← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة أو مؤد إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي فيترك وما فعل من ذلك أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل نظرا إلى أن ذلك الواقع واقع المكلف فيه دليلا على الجملة وإن كان مرجوحا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن من القرائن المرجحة كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد إبراهيم وحديث قتل المنافقين وحديث البائل في المسجد فإن النبي ﷺ أمر بتركه حتى يتم بوله لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث عليه من ذلك داء في بدنه فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر وبأنه ينجس موضعين وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد وفي الحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" ثم قال: فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها، وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب للولد وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى الصحيح في هذه الأحكام وفي حرمة المصاهرة وغير ذلك دليل على الحكم بصحته على الجملة وإلا كان في حكم الزنى وليس في حكمه باتفاق، فالنكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول مراعاة لما يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح جانب التصحيح، وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي مفسدة النهي أو تزيد ولما بعد الوقوع دليل عام مرجح تقدم الكلام على أصله في كتاب المقاصد وهو أن العامل بالجهل مخطئا في عمله له نظران نظر من جهة مخالفته للأمر والنهي وهذا يقتضي الإبطال ونظر من جهة قصده إلى الموافقة في الجملة لأنه داخل مداخل أهل الإسلام ومحكوم له بأحكامهم وخطؤه أو جهله لا يجني عليه أن يخرج به عن حكم أهل الإسلام بل يتلافى له حكم يصحح له به ما أفسده بخطئه وجهله وهكذا لو تعمد الإفساد لم يخرج بذلك عن الحكم له بأحكام الإسلام لأنه مسلم لم يعاند الشارع بل اتبع شهوته غافلا عما عليه في ذلك ولذلك قال تعالى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] الآية وقالوا إن المسلم لا يعصي إلا وهو جاهل فجرى عليه حكم الجاهل إلا أن يترجح جانب الإبطال

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالأمر الواضح فيكون إذ ذاك جانب التصحيح ليس له مآل يساوي أو يزيد فإذ ذاك لا نظر في المسألة مع أنه لم يترجح جانب الإبطال إلا بعد النظر في المآل وهو المطلوب (١). "و" منها - كذلك - قاعدة سد "الذرائع" ومنع الوسائل المفضية إلى الحرام، وإن كانت تلك الوسائل حلالا باعتبار أصلها، وهذه القاعدة قد حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه، لأن المفسدة لا يخفى أن المصلحة المتروك فيها محققة، والمفسدة المتروكة من أجلها مظنوة، ومع ذلك حكمها مالك ﵀ في أكثر أبواب الفقه لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة فإن عاقد البيع أولا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهر الجواز من جهة ما يتسبب عن البيع من المصالح على الجملة فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديا إلى بيع خمسة نقدا بعشرة إلى أجل بأن يشترى البائع سلعته من مشتريها بخمسة نقدا فقد صار مآل هذا العمل إلى أن باع صاحب السلعة من مشتريها منه خمسة نقدا بعشرة إلى أجل والسلعة لغو لا معنى لها في هذا العمل لأن المصالح التى لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شئ ولكن هذا بشرط أن يظهر لذلك قصد ويكثر في الناس بمقتضى العادة، ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي فإنه اعتبر المآل أيضا، لأن البيع إذا كان مصلحة جاز، وما فعل من البيع الثاني فتحصيل لمصلحة أخرى منفردة عن الأولى، فكل عقدة منهما لها مآلها، ومآلها في ظاهر أحكام الإسلام مصلحة فلا مانع على هذا إذ ليس ثم مآل هو مفسدة على هذا التقدير، ولكن هذا بشرط أن لا يظهر قصد إلى المآل الممنوع، ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان بإطلاق، واتفقوا في خصوص المسألة على أنه لا يجوز سب الأصنام حيث يكون سببا في سب الله، عملا بمقتضى قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وأشباه ذلك من المسائل التى اتفق مالك مع الشافعي على منع التوسل فيها وأيضا فلا يصح أن يقول الشافعي إنه يجوز التدرع إلى الربا بحال إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع ومالك يتهم بسبب ظهور فعل اللغو وهو دال على القصد إلى الممنوع فقد ظهر أن قاعدة الذرائع متفق على

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اعتبارها في الجملة وإنما الخلاف في أمر آخر (١). "و" منها كذلك "أصل الاستحسان" وقاعدته الجاري حكمه "في المواقع" والمواضع التي يعمل به فيها وهو - أي الإحسان المذكور - في مذهب مالك الآخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتض القياس فيها. أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك وكثير ما يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر وله في الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلا فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل ولكنه أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين ومثله بيع العرية بخرصها تمرا فإنه بيع الرطب باليابس لكنه أبيح لما فيه من الرفق ورفع الحرج بالنسبة إلى المعري والمعرى ولو امتنع مطلقا لكان وسيلة لمنع الإعراء كما أن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر وقصر الصلاة والفطر في السفر الطويل وصلاة الخوف وسائر الترخصات التي على هذا السبيل فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص حيث كان الدليل العام يقتضي منع ذلك لأنا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة فكان من الواجب رعى ذلك المآل إلى أقصاه ومثله الإطلاع على العورات في التداوي والقراض والمساقاة وإن كان الدليل العام يقتضي المنع وأشياء من هذا القبيل كثيرة هذا نمط من الأدلة الدالة على صحة القول بهذه القاعدة وعليها بنى مالك وأصحابه وقد قال ابن العربي في تفسير

стр. 1054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاستحسان بأنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثاء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته ثم جعله أقساما فمنه ترك الدليل للعرف كرد الأيمان إلى العرف وتركه إلى المصلحة كتضمين الأجير المشترك أو تركه للإجماع كإيجاب الغرم على من قط ذنب بغلة القاضي وتركه في اليسير لتفاهته لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق كإجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة وإجازة بيع وصرف في اليسير وقال في أحكام القرآن الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، فالعموم إذا استمر والقياس إذا اطرد فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس ويريان معا تخصيص القياس ونقض العلة ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصا وهذا الذي قال هو نظر في مآلات الأحكام من غير اقتصار على مقتضى الدليل العام والقياس العام. وفي المذهب المالكي من هذا المعنى كثيرا جدا وفي العتبيه من سماع أصبغ في الشريكين يطآن الأمة في طهر واحد فتأتي بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر أنه يكشف منكر الولد عن وطئه الذي أقر به فإن كان في صفته ما يمكن فيه الإنزال لم يلتفت إلى إنكاره وكان كما لو اشتركا فيه وإن كان يدعي العزل من الوطء الذي أقر به فقال أصبغ إني أستحسن هنا أن ألحقه بالآخر والقياس أن يكونا سواء فلعله غلب ولا يدري وقد قال عمرو بن العاص في نحو هذا إن الوكاء قد يتفلت قال والاستحسان في العلم قد يكون أغلب من القياس قال وقد سمعت ابن القاسم يقول ويروي عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان فهذا كله يوضح لك أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها إذ لو استمر على القياس هنا كان الشريكان بمنزلة ما لو كانا يعزلان أو ينزلان لأن العزل لا حكم له إذ أقر الوطء ولا فرق بين العزل وعدمه في إلحاق الولد لكن الاستحسان ما قال لأن الغالب أن الولد يكون مع الإنزال ولا يكون مع العزل إلا نادرا فأجرى الحكم على الغالب وهو مقتضى ما تقدم فلو لم يعتبر المآل في جريان الدليل لم يفرق بين العزل والإنزال وقد بالغ أصبغ في الاستحسان حتى قال إن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة وإن الاستحسان عماد

стр. 1055

٢٦٣٥ - وَكُلُّهَا مَعْدُودَةٌ لِمَالِكِ … فِيمَا لَهُ مِنْ حَسَنِ الْمَدَارِكِ ٢٦٣٦ - وَرَاجِعٌ إِلَيْهِ بَابُ الْحِيَلِ … لِقَلْبِ حُكْمٍ وَسُقُوطِ الْعَمَلِ العلم والأدلة المذكورة تعضد ما قال (١). "و" هذه القواعد - الأصول - "كلها معدودة" الإمام "لمالك" بن أنس ﵀ يعني أنه منسوب إليه العمل بمقتضاها، وذلك معدود "فيما" يعد "له" ويحسب له "من حسن" الأصول وصحيح "المدارك" - جمع مدرك بضم الميم - وهو الدليل الذي يدرك من النظر فيه العلم المطلوب منه والذي يدل عليه. "و" كذلك "راجع إليه" إلى هذا الأصل - وهو النظر في المئالات واعتبارها - أمر "باب الحيل" التي حقيقتها - في واقع الأمر - السعي "لقلب حكم" شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر "و" السعي إلى "سقوط العمل" المطلوب الإتيان به شرعا وعلى كل حال مئال العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزكاة فإن أصل الهبة على الجواز ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعا فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة وهو مفسدة ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية، ومن أجاز الحيل كأبي حنيفة فإنه اعتبر المآل أيضا لكن على حكم الإنفراد فإن الهبة على أي قصد كانت مبطلة لإيجاب الزكاة كإنفاق المال عند رأس الحول وأداء الدين منه وشراء العروض به وغيرها مما لا تجب فيه زكاة وهذا الإبطال صحيح جائز لأنه مصلحة عائدة على الواهب والمنفق لكن هذا بشرط أن لا يقصد إبطال الحكم فإن هذا القصد بخصوصه ممنوع لأنه عناد للشارع كما إذا امتنع من أداء الزكاة فلا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحا ممنوع وأما إبطالها ضمنا فلا وإلا امتنعت الهبة عند رأس الحول مطلقا ولا يقول بهذا واحد منهم ولذلك اتفقوا على تحريم القصد بالإيمان والصلاة وغيرهما إلى مجرد إحراز النفس والمال كالمنافقين والمرائين وما أشبه ذلك وبهذا يظهر أن التحيل على الأحكام الشرعية باطل على الجملة نظرا إلى المآل والخلاف إنما وقع في أمر آخر (٢).

стр. 1056

٢٦٣٧ - وَمِنْهُ يُسْتَمَدُّ الأَصْلُ الجَارِي … فِي أَخْذِ مَطْلُوبٍ مَعَ الطَّوَارِي " المسألة الحادية عشرة " ٢٦٣٨ - وَهَاهُنَا أَسْبَابُ الاخْتِلَافِ … تُذْكَرُ تَفْصِيلًا بِقَوْلٍ شَافِ " و" كذلك "منه" أي من هذا الأصل - أيضا - "يستمد" ويؤخذ "الأصل الجاري" المعمول به "في أخذ" شأن ما هو "مطلوب" أخذه "مع" اكتناف "الطواري" التي لا ترضى شرعا وإحاطتها به وذلك أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الإستطاعة من غير حرج كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات وكثيرا ما يلجئ إلى الدخول في الإكتساب لهم بما لا يجوز ولكنه غير مانع لما يؤول إليه التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض ولو اعتبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا لأدى إلى إبطال أصله وذلك غير صحيح وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضي فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها لأنها أصول الدين وقواعد المصالح وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمها حق الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع. وما ينقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك قضايا أعيان لا حجة في مجردها حتى يعقل معناها فتصير إلى موافقة ما تقرر إن شاء الله والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق والله أعلم (١). "المسألة الحادية عشرة" وهي معقودة في موضوع بيان أسباب الاختلاف الفقهي بين حملة الشريعة وهذا موضوع مهم جدا إذ الإحاطة بشأنه والعلم به يبصر بتمام صورة النظر الفقهي ويوصل إلى إدراك الحكم ومأخذه وإلى أن العلماء جميعا مستندون فيما يأتون وما يدرون من الأحكام الفقهية إلى الأدلة الشرعية التي تدلهم على ما هم عليه. "و" بذلك فإنه تورد "هاهنا" في هذه المسألة "أسباب الاختلاف" بين الفقهاء و"تذكر تفصيلا" وبسطا "بقول" كاف في ذلك و"شاف" فيه.

стр. 1057

٢٦٣٩ - مِنْ ذَاكَ الاشْتِرَاكُ فِي الإِفْرِادِ … أَوْ جِهَةِ التَّصْرِيفِ وَالإِسْنَادِ ٢٦٤٠ - وَدَوَرانُ اللَّفْظِ فِي الْحَقِيقَهْ … وَعَكْسُهَا وَيَقْتَفِي طَرِيقَهْ وهذه الأسباب متعددة وقد ذكر منها - هنا - ثمانية: "من ذاك" الذي ذكر منها هنا الاشتراك وهو على ثلاثة أقسام. أحدها "الاشترك" الواقع في الألفاظ والموجب للتأويلات المختلفة فيها "في" حال "الإفراد" والانفصال لها عن التركيب وذلك كالاشتراك الواقع في لفظ القرءان وفي لفظ "أو" الواقع في قوله - تعالى - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، ثانيها: الاشتراك الواقع فيها - أي الألفاظ - من جانب "جهة" ما يعرض لها بموجب "التصريف" لها من الأحوال والوجوه المحتملة وذلك كلفظة "لا تضار" في قوله - تعالى - ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] ولفظة "لا يضار" في قوله - سبحانه -: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "و" ثالثها: الاشتراك الواقع فيها من جهة "الإسناد" والتركيب. وذلك نحو: "يرفعه" في قوله: - تعالى - ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فإن اختلف في الرافع هنا - فاعل رفعه - فقيل هو الله - تعالى - وقيل هو الكلم، ونحو الضمير في (قتلوه) في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] فقيل الضمير لعيسى ﵇ وهو الراجح، وقيل للعلم. هذا هو السبب الأول "و" السبب الثاني "دوران اللفظ" بحكم حاله في الكلام ومعناه بين أن يكون مستعملا "في الحقيقة" يعني في حقيقته "و" أن يكون مستعملا في "عكسها" وهو المجاز، "و" هذا السبب يتبع السبب الأول و"يقتفي طريقه" من حيث أنه مقسوم - كذلك - إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما يرجع إلى اللفظ المفرد، نحو "ينزل ربنا" في حديث النزول، و"نور" في قوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. ثانيها: ما يرجع إلى أحواله - أي اللفظ - كالإضافة في قوله - تعالى -: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، ولم يبين في هذا التركيب، وذلك كإيراد الممتنع بصورة الممكن، والممكن بصورة الممتنع كلفظ قدر في قوله ذاك الذي أوصى بأن يحرق بعد موته: "لئن قدر الله علي ليعذبني".

стр. 1058

٢٦٤١ - أَوِ الدَّلِيلُ دَارَ مُقْتَضَاهُ … مَا بَيْنَ الاسْتِقْلَالِ أَوْ سِوَاهُ ٢٦٤٢ - أَوْ بَيْنَ مَا يَخُصُّ أَوْ يَعُمُّ … أَوْ كَانَ بَعْضٌ نَسْخَهُ يَؤُمُّ ٢٦٤٣ - أَوْ كَانَ آتِيًا عَلَى احْتِمَالِ … فِيهِ لِحُكْمَيْنِ فِي الاسْتِدْلَالِ وأشباه ذلك مما يورد من الكلام بصورة غيره، كالامر بصورة الخبر، والمدح بصورة الذم، والتقليل بصورة التكثير، وعكسها. السبب الثالث: الحجة "أو الدليل" إذا "دار" بحكم دلالته الظاهرة "مقتضاه" ومعناه "ما بين الاستقلال" والانفراد بالحكم "أو "- بمعنى الواو - أي و"سواه" وهو عدم الاستقلال به وذلك كحديث الوارد في شأن مسألة جمع البيع بالشرط في مذهب الليث بن سعد مع أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وهذه مسألة سيأتي الكلام عليها، وكذلك ما ورد في شأن مسألة الجبر، والقدر، والاكتساب. السبب الرابع: تقلب الدليل "أو" دورانه "بين" أن يكون من "ما يخص أو" - بمعنى الواو - أي وما "يعم" ومما يجري فيه ذلك قوله - تعالى -: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فقد ذهبت طائفة كثيرة من العلماء إلى أن هذه الآية مخصوصة إذ محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون بل هي عامة، لكنها نسخت بآية القتال، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] فقد قيل إنه علمه أسماء كل شيء، وقيل: إنما علمه أسماء الملائكة، وقيل غير ذلك، وعلى كل حال فالدليل هنا متردد بين العموم والخصوص في مقتضاه، ومعناه. السبب الخامس: دعوى النسخ في الدليل وعدمه، وذلك إذا ظهرت علامة النسخ فيه لكنها غير مجزوم بها، "أو كان بعض" من أهل العلم "نسخه" أي نسخ ذلك الدليل "يؤم" ويقصد في بناءه للحكم في موضوعه أو في مجاري مقالاته وأمثلة هذا الصنف كثيرة جدا. السبب السادس: كون الدليل تعتريه احتمالات في مراتبه الدلالية - كالأمر والنهي - "أو كان آتيا على احتمال" ظاهر "فيه لـ" اقتضاء "حكمين" مختلفين مقبولين "في"جهة "الاستدلال" به، وبذلك ينشأ الخلاف في حمل ذلك الدليل على معناه، مثاله: الخلاف الجاري في شأن الأذان، والتكبير على الجنائز، ووجوه القراءات كـ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ في قوله - تعالى -: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 1059

٢٦٤٤ - وَحَالُ الاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ … أَوِ الرِّوَايَاتِ التِي لِلَّناسِ ٢٦٤٥ - وَعُدَّ فِيهَا جُمْلَةٌ مِنَ الْعِلَلْ … فَسَادُ الاسْنَادِ لِمَا قَدِ انْتَقَلْ ٢٦٤٦ - وَالنَّقْلُ بِالْمَعْنَى وَمِنْ كِتَابِ … وَالْجَهْلُ بِالْخَطِّ وَبِالْإِعْرَابِ ٢٦٤٧ - وَالْحَذْفُ لِلْجِزْءِ أَوِ اسقَاطُ السَّبَبْ … أَوْ بِسَمَاعِ الْبَعْضِ فِي حِينِ الطَّلَبْ السبب السابع: "وحال" جهات "الاجتهاد" والاعتبارات الفقهية التي يختلف في مراعاتها فيه "و" كذلك أمر "القياس" وماجرى في شأنه من الاختلاف من حيث حجيته وكذلك من حيث تفاصيل العمل به، ومواضيعه. السبب الثامن: تباين "أو" اختلاف أحوال "الروايات التي" تحصل "للناس" الذين ينقلون الأخبار والأحاديث النبوية، "و" أسباب هذا الاختلاف قد "عد فيها جملة" وكلها "من العلل" اللاحقة للخبر من جهة الرواية، وهي ثماني علل: أحدها: "فساد الإسناد لما قد انتقل" - بفتح التاء مبنيا للفاعل - وروى من الحديث سقوط اعتباره، وذلك يحصل بكون الرواة غير عدول، وهذا مفصل أمره في كتب "مصطلح الحديث". "و" ثانيها: "النقل" للخبر "بالمعنى" دون الإتيان بلفظه الأصلي، وهذا أمر قد يقدح في ذلك الخبر، ويكسوه ثوب الشك والتردد من حيث كونه دليلا شرعيا معتمدا. "و" ثالثها: نقل الحديث "من كتاب" فيه تصحيف وخطأ في الألفاظ، والكلمات، وهذه العلة كالتي قبلها موجبة للشك والتردد في كل خبر حلت فيه، ووجدت. "و" رابعها: "الجهل بالخط" الذي كتب به الخبر بحيث يكون منبهما، وهذا كذلك موجب للتوقف فيما علل به. "و" خامسها: الجهل "بالاعراب" الذي يضبط به الخبر، ويعرف به معناه، ووجهه، وهذا - أيضا - موجب للتوقيف، والقدح في الأخذ بهذا الخبر. "و" سادسها: "الحذف للجزء" من الخبر وهذا يؤدي إلى نقص المعنى. وقد يكون في الجزء المحذوف ما به بيان ذلك الخبر كله، ووضوح المراد به، وبذلك فحذفه موجب لعدم العمل بالجزء الباقي، والمطلوب لذلك هو الوقف "و" سابعتها: حذف "وإسقاط السبب" أي سبب الخبر ومعلوم أن السبب به تمام الفهم لمعنى الخبر والمراد به - عادة - فإسقاطه موجب للنقص في الكلام، وبذلك فهو موجب للوقف. ثامنتها: رواية بعض الخبر، "أو "نقله، وذلك "بسماع" ذلك "البعض" منه فقط "حين الطلب" والرواية للحديث، وهذه العلة كالعلل التي قبلها فيها تقتضيه وتوجبه، وهذه العلل كلها قد يقع الاختلاف بسبب

стр. 1060

" المسألة الثانية عشرة " ٢٦٤٨ - مَا خَالَفَ الْمَشْرُوعَ قَطْعًا لَا يُعَدْ … فِيمَا مِنَ الْخِلَافِ حُكْمًا يُعْتَمَدْ ٢٦٤٩ - كَذَاكَ مَا ظَاهِرُهُ الْخِلَافُ … وَفِي الْحَقِيقَةِ لَهُ ائْتِلَافُ ٢٦٥٠ - وَذَاكَ فِي التَّفْسِيرِ مِمَّا يَكْثُرُ … وَالشَّرْحُ لِلسُّنَّةِ فِيهِ يَصْدُرُ ٢٦٥١ - ثُمَّ لِذَا الْخِلَافِ حَيْثُ يُنْقَلُ … جُمْلَةُ أَسْبَابٍ هُنَا تُفَصَّلُ الاجتهاد في كونها موجودة في محل الخلاف، والنزاع. "المسألة الثانية عشرة" في أن ما لا يعتد به من الأقوال والآراء في الخلاف ضربان: أحدهما: ما خالف المقطوع به في الشريعة. ثانيهما: ما كان ظاهره وقوع الاختلاف فيه وهو في الحقيقة ليس كذلك، وبيان ذلك أن كل "ما خالف" الحكم "المشروع" الثابت "قطعا" في الشريعة فإنه "لا يعد" ولا يحسب "فيما" هو "من الخلاف" الذي يعتد به "حكما" و"يعتمد" في بناء الأحكام الفقهية، ولا في مجاري النظر الفقهي، "و" كذاك - أيضا - حكم "ما ظاهره" وقوع "الخلاف" فيه "و" هو "في الحقيقة" ليس كذلك بل هو "له" مع غيره الذي يظهر أنه مخالف له "ائتلاف" ووفاق، "وذاك" الذي ظاهره الخلاف وهو ليس كذلك "في التفسير" للقرآن الكريم "مما يكثر" فتجد المفسرين ينقلون في معاني ألفاظ الكتاب أقوالا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه. "و" هذا الضرب من الخلاف الذي هو غير حقيقي "الشرح للسنة" قد يرد "فيه" أيضا و"يصدر" أي يأتي، فليجر أمره على سنن الخلاف غير الحقيقي الوارد في تفسير الكتاب العزيز. كما يرد هذا - أيضا - في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم، وهذا الموضع مما يجب تحقيقه فإن نقل الخلاف في مسألة لاخلاف فيها في الحقيقة خطأ كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح. "ثم" بعد تقرر هذا وثبوته ينبغي أن يذكر أن "لذا" أي هذا "الخلاف" الجاري بين أهل العلم "حيث" أي في أي موضع "ينقل" ويذكر "جملة أسباب" تبين "هنا" و"تفصل" على الوجه الذي به تمام بيانها، وإظهارها.

стр. 1061

٢٦٥٢ - مِنْهَا شُمُولُ لَفْظِ مَا يُفَسَّرُ … لِجُمْلَةٍ مِنَ الْمَعَانِي تُذْكَرُ ٢٦٥٣ - وَكَوْنُ الأَلْفَاظِ لَهَا اتِّفَاقُ … فِي حُكْمِ مَعْنىً خَصَّهُ الْمَسَاقُ ٢٦٥٤ - وَمَا يُرَى تَفْسِير إِذْ عَنَّا … مَرْجِعُهُ لِلُغَةٍ وَمَعْنَا وهذه الأسباب "منها" استغراق و"شمول لفظ" قرآني "ما" من ما "يفسر" يعني مما فسره النبي ﷺ أو أحد من أصحابه أو غيرهم "لجملة" وطائفة "من المعاني" المختلفة، ويكون ما نقل في تفسيره عن النبي ﷺ أو غيره كالصحابة بعض ما يدل عليه ذلك اللفظ فقط، ثم يذكر عن غيره من ذكر - من النبي ﷺ أو غيره أشياء أخرى في تفسير ذلك اللفظ مما يحتمله ويشمله وبذلك "تذكر" مفصولة عن الذي ذكر فيه، أولا، وتورد في كتب التفسير على تلك الصورة التي تدل في الظاهر على التميز والانفصال، فيظن أن بين التفسيرين خلافا وواقع الأمر فيهما على خلاف ذلك مثال ما نقلوا في تفسير "المن "بأنه خبز رقاق، وقيل زنجبيل وقيل الترنجبين وقيل شراب مزجوه بالماء، فهذا كله يشمله اللفظ، لأن الله - تعالى - لكن به عليهم، ولذلك جاء في الحديث: "الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل"، فيذكر المن جملة نعم ذكر الناس آحادا. هذا هو السبب الأول من هذه الأسباب، "و" السبب الثاني منها هو "كون الألفاظ" التي وقع تفسير لفظ ما بها مختلفة، لكن معناها واحد، إذ "لها اتفاق" واتحاد "في" مدلول و"حكم معنى" واحد، بينه و"خصه المساق" الذي ورد فيه ذكره، لكن نقل هذه الألفاظ المختلفة في ذلك يوهم أن في ذلك خلافا محققا، وثابتا، كما قالوا في السلوى إنه طير يشبه السماني، وقيل طير أحمر صفته كذا وقيل طير بالهند أكبر من العصفور وكذلك قانوا في المن شيء يسقط على الشجر فيؤكل وقيل صمغة حلوة وقيل الترنجبين وقيل مثل رب غليظ وقيل عسل جامد فمثل هذا يصح حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها (١). "و" السبب الثالث "ما يرى" أي يوجد "تفسيره" من الألفاظ وبيانه "إذ عنا" - الألف للإطلاق - أي عرض في الكلام، على قولين مختلفين: أحدهما: "مرجعه" ومرده لما دل عليه هذا اللفظ من جهة لـ "للغة و "ثانيهما مرجعه إلى تفسير الـ"معنا" المراد به،

стр. 1062

٢٦٥٥ - أَوْ مَا بِهِ الْخِلَافُ غَيْرُ وَارِدِ … مِنْ أَصْلِهِ عَلَى مَحَلِّ وَاحِدِ ٢٦٥٦ - وَمَا بِهِ يَخْتَصُّ مَنْ يَجْتَهِدُ … عِنْدَ رُجُوعِهِ لِمَا يَعْتَمِدُ وهما - أي التفسيران - يرجعان معا إلى حكم واحد، لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر إلى تقرير المعنى في الاستعمال، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أي المسافرين وقيل: النازلين بالأرض القواء وهي القفر وكذلك قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] أي داهية تفجوهم، وقيل سرية من سرايا رسول الله ﷺ وأشباه ذلك (١). السبب الرابع: هو جريان النزاع "أو" الخلاف في "ما" من المواضع النزع "به" يعني فيه و"الخلاف غير وارد من أصله" وما بني عليه من تصور "على محل واحد" وإنما كل قول من أقوال المختلفين له مورد الذي ورد فيه على الخصوص والانفصال عن المورود الذي ورد فيه، غيره من الأقوال الأخرى المخالفة له، مثال ذلك ما ورد من اختلافهم في أن المفهوم له عموم أولا: وذلك أنهم قالوا لا يختلف القائلون بالمفهوم أنه عام فيما سوى المنطوق به، والذين نفوا العموم أرادوا أنه لا يثبت بالمنطوق به، وهو مما لا يختلفون فيه أيضا وكثير من المسائل على هذا السبيل. فلا يكون في المسألة خلاف، وينقل فيها الأقوال على أنها خلاف (٢). "و" السبب الخامس: هو "ما" من الاختلاف يتفرد "به" و"يختص" بأمره "مَنْ" مِنْ أهل العلم "يجتهد" فيؤدي به ذلك إلى اختلاف أقواله في مسألة واحدة. "عند رجوعه لما يعتمد"ــه في آخر أمره من الاختيارات الفقهية الراجحة لديه، وذلك يصير إليه الفقيه المجتهد إذا عن له من الأدلة ما يقتضي رجوعه عما ذهب إليه في أول الأمر، فتنتقل عنه الأقوال المختلفة في ذلك بالنسبة إليه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافا في المسألة، لأن رجوع الإمام عما أفتى به إلى خلافه فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافا في المسألة لأن رجوع الإمام عن القول الأول إلى القول الثاني اطرح منه للأول ونسخ له بالثاني وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع والحق فيه ما ذكر أولا ويدل

стр. 1063

٢٦٥٧ - وَمَا بِهِ الْخِلَافُ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلْ … بِالاخْتِيَارِ لَا عَلَى الْحُكْمِ اشْتَمَلْ ٢٦٥٨ - وَحَيْثُمَا مُفَسِّرٌ قَدْ فَسَّرَا … بِأَوْجهٍ مُحْتَمِلَاتٍ نَظَرَا ٢٦٥٩ - يُبْنَى عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ حُكْمُهُ … مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ يَلُوحُ رَسْمُهُ عليه ما تقدم في مسألة أن الشريعة على قول واحد ولا يصح فيها غير ذلك وقد يكون هذا الوجه على أعم مما ذكر كأن يختلف العلماء على قولين ثم يرجع أحد الفريقين إلى الآخر كما ذكر عن ابن عباس في المتعة وربا الفضل وكرجوع الأنصار إلى المهاجرين في مسألة الغسل من التقاء الختانين فلا ينبغي أن يحكى مثل هذا في مسائل الخلاف (١). "و" السبب السادس: هو "ما" أي الذي "به الخلاف" يعني فيه جار "من حيث العمل" به "بالاختيار" الذي لا يدل على الإنكار لغير المعمول به، وبذلك فهذا الاختيار "لا" يكون "على" الاختلاف في "الحكم" قد "اشتمل" أو دل، وذلك كاختلاف القرآء في وجوه القراءات فإنهم لم يقرءوا بما قرءوا به على إنكاره غيره بل على إجازته والإقرار بصحته وإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات وليس في الحقيقة باختلاف فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون فيها (٢). "و" السبب السابع: هو ما يحصل "حيثما" يكون لفظ "مفسر قد فسرا" الألف من مفسر واحد "بأوجه" كلها "محتملات" - بضم الميم - أي يصبح أن يفسر بها ذلك اللفظ لأنه يحتملها "نظرا" يعني من جهة ما يقتضيه النظر في دلالته اللغوية، أو الشرعية، أو العقلية، أو في دلالة جميع ذلك كله، "و" بذلك "يُبنى على كل احتمال حكمه" ومفاده، ويكون ذلك بالتسوية بين جميع الاحتمالات القائمة في ذلك "من غير ترجيح" لأي احتمال منها على ما سواه "يلوح رسمه" أو تظهر صورته في كلام ذلك المفسر، وإنما تحكى تلك الاحتمالات بالسوية في الإمكان، والدرجة، ويكون ذلك على سبيل توسيع المعاني خاصة. وما كان هكذا فإنه ليس بمستقر خلافا، إذا الخلاف مبنى على التزام كل قائل احتمالا يعضده بدليل يرجعه على غيره من الاحتمالات حتى يبنى عليه، وليس الكلام في مثل هذا.

стр. 1064

٢٦٦٠ - أَوْ أَنْ يُرَى الْخِلَافُ فِي تَنْزِيلِ … مَعْنىً أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي تَأْوِيلِ ٢٦٦١ - أَوْ أَنْ يَكُونَ الْخُلْفُ فِي مُجَرَّدِ … عِبَارَةٍ مُوضِحَةٍ لِلْمَقْصِدِ السبب الثامن هو: أن يوجد "أو أن يرى الخلاف" بين العلماء محصورا "في تنزيل معنى" واحد فيحمله قوم على المجاز - مثلا - وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد كما يقع لأرباب التفسير كثيرا في نحو قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] فمنهم من يحمل الحياة والموت على حقائقهما ومنهم من يحملهما على المجاز ولا فرق في تحصيل المعنى بينهما ونظير هذا قول ذي الرمة: "وظاهر لها من يابس الشخت - وبائس الشخث - وقد مر بيانه وقول ذي الرمة فيه إن بائس ويابس واحد ومثل ذلك قوله ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ٢٠] فقيل كالنهار بيضاء لا شيء فيها وقيل كالليل سوداء لا شيء فيها فالمقصود شيء واحد وإن شبه بالمتضادين الذين لا يتلاقيان" (١). السبب التاسع: هو أن يقع "أو أن يكون" الخلاف "في تأويل" وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي، فهذا لا يعد خلافا حقيقيا، لأن مقصود كل متأول لصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل وجميع التأويلات في ذلك سواء فلا خلاف في المعنى المراد وكثيرا ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه وتقع في غيرها كثيرا أيضا كتأويلاتهم في حديث خيار المجلس بناء على رأي مالك فيه وأشباه ذلك (٢). السبب العاشر: أن يراد "أو أن يكون الخلف في مجرد" الـ "عبارة" الـ "موضحة" والمبينة "للمقصد" والمعنى المراد الذي هو في واقع الأمر معنى واحد، وذلك كاختلافهم في الخبر: هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصة أم ثم قسم ثالث ليس بصدق ولا كذب فهذا خلاف في عبارة والمعنى متفق عليه وكذلك الفرض والواجب يتعلق النظر فيهما مع الحنفية بناء على مرادهم فيهما قال القاضي عبد الوهاب في مسألة الوتر أواجب هو إن أرادوا به أن تركه حرام يجرح فاعله به فالخلاف بيننا وبينهم في معنى يصح أن تتناوله الأدلة وإن لم يريدوا ذلك وقالوا لا يحرم تركه ولا يجرح فاعله فوصفه بأنه واجب خلاف في عبارة لا يصح الاحتجاج عليه وما قاله حق فإن العبارات

стр. 1065

" فصل" ٢٦٦٢ - وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ مَا يُعْتَدُّ … بِهِ مِنَ الْخِلَافِ إِذْ يُعَدُّ ٢٦٦٣ - يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْوِفَاقِ … بِالْقَصْدِ لِلْمَشْرُوعِ بِالإِطْلَاقِ ٢٦٦٤ - وَصَارَ الاخْتِلَافُ فِي الْمَوَاقِعِ … فِيمَا يُؤَدِّيهِمْ لِقَصْدِ الشَّارعِ لا مشاحة فيها ولا ينبني على الخلاف فيها حكم فلا اعتبار بالخلاف فيها هذه عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف يجب أن تكون على بال من المجتهد ليقيس عليها ما سواها فلا يتساهل فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع (١). "فصل" فصل: "وقد يقال" بإعتبار أن العلماء جميعا سائقهم الباطني وقصدهم واحد وهو إدراك الحكم الشرعي والبحث عن مرضات الله - تعالى - "أن ما يعتد به من الخلاف" ويعتبر "إذ يعد" ويحسب في ظاهر الأمر كذلك - وقد تقدم بيانه - هو في الحقيقة "يرجع معناه إلى الوفاق" والإتفاق، وذلك كما تقدم ذكره "بـ" اعتبار حصول "القصد" من العلماء كلهم "لـ" إدراك الحكم "المشروع" المنزل من رب العالمين، وكلهم ساعون إلى ذلك "بالإطلاق" سواء في ذلك من منهم أصاب الحكم المشروع، ومن لم يصبه منهم فكان سائقهم واحد وقصدهم واحدا، "و" بذلك "صار الاختلاف" الحاصل بينهم "في المواقع" والمواضع التي اختلفوا فيها منحصرا "فيما" من الوسائل والسبل "يؤديهم" ويوصلهم "لقصد الشارع" ومراده فقط. "وبيان ذلك أن الشريعة راجعة إلى قول واحد كما تبين قبل هذا والاختلاف في مسائلها راجع إلى دورانها بين طرفين واضحين أيضا يتعارضان في أنظار المجتهدين وإلى خفاء بعض الأدلة وعدم الإطلاع عليه. أما هذا الثاني فليس في الحقيقة خلافا إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله فلذلك ينقض لأجله قضاء القاضي. أما الأول فالتردد بين الطرفين تحر لقصد الشارع المستبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين واتباع للدليل المرشد إلى تعرف قصده، وقد توافقوا في هذين القصدين توافقا لو ظهر معه

стр. 1066

" فصل " ٢٦٦٥ - ثُمَّ يُرَى الْخِلَافُ فِي الْحَقِيقَهْ … خِلَافَ جَاعِلِ الْهَوَى طَرِيقَهْ ٢٦٦٦ - وَقَدْ مَضَى عَدَمُ الاعْتِدَادِ … بِخُلْفِهِ مِنَ الدَّلِيلِ الْهَادِي لكل واحد منهم خلاف ما رآه لرجع إليه ولوافق صاحبه فيه فقد صار هذا القسم في المعنى راجعا إلى القسم الثاني فليس الاختلاف في الحقيقة إلا في الطريق المؤدي إلى مقصود الشارع الذي هو واحد إلا أنه لا يمكن رجوع المجتهد عما أداه إليه اجتهاده بغير بيان اتفاقا وسواء علينا أقلنا بالتخطئة أم قلنا بالتصويب إذ لا يصح للمجتهد أن يعمل على قول غيره وإن كان مصيبا أيضا كما لا يجوز له ذلك إن كان عنده مخطئا فالإصابة على قول المصوبة إضافية فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار. فإذا كان كذلك فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون. ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد حتى لم يصيروا شيعا ولا تفرقوا فرقا لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع فاختلاف الطرق غير مؤثر كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة كرجل تقربه الصلاة وآخر تقربه الصيام وآخر تقربه الصدقة إلى غير ذلك من العبادات فهم متفقون في أصل التوجه لله المعبود وإن اختلفوا في أصناف التوجه فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة وقولهم واحدا ولأجل ذلك لا يصح لهم ولا لمن قلدهم التعبد بالأقوال المختلفة كما تقدم لأن التعبد بها راجع إلى اتباع الهوى لا إلى تحري مقصد الشارع والأقوال ليست بمقصودة لأنفسها بل ليتعرف منها المقصد المتحد فلا بد أن يكون التعبد متحد الوجهة وإلا لم يصح" (١). "فصل" "ثم" إذا تقرر هذا وثبت حكمه فإنه ينبني عليه أنه قد "يرى الخلاف" الذي هو خلاف "في الحقيقة" وواقع الأمر إنما هو "خلاف" تارك منهج الحق و"جاعل الهوى طريقه" في أمور الدين فلم يكن خلفه ناشئا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل، "و" من كان هكذا فإنه "قد مضى" أنه يجب "عدم الاعتداد بخلفه" وعدم المبالاة به، وهذا حكم مأخوذ "من الدليل" الشرعي "الهادي" إلى الحق المبين

стр. 1067

٢٦٦٧ - وَنَقْلُ قَوْلِهِ لِأَنْ يُبَيَّنَا … فَسَادُهُ بِحَيْثُ مَا تَعَيَّنَا - وقد تقدم ذكر هذا الدليل - "و" بناء على هذا يكون "نقل قوله" أي قول هذا المخالف المتبع للهوى "لـ" أجل "أن يبينا" - الألف للإطلاق - ويوضح للناس "فساده" وبطلانه متى "ما تعينا" - الألف للإطلاق - ذلك ووجب، وإنما وجب أن لا يعتد بما كان على هذا الوجه من الخلاف، لأنه إذا اتبع الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى وذلك مخالفة الشرع ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع ولذلك سميت البدع ضلالات وجاء أن كل بدعة ضلالة لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب ودخول الأهواء في الأعمال خفي فأقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع فلا خلاف حينئذ في مسائل الشرع من هذه الجهة فإن قيل هذا مشكل فإن العلماء قد اعتدوا بها في الخلاف الشرعي ونقلوا أقوالهم في علمي الأصول وفرعوا عليها الفروع واعتبروهم في الإجماع وهذا هو الاعتداد بأقوالهم فالجواب من وجهين أحدهما أنا لا نسلم أنهم اعتدوا بها بل إنما أتوا بها ليردوها ويبينوا فسادها كما أتوا بأقوال اليهود والنصارى وغيرهم ليوضحوا ما فيها وذلك في علمي الأصول معا بين وما يتفرع عليها مبنى عليها والثاني إذا سلم اعتدادهم بها فمن جهة أنهم غير متبعين للهوى بإطلاق وإنما المتبع للهوى على الإطلاق من لم يصدق بالشريعة رأسا وأما من صدق بها وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه غير متبع إلا مقتضى الدليل يصير إلى حيث أصاره فمثله لا يقال فيه إنه متبع للهوى مطلقا بل هو متبع للشرع ولكن بحيث يزاحمه الهوى في مطالبه من جهة اتباع المتشابه فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما عليه دليل على الجملة وأيضا فقد ظهر منهم اتحاد القصد على الجملة مع أهل الحق في مطلب واحد وهو أتباع الشريعة وأشد مسائل الخلاف مثلا مسألة إثبات الصفات حيث نفاها من نفاها فإنا إذا نظرنا إلى الفريقين وجدنا كل فريق حائما حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات الحدوث وهو مطلوب الأدلة فاختلافهم في الطريق قد لا يخل بهذا القصد في الطرفين معا وهكذا إذا اعتبرت سائر المسائل الأصولية وإلى هذا فإن منها ما

стр. 1068

٢٦٦٨ - وَالْحَاصِلُ اتِّحَادُ حُكْمِ الشَّرْعِ … فِي كُلِّ أَصْلٍ يُقْتَفَى وَفَرْعِ " المسألة الثالثة عشرة " ٢٦٦٩ - لِطَالِبِ الْعِلْمِ ثَلَاثُ رُتَبِ … رُتْبَةُ مَنْ قَدِ ارْتَقَى فِي الطَّلَبِ ٢٦٧٠ - إِلَى مَحَلِّ الاهْتِدَاءِ لِلنَّظَرْ … فِي شَأْنِ مَا يَحْفَظُهُ قَدْ اسْتَقَرْ يشكل وروده ويعظم خطب الخوض فيه ولهذا لم يظهر من الشارع خروجهم عن الإسلام بسبب بدعهم وأيضا فإنهم لما دخلوا في غمار المسلمين وارتسموا في مراسم المجتهدين منهم بحسب ظاهر الحال وكان الشارع في غالب الأمر قد أشار إلى عدم تعيينهم ولم يتميزوا إلا بحسب الاجتهاد في بعضهم ومدارك الاجتهاد تختلف لم يمكن والحال هذه إلا حكاية أقوالهم والاعتداد بتسطيرها والنظر فيها واعتبارهم في الوفاق والخلاف ليستمر النظر فيه وإلا أدى إلى عدم الضبط ولهذا تقرير في كتاب الإجماع فلما اجتمعت هذه الأمور نقل خلافهم وفي الحقيقة فمن جهة ما اتفقوا فيه مع أهل الحق حصل التآلف ومن جهة ما اختلفوا حصلت الفرقة وإذا كان كذلك فجهة الائتلاف لا خلاف فيها في الحقيقة لصحتها واتحاد حكمها وجهة الاختلاف فهم مخطئون فيها قطعا فصارت أقوالهم زلات لا اعتبار بها في الخلاف فالاتفاق حاصل إذا على كل تقدير (١). "والحاصل" من هذه المسألة أنه يوجد على جزم "اتحاد حكم الشرع" وعدم تعدده "في كل أصل" شرعي "يقتفى" ويتبع "و" كل "فرع" من فروع الشريعة سواء كان موضوعها العبادة، أو المعاملات، فكلمة الإسلام متحدة في واقع الأمر في كل مسألة شرعية، والله - تعالى - هو وحده الموفق. "المسألة الثالثة عشرة" في بيان أنه "لطالب العلم" الشرعي إذا استمر في الطلب "ثلاث رتب" يمر بها أحدها: "رتبة من قد ارتقى" وصعد "في"مرتقى "الطلب" للعلم حتى انتهى به الأمر في ذلك "إلى" مرتبة و"محل الاهتداء" للتنبه و"للنظر" الذي "في شأن" وحال "ما يحفظه" من المسائل العلمية "قد استقر" كما استقر.

стр. 1069

٢٦٧١ - وَالْبَحْثِ عَنْ أَسْبَابِهِ مُفْتَقِرَا … لِلشَّيْخِ فِيمَا يَسْتَفِيدُ نَظَرَا ٢٦٧٢ - وَشَيْخُهُ يُعِينُ فِي التَّفَهُّمِ … وَرَفْعِ إِشْكَالٍ وَصرْفِ مُوهِمِ ٢٦٧٣ - فَلَازِمٌ لِمِثْلِ ذَا التَّقْلِيدُ … وَأَنَّهُ فِي حَقِّهِ الْمَحْمُودُ ٢٦٧٤ - وَرُتْبَةٌ أُخْرَى لِمَنْ تَحَقَّقَا … بِفَهْمِ مَعْنَى مَا اسْتَفَادَ مُطْلَقَا " و" ثبت - أيضا - في "البحث عن" علل ذاك الذي حفظه ومأخذه و"أسبابه" التي قام عليها وجوده هذه الحالة إنما تنشأ عن شعور بمعنى وفهم ما حصل، لكنه مجمل عنده بعد وربما ظهر له في بعض أطرف المسائل جزئيا لا كليا وربما لم يظهر له بعد، فمن كان في هذه الرتبة وهذه الحالة فإنه يكون "مفتقرا" ومحتاجا "للشيخ" الذي يعينه ويرشده "فيما يستفيد" من ذلك "نظرا" يعني بطريقة النظر والتفكر، فيمضي في ذلك وهو ينهي البحث نهايته. "وشيخه يعين" أي يعينه "في" مجرى "التفهم" والتدرج في الإدراك لما يطلبه، "و" ذلك يحصل بوسائل منها "رفع إشكال" وإزالته في المواضع التي يعرض له فيه "و" منها: "صرف" ودفع أمر "موهم" أي موقع في الوهم - أي الخطأ - أو في معنى غير مراد، وبذلك يرشده ويهديه إلى ما يزيل ذلك كله يربيه على الجريان في مجراه في النظر، والفهم، مثبتا قدمه، ورافعا وحشته، مؤدبا له حتى يتسنى له النظر والبحث على الصراط المستقيم. "فـ" هذا الطالب حين بقائه في هذه الرتبة ما زال قاصرا عن النظر الفقهي الصحيح، وبذلك فإنه واجب و"لازم لمثل ذا التقليد" لغيره في أموره الدينية "و" هذا الأمر قد تقرر "أنه في حقه" هو الأمر "المحمود" والسبيل المستقيم، لأنه ما زال ينازع الموارد الشرعية وتنازعه، ويعارضها وتعارضه، طمعا في إدراك أصولها، والاتصال بحكمها ومقاصدها، ولم تتخلص له بعد، - وبذلك - كما تقدم - لا يصح منه الاجتهاد فيما هو ناظر فيه، لأنه لم يتخلص له مسند الاجتهاد، ولا هو منه على بينة بحيث ينشرح صدره بما يجتهد فيه، فاللازم له الكف والتقليد. "و" ثاني هذه الرتبة "رتبة أخرى" وهي الرتبة التي "لمن تحققا" - الألف للإطلاق - أي اتصف حقيقة "بفهم معنى ما" حصل من مسائل العلم و"استفاد" لا "مطلقا" سواء كان ذلك من المسائل القريبة أو البعيدة المدرك.

стр. 1070

٢٦٧٥ - حَسَبَمَا أَدَّى لِمُقْتَضَاهُ … بُرْهَانُهُ الشَّرْعِيُّ وَاقْتَضَاهُ ٢٦٧٦ - فَهْوَ عَلَى بَيِّنَةٍ بِحَيْثُ لَا … يَعْتَرِضُ الشَّكُّ لِمَا قَدْ حَصَّلَا ٢٦٧٧ - لَاكِنَّهُ بِهِ اسْتَمَرَّ الْحَالُ … فِي شَأْنِ مَا كَانَ لَهُ اسْتِقْلَالُ ٢٦٧٨ - فِي حِفْظِهِ فَزَلَّ عَنْهُ حُكْمَا … مَعْ كَوْنِهِ لَمْ يَعْرَ عَنْهُ فَهْمَا ٢٦٧٩ - فَهَلْ لِمَنْ يَبْلُغُهَا أَنْ يَجْتَهِدْ … هِيَ مَحَلُّ الْبَحْثِ وَالْخُلْفُ يَرِدْ ويحصل له ذلك التحقق "حسبما" يدل عليه الدليل الشرعي ويفيده، ووفق ما "أدى" وأوصل "لمقتضاه" وحكمه "برهانه" أي برهان ما حصله "الشرعي" "و" ما "اقتضاه" من حكم، ومعنى، ومقصد وحكمة، ومن كان على هذا الحال وفي هذه الرتبة "فهو على بينة" وعلى بصيرة في فهم معنى ما حصله، وتحقيقه "بحيث" صار يحصل له اليقين و"لا يعترضـ"ــه "الشك لـ" يعني في "ما قد حصلا" - الألف للإطلاق - في المعارف والعلوم، بل تصير الشكوك - إذا وردت عليه - كالبراهين الدالة على صحة ما في يديه فهو يتعجب من المتشكك في محصوله، كما يتعجب من ذي عينين لا يرى ضوء النهار، "لاكنه" امتد "به الحال" و "استمر" به الإعراض "في شأن ما كان" من الأدلة "له استقلال" وانفرد عن الأصول العامة والقواعد الكلية "في حفظه" وتحصيله والمراد بذلك الأدلة التفصلية التي تفيد الأحكام الجزئية فقط "فزل" وزال "عنه" أي عن محفوضه ومدركه من الأدلة، "حكما" فصار لا يستحضره بذاته في بناء الأحكام الفقهية "مع كونه" في حقيقة الأمر "لم يعر عنه" يعني عن إفادته ومقتضاه "فهما" لاكنه مما ترقى بحفظه والعلم به إلى العلم بالكليات والقواعد العامة الذي يعتمد عليها في بناءه للأحكام الفقهية، حتى صار لا يبالي في القطع على المسائل والحكم عليها: أنص على ما يراه في شأنها أم على خلافه فيها. هذه المرتبة مرتبة مهمة ومعتبرة غير أن صاحبها لم يجمع بين العمل بالأدلة التفصلية والعمل بالأدلة الإجمالية كما هو مطلوب "فهل لمن يبلغها" ويصل إليها "أن يجتهد" في الأمور الشرعية، وينبذ التقليد أم لا؟ هذه المسألة "هي محل" وموضع من محال مواضع "البحث و" النظر بين أهل العلم لأنها موضع التباس، فكان "الخلف" لذلك قد "يرد" أي ورد بينهم فيها. وللمحتج للجواز أن يقول إن المقصود الشرعي إذا كان هذا الطالب قد صار له أوضح من الشمس، وتبينت له معاني النصوص الشرعية حتى التأمت وصار بعضها عاضدا للبعض

стр. 1071

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولم يبق عليه في العلم بحقائقها مطلب فالذي حصل عنده هو كلية الشريعة، وعمدة النحلة ومنبع التكليف فلا عليه أنظر في خصوصياتها المنصوصة أو مسائلها الجزئية أم لا، إذ لا يزيده النظر في ذلك زيادة، إذ لو كان كذلك لم يكن واصلا بعد إلى هذه المرتبة، وقد فرضناه واصلا هذا خلف. ووجه ثان، وهو أن النظر في الجزئيات والمنصوصات إنما مقصوده التوصل إلى ذلك المطلوب الكلي الشرعي، حتى يبنى عليه فتياه ويرد إليه حكم اجتهاده فإذا كان حاصلا فالتنزل إلى الجزئيات طلب لتحصيل الحاصل وهو محال. ووجه ثالث وهو أن كلي المقصود الشرعي إنما انتظم له من التفقه في الجزئيات والخصوصات، وبمعانيها ترقى إلى ما ترقى إليه فإن تكن في الحال غير حاكمة عنده لاستيلاء المعنى الكلي، فهي حاكمة في الحقيقة، لأن المعنى الكلي منها انتظم، ولأجل ذلك لا تجد صاحب هذه المرتبة يقطع بالحكم بأمر إلا وقامت له الأدلة الجزئية عاضدة وناصرة، ولو لم يكن كذلك لم تعضده ولا نصرته فلما كان كذلك ثبت أن صاحب هذه المرتبة متمكن جدا من الاستنباط والاجتهاد. وهو المطلوب. وللمانع أن يحتج على المنع من أوجه: منها أن صاحب هذه المرتبة إذا فاجأته حقائقها وتعاضدت مراميها، واتصل له بالبرهان ما كان منها عنده مقطوعا حتى صارت الشريعة في حقه أمرا متحدا ومسلكا منتظما، لا يزل عنه من مواردها فرد ولا يشذ له عن الاعتبار منها خاص إلا وهو مأخوذ بطرف لا بد من اعتباره عن طرف آخر لا بد أيضا من اعتباره، إذ قد تبين في كتاب الأدلة أن اعتبار الكلي مع اطراح الجزئي خطأ كما في العكس. وإذا كان كذلك لم يستحق من هذا حاله أن يترقى إلى درجة الاجتهاد حتى يكمل ما يحتاج إلى تكميله. ومنها أن للخصوصيات خواص يليق بكل محل منها ما لا يليق بمحل آخر، كما في النكاح مثلا فإنه لا يسوغ أن يجرى مجرى المعاوضات من كل وجه، كما أنه لا يسوغ أن يجرى مجري الهبات والنحل من كل وجه، وكما في مال العبد وثمرة الشجرة والقرض والعرايا وضرب الدية على العاقلة والقراض والمساقاة، بل لكل باب ما يليق به ولكل خاص خاصية تليق به لا تليق بغيره. وكما في الترخصات في العبادات

стр. 1072

٢٦٨٠ - وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ فِيهَا أَمْثِلَةْ … كَمِثْلِ الأخْذِ بِالنُّصُوصِ الْمُعْمَلَةْ ٢٦٨١ - وَالنَّفْيِ لِلْقِيَاسِ شَأْنُ الظَّاهِرِي … أَوْ مُعْمِل لِلرَّأْيِ فِي الْمَصَادِرِ ٢٦٨٢ - دُونَ مُرَاعَاةٍ وَلَا اعْتِبَارِ … مُخَالِفٍ لَهُ مِنَ الأَخْبَارِ والعادات وسائر الأحكام، وإن كان كذلك - وقد علمنا أن الجميع يرجع مثلا إلى حفظ الضروريات والحاجيات والتكميليات - فتنزيل حفظها في كل محل على وجه واحد لا يمكن بل لا بد من اعتبار خصوصيات الأحوال والأبواب، وغير ذلك من الخصوصيات الجزئية فمن كانت عنده الخصوصيات في حكم التبع الحكمي لا في حكم المقصود العيني بحسب كل نازلة فكيف يستقيم له جريان ذلك الكلي، وأنه هو مقصود الشارع هذا لا يستمر مع الحفظ على مقصود الشارع. ومنها: أن هذه المرتبة يلزمها إذا لم يعتبر الخصوصيات ألا يعتبر محالها وهي أفعال المكلفين، بل كما يجري الكليات في كل جزئية على الإطلاق يلزمه أن يجريها في كل مكلف على الإطلاق من غير اعتبار بخصوصياتهم. وهذا لا يصح كذلك على ما استمر عليه الفهم في مقاصد الشارع، فلا يصح مع هذا إلا اعتبار خصوصيات الأدلة فصاحب هذه المرتبة لا يمكنه التنزل إلى ما تقتضيه رتبة المجتهد، فلا يستقيم مع هذا أن يكون من أهل الاجتهاد. وإذا تقرر أن لكل احتمال مأخذا كانت المسألة بحسب النظر الحقيقي فيها باقية الإشكال (١). "وهذه الرتبة" التي أهلها يعملون ببعض الأدلة الشرعية دون بعض قد حلت "فيها" مذاهب فقهية، فهي لذلك "أمثلة" يمثل بها لأهلها، وذلك "كمثل" من مذهبه في بناء الأحكام الفقهية هو "الأخذ بـ" ظواهر "النصوص" الشرعية "المعملة" في هذا البناء، لكن مع الطرح "والنفي" لصحة "القياس" والإنكار لكونه حجة شرعية، كما هو "شأن" أهل المذهب "الظاهري" الذي أسسه داود بن علي الظاهري. ومثله - أيضا - مذهب مسلط "أو معمل للرأي" والقياس "في المصادر" ومواطن الأحكام "دون مراعاة ولا اعتبار" مقتضى وحكم ما هو "مخالف له" أي لهذا الرأي "من الأخبار" والأحاديث النبوية على الجملة، وكلا الفريقين - أهل الظاهري وأهل مذهب

стр. 1073

٢٨٨٣ - فَالظَّاهِرِيُّ مَالَ لِلْمَسْمُوعِ … وَرَدِّهِ كُلِّيَّةَ الْمَشْرُوعِ ٢٨٨٤ - فَهْوَ بِذَاكَ غَيْرُ ذِي الْتِفَاتِ … مَا لِلْمَعَانِي مِنْ خُصُوصِيَّاتِ ٢٨٨٥ - وَذُو الْقِيَاسِ جَرَّدَ الْمَعَانِي … وَعَدَّهَا كُلِّيَّةً فِي الشَّأْنِ الرأي هذا - قد غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام، اطرد له في جملة الشريعة اطراد لا يتوهم معه في الشريعة نقص، ولا تقصير، بل على مقتضى قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. "فـ" أما الذي على المذهب "الظاهري" فإنه لا يعتد إلا بظواهر النصوص، أو ما خرج منها بأدلة برهانية، وبذلك "مال لـ" لأخذ بـ "المسموع" من الأدلة والمنقول منها، "ورده" أي جعله "كلية المشروع" يعني الشريعة، فهو لا يبغي عن ذلك حولا، ولا يرى أنه محتاج معه لغيره مما يأخذ به غيره من الأدلة غير النصية، "فهو بذاك" الاقتصار على الأدلة النصية - نصوص الكتاب والسنة - "غير ذي" مبالاة أو "التفات" إلى "ما للمعانى" والمقاصد والعلل المرعاة شرعا في بناء الأحكام "من خصوصيات" تمير مواضع الأحكام بعضها عن بعض، وتوجه النظر إلى فهم مراد الشارع من النصوص الشرعية الواردة فيها، وترشد إلى الوجوه التي تحمل عليها هذه النصوص، وتفسر بها ولا يخفى أن عدم المبالاة بهذا يصد عن التفقه في النصوص الشرعية على الوجه المطلوب ويحجر عن فهمها فهما كاملا وإنما يذهب من على هذا المذهب - المذهب الظاهري - إلى هذا الشأن، ومن ذلك أنه يرى: أن الشريعة إنما جاءت لابتلاء المكلفين أيهم أحسن عملا، ومصالحهم تجرى على حسب ما أجراها الشارع، لا على حسب أنظارهم فنحن من اتباع مقتضى النصوص على يقين في الإصابة من حيث أن الشارع إنما تعبدنا بذلك. واتباع المعاني رأي فكل ما خالف النصوص منه غير معتبر لأنه أمر خاص مخالف لعام الشريعة والخاص الظني لا يعارض العام القطعي (١). "و" أما "ذو" الرأي و"القياس" المذكور فإنه "جرد" وأخرج "المعاني" والمقاصد الشرعية وعلل الأحكام والقواعد الكلية "وعدها كلية في" هذا "الشأن" وهو بناء الأحكام الفقهية فيحكم بمقتضاها على سائر الفروع والجزئيات، من غير التفات منه إلى

стр. 1074

٢٦٨٦ - مُطَّرِحًا لِجَانِبِ اللَّفْظِ وَمَا … مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ فِيهِ يُمِّمَا الأدلة الجزئية التفصيلية، وبذلك يكون "مطرحا" ونابذا "لجانب اللفظ" الشرعي ومقتضاه "وما من الخصوصيات" الدلالية قد أودع "فيه" و"يمما" - الألف للإطلاق - أي قصد فيه شرعا، ومن ثم يتصرف من على هذا المذهب على وفق هذا الذي يراه كلية الشريعة، والأدلة الشرعية التفصيلية إذا وردت عليه، فإنه يصرفها إلى ما يوافق هذا الذي يراه كلية في هذا الشأن، وأن كانت بظواهرها على خلاف ذلك، أو يطرحها بالكلية. ومعتمده في هذا الذي هو عليه في هذا الشأن هو أن: "الشريعة كلها ترجع إلى حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم وعلى ذلك دلت أدلتها عموما وخصوصا دل على ذلك الاستقراء فكل فرد جاء مخالفا فليس بمعتبر شرعا إذ قد شهد الاستقراء بما يعتبر مما لا يعتبر لكن على وجه كلي عام فهذا الخاص المخالف يجب رده وإعمال مقتضى الكلي العام لأن دليله قطعي ودليل الخاص ظني فلا يتعارضان" (١). فأصحاب الرأي - هذا - جردوا المعاني، فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات الألفاظ والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات المعاني القياسية ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت فيه الأخرى بناء على كلى ما اعتمدته في فهم الشريعة. ويمكن أن يرجع إلى هذا القبيل ما خرج ثابت في الدلائل عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: وجدت في كتاب جدي أتيت مكة فأصبت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فأتيت أبا حنفية فقلت له ما تقول في رجل باع بيعا واشترط شرطا قال البيع باطل والشرط باطل وأتيت ابن أبي ليلي فقال البيع جائز والشرط باطل وأتيت ابن شبرمة فقال البيع جائز والشرط جائز فقلت سبحان الله ثلاثة من فقهاء الكوفة يختلفون علينا في مسألة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بقولهما فقال لا أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته بقولهما فقال لا أدري ما قالا حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (اشتري بريرة واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق) فأجاز البيع وأبطل الشرط، فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بقولهما فقال ما

стр. 1075

٢٦٨٧ - وَرُتْبَةُ الْجَامِعِ لِلْأَمْرَيْنِ … وَالْمُقْتَفِى شَرْعًا كِلَا الْحُكْمَيْنِ ٢٦٨٨ - رُتْبَةُ مَنْ قَدْ بَلَغَ النِّهَايَةْ … وَهْيَ لِلاجْتِهَادِ أَقْصَى غَايَةْ ٢٦٨٩ - إِذْ نَزَّلَ الْمَعَانِيَ الشَّرْعِيَّةْ … عَلَى خُصُوصِيَّاتِهَا الْفَرْعِيَّةْ ٢٦٩٠ - بِحَيْثُ لَا يَصُدُّهُ اسْتِبْصَارُ … فِي طَرَفٍ عَمَّا لَهُ اعْتِبَارُ أدري ما قالاه حدثني مسعود بن حكيم عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال: اشترى مني رسول الله ﷺ ناقة فشرطت حملاني فأجاز البيع والشرط فيجوز أن يكون كل واحد منهم اعتمد في فتياه على كلية ما استفاد من حديثه ولم ير غيره من الجزئيات معارضا فأطرح الاعتماد عليه والله أعلم (١). "و" أما الرتبة الثالثة فهي "رتبة الجامع للأمرين و" هما العمل بالقواعد الكلية، والعمل بالأدلة الجزئية التفصيلية، فصار بذلك الرجل "المقتفى" أي المتبع "شرعا كلا الحكمين" حكم القواعد الكلية، وحكم الأدلة التفصيلية الجزئية، وهذه الرتبة هي "رتبة من قد بلغ" غاية "النهاية" في العلم الشرعي، "و" بذلك فـ "هي لـ" تحصيل "الاجتهاد" وإدراكه "أقصى غاية" له، فليس وراءها رتبة أخرى تطلب في هذا الشأن، فصاحبها قد اتصف فيه بما به تمام هذا الأمر - الاجتهاد - "إذ نزل المعاني الشرعية" العامة "على خصوصياتها الفرعية" المراعاة للشارع، فلا يعمل بالقاعدة الكلية في موضع ما وهو معرض على ما ورد فيه من الأدلة الجزئية التفصيلية، كما لايعمل بدليل تفصيلي في موضع ما إلا وهو مستحضر للقاعدة الكلية الجاري حكمها فيه فصار "بحيث لا يصده" ولا يمنعه "استبصار" واستضاءة "في طرف" يعني بطرف من الطرفين - القواعد العامة والأدلة التفصيلية - "عما له اعتبار" من الطرف الآخر، فهو لا يجرى على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر، ومع ذلك يلتفت إلى تنزل ما تلخص وتخلص له من ذلك على ما يليق من أفعال المكلفين. وهذه الرتبة لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها وحاصله أنه متمكن فيها حاكم لها غير مقهور فيها بخلاف ما قبلها فإن صاحبها محكوم عليه فيها ولذلك قد

стр. 1076

٢٦٩١ - وَذَا هُوَ الْعَالِمُ وَالرَّبَّانِي … وَالرَّاسِخُ الْمَحْمُودُ فِي الْقُرْآنِ ٢٦٩٢ - وَهْوَ لَهُ عَلَامَتَانِ الأُولَى … جَوَابُ مَنْ يَسْأَلُهُ تَفْصِيلَا ٢٦٩٣ - عَلَى الذِي يَلِيقُ بِالسُّؤَالِ … فِيمَا يَخُصُّهُمْ مِنَ الأَحْوَالِ ٢٦٩٤ - وَكَوْنُهُ يَنْظُرُ فِي الْمَئَالِ … مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجِيبَ فِي سُؤَالِ تستفزه معانيها الكلية عن الالتفات إلى الخصوصيات وكل رتبة حكمت على صاحبها دلت على عدم رسوخه فيها وإن كانت محكوما عليها تحت نظره وقهره فهو صاحب التمكين والرسوخ فهو الذي يستحق الانتصاب للاجتهاد والتعرض للاستنباط وكثيرا ما يختلط أهل الرتبة الوسطى بأهل هذه الرتبة فيقع النزاع في الاستحقاق أو عدمه والله أعلم (١). "وذا" الذي على هذه الرتبة "هو" الذي يسمى "العالم، والرباني، والراسخ" في العلم "الممدوح في القرآن" الكريم، وهو - أيضا - الحكيم، والفقيه، والعاقل لأنه يربى بصغار المسائل قبل كبارها، ويوفي كل أحد حقه حسبما يليق به وقد تحقق بالعلم، وصار له كالوصف المجبول عليه، وفهم عن الله مراده. "و" هذا الصنف من العلماء "هو" صنف متميز "له علامتان" العلامة "الأولى" منهما هي: "جواب من يسأله تفصيلا" بحيث يجيبه "على" الوجه "الذي يليق بـ "حال صاحب "السؤال" بخصوصة، إذ ديدانه اعتبار من يفتيهم "فيما يخصهم من الأحوال" إذا كانت لهم أحوال تخصهم، بخلاف صاحب الرتبة الثانية فإنه إنما يجيب من رأس الكلية من غير اعتبار بخاص من الأحوال. "و" العلامة الثانية هو "كونه ينظر في المئال" الذي إليه العمل بما يفتي به "من قبل أن يجيب في" يعني عن "سؤال" السائل، وصاحب الرتبة الثانية لا ينظر في ذلك، ولا يبالي بالمئال إذا ورد عليه أمر، أو نهى، أو غيرهما وكان مساقه كليا. ولهذا الموضع أمثلة كثيرة تقدم منها جملة في مسألة الاستحسان، ومسألة اعتبار المئال، وفي مذهب الإمام من ذلك كثير.

стр. 1077

" المسألة الرابعة عشرة " ٢٦٩٥ - قَدْ مَرَّ فِي الْقَوَاعِدِ الْمَكِّيَّةْ … بِأَنَّهَا الأوَائِلُ الْكُلّيَّةْ ٢٦٩٦ - وَأَنَّهَا أَتَتْ عَلَى الإِطْلَاقِ … بِمُقْتَضَى مَكَارِمِ الأخْلَاقِ " المسألة الرابعة عشرة" في أنه تقدم التنبيه في الكلام الماضي على الاجتهاد الخاص بالعلماء، والاجتهاد العام لجميع المكلفين، ولكن لا بد من إعادة شيء من ذلك على وجه يوضح النوعين ويبين جهة المأخذ في الطريقين. وبيان ذاك أنه "قد مر" في المسألة الثامنة في كتاب الأدلة "في" مجرى الحديث عن "القواعد" أي الأصول المشروعة بالسّور "المكية" أي النازلة بمكة وما في حكمها "بأنها الأوائل" أي القواعد والأصول المشروعة "الكلية" العامة الجميلة. "وأنها" أي هذه الأصول والقواعد قد "أتت على" وجه "الإطلاق" فهي غير مقيدة بجزئيات معينة وإنما شرعت "بمقتضى" وموجب أصل محاسن العادات عند أرباب العقول و"مكارم الأخلاق" ومن التلبيس بكل ما هو معروف من ذلك والتباعد عن كل ما هو منكر في محاسن العادات فيما سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة، وكذلك مثل حدود الصلوات وما أشبهها. فكان أكثر ذلك موكولا إلى أنظار المكلفين في تلك العادات ومصروفا إلى اجتهادهم ليأخذ كل بما لاق به وما قدر عليه من تلك المحاسن الكليات وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها ونفلها حسبما بينه الكتاب والسنة وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين ومؤاساة الفقراء والمساكين من غير تقدير مقرر في الشريعة وصلة الأرحام قربت أو بعدت على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق والدفع بالتي هي أحسن وما أشبه ذلك من المشروعات المطلقة التي لم ينص على تقييدها بعد وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات والفواحش على مراتبها في القبح (١).

стр. 1078

٢٦٩٧ - وَالْمَدَنِيُّ شَأْنُهُ التَّكْمِيلُ … وَالشَّرْحُ وَالْبَيَانُ وَالتَّفْصِيلُ ٢٦٩٨ - أَكْثُرُهُ آتٍ لِجزْءٍ ثَابِتٍ … وَمَعَ أَسْبَابٍ وَفِي حَالَاتِ ٢٦٩٩ - فَوَقَعَ التَّحْدِيدُ لِلأحْكَامِ … عِنْدَ اتِّسَاعِ خُطَّةِ الإِسْلَامِ ٢٧٠٠ - وَطَلَبِ الْعِبَادِ لِلْحُظُوظِ فِي … جُمْلَةِ مَا لَهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ " و" أما القرآن "المدني" النازل بالمدينة وما فيه حكمه فإن "شأنه" هو "التكميل" لمقتضى هذه الأصول المكية "والشرح والبيان" لما طلب بيانه وشرحه من ذلك "والتفصيل" بإيضاح لما هو مجمل منه. وبذلك كان الحكم المدلول عليه بالقرءان المدني في الغالب "أكثره آت" ووارد "لجزء ثابت" وواقعة معينة كالرخص الواردة في أمور محددة، وإنما حصل هذا التعقيد والتعيين في الأحكام "ومع" وجود "أسباب" حادثة اقتضت ذلك "وفي حالات" لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات. ومع هذا استمر العمل بمقتضى ذلك الإطلاق في الأخذ بالمشروعات الذي مضى تقرير حكمه أولا فلم يترك الصحابة والتابعون هذا الأمر وبذلك كانوا مثابرين على مجانبة المنكرات والفواحش على مراتبها في الفتح، وعلى التلبيس بالمحاسن، فكانوا آخذين فيها بأقصى مجهودهم وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم إلا أنه بعد ما فتحت البلدان وانتشر الإسلام في أصقاع الأرض طلب الضبط والتعيين للأحكام الشرعية على وجه تفصيلي تنهار به الحقوق والواجبات والممنوعات والمباحات بعضها عن بعض بدرجتها المختلفة بوجه تام "فوقع التحديد" والتعيين "لـ" هذه "الأحكام" بالتفصيل عملا بالأحكام الواردة في القرآن المدني المفصلة وبالاجتهاد في ما لا نص فيه "عند" وقوع هذا الأمر المذكور، وهو "اتساع خطة الإسلام" وإيالته - ما يجري حكم الإسلام عليه ويدار من أهله - "و" هذا الاتساع إنما كان عنه هذا التجديد لأنه نشأ عنه حصول "طلب العباد للحظوظ" النفسية الدنيوية "في جملة ما" كان "لهم من التصرف" والعمل المتجلي في وقوع مشاحات في المعاملات ومطالبات بأقصى ما يحق لهم في مقطع الحق، وكذلك عروض خصوصيات ضرورات تقتضي أحكاما خاصة، وبدو فلتات من بعضهم في مخالفة المشروعات، وارتكاب الممنوعات، مما احتاجوا عنده إلى الحدود تقتضيها تلك العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات إذ كان أكثرها

стр. 1079

٢٧٠١ - فَمُقْتَضَى التَّشْرِيعِ كُلِّيَاتُ … مُطْلَقَةُ الْحُكْمِ وَجُزْئِيَّاتُ جزئيات لا تستقل بإدراكها العقول السليمة فضلا عن غيرها كما لم تستقل بأصول العبادات وتفاصيل التقربات ولا سيما حين دخل في الإسلام من لم يكن لعقله ذلك النفوذ من عربي أو غيره أو من كان على عادة في الجاهلية وضري على استحسانها فريقه ومال إليها طبعه وهي في نفسها على غير ذلك وكذلك الأمور التي كانت لها في عادات الجاهلية جريان لمصالح رأوها وقد شابها مفاسد مثلها أو أكثر هذا إلى ما أمر الله به من فرض الجهاد حين قووا على عدوهم وطلبوا بدعائهم الخلق إلى الملة الحنيفية وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأنزل الله تعالى ما يبين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان تارة القرآن وتارة بالسبة فتفصلت تلك المجملات المكية وتبينت تلك المحتملات وقيدت تلك المطلقات وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات ليكون ذلك الباقي المحكم قانونا مطردا وأصلا مستنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وليكون ذلك تماما لتلك الكليات المقدمة وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلا من الله ونعمة. فالأصول الأولى باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات. وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مع الأحكام المدنية، فإن الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين، وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات، فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة، وما أشبه ذلك، مع بقاء الكليات المكية على حالها، وذلك يؤتى بها في السور المدنيات تقريرا وتأكيدا، فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين، وتمت واسطتها بالطرفين، فقال الله تعالى عند ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١). وهكذا "فمقتضى" وموجب "التشريع" الإسلامي مشروعات "كليات" عامة "مطلقة الحكم" جارية على ما تقتضيه مجاري العادات الحسنة من الفعل والترك عند أرباب العقول - كما تقدم بيانه - "و" كذلك من مقتضاه - أيضا - مشروعات "جزئيات" على

стр. 1080

٢٧٠٢ - فَمَا لِكُلِّيَّاتِهِ قَدِ انْتَمَا … يُشَارِكُ الْجُمْهُورُ فِيهِ الْعُلَمَا ٢٧٠٣ - وَمَا بِجُزْءٍ ثَابِتٍ قَدِ اسْتَقَرْ … يَخْتَصُّ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ بِالنَّظَرْ الوجه الذي تقدم بيانه. "فما" من تلك المشروعات "لكلياته" تلك "قد انتما" فاندرج تحتها فإنه "يشارك الجمهور فيه" يعنى في العلم به وإدراكه "العلماء" لأن مأخذه العقول الراجحة ومحاسن العادات. "و" أما ما كان منه "بجزء ثابت" واحد "قد" جرى و"استقر" فإنه لا مجال للجمهور في شأن العلم به وإنما "يختص أهل العلم" الشرعي - الفقهاء - "فيه بالنظر" وبناء الحكم فيه على الوجه المبين في أصول الفقه. ولذلك عنى الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان التنازع والمشاحة والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل الله إلى ما حرم فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما إلى مقاربة الحد الفاصل فهم يزعونهم عن مداخلة الحمى وإذا زل أحدهم يبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بحجزهم تارة بالشدة وتارة باللين فهذا النمط هو كان مجال اجتهاد الفقهاء وإياه تحروا، وأما سوى ذلك مما هو من أصول مكارم الأخلاق فعلا وتركا فلم يفصلوا القول فيه لأنه غير محتاج إلى التفصيل بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل بإدراك العمل فيه فوكلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده إذ كيف ما فعل فهو جار على موافقة أمر الشارع ونهيه وقد تشتبه فيه أمور ولكن بحسب قربها من الحد الفاصل فتكلم الفقهاء عليها من تلك الجهة فهو من القسم الأول فعلى هذا كل من كان بعده من ذلك الحد أكثر كان إعراقه في مقتضى الأصول الكلية أكثر وإذا نظرت إلى أوصاف رسول الله ﷺ وأفعاله تبين لك فرق ما بين القسمين وبون ما بين المنزلتين وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة واتصافهم بمقتضى تلك الأصول وعلى هذا القسم عول من شهر من أهل التصوف وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في

стр. 1081

" فصل " هذه الجزئيات والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها بالأصول الأولى على حسب ما استطاعوا وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك فعاملوا ربهم في الجميع ولا يقدر على ذلك إلا الموفق الفذ وهو كان شأن معاملات الصحابة كما نص عليه أصحاب السير ولم تزل الأصول يندرس العمل بمقتضاها لكثرة الاشتغال بالدنيا والتفريع فيها حتى صارت كالنسي المنسي وصار طالب العمل بها كالغريب المقصى عن أهله وهو داخل تحت معنى قوله ﵊ بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء فالحاصل من هذه الجملة أن النظر في الكليات يشارك الجمهور فيه العلماء على الجملة وأما النظر في الجزئيات فيختص بالعلماء واستقراء ما تقدم من الشريعة يبينه. "فصل" كان المسلمون قبل الهجرة آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أداهم إليه اجتهادهم واحتياطهم فسبقوا غاية السبق حتى سموا السابقين بإطلاق ثم لما هاجروا إلى المدينة ولحقهم في ذلك السبق من شاء الله من الأنصار وكملت لهم بها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم فكانت المتمات أسهل عليهم فصاروا بذلك نورا حتى نزل مدحهم والثناء عليهم في مواضع من كتاب الله ورفع رسول الله ﷺ من أقدارهم وجعلهم في الدين أئمة فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة ولم يتركوا بعد الهجرة ما كانوا عليه بل زادوا في الاجتهاد وأمعنوا في الانقياد لما حد لهم في المكي والمدني معا لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم المكيات ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما متعوا به من الأخذ بحظوظهم وهم منها في سعة ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥] فعلى تقرير هذا الأصل من أخذ بالأصل الأول واستقام فيه كما استقاموا فطوبى له ومن أخذ بالأصل الثاني فبها ونعمت وعلى الأول جرى الصوفية الأول وعلى الثاني جرى من عداهم ممن لم يلتزم ما التزموه، ومن ههنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نحلتهم المعروفة فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة ولا هي مما يلزمهم شرعا فيظن الظان أنهم

стр. 1082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شددوا على أنفسهم وتكلفوا ما لم يكلفوا ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة وحاش لله ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ وتنزيل أعمالهم عليه تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال أما على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبك فخمسة دراهم وما أشبه ذلك علمت أن هذا يستمد مما تقدم فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله ولم يبين فيه الواجب من غيره بل وكل إلى اجتهاد المنفق ولا شك أن منه ما هو واجب ومنه ما ليس بواجب والاحتياط في مثل هذه المبالغة في الإنفاق في سد الخلات وضروب الحاجات إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق فأخذ هذا المسؤول في خاصة نفسه بما أفتى به والتزمه مذهبا في تعبده وفاء بحق الخدمة وشكر النعمة وإسقاطا لحظوظ نفسه وقياما على قيام العبودية المحضة حتى لم يبق لنفسه حظا وإن أثبته له الشارع اعتمادا على أن لله خزائن السموات والأرض وأنه قال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] وقال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] ونحو ذلك فهذا نحو من التعبد لمن قدر على الوفاء به ومثله لا يقال في ملتزمه إنه خارج عن الطريقة ولا متكلف في التعبد لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي الواجبة انحتاما مقدرة ألا تتعدى إلى ما دونها وبقي ما سواها على حكم الخيرة فاتسع على المكلف مجال لإبقاء جوازا والإنفاق ندبا فمن مقل في إنفاقه ومن مكثر والجميع محمودون لأنهم لم يتعدوا حدود الله فلما كان الأمر على هذا استفسر المسؤول السائل ليجيبه عن مقتضى سؤاله، ومنهم من لا ينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع بل يبقى بيده ما تجب في مثله الزكاة حتى تجب عليه وهو مع ذلك موافق في القصد لمن لم يبق شيئا علما بأن في المال حقا سوى الزكاة وهو لا يتعين تحقيقا وإنما فيه الاجتهاد فلا يزال ناظرا في ذلك مجتهدا فيه ما بقي بيده منه شيء متحملا منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله سواء عليه أمد نفسه منه أم لا. وهذا كان غالب أحوال الصحابة ولم يكن إمساكهم

стр. 1083

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مضادا لاعتمادهم على مسبب الأسباب إلا أن هذا الرأي أجري على اعتبار سنة الله تعالى في العاديات والأول ليس للعاديات عنده مزية في جريان الأحكام على العباد وأما من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه وقد أثبت له حظه من التوسع في المباحات على شرط عدم الإخلال بالواجبات وهكذا يجب أن ينظر في كل خصلة من الخصال المكية حتى يعلم أن الأمر كما ذكر فالصواب والله أعلم أن أهل هذا البلد معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين وهما من لا يأخذ بتسببه أو يأخذ به ولكن على نسبة القسمة ونحوها فإن قيل فلم لا تقع الفتيا بمقتضى هذا الأصل عند الفقهاء؟ فاعلم أن النظر فيه خاص لا عام، بمعنى أنه مبني على حالة يكون المستفتي عليها وهو كونه يعمل لله ويترك لله في جميع تصاريفه، فسقط له طلب الحظ لنفسه، فساغ أن يفتي على حسب حاله، لأنه يقول: هذه حالتي فاحملني على مقتضاها؟ فلا بد أن يحمله على ما تقضيه كما لو قال أحد للمفتي إني عاهدت الله على أن لا أمس فرجي بيميني أو عزمت على ألا أسأل أحدا شيئا، وأن لا تمس يدي يد مشرك وما أشبه هذا، فإنه عقد لله على فعل فضل وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ومدح الله في كتابه الموفين بعهدهم إذا عاهدوا وهكذا كان شأن المتجردين لعبادة الله فهو مما يطلب الوفاء به ما لم يمنع مانع. وفي الحديث (إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا) فكان أحدهم يقع له سوطه من يده فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه وقال عثمان ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ وقصة حمى الدبر ظاهرة في هذا المعنى إذ عاهد الله أن لا يمس مشركا فحمته الدبر حين استشهد أن يمسه مشرك الحديث كما وقع. غير أن الفتيا بمثل هذا اختصت بشيوخ الصوفية لأنهم المباشرون لأرباب هذه الأحوال. وأما الفقهاء فإنما يتكلمون في الغالب مع من كان طالبا لحظه من حيث أثبته له الشارع فلا بد أن يفتيه بمقتضاه وحدود الحظوظ معلومة في فن الفقه فلو فرضنا أحدا جاء سائلا وحاله ما تقدم لكان على الفقيه أن يفتيه بمقتضاه ولا يقال إن هذا خلاف ما صرح به الشارع لأن الشارع قد صرح بالجميع لكن جعل إحدى الحالتين وهي المتكلم فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ولم يلزمها أحدا لأنها اختيارية في الأصل بخلاف الأخرى العامة فإنها لازمة فاقتضى ذلك الفتيا بها عموما كسائر ما يتكلم الفقهاء

стр. 1084

" فصل" ٢٧٠٤ - أَرْبَابُ الأحْوَالِ لَهُمْ مَجَالُ … لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ بِهِ اسْتِقْلَالُ ٢٧٠٥ - إِذْ أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْعَادَةْ … بِأَكْمَلِ الحَالَاتِ وَالْعِبَادَةْ فيه. فإن قيل: فإذا كانت غير لازمة فلم تقع الفتيا بها على مقتضى اللزوم؟ قيل: لم يفت بها مقتضى اللزوم الذي لا ينفك عنه السائل من حيث القضاء عليه بذلك وإنما يفتي بها وهو طالب أن يلزم نفسه ذلك حسبما استدعاه حاله وأصل الإلزام معمول به شرعا أصله النظر والوفاء بالعهد في التبرعات. ومن مكارم الأخلاق ما هو لازم كالمتعة في الطلاق، وحديث: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره). وكان ﵊ يعامل أصحابه بتلك الطريقة ويميل بهم إليها كحديث الأشعريين إذا أرملوا وقوله: (من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له) الحديث بطوله وقوله: (من ذا الذي تألى على الله لا يفعل الخير) وإشارته إلى بعض أصحابه أن يحط عن غريمه الشطر من دينه. وقد أنزل الله في شأن أبي بكر الصديق حين ائتلى أن لا ينفق على مسطح ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] الآية وبذلك عمل عمر بن الخطاب في حكمه على محمد بن مسلمة بإجراء الماء على أرضه وقال: والله ليمرن به ولو على بطنك إلى كثير من هذا الباب. وأخص من هذا فتيا أهل الورع إذا علمت درجة الورع في مراتبه فإنه يفتي بما تقتضيه مرتبته، كما يحكى عن أحمد بن حنبل أن امرأة سألته عن الغزل بضوء مشاعل السلطان فسألها من أنت فقالت أخت بشر الحافي فأجابها بترك الغزل بضوئها هذا معنى الحكاية دون لفظها وقد حكى مطرف عن مالك في هذا المعنى أنه قال كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يفتي به الناس يعني العوام ويقول لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم هذا كلامه. وفي هذا من كلام الناس والحكايات عنهم كثير والله أعلم (١). فصل: في أن "أرباب الأحوال" من الصوفية "لهم مجال" انفردوا به في شأن العبادة فـ "ليس لغيرهم" من عامة الناس طاقة "به" و"استقلال" أي قدرة على حمله، وإنما كان أرباب الأحوال هؤلاء على هذا الحال "إذ أخذوا أنفسهم في" الأمور المنطوية تحت حكم "العادة بأكمل الحالات" وأعلاها شرعا "و" كذلك كان شأنهم في أمور "العبادة".

стр. 1085

٢٧٠٦ - وَآثَرُوا الْقَوَاعِدَ الْمَكِّيَّةْ … لأنَّهَا الْعَزَائِمُ الأصْلِيَّةْ ٢٧٠٧ - مَعْ كَوْنِهَا جَوَامِعَ التَّكْلِيفِ … غَيْرَ مَنَاطِ النَّسْخِ وَالتَّخْفِيفِ فإنهم أخذوا فيها بأعلى الأحوال وأكملها "و" في ذلك السبيل "آثروا" أي اختاروا الأخذ بمقتضى "القواعد المكية" عامة المطلقة المقدم بيانها، وإنما اختاروها وآثروها على الأحكام التفصيلية المدنية "لأنها" أي القواعد المكية المذكورة "العزائم الأصلية"، و"مع" ذا أمر آخر وهو "كونها" أي القواعد المكية "جوامع التكليف" إذ كل ما نزل بالمدينة إنما هو بيان أو شرح، أو تفصيل لها - كما تقدم ذكره -، وكذلك كونها "غير مناط" أي متعلق ومحل "النسخ والتخفيف" إذ هذا محله الأحكام المدنية، كما سبق ذكره. [ومن ها هنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نحلتهم المعروفة، فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورًا لا توجد عند العامة ولا هي مما يلزمهم شرعا فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم وتكلفوا ما لم يكلفوا ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة وحاش لله ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ وتنزيل أعمالهم تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال أما على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبك فخمسة دراهم وما أشبه ذلك علمت أن هذا يستمد مما تقدم فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله ولم يبين فيه الواجب من غيره بل وكل إلى اجتهاد المنفق ولا شك أن منه ما هو واجب ومنه ما ليس بواجب والاحتياط في مثل هذه المبالغة في الإنفاق في سد الخلات وضروب الحاجات إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق فأخذ هذا المسؤول في خاصة نفسه بما أفتى به والتزمه مذهبا في تعبده وفاء بحق الخدمة وشكر النعمة وإسقاطا لحظوظ نفسه وقياما على قدم العبودية المحضة حتى لم يبق لنفسه حظا وإن أثبته له الشارع اعتمادا على أن لله خزائن السموات والأرض وأنه قال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] وقال ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] ونحو ذلك فهذا نحو من التعبد لمن قدر على الوفاء به ومثله لا يقال في

стр. 1086

٢٧٠٨ - حَسْبَمَا قَدْ كَانَ فِيهَا الشَّأْنُ … لِسَابِقِي الأُمَّةِ حَيْثُ كَانُوا ملتزمه إنه خارج عن الطريقة ولا متكلف في التعبد لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي الواجبة انحتاما مقدرة ألا تتعدى إلى ما دونها وبقي ما سواها على حكم الخيرة فاتسع على المكلف مجال لإبقاء جوازا والإنفاق ندبا فمن مقل في إنفاقه ومن مكثر والجميع محمودون لأنهم لم يتعدوا حدود الله فلما كان الأمر على هذا استفسر المسؤول السائل ليجيبه عن مقتضى سؤاله ومنهم من لا ينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع بل يبقى بيده ما تجب في مثله الزكاة حتى تجب عليه وهو مع ذلك موافق في القصد لمن لم يبق شيئا علما بأن في المال حقا سوى الزكاة وهو يتعين تحقيقا وإنما فيه الاجتهاد فلا يزال ناظرا في ذلك مجتهدا فيه ما بقي بيده منه شيء متحملا منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله سواء عليه أمد نفسه منه أم لا] (١). وشأن أرباب الأحوال هؤلاء في الأمور الشرعية ماض على "حسبما قد كان فيها الشأن". والحال "لسابقي" هذه "الأمة" من الصحابة "حيث كانوا"، وأينما حلوا ونزلوا، فقد كانوا آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أدلهم إليه اجتهادهم، واحتياطهم، فسبقوا غاية السبق، حتى سموا السابقين بإطلاق ثم لما هاجروا إلى المدينة ولحقهم في ذلك السبق من شاء الله من الأنصار وكملت لهم بها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم فكانت المتمات أسهل عليهم فصاروا بذلك نورا حتى نزل مدحهم والثناء عليهم في مواضع من كتاب الله ورفع رسول الله ﷺ من أقدارهم وجعلهم في الدين أئمة فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة ولم يتركوا بعد الهجرة ما كانوا عليه بل زادوا في الاجتهاد وأمعنوا في الانقياد لما حد لهم في المكي والمدني معا لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم المكيات ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما متعوا به من الأخذ بحظوظهم وهم منها في سعة ولله يختص برحمته من يشاء (٢).

стр. 1087

٢٧٠٩ - وَمُقْتَضَى التَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ … هُوَ الذِي يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ ٢٧١٠ - فَهْوَ مَجَالٌ لاجْتِهَادِ الْفُقَهَا … لِيَقِفُوا الْجُمْهُورَ عِنْدَ مُنْتَهَا لكن يجب أن يعلم "و" يقرر أن "مقتضى" وحكم "التحديد" لما هو واجب ولما هو دونه ولما هو حرام ولما هو دونه والفصل بين ذلك كله، وما أشبهه، "والتقدير" أي بيان المقادير التي تتعلق بالأحكام بالتفاصيل سواء كانت أموالا أو حدودا، أو غيرها "هو" المنهج "الذي يليق بالجمهور" لأن ذلك هو الموافق لقدراتهم العادية، والجاري على وفق أخذهم لحظوظهم المباحة لهم شرعا مع إلزامهم بما لا بد منه من أمورهم الدينية، وبذلك "فـ" إن هذا المنهج "هو مجال" النظر الفقهي والفتيا، وهو الميدان المعلوم "لاجتهاد الفقها" وذلك "ليقفوا الجمهور عند منتهى" حظوظهم، وغاية ما لهم من الحقوق، وما لا بد أن يتحملوه من الواجبات. وذلك الذي عليه أرباب الأحوال المذكورون في شأن الإنفاق لما يملكون، هو الذي عليه أغلب الصحابة - كما يقول الشاطبي - قال: ولم يكن إمساكهم - يعني لبعض المال - مضادا لاعتمادهم على مسبب الأسباب إلا أن هذا الرأي أجرى على اعتبار سنة الله - تعالى - في العاديات والأول - وهو من لا يمسك شيئا من المال - (ليس للعاديات عنده مزية في جريان الأحكام على العباد. وأما من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه، قد أثبت له حظه من التوسع في المساحات على شرط عدم الإخلال بالواجبات وهكذا يجب أن ينظر في كل خصلة من الخصال المكية حتى يعلم أن الأمر كما ذكر فالصواب والله أعلم أن أهل هذا البلد معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين وهما من لا يأخذ بتسببه أو يأخذ به ولكن على نسبة القسمة ونحوها فإن قيل فلم لا تقع الفتيا بمقتضى هذا الأصل عند الفقهاء فاعلم أن النظر فيه خاص لا عام بمعنى أنه مبني على حالة يكون المستفتي عليها وهو كونه يعمل لله ويترك لله في جميع تصاريفه فسقط له طلب الحظ لنفسه فساغ أن يفتي على حسب حاله لأنه يقول هذه حالتي فاحملني على مقتضاها فلا بد أن يحمله على ما تقضيه كما لو قال أحد للمفتي إني عاهدت الله على أن لا أمس فرجي بيميني أو عزمت على ألا أسأل أحدا شيئا وأن لا تمس يدي يد مشرك وما أشبه هذا فإنه عقد لله على فعل فضل وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ومدح الله في كتابه الموفين بعهدهم إذا عاهدوا وهكذا كان شأن المتجردين لعبادة الله فهو مما

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يطلب الوفاء به ما لم يمنع مانع وفي الحديث إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا فكان أحدهم يقع له سوطه من يده فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه وقال عثمان ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ وقصة حمى الدبر ظاهرة في هذا المعنى إذ عاهد الله أن لا يمس مشركا فحمته الدبر حين استشهد أن يمسه مشرك الحديث كما وقع غير أن الفتيا بمثل هذا اختصت بشيوخ الصوفية لأنهم المباشرون لأرباب هذه الأحوال وأما الفقهاء فإنما يتكلمون في الغالب مع من كان طالبا لحظه من حيث أثبته له الشارع فلا بد أن يفتيه بمقتضاه وحدود الحظوظ معلومة في فن الفقه فلو فرضنا أحدا جاء سائلا وحاله ما تقدم لكان على الفقيه أن يفتيه بمقتضاه ولا يقال إن هذا خلاف ما صرح به الشارع لأن الشارع قد صرح بالجميع لكن جعل إحدى الحالتين وهي المتكلم فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ولم يلزمها أحدا لأنها اختيارية في الأصل بخلاف الأخرى العامة فإنها لازمة فاقتضى ذلك الفتيا بها عموما كسائر ما يتكلم الفقهاء فيه فإن قيل فإذا كانت غير لازمة فلم تقع الفتيا بها على مقتضى اللزوم قيل لم يفت بها مقتضى اللزوم الذي لا ينفك عنه السائل من حيث القضاء عليه بذلك وإنما يفتي لها وهو طالب أن يلزم نفسه ذلك حسبما استدعاه حاله وأصل الإلزام معمول به شرعا أصله النظر والوفاء بالعهد في التبرعات ومن مكارم الأخلاق ما هو لازم كالمتعة في الطلاق وحديث لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره وكان ﵊ يعامل أصحابه بتلك الطريقة ويميل بهم إليها كحديث الأشعريين إذا أرملوا وقوله من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له الحديث بطوله وقوله من ذا الذي تألى على الله لا يفعل الخير وإشارته إلى بعض أصحابه أن يحط عن غريمة الشطر من دينه وقد أنزل الله في شأن أبي بكر الصديق حين ائتلى أن لا ينفق على مسطح ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] الآية وبذلك عمل عمر بن الخطاب في حكمه على محمد بن مسلمة بإجراء الماء على أرضه وقال والله ليمرن به ولو على بطنك إلى كثير من هذا الباب وأخص من هذا فتيا أهل الورع إذا علمت درجة الورع في مراتبه فإنه يفتي بما تقتضيه مرتبته كما يحكى عن أحمد بن حنبل أن امرأة سألته عن الغزل بضوء مشاعل السلطان فسألها من أنت فقالت أخت بشر الحافي فأجابها بترك الغزل بضوئها هذا معنى الحكاية دون لفظها وقد حكى مطرف عن

стр. 1089

" الطرف الثاني" فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُجْتَهِدِ مِن أَحْكَامِ فَتْوَاه، وفيه مسائل: " المسألة الأولى " ٢٧١١ - مُفْتِي الْوَرَى وَارِثُ ذِي النُّبُوَّةِ … وَقَائِمٌ مَقَامَهُ فِي الأُمَّةِ ٢٧١٢ - لِأَنَّهُ مُبَلِّغُ الأَحْكَامِ … نِيَابَةً عَنْهُ إِلَى الأَنَامِ مالك في هذا المعنى أنه قال كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يفتي به الناس يعني العوام ويقول لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم هذا كلامه وفي هذا من كلام الناس والحكايات عنهم كثير والله أعلم (١). "الطرف الثاني" ومتضمنه محصور "في" بيان "ما يتعلق بالمجتهد من أحكام" ترد عليه من جهة "فتواه". ولأجل النظر في هذا الشأن "و" إيراد هذا البيان "فيه" تورده هنا "مسائل" يفضي العلم بها إلى درك هذا المرأم، والقصد، وهي أربع مسائل: "المسألة الأولى" في أن المفتي قائم مقام النبي ﷺ وبيان ذلك أن "مفتي الورى وارث ذي النبوة" ﷺ "و" بذلك فإنه "قائم مقامه في الأمة" والدليل على ذلك أمور: أحدها: كونه واسطة بين الرسول ﷺ وأمته، "لأنه" أي المفتي "مبلغ الأحكام" الشرعة "نيابة عنه" أي عن الرسول ﷺ "إلى الأنام" أي الخلق، لقوله ﵊ "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وقوله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية"، وقوله: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم". وإذا كان ذلك فهو معنى كونه قائما مقام النبي ﵊.

стр. 1090

٢٧١٣ - وَشَارعٌ لِبَعْضِهَا بِالنَّظَرِ … فَهْوَ لِهَذَا بِاتِّبَاعِهِ حَرِي ٢٧١٤ - ثُمَّ إِذَا مَا صَحَّ بِالْبُرْهَانِ … فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَمْرٌ ثَانِ ثانيها: النقل الشرعي في الحديث "أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، وفي الصحيح بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج من أظافري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم وهو في معنى الميراث وبعث النبي ﷺ نذيرا لقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ وقال في العلماء: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية وأشباه ذلك" (١). "و" ثالثها أنه ناقل لبعض الأحكام و"شارع لبعضها" الآخر "بـ" حسب "النظر" والاجتهاد، وذلك لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام - على حد تعبير الشاطبي وكلامه - وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع حقيقة، فإذا كان المجتهد للمجتهد إنشاء الأحكام - كما يقول الشاطبي - بحسب نظره واجهاد "فهو" بهذا الوجه و"لهذا" السبب حقيق "باتباعه" و"حري" بالموافقة، فيما يفتى به وهذا كونه قائما مقام صاحب الرسالة، وكونه خليفة عنه على التحقيق، بل إن القسم الذي هو فيه مبلغ - أيضا - لا بد من نظره فيه من جهة تحقيق مناطها، وتنزيلها على الأحكام وكلا الأمرين راجع إليه فيها، فقد قام الشارع - أيضا - في هذا المعنى، وقد جاء في الحديث: "أن من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه" "وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله - تعالى - وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والأدلة على هذا المعنى كثيرة" (٢). "ثم إذا ما" تقرر و"صح بالبرهان" ثبوته "فـ" إنه "ينبني عليه أمر ثان" وهو ما يورد في المسألة الولية:
следующие страницы →