Полный текст (399 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
أقر أنه لا حق له قِبل فلان، ثم ادعى مالاً أنه غصبه منه، لا يصدق إلا أن يبرهن أنه غصبه منه بعد إقراره، إذ البراءة ثبتت بيقين وهو الإقرار، فلا يبطل حكمها إلا بيقين وهو البينة.
استثناءات من القاعدة:
اشترى عبدا وقبضه، ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بكذا وبرهن على ذلك، فإنه تقبل دعواه ويفسخ البيع.
اشترى أرضاً ثم ادعى أن بائعها جعلها مقبرة أو مسجداً، فتقبل دعواه إذا برهن على ذلك.
باع الأب مال ولده ثم ادعى أنه وقع بغبن فاحش، وكذلك الوصي ومتولي الوقف، فتقبل الدعوى.
стр. 352
-- القاعدة التاسعة:
قاعدة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان) :
أصل هذه القاعدة: (كل موضوع بحق إذا عطب به إنسان فلا ضمان على واضعه) .
معنى هذه القاعدة:
المراد بالجواز الشرعي أي إذن الشارع المطلق، الضمان، يراد به هنا تحمل المسؤولية والغرم المالي تعويضاً عن ضرر غيره.
(فالإنسان لا يؤاخذ بفعل ما يملك أن يفعله شرعاً، فإِذن الشارع يمنع المؤاخذة ويدفع الضمان إذا وقع بسبب الفعل المأذون فيه ضرر للآخرين) .
من أمثلة القاعدة:
من حفر في ملكه، من أرض أو دار، حفرة فوقع بها إنسان أو حيوان، فالحافر هنا غير ضامن؛ لأنه غير متعد، ولكن له حفر في الطريق حفرة فوقع فيها إنسان، أو حيوان فهو ضامن؛ لأن الحفر في الطريق غير مأذون فيه.
من استأجر دابة وحمّلها حملاً معتاداً فهلكت لا يضمن لأنه غير متعد، بخلاف ما لو حملها أكثر من المعتاد فإنه يضمن.
يجوز لولي المقتول أمر غيره بالقصاص من قاتله نيابة عنه، ولا ضمان على ذلك الغير إذا اقتص بحضوره، لأن جواز القتل لظهور الأمر ينافي الضمان.
ومن كسر لمسلم طبلاً أو مزماراً أو قتل خنزيراً فلا يضمن على الأصح؛ لأن فعله بإذن الشرع، ولكن إذا كان هناك حاكم مسلم منفذ لشرع الله، فله
стр. 353
تعزيره؛ لافتياته على حق الحاكم في ذلك.
وكذا إذا حد القاضي، فيما يوجب الحد، أو عزر ومات المضروب فلا ضمان على القاضي للإذن الشرعي.
وإذا أبضع أحد شريكي العنان أو المفاوضة أو استأجر أجيراً، أو رهن متاعاً من الشركة بدين وجب بعقده، أو احتال بدين للشركة على آخر أو غير ذلك من التصرفات الجائزة للشريك فحصل ضرر فلا يضمن لأن (الجواز الشرعي ينافي الضمان) .
استثناءات:
خرج عن هذه القاعدة مسائل:
لو تصدق الملتقط باللقطة فجاء ربها بعد ذلك فله تضمين الملتقط أو الفقير الذي تُصدِّق بها عليه، إذا هلكت اللقطة أو استهلكت، وإلا فله استردادها، مع أن تصرف الملتقط مستند إلى إذن الشرع حيث قال ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم وهو أحق بها، وإن لم يجيء صاحبها فهو مال الله تعالى يؤتيه من يشاء) .
وإنما وجب الضمان هنا؛ لأن أخذ مالِ الغير بلا عقد ولا عوض حرام، فقوبل بالضمان.
إذا غاب أحد الشريكين في البستان المشترك يكون الآخر قائماً على ذلك البستان وعند إدراك الثمرة يأخذ حصته منها، وله أيضاً بيع حصة الغائب وحفظ ثمنها لكن
стр. 354
يكون الغائب عند حضوره مخيراً إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن المحفوظ، وإن شاء لم يجز وضمنه حصته.
هذا إذا لم يكن البيع بإذن القاضي، وأما إذا كان بإذن القاضي فلا ضمان.
وذكر بعضهم أن المضطر يجوز له أن يأكل مال الغير مع أنه ضامن له، ولكن يظهر عند التحقيق أن هذه المسألة ليست مستثناة من هذه القاعدة لأن الجواز هنا مقيد بعدم الإضرار بالغير، فالمسائل التي تدخل تحت هذه القاعدة إذا كان الجواز فيها مشروعاً على الإطلاق لا الممنوع المرخص عند الاضطرار.
стр. 355
-- القاعدة العاشرة:
قاعدة: (الخراج بالضمان) .
قاعدة: (الغرم بالغنم) .
وقاعدة: (النعمة بقدر النقمة، والنقمة بقدر النعمة) .
هذه القواعد ذوات معنى واحد وأولاها نص حديث نبوي كريم رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان من حديث عائشة ﵂.
وفي بعض طرقه ذكر السبب: وهو أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام عنده ما يشاء أن يقيم ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه. فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي. فقال ﵊: (الخراج بالضمان) وهو حديث صحيح من جوامع الكلم، ولاشتماله على معانٍ كثيرة جرى مجرى المثل.
-- معنى هذه القاعدة:
(ا) في اللغة:
الخراج ما خرج من الشيء، فخراج الشجرة الثمرة، وخراج الحيوان درُّه ونسله، وخراج العبد غلَّته، والخراج والخرج اسم لما يخرج من غلة الأرض.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال: والخراج في هذا الحديث هو غَلَّة العبد، يشتريه الرجل فيستعمله زماناً ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع فيرده ويأخذ جميع الثمن، ويفوز بِغَلّته كلها؛ لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك
стр. 356
من ماله.
والضمان في اللغة:
هو الكفالة والالتزام، والمقصود به هنا:
المؤونة كالإنفاق والمصاريف وتحمل التلف والهلاك والخسارة والنقص.
والغُرم: معناه الخسارة. والغنم: هو الربح.
(ب) في الاصطلاح: (إن ما خرج من الشيء من غلّة ومنفعة وعين فهو للمشتري عوض ما كان عليه ضمان الملك، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه، فالغلة له ليكون في مقابلة الغرم) .
ولأن من تحمل الخسارة لو حصلت يجب أن يحصل على الربح، لأن النقمة بقدر النعمة، والنعمة بقدر النقمة.
أو نقول: (إن من يضمن شيئاً إذا تلف يكون نفع ذلك الشيء له في مقابلة ضمانه حال التلف) .
من أمثلة هذه القواعد:
لو أعتق الراهن العبد المرهون نفذ عتقه، فإن كان الراهن غنياً فلا سعاية على العبد، لإمكان المرتهن أخذ حقه من الراهن، وهو الأداء إن كان الدين حالاً أو قيمة الرهن إن كان مؤجلاً.
وأما إن كان الراهن فقيراً فيسعى العبد للمرتهن في الأقل من قيمته ومن الدين؛ لتعذر أخذ الحق من الراهن، فيؤخذ ممن حصلت له فائدة العنق وهو العبد، لأن الخراج بالضمان، والغرم بالغنم.
وإذا رد المشتري حيواناً أو سيارة، أو داراً بخيار العيب بعد قبضه واستعماله غير عالم بالعيب، وكان قد استعمل المشتري مدة، بنفسه أو آجره من غيره وقبض أجرته، لا يلزم رد ذلك للبائع معه لكونه في ضمان المشتري، لأنه لو كان تلف في
стр. 357
يده قبل الرد لكان تلفه عليه ومن ماله، أما لو كان المشتري عالماً بالعيب واستعمل المبيع بعد إطلاعه عليه فيسقط خياره ولا يحق له الرد.
ما يرد هذه القاعدة:
يرد على هذه القاعدة سؤالان:
السؤال الأول: إذا كان الخراج في مقابلة الضمان فكان يجب أن تكون الزوائد قبل قبض المبيع من قبل المشتري للبائع لا للمشتري؛ لأن المبيع قبل قبض المشتري على ضمان البائع، تم العقد أو انفسخ، لكونه من ضمانه، ومع ذلك لم يقل بهذا أحد، لأن الزوائد من حق المشتري هنا.
الجواب: إن علة جعل الزوائد هنا من حق المشتري أن المبيع هنا أصبح مملوكاً للمشتري، فالزوائد هي زوائد ملكه، وأما بعد القبض فإن حق المشتري يتأكد في الزوائد بعلة الملك والضمان معاً.
واقتصر في الحديث على التعليل بالضمان؛ لأنه أظهر عند البائع وأقطع لطلبه وأدفع لاستنكاره أن الخراج للمشتري.
السؤال الثاني: إنه لو كانت عِلَّة الخراج بسبب الضمان للزم أن تكون زوائد المغصوب للغاصب؛ لأن الغاصب يضمن ما غصب، وبهذا احتج أبو حنيفة ﵀ وقال: إن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب، فهو هنا مع ظاهر الحديث.
والجواب على ذلك: أن رسول الله ﷺ قضى بالخراج في ضمان الملك لا لمجرد الضمان، وجعل الخراج لمن هو مالكه فعلاً، إذا تلف تلف على مالكه وهو المشتري، والغاصب لا يملك المغصوب، وبأن الخراج: وهو المنافع جعلها لمن عليه الضمان، ولا خلاف أن الغاصب لا يملك المنافع بل إذا أتلفها فالخلاف في ضمانها عليه.
стр. 358
والتعليل إن الخبث إذا كان لعدم الملك فإن الربح لا يطيب، فربح الغاصب من المغصوب، والأمين من الأمانة من هذا الباب، فلا يحل للغاصب ولا للأمين.
وأما إذا كان الربح لفساد الملك كالبيع الفاسد فإن الربح يطيب؛ لأن المبيع كان على ضمان المشتري.
استثناء:
خرج عن هذه القاعدة مسألة وهي: ما لو أعتقت المرأة عبداً فإن ولاءه يكون لابنها، ولو جنى هذا العبد جناية خطأ فالعقل (أي الدية) على عصبة المرأة لا على ابنها، فعصبة المرأة هنا عليهم العقل ولا ميراتث لهم بوجود الابن.
وأصل هذا الحكم: الأثر الذي أورده الزيلعي: أن علي ابن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ اختصما إلى عثمان ﵁ في معتق صفية بنت عبد المطلب عمة علي وأم الزبير، حين مات، فقال علي ﵁: هو مولى عمتي فأنا أحق بإرثه لأني أعقل عنه وعنها، وقال الزبير: هو مولى أمي فأنا أرثها وكذا أرث معتقها.
فقضى عثمان بالولاء للزبير وبالعقل على علي رضي الله عن الجميع.
стр. 359
-- القاعدة الحادية عشرة:
قاعدة: (الساقط لا يعود) .
قاعدة: (المعدوم لا يعود) .
المراد بالساقط هنا الحكم أو التصرف الذي تم، والساقط صفة لموصوف محذوف هو الحكم أو التصرف، وإسقاطه يكون بفعل المكلف أو بالإسقاط الشرعي.
ومعنى لا يعود: أي يصب؛ كالمعدوم لا سبيل لإعادته إلا بسبب جديد يعيد مثله لا عينه.
هذه القاعدة تجري في كثير من الأبواب الفقهية.
ما يجري فيه الإسقاط:
يجري الإسقاط في الحقوق المجرد' كالخيارات، والشفعة، والإبراء عن الدعاوى، وإبراء الذمم.
والمراد بالحقوق هنا حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى لا تقبل الإسقاط من العبد، كما لو عفا المقذوف ثم عاد وطلب، حُدَّ القاذف ولكن لا يقام الحد بعد عفو المقذوف لعدم المطالب.
وأما لو عفا ولي المزني بها عن الزاني فلا يعتد بعفوه، بل يقام الحد على الزاني والمزني بها إن كانت مطاوعة؛ لأن هذا الحد من حقوق الله الخالصة فلا يقبل الإسقاط.
طرق الإسقاط:
стр. 360
للإسقاط طرق متنوعة، منها: الإسقاط الصريح كإبراء الدائن مدينه عن الدين ومنها الإسقاط بالالتزام، أو بالإشارة، أو بالدلالة.
ما لا يمكن إسقاطه:
هناك أمور لا يجري فيها الإسقاط وذلك في الأعيان، لأن الإسقاط في الأعيان لا يتصور، أو إسقاط الوارث، إرثه حيث لا يسقط، كأن يقول: تركت حقي في الميراث أو برئت منه أو من حصتي، فلا يصح، وهو على حقه؛ لأن الإرث جبري لا يصح تركه.
وكذلك الحقوق الخالصة لله تعالى لا تقبل الإسقاط كما مر.
مسائل على هذه القاعدة:
من باع بثمن حال فللبائع حق حبس المبيع حتى يقبض جميع الثمن، لكن لو سلمه للمشتري قبل قبض الثمن سقط حقه في الحبس، فليس له أن يسترده من المشتري ليحبسه حتى يقبض الثمن، لأن الساقط لا يعود.
من اشترى شيئاً قبل أن يراه فباعه أو رهنه أو آجره سقط خياره، فلو حكم عليه بالرد بخيار العيب، أو هو أفتكه من المرتهن، أو انقضت مدة الإجارة، لا يعود خياره لأن الساقط لا يعود، وهكذا كل خيار إذا سقط بمسقطه الشرعي، سواء كان في بيع أم نكاح أم شفعة أم غيرها لا يعود بالسقوط.
وكذا لو صالح على أقل من جنس حقه من الدراهم أو الدنانير يعتبر استيفاء لبعض حقه وإبراء عن الباقي، فليس له بعدُ أن ينقض هذا الصلح، لأن الساقط لا يعود.
ولو كان لأحد حق في مسيل أو مرور في أرض آخر فأسقط حقه من ذلك، أو أذن لصاحب الأرض أن يحدث بناء على ذلك الممر سقط حقه، وليس له بعد حق الرجوع، بخلاف ما لو كان مالكاً لرقبة المسيل أو الممر فقال: أسقطت ملكيتي لها،
стр. 361
أو بنى فيه صاحب الأرض بإذنه، فإن له أن يسترد الرقبة؛ لأن الإسقاط لا يتصور في الأعيان.
وكذا لو أجاز الورثة الزائد عن الثلث من وصية مورثهم سقط حقهم المتعلق بالزائد، فلا يصح رجوعهم عن الإجازة، لأن الساقط لا يعود.
وهذا عند من يقول بجواز الوصية فوق الثلث.
وإذا حكم القاضي برد شهادة الشاهد، مع وجود الأهلية، لفسق أو تهمة ثم تاب الشاهد لا تقبل شهادته بعد ذلك في تلك الحادثة.
كذلك لا تعود النجاسة بعد الحكم بزوالها بغير المائعات، فلو دبغ الجلد بالتشمس ونحوه، وفرك الثوب من المني، وجفت الأرض بالشمس، والخف بالدلك، ثم أصابها ماء طاهر لا تعود النجاسة.
كذلك الإقالة بعد الإقالة في السلم لا تصح، لأن السلم دين سقط بالإقالة، فلو صحت الإقالة الثانية لزم عود السلم والساقط لا يعود.
стр. 362
-- القاعدة الثانية عشرة:
قاعدة: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) :
وفي رواية: (تؤدي) :
أصل هذه القاعدة:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم رواه أحمد في مسنده، وأصحاب السنن الأربعة، والحاكم، في مستدركه كلهم عن سمرة بن جندب ﵁، وحسنه الترمذي.
معنى هذا الحديث: (إن من أخذ شيئاً بغير حق كان ضامناً له ولا تبرأ ذمته حتى يرده) .
المراد باليد هنا: صاحبها من إطلاق البعض وإرادة الكل، وعبر باليد لأن بها الأخذ والإعطاء.
أنواع الضمان: الضمان نوعان:
(ا) ضمان عقد.
(ب) ضمان يد.
فضمان العقد مرده ما اتفق عليه المتعاقدان أو بدله.
وضمان اليد مرده المثل أو القيمة.
والمقصود في القاعدة ضمان اليد لا العقد.
أمثلة على القاعدة:
من أخذ بدل صلح ثم اعترف قابضه بعد الصلح أنه لا حق له فيه وجب عليه رد ما أخذ.
стр. 363
وكذلك لو دفع إنسان مالاً على ظن أنه مدين به ثم تبين له خطؤه فعلى الآخذ الرد.
وإذا التقط اللقطة لنفسه كان غاصباً ضامناً حتى يؤديها لصاحبها، وهذا مبني على أنه لا يجوز التصرف في مال غيره بغير إذن منه أو ولاية.
стр. 364
-- القاعدة الثالثة عشرة:
قاعدة: (ليس لعرق ظالم حق) :
أصل هذه القاعدة:
هذه القاعدة أيضاً جزء من حديث نبوي كريم رواه أبو داود والنسائي والترمذي ويحيى بن آدم في كتاب الخراج، وأبو عبيد القاسم بن سلام في بحث أحياء موات الأرض من كتابه الأموال، كما رواه قبل أبو يوسف في كتابه الخراج.
ونص الحديث: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق) .
معنى الحديث: لغة:
العرق: واحد عروق الشجر، والمراد الشجرة نفسها، وهو على حذف المضاف، أي لذي عرق ظالم، فجعل العرق نفسه ظالماً، والحق لصاحبه.
ووصف العرق بالظلم مجاز والمراد ظلم صاحبه.
معنى الحديث اصطلاحاً: (إن الظلم لا يكسب الظالم حقاً) .
معنى العرق الظالم: العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها قبله رجل فيغرس فيها غرساً غصباً أو يزرع أو يحدث فيها شيئاً ليستوجب به الأرض، وإنه إنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس أو يهدم ما بنى، ولكن لو رضي صاحب الأرض ببقاء الغرس أو البناء ويدفع للغاصب قيمة الشجر أو البناء فله ذلك.
стр. 365
وهذا الحديث أساس في أن العدوان لا يكسب المعتدي حقاً، فمن غصب أرضاً فزرع فيها أو غرس أو بنى فلا يستحق تملكها بالقيمة أو البقاء فيها بأجر المثل إلا أن يرضى ربها؛ لأنه (لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد إلا بسبب شرعي) .
стр. 366
-- القاعدة الرابعة عشرة:
قاعدة: (لا يتم التبرع إلا بالقبض) :
أو (التبرع لا يتم إلا بالقبض) :
أصل هذه القاعدة:
١. قوله ﷺ : (لا تجوز الهبة إلا مقبوضة) ، أي لا تملك إلا بالقبض.
٢. قول أبي بكر لعائشة ﵄: (كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة) . فلو كانت الهبة التبرع تملك قبل القبض لكان المال لعائشة ﵂ لا للوراثة.
معنى القاعدة:
لغة التبرع: هو تمليك للحال مجاناً بلا مقابل، فيشتمل الهبة والهدية والصدقة.
اصطلاحاً: (لأنه لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا رضى منه واختيار كان لا بد من رضاء الموهوب له أو المهدي إليه أو المتصدق عليه بما يعطى، وإنما يتم ذلك ويظهر بقبض المملِّك وتسلمه) .
شروط صحة التبرع:
للتبرع شرطان لا يتم إلا بهما:
١. لما كان التبرع تمليكاً للحال فلا يصح أن يكون معلقاً بماله خطر الوجود والعدم
стр. 367
أي لا يعلق تنفيذه على أمر مستقبل يحدث، أو لا يحدث، كقدوم فلان مثلاً أو دخوله، كما لا يجوز إضافته إلى وقت، كملكتك غداً أو آخر الشهر.
٢. إن القبض شرط صحة التبرع، فلو لم يقبض لم يتم العقد، أي لا يكتفى فيه بالإيجاب والقبول بل لا بد من القبض والتسليم، فلا يملك الموهوب أو المهدي أو المتصدَّق به قبل قبضه، وعند مالك أن القبض شرط تمام الهبة لا شرط صحتها، فتصح الهبة دون قبض وفي رواية عند أحمد مثله.
والعلة في لزوم القبض: إن إثبات ملك الموهوب له قبل القبض فيه إلزام المتبرع بما يتبرع به، فيثبت للموهوب له والمهدى إليه والمتصدق عليه ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فيصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع فلا يجوز.
وعلى ذلك إذا توفي الواهب أو الموهوب له قبل القبض تبطل الهبة، وللواهب أن يرجع عن هبته قبل القبض بدون رضاء الموهوب له، وكذلك المهدي والمتصدق.
استثناء:
١. الوصية مع أنها تبرع، فإنها تخالف الهبة من حيث إنها، أي الوصية، تمليك مضاف لما بعد الموت، ولذلك جوزت رحمة بالناس لتدارك الخير وابتغاء الأجر.
٢. وهبة الدين تعتبر أيضاً استثناء من القاعدة، لأنها إبراء لا تمليك، ولا قبض، وعند الشافعي لا تجوز هبة الدين.
وبمعنى القاعدة: (لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا اختياره) .
(ليس لأحد تمليك غيره بلا رضاه) .
стр. 368
-- القاعدة الخامسة عشرة:
قاعدة: (يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبراً) :
وبمعناها: (الآمر لا يضمن بالأمر) :
معنى القاعدة:
(ا) مفردات:
المراد بالفعل هنا ما صدر من فاعل على وجه التعدي على حق من حقوق غيره نفساً أو مالاً.
الآمر: المراد به هنا كل من يصدر منه أمر لغيره ليفعل شيئاً بدون إلزام ولا إكراه.
الإجبار: يراد به هنا الإكراه، المجبر هو المُكرِه.
(ب) المعنى الإجمالي الاصطلاحي:
إن ما يَصدر من فعل عن فاعل ما يجعل ذلك الفاعل مسؤولاً عما صدر منه ما لم يكن مكرهاً، أما إذا فعل ما فعله على سبيل الإكراه والإلزام فالمسؤولية على الآمر المكرِه.
التعليل: إن الآمر لا يضمن بسبب أمره لأنه غير ملزِم بل هو مجرد طالب من المأمور إيقاع الفعل باختياره فيضاف الحكم إليه دون الآمر؛ لأن الأصل إضافة الحكم إلى العلة دون السبب ولو آمراً.
أمثلة على القاعدة:
لو أمره بأخذ مال غيره أو إتلافه أو تخريق ثوبه، فالضمان على المأمور.
إذا أمره بحفر باب في حائط الغير ففعل، فالضمان على الحافز الغير ففعل، فالضمان على الحافز ولا يرجع على
стр. 369
الآمر، إلا إذا قال الآمر: (احفر باباً في حائطي هذا، أو كان ساكناً في ذلك البيت، ثم ظهر أن الحائط ليس له فالضمان على الآمر) .
استثناءات:
استثنى من هذه القاعدة مسائل:
إذا كان الآمر سلطاناً فإن أمره إكراه.
إذا كان الآمر أباً فأمر ابنه بإتلاف مال لغيره، فالأب الآمر ضامن، أو غير الأب إذا كان المأمور صبياً.
إذا كان الآمر سيداً والمأمور عبداً، فالضمان على السيد.
والضابط لذلك: أن كل ما لا يصح في الأمر فالضمان على المأمور لا الآمر، وكل موضع يصح فيه الأمر فيجب الضمان على الآمر.
стр. 370
-- القاعدة: السادسة عشرة.
قاعدة: (الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل) .
هذه القاعدة لها ارتباط بقاعدة (يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر) .
لأن الأمر الباطل كالعدم فالمؤاخذة على الفاعل المأمور لا الآمر.
معنى القاعدة:
الملك ما يملكه الإنسان سواء كان أعياناً أم منافع، وقد أثبت الشرع لصاحبه فقط قدرة على التصرف به، ومنع غير المالك من التصرف بغير إذن المالك، وفي هذه القاعدة منع الآمر بالتصرف في ملك الغير بناء على قاعدة (ما حَرُمَ فعله حَرُم طلبه) فإذا كان التصرف في ملك الغير لا يجوز بغير إذنه فكذلك الأمر بالتصرف باطل بغير إذن المالك.
وعليه: فلو أمر أحد رجلاً أن يأخذ مال آخر ويلقيه في البحر أو يهدم بيته أو يمزق ثوبه ففعل، فالضمان على الفاعل؛ لأن الأمر الصادر إليه باطل، إلا إذا كان الفاعل مكرهاً كما مر فالضمان على الآخر وما لم يكن الآمر وصياً أو ولياً أو وكيلاً فالضمان على الآمر.
стр. 371
-- القاعدة: السابعة عشرة:
قاعدة: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) :
دليل هذه القاعدة قوله تعالى: (وما كانَ لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيرة من أمرِهم) . سورة الأحزاب، آية (٣٦) .
وحديث معاذ بن جبل ﵁ حينما أراد رسول الله ﷺ إرساله إلى اليمن قاضياً ومعلماً إذ قال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله أو بما في كتاب الله. قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد رأي ولا آلو، أي لا أقصر في البحث والاجتهاد. قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ صدري بيده ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) .
وكذلك روى عن أبي بكر وعمر ﵄.
معنى القاعدة:
(ا) في اللغة:
مساغ، مفعل من ساغ يسوغ بمعنى سهل.
يقال ساغ الشراب في الحق: سهل انحداره، لانفتاح منفذه، فلا مساغ: أي لا منفذ ولا طريق.
الاجتهاد: المراد به هنا بذل الجهد العلمي في استنباط الأحكام من أدلتها، لأن الاجتهاد هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا بما
стр. 372
فيه كلفة ومشقة، فيقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال اجتهد في حمل خردلة.
والاجتهاد منه تام وناقص، فالتام أن يبذل المجتهد وسعه في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب، وغيره الناقص.
أنواع الاجتهاد:
الاجتهاد نوعان:
(ا) اجتهاد في فهم النصوص لإمكان تطبيقها.
وهذا واجب على كل مجتهد، وخاصة إذا كان النص محتملاً لوجوه مختلفة في تفسيره وتطبيقه، أو كان عاماً أو مجملاً أو مطلقاً.
(ب) النوع الثاني:
اجتهاد عن طريق القياس والرأي، وهذا لا يجوز الالتجاء إليه إلا بعد ألا نجد حكم المسألة المبحوث عنها في الكتاب أو السنة أو الإجماع، وهو المقصود هنا.
وللاجتهاد والمجتهد شروط مبينة بالتفصيل في مبحث الاجتهاد والتقليد في أصول الفقه.
النص: لغة الرفع والإظهار، ومنه نص الحديث رفعه وأسنده، ونص المتاع جعله بعضه فوق بعض، ونص الشيء حركه. ونص الدابة: استحثها لسير سريع.
والمنصة: مجلس العروس سميت لارتفاعها وظهورها، والمنصوص عليه: المبيَّن والمعيَّن.
والنص اصطلاحاً هو: خطاب الشارع، وهو آيات الكتاب العزيز والأحاديث النبوية
стр. 373
الصحيحة الثابتة، والإجماع الثابت بالنقل الصحيح.
معنى القاعدة اصطلاحاً:
(لا يجوز الاجتهاد باستعمال الرأي والقياس لإيجاد حكم لمسألة ما قد ورد فيها نص شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع صحيح) .
كما إذا كان النص صريحاً واضحاً في إفادة الحكم الذي سيق لأجله بحيث لا يحتمل التأويل، لا يجوز تأويله بما يخرجه عن ظاهره.
والاجتهاد الممنوع هنا في مورد النص ما كان مصادماً لنص ثابت واضح المعنى الذي ورد فيه وضوحاً لا يقبل التأويل ولا يحتمله.
أمثلة للقاعدة وفروعها:
فلو قضى حاكم بعدم صحة رجعة الزوجة الرجعية بدون رضاها، لا ينفذ ذلك القضاء لأنه مخالف لقوله تعالى: (وبعولتُهُنَّ أحق بردِّهِنَّ) . سورة البقرة، آية (٢٢٨) .
وكذا لو قضى بحل المطلقة ثلاثاً بمجرد عقد الزواج الثاني: لا ينفذ؛ لأن حديث العسيلة يخالفه، فيكون التحليل بدون الوطء مخالفاً له، فلا يجوز.
وكذا لو منع أحد بينة المدعي وألزم المدعي عليه البينة أو رد اليمين على المدعي مع وجو بينته فهذا اجتهاد لا ينفذ؛ لأنه مخالف لحديث رسول الله ﷺ القائل: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) لأن الحديث صريح في وجوب قبول البينة من المدعي للإثبات.
على أنه قد يرد حديث في موضوع ما يراه بعض الفقهاء صحيحاً فيعمل بموجبه ويترك القياس المخالف له، بينت لا يراه غيره كذلك فيتركه ويلجأ للقياس، وهذا جائز وليس مما نحن فيه.
стр. 374
-- القاعدة: الثامنة عشرة:
قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد) :
أصل هذه القاعدة في قواعد الإمام الكرخي: (الأصل أنه إذا مضي بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله ويفسخ بالنص) .
دليل هذه القاعدة: الإجماع: حيث إن أبا بكر رضوان الله عليه قد حكم في مسائل خالفه بها عمر رضوان الله عليه، ولما تولى لم ينقض حكم أبي بكر.
معنى القاعدة:
(إذا اجتهد مجتهد في مسألة ما من المسائل الشرعية الاجتهادية وعمل باجتهاده، ثم بان له رأي آخر فعدل عن الأول في مسألة أخرى، فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول) .
العلة في عدم نقض الاجتهاد:
أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، وإنه يؤدي إلى أن لا يستقر حكم؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني ونقض الثاني بغيره، لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير ويتسلسل فيؤدي الأمر إلى أن لا تستقر الأحكام.
ما المقصود هنا بالاجتهاد الذي لا ينقض بمثله؟
يقصد به هنا الاجتهاد الذي مضى حكمه وتنفيذه ولكن يغير الحكم في
стр. 375
المستقبل إذا تغير الاجتهاد، ودليل ذلك قول عمر رضوان الله عليه: (تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي) .
ما المراد بالاجتهاد المقصود هنا؟
ليس المراد بالاجتهاد هنا ذلك الاجتهاد الاصطلاحي الذي مر تعريفه في القاعدة السابقة، وإنما يراد به معنى أعم وأشمل وذلك ثلاثة أنواع:
النوع الأول: اجتهاد المجتهد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع.
النوع الثاني: الحادثة التي وقع فيها الحكم من القاضي.
النوع الثالث: مسائل التحري.
أما النوع الأول: فإن المجتهد إذا حكم في المسائل الظنية التي لم يرد فيها نص قاطع ولم يصادم في حكمه الكتاب ولا السنة ولا الإجماع نفذ حكمه ولا يجوز نقضه لا من قِبله إذا تغير اجتهاده، ولا من مجتهد آخر يرى خلافه، لأنه لو نقض به لنقض أيضاً، ولكن إذا تبدل اجتهاد الحاكم في غير تلك المسألة أو الحادثة فله أن يحكم فيها بحسب اجتهاده الثاني ولا ينقض الأول؛ حتى لا يتسلسل الأمر ولتستقر الأحكام.
قال في المستصفى: المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ لا طلاق، فنكح امرأة خالعها ثلاثاً ثم تغير اجتهاده (أي رأى أن الخلع طلاق) لزمه تسريحها ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده، ولكن لو حكم بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع الزوج، ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم) .
стр. 376
النوع الثاني: إذا حكم القاضي المقلد في المسائل الاجتهادية وكان حكمه مقيداً بمذهب ما أو باللوائح والأنظمة الآمرة من الحاكم، فهذا أيضاً لا يجوز نقضه.
وهذا معنى قول الفقهاء: (الدعوى متى فصلت مرة بالوجه الشرعي لا تنقض ولا تعاد) . فلو حكم القاضي برد شهادة فاسق ثم تاب وأعادها لم تقبل بخلاف شهادة الصبي والعبد.
النوع الثالث: الاجتهاد بمعنى التحري مثل لو تغير اجتهاده في القبلة عمل بالثاني، ولم يبطل الأول، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بالاجتهاد صحت صلاته ولا قضاء عليه ولا إعادة.
وكذلك لو تحرى في ثياب اختلطت طاهرة منها بنجسة أو أواني ماء وصلى ببعضها أو توضأ ببعضها باجتهاده، ثم تغير اجتهاده فلا ينقض اجتهاده الجديد اجتهاده السابق ولا قضاء عليه ولا إعادة.
استثناء:
ومع ذلك فإنه يجوز نقض الاجتهاد إذا تبين الخطأ بيقين، كما لو وجدت مصلحة عامة تقتضي نقض اجتهاد ما يجوز نقضه باجتهاد لاحق، أو لو قضى بحكم مخالف للنص أو للإجماع أو خالف قياساً جلياً، أو خالف المذاهب الأربعة، في قول أو كان حكماً لا دليل عليه، أو كان بخلاف شرط الواقف، أو تبين خطأ الحاكم في نفس الحكم أو سببه أو طريقه، فينتقض الحكم هنا لتبين بطلانه.
стр. 377
-- القاعدة: التاسعة عشرة:
قاعدة: ما حرم أخذه حرُم إعطاؤه.
وقاعدة: ما حرُم فعله حرُم طلبه.
وقاعدة: ما حرُم استعماله حرُم اتخاذه.
هذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى وكلها تفيد سد أبواب الحرام أخذاً وإعطاءً وفعلاً وطلباً واستعمالاً واتخاذاً.
ودليلها حديث رسول الله ﷺ القائل: (لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها وساقيها) .
وفي رواية: (لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة) .
وعند أبي داوود لعن الله الخمر، إلخ الحديث.
وحديث رسول الله ﷺ القائل: (لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) .
أمثلة لهذه القواعد:
الربا لا يجوز أخذه ولا إعطاؤه.
قال ﷺ : (لعن الله آكل
стр. 378
الربا وموكله وشاهده وكاتبه) .
حرمة مهر البغي (أي الفاجرة وحلوان الكاهن) أي المنجم ومدعي علم الغيب، والرشوة وأجرة النائحة، وأجرة الزامر أي المطرب، فكل ذلك لا يجوز أخذاً ولا إعطاء.
وكما حرُم شرب الخمر وحرُم الزنا والقتل وغيره حرِّم طلب ذلك الفعل من غيره على أي وجه كان، إذ الحرام لا يجوز فعله ولا الأمر بفعله.
كذلك لما حرم استعمال أواني الذهب والفضة، حيث ورد النهي عن استعمالها صريحاً في حديث رسول الله ﷺ ، حرُم أيضاً اتخاذهما واقتناؤهما، حتى لا يكون الاتخاذ وسيلة إلى الاستعمال.
كذلك حرُم اتخاذ الكلب لمن لا يصيد أو لا يريد أن يحرس ماشيته أو زرعه.
كذلك حرم اتخاذ آلات الملاهي والطرب والموسيقى.
وحرم اتخاذ الخنزير والفواسق واختزان الخمر والحرير والحلي للرجال.
وكل ذلك حتى لا يجر الاتخاذ إلى الاستعمال.
كذلك لا يجوز دفع صدقة لمن له قوة الكسب، لأنه لا يجوز أخذها، للحديث القائل: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة قوي أو سوي) .
استثناء ات:
استثنى جواز إعطاء الرشوة للحاكم أو لمن يمنع الحق إلا بها؛ لكي يصل المعطي إلى حقه والإثم على الآخذ.
стр. 379
كذلك استثنى إعطاء فدية لفك الأسير، وإعطاء شيء لما يخاف هجوه.
وإذا خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال فله أن يؤدي شيئاً ليخلصه.
كذلك يجوز الاستقراض بالربا في حال الاضطرار، وذلك دليل زوال الرحمة والتعاون في قلوب المسلمين، وهذا من باب اختيار أهون الضررين.
كذلك إذا ادَّعى إنسان دعوى صادقة، ولا بينة، وأنكر الغريم فللمدعي تحليف المدعى عليه رجاء أن ينكل عن اليمين فيتبين حق المدعي، وهذا عند من يعتبر النكول عن اليمين بذلاً أو إقراراً.
كذلك يجوز طلب الجزية من الذمي مع أنه يحرم عليه إعطاؤها، لأن في إعطائها بقاؤه على الكفر وهو متمكن من إزالة الكفر بالإسلام، فإعطاؤه إياها إنما هو على استمراره على الكفر وهو حرام.
стр. 380
-- القاعدة: العشرون:
قاعدة: لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير أو حقه بلا إذن:
لأن في التصرف بدون إذن اعتداء على حق المالك.
وعدم الجواز شامل هنا لجميع أنواع التصرف من استعمال أو إعارة أو إيداع أو إجارة أو صلح أو هبة أو بيع أو رهن أو هدم أو بناء.
لكن ما أجراه من عقود تمليكاً بعوض أو بغيره يتوقف على إجازة المالك، فإن أجاز نفذ وإلا بطل، لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
وقولنا (بلا إذن) يشمل إذن الشارع وإذن المالك.
أنواع التصرف في ملك الغير:
(ا) التصرف في ملك الغير إما فعلي بالأخذ أو الاستهلاك أو الحفر أو الذبح، فكل فعل من ذلك دون إذن يعتبر تعدياً وفاعله ضامن لأنه في حكم الغاصب.
(ب) وإما تصرف قولي بطريق التعاقد كالبيع أو الهبة أو الإجارة أو الإعارة، فإذا صاحب ذلك تنفيذ كان تصرفاً فعلياً، وأما إن بقي في حيز القول كان فضولاً، والمتصرف الفضولي يتوقف عقده على إجازة المالك ما رأينا.
ففي حالة التصرف الفعلي دون إذن المالك يكون معنى عدم الجواز المنع الموجب للضمان، وأما في حالة التصرف القولي فمعناه عدم النفاذ.
وقولنا أو حقه لأن هناك حقوقاً لا يجوز التصرف فيها بغير إذن من له الحق وليست من الملك في شيء كصلاة الجنازة، فلو صلى أحد على جنازة غير السلطان أو القاضي بدون إذن الولي فللولي إعادتها إن شاء؛ لتصرف الغير في حقه
стр. 381
بلا إذنه.
أمثلة على القاعدة:
لا يجوز أن تبيع الأم مال ولدها الصغير لنفقتها إذ لا ولاية لها في التصرف حال الصغر ولا في الحفظ بعد الكبر.
ويضمن مودَع الابن الغائب لو أنفق الوديعة على أبويه بلا أمر قاض؛ لتصرفه في مال الغير بلا إنابة ولا ولاية.
ولا يجوز المشي في ملك الغير بلا إذنه داراً كان أو بستاناً أو أرضاً مزروعة أو مكروبة أي محروثة، حتى لا يجوز إجابة دعوة من سكن في دار مغصوبة ولا عيادته.
وإن قيدت المضاربة ببلد أو سلعة أو وقت أو معامل فليس له أن يتجاوز تلك القيود، وإن تجاوز ضمن ما شراه والربح له.
والإذن قد يكون صريحاً كمن يوكل شخصاً بتصرف ما في ما له، وقد يكون دلالة كأجير لرعي الغنم رأى شاة أشرفت على الموت، فذبحها لئلا تموت حتف أنفها فلا ينتفع بها صاحبها، فلا ضمان على الأجير، لأنه مأذون دلالة.
والأذن أيضا كما يكون من المالك يكون أيضاً من صاحب الشرع فيجوز التصرف، وكذلك يجوز التصرف دون إذن للضرورة.
استثناءات:
مما استثني من هذه القاعدة وكان التصرف مشروعاً.
لو سقط ثوبه في بيت غيره وخاف لو أعلمه أخذه، فله الدخول لأخذه ولو بدون
стр. 382
علم صاحب البيت.
ويجوز للولد والوالد إذا مرض أحدهما الشراء من مال المريض ما يحتاج إليه المريض بلا إذنه، ولا يجوز في المتاع.
وكذلك لو أنفق المودَع على أبوي المودِع بلا إذنه، وكان في مكان لا يمكن استطلاع رأي القاضي لم يضمن استحساناً.
ولو مات بعض الرفقة في السفر فباعوا قماشه وعدته وجهزوه بثمنه وردوا البقية إلى الورثة، أو أغمي عليه أو مرض مرضاً يمنعه من الإذن فأنفقوا عليه من ماله لم يضمنوا استحساناً.
стр. 383
-- القاعدة: الحادية والعشرون:
قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:
هذه في الحقيقة قاعدة أصولية لا قاعدة فقهية، وهي المسماة بمقدمة الواجب.
وقد اختلف العلماء في ضبط المقصود بهذه القاعدة، وفي حكمه، وأرجح الأقوال في ذلك، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقاً سواء كان شرطاً أم سبباً.
والشرط هو: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالطهارة للصلاة) .
والسبب هو: (ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، كالدلوك سبب لوجوب الصلاة) .
وسواء أكان ذلك السبب شرعياً كالتلفظ بصيغة الإعتاق لحصول العتق الواجب، أم عقلياً كالنظر المحصل للعلم الواجب، أم عادياً كحز الرقبة بالنسبة للقتل الواجب، كما إذا قال الشارع: اقتل هذا قصاصاً فإن معناه حز الرقبة، فإنه هو الذي في وسع المكلف.
وكذلك الشرط سواء كان أيضاً شرعياً كالوضوء للصلاة، أم عقلياً وهو الذي يكون لازماً للمأمور به عقلاً كترك ضد الواجب، وذلك كترك القعود في الصلاة الذي هو ضد القيام الواجب للصلاة للقادر عليه، فإنه شرط عقلي لذلك الواجب، أم كان عادياً، كما إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس، وكذلك إذا وجب الصوم ولم يمكن إلا بإمساك جزء من الليل قبل الفجر.
стр. 384
شرط مقدمة الواجب:
يشترط في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به شرطان:
الأول: أن يكون الوجوب مطلقاً أي غير معلق على حصول ما يتوقف عليه، فإن كان معلقاً على حصول ما يتوقف عليه فهو غير ملزم، كما لو قال السيد لعبده: إن صعدت السطح ونصبت السلم فاسقني ماء، فإنه لا يكون مكلفاً بالصعود ولا بنصب السلم بلا خلاف، بل إن حصل ذلك صار مكلفاً بالسقي وإلا فلا، فالمراد بالواجب المطلق ما لا يكون وجوبه مقيداً بما يتوقف عليه وجوده، وإن كان مقيداً بما يتوقف عليه وجوبه، كقوله تعالى: (أَقِم الصلاةَ لدُلوكِ الشمسِ إلى غسقِ الليلِ) . الإسراء، آية (٧٨) فإن وجوب الصلاة مقيد بوجود الدلوك، وواجب مطلق بالنسبة للطهارة والتوجه للقبلة.
الشرط الثاني: أن يكون ما يتوقف عليه الواجب مقدوراً للمكلف، بأن يكون في وسع المكلف الإتيان به، كالوضوء للصلاة والسير إلى مكة للحج، فإن لم يكن مقدوراً للمكلف فلا يجب عليه تحصيله، ولا يكون واجباً بوجوب الواجب المطلق. كحضور العدد في الجمعة بالموضع الذي تقام فيه، فإنه غير مقدور للمكلف، لأن كل واحد لا يقدر إلا على حضور نفسه دون غيره، فالجمعة بالنسبة لحضور العدد واجب مطلق، ويتوقف على حضور العدد وجود الجمعة، لأنها لا تنعقد بدونه، لكنه لا يجب لكونه غير مقدور، ولتوقف وجوب الجمعة على وجود العدد بالمصر الذي تقام فيه الجمعة واجب مقيد فلا يوجب إيجابه وجوب مقدمته.
стр. 385
مسائل على هذه القاعدة:
إذا اشتبهت زوجته بأجنبية، فيجب الكف عن الجميع، أو طلق معينة من زوجتيه طلاقا بائناً ثم نسيها، حرم عليه قربان أي منهما، لأن الكف عن الحرام، وهو وطء الأجنبية والبائنة واجب، ولا يحصل العلم به إلا بالكف عن الزوجة فيحرم عليه قربانها، لأن ما يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذا وقع بول في ماء قليل حرُم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به فلا يوجد ترك المحرم إلا بترك المباح.
إذا اشتبهت ميتة بمذكاة، فلا يجوز التحري ولا أكل أي منهما.
إذا اشتبهت الثياب الطاهرة بنجسة، فإنه يلزمه أن يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة وينوي بكل صلاة الفرض، ولا يتحرى عند الإمام أحمد: وقال ابن عقيل: يتحرى مطلقاً.
لو اختلط سائل كزيت مغصوب بمباح مثله، ولا يمكن الفصل، الأرجح التحريم لامتزاج الحرام بالحلال واستحالة الفصل.
الأكل من مال منن في ماله حرام هل يجوز أو لا، خلاف.
لو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فإنه يغسل الجميع ويكفنون ويصلى عليهم جميعاً، ينوي بالصلاة المسلم.
غسل المرفقين في الوضوء قبل وجوبه، وهو المذهب عند الحنابلة.
стр. 386
-- القاعدة: الثانية والعشرون:
قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور:
دليل هذه القاعدة:
١. قوله تعالى: (لا يكلفُ الله نفساً إلا وُسعَهَا) . البقرة، آية (٢٨٦) .
٢. قوله ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) .
معنى هذه القاعدة:
(إن الأمر الذي يستطيع المكلف فعله وهو يسير عليه لا يسقط بما شق فعله عليه أو عسر) .
وهذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة.
أمثلة على هذه القاعدة:
القادر على بعض السترة يستر به القدر الممكن جزماً.
القادر على بعض الفاتحة في الصلاة يأتي به بلا خلاف. أي إذا تعسر على إنسان قراءة كل الفاتحة وهو يحفظ بعضها فليأت بالبعض الذي يحفظه ولا يجوز له أن يتركه لأنه لا يحفظها كلها.
ومقطوع باقي الأطراف يجب عليه غسل الباقي.
ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام، لزمه القيام بلا خلاف؛ لأن جزء العبادة هنا عبادة مشروعة في نفسه فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بلا خلاف.
стр. 387
والعاجز عن القراءة وهو قادر على القيام يلزمه؛ لأن القيام عبادة.
ومن قدر على بعض صاع في الفطرة أخرجه.
ولو عجز عن سداد كل الدين أدى ما قدر عليه، ولو عجز عن سداده دفعه أداه مقسطاً.
وإذا لم يستطع القيام في الصلاة صلى قاعداً، وإن لم يستطع فعلى جنب أو مضطجعاً، وإن لم يستطع الركوع أو السجود أدى ما استطاع أو بالإيماء.
وإذا كان محدثاً وعليه نجاسة ولم يجد ماءً إلا ما يكفي أحدهما غسل النجاسة وتيمم للحدث.
وفي كفارة القتل الخطأ أو الظهار إذا لم يجد إلا طعام ثلاثين مسكيناً، فالأصح وجوب إطعامهم.
ومن عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر عليه منه، وتيمم للباقي.
استثناءات هذه القاعدة:
إذا وجد بعض الرقبة في الكفارة لا يعتقها بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف.
وتعليل ذلك: إن إيجاب بعض الرقبة مع صوم شهرين جمع بين البدل والمبدل، وصيام شهر مع عتق نصف رقبة فيه تبعيض للكفارة وهو ممتنع.
وبأن الشارع قال: (فَمَن لم يجِدْ) . النساء، آية (٦٢) ، والآية (١٩٦) من سورة البقرة.
وواجد بعض الرقبة لم يجد رقبة، والرقبة عبادة كاملة، وجزؤها ليس في نفسه عبادة وهو غير مأمور به لضرورة.
فلو قدر على البعض ولم يقدر على الصيام ولا الإطعام فيه أوجه:
(ا) يخرجه ويكفيه، وهذا هو الأقرب إلى سماحة الشريعة ودليلة قوله تعالى:
стр. 388
(لا تُكلف نفس إلى وسعَها) . آية (٢٣٣) من سورة البقرة. وهذا وسعه.
(ب) يخرجه ويبقى الباقي في ذمته.
(ج) لا يخرجه.
ومما خرج أيضا لو قدر على صوم بعض يوم دون كله، لا يلزمه إمساكه بلا خلاف؛ لأن صوم اليوم لا يتبعض.
وإذا أوصى بثلث ماله ليشتري به رقبة، فلم يف الثلث بها، فلا يشتري شقص أي جزء.
ومنها عند الحنابلة إذا عجز في الصلاة عن وضع جبهته على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، قالوا: فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعاً للسجود على الوجه وتكميلاً له.
стр. 389
-- القاعدة: الثالثة والعشرون:
قاعدة: ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط:
ومعناها: كل شرط بغير حكم الشرع باطل:
هذه القاعدة أصلها ودليلها حديث رسول الله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) .
والمراد بما ليس في كتاب الله ما يتضمن مخالفة لأسس الشريعة التي قررها القرآن والسنة، فالتعاقد على ذلك أو اشتراطه باطل، فكتاب الله هنا ليس معناه القرآن، بل ما كتبه وأوجبه، أي شريعته التي شرعها، فالكتاب هنا مصدر بمعنى اسم المفعول أي المكتوب بمعنى المفروض، كما في قوله تعالى: (إن الصلاةَ كانت على المؤمنينَ كِتاباً موقوتاً) . النساء، آية (١٠٣) .
والحديث جزء من حديث بريرة ﵂ بسبب ما اشترطه عليها مواليها قبل بيعها إلى السيدة عائشة ﵂.
ما تفيده القاعدة:
تفيد هذه القاعدة أن الشرط إذا ثبت منافاته لمقتضيات الشرع بحيث تتعطل الغاية الشرعية من العقد إن كان في العقود، فعندئذ يبطل العقد أو الشرط، فيبطل العقد إذا كان الشرط يعطل ركناً من أركانه، أو يعارض مقصوداً أصلياً للعقد، كاشتراط عدم حل الزوجة لزوجها في عقد الزواج مثلاً، أو يمنع أحد المتبايعين من الانتفاع بالمبيع، فهنا يبطل العقد.
стр. 390
وقد يبطل الشرط فقط إذا كان لا يعطل ركناً من أركان العقد، كمن يشترط عدم الدخول بالمرأة بالنسبة لعقد النكاح، أو يقيد استعمال المشتري للمبيع، أو تشترط المرأة عدم سفر زوجها معها إذا سافرت، فهنا يلغو الشرط ويصح العقد، لأن استمتاع الرجل بالمرأة مقصود أصلي من مقاصد عقد النكاح وهو ثابت شرعاً.
وكذلك حرية التصرف في المبيع ثابتة للمشتري قطعاً، وكذلك عدم حل سفر المرأة دون محرم ثابت شرعاً، فهو مقدم على الشرط بعدم السفر معها.
أما إذا شرطت أن لا يسافر زوجها بها إذا أراد هو السفر، أو أن لا ينقلها من دارها، فهذا الشرط صحيح لأنه مصلحة مقصودة لا تمنع المقصود من النكاح فيصح اشتراطها، ويثبت للمرأة خيار الفسخ إذا لم يف الزوج لها به.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
عدم صحة نذر الواجب، لأن الواجب إنما ثبت بالشرع وهو سابق ومقدم على النذر.
ولو قال لزوجته: طلقتك بألف على أن لي الرجعة، سقط قوله بألف ويقع رجعياً، لأن المال ثبت بالشرط، والرجعة إنما ثبتت بالشرع فكان أقوى.
وتدبير المستولد' لا يصح؛ لأن عتقها بعد الوفاة ثابت بالشرع.
ومن لم يحج إذا أحرم بتطوع أو نذر وقع عن حجة الإسلام؛ لأنه يتعلق بالشرع ووقوعه عن التطوع والنذر بإيقاعه عنهما، والأول أقوى.
ولو نكح أمة مورثة، ثم قال: إذا مات سيدك فأنت طالق، فمات السيد والزوج يرثه، فالأصح أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه اجتمع المقتضي للإنفساخ، وهو كون الزوج أصبح سيداً للأمة فهو يطأها بملك اليمين وهو أقوى من النكاح، وهذا ثابت بالشرع، ووقوع الطلاق، والجمع بينهما ممتنع، فقدم أقواهما وهو الانفساخ لأنه حكم ثبت بالقهر شرعاً، ووقوع الطلاق تعلق باختياره، والأول أقوى.
следующие страницы →