ينفسخ النكاح.
стр. 348
-- القاعدة السابعة:
قاعدة: (الإقرار لا يرتد بالرد) .
إذا أقر إنسان عاقل مكلف بأمر ما، فهل للمُقر له رد الإقرار، أي إنكار ما أقرَّ به المُقِرّ، وهل يترتب على ذلك الرد عدم اعتبار الإقرار وإلغائه؟
المُقَرُّ به لا يخلو أن يكون أحد أمرين:
الأمر الأول: أن يكون مما يحتمل الإبطال والإلغاء، فهو يرتد برد المُقّرِّ ولا يثبت في ذمة المُقِرِّ إلا بإقرار جديد أو بينة.
فمن قال لآخر لك عليَّ ألف درهم، فقال الآخر المقَرُّ له، ليس لي عليك شيء، ثم قال في مجلسه: نعم لي عليك ألف درهم. فلا يقبل قوله بغير حجة أو إقرار جديد، لأن المقر أقر بما يحتمل الإبطال، وهو مستقل بإثبات ما أقر به، أي لا يحتاج إلى تصديق خصمه فيما أقر، وقد رده المقر له فيرتد.
وأما قوله بعد ذلك: نعم لي عليك ألف درهم، غير مفيد لأنه دعوى، فلا بد لها من بينة أو تصديق خصم.
الأمر الثاني: أن يكون المُقَرُّ به مما لا يحتمل الإبطال، كالحرية والرق والطلاق والعتق وولاء العتاقة والوقف والنسب، فهذا لا يرتد بالرد فلو أنكر المُقّرُّ له شيئاً من ذلك لا يعتبر إنكاره رداً للإقرار، ولا يعتبر الإقرار بهذا الرد باطلاً.
فمن أقر بحرية عبد غيره وكذبه المولى فهو في حقه حر ولا يرتد إقراره، حتى لو ملكه بعد ذلك يعتق عليه بإقراره السابق، وقلنا إنه في حقه لأن الإقرار حجة قاصرة.
ولو قال لآخر أنا عبدك، فرده المقر له ثم عاد إلى تصديقه فهو عبده لا يرتد الإقرار
стр. 349
بالرق بالرد.
ومن قالت لزوجها: إني طالق منك
فقال الزوج: لا ثم قال: نعم، يعتبر تصديقه ولا يرتد برده.
ولو أقر بأرض في يد غيره أنها وقف ثم اشتراها أو ورثها، صارت وقفاً، مؤاخذة له بزعمه.
ولو أقر بنسب صبي عنده من فلان الغائب، ثم قال: هو ابني، لم يكن ابنه أبداً ولو جحد فلان الغائب.
стр. 350
-- القاعدة الثامنة:
قاعدة: (من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه) :
معنى هذه القاعدة:
(أنه إذا عمل شخص على نقض ما أجراه وتم من جهته باختياره ورضاه فلا اعتبار لنقضه ونكثه) .
والحكمة من ذلك لما في عمله من التعارض والمنافاة بين الشيء الذي تم من قِبَله وبين سعيه الأخير في نقضه، وهذا تدافع بين كلامين متناقضين يمنع استماع الدعوى فيكون سعيه مردوداً عليه وغير معتبر.
وشرط اعتبار هذا التناقض أن يكون أمام خصم منازع، وإلا لا يعتبر متناقضاً ويسمع، فلو كانت دار بيد رجل ويقول: هذه الدار ليست لي، وهنالك شخص آخر يدعيها، يكون نفي الأول إقراراً بالملك للمدعي، حتى لو ادعاها لنفسه بعد ذلك لا تقبل دعواه.
أما لو لم يكن هناك خصم منازع فلا يصح نفيه، وله بعد ذلك أن يقول: الدار لي، وتصح دعواه بها.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
إذا باع عبداً وقبضه المشتري وذهب به إلى منزله والعبد ساكت، وهو ممن يعبر عن نفسه، فهو إقرار منه بالرق، فلا يصدق في دعوى الحرية بعده، لسعيه في نقض ما تم من جهته إلا أن يبرهن.
أقر لغيره بمبلغ من المال، فلا يجوز رجوعه عن إقراره.
стр. 351
أقر أنه لا حق له قِبل فلان، ثم ادعى مالاً أنه غصبه منه، لا يصدق إلا أن يبرهن أنه غصبه منه بعد إقراره، إذ البراءة ثبتت بيقين وهو الإقرار، فلا يبطل حكمها إلا بيقين وهو البينة.
استثناءات من القاعدة:
اشترى عبدا وقبضه، ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بكذا وبرهن على ذلك، فإنه تقبل دعواه ويفسخ البيع.
اشترى أرضاً ثم ادعى أن بائعها جعلها مقبرة أو مسجداً، فتقبل دعواه إذا برهن على ذلك.
باع الأب مال ولده ثم ادعى أنه وقع بغبن فاحش، وكذلك الوصي ومتولي الوقف، فتقبل الدعوى.
стр. 352
-- القاعدة التاسعة:
قاعدة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان) :
أصل هذه القاعدة: (كل موضوع بحق إذا عطب به إنسان فلا ضمان على واضعه) .
معنى هذه القاعدة:
المراد بالجواز الشرعي أي إذن الشارع المطلق، الضمان، يراد به هنا تحمل المسؤولية والغرم المالي تعويضاً عن ضرر غيره.
(فالإنسان لا يؤاخذ بفعل ما يملك أن يفعله شرعاً، فإِذن الشارع يمنع المؤاخذة ويدفع الضمان إذا وقع بسبب الفعل المأذون فيه ضرر للآخرين) .
من أمثلة القاعدة:
من حفر في ملكه، من أرض أو دار، حفرة فوقع بها إنسان أو حيوان، فالحافر هنا غير ضامن؛ لأنه غير متعد، ولكن له حفر في الطريق حفرة فوقع فيها إنسان، أو حيوان فهو ضامن؛ لأن الحفر في الطريق غير مأذون فيه.
من استأجر دابة وحمّلها حملاً معتاداً فهلكت لا يضمن لأنه غير متعد، بخلاف ما لو حملها أكثر من المعتاد فإنه يضمن.
يجوز لولي المقتول أمر غيره بالقصاص من قاتله نيابة عنه، ولا ضمان على ذلك الغير إذا اقتص بحضوره، لأن جواز القتل لظهور الأمر ينافي الضمان.
ومن كسر لمسلم طبلاً أو مزماراً أو قتل خنزيراً فلا يضمن على الأصح؛ لأن فعله بإذن الشرع، ولكن إذا كان هناك حاكم مسلم منفذ لشرع الله، فله
стр. 353
تعزيره؛ لافتياته على حق الحاكم في ذلك.
وكذا إذا حد القاضي، فيما يوجب الحد، أو عزر ومات المضروب فلا ضمان على القاضي للإذن الشرعي.
وإذا أبضع أحد شريكي العنان أو المفاوضة أو استأجر أجيراً، أو رهن متاعاً من الشركة بدين وجب بعقده، أو احتال بدين للشركة على آخر أو غير ذلك من التصرفات الجائزة للشريك فحصل ضرر فلا يضمن لأن (الجواز الشرعي ينافي الضمان) .
استثناءات:
خرج عن هذه القاعدة مسائل:
لو تصدق الملتقط باللقطة فجاء ربها بعد ذلك فله تضمين الملتقط أو الفقير الذي تُصدِّق بها عليه، إذا هلكت اللقطة أو استهلكت، وإلا فله استردادها، مع أن تصرف الملتقط مستند إلى إذن الشرع حيث قال ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم وهو أحق بها، وإن لم يجيء صاحبها فهو مال الله تعالى يؤتيه من يشاء) .
وإنما وجب الضمان هنا؛ لأن أخذ مالِ الغير بلا عقد ولا عوض حرام، فقوبل بالضمان.
إذا غاب أحد الشريكين في البستان المشترك يكون الآخر قائماً على ذلك البستان وعند إدراك الثمرة يأخذ حصته منها، وله أيضاً بيع حصة الغائب وحفظ ثمنها لكن
стр. 354
يكون الغائب عند حضوره مخيراً إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن المحفوظ، وإن شاء لم يجز وضمنه حصته.
هذا إذا لم يكن البيع بإذن القاضي، وأما إذا كان بإذن القاضي فلا ضمان.
وذكر بعضهم أن المضطر يجوز له أن يأكل مال الغير مع أنه ضامن له، ولكن يظهر عند التحقيق أن هذه المسألة ليست مستثناة من هذه القاعدة لأن الجواز هنا مقيد بعدم الإضرار بالغير، فالمسائل التي تدخل تحت هذه القاعدة إذا كان الجواز فيها مشروعاً على الإطلاق لا الممنوع المرخص عند الاضطرار.
стр. 355
-- القاعدة العاشرة:
قاعدة: (الخراج بالضمان) .
قاعدة: (الغرم بالغنم) .
وقاعدة: (النعمة بقدر النقمة، والنقمة بقدر النعمة) .
هذه القواعد ذوات معنى واحد وأولاها نص حديث نبوي كريم رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان من حديث عائشة ﵂.
وفي بعض طرقه ذكر السبب: وهو أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام عنده ما يشاء أن يقيم ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه. فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي. فقال ﵊: (الخراج بالضمان) وهو حديث صحيح من جوامع الكلم، ولاشتماله على معانٍ كثيرة جرى مجرى المثل.
-- معنى هذه القاعدة:
(ا) في اللغة:
الخراج ما خرج من الشيء، فخراج الشجرة الثمرة، وخراج الحيوان درُّه ونسله، وخراج العبد غلَّته، والخراج والخرج اسم لما يخرج من غلة الأرض.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال: والخراج في هذا الحديث هو غَلَّة العبد، يشتريه الرجل فيستعمله زماناً ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع فيرده ويأخذ جميع الثمن، ويفوز بِغَلّته كلها؛ لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك
следующие страницы →