← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

كِتَابُ الاجْتِهَادِ ٢٥١٨ - وَيَرْجِعُ القَصْدُ بِحَيْثُ اجْتُهِدَا … إِلَى اجْتِهَادٍ وَلِفَتْوىً وَاقْتِدَا ٢٥١٩ - فَانْحَصَرَ الْكَلَامُ فِي أَطْرَافِ … ثَلَاثَةٍ بَيَانُهَا يُوَافِي الطَّرَفُ الأَوَّلُ فيما يتعلق بالمجتهد من جهة الاجتهاد وفيه مسائل " المسألة الأولى " كتاب الاجتهاد كتاب بيان الاجتهاد وأحواله والاجتهاد هو استفراغ الفقيه الجهد في استنباط الحكم من الدليل الشرعي "ويرجع القصد" من البحث والنظر في هذا الكتاب المعقود "بحيث اجتهدا" يعني في أي موضع وقع الاجتهاد "إلى" المجتهد من جهة "اجتهاد"ـه وأحواله وهذا هو الطرف الأول، "و" كذلك يرجع "لفتوى"ـه. وهو الطرف الثاني "و" يرجع كذلك إلى إعمال قوله والـ"اقتدا"ء به. "فانحصر" بذلك "الكلام" هنا - في هذا الكتاب - "في" مواضيع هي "أطراف" وأجزاء هذا الكتاب، وهي "ثلاثة" كما ترى، "بيانها" وإيضاحها يأتي و"يوافي" على الولاء والتتابع. ويبدأ ببيان "الطرف الأول" منها، وهو - كما تقدم - محصور "فيما يتعلق بالمجتهد من جهة" ما يأتيه من أصناف "الاجتهاد" وأضربه، و"فيه" يعني وفي سبيل هذا الطرف نورد "مسائل" وهي أربعة عشرة مسألة: "المسألة الأولى" منها في أن الاجتهاد ليس صنفا واحدا.

стр. 982

٢٥٢٠ - الاجْتِهَادُ كُلُّهُ ضَرْبَانِ … مُتَّصِلُ الْحُكْمِ مَدَى الزَّمَانِ ٢٥٢١ - دُونَ انْقِطَاعٍ وَهْوَ مَا تَعَلَّقَا … بِحَيْثُ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أُطْلِقَا ٢٥٢٢ - وَأَنَّهُ لَا خُلْفَ فِي قَبُولهِ … كَكُلِّ مَا يُؤْخَذُ مِن دَلِيلِهِ ٢٥٢٣ - مُسْتَدْعِيًا لِلْبَحْثِ فِي تَعْيِينِ … مَحَلِّهِ بِمُوجِبٍ تَبْيِينِي ٢٥٢٤ - كَمِثْلِ فَهْمِ مُدَّعِ مِنْ مُدَّعَا … عَلَيْهِ فَي يُنْفِذَ مَا قَدْ شُرِعَا وبيان ذلك أن "الاجتهاد" من دوامه وانقطاعه "على ضربين" أحدهما: الاجتهاد الذي لا ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة، وبذلك "فهو متصل الحكم" دائما "مدى الزمان" والدهر. "و" هذا الضرب "هو ما" من الاجتهاد "تعلقا" - الألف للإطلاق - "بحيث تحقيق المناط" يعني بتحقيق المناط الذي "أطلقا" - الإلف للإطلاق - "و" هذا الضرب قد تقرر "أنه لا خلف" بين جمهور الأمة "في قبوله كـ" ما لا خلف بينهم في قبول "كل ما" يفيده من الأحكام و"يؤخذ من دليله" يعني من دلالته ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله، وبذلك يكون واقع الحال في هذا المحل "مستدعيا" وطالبا "للبحث" والنظر "في تعيين" موضع هذا الحكم و"محله بـ" ما يعينه من دليل و"موجب تبييني" وتوضيحي مظهر للأنظار والعقول وجه ذلك التعيين وما يحققه من دلالة ويثبته من صفة عادية أو شرعية، وذلك "كمثل فهم" وإدراك من هو "مدع" و"من" هو "مدعى عليه" والتمييز بينهما في مجرى التقاضي والتنازع وهذا الفهم والتمييز مطلوب، على سبيل التعيين وذلك "كي ينفد ما قد شرعا" - الألف للإطلاق - في حقهما. ومعلوم أن المالكية قد رجحوا أن المدعي هو من قوله مجرد من أصل أو عرف يشهد له، والمدعى عليه بعكسه، إلا أن العلم بهذا التفصيل لا يبين لك من هو المدعي ومن هو المدعى عليه حتى ينظر في حال دعواهما وصفتها وتسمع لما يقولان في شأنها، وما يوصل إلى التصور التام لها مع البحث عن قرائن الأحوال التي قد تعلم بها حقيقة الأمر في ذلك، وهذا متوقف إدراكه على استفراغ الجهد. ومن ذلك أن الشارع لما قال: "واشهدوا ذوي عدل منكم" وثبت عندنا معنى العدالة افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، "وليس الناس في وصف العدالة

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على حد سواء، بل ذلك يختلف اختلافًا متباينًا، فإنا إذا تأملنا العدول وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة: طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كأبي بكر الصديق. و"طرف آخر" وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحدودين فيها. "وبينهما" مراتب لا تنحصر. وهذا الوسط غامض، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع، وهو الاجتهاد (١). فهذا مما يفتقر إليه الحاكم في كل شاهد، كما إذا أوصى بماله للفقراء، فلا شك أن من الناس من لا شي له، فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية ومنهم من لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصابا. وبينهما وسائط، كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه: هل الغالب عليه حكم الفقر أو حكم الغنى؟ وكذلك في فرض نفقات الزوجات والقرابات، إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق، وحال الوقت إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها. فلا يمكن أن يستغني هاهنا بالتقليد، لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير وإن لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا. فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد. وكذلك وإن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها، فلا بد من النظر في كونها مثلها أولا، وهو نظر اجتهاد أيضا وكذلك القول فيما فيه حكومة من أروش الجنايات، وقيم المتلفات. ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضربين، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين. فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل؟ فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر أصعب، وهذا كله بين لمن شدا في

стр. 984

٢٥٢٥ - وَلَا غِنَى عَنْهُ لِكُلِّ مُجْتَهِدْ … بَلْ لِلمُكَلَّفِينَ حُكْمُهُ اعْتُمِدْ ٢٥٢٦ - وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذَا يَرْتَفِعْ … لَارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ وَهْوَ مُمْتَنِعْ العلم: ومن القواعد القضائية "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" فالقاضي لا يمكنه الحكم في واقعة - بل لا يمكنه توجيه الحجاج ولا طلب الخصوم بما عليهم - إلا بعد فهم المدعي من المدعى عليه، وهو أصل القضاء ولا يتعين ذلك إلا بنظر واجتهاد ورد الدعاوى إلى الأدلة، وهو تحقيق المناط بعينه (١). فالحاصل أنه لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت بل بالنسبة إلى كل مكلف في نفسه؛ فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهوا من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة وإن كانت كثيرة فلا. فوقعت له في صلاته زيادة، فلا بد له من النظر فيها حتى يردها إلى أحد القسمين، ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر. فإذا تعين له قسمها تحقق له مناط الحكم فأجراه عليه. وكذلك سائر تكليفاته. ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة. فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون. وكله اجتهاد" (٢). "و" هذا الضرب من الاجتهاد "لا غنى عنه لكل مجتهد" سواء كان قاضيا أو مفتيا، "بل" لا غنى عنه "للمكلفين" لأنه "حكمه اعتمد" وقصد دخوله في شأن التكليف، وتحصيل المكلف به كالصلاة والزكاة، ومصارفها، وما تجري فيه صحته وما لا تجري فيه وكل ما وضع الشرع حقائقه وأوكل إلى المكلف العلم بمواضعها، وما تتحقق فيه من صور، وأحوال. "ولو فرضنا" جدلا "أن هذا" الضرب من الاجتهاد "يرتفع" وينقطع "لارتفع التكليف" الشرعي عن العباد "وهو" أمر "ممتنع" ومحال، فإن فرض ارتفاعه مع بقاء التكليف فإن ذا يوجب التكليف بالمحال، المعلوم امتناعه شرعا، وعقلا، وهذا واضح في هذه المسألة.

стр. 985

٢٥٢٧ - وَبَعْضُهُ صَحَّ بِهِ التَّقْلِيدُ … فِيمَا فِي الأنْوَاعِ لَهُ وُجُودُ ٢٥٢٨ - لَاكِنَّ الاجْتِهَادَ فِي الأنْوَاعِ لَا … يَكْفِي فِي الأشْخَاصِ إِذَا تُؤُمِّلَا ٢٥٢٩ - ثَانِيهِمَا الْمُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَا … وَهْوَ إِلَى ثَلَاثَةٍ تَنَوَّعَا " و" قد يكون "بعضه" أي بعض هذا الضرب من الاجتهاد "صح به" يعني فيه "التقليد" وذلك "فيما" أي اجتهد فيه الأولون من تحقيق المناط إذا كان متوجها على الأنواع، لا على الأشخاص المعينة، فكان له "في" تلك الأنواع "وجود" وثبوت، وذلك كالمثل في جزاء الصيد فإن الذي جاء في الشريعة في ذلك هو قوله - تعالى -: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المَائدة: ٩٥] وهذا ظاهر في اعتبار المثل؛ إلا أن المثل لا بد من تعيين نوعه، وكونه مثلا لهذا النوع المقتول، ككون الكبش مثلا للضبع، والعنز مثلا للغزال، والعناق مثلا للأرنب، والبقرة مثلا للبقرة الوحشية، والشاة مثلا للشاة من الظباء. وكذلك الرقبة الواجبة في عتق الكفارات، والبلوغ في الغلام والجارية، وما أشبه ذلك (١). "لاكن الاجتهاد في الأنواع لا يكفي في "اجتهاد "الأشخاص" ولا يغني عنه "إذا تؤملا" واعتبر حاله. لأنه وإن كان قد علم أن الكبش مثل الضبع - مثلا - فإن معرفة الكبش المناسب بعينه ليكون مثلا للضبع المقتول متوقف على الاجتهاد والنظر ولا يغني عنه تقرر كون الكبش مثله، لأن الكبش يطلق على الكبير والصغير والهزيل، والسمين والصحيح، والمريض ولا بد من الاجتهاد في تعيين ما يصلح من ذلك في الجزاء، وتعيين ما لا يصلح منه لاعتبارات شرعية أو عرفية. وهذا الذي قيل في الكبش في هذا الموضوع يقال في غيره من البهائم الأخرى المذكورة بأنه يجري فيه جزاء الصيد. وإذا علم هذا فإنه لا بد من هذا الاجتهاد في كل زمان، إذ لا يمكن حصول التكليف إلا به، كما تقدم ذكره. هذا هو الضرب الأول وحاله. "ثانيهما" أي الضربين هو الاجتهاد "الممكن أن ينقطعا" - الألف للإطلاق - وإن يرتفع "و" هذا الضرب "هو إلى ثلاثة" من الأنواع "تنوعا" - الألف للإطلاق - النوع

стр. 986

٢٥٣٠ - الأوَّلُ التَّنْقِيحُ لِلْمَنَاطِ … فِي جُمْلَةِ أَوْصَافٍ بِهَا النَّصُّ حَفِي ٢٥٣١ - فَيَحْصُلُ التَّنْقِيحُ فِيهَا بِالنَّظَرْ … لِمَيْزِ مُلْغَىً شَأْنُهُ وَمُعْتَبَرْ ٢٥٣٢ - كَمِثْلِ مَا فِي قِصَّةِ الْمُوَافِي … مُنْتَهِكِ الصِّيَامِ مِنْ أَوْصَافِ ٢٥٣٣ - وَهْوَ مِنَ التَّأْوِيلِ لِلظَّوَاهِرِ … وَخَارجٌ عَنِ الْقِيَاسِ الصَّادِرِ " الأول" منها هو "التنقيح للمناط" الذي يتعلق به الحكم، ويناط به وجودًا وعدمًا وذلك أن يكون المعتبر في الحكم مذكورا "في جملة أوصاف" ورد "بها النص" المفيد. لذلك الحكم والمقتضى له و"حفي" بها - أي معتن بذكرها - ويصح أن يقرأ فعلا ماضيا أي - اعتنى بذكرها - "فيحصل" من المجتهد "التنقيح فيها" أي في تلك الأوصاف "بالنظر" وإعمال الذهن بما يحقق ذلك ويحصله من الطرق المبينة في مسالك العلة وذلك "لميز" ما هو "ملغى شأنه" من تلك الأوصاف وغير معتد به "و" ما هو "معتبر" منها لوجود المناسبة للحكم المذكور فيه، وهذا ظاهر بين جريانه في أمثلة متعددة وذلك "كمثل ما" ورد "في" نص "قصة" الأعرابي "الموافي" أي الآتي رسول الله ﷺ حال كونه "منتهك" حرمة "الصيام" - صيام رمضان - "من أوصاف" إذ ورد فيها - كما في الصحيح - أنه جاء وهو ينتف شعره ويضرب صدره يقول "أهلكت وهلكت واقعت أهلي في رمضان" فألغى وصف كونه أعرابيا ووصف كونه يضرب صدره وينتف شعره، ووصف كون الموطوءة زوجة، ووصف الوطء في القبل، لأن هذه الأوصاف لا تصلح للتعليل. والباقي الصالح للتعليل هو المجامعة في نهار رمضان عند الشافعي وأحمد، وعند مالك وأبي حنيفة الإفطار عمدا لما فيه من انتهاك حرمة رمضان. فقد نقحه أبو حنيفة ومالك مرتين والشافعي وأحمد مرة. وقد قسمه الغزالي إلى أقسام ثلاثة ذكرها "في شفا الغليل" وهو مبسوط الكلام فيه في كتب الأصول وقال الأصوليون أنه ليس من القياس "و" إنما "هو من التأويل للظواهر" أي ظواهر الألفاظ، وبيان معناها المقصود للشارع فيها، ولذلك قال به أبو حنيفة مع إنكاره القياس في الكفارات. "وخارج عن القياس الصادر" تشريعه من الشارع، وهو القياس المشهور، ونقل في كتب أصولية متعددة أن الغزالي قال: تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس ولا نعلم بين الأمة خلافا في جوازه، لكنه - أي الغزالي - متعقب في ذلك. وهذا مبسوط في كتب الأصول فلا حاجة إلى تطويل الكلام

стр. 987

٢٥٣٤ - الثَّانِ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ حَيْثُ مَا … لَمْ يَكُ نَصٌّ بِالْمَنَاطِ أَعْلَمَا ٢٥٣٥ - وَنيلَ بِالْبَحْثِ وَالاجْتِهَادِ … وَهْوَ قِيَاسِيٌّ فِي الاعْتِدَادِ ٢٥٣٦ - وَالثَّالِثُ التَّحْقِيقُ لِلْمَنَاطِ مَعْ … وُجُودِ تَخْصِيصٍ بِهِ الْفَرْقُ يَقَعْ ٢٥٣٧ - كَأَنَّه تَحَقُّقٌ مَنَاطَ مَا … مَنَاطُ حُكْمِهِ الأَعَمُّ عُلِمَا فيه، وإنما ذكرناه هنا للتنبيه، وإتمام الفائدة. "الثان" من هذه الأقسام هو "تخريج" واستنباط "المناط" المعلق به الحكم، وهذا يصار إليه "حيث ما" أي في أي موضع "لم يك" إلى"نص" الشرعي المفيد لذلك الحكم أو غيره قد آذن "بـ" ذلك "المناط" و"أعلما" - الألف للإطلاق - به، "و" بذلك فهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم يتعرض للمناط، فكأنه "نيل" وأدرك "بالبحث والاجتهاد" والنظر "وهو" الاجتهاد المذكور "قياسي في" اعتباره و"الاعتداد" به وهو معلوم، مبسوط عليه الكلام في كتب الأصول، مفصل فيه القول فيها على تمام، فلتراجع للإطلاع على ذلك. "و" القسم "الثالث" من هذه الأقسام الثلاثة التي ينقسم إليها هذا الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع ويرتفع هو "التحقيق للمناط" على وجه خاص، وهو الذي يحصل للشخص "مع وجود" تمييز و"تخصيص" نفسي وباطني يحصل "به الفرق" في محل النظر بين ما هو متعلق الحكم، وما هو غير متعلقه و"يقع" به فـ "كأنه" في حقيقة أمره "تحقق" يعني تحقيق "مناط ما" من المواضيع "مناط حكمه" الشرعي "الأعم" والأشمل الذي قد "علما" - الألف للإطلاق - ثبوته. فكأن تحقيق المناط على قسمين: تحقيق عام؛ وهو ما ذكر. وتحقيق خاص من ذلك العام. وذلك أن الأول نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما. فإذا نظر المجتهد في العدالة مثلا، ووجد هذا الشخص متصفا بها على حسب ما ظهر له، أوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المنوطة بالعدول، من الشهادات والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة. وهكذا إذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية، والأمور الإباحية، ووجد المكلفين والمخاطبين على الجملة، أوقع عليهم أحكام تلك النصوص، كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة. فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في هذا النظر.

стр. 988

٢٥٣٨ - وَأَنَّهُ بِحَسَبِ الأَشْخَاصِ … وَوَاقِعٌ مِنْ أُولي الاخْتِصَاصِ أما الثاني وهو النظر الخاص فأعلى من هذا وأدق، وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ وقد يعبر عنه بالحكمة، ويشير إليها قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال مالك: من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم؛ أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفَال: ٢٩]. وقال أيضا إن الحكمة مسحة ملك على قلب العبد. وقال: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد. وقال أيضا: يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله. وقد كره مالك كتابة العلم - يريد ما كان نحو الفتاوى - فسئل ما الذي نصنع؟ قال تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ثم لا تحتاجون إلى الكتاب (١). "و" على الجملة فهذا الضرب من الاجتهاد يقرر فيه لبيانه "أنه" الذي يعين المناط الذي يتعلق الحكم به "بحسب" أحوال "الأشخاص" المكلفين المختلفة باعتبار أنه نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان والحظوظ العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المدخل. هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره، ويختص بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر. ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر. ويكون بريئا من ذلك في بعض الأعمال دون بعض (٢). "و" هذا الضرب من الاجتهاد إنما يكون من أهل الفضل والمنح الربانية، وبذلك فإنه "واقع" وحاصل "من أولى" أي أصحاب "الإختصاص" بهذه المنزلة، ممن رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها فهو يحمل على

стр. 989

٢٥٣٩ - لِكَوْنِهِ مِثْلَ الطَّبِيبِ يُعْطِي … كُلَّ امْرِئٍ مُصْلِحَهُ بِالْقِسْطِ ٢٥٤٠ - وَكَمْ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مِنْ خَبَرْ … يَشْهَدُ بِاعْتِبَارِهِ وَمِنْ أَثَرْ كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف. فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، وإنما يقع ذلك "لكونه مثل الطبيب" الذي "يعطي كل امرئ" مريض الدواء أو الغذاء الذي يكون "مصلحه بالقسط" والعدل، وذا يعلمه بمهارته في الطب، وعلمه بقواعده، وأسراره، وهكذا شأن هذا المجتهد في هذا الضرب من الاجتهاد - التنقيح الخاص للمناط -. "و" السائل عن أدلة صحة هذا الضرب من الاجتهاد يقال له: "كم على صحة هذا" من حديث وكم "من خبر" صحيح "يشهد باعتباره و" كم "من أثر" يدل على أنه مجرى على مقتضاه شرعا، فمن ذلك أن النبي ﷺ سئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال، وخير الأعمال، وعرف بذلك في بعض الأوقات من غير سؤال، فأجاب بأجوبة مختلفة، كل واحد منها لو حمل على إطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفصيل. ففي الصحيح أنه ﵊: "سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله. قال: ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله. قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" وسئل عليه الصلاة السلام "أي الأعمال أفضل قال: الصلاة لوقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" وفي النسائي: عن أبي إمامة قال: "أتيت النبي ﷺ فقلت: "مرني بأمر آخذه عنك. قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له" وفي الترمذي: أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" وفي الصحيح في قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ، قال: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به" وفي البزار: أي العبادة أفضل؟ قال: "دعاء المرء لنفسه" وفي الترمذي: "ما من شيء أفضل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" وفي البزار: "يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ عليك بحسن الخلق وطول الصمت؛ فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما" وفي مسلم: "أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده" وفيه: "سئل أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" وفي الصحيح: "وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر" وفي الترمذي: "خيركم من تعلم القرآن

стр. 990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعلمه" وفيه: "أفضل العبادة انتظار الفرج" إلى أشياء من هذا النمط جميعها يدل على أن التفضيل ليس بمطلق، ويشعر إشعارا ظاهرا بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل. وقد دعا ﵇ لأنس بكثرة المال فبورك له فيه. وقال لثعلبة بن حاطب حين سأله الدعاء له بكثرة المال: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". وقال لأبي ذر: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم" ومعلوم أن كلا العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحق الله، وقد قال في الإمارة والحكم: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن" الحديث وقال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" ثم نهاه عنهما لما علم له خصوصا في ذلك من الصلاح. وفي أحكام إسماعيل بن إسحاق عن ابن سيرين قال: كان أبو بكر يخافت، وكان عمر يجهر - يعني في الصلاة - فقيل لأبي بكر: كيف تفعل؟ قال: أناجي ربي وأتضرع إليه. وقيل لعمر: كيف تفعل؟ قال أوقظ الوسنان وأخسأ الشيطان وأرضي الرحمن. فقيل لأبي بكر: "ارفع شيئا" وقيل لعمر: "اخفض شيئا" وفسر بأنه ﵊ قصد إخراج كل واحد منهما عن اختياره وإن كان قصده صحيحا (١). وفي الصحيح "أن ناسا جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان" وفي حديث آخر: "من وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله" وعن ابن عباس في مثله قال: "إذا وجدت شيئا من ذلك فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" فأجاب النبي ﵊ بأجوبة مختلفة، وأجاب ابن عباس بأمر آخر، والعارض من نوع واحد. وفي الصحيح: "إني أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار" وآثر ﵊ في بعض الغنائم قوما، ووكل قوما إلى إيمانهم، لعلمه

стр. 991

" المسألة الثانية " ٢٣٤١ - مَقَامُ الاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِ اسْتَقَرْ … لِكُلِّ عَالِمٍ بِوَصْفَيْنِ اشْتَهَرْ ٢٣٤٢ - الْفَهْمُ لِلْمَقَاصِدِ الشَّرعِيَّةْ … عَلَى كمَالٍ حَالُهُ مَرْعِيَّةْ بالفريقين. وقبل ﵊ من أبي بكر ماله كله، وندب غيره إلى استبقاء بعضه وقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وجاء آخر بمثل البيضة من الذهب، فردها في وجهه. وقال علي: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " فجعل إلقاء العلم مقيدا، فرب مسألة تصلح لقوم دون قوم وقد قالوا في الرباني إنه الذي يعلم بصغار العلم قبل كباره. فهذا الترتيب من ذلك. وروي عن الحارث بن يعقوب قال: "الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن، وعرف مكيدة الشيطان" فقوله وعرف مكيدة الشيطان هو النكتة في المسألة. وعن أبي رجاء العطاردي قال قلت للزبير بن العوام: ما لي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة؟ قال: نبادر الوسواس. هذا مع أن التطويل مستحب، ولكن جاء ما يعارضه، ومثله حديث "أفتان أنت يا معاذ؟ ". ولو تتبع هذا النوع لكثر جدا، ومنه ما جاء عن الصحابة والتابعين، وعن الأئمة المتقدمين. وهو كثير (١). "المسألة الثانية" في أن بعض أضرب الاجتهاد قد يحصل ممن اتصف بفهم مقاصد الشريعة على كمالها، وبالتمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. وبيان ذلك أن "مقام" بعض أنواع "الاجتهاد في الشرع" قد "استقر" وثبت "لكل عالم" اتصف "بوصفين" و"اشتهر" بتحليه بهما. أحدهما: "الفهم للمقاصد الشرعية" على الوجه الذي بنيت به الشريعة عليها، وقامت به عليها ويجب أن يكون ذلك الفهم "على كمال" وتمام "حاله المرعية" التي قيامها على العلم بثبوت رعاية المقاصد شرعا، وعلى العلم بأنواعها؛ والوجه الذي

стр. 992

٢٥٤٣ - ثُمَّ تَمَكُّن مِنِ اسْتِنْبَاطِ مَا … رَامَ تَنَزُّلًا عَلَى مَا فَهِمَا ٢٥٤٤ - وَذَاكَ رَاجِعٌ إِلَى حُصُولِ … مَعَارِفٍ تَهْدِي إِلَى السَّبِيلِ تراعى به في بناء الأحكام الفقهية، وبالمسالك التي تسلك بموجبها في الأعمال، وبالضوابط التي تضبط النفس بها عملا بمقتضاها. وأنت خبير بأنه قد مر في "كتاب المقاصد" أن الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وإن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات. واستقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب، فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله (١). "ثم" الوصف الثاني وهو "تمكّن" هذا المجتهد "من استنباط" واستخراج "ما رام" وقصد من تلك المقاصد "تنزلا" يعني تنزيلا له "على" وفق "ما قد فهما" - الألف للإطلاق - يعني فهمه في تلك المقاصد. "وذاك" التمكن "راجع" ثبوته في نفس المجتهد "إلى حصول معارف" له ترشد و"تهدي إلى السبيل" الأنهج في ذلك، وهو السبيل الموصل إلى حصول هذا الاجتهاد وتحققه على الوجه المطلوب شرعا. وهذه المعارف تجدها مبثوثة على تمام استقصاء في علم الأصول - أصول الفقه - وعلم القواعد الفقهية، فهناك تجدها متضمنة مبسوطا الكلام فيها. لكن هذه المعارف تارة يكون الإنسان عالما بها مجتهدا فيها، وتارة يكون حافظا لها متمكنا من الاطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها، وتارة يكون غير حافظ ولا عارف، إلا أنه عالم بغايتها وأن له افتقارا إليها في مسألته التي يجتهد فيها، فهو بحيث إذا عنت له مسألة ينظر فيها زاول أهل المعرفة بتلك المعارف المتعلقة

стр. 993

تنبيه ٢٥٤٥ - مُجْتَهِدٌ فِي الشَّرْعِ لَيْسَ يَلْزَمُهْ … عُمُومُ الاجْتِهَادِ فِيمَا يَعْلَمُهْ ٢٥٤٦ - مِمَّا لَهُ بِالاجْتِهَادِ الْمُوجِبِ … تَعَلُّقٌ غَيْرُ اللِّسَانِ الْعَرَبي ٢٥٤٧ - أَعْنِي سِوَى الْغَرِيبِ وَالتَّصْرِيفِ … وَمَا يَخُصُّ الشِّعْرَ فِي التَّأْلِيفِ بمسألته، فلا يقضي فيها إلا بمشورتهم. وليس بعد هذه المراتب الثلاث مرتبة يعتد بها في نيل المعارف المذكورة. فإن كان مجتهدا فيها كما كان مالك في علم الحديث، والشافعي في علم الأصول فلا إشكال، وإن كان متمكنا من الاطلاع على مقاصدها؛ كما قالوا في الشافعي وأبي حنيفة في علم الحديث، فكذلك أيضا لا إشكال في صحة اجتهاده، وإن كان القسم الثالث فإن تهيأ له الاجتهاد في استنباط الأحكام مع كون المجتهد في تلك المعارف كذلك، فكالثاني، وإلا فكالعدم (١). "تنبيه" قد حصل من هذه الجملة أن الـ "مجتهد في الشرع" يعني في أحكام الشريعة "ليس" يجب عليه أو "يلزمه" حصول "عموم الاجتهاد" منه "في" كل "ما يعلمه" من علم "مما له بالاجتهاد الموجب" - بفتح الجيم - يعني المطلوب شرعا - وهو إنما ذكره - لإتمام الكلام لصحة الاستغناء عنه "تعلق" بحيث يكون الاجتهاد متوقفا عليه "غير" علم "اللسان العربي" فإنه لابد من تحصيله على تمامه. و"أعني" باللسان العربي هنا جملة علم هذا اللسان سواء كان متعلقا بالألفاظ كالنحو، أو بالمعاني كاللغة - معاني الألفاظ - وعلم المعاني "سوى" علم "الغريب" في اللغة "و" علم "التصريف" المتعلق بأصول الكلمات وما يعرض في شأنها من القلب والإبدال وغيرهما، "و" كذا "ما يخص" النظم" الشعر في "جهة "التأليف" يعني في تأليفه وصياغته، وذلك كالعروض والقافية فإن هذا غير مفتقر إليه هنا وإن كان العلم به كما لا في العلم بالعربية. والأدلة على هذا كله متوافرة.

стр. 994

٢٥٤٨ - فأَوَّلٌ دَلِيلُهُ مِنَ النَّظَرْ … وَالثَّانِ مِمَّا فِي الْمَقَاصِدِ اسْتَقَرْ " فـ" أما الأمر "الأول" وهو أنه لا يشترط في المجتهد في الأحكام الفقهية أن يكون مجتهدا في كل علم يتوقف عليه اجتهاده في الأمور الشرعية فإن "دليله" يؤخذ "من" جهة "النظر" وواقع الحال الجاري في هذا الشأن، وهو أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجبا لم يوجد مجتهد إلا في الندرة ممن سوى الصحابة، ونحن نمثل بالأئمة الأربعة: فالشافعي عندهم مقلد في الحديث لم يبلغ درجة الاجتهاد في انتقاده ومعرفته، وأبو حنيفة كذلك، وإنما عدوا من أهله مالكا وحده، وتراه في الأحكام يحيل على غيره كأهل التجارب والطب والحيض وغير ذلك ويبنى الحكم على ذلك، والحكم لا يستقل دون ذلك الاجتهاد. ولو كان مشترطا في المجتهد الاجتهاد في كل ما يفتقر إليه الحكم، لم يصح لحاكم أن ينتصب للفصل بين الخصوم حتى يكون مجتهدا في كل ما يفتقر إليه الحكم الذي يوجهه على المطلوب للطالب؛ وليس الأمر كذلك بالإجماع. والثاني: أن الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية علم مستقل بنفسه، ولا يلزم في كل علم أن تبرهن مقدماته فيه بحال، بل يقول العلماء أن من فعل ذلك فقد أدخل في علمه علما آخر ينظر فيه بالعرض لا بالذات، فكما يصح للطبيب أن يسلم من العلم الطبيعي أن الاسطقصات أربعة وأن مزاج الإنسان أعدل الأمزجة فيما يليق أن يكون عليه مزاج الإنسان، وغير ذلك من المقدمات، كذلك يصح أن يسلم المجتهد من القارئ أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦] بالخفض مروي على الصحة، ومن المحدث أن الحديث الفلاني صحيح أو سقيم، ومن عالم الناسخ والمنسوخ أن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] منسوخ بآية المواريث، ومن اللغوي أن القرء يطلق على الطهر والحيض، وما أشبه ذلك، ثم يبني عليه الأحكام. بل براهين الهندسة في أعلى مراتب اليقين، وهي مبنية على مقدمات مسلمة في علم آخر، مأخوذة في علم الهندسة على التقليد، وكذلك العدد وغيره من العلوم اليقينية، ولم يكن ذلك قادحا في حصول اليقين للمهندس أو الحاسب في مطالب علمه وقد أجاز النظار وقوع الاجتهاد في الشريعة من الكافر المنكر لوجود الصانع والرسالة والشريعة، إذ كان الاجتهاد إنما ينبني على مقدمات تفرض صحتها، كانت كذلك في نفس الأمر أولا وهذا أوضح من

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إطناب فيه (١). فلا يقال: إن المجتهد إذا لم يكن عالما بالمقدمات التي يبنى عليها لا يحصل له العلم بصحة اجتهاده لأنا نقول: بل يحصل له العلم بذلك، لأنه مبني على فرض صحة تلك المقدمات. وبرهان الخلف مبني على مقدمات باطلة في نفس الأمر، تفرض صحيحة فيبني عليها، فيفيد البناء عليها العلم بالمطلوب، فمسألتنا كذلك (٢). والثالث: أن نوعا من الاجتهاد لا يفتقر إلى شيء من تلك العلوم أن يعرفه، فضلا أن يكون مجتهدا فيه، وهو الاجتهاد في تنقيح المناط، وإنما يفتقر إلى الاطلاع على مقاصد الشريعة خاصة. وإذا ثبت نوع من الاجتهاد دون الاجتهاد في تلك المعارف ثبت مطلق الاجتهاد بدونه وهو المطلوب. فإن قيل: إن جاز أن يكون مقلدا في بعض ما يتعلق بالإجتهاد لم تصف له مسألة معلومة فيه؛ لأن مسألة يقلد في بعض مقدماتها لا تكون مجتهدا فيها بإطلاق، فلم يمكن أن يوصف صاحبها بصفة الاجتهاد بإطلاق، وكلامنا إنما هو في مجتهد يعتمد على اجتهاده بإطلاق، ولا يكون كذلك مع تقليده في بعض المعارف المبني عليها. فالجواب أن ذلك شرط في العلم بمسألة المجتهد فيها بإطلاق، لا شرط في صحة الاجتهاد، لأن تلك المعارف ليست جزءا من ماهية الاجتهاد، وإنما الاجتهاد يتوصل إليه بها. فإذا كانت محصلة بتقليد أو باجتهاد أو بفرض محال، بحيث يفرض تسليم صاحب تلك المعارف المجتهد فيها ما حصل هذا ثم بنى عليه كان بناؤه صحيحا؛ لأن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم، وهو لأنه على ما تقدم لا بد له من هذه المعارف كوسيلة إلى فهم مقاصد الشريعة على الأقل وإن لم يحتج إليها عند التخريج وإنما يصح ذلك إذا صح أن يأخذ مقاصد الشريعة تقليدا. فتأمل قد وقع. ويبين ذلك ما تقدم في الوجه الثاني، وأن العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد عند عامة الناس، كمالك والشافعي وأبي حنيفة كان لهم أتباع أخذوا عنهم وانتفعوا بهم، وصاروا في عداد أهل الاجتهاد، مع أنهم عند الناس مقلدون في الأصول لأئمتهم، ثم اجتهدوا بناء على مقدمات مقلد فيها، واعتبرت أقوالهم واتبعت آراؤهم، وعمل على

стр. 996

٢٣٤٩ - وَالاجْتِهَادُ بَوْنُهُ فِي الرُّتَبِ … بِحَسَبِ الْفَهْمِ لِسَانَ العَرَبِ وقفها، مع مخالفتهم لأئمتهم وموافقتهم، فصار قول ابن القاسم أو أشهب أو غيرهما معتبرا في الخلاف على إمامهم، كما كان أبو يوسف ومحمد بن الحسن مع أبي حنيفة، والمزني والبويطي مع الشافعي، فإذًا لا ضرر على الاجتهاد مع التقليد في بعض القواعد المتعلقة بالمسألة المجتهد فيها (١). "و" أما الأمر "الثان" وهو أن علم اللغة العربية يجب العلم به على تمام فإن دليله "مما" بين "في" كتاب "المقاصد" و"استقر" إيراده فيه، وخلاصة ذلك أن الشريعة عربية، فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز. فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة. والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية. فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة. فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولا. وإذا تقرر هذا فإن "الاجتهاد بونه" وتفاوته "في الرتب" والدرجات إنما يحصل "بحسب" درجة "الفهم" لعلم "لسان العرب" فإنه المعيار في ذلك. والمجتهد لا بد أن يبلغ في اللغة العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش "والجرمي والمازني ومن سواهم. وقد قال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه. وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث، وكتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش، والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب، وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني. ومن هنالك كان الجرمي على ما قال، وهو كلام يروى عنه في صدر كتاب سيبويه من غير إنكار. ولا يقال: إن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية، فقالوا ليس على الأصولي أن

стр. 997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمعي، الباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصل منها ما تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام بالكتاب والسنة (١). لأنا نقول: هذا غير ما تقدم تقريره. وقد قال الغزالي في هذا الشرط: إنه القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه، وهذا الذي اشترط لا يحصل إلا لمن بلغ في اللغة العربية درجة الإجتهاد. ثم قال: والتخفيف فيه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل والمبرد، وأن يعلم جميع اللغة ويتعمق في النحو، وهذا أيضا صحيح، فالذي نفى اللزوم فيه ليس هو المقصود في الاشتراط، وإنما المقصود تحرير الفهم حتى يضاهي العربي في ذلك المقدار، وليس من شرط العربي أن يعرف جميع اللغة ولا أن يستعمل الدقائق، فكذلك المجتهد في العربية، فكذلك المجتهد في الشريعة. وربما يفهم بعض الناس أنه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل وسيبويه في الاجتهاد في العربية، فيبنى في العربية على التقليد المحض، فيأتي في الكلام على مسائل الشريعة بما السكوت أولى به منه، وإن كان مما تعقد عليه الخناصر جلالة في الدين، وعلما في الأئمة المهتدين. وقد أشار الشافعي في رسالته إلى هذا المعنى، وأن الله خاطب العرب بكتابه بلسانها على ما تعرف من معانيها؛ ثم ذكر مما يعرف من معنيها اتساع لسانها وأن تخاطب بالعام مرادا به ظاهره، وبالعام يراد به العام ويدخله الخصوص، ويستدل على ذلك ببعض ما يدخله في الكلام، وبالعام يراد به الخاص، ويعرف بالسياق، وبالكلام ينبئ أوله عن آخره، وآخره عن أوله، وأن تتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد، تم قال: فمن جهل هذا من لسانها - وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة - فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم يثبته معرفة كانت موافقة الصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب

стр. 998

" المسألة الثالثة " ٢٥٥٠ - أَنَّ فُرُوعَ الشَّرْعِ كَالْقَوَاعِدِ … تَرْجِعُ فِي الحُكْمِ لِقَوْلٍ وَاحِدِ ٢٥٥١ - وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ ذَاكَ فِيهِ … وَكَمْ مِنَ الآيَاتِ تَقْتَضِيهِ والخطأ فيه. هذا قوله، وهو الحق الذي لا محيص عنه. وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية التي تكفل المجتهد فيها بالجواب عنها. وما سواها من المقدمات فقد يكفي فيه التقليد، كالكلام في الأحكام تصورا وتصديقا، كأحكام النسخ، وأحكام الحديث، وما أشبه ذلك. فالحاصل أنه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهم خطابها له وصفا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب (١). "المسألة الثالثة" في أن الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وأصولها. وبيان ذلك "أن فروع الشريعة" وأحكامها الجزئية الجارية على أفعال المكلفين على سبيل التعيين والتفصيل هي "كـ" مثل "القواعد" أي الأصول من حيث إنها كلها "ترجع" في واقع الحال و"في الحكم لقول واحد" صادر من الشارع، وهو القول الذي يدل على الحكم المطلوب، وإن كثر الخلاف في الفروع، فإن ذلك لا يقتضي تعدد الأقوال أو الأدلة الشرعية فيما اختلف فيه من ذلك، وإنما الخلف منبعه فهم المجتهدين، واختلاف مداركهم واعتباراتهم في موضع الخلف، أما قول الشارع في ذلك فإنه - كما تقدم ذكره - ليس إلا واحدا "ولا يصح" شرعا ونظرا "غير ذلك" في هذا الشأن ولا يصلح "فيه" سواه. "و" هذا أمر "كم من الآيات" في القرآن الكريم تدل عليه و"تقتضيه" تام الظهور والوضوح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٨٢] فنفى أن يقع فيه الخلاف البتة، ولو كان ما يقتضي قولين مختلفين لم يصدق عليه هذا الكلام على حال. وفي القرآن: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] الآية؛ وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف، فإنه رد المتنازعين

стр. 999

٢٥٥٢ - وَلَازِمٌ فِي الْعَكْسِ أَنْ يُكَلَّفَا … غَيْرُ مُطَاقٍ وَهْوَ لِلْمَنْعِ اقْتَفَا إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع، وهذا باطل. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]؛ الآية؛ والبينات هي الشريعة، فلولا أنها لا تقتضي الاختلاف ولا تقبله البتة لما قيل لهم: من بعد كذا، ولكان لهم فيها أبلغ العذر، وهذا غير صحيح. فالشريعة لا اختلاف فيها. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فبين أن طريق الحق واحد، وذلك عام في جملة الشريعة وتفاصيلها. وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ولا يكون حاكما بينهم إلا مع كونه قولا واحدا فصلا بين المختلفين. وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشّورى: ١١٣] ثم ذكر بني إسرائيل وحذر الأمة أن يأخذوا بسنتهم، فقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشّورى: ١٤] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٦] والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثير كله قاطع في أنها لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد وقول واحد. قال المزني صاحب الشافعي: ذم الله الاختلاف وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة (١). "و" يضاف لهذا الذي ذكر من الأدلة دليل آخر وهو أنه "لازم" عقلا "في" حال جريان "العكس" لهذا الذي ذكر ووقوع ضده في هذه الشريعة "أن يكلفا" - الألف للإطلاق - الناس عملا "غير مطاق" وغير مقدور عليه "و" التكليف بما لا يطاق "هو" أمر "لـ" من يجري عليه "المنع" الشرعي والعقلي "اقتفا" - كما تقدم تقريره - إنما كان ذلك يؤدي إلى هذا الذي ذكر من تكليف ما لا يطاق، لأن الدليلين إذا فرضنا تعارضهما

стр. 1000

٢٥٥٣ - وَالعَيُ لِلنَّسْخِ وَللتَّرْجِيحِ … قَاضٍ لِمَا قُرِّرَ بِالتَّصْحِيحِ وفرضناهما مقصودين معا للشارع، فإما أن يقال: إن المكلف مطلوب بمقتضاهما أولا، أو مطلوب بأحدهما دون الآخر، والجميع غير صحيح. فالأول يقتضي (افعل)، (لا تفعل) لمكلف واحد من وجه واحد، وهو عين التكليف بما لا يطاق. والثاني باطل، لأنه خلاف الفرض. وكذلك الثالث، إذ كان الفرض توجه الطلب بهما. فلم يبق إلا الأول فيلزم منه ما تقدم (١). "و" دليل آخر وهو أن "العي" والاعتبار "للنسخ والترجيح" في مجاري النظر في الأدلة الشرعية واستخراج الأحكام منها هو أمر "قاض لما قرر" من أن القول الشرعي المذكور واحد، "بالتصحيح" وحاكم له بذلك، وذلك أن عامة أهل الشريعة أثبتوا في القرآن والسنة الناسخ والمنسوخ على الجملة، وحذروا من الجهل به والخطأ فيه، ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ إنما هو فيما بين دليلين يتعارضان بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلّا لما كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، والفرض خلافه، فلو كان الاختلاف من الدين لما كان لإثبات الناسخ والمنسوخ - من غير نص قاطع فيه - فائدة، ولكان الكلام في ذلك كلاما فيما لا يجني ثمرة، إذ كان يصح العمل بكل واحد منهما إبتداء ودواما، استنادا إلى أن الاختلاف أصل من أصول الدين، لكن هذا كله باطل بإجماع. فدل على أن الاختلاف لا أصل له في الشريعة. وهكذا القول في كل دليل مع معارضه، كالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وما أشبه ذلك، فكانت تنخرم هذه الأصول كلها، وذلك فاسد، فما أدى إليه مثله. وكذلك اتفقوا - أيضا - على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة، إذا لم يكن الجمع، وأنه لا يصح إعمال أحد دليلين متعارضين جزافا من غير نظر في ترجيحه على الآخر. والقول بثبوت الخلاف في الشريعة يرفع باب الترجيح جملة، إذ لا فائدة فيه ولا حاجة إليه على فرض ثبوت الخلاف أصلا شرعيا لصحة وقوع التعارض في الشريعة، لكن ذلك فاسد، فما أدى إليه مثله (٢).

стр. 1001

٢٥٥٤ - وَلَيْسَ فِي مَجَالِ الاجْتِهَادِ … نَقْضٌ لِمَا مَرَّ فِي الاسْتِشْهَادِ ٢٥٥٥ - فَإنَّهُ مِمَّا بِهِ الأدِلَّةْ تَعَارَضَتْ … تَفْصِيلًا أَوْ فِي الْجُمْلَةْ ٢٥٥٦ - وَذَاكَ رَاجِعٌ إِلَى الأنْظَارِ … لَا نَفْسِ الأمْرِ عِنْدَ الاعْتِبَارِ " و" لا يصح أن يقال: إن مما يدل على جريان الاختلاف في أحكام الشريعة وأنها موضوعة على وقوعه فيها، واقتضائها له باعتبار بنيتها - الأمور الاجتهادية - التي جعل الشارع فيها للاختلاف مجالا، فكثيرا ما تتوارد على المسألة الواحدة أدلة قياسية وغير قياسية، بحيث يظهر بينها التعارض ومجال الاجتهاد لما قصده الشارع في وضع الشريعة حين شرع القياس ووضع الظواهر التي يختلف في أمثالها النظار ليجتهدوا فيثابوا على ذلك. ولذلك نبه في الحديث على هذا المقصد بقوله ﵊: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران" فهذا موضع آخر من وضع الخلاف بسبب وضع محاله. إذ "ليس" في الأمور المقررة شرعا "في مجال الاجتهاد" وشأنه "نقض" أي هدم "لما مر" ذكره "في" هذا الموضوع في مجرى "الاستشهاد" به، لإنه لا يعارض في واقع الأمر ما ذكر. "فـ" مجال الاجتهاد وإن كان موضع الاختلاف بين أهل الاجتهاد، "إنه" لم يكن متصفا بذلك لتعدد الأقوال - الأدلة - الشرعية الواردة فيه، بل لأن النظر فيه مداره على الإلحاق المبني على مقتضى التشابه. الذي قد تتعارض فيه الجهات المعتبرة في بناء الأحكام الفقهية الظنون وتتقابل فيه الاحتمالات التي تصلح أن تكون مناطا للحكم فيه، فكان بذلك "مما تعارضت به" يعني فيه "الأدلة" وتقابلت فيه تقابل الأضداد في نظر المجتهد، "تفصيلا" أي على وجه التفصيل، بحيث يكون ذلك التعارض في ذلك على جزئية "أو في الجملة" بحيث يكون التعارض بين جهة جزئية وجهة كلية، وبيان ذلك كله والتمثيل له سيأتي - إن شاء الله تعالى - في المسألة الثالثة في كتاب "لواحق الاجتهاد". "و" بذلك فإن "ذاك" التعارض وجوده وحصوله "راجع إلى الأنظار" يعني أنظار المجتهدين وما يعرض لهم في مجرى ذلك من الاعتبارات الفقهية والجهات التي تتجاذب الأحكام فيها، "لا" إلى "نفس" الواقع و"الأمر" في الشريعة فإن ذلك ليس راجعا إليه على الإطلاق، وهذا تدركه عند إمعان النظر في هذا الشأن، وإجراء "الاعتبار" والتأمل فيه.

стр. 1002

٢٥٥٧ - وَمِنْهُ الاخْتِلَافُ لِلصَّحَابَةْ … الْحُكْمُ وَاحِدٌ بِلَا اسْتِرَابَهْ قال الشاطبي: (وأما مواضع الاجتهاد فهي راجعة إلى نمط التشابه، لأنها دائرة بين طرفي نفي وإثبات شرعيين، فقد يخفى هنالك وجه الصواب من وجه الخطأ. وعلى كل تقدير إن قيل بأن المصيب واحد فقد شهد أرباب هذا القول بأن الموضع ليس مجال الاختلاف، ولا هو حجة من حجج الاختلاف، بل هو مجال استفراغ الوسع، وإبلاع الجهد في طلب مقصد الشارع المتحد. فهذه الطائفة على وفق الأدلة المقررة أولا. وإن قيل إن الكل مصيبون فليس على الإطلاق، بل بالنسبة إلى كل مجتهد أو من قلده، لاتفاقهم على أن كل مجتهد لا يجوز له الرجوع عما أداه إليه اجتهاده، ولا الفتوى إلا به، لأن الإصابة عندهم إضافية لا حقيقية، فلو كان الاختلاف سائغا على الإطلاق لكان فيه حجة. وليس كذلك. فالحاصل أنه لا يسوغ على هذا الرأي إلا قول واحد، غير أنه إضافي، فلم يثبت به اختلاف مقرر على حال، وإنما الجميع محومون على قول واحد هو قصد الشارع عند المجتهد، لا قولان مقرران، فلم يظهر إذًا من قصد الشارع وضع أصل للاختلاف، بل وضع موضع للاجتهاد في التحويم على إصابة قصد الشارع الذي هو واحد) (١)، ومن هناك لا تجد مجتهدا يثبت لنفسه قولين معا أصلا، وإنما يثبت قولا واحدا وينفي ما عداه. وقد مر جواب مسألة التصويب والتخطئة. وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في الظاهر وفي أنظار المجتهدين، لا في نفس الأمر، فالأمر على ما قالوه جائز، ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة. وإن أرادوا تجويز ذلك في نفس الأمر فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة؛ لورود ما تقدم من الأدلة عليه، ولا أظن أن أحدا منهم يقوله (٢). "و" هذا الاختلاف الفقهي المبني على ما ذكر "منه" كذلك "الاختلاف" الحاصل "للصحابة" في بعض الأحكام الفقهية "فالحكم" فيما اختلفوا ليس متعددا في واقع الأمر وإنما هو "واحد" فيه كما في كل ما جرى فيه الاختلاف الفقهي، وهذا أمر مقطوع بثبوته "بلا استرابة" أي شك.

стр. 1003

٢٥٥٨ - وَمَا أَتَى فِي شَأْنِ الاقْتِدَاءِ … بِأَيِّهِمْ كَانَ فَفِي ابْتِدَاءِ " و" أما "ما أتى" من الخبر "في شأن الاقتداء بأيهم كان" الذي ورد في حديث مروي من عدة طرق كلها ضعيفة، وهو "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فإنه مع فرض صحته وتسليم كونه دليلا في هذا المقام موجه بأن المراد منه هو أنه - أي قول الصحابي - حجة على انفراد كل واحد منهم، أي أن من استند إلى قول أحدهم مصيب من قلد قول أحد المجتهدين، لا أن أقول كل واحد منهم حجة في نفس الأمر بالنسبة إلى كل واحد. فإن هذا مناقض لما تقدم. وأما من قال: إن اختلاف الصحابة رحمة - كما روي ذلك عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز - "فـ" إن ذلك جار في الذي مهدوه من سبل النظر في النصوص الشرعية ومن مناهج بناء الأحكام الفقهية بطريقة اعتبار أصول الفقه المختلفة كسد الذريعة ورعاية المال، والأخذ بدلالة الإلتزام "في"زمان "ابتداء" النظر الفقهي ونشوءه قال القاضي إسماعيل: "إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ توسعة في اجتهاد الرأي؛ فإما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا. قال ابن عبد البر: كلام إسماعيل هذا حسن جدا" (١). وذلك أن الصحابة لما جاءتهم مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على مقتضى قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عِمرَان: ٧] ولم يكن لهم بد من النظر في متعلقات الأعمال، لأن الشريعة قد كملت، فلا يمكن خلو الوقائع عن أحكام الشريعة، فتحروا أقرب الوجوه عندهم إلى أنه مقصود الشارع. فلو فرض أن الصحابة لم ينظروا في هذه المشتبهات الفرعية ولم يتكلموا فيها - وهم القدوة في فهم الشريعة والجري على مقاصدها - لم يكن لمن بعدهم أن يفتح ذلك الباب، للأدلة الدالة على ذم الاختلاف وأن الشريعة لا اختلاف فيها، ومواضع الاشتباه مظان الاختلاف في إصابة الحق فيها، فكان المجال يضيق على من بعد الصحابة. فلما اجتهدوا ونشأ من اجتهادهم في تحري الصواب الاختلاف سهل على من بعدهم سلوك الطريق، فلذلك - والله أعلم - قال عمر بن عبد العزيز: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. وقال:

стр. 1004

٢٥٥٩ - أَوْ بِاعْتِبَارِ قُطْرٍ أَوْ زَمَانِ … وَذَا هُوَ التَّوْسِيعُ بِالْبَيَانِ ٢٥٦٠ - وَلَا بِوَقْعِ الْمُتَشَابِهَاتِ … أَعْنِي بِهَا نَوْعَ الْحَقِيقِيَّاتِ ٢٥٦١ - فَإِنَّهَا لِلابْتِلَاءِ وُضِعَتْ … لَا أَنَّهَا لِلْاخْتِلَافِ شُرِعَتْ ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا (١). "أو "أن ذلك الاختلاف رجمه "باعتبار" صلاح بعضها بحال أهل "قُطرٍ" أو بلد، وصلاح بعضها الآخر بأهل غيره. "أو" باعتبار حال أهل "زمان" ما، دون أهل زمان آخر، وبذلك يكون الناس في سعة من أمرهم مع اختلاف أحوالهم الزمانية والمكانية، "وذا" إذا تأملت فيه تجد أنه "هو التوسيع" والتعميم "بالبيان" لكل ما قد يعرض من الأحوال للناس باختلاف بلداهم، وأزمنتهم. وأما الحكم الشرعي في واقع الأمر فهو واحد في كل جزئية. "و" إذا كان - كل ما تقدم ذكره - من اختلاف الصحابة وجريان الاختلاف بين المجتهدين - لا يعارض هذا الأصل - وهو أن قول الشارع وحكمه في كل جزئية واحد - فإنه "لا" يعارض - كذلك "بوقع" أي وقوع "المتشابهات" وورودها، و"أعني بها" أي بالمتشابهات هنا "الحقيقيات" التي بين المراد بها في مجاري الكلام على الإحكام والتشابه. "فـ" لا يصح أن يدعى فيها - أي المتشابهات المذكورة - أنها موضوعة في الشريعة قصد الاختلاف شرعا، لأن ذلك غير وارد، بل هو فاسد شرعا، ونظرا، وقد تقدم بيان ذلك والاستدلال عليه، والصحيح "إنها" في واقع الأمر قد وردت "للابتلاء" أي الاختبار و"وضعت" شرعا لأجله "لا أنها لـ" وقوع "الاختلاف" بين الناس في فهمها "شرعت" كما قد يدعى. ولما كانت موضوعة للابتلاء عمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم، ويقع الزائغون في اتباع أهوائهم ومعلوم أن الراسخين هم المصيبون وإنما أخبر عنهم أنهم على مذهب واحد في الإيمان بالمتشابهات علموها أو لم يعلموها، وأن الزائغين هم المخطئون. فليس في المسألة إلا أمر واحد، ولا أمران ولا ثلاثة، فإذا لم يكن إنزال المتشابه علما للاختلاف ولا أصلا فيه.

стр. 1005

٢٥٦٢ - وَمَعَ ذَا فَالذَّمُّ فِيهَا وَارِدُ … لِمُخْطِيء فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدُ ٢٥٦٣ - وَالاخْتِلَافُ غيْرُ حُجَّةٍ وَفي … رَدِّ التَّنَازُعِ دَلِيلٌ اقْتُفِي ٢٥٦٤ - وَالْوَاجِبُ التَّرْجِيحُ أَوْ تَوَقُّفُ … فِيمَا يُرَى دَلِيلُهُ يَخْتَلِفُ ٢٥٦٥ - وَلَا يَجِوزُ عِنْدَهُ لِلطَّالِبِ … تَتَبُّعُ الرُّخْصَةِ فِي الْمَذَاهِبِ ٢٥٦٦ - لِأنَّ فِي ذَاكَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَا … وَهْوَ مُضِلٌّ قَصْدُهُ عَنِ السُّوَا " ومع ذا" كله "فالذم" آت "فيها" يعني شأنها و"وارد" شرعا "لـ" كل "مخطئ" في شأن فهمها، وبذلك "فالحق فيها واحد" إذن، وهو ما وافق قصد الشارع بها، والخطأ ما كان على خلاف ذلك. "و" كذلك أمر "الاختلاف" بين الفقهاء على العموم، وكذلك بالنسبة للمقلد فإنه "غير حجة" في دعوى تعدد الأحكام الفقهية في المسألة الواحدة "وفي" الأمر بوجوب "رد" ما فيه "التنازع" إلى الله والرسول "دليل" قاطع في ذلك "اقتفي "واتبع فيه، ولأنه لو كان المختلف فيه مقبولا شرعا على ما هو عليه، ما أمر الله - تعالى - بهذا الرد في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف برد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد، "و" بذلك فإن "الواجب" في حال وقوع التعارض بين ظواهر الأدلة والاختلاف الفقهي هو "الترجيح" بين تلك الأدلة بالنسبة للمجتهد، وبين تلك الأقوال بالنسبة للمقلد، وطرق الترجيح في ذلك مبينة في كتب أصول الفقه، فإن لم يظهر وجه للترجيح في ذلك "أو" حصل العجز عن الذهاب إليه فإنه يصار إلى الـ "توقف" وذلك جار مقتضاه "في" كل "ما يرى" ويعتقد أن "دليله" الشرعي "يختلف" ويتعارض ظاهره، "و" بناء على هذا الأمر تقرر أنه "لا يجوز" شرعا "عنده" أي عند وجود هذا الاختلاف في حكم ما "للطالب" له للعمل به "تتبع الرخصة" الواردة "في" مذهب ما من "المذاهب" الواردة في شأن هذه الرخصة التتبع "اتباعا للهوى و" معلوم شرعا أن اتباع الهوى مهلك و"مضل قصده" في مجاري الإتيان بالعمل "عن السوا" - بالمد وقصره للضرورة - والسواء - هنا - الطريق الموصل إلى الحق، بل قد تقرر أن اتباع الهوى مناقض لما بنيت عليه هذه الشريعة.

стр. 1006

٢٥٦٧ - إِذْ حِكْمَةُ التَّشْرِيعِ مُقْتَضَاهَا … أَنْ تَخْرُجَ النُّفُوسُ عَنْ هَوَاهَا " فصل " ٢٥٦٨ - وَمِنْ هُنَا يُمْنَعُ مَنْ يُقَلِّدُ … الأخْذُ بِالتَّخْيِيرِ فِيمَا يَرِدُ ٢٥٦٩ - فِيهِ اخْتِلَافُ مُفْتِيَيْنِ بَلْ يَقِفْ … إِنْ كَانَ بِالتَّرْجِيحِ غَيْرَ مُتَّصِفْ " إذ حكمة" وفائدة ما جاء في الدين من "التشريع" أي وضع الأحكام التكليفية "مقتضاها" هو "أن تخرج النفوس عن" سلطان "هواها" إلى عبادة ربها؛ كما تقرر بيانه، وتقريره وذكره مرارا، وبذلك فإن إجازة تخيير المكلف بين القولين أو الأقوال الفقهية الواردة في مسألة ما نقض لهذه الحكمة التي ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته. وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته، اعتقادا، وقولا، وعملا. فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع. ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا إتباع الشهوات في الاختيار؛ وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة، فلا يصح القول بالتخيير على كل حال (١). "فصل" في أنه لا سبيل للمقلد في أن يأخذ من أقوال الفقهاء المختلفة على وفق اختياره وهواه. "و" بيان ذلك أنه يؤخذ "من" هذا الذي تقرر "هنا" أنه "يمنع من يقلد" - بكسر اللام مبنيا للفاعل - من "الأخذ" والعمل "بالتخيير فيما يرد" من أقوال وآراء أهل العلم في كل ما ورد "فيه اختلاف مفتيين" أو أكثر "بل" يجب عليه أن "يقف" في الأخذ بأي رأي أو قول من ذلك "إن كان بـ" القدرة على "الترجيح" بين تلك الآراء والأقوال "غير متصف" بأن كان جاهلا بالأدلة المعتمد عليها في بناء تلك الأقوال، أو عالما بها ولكنه لا يدري ما به يحصل الترجيح بينها، وسبل ذلك، وإنما يجب

стр. 1007

٢٥٧٠ - إِذْ نِسْبَةُ الْمُفْتِي إِلَى الْمُقَلِّدِ … كَنِسْبَةِ الدَّلِيلِ لِلْمُجْتَهِدِ عليه الوقف في ذلك "إذ نسبة المفتي" بالنظر "إلى المقلد" له "كنسبة الدليل للمجتهد"، فلا فرق بين مصادفة المجتهد الدليل ومصادفة العامي المفتي، فتعارض الفتويين عليه كتعارض الدليلين على المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا، ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح، كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا، ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح. وبعض الناس قد يعد القولين بالنسبة إليه مخيرا فيهما كما يخير في خصال الكفارة، وبذلك يتبع هواه، وما يوافق غرضه دون ما يخالفه، وربما استظهر على ذلك بكلام بعض المفتين المتأخرين، وقواه بما روي من قوله ﵊: "أصحابي كالنجوم" وقد مر الجواب عنه، وإن صح فهو معمول به فيما إذا ذهب المقلد عفوا فاستفتى صحابيا أو غيره فقلده فيما أفتاه به فيما له أو عليه. وأما إذا تعارض عنده قولا مفتيين فالحق أن يقال: ليس بداخل تحت ظاهر الحديث، لأن كل واحد منهما متبع لدليل عنده يقتضي ضد ما يقتضيه دليل صاحبه، فهما صاحبا دليلين متضادين، فاتباع أحدهما بالهوى اتباع للهوى، وقد مر ما فيه، فليس إلا الترجيح بالأعلمية وغيرها. وأيضا فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي كالدليلين بالنسبة إلى المجتهد؛ فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف كذلك المقلد. ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم وهو باطل بالإجماع. وأيضا فإن في مسائل الخلاف ضابطا قرآنيا ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة. فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول. وهذه الآية نزلت على سبب فيمن اتبع هواه بالرجوع إلى حكم الطاغوت، ولذلك أعقبها بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النِّسَاء: ٦٠] الآية (١)؛ وهذا يظهر أن مثل هذه القضية لا تدخل تحت قوله: "أصحابي كالنجوم" وأيضا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل. وأيضا فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن

стр. 1008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعا للهوى ولا مسقطا للتكليف. لا يقال: إذا اختلفا فقلد أحدهما قبل لقاء الآخر جاز فكذلك بعد لقائه، والاجتماع طردي. لأنا نقول: كلا، بل للاجتماع أثر لأن كل واحد منهما في الافتراق طريق موصل، كما لو وجد دليلا ولم يطلع على معارضه بعد البحث عليه جاز له العمل. أما إذا اجتمعا واختلفا عليه فهما كدليلين متعارضين اطلع عليهما المجتهد. ولقد أشكل القول بالتخيير المنسوب إلى القاضي ابن الطيب، واعتذر عنه بأنه مقيد لا مطلق، فلا يخير إلا بشرط أن يكون في تخييره في العمل بأحد الدليلين قاصدا لمقتضى الدليل في العمل المذكور، لا قاصدا لاتباع هواه فيه، ولا لمقتضى التخيير على الجملة، فإن التخيير الذي هو معنى الإباحة مفقود ههنا، واتباع الهوى ممنوع فلابد من هذا القصد. وفي هذا الاعتذار ما فيه، وهو تناقض، لأن اتباع أحد الدليلين من غير ترجيح محال، إذ لا دليل له مع فرض التعارض من غير ترجيح فلا يكون هنالك متبعا إلا هواه. "فصل" وقد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال، اتباعا لغرضه وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق. ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلا عن زماننا كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب اتباعا للغرض والشهوة، وذلك فيما لا يتعلق به فصل قضية وفيما يتعلق به ذلك (١). فأما ما لا يتعلق به فصل قضية بل هو فيما بين الإنسان وبين نفسه في عبادته أو عادته ففيه من المعايب ما تقدم. وحكى عياض في المدارك قال موسى بن معاوية: كنت عند البهلول بن راشد إذ أتاه ابن فلان، فقال له بهلول: ما أقدمك؟ قال نازلة، رجل ظلمه السلطان فأخفيته وحلفت بالطلاق ثلاثا ما أخفيته. قال له البهلول: مالك يقول إنه

стр. 1009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يحنث في زوجته. فقال السائل: وأنا قد سمعته يقول وإنما أردت غير هذا. فقال: ما عندي غير ما تسمع. قال فتردد إليه ثلاثا كل ذلك يقول له البهلول قوله الأول. فلما كان في الثالثة أو الرابعة قال: يا ابن فلان ما أنصفتم الناس، إذا أتوكم في نوازلهم قلتم: (قال مالك). (قال مالك) فإن نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرخص، الحسن يقول: لا حنث عليه في يمينه فقال السائل: الله أكبر قلدها الحسن أو كما قال. وأما ما يتعلق به فصل قضية بين خصمين فالأمر أشد. وفي الموازية كتب عمر بن الخطاب: لا تقضي بقضائين في أمر واحد فيختلف عليك أمرك. قال ابن المواز: لا ينبغي للقاضي أن يجتهد في اختلاف الأقاويل، وقد كره مالك ذلك ولم يجوزه لأحد. وذلك عندي أن يقضي بقضاء بعض من مضى، ثم يقضي في ذلك الوجه بعينه على آخر بخلافه، وهو أيضا من قول من مضى، وهو في أمر واحد. ولو جاز ذلك لأحد لم يشأ أن يقضي على هذا بفتيا قوم ويقضي في مثله بعينه على قوم بخلافه بفتيا قوم آخرين إلا فعل. فهذا ما قد عابه من مضى وكرهه مالك ولم يره صوابا. وما قاله صواب؛ فإن القصد من نصب الحكام رفع التشاجر والخصام، على وجه لا يلحق فيه أحد الخصمين ضرر، مع عدم تطرق التهمة للحاكم. وهذا النوع من التخيير في الأقوال مضاد لهذا كله. وحكى أحمد بن عبد البر أن قاضيا من قضاة قرطبة كان كثير الاتباع ليحيى بن يحيى، لا يعدل عن رأيه إذا اختلف عليه الفقهاء، فوقعت قضية تفرد فيها يحيى وخالف جميع أهل الشورى، فأرجأ القاضي القضاء فيها حياء من جماعتهم (١) وردفته قضية أخرى كتب بها إلى يحيى، فصرف يحيى رسوله، وقال له: لا أشير عليه بشيء؛ إذ توقف على القضاء لفلان بما أشرت عليه. فلما انصرف إليه رسوله وعرفه بقوله قلق منه، وركب من فوره إلى يحيى، وقال له لم أظن أن الأمر وقع منك هذا الموقع، وسوف أقضي له غدا إن شاء الله. فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقا؟ قال نعم. قال له: فالآن هيجت غيظي؛ فإني ظننت إذ خالفني أصحابي أنك توقفت مستخيرا لله، متخيرا في الأقوال، فأما إذ صرت تتبع الهوى وتقضي برضا مخلوق ضعيف فلا خير فيما تجيء به، ولا فيَّ إن رضيته منك، فاستعف من ذلك فإنه أستر لك، وإلا رفعت في عزلك. فرفع يستعفى فعزل.

стр. 1010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقصة محمد بن يحيى بن لبابة أخ الشيخ ابن لبابة مشهورة، ذكرها عياض، وكانت مما غض من منصبه (١). وذلك أنه عزل عن قضاء البيرة لرفع أهلها عليه، ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه، وسجل بسخطته القاضي حبيب بن زياد، وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته، وأن لا يفتي أحدا، فأقام على ذلك وقتا؛ ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر، فشكا إلى القاضي ابن بقي أمره وضرورته إليه، لمقابلته متنزهه وتأذيه برؤيتهم أوان تطلعه من علاليه، فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي فيه، وهو أولى أن يحاط بحرمة الحبس. فقال له: فتكلم مع الفقهاء فيه، وعرفهم رغبتي وما أجزله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة. فتكلم ابن بقي معهم، فلم يجعلوا إليه سبيلا. فغضب الناصر عليهم، وأمر الوزراء بالتوجه فيهم إلى القصر وتوبيخهم. فجرت بينهم وبين الوزراء مكالمة، ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده. وبلغ ابن لبابة هذا الخبر، فرفع إلى الناصر يغض من أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجروا عليه واسعا، ولو كان حاضرا لأفتاه بجواز المعاوضة وتقلدها وناظر أصحابه فيها. فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة إلى الشورى على حالته الأولى، ثم أمر القاضي بإعادة المشورة في المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء، وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم لأجلها وغبطة المعاوضة فيها، فقال جميعهم بقولهم الأول من المنع من تغيير الحبس عن وجهه. وابن لبابة ساكت فقال له القاضي: ما تقول أنت يأبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء. وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحبس أصلا، وهم علماء أعلام يهتدى بهم أكثر الأمة؛ وإذ بأمير المؤمنين من الحاجة إلى هذا المجشر ما به فما ينبغي أن يرد عنه، وله في السنة فسحة، وأنا أقول فيه بقول أهل العراق، وأتقلد ذلك رأيا. فقال له الفقهاء: سبحان الله؛ تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه، واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد عنه بوجه، وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه؟ فقال له محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم، ألم تنزل بأحد منكم ملمة بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم

стр. 1011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأرخصتم لأنفسكم؟ قالوا: بلى. قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخذوا به مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة. فسكتوا، فقال للقاضي: أنه إلى أمير المؤمنين فتياي. فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس، وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب بأن يأخذ له بفتيا محمد بن يحيى بن لبابة، وينفد ذلك ويعوض المرضى من هذا المجشر بأملاكه بمنية عجب وكانت عظيمة القدر جدا تزيد أضعافا على المجشر. ثم جيء من عند أمير المؤمنين بكتاب منه إلى ابن لبابة هذا بولايته خطه الوثائق، ليكون هو المتولي لعقد هذه المعاوضة. فهني بالولاية، وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا. فلم يزل ابن لبابة يتقلد خطه الوثائق والشورى إلى أن مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. قال القاضي عياض ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا الخبر فقال: ينبغي أن يضاف هذا الخبر الذي حل سجل السخطة إلى سجل السخطة، فهو أولى وأشد في السخطة مما تضمنه. أو كما قال (١). وذكر الباجي في كتاب "التبيين لسنن المهتدين" حكاية أخرى في أثناء كلامه في معنى هذه المسألة، قال: وربما زعم بعضهم أن النظر والاستدلال الأخذ من أقاويل مالك وأصحابه بأيها شاء، دون أن يخرج عنها ولا يميل إلى ما مال منها لوجه يوجب له ذلك؛ فيقضي في قضية بقول مالك، وإذا تكررت تلك القضية كان له أن يقضي فيها بقول ابن القاسم مخالفا للقول الأول، لا لرأي تجدد له، وإنما ذلك بحسب اختياره. قال: ولقد حدثني من أوثقه أنه اكترى جزءا من أرض على الإشاعة، ثم إن رجلا آخر اكترى باقي الأرض، فأراد المكتري الأول أن يأخذ بالشفعة وغاب عن البلد، فأفتي المكتري الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أن لا شفعة في الإجارات. قال لي: فوردت من سفري؛ فسألت أولئك الفقهاء - وهم أهل حفظ في المسائل وصلاح في الدين - عن مسألتي. فقالوا: ما علمنا أنها لك؛ إذ كانت لك المسألة أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها، فأفتاني جميعهم بالشفعة، فقضى لي بها، قال وأخبرني رجل عن كبير من فقهاء هذا الصنف مشهور بالحفظ والتقدم أنه كان يقول مُعلنا غير مستتر: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالراوية التي توافقه. قال الباجي: ولو اعتقد هذا القائل أن مثل هذا لا يحل له ما استجازه، ولو استجازه لم يعلن به ولا أخبر

стр. 1012

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . به عن نفسه. قال وكثيرا ما يسألني من تقع له مسأله من الأيمان ونحوها (لعل فيها رواية؟) أو (لعل فيها رخصة) وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة. ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله تعالى في حكمه، فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه والله تعالى يقول لنبيه ﵊: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية؛ فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي، أو يفتي زيدا بما لا يفتي به عمرا، لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق فيجتهد في طلبه، ونهاه أن يخالفه وينحرف عنه وكيف له بالخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلا بتوفيق الله وعونه وعصمته؟ هذا ما ذكره. وفيه بيان ما تقدم من أن الفقيه لا يحل له أن يتخير بعض الأقوال بمجرد التشهي والأغراض من غير اجتهاد، ولا أن يفتي به أحدا. والمقلد في اختلاف الأقوال عليه مثل هذا المفتي الذي ذكر، فإنه إنما أنكر ذلك على غير مجتهد أن ينقل عن مجتهد بالهوى. وأما المجتهد فهو أحرى بهذا الأمر (١). "فصل" وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية، حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإن له نظرا آخر، بل في غير ذلك. فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع. وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا وما ليس بحجة حجة.

стр. 1013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حكى الخطابي في مسألة البتع المذكور في الحديث عن بعض الناس أنه قال: إن الناس لما اختلفوا في الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب واختلفوا فيما سواه حرمنا ما اجتمعوا على تحريمه وأبحنا ما سواه. قال وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، قال: ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل للزم مثله في الربا والصرف ونكاح المتعة لأن الأمة قد اختلفت فيها. قال: وليس الاختلاف حجة وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين. هذا مختصر ما قال. والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه. ومن هذا أيضا جعل بعض الناس الاختلاف رحمة للتوسع في الأقوال، وعدم التحجير على رأي واحد، ويحتج في ذلك بما روي عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما مما تقدم ذكره، ويقول إن الاختلاف رحمة وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين. ويقول له: لقد حجرت واسعا، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك. وهذا القول خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة. والتوفيق بيد الله. وقد مر من الدليل على خلاف ما قالوه ما فيه كفاية والحمد لله. ولكن نقرر منه ههنا بعضا على وجه لم يتقدم مثله (١). وذلك أن المتخير بالقولين مثلا بمجرد موافقة الغرض إما أن يكون حاكما به، أو مفتيا، أو مقلدا عاملا بما أفتاه به المفتي. أما الأول: فلا يصح على الإطلاق، لأنه إن كان متخيرا بلا دليل لم يكن أحد الخصمين بالحكم له أولى من الآخر، إذ لا مرجح عنده بالفرض إلا التشهي. فلا يمكن إنفاذ حكم على أحدهما إلا مع الحيف على الآخر. ثم إن وقعت له تلك النازلة بالنسبة إلى خصمين آخرين فكذلك، أو بالنسبة إلى الأول فكذلك، أو يحكم لهذا مرة ولهذا مرة. وكل ذلك باطل ومؤد إلى مفاسد لا تنضبط بحصر. ومن ههنا شرطوا في

стр. 1014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحاكم بلوغ درجة الاجتهاد، وحين فقد لم يكن بد من الانضباط إلى أمر واحد كما فعل ولاة قرطبة حين شرطوا على الحاكم أن لا يحكم إلا بمذهب فلان ما وجده، ثم بمذهب فلان. فانضبطت الأحكام بذلك وارتفعت المفاسد المتوقعة من غير ذلك الارتباط. وهذا معنى أوضح من إطناب فيه. وأما الثاني: فإنه إذا أفتى بالقولين معا على التخيير فقد أفتى في النازلة بالإباحة وإطلاق العنان، وهو قول ثالث خارج عن القولين. وهذا لا يجوز له إن لم يبلغ درجة الاجتهاد باتفاق. وإن بلغها لم يصح به القولان في وقت واحد ونازلة واحدة أيضا حسبما بسطه أهل الأصول. وأيضا فإن المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه، إلا أنه لا يلزمه المفتي ما أفتاه به. فكما لا يجوز للحاكم التخيير كذلك هذا. وأما إن كان عاميا: فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع، ولأن العامي إنما حكم العلم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب، فإن العبد في تقلباته دائر بين لمتين لمة ملك، ولمة شيطان. فهو مخير بحكم الابتلاء في الميل مع أحد الجانبين، وقد قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشّمس: ٧، ٨] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣] ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠] وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات. والهوى لا يعدوهما. فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له (أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق) فلا يمكن - والحال هذه - أن يقول له: (في مسألتك قولان، فاختر لشهوتك أيهما شئت؟) فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول ما فعلت إلا بقول عالم، لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمي في عماية وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة وهذا المعنى جار في الحاكم وغيره والتوفيق بيد الله تعالى (١).

стр. 1015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: واعترض بعض المتأخرين على من منع من تتبع رخص المذاهب، وأنه إنما يجوز الانتقال إلى مذهب بكماله فقال: إن أراد المانع ما هو على خلاف الأمور الأربعة التي ينقض فيها قضاء القاضي فمسلم. وإن أراد ما فيه توسعة على المكلف فممنوع إن لم يكن على خلاف ذلك. بل قوله ﵊: "بعثت بالحنيفية السمحة" يقتضي جواز ذلك، لأنه نوع من اللطف بالعبد والشريعة لم ترد بقصد مشاق العباد، بل بتحصيل المصالح. وأنت تعلم بما تقدم ما في هذا الكلام، لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها السماح مقيدا بما هو جار على أصولها. وليس تتبع الرخص ولا ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى. فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه، ومضاد أيضا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] وموضع الخلاف موضع تنازع، فلا يصح أن يرد إلى أهواء النفوس، وإنما يرد إلى الشريعة وهي تبين الراجح من القولين فيجب اتباعه، لا الموافق للغرض. فصل: وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يدعي فيه الضرورة وإلجاء الحاجة، بناء على أن الضرورات تبيح المحظورات، فيأخذ عند ذلك بما يوافق الغرض حتى إذا نزلت المسألة على حالة لا ضرورة فيها، ولا حاجة إلى الأخذ بالقول المرجوح أو الخارج عن المذهب، أخذ فيها بالقول المذهبي أو الراجح في المذهب. فهذا أيضا من ذلك الطراز المتقدم؛ فإن حاصله الأخذ بما يوافق الهوى الحاضر. ومحال الضرورات معلومة من الشريعة؛ فإن كانت هذه المسألة منها فصاحب المذهب قد تكفل ببيانها أخذا عن صاحب الشرع، فلا حاجة إلى الإنتقال عنها؛ وإن لم تكن منها فزعم الزاعم أنها منها خطأ فاحش، ودعوى غير مقبولة. وقد وقع في نوازل ابن رشد من هذا مسألة نكاح المتعة. ويذكر عن الإمام المازري أنه سئل: ما تقول فيما اضطر الناس إليه في هذا الزمان - والضرورات تبيح المحظورات - من معاملة فقراء أهل البدو في سني الجدب، إذ يحتاجون إلى الطعام فيشترونه بالدين إلى الحصاد أو الجذاذ، فإذا حل الأجل قالوا لغرمائهم: ما عندنا إلا الطعام فربما صدقوا في ذلك، فيضطر أرباب الديون إلى أخذه منهم، خوفا أن يذهب حقهم في أيديهم بأكل أو غيره؛ لفقرهم، ولاضطرار من كان من أرباب الديون حضريا إلى الرجوع إلى حاضرته، ولأحكام بالبادية أيضا، مع ما في المذهب في ذلك من الرخصة إن لم يكن هنالك شرط ولا عادة، وإباحة كثير من فقهاء

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأمصار لذلك وغيره من بيوع الآجال خلافا للقول بالذرائع (١). فأجاب: إن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ طعام عن ثمن طعام هو جنس مخالف لما اقتضى فهذا ممنوع في المذهب، ولا رخصة فيه عند أهل المذهب كما توهمت. قال: ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه. فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيجة المذهب. وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها؛ ولكن إذا لم يقدر على أخذ الثمن إلا أن يأخذ طعاما، فليأخذه منهم من يبيعه على ملك منفذه إلى الحاضرة، ويقبض البائع الثمن، ويفعل ذلك بإشهاد من غير تحيل على إظهار ما يجوز. فانظر: كيف لم يستجر - وهو المتفق على إمامته - الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يعرف منه؛ بناء على قاعدة مصلحية ضرورية، إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله. فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت في السؤال ليست بضرورة. "فصل" وقد أذكر هذا المعنى جملة في اتباع رخص المذاهب من المفاسد، سوى ما تقدم ذكره في تضاعيف المسألة؛ كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالا لا ينضبط، وكترك ما هو بمعلوم إلى ما ليس معلوم. لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة، وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم، وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها. ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغرض لبسطت من ذلك، ولكن فيما تقدم منه كاف. والحمد لله (٢). "فصل" وقد بنوا أيضا على هذا المعنى مسألة أخرى وهي:

стр. 1017

٢٥٧١ - وَالرَّعْيُ لِلْخِلَافِ مُقْتَضَاهُ … إِعْمَالُ مَرْجُوحٍ بِمَا قَوَّاهُ ٢٥٧٢ - فِي الْجَانِبِ الآخَرِ لِلتَّلَافِي … بَعْدَ الْوُقُوعِ فَانْتَفَى التَّنَافِي هل يجب الأخذ بأخف القولين؟ أم بأثقلهما؟ واستدل لمن قال بالأخف بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٧٥] الآية؛ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] وقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" وقوله: "بعثت بالحنيفية السمحة". وكل ذلك ينافي شرع الشاق الثقيل. ومن جهة القياس أن الله غني كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين الجانبين كان الحمل على جانب الغني أولى. والجواب عن هذا ما تقدم، وهو أيضا مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة، ولذلك سميت تكليفا، من الكلفة وهي المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل لزم ذلك في الطهارات والصلوات والزكوات والحج والجهاد وغير ذلك، ولا يقف عند حد إلا إذا لم يبق على العبد تكليف، وهذا محال. فما أدى إليه مثله؛ فإن رفع الشريعة مع فرض وضعها محال، ثم قال المنتصر لهذا الرأي إنه يرجع حاصله إلى أن الأصل في الملاذ الإذن، وفي المضار الحرمة. وهو أصل قرره في موضع آخر. وقد تقدم التنبيه على ما فيه في كتاب المقاصد وإذا حكمنا ذلك الأصل هنا لزم منه أن الأصل رفع التكليف بعد وضعه على المكلف، وهذا كله إنما جره عدم الالتفات إلى ما تقدم (١). "فصل" "و" أما "الرعي للخلاف" الذي يعد من أصول المالكية فإنه ليس معناه المراد به هو الانتقاء في الأقوال الواردة في مواطن الاختلاف، وإنما معناه و"مقتضاه" هو "إعمال" ما هو "مرجوح" من الأدلة إذا كان معتضدا "بما قواه" وجعله راجحا "في الجانب الآخر" وذلك "للتلافي" والتدارك المطلوب شرعا في ذلك الموطن، والمراد بالجانب الآخر ما "بعد الوقوع" للفعل، "فانتفى" بذلك "التنافي" والتعارض الحاصل هنا بين وجوب العمل بالدليل الراجح، وإهمال المرجوح، وبين هذه القاعدة - مراعاة الخلاف - كما نقل ذلك عن جماعة من الشيوخ.

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الشاطبي: إن المسألة أشكلت على طائفة، منهم ابن عبد البر، فإنه قال: "الخلاف لا يكون حجة في الشريعة". وما قاله ظاهر، فإن دليلي القولين لا بد أن يكونا متعارضين كل واحد منهما يقتضي ضد ما يقتضيه الآخر، وإعطاء كل واحد منهما ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه هو معنى مراعاة الخلاف، وهو جمع بين متنافيين كما تقدم، وقد سألت عنها جماعة من الشيوخ الذين أدركتهم؛ فمنهم من تأول العبارة ولم يحملها على ظاهرها، بل أنكر مقتضاها بناء على أنها لا أصل لها، وذلك بأن يكون دليل المسألة يقتضي المنع ابتداء ويكون هو الراجح ثم بعد الوقوع يصير الراجح مرجوحا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف، فيكون القول بأحدهما في غير الوجه الذي يقول فيه بالقول الآخر، فالأول فيما بعد الوقوع، والآخر فيما قبله، وهما مسألتان مختلفتان، فليس جمعا بين متنافيين ولا قولا بهما معا، هذا حاصل ما أجاب به من سألته عن المسألة من أهل فاس وتونس، وحكى لي بعضهم أنه قول بعض من لقي من الأشياخ وأنه قد أشار إليه أبو عمران الفاسي، وبه يندفع سؤال اعتبار الخلاف وسيأتي للمسألة تقرير آخر بعد إن شاء الله. على أن الباجي حكى خلافا في اعتبار الخلاف في الأحكام، وذكر اعتباره عن الشيرازي. واستدل على ذلك بأن ما جاز أن يكون علة بالنطق جاز أن يكون علة بالاستنباط. ولو قال الشارع: إن كل ما لم تجتمع أمتي على تحريمه واختلفوا في جواز أكله فإن جلده يطهر بالدباغ لكان ذلك صحيحا. فكذلك إذا علق هذا الحكم عليه بالاستنباط. وما قاله غير ظاهر؛ لأمرين (١). أحدهما: أن هذا الدليل مشترك الإلزام، ومنقلب عن المستدل به إذ لقائل أن يسلم أن ما جاز أن يكون علة بالنطق جاز أن يكون علة بالاستنباط ثم يقول: لو قال الشارع: إن كل ما لم تجتمع أمتي على تحليله واختلفوا في جواز أكله فإن جلده لا يطهر بالدباغ لكان ذلك صحيحا، فكذلك إذا علق الحكم بالاستنباط. ويكون هذا القلب أرجح، لأنه مائل إلى جانب الاحتياط. وهكذا كل مسألة تفرض على هذا الوجه. والثاني: أنه ليس كل جائز واقعا، بل الوقوع محتاج إلى دليل. ألا ترى أنا نقول يجوز أن ينص الشارع على أن مس الحائط ينقض الوضوء، وأن شرب الماء الساخن

стр. 1019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يفسد الحج، وأن المشي من غير نعل يفرق بين الزوجين، وما أشبه ذلك، ولا يكون هذا التجويز سببا في وضع الأشياء المذكورة عللا شرعية بالاستنباط. فلما لم يصح ذلك دل على أن نفس التجويز ليس بمسوغ لما قال. فإن قال إنما أعني ما يصح أن يكون علة لمعنى فيه من مناسبة أو شبه، والأمثلة المذكورة لا معنى فيها يستند إليه في التعليل. قيل: لم تفصل أنت هذا التفصيل، وأيضا فمن طرق الاستنباط ما لا يلزم فيه ظهور معنى يستند إليه كالاطراد والانعكاس ونحوه. ويمكن أن يكون الباجي أشار في الجواز إلى ما في الخلاف من المعنى المتقدم، ولا يكون بين القولين خلاف في المعنى. واحتج المانعون بأن الخلاف متأخر عن تقرير الحكم، والحكم لا يجوز أن يتقدم على علته. قال الباجي: ذلك غير ممتنع، كالإجماع، فإن الحكم يثبت به وإن حدث في عصرنا. وأيضا فمعنى قولنا إنه مختلف فيه أنه يسوغ فيه الاجتهاد، وهذا كان حاله في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يتقدم على علته. والجواب عن كلام الباجي أن الإجماع ليس بعلة للحكم، بل هو أصل الحكم. وقوله "إن معنى قولنا مختلف فيه كذا" هي عين الدعوى (١). "فصل" ومن القواعد المبنية على هذه المسألة: أن يقال: هل للمجتهد أن يجمع بين الدليلين بوجه من وجوه الجمع، حتى يعمل بمقتضى كل واحد منهما فعلا أو تركا كما يفعله المتورعون في التروك؟ أم لا؟ أما في ترك العمل بهما معا مجتمعين أو متفرقين فهو التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح. وأما في العمل فإن أمكن الجمع بدليله فلا تعارض، وإن فرض التعارض فالجمع بينهما في العمل جمع بين متنافيين، ورجوع إلى إثبات الاختلاف في الشريعة. وقد مر إبطاله. وهكذا يجري الحكم في المقلد بالنسبة إلى تعارض المجتهدين عليه. ولهذا الفصل تقرير في كتاب التعارض والترجيح إن شاء الله (٢).

стр. 1020

" المسألة الرابعة " ٢٥٧٣ - إِنَّ مَجَالَ الاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرْ … مَا كَانَ دَائِرًا بِمُقْتَضَى النَّظَرْ ٢٥٧٤ - بَيْنَ مَحَلَّىْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتِ … وُضُوحُ قَصْدِ الشَّرْعِ فِيهِ آتِ ٢٥٧٣ - بَيَانُ ذَا كُلُّ خِطَابِ وَاقِعِ … لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ قَصْدُ الشَّارعِ ٢٥٧٦ - فِي جِهَةِ النَّفْيِ أَوِ الإِثْبَاتِ … فَذَاكَ نَوْعُ الْمُتَشَابِهَاتِ " المسألة الرابعة" في أن موطن الاجتهاد هو ما تردد فيه النظر بين طرفين متعارضين فيه. وذلك "إن" الاجتهاد لا يجري فيما وضح أمره وبان حكمه شرعا بلا كدر، ولا غبش، وإنما "مجال الاجتهاد" الفقهي "المعتبر" شأنه هو "ما كان" حاله "دائرا" ومترددا "بمقتضى" وحكم "النظر" الفقهي "بين محلى" يعني طرفي "نفي" لحكم "أو إثبات" - أو بمعنى الواو - أي وإثبات له، بحيث يكون اعتراه جذب كل منهما له بمقتضى ماهيته وذلك بأن يكون إذا نظرت إليه من وجه حكمت فيه بحكم، وإذا نظرت إليه من وجه آخر حكمت له بحكم آخر، فوجه منه يثبت حكما والآخر منه ينفيه، وكلا الطرفين "وضوح" وثبوت جريان "قصد" صاحب "الشرع فيه آت" وواقع، كما تدل على ذلك الأدلة الواردة في ذلك من الكتاب والسنة، فيكون ذلك المحل قد تعارض فيه النفي لحكم ما والإثبات له المعتبران شرعا، فكان خاليا من رجحان أحدهما على الآخر بدليل شرعي حاسم لهذا التعارض. و"بيان ذا" الموضوع وإيضاحه يحصل بأن يقال: لا تخلوا أفعال المكلفين أو تروكهم إما أن يأتي فيها خطاب من الشارع أولا. فإن لم يأت فيه خطاب، فإما أن يكون على البراءة الأصلية، أو يكون فرضا غير موجود، والبراءة الأصلية في الحقيقة راجعة إلى خطاب الشارع بالعفو، أو غيره وإن أتى فيها خطاب فإما أن يظهر للشارع فيه قصد في النفي والإثبات أو لا، فإن لم يظهر له فيه قصد فهو قسم المتشابهات، وبذلك "كل خطاب واقع" أي وارد من الشارع، وهو "لم يتبين" أي يظهر "فيه قصد" صاحب "الشرع" ومراده به سواء "في جهة" جريان "النفي" عليه، بأن يكون مما ينفى ولا يقبل باعتبار مقتضى المقاصد الشرعية "أو" في جهة ما يجري عليه "الإثبات" والقبول بمقتضى ذلك أيضا "فذاك" الخطاب "نوع" من أنواع "المتشابهات" التي تقدم الكلام
следующие страницы →