. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأمصار لذلك وغيره من بيوع الآجال خلافا للقول بالذرائع (١).
فأجاب: إن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ طعام عن ثمن طعام هو جنس مخالف لما اقتضى فهذا ممنوع في المذهب، ولا رخصة فيه عند أهل المذهب كما توهمت. قال: ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه. فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيجة المذهب. وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها؛ ولكن إذا لم يقدر على أخذ الثمن إلا أن يأخذ طعاما، فليأخذه منهم من يبيعه على ملك منفذه إلى الحاضرة، ويقبض البائع الثمن، ويفعل ذلك بإشهاد من غير تحيل على إظهار ما يجوز. فانظر: كيف لم يستجر - وهو المتفق على إمامته - الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يعرف منه؛ بناء على قاعدة مصلحية ضرورية، إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله. فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت في السؤال ليست بضرورة.
"فصل"
وقد أذكر هذا المعنى جملة في اتباع رخص المذاهب من المفاسد، سوى ما تقدم ذكره في تضاعيف المسألة؛ كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالا لا ينضبط، وكترك ما هو بمعلوم إلى ما ليس معلوم. لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة، وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم، وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها. ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغرض لبسطت من ذلك، ولكن فيما تقدم منه كاف. والحمد لله (٢).
"فصل"
وقد بنوا أيضا على هذا المعنى مسألة أخرى وهي:
стр. 1017
٢٥٧١ - وَالرَّعْيُ لِلْخِلَافِ مُقْتَضَاهُ … إِعْمَالُ مَرْجُوحٍ بِمَا قَوَّاهُ
٢٥٧٢ - فِي الْجَانِبِ الآخَرِ لِلتَّلَافِي … بَعْدَ الْوُقُوعِ فَانْتَفَى التَّنَافِي
هل يجب الأخذ بأخف القولين؟ أم بأثقلهما؟ واستدل لمن قال بالأخف بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٧٥] الآية؛ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] وقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" وقوله: "بعثت بالحنيفية السمحة". وكل ذلك ينافي شرع الشاق الثقيل. ومن جهة القياس أن الله غني كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين الجانبين كان الحمل على جانب الغني أولى.
والجواب عن هذا ما تقدم، وهو أيضا مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة، ولذلك سميت تكليفا، من الكلفة وهي المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل لزم ذلك في الطهارات والصلوات والزكوات والحج والجهاد وغير ذلك، ولا يقف عند حد إلا إذا لم يبق على العبد تكليف، وهذا محال. فما أدى إليه مثله؛ فإن رفع الشريعة مع فرض وضعها محال، ثم قال المنتصر لهذا الرأي إنه يرجع حاصله إلى أن الأصل في الملاذ الإذن، وفي المضار الحرمة. وهو أصل قرره في موضع آخر. وقد تقدم التنبيه على ما فيه في كتاب المقاصد وإذا حكمنا ذلك الأصل هنا لزم منه أن الأصل رفع التكليف بعد وضعه على المكلف، وهذا كله إنما جره عدم الالتفات إلى ما تقدم (١).
"فصل"
"و" أما "الرعي للخلاف" الذي يعد من أصول المالكية فإنه ليس معناه المراد به هو الانتقاء في الأقوال الواردة في مواطن الاختلاف، وإنما معناه و"مقتضاه" هو "إعمال" ما هو "مرجوح" من الأدلة إذا كان معتضدا "بما قواه" وجعله راجحا "في الجانب الآخر" وذلك "للتلافي" والتدارك المطلوب شرعا في ذلك الموطن، والمراد بالجانب الآخر ما "بعد الوقوع" للفعل، "فانتفى" بذلك "التنافي" والتعارض الحاصل هنا بين وجوب العمل بالدليل الراجح، وإهمال المرجوح، وبين هذه القاعدة - مراعاة الخلاف - كما نقل ذلك عن جماعة من الشيوخ.
стр. 1018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشاطبي: إن المسألة أشكلت على طائفة، منهم ابن عبد البر، فإنه قال: "الخلاف لا يكون حجة في الشريعة". وما قاله ظاهر، فإن دليلي القولين لا بد أن يكونا متعارضين كل واحد منهما يقتضي ضد ما يقتضيه الآخر، وإعطاء كل واحد منهما ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه هو معنى مراعاة الخلاف، وهو جمع بين متنافيين كما تقدم، وقد سألت عنها جماعة من الشيوخ الذين أدركتهم؛ فمنهم من تأول العبارة ولم يحملها على ظاهرها، بل أنكر مقتضاها بناء على أنها لا أصل لها، وذلك بأن يكون دليل المسألة يقتضي المنع ابتداء ويكون هو الراجح ثم بعد الوقوع يصير الراجح مرجوحا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف، فيكون القول بأحدهما في غير الوجه الذي يقول فيه بالقول الآخر، فالأول فيما بعد الوقوع، والآخر فيما قبله، وهما مسألتان مختلفتان، فليس جمعا بين متنافيين ولا قولا بهما معا، هذا حاصل ما أجاب به من سألته عن المسألة من أهل فاس وتونس، وحكى لي بعضهم أنه قول بعض من لقي من الأشياخ وأنه قد أشار إليه أبو عمران الفاسي، وبه يندفع سؤال اعتبار الخلاف وسيأتي للمسألة تقرير آخر بعد إن شاء الله. على أن الباجي حكى خلافا في اعتبار الخلاف في الأحكام، وذكر اعتباره عن الشيرازي. واستدل على ذلك بأن ما جاز أن يكون علة بالنطق جاز أن يكون علة بالاستنباط. ولو قال الشارع: إن كل ما لم تجتمع أمتي على تحريمه واختلفوا في جواز أكله فإن جلده يطهر بالدباغ لكان ذلك صحيحا. فكذلك إذا علق هذا الحكم عليه بالاستنباط. وما قاله غير ظاهر؛ لأمرين (١).
أحدهما: أن هذا الدليل مشترك الإلزام، ومنقلب عن المستدل به إذ لقائل أن يسلم أن ما جاز أن يكون علة بالنطق جاز أن يكون علة بالاستنباط ثم يقول: لو قال الشارع: إن كل ما لم تجتمع أمتي على تحليله واختلفوا في جواز أكله فإن جلده لا يطهر بالدباغ لكان ذلك صحيحا، فكذلك إذا علق الحكم بالاستنباط. ويكون هذا القلب أرجح، لأنه مائل إلى جانب الاحتياط. وهكذا كل مسألة تفرض على هذا الوجه.
والثاني: أنه ليس كل جائز واقعا، بل الوقوع محتاج إلى دليل. ألا ترى أنا نقول يجوز أن ينص الشارع على أن مس الحائط ينقض الوضوء، وأن شرب الماء الساخن
стр. 1019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يفسد الحج، وأن المشي من غير نعل يفرق بين الزوجين، وما أشبه ذلك، ولا يكون هذا التجويز سببا في وضع الأشياء المذكورة عللا شرعية بالاستنباط. فلما لم يصح ذلك دل على أن نفس التجويز ليس بمسوغ لما قال. فإن قال إنما أعني ما يصح أن يكون علة لمعنى فيه من مناسبة أو شبه، والأمثلة المذكورة لا معنى فيها يستند إليه في التعليل.
قيل: لم تفصل أنت هذا التفصيل، وأيضا فمن طرق الاستنباط ما لا يلزم فيه ظهور معنى يستند إليه كالاطراد والانعكاس ونحوه. ويمكن أن يكون الباجي أشار في الجواز إلى ما في الخلاف من المعنى المتقدم، ولا يكون بين القولين خلاف في المعنى.
واحتج المانعون بأن الخلاف متأخر عن تقرير الحكم، والحكم لا يجوز أن يتقدم على علته. قال الباجي: ذلك غير ممتنع، كالإجماع، فإن الحكم يثبت به وإن حدث في عصرنا. وأيضا فمعنى قولنا إنه مختلف فيه أنه يسوغ فيه الاجتهاد، وهذا كان حاله في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يتقدم على علته. والجواب عن كلام الباجي أن الإجماع ليس بعلة للحكم، بل هو أصل الحكم. وقوله "إن معنى قولنا مختلف فيه كذا" هي عين الدعوى (١).
"فصل"
ومن القواعد المبنية على هذه المسألة: أن يقال: هل للمجتهد أن يجمع بين الدليلين بوجه من وجوه الجمع، حتى يعمل بمقتضى كل واحد منهما فعلا أو تركا كما يفعله المتورعون في التروك؟ أم لا؟ أما في ترك العمل بهما معا مجتمعين أو متفرقين فهو التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح. وأما في العمل فإن أمكن الجمع بدليله فلا تعارض، وإن فرض التعارض فالجمع بينهما في العمل جمع بين متنافيين، ورجوع إلى إثبات الاختلاف في الشريعة. وقد مر إبطاله. وهكذا يجري الحكم في المقلد بالنسبة إلى تعارض المجتهدين عليه. ولهذا الفصل تقرير في كتاب التعارض والترجيح إن شاء الله (٢).
стр. 1020
" المسألة الرابعة "
٢٥٧٣ - إِنَّ مَجَالَ الاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرْ … مَا كَانَ دَائِرًا بِمُقْتَضَى النَّظَرْ
٢٥٧٤ - بَيْنَ مَحَلَّىْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتِ … وُضُوحُ قَصْدِ الشَّرْعِ فِيهِ آتِ
٢٥٧٣ - بَيَانُ ذَا كُلُّ خِطَابِ وَاقِعِ … لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ قَصْدُ الشَّارعِ
٢٥٧٦ - فِي جِهَةِ النَّفْيِ أَوِ الإِثْبَاتِ … فَذَاكَ نَوْعُ الْمُتَشَابِهَاتِ
" المسألة الرابعة"
في أن موطن الاجتهاد هو ما تردد فيه النظر بين طرفين متعارضين فيه.
وذلك "إن" الاجتهاد لا يجري فيما وضح أمره وبان حكمه شرعا بلا كدر، ولا غبش، وإنما "مجال الاجتهاد" الفقهي "المعتبر" شأنه هو "ما كان" حاله "دائرا" ومترددا "بمقتضى" وحكم "النظر" الفقهي "بين محلى" يعني طرفي "نفي" لحكم "أو إثبات" - أو بمعنى الواو - أي وإثبات له، بحيث يكون اعتراه جذب كل منهما له بمقتضى ماهيته وذلك بأن يكون إذا نظرت إليه من وجه حكمت فيه بحكم، وإذا نظرت إليه من وجه آخر حكمت له بحكم آخر، فوجه منه يثبت حكما والآخر منه ينفيه، وكلا الطرفين "وضوح" وثبوت جريان "قصد" صاحب "الشرع فيه آت" وواقع، كما تدل على ذلك الأدلة الواردة في ذلك من الكتاب والسنة، فيكون ذلك المحل قد تعارض فيه النفي لحكم ما والإثبات له المعتبران شرعا، فكان خاليا من رجحان أحدهما على الآخر بدليل شرعي حاسم لهذا التعارض.
و"بيان ذا" الموضوع وإيضاحه يحصل بأن يقال: لا تخلوا أفعال المكلفين أو تروكهم إما أن يأتي فيها خطاب من الشارع أولا. فإن لم يأت فيه خطاب، فإما أن يكون على البراءة الأصلية، أو يكون فرضا غير موجود، والبراءة الأصلية في الحقيقة راجعة إلى خطاب الشارع بالعفو، أو غيره وإن أتى فيها خطاب فإما أن يظهر للشارع فيه قصد في النفي والإثبات أو لا، فإن لم يظهر له فيه قصد فهو قسم المتشابهات، وبذلك "كل خطاب واقع" أي وارد من الشارع، وهو "لم يتبين" أي يظهر "فيه قصد" صاحب "الشرع" ومراده به سواء "في جهة" جريان "النفي" عليه، بأن يكون مما ينفى ولا يقبل باعتبار مقتضى المقاصد الشرعية "أو" في جهة ما يجري عليه "الإثبات" والقبول بمقتضى ذلك أيضا "فذاك" الخطاب "نوع" من أنواع "المتشابهات" التي تقدم الكلام
стр. 1021
٢٥٧٧ - وَمَا بِهِ الْقَصْدُ بَدَا بِالْقَطْعِ … فَذَاكَ قِسْمُ الْوَاضِحَاتِ الْمَرْعِي
٢٥٧٨ - وَلَا مَجَالَ فِيهِ بَعْدُ لِلنَّظَرْ … فِيمَا بِهِ إِثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا ظَهَرْ
٢٥٧٩ - وَمَا بَدَا ظَنًّا فَذَا الْمُرَدَّدُ … وَالضَّعْفُ كَالْقُوَّةِ فِيهِ يُوجَدُ
٢٥٨٠ - فَغَيْرُ مَا يَقْوَى لِجَانِبٍ رَجَعْ … لِلْمُتَشَابِهَاتِ حَيْثُ مَا يَقَعْ
٢٥٨١ - وَمَا بِإحْدَى الْجِهَتَيْنِ تَظْهَرُ … قُوَّتُهُ فَذَاكَ فِيهِ النَّظَرُ
عليها في مجرى الحديث على الإحكام والتشابه "و" أما "ما" أي الخطاب الذي المراد "به" و"القصد" الشرعي منه قد "بدا" وظهر "بالقطع" والجزم "فداك" قسمه هو "قسم" النصوص والأدلة "الواضحات" البينة، "المرعي".
"و" بذلك فإنه "لا مجال" ولا محل "فيه بعد" هذا الحال الذي هو عليه "للنظر" والبحث "فيما" بدا "به" أي فيه "إثباتا" كان لحكم "أو نفيا" له، و"ظهر" فيه، و إنما لم يكن هذا مجالا للنظر والاجتهاد، لأنه واضح الحكم حقيقة، والخارج عنه مخطئ قطعا. هذا إذا كان حكم ما علم القصد الشرعي فيه قطعا "و" أما "ما بدا" أي ظهر قصده فيه "ظنا" غير مرجح "فذا" هو "المردد" فيه النظر من حيث حكمه الشرعي وبذلك يصار في شأنه إلى الاجتهاد، وإنما يجري في شأنه هذا التردد لما يعتريه بمقتضى حاله من احتمال قصد الشارع فيه معارضه، وذلك يصده عن أن يكون من الواضحات بإطلاق، "و" حصول "الضعف" في ذلك الظن "كـ" حصول "القوة فيه" فهو أي ذلك الظن على حال معتبر متى "يوجد" ويحصل، لأنه مزيل للقطع والجزم في محل كيفما كان. ومراتب الظنون في النفي والإثبات تختلف بالأشد والأضعف، حتى ينتهي إما إلى العلم وإما إلى الشك. إلا أن هذا الاحتمال تارة يقوى في إحدى الجهتين، وتارة لا يقوى "فغير ما يقوى" منه "الجانب" يعني في جانب من الجانبين المذكورين - الإثبات والنفي - بحيث يكون ضعفه مخلا باعتباره والاعتداد به "رجع لـ" قسم "المتشابهات" و"حيثما وقع" وورد، والمقدم عليه حائم حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
"و" أما "ما" أي الاحتمال - الظن - الذي "بإحدى" يعني في إحدى "الجهتين" النفي والإثبات "تظهر قوته" ورجحانه "فذاك" هو القسم الذي يجري "فيه" الاجتهاد و"النظر" الفقهي، وهو الواضح الإضافي بالنسبة إليه في نفسه وماهيته وبالنسبة إلى أنظار المجتهدين، فإن كان المقدم عليه من أهل الاجتهاد فواضح في حقه في النفي أو
стр. 1022
٢٥٨٢ - ثُمَّ ثُبُوتُ الضِّدِ مَهْمَا ثَبَتَا … مَجْرَاهُ كَالنَّفْيِ بِحَيْثُ مَا أَتَا
٢٥٨٣ - وَذَا لَهُ أَمْثِلَةٌ مِثْلُ الْغَرَرْ … إِذْ فِيهِ مَا يُلْغَى وَفِيهِ مُعْتَبَرْ
الإثبات، إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب، وأما على قول المخطئة، فالمقدم عليه إن كان مصيبا، فواضح أمره، وإلا فمعذور (١).
وقد تقرر من هذا الأصل أن قسم المتشابهات مركب من تعارض النفي والإثبات، إذ لو لم يتعارضا لكان من قسم الواضحات، وأن الواضح بإطلاق لم يتعارض فيه نفي مع إثبات، بل هو إما منفي قطعا وإما مثبت قطعا، وأن الإضافي إنما صار إضافيا لأنه مذبذب بين الطرفين الواضحين، فيقرب عند بعض من أحد الطرفين، وعند بعض من الطرف الآخر. وربما جعله بعض الناس من قسم المتشابهات، فهو غير مستقر في نفسه، فلذلك صار إضافيا لتفاوت مراتب الظنون في القوة والضعف (٢).
"ثم" إن "ثبوت الضد" وهو - هنا - الإثبات أو النفي، "مهما ثبتا" - الألف للإطلاق - أي حصل، ووقع "مجراه كالنفي" للضد الآخر "بحيث ما أتى" وورد فإذا نفى الوجوب في حكم ما - مثلا - فإن ذلك يفيد إثبات ضده فيه، ونفي العلم عن أمر يثبت ضده فيه لأن ثبوت العلم مع نفيه نقيضان، كوقوع التكليف وعدمه، وكالوجوب وعدمه، وما أشبه ذلك. وثبوت العلم مع ثبوت الظن أو الشك ضدان، كالوجوب مع الندب أو الإباحة مع التحريم. وما أشبه ذلك.
"وذا" الأصل الجاري المضي على مقتضاه في هذا القسم - قسم التردد والاجتهاد - أصل واضح لكن تساق "له أمثلة" هنا لتتميم الفائدة في شأنه والترسيخ لمعناه في الأذهان، وذلك "مثل الغرر" - بفتح الغين والراء - وهو منهى عنه، وإنما حسن سوقه هنا مثالا "إذ فيه ما يلغى" فلا يعتبر وجوده، "وفيه" ما هو "معتبر" وذلك باعتبار حالته ضعفا وقوة. فقد رأينا العلماء أجمعوا على منع بيع الأجنة والطير في الهواء والسمك في الماء. كما رأيناهم أجمعوا على جواز بيع الجبة التي حشوها مغيب عن الأبصار، ولو بيع حشوها بانفراده لامتنع، وعلى جواز كراء الدار مشاهرة مع احتمال أن يكون الشهر
стр. 1023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثلاثين أو تسعة وعشرين، وعلى دخول الحمام مع اختلاف عادة الناس في استعمال الماء وطول اللبث، وعلى شرب الماء من السقاء مع اختلاف العادات في مقدار الري، فهذان طرفان في اعتبار الغرر وعدم اعتباره لكثرته في الأول وقلته مع عدم الإنفكاك عنه في الثاني. فكل مسألة وقع الخلاف فيها في باب الغرر فهي متوسطة بين الطرفين، آخذة بشبه من كل واحد منهما، فمن أجاز مال إلى جانب اليسارة، ومن منبع مال إلى الجانب الآخر.
ومن ذلك مسألة زكاة الحلي، وذلك أنهم أجمعوا على عدم الزكاة في العروض وعلى الزكاة في النقدين فصار الحلي المباح الاستعمال دائرا بين الطرفين، فلذلك وقع الخلاف فيها. واتفقوا على قبول رواية العدل وشهادته، وعلى عدم قبول ذلك من الفاسق، وصار المجهول الحال دائرا بينهما، فوقع الخلاف فيه. واتفقوا على أن الحر يملك، وأن البهيمة لا تملك، ولما أخذ العبد بطرف من كل جانب اختلفوا فيه: هل يملك أم لا؟ بناء على تغليب حكم أحد الطرفين. اتفقوا على أن الواجد للماء قبل الشروع في الصلاة يتوضأ ولا يصلي بتيممه، وبعد إتمامها وخروج الوقت لا يلزمه الوضوء وإعادة الصلاة، وما بين ذلك دائر بين الطرفين، فاختلفوا فيه. واتفقوا على أن ثمرة الشجرة إذا لم تظهر تابعة للأصل في البيع، وعلى أنها غير تابعة لها إذا جذت، واختلفوا فيها إذا كانت ظاهرة. وإذا أفتى واحد وعرفه أهل الإجماع وأقروا بالقبول فإجماع باتفاق، أو أنكروا ذلك فغير إجماع باتفاق، فإن سكتوا من غير ظهور إنكار فدائر بين الطرفين فلذلك اختلفوا فيه. والمبتدع بما لا يتضمن كفرا من غير إقرار بالكفر دائر بين الطرفين؛ فإن المبتدع بما لا يتضمن كفرا من الأمة، وبما اقتضى كفرا مصرحا به ليس من الأمة، فالوسط مختلف فيه: هل هو من الأمة أم لا؟ وأرباب النحل والملل اتفقوا على أن الباري تعالى موصوف بأوصاف الكمال بإطلاق، وعلى أنه منزه عن النقائص بإطلاق، واختلفوا في إضافة أوصاف أمور إليه بناء على أنها كمال، وعدم إضافتها إليه بناء على أنها نقائص، وفي عدم إضافة أمور إليه بناء على أن عدم الإضافة كمال، أو إضافتها بناء على أن الإضافة إليه هي الكمال وكذلك ما أشبهها (١).
стр. 1024
٢٥٨٤ - وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا قَدْ يُرَا … يُمْكِنُ أَنْ يُلْغَى وَأَنْ يُعْتَبَرَا
" تنبيه "
٢٥٨٥ - عِلْمُ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ الْبَادِ … مُرَشِّحٌ لِمَرْقَى الاجْتِهَادِ
٢٥٨٦ - وَذَاكَ قَصْدُ كُلِّ مَنْ حَضَّ عَلَى … مَعْرِفَةِ الْخِلَافِ أَنْ تُحَصَّلَا
" و" إنما "وقع الخلاف فيما قد يرى" هنا أي يبصر من المسائل التي هي دائرة بين طرفين واضحين متعارضين، وكل واحد منهما "يمكن أن يلغى" اعتباره لوجود معارضه من الجهة الأخرى "و" كذلك يمكن "أن يعتبرا" - الألف للإطلاق - وإن يعتد به لوجود ما يقتضي ذلك فيه ظنا. والاختلاف إنما يقع في مواطن الظنون، وما يكون فيه النظر مترددا بين أمرين متعارضين.
"تنبيه"
من أحكم النظر في هذا المعنى وتصور ما يثمره ظهر له أن "علم مواقع" وموارد "الخلاف الباد" الفقهي وإدراكه "مرشح" - بكسر الشين بصيغة اسم الفاعل - أي ومهيئ ومعد "لمرقى" ودرجة "الاجتهاد" لأنه يصير العالم به جديرا بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له. "وذاك" الذي يوصل إليه هذا العلم مما ذكر هو الذي يفسر به "قصد" ومراد "كل من حض" وحث "على معرفة الخلاف أن تحصلا" - الألف للإطلاق - وتدرك ومن ذلك ما جاء في حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: "يا عبد الله بن مسعود قلت: لبيك يا رسول الله؛ قال أتدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذ اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان يزحف في إسته" فهذا تنبيه على المعرفة بمواقع الخلاف.
ولذلك جعل الناس العلم معرفة الاختلاف فعن قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه. وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف القراءة فليس بقارئ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه. وعن عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه. وعن أيوب السختياني وابن عيينة: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما باختلاف العلماء زاد أيوب: وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف
стр. 1025
" المسألة الخامسة "
٢٥٨٧ - وَحَيْثُ الاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ مَا … إِلَى النُّصُوصِ حُكْمُهُ قَدِ انْتَمَا
٢٥٨٨ - فَالْعِلْمُ بِاللِّسَانِ شَرْطٌ فِيهِ … حَسَبَمَا قَدْ مَرَّ فِي التَّنْبِيهِ
٢٥٨٩ - وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى اللِّسَانِ … بِحَيْثُ مَا جُرِّدَ لِلْمَعَانِي
العلماء. وعن مالك: لا يجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه. قيل له: اختلاف أهل الرأي؟ قال: لا، اختلاف أصحاب محمد ﷺ ، وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن ومن حديث الرسول ﷺ . وقال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلي. وعن سعيد بن أبي عروبة: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما. وعن قبيصة بن عقبة: لا يفلح من لا يعرف اختلاف الناس (١).
وكلام الناس هنا كثير، وحاصله معرفة مواقع الخلاف، لا حفظ مجرد الخلاف.
ومعرفة ذلك إنما تحصل بما تقدم من النظر، فلا بد منه لكل مجتهد. وكثيرا ما تجد هذا للمحققين في النظر كالمازري وغيره.
"المسألة الخامسة"
في أن الاستنباط من النصوص متوقف على العلم باللغة العربية.
"و" بيان، ذلك أنه "حيث" يكون جريان أمر "الاجتهاد" إنما هو "في استنباط مما" من الأحكام "إلى النصوص" الشرعية و"حكمه" إلى ذلك "قد انتمى" واستند.
"فـ" إن "العلم باللسان" العربي على الوجه المذكور "شرط فيه" وذلك "حسبما قد مر" ذكره "في التنبيه" المار ذكره قريبا في المسألة الثانية الماضي ذكرها، وقد أورده في الأصل - الموافقات - بعنوان "الفصل".
"و" أما الاجتهاد الذي لا يتعلق بالاستنباط المذكور فإنه "غير محتاج" فيه إلى علم "اللسان" العربي، وذلك يجري "بحيث مما" أي في الموضع الذي الاجتهاد يبنى على رعاية جلب المصالح ودرء المفاسد فيكون قد "جرد" وخلص "لـ"ـــرعاية "المعاني"
стр. 1026
٢٥٩٠ - مِنَ الْمَفَاسِدِ أَوِ الْمَنَافِعِ … بَلْ شَرْطُهُ الْعِلْمُ بِقَصْدِ الشَّارعِ
المذكورة "من المفاسد أو المنافع"، أو رعاية معان - قواعد - مسلمة من صاحب الاجتهاد - وسيأتي التمثيل له - فهذا غير محتاج فيه إلى العلم بالعربية "بل شرطه" الذي يتوقف عليه حصوله هو "العلم بقصد" يعني مقاصد "الشارع" من الشريعة التي تقدم بيانها، وبسط القول في شأنها.
والدليل على اشتراط علم العربية في الضرب الأول من الاجتهاد، وعدم اشتراطه في هذا الضرب: أن علم العربية إنما يفيد مقتضيات الألفاظ بحسب ما يفهم من الألفاظ الشرعية، وألفاظ الشارع المؤدية لمقتضياتها عربية، فلا يمكن من ليس بعربي أن يفهم لسان العرب، كما لا يمكن التفاهم بين العربي والبربري أو الرومي أوالعبراني حتى يعرف كل واحد مقتضى لسان صاحبه وأما المعاني مجردة فالعقلاء مشتركون في فهمها، فلا يختص بذلك لسان دون غيره فإذا من فهم مقاصد الشرع من وضع الأحكام، وبلغ فيها رتبة العلم بها، ولو كان فهمه لها من طريق الترجمة باللسان الأعجمي، فلا فرق بينه وبين من فهمها من طريق اللسان العربي. ولذلك يوقع المجتهدون الأحكام الشرعية على الوقائع القولية التي ليست بعربية، ويعتبرون الألفاظ في كثير من النوازل وأيضا فإن الاجتهاد القياسي غير محتاج فيه إلى مقتضيات الألفاظ إلا فيما يتعلق بالمقيس عليه وهو الأصل، وقد يؤخذ مسلما؛ أو بالعلة المنصوص عليها أو التي أومأ إليها، ويؤخذ ذلك مسلما، وما سواه فراجع إلى النظر العقلي (١).
وإلى هذا النوع يرجع الاجتهاد المنسوب إلى أصحاب الأئمة المجتهدين كابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة، والمزني والبويطي في مذهب الشافعي؛ فإنهم على ما حكي عنهم يأخذون أصول إمامهم وما بني عليه في فهم ألفاظ الشريعة، ويفرعون المسائل ويصدرون الفتاوي على مقتضى ذلك. وقد قبل الناس أنظارهم وفتاويهم وعملوا على مقتضاها، خالفت مذهب إمامهم أو وافقته: وإنما كان كذلك لأنهم فهموا مقاصد الشرع في وضع الأحكام، ولولا ذلك لم يحل لهم الإقدام على الاجتهاد والفتوى، ولا حل لمن في زمانهم أو من بعدهم من العلماء أن يقرهم على ذلك، ولا يسكت عن الإنكار عليهم على الخصوص، فلما لم يكن
стр. 1027
" المسألة السادسة "
٢٥٩١ - ثُمَّ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ قَدْيُرَا … تَعَلُّقٌ لِلاجْتِهَادِ نَظَرَا
٢٥٩٢ - فَذَ الِقَصْدِ الشَّرْعِ لَا يَفْتَقِرُ … كَمَا اللسَانُ فِيهِ لَا يُعْتَبَرُ
٢٥٩٣ - وَذَاكَ كالْقَارِئ فِيمَا يَحْمِلُ … أَوْ صَاحِبِ الْحَدِيثِ فِيمَا يَنْقُل
شيء من ذلك دل على أن ما أقدموا عليه من ذلك كانوا خلفاء بالإقدام فيه. فالاجتهاد منهم وممن كان مثلهم وبلغ في فهم مقاصد الشريعة مبالغهم صحيح لا إشكال فيه. هذا على فرض أنهم لم يبلغوا في كلام العرب مبلغ المجتهدين، فأما إذا بلغوا تلك الرتبة فلا إشكال أيضا في صحة اجتهادهم على الإطلاق والله أعلم (١).
"المسألة السادسة"
في أن الاجتهاد في تحقيق المناط لا يتوقف تحصيله على علم العربية. وبيان ذلك أن الاتجهاد قد يتعلق بما ذكر "ثم" إنه "بتحقيق المناط" - أي متعلق الحكم، وعلته - "قد يرى" ويوجد "تعلق للاجتهاد نظرا" واعتبارا، وما كان هكذا من الاجتهاد "فـ" إن "ذا لـ" علم "قصد" يعني مقاصد صاحب "الشرع لا يفتقر" تحصيله، وإيقاعه "كما" أن إدراك علم "اللسان" العربي "فيه لا يعتبر" شرطا، لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه، وإنما يفتقر فيه إلى العلم بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به، من حيث قصدت المعرفة به، فلا بد أن يكون المجتهد عارفا ومجتهدا من تلك الجهة التي ينظر فيها، ليتنزل الحكم على وفق ذلك المقتضى، "و" بذلك فإن "ذاك" المجتهد الذي كلامنا فيه إنما هو "كالقارئ" للقرآن "في" تأدية "ما يحمل" من الرواية القرآنية ووجوه القراءات، وما يتصل بذلك من معارف "أو "كمثل "صاحب الحديث" أي المحدث "في" شأن "ما ينقل" من الأحاديث والآثار، فهذا علمه متعلق بأحوال الأسانيد، وطرقها، وصحيحها، وسقيمها، وما يحتج به من متونها مما لا يحتج به، وهذا يعتبر اجتهاده فيما هو عارف به من ذلك، سواء كان عالما بالعربية أم لا، وعارفا بمقاصد الشارع أم لا. ومثله الصانع في معرفة عيوب الصناعات، والطبيب في العلم بالأدواء والعيوب وعرفاء الأسواق في معرفة قيم السلع ومداخل العيوب
стр. 1028
" المسألة السابعة "
٢٥٩٤ - وَالاجْتِهَادُ مَعَ ذَا ضَرْبَانِ … مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لِأهْلِ الشَّانِ
٢٥٩٥ - وَهْوَ الذِي يَصْدُرُ عَمَّنْ أَحْكَمَا … أُصُولَهُ وَذَاكَ مَا تَقَدَّمَا
فيها، والعاد في صحة القسمة والماسح في تقدير الأرضين، ونحوها، كل هذا وما أشبهه مما يعرف به مناط الحكم الشرعي غير مضطر إلى العلم بالعربية، ولا العلم بمقاصد الشريعة، وإن كان اجتماع ذلك كمالا في المجتهد.
والدليل على ذلك ما تقدم ذكره من أنه لو كان لازما لم يوجد مجتهد إلا في الندرة، بل هو محال عادة وإن وجد ذلك فعلى جهة خرق العادة، كآدم ﵇ حين علمه الله الأسماء كلها، ولا كلام فيه. وأيضا إن لزم في هذا الاجتهاد العلم بمقاصد الشارع لزم في كل علم وصناعة أن لا تعرف إلا بعد المعرفة بذلك؛ إذ فرض من لزوم العلم بها العلم بمقاصد الشارع، وذلك باطل فما أدق إليه مثله. فقد حصلت العلوم ووجدت من الجهال بالشريعة والعربية، ومن الكفار المنكرين للشريعة. ووجه ثالث أن العلماء لم يزالوا يقلدون في هذه الأمور من ليس من الفقهاء، وإنما اعتبروا أهل المعرفة بما قلدوا فيه خاصة؛ وهو التقليد في تحقيق المناط.
فالحاصل أنه إنما يلزم في هذا الاجتهاد المعرفة بمقاصد المجتهد فيه، كما أنه في الأولين كذلك، فالاجتهاد في الاستنباط من الألفاظ الشرعية يلزم فيه المعرفة بمقاصد ذلك المناط، من الوجه الذي يتعلق به الحكم لا من وجه غيره وهو ظاهر (١).
"المسألة السابعة"
"و" هي في التنبيه على أن "الاجتهاد" الواقع في الشريعة "مع ذا" الذي تقدم ذكره في شأنه من التفصيل باعتبار الاستنباط، وباعتبار أحوال النظر في المناط، هو من حيث صحته وبطلانه "ضربان" لا ثالث لهما:
أحدهما: الاجتهاد الذي هو "معتبر" ومعتد به "شرعا لأهل الشأن، وهو" الاجتهاد "الذي يصدر" ويأتي "عمن" أتقن و"أحكما" - الألف للإطلاق - "أصوله" وما يتوقف عليه تحصيله من قواعد ومعارف ويفتقر إليه إدراكه، "وذاك" هو "ما" أي الذي "تقدما"
стр. 1029
٢٥٩٦ - ثَانِيهِمَا مَا كَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرْ … لِكَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ صَدَرْ
٢٥٩٧ - وَذَاكَ رَاجِع إِلَى الأهْوَاءِ … وَذَمُّهُ لَيْسَ بِذِي خَفَاءِ
" المسألة الثامنة "
٢٥٩٨ - الخَطَأُ الآتِي فِي الاجْتِهَادِ … فِيمَا الدَّلِيلُ فِيهِ غَيْرُ بَادِ
٢٥٩٩ - حَتَّى يُرَى الْمَفْهُومُ غَيْرَ مَا قُصِدْ … أَوْ حَيْثُ عِرْفَانُ الدَّلِيلِ قَدْ فُقْدْ
- الألف للإطلاق - أي مر ذكره في المسائل المتقدم إيرادها.
"ثانيهما": أي الضربين هو "ما كان غير" معتد به، ولا "معتبر" شرعا، وذلك "لكون" أتى "عن غير أهله" و"صدر" عنه، والذي ليس من أهله هو كل من ليس عارفا بما يفتقر إليه من علوم ومعارف "و" هذا الضرب من الاجتهاد ملغى اعتباره "ذاك" لأنه "راجع" في واقع الأمر "إلى" اتباع "الأهواء" والحكم بمقتضاها، "و" ما كان هكذا فإن "ذمه" شرعا "ليس بـ" أمر "ذي خفاء" أو إبهام، لأنه خبط في عماية، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره، لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المَائدة: ٤٨] وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] الآية؛ وهذا على الجملة لا إشكال فيه (١).
"المسألة الثامنة"
في أن "الخطأ" العارض و"الآتي في الاجتهاد" على قسمين أحدهما ما يرد "فيما" من المواضيع بعض "الدليل فيه" قد خفي عن المجتهد "غير باد" أي غير ظاهر له، فيه "حتى" إنه لخفاء بعض هذا الدليل عليه "يرى" أي يوجد في نظره ورأيه المعنى "المفهوم" المدرك له بذلك الاجتهاد "غير ما قصد" شرعا، وفي حقيقة الأمر في ذلك الموضوع وقد يكون ذلك الخطأ - أيضا - متى "أو حيث" يكون "عرفان" المجتهد "الدليل" على الجملة "قد فقد" وعدم.
стр. 1030
٢٦٠٠ - وَمَوْقِعُ الْخَطَأْ فِي الْكُلِّيِّ … أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ فِي الْجُزْئِيِّ
" و" اعلم أن "موقع الخطأ" وموجده "في"الأمر "الكلي" - كتحليل - انتهاك ما حظر الشارع انتهاكه من نحو إزهاق النفوس، وسلب الأموال، وانتهاك الأعراض هو "أشد حالا" وأعظم خطرا "منه" أي من الاجتهاد "في" الأمر "الجزئي" وكأمر مقيس متردد حاله بين طرفين متعارضين من نحو معاملة استجدت.
وفي هذا الموطن حذر من زلة العالم، فإنه جاء في بعض الحديث عن النبي ﷺ التحذير منها، فروي عنه ﵊ أنه قال: "إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة. قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع" وعن عمر: "ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون" وعن أبي الدرداء: "إن مما أخشى عليكم زلة العالم، أو جدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كمنار الطريق" (١).
وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كثيرا: "إياكم وزيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورا" قالوا: كيف زيغة الحكيم؟ قال: "هي كلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون ما هذا؟ فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق". وقال سلمان الفارسي: "كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؛ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، تقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وتنتهي عما ينتهي عنه فلان. وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان" الحديث.
وعن ابن عباس: "ويل للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه، فيترك قوله ثم يمضي الاتباع" وعن ابن المبارك أخبرني المعتمر بن سليمان قال رآني أبي وأنا أنشد الشعر فقال لي: يا بني لا تنشد الشعر؛ فقلت له: يا أبت كان الحسن ينشد، وكان ابن سيرين ينشد. فقال لي: أي بني؛ إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله.
стр. 1031
٢٦٠١ - وَزَلَّةُ الْعَالِمِ لَا تُعْتَمَدُ … فِي مَأْخَذِ الْعِلْمِ وَلَا تُقَلَّدُ
وقال مجاهد والحكم بن عيينة ومالك: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ "وقال سليمان التيمي: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله" قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا.
وهذا كله وما أشبهه دليل على طلب الحذر من زلة العالم. وأكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه، والوقوف دون أقصى المبالغة في البحث عن النصوص فيها؛ وهو وإن كان على غير قصد ولا تعمد وصاحبه معذور ومأجور لكن مما ينبني عليه في الإتباع لقوله فيه خطر عظيم. وقد قال الغزالي إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة، وذكر منها أمثلة، ثم قال: فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شره مستطيرا في العالم أياما متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه. وهكذا الحكم مستمر في زلته في الفتيا من باب أولى، فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة أو بعض المقاصد العامة في خصوص مسألته، فيقضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعا يتقلد، وقولا يعتبر في مسائل الخلاف، فربما رجع عنه وتبين له الحق، فيفوته تدارك ما سار في البلاد عنه ويضل عنه تلافيه، فمن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل (١).
"فصل"
في أنه إذا ثبت هذا فإنه لا بد من النظر في أمور تنبني على هذا الأصل.
"و" منها أن "زلة العالم" كيفما كانت منزلته العلمية "لا تعتمد" أي لا تتخذ عمدة ولا يحتج بها على الإطلاق "في مأخذ العلم" وما يصح أن يكون دليلا علميا أو معرفيا، ولا يبالى بها، "ولا تقلد" أي تتبع بل يجب طرحها، والتحذير منها، إذ لا حجة شرعية في قول أحد أو فعله إلا ما كان من الرسول ﷺ . وإنما لم يعتد بزلة العالم لأنه لو كانت معتدا بها لم تجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير في العلم، أو إلى الجهل،
стр. 1032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك لا ينبغي أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحثا، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين، وقد تقدم من كلام معاذ بن جبل وغيره ما يرشد إلى هذا المعنى.
وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك - يعني في النبيذ المختلف فيه - فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه فاحتجوا. فما جاؤوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود، وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه. قال ابن المبارك فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق؛ عد أن ابن مسعود لو كان ههنا جالسا فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة، كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى. فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن: فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام؟ فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة. أفلأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارا. قال فقلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد؟ فقالوا: حرام. فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالا فماتوا وهم يأكلون الحرام، فبقوا وانقطعت حجتهم هذا ما حكى.
والحق ما قال ابن المبارك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] الآية. فإذا كان بينا ظاهرا أن قول القائل مخالف للقرآن أو للسنة لم يصح الاعتداد به ولا البناء عليه، ولأجل هذا ينقض قضاء القاضي إذا خالف النص أو الإجماع، مع أن حكمه مبني على الظواهر مع إمكان خلاف الظاهر" ولا ينقض مع الخطأ في الاجتهاد وإن تبين، لأن مصلحة نصب الحاكم تناقض نقض حكمه. ولكن ينقض مع مخالفة الأدلة، لأنه حكم بغير ما أنزل الله (١).
стр. 1033
" فصل "
٢٦٠٢ - وَفِي الْخِلَافِ بَعْدُ لَا يُعْتَدُّ … بِهَا وِلَا فِي بَابِهِ تُعَدُّ
٢٦٠٣ - وَإِنَّمَا تُذْكَرُ تَنْبِيهًا عَلَا … أَنْ يَتَحَاشَى مِثْلَهَا إِنْ نَقَلَا
٢٦٠٤ - وَهْيَ مُنَافَاةُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِي … الْمُقْتَفَى سَبِيلُهُ فِي الشَّرْعِ
٢٦٠٥ - وَأَهْلُ الاجْتِهَادِ يَعْرِفُونَا … مَوْضِعَهَا مَعْرِفَةً يَقِينَا
" و" منها أنه "في" شأن "الخلاف" الفقهي المعتبر "بعد" أي بعد ثبوت أنها زلة حقيقة "لا يعتد بها" ولا تعتبر "ولا" تحسب "في بابه" أي الخلاف المذكور ولا "تعد" فيه، وبذلك لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد الذي هو في واقع الأمر موطنه الظنيات فقط، وإن حصل من صاحبها - أي هذه الزلة - اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد. وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة كانت مما يقوى، أو يضعف. وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل وعدم مصادفته فإنه يعتد بها ولا تعتبر كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، ونكاح المتعة، وإتيان محاشى - أدبار - النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها، "و" هذه الأقوال الساقط إعتبارها والاعتداد بها إن ذكرت فإنها "إنما تذكر تنبيها على أن يتحاشى" ويتقى ويجتنب "مثلها" أن يعمل به "إن نقلا" - الألف للإطلاق - عن عالم ما، كما يتحاشى ويتجنب العمل بها هي نفسها.
"و" هذه الأقوال الشاذة - الزلات - علامتها "هي" ما تتصف به من "منافاة" ومخالفة "الدليل" الشرعي "القطعي" حكمه و"المقتفى" أي المتبع "سبيله" ومقتضاه "في" هذا "الشرع" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. "وأهل الاجتهاد" من علماء هذه الأمة "يعرفونا" - الألف للإطلاق - ويعلمون "موضعها" التي وردت فيه، كما يعرفونها بما هي عليها من حال وصفة "معرفة يقينا" لأنهم العارفون بما وافق الشرع أو خالفه، وأما غيرهم فلا تمييز لهم في هذا المقام، ويعضد هذا أن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب: فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو
стр. 1034
" المسألة التاسعة "
٢٦٠٦ - وَعَارِضٌ لِقِسْمِ غَيْرِ الْمُعْتَبَرْ … الاعْتِقَادُ أَنَّهُ أَهْلُ النَّظَرْ
إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافا لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة، كأخبار الآحاد والقياس الجزئية. فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه، لا للإعتداد به. وأما المخالف للظني ففيه الاجتهاد، بناء على التوازن بينه وبين ما اعتمده صاحبه من القياس أو غيره.
فإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟ فالجواب أن له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول من عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين. لا من المقلدين.
"فصل"
وقد عد ابن السيد هذا المكان من أسباب الخلاف، حين عد جهة الرواية وأن لها ثماني علل: فساد الإسناد، ونقل الحديث على المعنى، أو من المصحف، والجهل بالإعراب والتصحيف، وإسقاط جزء الحديث، أو سببه، وسماع بعض الحديث وفوت بعضه، وهذه الأشياء ترجع إلى معنى ما تقدم إذا صح أنها في المواضع المختلف فيها علل حقيقة، فإنه قد يقع الخلاف بسبب الاجتهاد في كونها موجودة في محل الخلاف (١). وإذا كان على هذا الوجه فالخلاف معتد به بخلاف الوجه الأول. هذا هو القسم الأول وحاله.
"المسألة التاسعة"
في القسم الثاني وهو الخطأ الثابت أنه "عارض" ووارد "لقسم" يعني في الاجتهاد "غير المعتبر" غير المعتد به وهو الاجتهاد الذي أساسه "الاعتقاد" الحاصل من صاحب ذلك الرأي أو غيره عن جهل أو عن هوى "أنه" مجتهد وأنه من "أهل النظر" الفقهي المعتبر، وأن قوله معتد به. وهو في واقع الأمر ليس كذلك ولا دانيا منه.
стр. 1035
٢٦٠٧ - وَخُلْقُهُ إِنْ كَانَ فِي جُزْئِيِّ … فَهْوَ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْكُلِّيِّ
٢٦٠٨ - مِمَّا يُرَى فِي الشَّرْعِ ذَا اسْتِقْلَالِ … فِي الاعْتِقَادَاتِ أَوِ الأعْمَالِ
٢٦٠٩ - فَهْوَ بِأَخْذِ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ … يَقْصِدُ أَنْ يَهْدِمَ كُلِّيَاتِهِ
٢٦١٠ - وَذَلكَ رَاجِعٌ إِلَى الأهْوَاءِ … الْمُبْدِيَاتِ تَرْكَ الاهْتِدَاءِ
٢٦١١ - وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ بِالتَّفْصِيلِ … مُسْتَوْضَحٌ مِنَ ءَايَةِ التَّأْوِيلِ
" و" من كان هكذا فإن "خلقه" للحق وللدليل الشرعي "إن كان" قد حصل "في" أمر "جزئي" أي فرع فقهي كإسقاط شرط في أمر عبادي خاص كالاعتكاف مثلا "فهو أخف" حالا وأقل خطرا "منه" أي من خلفه إن كان قد حصل "في" الأمر "الكلي" القطعي. وفي الأصل العام "مما يرى" يوجد "في الشرع ذا استقلال" في حكم كونه أصلا ثابتا بذاته، سواء كان "في" أصول "الاعتقادات" التي بها قوام الإسلام والإيمان "أو" من أصول "الأعمال" التي لا تصح الأعمال إلا إذا قامت عليها، وذلك كالإخلاص والتشريع، والنية، وما أشبه ذلك. ومن كان على هذا الغلط "فهو" يكون ماضيا في مسلكه على خلاف ما عليه الاجتهاد والنظر الفقهي الصحيح، فتراه "يأخذ بعض" فروع كلي ما "وجزئياته" وهو "يقصد" بذلك "أن يهدم كلياته" يعني كليته المقطوع شرعا بثبوتها وبذلك يصير إلى ما ظهر له ببادئ رأيه في شأن تلك الجزئيات وكلياتها من غير أن يكون محيطا بمعانيها، أو راجعا رجوع افتقار وحاجة إليها، أو مسلما ما روي عن أهل العلم في فهمها، أو راجعا إلى الله ورسوله في أمرها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
"وذلك" الانحراف عن الجادة والسبيل القويم في هذا الشأن كله "راجع إلى" اتباع "الأهواء" الكامنة في النفوس، و"المبديات" أي المظهرات للعيان إلزام وإيجاب "ترك الاهتداء" بالدليل الواضح، والاعتراف بالعجز فيما لم يتصل إليه علم الناظر، يعبر على هذا الجهل بمقاصد الشريعة، وتوهم بلوغ درجة الاجتهاد باستعجال نتيجة الطلب. فإن العاقل قلما يخاطر بنفسه في إقتحام المهالك مع العلم بأنه مخاطر. "وأصل هذا القسم" الذي كلامنا فيه "بالتفصيل" والبيان التام "مستوضح" يعني متضحا شأنه "من ءاية التأويل" وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
стр. 1036
٢٦١٢ - وَقَدْ أَتَى الْحَدِيثُ بِالتَّحْذِيرِ … مِنْ مُقْتَفِي مُشْتَبِهِ الُامُورِ
تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧].
"وقد أتى الحديث" الصحيح الذي رواه مسلم وغيره "بتحذير من" كل شخص "مقتفي" ومتبع "مشتبه الأمور" من كل ما لم تتضح دلالته والمعنى المراد به. وذلك قوله ﵊ "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" والتشابه في القرآن لا يختص بما نص عليه العلماء من الأمور الإلهية الموهمة للتشبيه، ولا العبارات المجملة ولا ما يتعلق بالناسخ والمنسوخ ولا غير ذلك مما يذكرون بل هو من جملة ما يدخل تحت مقتضى الآية إذ لا دليل على الحصر وإنما يذكرون من ذلك ما يذكرون على عادتهم في القصد إلى مجرد التمثيل ببعض الأمثلة الداخلة تحت النصوص الشرعية فإن الشريعة إذا كان فيها أصل مطرد في أكثرها مقرر واضح في معظمها ثم جاء بعض المواضع فيها مما يقتضي ظاهره مخالفة ما اطرد فذلك من المعدود في المتشابهات التى يتقى اتباعها لأن اتباعها مفض إلى ظهور معارضة بينها وبين الأصول المقررة والقواعد المطردة فإذا اعتمد على الأصول وأرجئ أمر النوادر ووكلت إلى عالمها أو ردت إلى أصولها فلا ضرر على المكلف المجتهد ولا تعارض في حقه. ودل على ذلك قوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عِمرَان: ٧] فجعل المحكم - وهو الواضح المعنى الذي لا إشكال فيه ولا اشتباه - هو الأم والأصل المرجوع إليه ثم قال "وأخر متشابهات" يريد وليست بأم ولا معظم فهي إذا قلائل ثم أخبر أن اتباع المتشابه منها شأن أهل الزيغ والضلال عن الحق والميل عن الجادة وأما الراسخون في العلم فليسوا كذلك وما ذاك إلا باتباعهم أم الكتاب وتركهم الاتباع للمتشابه، وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الإعتقادية أو العملية إذ لم يخص الكتاب ذلك ولا السنة بل ثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" وفي الترمذي تفسير هذا بإسناد غريب عن غير أبي هريرة فقال في حديثه: "وأن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي" والذي عليه النبي وأصحابه ظاهر في الأصول الاعتقادية والعملية على الجملة لم يخص من ذلك شيء دون شيء وفي أبي
стр. 1037
" فصل"
٢٦١٣ - وَجَاءَ أَيضًا فِيهِ عَدُّ الْفِرَق … مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهَا مُحَقَّقِ
٢٦١٤ - وَإنَّمَا تُذْكَرُ بِالأوْصَافِ … لِيُتَّقَى مِنْ حَالِهَا الْمُنَافِي
٢٦١٥ - وَقَدْ أَتَى فِي بَعْضِهَا التَّعْيِينُ … حِينَ وَجَبْ بِفُحْشِهَا التَّبْيِينُ
داود: "وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" وهي بمعنى الرواية التى قبلها وقد روي ما يبين هذا المعنى ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه وإن كان غيره قد هون الأمر فيه أنه قال: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال" فهذا نص على دخول الأصول العملية تحت قوله: "ما أنا عليه وأصحابي" وهو ظاهر فإن المخالف في أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية (١).
فصل
في أنه كما ورد في الحديث التحذير مما ذكر، ورد "وجاء أيضا فيه" وفي القرآن الكريم "عد" بعض "الفرق" التي يظن أن هذا الحديث شامل لها، وأنها داخلة تحته ولكن "من غير تعيين لها" في الجملة أو ذكر لها بعينها "محقق" ومثبت.
"وإنما تذكر بالأوصاف" التي تدل عليها وتبينها، وذلك "ليتقى" ويجتنب "من حالها" من هنا زائدة يعني حالها "المنافي" والمخالف للشريعة ويصح تضمين يتقى هنا معنى يحذر، ويكون "من" حينئذ للتعدية، ولبيان هذا التضمين. "و" هذه الفرق "قد أتى في بعضها التعيين" لما في ذكرها بعينها، وذلك قد حصل من الشارع "حين وجب بـ" سبب قبح أحوالها و"فحشها" بضم الفاء يعني مخالفتها الشديدة للشريعة "التبيين" والإيضاح لها. ومن ذلك الذي ورد فيه هذا التعيين والتبيين قوله ﷺ الذي روي بألفاظ مختلفة في الخوارج "إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
стр. 1038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرمية" وفي رواية "دعه - يعني ذا الخويصرة - فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام - الحديث إلى أن قال -: آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر الخ". فقد عرف ﵊ بهؤلاء وذكر لهم علامة في صاحبهم وبين من مذهبهم في معاندة الشريعة أمرين كليين: أحدهما اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول، وهو الذي نبه عليه قوله في الحديث يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض ويضاد المشي على الصراط المستقيم ومن هنا ذم بعض العلماء رأي داود الظاهري وقال إنها بدعة ظهرت بعد المائتين ألا ترى أن من جرى على مجرد الظاهر تناقضت عليه الصور والآيات وتعارضت في يديه الأدلة على الإطلاق والعموم وتأمل ما ذكره القتبي في صدر كتابه في مشكل القرآن وكتابه في مشكل الحديث يبين لك صحة هذا الإلزام فإن ما ذكره هنالك آخذ ببادئ الرأي في مجرد الظواهر.
والثاني: قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان على ضد ما دلت عليه جملة الشريعة وتفصيلها فإن القرآن والسنة إنما جاءت للحكم بأن أهل الإسلام في الدنيا والاخرة ناجون وأن أهل الأوثان هالكون ولتعصم هؤلاء وتريق دم هؤلاء على الإطلاق فيهما والعموم فإذا كان النظر في الشريعة مؤديا إلى مضادة هذا القصد صار صاحبه هادما لقواعدها وصادا عن سبيلها ومن تأمل كلامهم في مسألة التحكيم مع علي بن أبي طالب وابن عباس وفي غيرها ظهر له خروجهم عن القصد وعدولهم عن الصواب وهدمهم للقواعد وكذلك مناظرتهم عمر بن عبد العزيز وأشباه ذلك.
فهذان وجهان ذكرا في الحديث من مخالفتهم لقواعد الشريعة الكلية اتباعا للمتشابهات. وقد ذكر الناس من آرائهم غير ذلك من جنسه كتكفيرهم لأكثر الصحابة ولغيرهم ومنه سوى قتلهم لأهل الإسلام وأن الفاعل للفعل إذا لم يعلم أنه حلال أو حرام فليس بمؤمن وأن لا حرام إلا ما في قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعَام: ١٤٥] الآية وما سوى ذلك فحلال وأن الإمام إذا كفر كفرت رعيته كلهم شاهدهم وغائبهم وأن التقية لا تجوز في قول ولا فعل على الإطلاق والعموم وأن الزاني لا يرجم بإطلاق والقاذف للرجال لا يحد وإنما يحد قاذف النساء خاصة وأن الجاهل
стр. 1039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معذور في أحكام الفروع بإطلاق وأن الله سيبعث نبيا من العجم بكتاب ينزله الله عليه جملة واحدة ويترك شريعة محمد وأن المكلف قد يكون مطيعا بفعل الطاعة غير قاصد بها وجه الله وإنكارهم سورة يوسف من القرآن وأشباه ذلك وكلها مخالفة لكليات شرعية أصلية أو عملية. ولكن الغالب في هذه الفرق أن يشار إلى أوصافهم ليحذر منها ويبقى الأمر في تعيينهم مرجى كما فهمنا من الشريعة ولعل عدم تعيينهم هو الأولى الذي ينبغي أن يلتزم ليكون سترا على الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا بها في الحكم الغالب العام وأمرنا بالستر على المذنبين ما لم يبد لنا صفحة الخلاف ليس كما ذكر عن بني إسرائيل أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبح وعلى بابه معصيته مكتوبة وكذلك في شأن قرابينهم فإنهم كانوا إذا قربوها أكلت النار المقبول منها وتركت غير المقبول وفي ذلك افتضاح المذنب إلى ما أشبه ذلك فكثير من هذه الأشياء خصت بها هذه الأمة. وقد قالت طائفة إن من الحكمة في تأخير هذه الأمة عن سائر الأمم أن تكون ذنوبهم مستورة عن غيرهم فلا يطلع عليها كما اطلعوا هم على ذنوب غيرهم ممن سلف وللستر حكمة أيضا وهي أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان في ذلك داع إلى الفرقة والوحشة وعدم الألفة التى أمر الله بها ورسوله حيث قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الرُّوم: ٣١، ٣٢] وفي الحديث: "لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا" وأمر ﵊ بإصلاح ذات البين وأخبر أن فساد ذات البين هي الحالقة وأنها تحلق الدين. والشريعة طافحة بهذا المعنى ويكفي فيه ما ذكره المحدثون في كتاب البر والصلة وقد جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] الآية أنه روى عن عائشة وأبي هريرة وهذا حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا من هم؟ قلت الله ورسوله أعلم قال هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة يا عائشة إن لكل ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة وأنا منهم بري وهم مني برءآء". فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة والفرقة وترك المؤالفة لزم من ذلك أن يكون منهيا عنه إلا أن تكون البدعة
стр. 1040
٢٦١٦ - إِذًا فَفَاحِشٌ يُشَاعُ قَوْلَا … وَغَيْرُهُ عَنْهُ السُّكُوتُ أَوْلَى
فاحشة جدا كبدعة الخوارج فلا إشكال في جواز إبدائها (١).
وإظهارها "إذا فـ" الذي يصار إليه في هذا الشأن هو التفصيل، فما هو من منهج تلك الفرق أو معتقدها "فاحش" فإنه "يشاع" في الناس "قولا" ويذاع فيهم بيانا، وتعيينا، كما عين الرسول ﷺ الخوارج - إن قلنا بأنه عينهم، وفي ذك نظر - وذكرهم بعلاماتهم - إن قلنا بأنهم المقصودون له بذلك - ليعرفوا ويحذر منهم، ويلحق بذلك - فحش البدعة - ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد "و" أما "غيره" أي الفاحش فإن الصمت "عنه" يعني عن تعيينه، والاعتقاد بذكر أوصافه و"السكوت أولى" كما تقدم بيانه وخرج أبو داود عن عمر بن أبي قرة قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان حذيفة أعلم بما يقول فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ﷺ فقال إن رسول الله ﷺ يغضب فيقول لناس من أصحابه ويرضى فيقول في الرضى لناس من أصحابه أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال وحتى توقع اختلافا وفرقة ولقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب فقال: أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون وإنما بعثني رحمة للعالمين فأجعلها عليهم صلاة يوم القيامة فوالله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر فهذا من سلمان حسن من النظر فهو جار في مسألتنا فإن قيل فالبدع مأمور باجتنابها واجتناب أهلها والتحذير منهم والتشديد بهم وتقبيح ما هم عليه فكيف يكون ذكر ذلك والتنبيه عليه غير جائز فالجواب أن النبي ﷺ نبه في الجملة عليهم إلا القليل منهم كالخوارج ونبه على البدع من غير تفصيل وأن الأمة ستفترق على تلك العدة المذكورة وأشار إلى خواص عامة فيهم وخاصة ولم يصرح بالتعيين غالبا تصريحا لقطع العذر ولا ذكر فيهم علامة قاطعة لا تلتبس فنحن أولى
стр. 1041
٢٦١٧ - لَاكِنَّ ذَا تَظَاهُرٍ مَقْصُودِ … يُقْصَدُ بِالتَّأْدِيبِ وَالتَّشْرِيدِ
" فصل "
٢٦١٨ - ثُمَّ لَهَا عَلَامَةٌ جُمْلِيَّةْ … حَاصِلُهَا مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِيَّةْ
بذلك معشر الأمة وما ذكره المتقدمون من ذلك فبحسب فحش تلك البدع وأنها لاحقة في جواز ذكرها بالخوارج ونحوهم مع أن التعيين إذا كان بحسب الاجتهاد فهو ممكن أن يكون هو المراد في نفس الأمر أو بعضه فمن بلغ رتبة الاجتهاد اجتهد والأصل ما تقدم من الستر حتى يظهر أمر فيكون له حكمه ويبقى النظر هل هذا الظاهر من جملة ما يدخل تحت الحديث أم لا؟ فهو موضع اجتهاد وأيضا فإن البدع المحدثة تختلف فليست كلها في مرتبة واحدة في الضلال ألا ترى أن بدعة الخوارج مباينة غاية المباينة لبدعة التثويب بالصلاة التي قال فيها مالك التثويب ضلال وقد قسم المتقدمون البدع إلى ما هو مكروه وإلى ما هو محرم ولو كانت عندهم على سواء لكانت قسما واحدا وإذا كان كذلك فالبدع التى تفترق بها الأمة مختلفة الرتب في القبح وبسبب ذلك يظهر أنها كثيرة جدا وما في الحديث محصور فيمكن أن يكون بعضها غير داخل في الحديث أو يكون بعضها جزءا من بدعة فوقها أعظم منها أو لا تكون داخلة من حيث هي عند العلماء من قبيل المكروه فصار القطع على خصوصياتها فيه نظر واشتباه فلا يقدم على ذلك إلا ببرهان قاطع وهذا كالمعدوم فيها فمن هذه الجهات صار الأولى ترك التعيين فيها (١).
"لاكن" من كان "ذا تظاهر" وإبراز لبدعة "مقصود"، إذ يجاهر بها ويذيعها في الناس فإنه "يقصد" ويصار إلى ردعه وزجره "بالتأديب والتشريد" وهو النفي إلى مواطن يكف فيه شره، ومنكره.
"فصل"
"ثم" تقرر هذا الذي ذكر من حكم هذه الفرق يصار إلى ذكر أمر مهم في هذا الشأن وهو أن هذه الفرق "لها علامة" يعني علامات وخواص "جملية" كلية، وعلامات وخواص تفصيلة، أما الجملية فـ "حاصلها من جهة" العلامة "الوصفية" ينحصر
стр. 1042
٢٦١٩ - فِي الافْتِرَاقِ وَفِي الاقْتِفَاءِ … لِلْمُتَشَابِهَاتِ بِالأهْوَاءِ
" في" ثلاث صفات - علامات - إحداها: "الافتراق" الذي نبه عليه قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]- وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] وغير ذلك من الأدلة، قال بعض المفسرين: صاروا فرقا لاتباع أهوائهم، وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم فافترقوا، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ ثم برأه الله منهم بقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وهم أصحاب البدع والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا رسوله قال ووجدنا أصحاب رسول الله ﷺ من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ولم يفترقوا ولم يصيروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين وإنما اختلفوا فما أذن لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصا واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به كاختلاف أبي بكر وعمر وزيد في الجد مع الأم وقول عمر وعلي في أمهات الأولاد وخلافهم في الفريضة المشتركة وخلافهم في الطلاق قبل النكاح وفي البيوع وغير ذلك مما اختلفوا فيه وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة فلما حدثت المرذية التي حذر منها رسول الله ﷺ وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا شيعا دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التى ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه.
قال فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء وأنها التي عنى رسول الله ﷺ بتفسير الآية وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وقد تقدمت فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى هذا ما قالوه وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين وهذه الخاصية موجودة في كل فرقة من تلك الفرق ألا ترى كيف كانت ظاهرة في الخوارج الذين أخبر بهم النبي ﵊ في قوله يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وأي فرقة توازي هذا إلا الفرقة التى بين أهل الإسلام
стр. 1043
٢٦٢٠ - ثُمَّ عَلَامَاتٌ عَلَى التَّفْصِيلِ … بِحَسَبِ الآتِي مِنَ الدَّلِيلِ
وأهل الكفر وهكذا تجد الأمر في سائر من عرف من الفرق أو من ادعى ذلك فيهم. (١)
"و" ثانية هذه الصفات ذهابهم "في" سبيل "الاقتفاء" والاتباع "للمتشابهات" الذي
بين حكمة في قوله -: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فجعل أهل الزيغ والميل عن الحق من شأنهم اتباع المتشابهات، وقال ﵊: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". أما ثالثة هذه الصفات فإنها الحكم "بـ" اتباع "الأهواء" والخضوع لسلطانها، الذي حذر الشارع الحكيم منه ونهى عن إتيانه قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقال - سبحانه -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] إلا أن هذه الخاصية راجعة إلى كل أحد في خاصة نفسه، لأنها أمر باطن، فلا يعرفها غير صاحبها، إلا أن يكون عليها دليل في الظاهر، والتي قبلها راجعة إلى العلماء الراسخين في العلم لأن بيان المحكم والمتشابه راجع إليهم، فهم يعرفونها، ويعرفون أهلها بمعرفتهم لها، والتي قبلها تعم جميع العقلاء من أهل الإسلام، لأن التواصل والتقاطع معروف للناس كلهم وبمعرفته يعرف أهله هذه هي العلامات الجملية الكلية التي تتفرع عنها علامات تفصيلية متعددة، وقد لا تنحصر، وبهذا سميت جملية وكلية، "ثم" لهذه الفرق كذلك "علامات" تعتبر أفعالا وأقوالا وتصرفات خاصة بفرقة وبذلك توصف بأنها واردة "على" وجه "التفصيل" في كل فرقة على حدة وهي تعلم وتدرك "بحسب الآتي من الدليل" الشرعي فيها، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] إلى قوله سبحانه: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٦، ١١٧] الآية وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى آخرها وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧] الآية وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
стр. 1044
" فصل "
٢٦٢١ - وَالْعِلْمُ قِسْمَانِ فَقِسْمٌ نَشْرُهُ … مُطَّلَبٌ وَلَا يَجُوزُ سَتْرُهُ
٢٦٢٢ - وَذَاكَ جُلُّ الْعِلْمِ بِالْمَشْرُوعِ … فَكَتْمُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَمْنُوعِ
٢٦٢٣ - ثَانِيهِمَا مَا نَشْرُهُ لَا يُطْلَبُ … مُطْلَقًا أَوْ فِي حَالَةٍ يُجْتَنَبُ
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] الآية وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] إلى آخر الآيتين وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] إلى قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا﴾ الآية وقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] إلى غير ذلك مما نبه عليه القرآن الحكيم وكذلك في الحديث كقوله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وكذلك ما تقدم ذكره في قسم زلة العالم وغيره مما في الأحاديث المختصة بهذا المعنى وإنما نبه عليها لتنبيه الشرع عليها ولم يصرح بها على الإطلاق لماتقدم ذكره فمن تهدى إليها فذاك وإلا فلا عليه أن لا يعلمها والله الموفق للصواب (١).
"فصل"
في أنه ليس كل ما لا يعلم أنه هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة، "و" بيان ذلك أن "العلم" من حيث طلب نشره وعدمه "قسمان": أحدهما: "قسم نشره" وبثه في الناس "يطلب" - بتشديد الطاء - شرعا "ولا يجوز ستره" أي إخفاؤه "وذاك" هو "جل" وغالب "العلم بالمشروع" يعني العلم بالأحكام والمقاصد والأسرار الشرعية "فـ" هذا القسم "كتمه" عن الخلق "من جملة الممنوع" والمحظور شرعا.
"ثانيهما" أي القسمين هو "ما" أي الذي "نشره" وبثه في الناس "لا يطلب" شرعا "مطلقا" في جميع الأحوال إذ لا يتعلق به حكم تكليفي "أو" لا يتطلب نشره "في حالة" معينة أو وقت أوفي حق شخص معين فقط بل يجب أن "يجتنب" نشره في ذلك كله دون
стр. 1045
٢٦٢٤ - كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَالتَّبْيِينِ … لِحَالَةِ الْفِرَقِ بِالتَّعْيِينِ
ما سواه من الحالات والأزمات، فإنه يسوغ نشره فيه وذلك الذي لا يسوغ نشره هو كل ما يكون نشره لا يفيد علما نافعا، ولا عملا، وذلك كـ "المتشابهات" والكلام فيها، فأن الله - تعالى - من اتبعها، فإذا ذكرت، وعرضت للكلام فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو منهى عنه.
"و" منه كذلك "التبيين لحاله الفرق" وتنزيل ما قد يكون واردا فيها عليها "بالتعيين" لها وذكرها بأعلامها - أي بأسمائها التي تعينها - وأما يخص نشره بحال أو قوع وزمان فمن أمثلثه ما في الصحيح عن معاذ أن ﵊ قال: يا معاذ تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ الحديث إلى أن قال: قلت يا رسول أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا).
وفي حديث آخر عن معاذ في مثله قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها فيستبشروا؟ فقال: (إذا يتكلوا) قال أنس فأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
ونحو من هذا عن عمر بن الخطاب مع أبي هريرة أنظره في كتاب مسلم والبخاري فإنه قال فيه عمر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا به قلبه بشره بالجنة قال نعم قال فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون فقال رسول الله ﷺ : فخلهم وحديث ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف قال لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجلا فقال: (إن فلانا يقول لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا فقال عمر لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون يغضبونهم قلت لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس ويغلبون على مجلسك فأخاف أن لا ينزلها على وجهها فيطيروا بها كل مطير وأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ويحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها) فقال: (والله لأقومن في أول مقام أقومه بالمدينة) الحديث.
ومنه حديث سلمان مع حذيفة وقد تقدم (١).
стр. 1046
٢٦٢٥ - وَبَتِّ عِلْمِ الْمُنْتَهِي لِلْمُبْتَدِى … وَعِلَلِ التَّشْرِيعِ لِلْمُقَلِّدِ
٢٦٢٦ - وَذِكْرِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ عَمَلُ … وَمَا بِالاسْتِنْبَاطِ فَرْضًا يُنْقَلُ
" و" منه كذلك "بت" تعليم "علم" الشرائع الذي هو حظ "المنتهي" يعلمه "لـ" لشخص "المبتدي" الذي لا طاقة له بفهمه وإدراكه على الوجه الصحيح، والمطلوب في حقيقة الأمر أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وأن يربى بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها وإن كانت صحيحة في نظر الفقه، كما ذكر عز الدين بن عبد السلام في مسألة الدور في الطلاق التي مدارها على قول الزوج لزوجته إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاث، وإنما منع الفتيا بذلك لما يؤدي إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق، وهو مفسدة.
"و" منه - أيضا - الانشغال والبحث عن "علل" مسائل الفقه وحكم "التشريع" وأسراره بالنسبة "للمقلد" الذي لا قدرة له على النظر الفقهي الصحيح والاجتهاد، وإن كان لذلك كله علل صحيحة وحكم قائمة ثابتة، مستقيمة، ولذلك أنكرت عائشة ﵂ على من قالت: لم تقضِ الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: أحرورية أنت؟
"و" منه - كذلك - "ذكر ما ليس" ينبني "عليه عمل" بدني أو نفسي مطلوب شرعا، وقد ضرب عمر بن الخطاب صبيغا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل وربما أوقع خيالا وفتنة وإن كان صحيحا وتلا قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال هذه الفاكهة فما الأب؟ ثم قال ما أمرنا بهذا إلى غير ذلك مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر وإن كان حقا. وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها ولا حدث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، وأخبر عمن تقدمه أنهم كانوا يكرهون ذلك (١).
"و" منه أيضا ذكر "ما" أي الذي يحصل "بالاستنباط" والاستخراج من الأدلة "فرضا" أي مفروضا ومقدرا، و"ينقل" به، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا به وإن كانت صحيحة في نظر الفقه كما ذكر عز الدين بن عبد السلام في مسألة الدور
стр. 1047
" تنبيه "
٢٦٢٧ - أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ الْمُضِلَّةْ … مِنْ جُمْلَةِ الأُمَّةِ بِالأَدِلَّةْ
٢٦٢٨ - وَمَا أَتَى التَّكْفِيرُ فِيهِ مِنْها … فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِذْ ذَا عَنْهَا
في الطلاق لما يؤدي إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق وهو مفسدة (١).
"تنبيه": في بيان "أن جميع الفرق" الإسلامية الضالة "المضلة" هي "من جملة" هذه "الأمة" وذلك أمر ثابت "بالأدلة" الشرعية الدالة عليه، ومن ذلك قوله ﷺ : "تفترق أمتي" فإنه لو كانت ببدعتها تخرج من الأمة لم يضمها إليها وقد جاء في الخوارج في هذه الأمة كذا فأتى بفي المقتضية أنها فيها وفي جملتها وقال في الحديث وتتمارى في الفوق ولو كانوا خارجين من الأمة لم يقع تمار في كفرهم ولقال إنهم كفروا بعد إسلامهم، فإن قيل فقد اختلف العلماء في تكفير أهل البدع كالخوارج والقدرية وغيرهما: الجواب أنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل دلالة قطعية على خروجهم عن الإسلام والأصل بقاؤه حتى يدل دليل على خلافه (٢).
"و" إن قلنا بأنه أتى الدليل الشرعي بتكفير بعضها، فإن "ما أتى التكفير فيه منها" ثابتا "فإنه يخرج" عن هذه الفرق، إذ ليس منها "إذ ذا" ك، بل هو منفصل "عنها" بائن منها، لأن الفرق من لم تؤدهم بدعتهم إلى الكفر، إنما أبقت عليهم من أوصاف الإسلام ما دخلوا به في أهله، والأمر بالقتل في حديث الخوارج لا يدل على الكفر إذ للقتل أسباب غير الكفر كقتل المحارب والفئة الباغية بغير تأويل وما أشبه ذلك فالحق أن لا يحكم بكفر من هذا سبيله، وبهذا كله يتبين أن التعيين في دخولهم تحت مقتضى الحديث صعب وأنه أمر اجتهادي لا قطع فيه إلا ما دل عليه الدليل القاطع للعذر وما أعز وجود مثله (٣).
стр. 1048
" المسألة العاشرة "
٢٦٢٩ - ثُمَّ لِلَافْعَالِ مَئَالٌ مُعْتَبَرْ … فِي الشَّرْعِ مَقْصُودٌ لَهُ فِيهِ النَّظَرْ
٢٦٣٠ - وَذَاكَ فِي الَافْعَالِ بِالإِطْلَاقِ … عَلَى الخِلَافٍ أَوْ عَلَى الوِفَاقِ
٢٦٣١ - وَذَا بِالإِسْتِقْرَاءِ صَحَّ وَالنَّظَرْ … وَمِنْ أَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالْخَبَرْ
" المسألة العاشرة"
في ذكر "ثم" بيان أن النظر "للأفعال" من حيث ما تؤول إليه من "مئال" هو أمر معتد به "معتبر في" بناء حكم "الشرع" فيها معرفته، إذ هو أمر "مقصود له" أي للشرع يعني لصاحب الشرع "فيه" أي في المئال المذكور "النظر" والاعتبار "وذاك" جار حكمه "في الأفعال" كلها "بالإطلاق" أي سواء كانت "على الخلاف" أي خلاف الشريعة "أو" كانت "على الوفاق" لها وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة (١).
"وذا" الأمر - واعتبار مئالات الأفعال والنظر إليها ثابت "بـ" أمور: أحدها "الاستقراء" التام للأحكام الشرعية وأدلتها فإن ذلك "صح" به هذا الأمر وتقرر، وذلك أن المئالات معتبرة في أصل كما سنقف عليه في الأدلة النصية الآتية، "و" ثانيهما "النظر" ومقتضى العقل في هذا الموضوع وذلك أن مئالات الأعمال إما أن تكون معتبرة شرعا أو غير معتبرة فإن اعتبرت فهو المطلوب وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مئالات مضادة لمقصود تلك
стр. 1049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأعمال وذلك غير صحيح لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد ولا مصلحة تتوقع مطلقا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد، وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى أن لا نتطلب مصلحة بفعل مشروع ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع وهو خلاف وضع الشريعة كما سبق (١) ثم إن التكاليف - كما تقدم - مشروعة لمصالح العباد، إما دنيوية، وإما أخروية، أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم وأما الدنيوية فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع والمسببات هي مئالات الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب وهو معنى النظر في المآلات (٢) "و" ثالثها ما ورد "من أدلة الكتاب" العزيز على ذلك "و" كذلك ما ورد من "الخبر" النبوي دالا عليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] الآية وقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وقوله ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة وأما في المسألة على الخصوص فكثير، فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقوله لولا قومك حديث عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم بمقتضى هذا أفتى مالك الأمير حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله هذا معنى الكلام دون لفظه وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه حتى يتم بوله وقال: "لا تزرموه" وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفا من الانقطاع وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعا لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة أو ممنوعا لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها سماح تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز فالأصل على المشروعية لكن مآله غير
стр. 1050
٢٦٣٢ - وَهْوَ أَمر صَعْبٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ … لَاكِنَّهُ مِنْ بَعْدُ عَذْبُ الْمَوْرِدِ
" فصل "
٢٦٣٣ - وَهَذَا الَاصْلُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ … قَوَاعِدٌ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ
٢٦٣٤ - كَالرَّعْيِ لِلخِلَافِ وَالذَّرَائِعِ … وَأَصْلْ الاسْتِحْسَانِ فِي الْمَوَاقِعِ
مشروع والأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج كلها فإن غالبها في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرفق المشروع. ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة اختلف الناس بزعمهم فيها وهي متفق عليها بين العلماء فافهموها وادخروها (١).
"و" هذا الأمر و"هو" هذا الاعتبار والنظر "أمر صعب" وشاق "على" الفقيه "المجتهد لكنه" كما تقدم ذكره "من بعد" ذلك ومن وراءه "عذب" وحلو "المورد" والمشرب.
"فصل"
"وهذا الأصل" المذكور - وهو وجوب اعتبار مآلات الأفعال والنظر إليها "ينبني عليه" وتؤسس "قواعد" فرعية "راجعة إليه".
وذلك "كـ" قاعدة "الرعي للخلاف" الفقهي في بناء الأحكام وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت فلا يكون إيقاعها من المكلف سببا في الحيف عليه بزائد على ما شرع الله له من الزواجر، أو غيرها، كالغصب - مثلا - إذا وقع فإن المغصوب منه لا بد أن يوفي حقه، لكن على وجه لا يؤدي إلى إضرار الغاصب فوق ما يليق به في العدل والإنصاف، فإذا طولب الغاصب بأداء ما غصب أو قيمته أو مثله وكان ذلك من غير زيادة صح، فلو قصد فيه حمل على الغاصب لم يلزم، لأن العدل هو المطلوب ويصح إقامة العدل مع عدم الزيادة. وكذلك الزاني إذا حد لا يزاد عليه بسبب جنايته، لأنه ظلم له. وكونه جانيا لا يجني عليه زائدا على الحد الموازي لجنايته، إلى غير ذلك من الأمثلة الدالة على منع التعدي أخذا من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ونحو ذلك. وإذا ثبت هذا فمن واقع منهيا عنه فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة أو مؤد إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي فيترك وما فعل من ذلك أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل نظرا إلى أن ذلك الواقع واقع المكلف فيه دليلا على الجملة وإن كان مرجوحا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن من القرائن المرجحة كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد إبراهيم وحديث قتل المنافقين وحديث البائل في المسجد فإن النبي ﷺ أمر بتركه حتى يتم بوله لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث عليه من ذلك داء في بدنه فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر وبأنه ينجس موضعين وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد وفي الحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" ثم قال: فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها، وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب للولد وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى الصحيح في هذه الأحكام وفي حرمة المصاهرة وغير ذلك دليل على الحكم بصحته على الجملة وإلا كان في حكم الزنى وليس في حكمه باتفاق، فالنكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول مراعاة لما يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح جانب التصحيح، وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي مفسدة النهي أو تزيد ولما بعد الوقوع دليل عام مرجح تقدم الكلام على أصله في كتاب المقاصد وهو أن العامل بالجهل مخطئا في عمله له نظران نظر من جهة مخالفته للأمر والنهي وهذا يقتضي الإبطال ونظر من جهة قصده إلى الموافقة في الجملة لأنه داخل مداخل أهل الإسلام ومحكوم له بأحكامهم وخطؤه أو جهله لا يجني عليه أن يخرج به عن حكم أهل الإسلام بل يتلافى له حكم يصحح له به ما أفسده بخطئه وجهله وهكذا لو تعمد الإفساد لم يخرج بذلك عن الحكم له بأحكام الإسلام لأنه مسلم لم يعاند الشارع بل اتبع شهوته غافلا عما عليه في ذلك ولذلك قال تعالى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] الآية وقالوا إن المسلم لا يعصي إلا وهو جاهل فجرى عليه حكم الجاهل إلا أن يترجح جانب الإبطال
стр. 1052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالأمر الواضح فيكون إذ ذاك جانب التصحيح ليس له مآل يساوي أو يزيد فإذ ذاك لا نظر في المسألة مع أنه لم يترجح جانب الإبطال إلا بعد النظر في المآل وهو المطلوب (١).
"و" منها - كذلك - قاعدة سد "الذرائع" ومنع الوسائل المفضية إلى الحرام، وإن كانت تلك الوسائل حلالا باعتبار أصلها، وهذه القاعدة قد حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه، لأن المفسدة لا يخفى أن المصلحة المتروك فيها محققة، والمفسدة المتروكة من أجلها مظنوة، ومع ذلك حكمها مالك ﵀ في أكثر أبواب الفقه لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة فإن عاقد البيع أولا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهر الجواز من جهة ما يتسبب عن البيع من المصالح على الجملة فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديا إلى بيع خمسة نقدا بعشرة إلى أجل بأن يشترى البائع سلعته من مشتريها بخمسة نقدا فقد صار مآل هذا العمل إلى أن باع صاحب السلعة من مشتريها منه خمسة نقدا بعشرة إلى أجل والسلعة لغو لا معنى لها في هذا العمل لأن المصالح التى لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شئ ولكن هذا بشرط أن يظهر لذلك قصد ويكثر في الناس بمقتضى العادة، ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي فإنه اعتبر المآل أيضا، لأن البيع إذا كان مصلحة جاز، وما فعل من البيع الثاني فتحصيل لمصلحة أخرى منفردة عن الأولى، فكل عقدة منهما لها مآلها، ومآلها في ظاهر أحكام الإسلام مصلحة فلا مانع على هذا إذ ليس ثم مآل هو مفسدة على هذا التقدير، ولكن هذا بشرط أن لا يظهر قصد إلى المآل الممنوع، ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان بإطلاق، واتفقوا في خصوص المسألة على أنه لا يجوز سب الأصنام حيث يكون سببا في سب الله، عملا بمقتضى قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وأشباه ذلك من المسائل التى اتفق مالك مع الشافعي على منع التوسل فيها وأيضا فلا يصح أن يقول الشافعي إنه يجوز التدرع إلى الربا بحال إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع ومالك يتهم بسبب ظهور فعل اللغو وهو دال على القصد إلى الممنوع فقد ظهر أن قاعدة الذرائع متفق على
стр. 1053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اعتبارها في الجملة وإنما الخلاف في أمر آخر (١).
"و" منها كذلك "أصل الاستحسان" وقاعدته الجاري حكمه "في المواقع" والمواضع التي يعمل به فيها وهو - أي الإحسان المذكور - في مذهب مالك الآخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتض القياس فيها.
أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك وكثير ما يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر وله في الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلا فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل ولكنه أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين ومثله بيع العرية بخرصها تمرا فإنه بيع الرطب باليابس لكنه أبيح لما فيه من الرفق ورفع الحرج بالنسبة إلى المعري والمعرى ولو امتنع مطلقا لكان وسيلة لمنع الإعراء كما أن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر وقصر الصلاة والفطر في السفر الطويل وصلاة الخوف وسائر الترخصات التي على هذا السبيل فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص حيث كان الدليل العام يقتضي منع ذلك لأنا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة فكان من الواجب رعى ذلك المآل إلى أقصاه ومثله الإطلاع على العورات في التداوي والقراض والمساقاة وإن كان الدليل العام يقتضي المنع وأشياء من هذا القبيل كثيرة هذا نمط من الأدلة الدالة على صحة القول بهذه القاعدة وعليها بنى مالك وأصحابه وقد قال ابن العربي في تفسير
стр. 1054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاستحسان بأنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثاء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته ثم جعله أقساما فمنه ترك الدليل للعرف كرد الأيمان إلى العرف وتركه إلى المصلحة كتضمين الأجير المشترك أو تركه للإجماع كإيجاب الغرم على من قط ذنب بغلة القاضي وتركه في اليسير لتفاهته لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق كإجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة وإجازة بيع وصرف في اليسير وقال في أحكام القرآن الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، فالعموم إذا استمر والقياس إذا اطرد فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس ويريان معا تخصيص القياس ونقض العلة ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصا وهذا الذي قال هو نظر في مآلات الأحكام من غير اقتصار على مقتضى الدليل العام والقياس العام.
وفي المذهب المالكي من هذا المعنى كثيرا جدا وفي العتبيه من سماع أصبغ في الشريكين يطآن الأمة في طهر واحد فتأتي بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر أنه يكشف منكر الولد عن وطئه الذي أقر به فإن كان في صفته ما يمكن فيه الإنزال لم يلتفت إلى إنكاره وكان كما لو اشتركا فيه وإن كان يدعي العزل من الوطء الذي أقر به فقال أصبغ إني أستحسن هنا أن ألحقه بالآخر والقياس أن يكونا سواء فلعله غلب ولا يدري وقد قال عمرو بن العاص في نحو هذا إن الوكاء قد يتفلت قال والاستحسان في العلم قد يكون أغلب من القياس قال وقد سمعت ابن القاسم يقول ويروي عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان فهذا كله يوضح لك أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها إذ لو استمر على القياس هنا كان الشريكان بمنزلة ما لو كانا يعزلان أو ينزلان لأن العزل لا حكم له إذ أقر الوطء ولا فرق بين العزل وعدمه في إلحاق الولد لكن الاستحسان ما قال لأن الغالب أن الولد يكون مع الإنزال ولا يكون مع العزل إلا نادرا فأجرى الحكم على الغالب وهو مقتضى ما تقدم فلو لم يعتبر المآل في جريان الدليل لم يفرق بين العزل والإنزال وقد بالغ أصبغ في الاستحسان حتى قال إن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة وإن الاستحسان عماد
стр. 1055
٢٦٣٥ - وَكُلُّهَا مَعْدُودَةٌ لِمَالِكِ … فِيمَا لَهُ مِنْ حَسَنِ الْمَدَارِكِ
٢٦٣٦ - وَرَاجِعٌ إِلَيْهِ بَابُ الْحِيَلِ … لِقَلْبِ حُكْمٍ وَسُقُوطِ الْعَمَلِ
العلم والأدلة المذكورة تعضد ما قال (١).
"و" هذه القواعد - الأصول - "كلها معدودة" الإمام "لمالك" بن أنس ﵀ يعني أنه منسوب إليه العمل بمقتضاها، وذلك معدود "فيما" يعد "له" ويحسب له "من حسن" الأصول وصحيح "المدارك" - جمع مدرك بضم الميم - وهو الدليل الذي يدرك من النظر فيه العلم المطلوب منه والذي يدل عليه.
"و" كذلك "راجع إليه" إلى هذا الأصل - وهو النظر في المئالات واعتبارها - أمر "باب الحيل" التي حقيقتها - في واقع الأمر - السعي "لقلب حكم" شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر "و" السعي إلى "سقوط العمل" المطلوب الإتيان به شرعا وعلى كل حال مئال العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزكاة فإن أصل الهبة على الجواز ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعا فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة وهو مفسدة ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية، ومن أجاز الحيل كأبي حنيفة فإنه اعتبر المآل أيضا لكن على حكم الإنفراد فإن الهبة على أي قصد كانت مبطلة لإيجاب الزكاة كإنفاق المال عند رأس الحول وأداء الدين منه وشراء العروض به وغيرها مما لا تجب فيه زكاة وهذا الإبطال صحيح جائز لأنه مصلحة عائدة على الواهب والمنفق لكن هذا بشرط أن لا يقصد إبطال الحكم فإن هذا القصد بخصوصه ممنوع لأنه عناد للشارع كما إذا امتنع من أداء الزكاة فلا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحا ممنوع وأما إبطالها ضمنا فلا وإلا امتنعت الهبة عند رأس الحول مطلقا ولا يقول بهذا واحد منهم ولذلك اتفقوا على تحريم القصد بالإيمان والصلاة وغيرهما إلى مجرد إحراز النفس والمال كالمنافقين والمرائين وما أشبه ذلك وبهذا يظهر أن التحيل على الأحكام الشرعية باطل على الجملة نظرا إلى المآل والخلاف إنما وقع في أمر آخر (٢).