← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٢٧٠٨ - حَسْبَمَا قَدْ كَانَ فِيهَا الشَّأْنُ … لِسَابِقِي الأُمَّةِ حَيْثُ كَانُوا ملتزمه إنه خارج عن الطريقة ولا متكلف في التعبد لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي الواجبة انحتاما مقدرة ألا تتعدى إلى ما دونها وبقي ما سواها على حكم الخيرة فاتسع على المكلف مجال لإبقاء جوازا والإنفاق ندبا فمن مقل في إنفاقه ومن مكثر والجميع محمودون لأنهم لم يتعدوا حدود الله فلما كان الأمر على هذا استفسر المسؤول السائل ليجيبه عن مقتضى سؤاله ومنهم من لا ينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع بل يبقى بيده ما تجب في مثله الزكاة حتى تجب عليه وهو مع ذلك موافق في القصد لمن لم يبق شيئا علما بأن في المال حقا سوى الزكاة وهو يتعين تحقيقا وإنما فيه الاجتهاد فلا يزال ناظرا في ذلك مجتهدا فيه ما بقي بيده منه شيء متحملا منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله سواء عليه أمد نفسه منه أم لا] (١). وشأن أرباب الأحوال هؤلاء في الأمور الشرعية ماض على "حسبما قد كان فيها الشأن". والحال "لسابقي" هذه "الأمة" من الصحابة "حيث كانوا"، وأينما حلوا ونزلوا، فقد كانوا آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أدلهم إليه اجتهادهم، واحتياطهم، فسبقوا غاية السبق، حتى سموا السابقين بإطلاق ثم لما هاجروا إلى المدينة ولحقهم في ذلك السبق من شاء الله من الأنصار وكملت لهم بها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم فكانت المتمات أسهل عليهم فصاروا بذلك نورا حتى نزل مدحهم والثناء عليهم في مواضع من كتاب الله ورفع رسول الله ﷺ من أقدارهم وجعلهم في الدين أئمة فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة ولم يتركوا بعد الهجرة ما كانوا عليه بل زادوا في الاجتهاد وأمعنوا في الانقياد لما حد لهم في المكي والمدني معا لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم المكيات ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما متعوا به من الأخذ بحظوظهم وهم منها في سعة ولله يختص برحمته من يشاء (٢).

стр. 1087

٢٧٠٩ - وَمُقْتَضَى التَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ … هُوَ الذِي يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ ٢٧١٠ - فَهْوَ مَجَالٌ لاجْتِهَادِ الْفُقَهَا … لِيَقِفُوا الْجُمْهُورَ عِنْدَ مُنْتَهَا لكن يجب أن يعلم "و" يقرر أن "مقتضى" وحكم "التحديد" لما هو واجب ولما هو دونه ولما هو حرام ولما هو دونه والفصل بين ذلك كله، وما أشبهه، "والتقدير" أي بيان المقادير التي تتعلق بالأحكام بالتفاصيل سواء كانت أموالا أو حدودا، أو غيرها "هو" المنهج "الذي يليق بالجمهور" لأن ذلك هو الموافق لقدراتهم العادية، والجاري على وفق أخذهم لحظوظهم المباحة لهم شرعا مع إلزامهم بما لا بد منه من أمورهم الدينية، وبذلك "فـ" إن هذا المنهج "هو مجال" النظر الفقهي والفتيا، وهو الميدان المعلوم "لاجتهاد الفقها" وذلك "ليقفوا الجمهور عند منتهى" حظوظهم، وغاية ما لهم من الحقوق، وما لا بد أن يتحملوه من الواجبات. وذلك الذي عليه أرباب الأحوال المذكورون في شأن الإنفاق لما يملكون، هو الذي عليه أغلب الصحابة - كما يقول الشاطبي - قال: ولم يكن إمساكهم - يعني لبعض المال - مضادا لاعتمادهم على مسبب الأسباب إلا أن هذا الرأي أجرى على اعتبار سنة الله - تعالى - في العاديات والأول - وهو من لا يمسك شيئا من المال - (ليس للعاديات عنده مزية في جريان الأحكام على العباد. وأما من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه، قد أثبت له حظه من التوسع في المساحات على شرط عدم الإخلال بالواجبات وهكذا يجب أن ينظر في كل خصلة من الخصال المكية حتى يعلم أن الأمر كما ذكر فالصواب والله أعلم أن أهل هذا البلد معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين وهما من لا يأخذ بتسببه أو يأخذ به ولكن على نسبة القسمة ونحوها فإن قيل فلم لا تقع الفتيا بمقتضى هذا الأصل عند الفقهاء فاعلم أن النظر فيه خاص لا عام بمعنى أنه مبني على حالة يكون المستفتي عليها وهو كونه يعمل لله ويترك لله في جميع تصاريفه فسقط له طلب الحظ لنفسه فساغ أن يفتي على حسب حاله لأنه يقول هذه حالتي فاحملني على مقتضاها فلا بد أن يحمله على ما تقضيه كما لو قال أحد للمفتي إني عاهدت الله على أن لا أمس فرجي بيميني أو عزمت على ألا أسأل أحدا شيئا وأن لا تمس يدي يد مشرك وما أشبه هذا فإنه عقد لله على فعل فضل وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ومدح الله في كتابه الموفين بعهدهم إذا عاهدوا وهكذا كان شأن المتجردين لعبادة الله فهو مما

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يطلب الوفاء به ما لم يمنع مانع وفي الحديث إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا فكان أحدهم يقع له سوطه من يده فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه وقال عثمان ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ وقصة حمى الدبر ظاهرة في هذا المعنى إذ عاهد الله أن لا يمس مشركا فحمته الدبر حين استشهد أن يمسه مشرك الحديث كما وقع غير أن الفتيا بمثل هذا اختصت بشيوخ الصوفية لأنهم المباشرون لأرباب هذه الأحوال وأما الفقهاء فإنما يتكلمون في الغالب مع من كان طالبا لحظه من حيث أثبته له الشارع فلا بد أن يفتيه بمقتضاه وحدود الحظوظ معلومة في فن الفقه فلو فرضنا أحدا جاء سائلا وحاله ما تقدم لكان على الفقيه أن يفتيه بمقتضاه ولا يقال إن هذا خلاف ما صرح به الشارع لأن الشارع قد صرح بالجميع لكن جعل إحدى الحالتين وهي المتكلم فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ولم يلزمها أحدا لأنها اختيارية في الأصل بخلاف الأخرى العامة فإنها لازمة فاقتضى ذلك الفتيا بها عموما كسائر ما يتكلم الفقهاء فيه فإن قيل فإذا كانت غير لازمة فلم تقع الفتيا بها على مقتضى اللزوم قيل لم يفت بها مقتضى اللزوم الذي لا ينفك عنه السائل من حيث القضاء عليه بذلك وإنما يفتي لها وهو طالب أن يلزم نفسه ذلك حسبما استدعاه حاله وأصل الإلزام معمول به شرعا أصله النظر والوفاء بالعهد في التبرعات ومن مكارم الأخلاق ما هو لازم كالمتعة في الطلاق وحديث لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره وكان ﵊ يعامل أصحابه بتلك الطريقة ويميل بهم إليها كحديث الأشعريين إذا أرملوا وقوله من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له الحديث بطوله وقوله من ذا الذي تألى على الله لا يفعل الخير وإشارته إلى بعض أصحابه أن يحط عن غريمة الشطر من دينه وقد أنزل الله في شأن أبي بكر الصديق حين ائتلى أن لا ينفق على مسطح ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] الآية وبذلك عمل عمر بن الخطاب في حكمه على محمد بن مسلمة بإجراء الماء على أرضه وقال والله ليمرن به ولو على بطنك إلى كثير من هذا الباب وأخص من هذا فتيا أهل الورع إذا علمت درجة الورع في مراتبه فإنه يفتي بما تقتضيه مرتبته كما يحكى عن أحمد بن حنبل أن امرأة سألته عن الغزل بضوء مشاعل السلطان فسألها من أنت فقالت أخت بشر الحافي فأجابها بترك الغزل بضوئها هذا معنى الحكاية دون لفظها وقد حكى مطرف عن

стр. 1089

" الطرف الثاني" فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُجْتَهِدِ مِن أَحْكَامِ فَتْوَاه، وفيه مسائل: " المسألة الأولى " ٢٧١١ - مُفْتِي الْوَرَى وَارِثُ ذِي النُّبُوَّةِ … وَقَائِمٌ مَقَامَهُ فِي الأُمَّةِ ٢٧١٢ - لِأَنَّهُ مُبَلِّغُ الأَحْكَامِ … نِيَابَةً عَنْهُ إِلَى الأَنَامِ مالك في هذا المعنى أنه قال كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يفتي به الناس يعني العوام ويقول لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم هذا كلامه وفي هذا من كلام الناس والحكايات عنهم كثير والله أعلم (١). "الطرف الثاني" ومتضمنه محصور "في" بيان "ما يتعلق بالمجتهد من أحكام" ترد عليه من جهة "فتواه". ولأجل النظر في هذا الشأن "و" إيراد هذا البيان "فيه" تورده هنا "مسائل" يفضي العلم بها إلى درك هذا المرأم، والقصد، وهي أربع مسائل: "المسألة الأولى" في أن المفتي قائم مقام النبي ﷺ وبيان ذلك أن "مفتي الورى وارث ذي النبوة" ﷺ "و" بذلك فإنه "قائم مقامه في الأمة" والدليل على ذلك أمور: أحدها: كونه واسطة بين الرسول ﷺ وأمته، "لأنه" أي المفتي "مبلغ الأحكام" الشرعة "نيابة عنه" أي عن الرسول ﷺ "إلى الأنام" أي الخلق، لقوله ﵊ "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وقوله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية"، وقوله: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم". وإذا كان ذلك فهو معنى كونه قائما مقام النبي ﵊.

стр. 1090

٢٧١٣ - وَشَارعٌ لِبَعْضِهَا بِالنَّظَرِ … فَهْوَ لِهَذَا بِاتِّبَاعِهِ حَرِي ٢٧١٤ - ثُمَّ إِذَا مَا صَحَّ بِالْبُرْهَانِ … فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَمْرٌ ثَانِ ثانيها: النقل الشرعي في الحديث "أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، وفي الصحيح بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج من أظافري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم وهو في معنى الميراث وبعث النبي ﷺ نذيرا لقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ وقال في العلماء: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية وأشباه ذلك" (١). "و" ثالثها أنه ناقل لبعض الأحكام و"شارع لبعضها" الآخر "بـ" حسب "النظر" والاجتهاد، وذلك لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام - على حد تعبير الشاطبي وكلامه - وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع حقيقة، فإذا كان المجتهد للمجتهد إنشاء الأحكام - كما يقول الشاطبي - بحسب نظره واجهاد "فهو" بهذا الوجه و"لهذا" السبب حقيق "باتباعه" و"حري" بالموافقة، فيما يفتى به وهذا كونه قائما مقام صاحب الرسالة، وكونه خليفة عنه على التحقيق، بل إن القسم الذي هو فيه مبلغ - أيضا - لا بد من نظره فيه من جهة تحقيق مناطها، وتنزيلها على الأحكام وكلا الأمرين راجع إليه فيها، فقد قام الشارع - أيضا - في هذا المعنى، وقد جاء في الحديث: "أن من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه" "وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله - تعالى - وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والأدلة على هذا المعنى كثيرة" (٢). "ثم إذا ما" تقرر و"صح بالبرهان" ثبوته "فـ" إنه "ينبني عليه أمر ثان" وهو ما يورد في المسألة الولية:

стр. 1091

" المسألة الثانية " ٢٧١٥ - فَتْوَى الْمَقَالِ هُوَ الأَمْرُ الْجَارِي … وَقَدْ تُرَى بِالْفِعْلِ وَالإِقْرَارِ ٢٧١٦ - وَتَحْصُلُ الْفَتْوَى مِنَ الْفِعْلِ عَلَى … وَجْهَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ نُقِلَا ٢٧١٧ - الأَوَّلُ الْمَقْصُودُ لِلأَفْهَامِ فِي … مَعْهُودِ الاسْتِعْمَالِ لِلْمُكَلَّفِ ٢٧١٨ - كَمَا أَتَى فِي شَأْنِ عَدِّ الشَّهْرِ … وَذَاكَ كَالْقَوْلِ الصَّرِيحِ يَجْرِي " المسألة الثانية" المعقود في أن الفتوى من المفتي تحصل من جهة القول، ومن جهة الفعل، ومن جهة الإقرار وبيان ذلك أن "فتوى المقال" يعني أن الإفتاء الحاصل بالقول "هو الأمر" المعتبر في الغالب وهو "الجاري" اعتماده بين الناس وهذا أمر لا كلام فيه، "و" لكن "قد ترى" أي توجد وتحصل كذلك على وجه القلة "بالفعل والإقرار" إذا صدرا من مقتدى به، متبع في هديه وسمته "وتحصل الفتوى من الفعل" وتؤخذ منه "على وجهين: كل" واحد "منهما قد نقلا" - الألف للإطلاق - وورد ثبوته بالأدلة. "الأول" منهما ما كان حاصلا على الوجه "المقصود للأفهام" للمراد "في"مجرى العادة وبيان ذلك له "معهود الاستعمال للمكلف" وبيان ذلك له، وذلك "كـ" مثل "ما أتى" عن الرسول ﷺ "في شأن عد" أيام "الشهر" حين قال: "هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا" ومنه أنه ﵊ سأله سائل في حجته، فقال: ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده، قال لا حرج، وقال ﷺ أيضا "يقبض العلم ويكثر الجهل والفتن، ويكثر الهرج. قيل يا رسول الله وما الهرج" فقال بيده فحرفها، كأنه يريد القتل ومنه حديث عائشة في صلاة الكسوف حين أشارت إلى السماء فقلت آية؟ فأشارت برأسها أي نعم وحين سئل ﵊ عن أوقات الصلوات قال للسائل صل معنا هذين اليومين ثم صلى ثم قال له الوقت ما بين هذين أو كما قال وهو كثير جدا (١). "وذلك" الذي كان من الأفعال على هذا الوجه "كالقول الصريح" في بيان المراد "يجري" وبذلك

стр. 1092

٢٧١٩ - ثَانِيهِمَا مَا يَقْتَضِيهِ الْمَنْصِبُ … مِنِ اتِّبَاعِ مَا إِلَيْهِ يَذْهَبُ ٢٧٢٠ - وَفِي خُذُوا عَنِّي وَصَلُّوا أَصْلُهُ … إِذًا فَمَنْ يُفْتِي كَذَاكَ فِعْلُهُ ٢٧٢١ - فَمَا بِهِ الْقَصْدُ إِلَى الْبَيَانِ … فَظَاهِرٌ فِي كُلِّ شَأْنٍ شَانِ ٢٧٢٢ - وَغَيْرُ مَا يُقْصَدُ فِيهِ ذَلِكَا … فَإِنَّهُ فِي حُكْمِهِ كَذَلِكَا فهو قائم مقامه، ومنزل منزلته. "ثانيهما ما يقتضيه" ويوجبه "المنصب" النبوي "من" وجوب أو طلب "اتباع ما إليه يذهب" ﵊ من التصرفات، وما يأتيه من الأفعال غير الجبلية، وأصل هذا ودليله قوله الله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، وقال قبل ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال في إبراهيم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إلى آخر القصة. والتأسي إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله، وشرع من قبلنا شرع لنا - كما يقول الشاطبي -. "و" كذلك "في" قوله ﵊: "خذوا عني" مناسككم "و" قوله ﷺ "صلوا" كما رأيتموني أصلي مأخذ حكم هذا الوجه و"أصله"، وكذلك الأمر في قوله ﵊ لأم سلمة "ألا أخبرتيه أني أقبل، وأنا صائم". واقتداء ابن عمر بأفعاله ﵊ على العموم والإطلاق أشهر من أن يخفى، ولذلك جعل الأصولين أفعاله ﵊ في بيان الأحكام كأقواله وإذا تقرر هذا كله وثبت أمره "إذا فمن يفتي" من أهل العلم يكون تصرفه مأخذا للأحكام "كذاك" ويكون "فعله" كذلك مبينا لها. "فما" من أفعاله يكون "به القصد إلى" تحصيل "البيان" لحكم شرعي "فـ" إنه "ظاهر" كونه مفيدا لذلك الحكم ودالا عليه، وذلك يجري مقتضاه "في كل شان شأن" على وجه الإطلاق، سواء كان شأنا عباديا أو غيره. "و" أما "غير ما يقصد فيه ذاكا" - الألف للإطلاق - البيان المذكور "فإنه" أيضا "في حكمه" مثل الأول - وهو ما يقصد به البيان - "كذلكا" - الألف للإطلاق -.

стр. 1093

٢٧٢٣ - لِلإِرْثِ أَوْ لِحِكْمَةِ التَّأَسِّي … بِفِعْلِ مَنْ لَهُ اعْتِبَارٌ حِسِّي ٢٧٢٤ - إِذْ هُوَ سِرٌّ فِي طِبَاعِ الْبَشَرِ … لَا سيَمَا مَعْ عَادَةِ التَّكَرُّرِ ٢٧٢٥ - وَحَيْثُ يُلْفَى فَقْدُ هَذَا الشَّأْنِ … فِي مَوْضِعٍ فَمِنْ تَأَسٍّ ثَانِ ٢٧٢٦ - وَقَدْ بَدَا فِي زَمَنِ الرَّسُولِ … ذَاكَ بِمَوْضِعَيْنِ بِالتَّفْصِيلِ ٢٧٢٧ - عِنْدَ دُعَائِهِ إِلَى الإِسْلَامِ … مَعْ مُوثِرِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وإنما كان هذا مقتضيا لإفادة الحكم الفقهي - أيضا - "لـ" أمرين: أحدهما: ما يثبت لأهل العلم من "الإرث" للنبي ﷺ وقد كان المورث ﵊ قدوة بقوله، وفعله مطلقا، فذلك الوارث، وإلا لم يكن وارثا على الحقيقة، فلا بد أن تنتصب أفعاله مقتدى بها كما انتصبت أقواله، مقتدى بها. ثانيهما: ما ثبت لسرد "أو لحكمة التأسي" والاقتداء "بفعل" وتصرف كل "من له" قدر معظم و"اعتبار حسي" أي مدرك بالحس، وهذا الضرب من التأسي والاقتداء جار أمره بين الناس. "إذ هو سر" مثبوت مودع "في طباع البشر" وفطرهم، لا يقدرون على الإنكفاف عنه بوجه، ولا بحال "لا سيما" إذا حصل ذلك "مع عادة" الدوام عليه و"التكرر" له، وإذا صادف محبة وميلا إلى المتأسى به. وعلى كل حال فالتأسي والاقتداء في هذا الشأن هو الأصل، "وحيث" يتخلف هذا الأمر، و"يلفى" أي يوجد "فقد هذا الشأن في موضع" ما مع توفر موجباته وشروطه "فـ " إن ذلك إنما يكون "من" يعنى بسبب وجود "تأس" واقتداء بمقتدى ومتأسى به "ثان" مقدم على الذي ترك. "وقد بدا" وظهر بلا غبش "في زمن الرسول" ﷺ "ذاك" الأمر، "بموضعين" ولاح فيهما "بالتفصيل" والبيان التام: أحدهما: "عند دعائه" ﵊ الكفار "إلى الإسلام" وإلى ترك ما هم عليه من الضلال والغواية وعبادة الأصنام، "مع" استحضار صورة "موثري" ومختاري "عبادة الأصنام" منهم.

стр. 1094

٢٧٢٨ - تَأَسِّيًا فِي ذَاكَ بِالآبَاءِ … وَعِنْدَ هَذَا جِيءَ بِالدُّعَاءِ ٢٧٢٩ - إِلَى التَّأسِّي بِالأَبِ الْكَبِيرِ … تَلَطُّفًا بِحِكْمَةِ الْخَبِيرِ ٢٧٣٠ - فَكَانَ ذَاكَ سَبَبَ الإِذْعَانِ … وَالْكَفِّ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ ٢٧٣١ - وَعِنْدَ سَبْقِهِمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ … وَأَخْذِهِمْ بِأَكمَلِ الْحَالَاتِ وذلك "تأسيا" منهم "في ذاك بالآباء" يعني بآبائهم قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البَقَرَة: ١٧٠]، وما أشبهه من الآيات. وقالوا: "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" ثم كرر عليهم التحذير من ذلك، فكانوا عاكفين على ما عليه آباؤهم إلى أن نوصبوا الحرب، وهم رضوان بذلك، "وعند هذا" الذي هم عليه من التأسي والاقتداء بآبائهم "جيء بالدعاء" لهم "إلى" الاقتداء و"التأسي بالأب الكبير" وهو إبراهيم خليل الرحمان ﵇، وأضيفت الملة المحمدية إليه، فقال - تعالى -: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٠] وكان ذلك رحمة من رب العالمين و"تلطفا بحكمة" العليم "الخبير" اللطيف بعباده، (وبين لهم مع ذلك ما في الإسلام من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم التي كانت آباؤهم تستحسنها، وتعمل بكثير منها فكان التأسي داعيا إلى الخروج عن التأسي وهو من أبلغ ما دعو به من جهة التلطف بالرفق ومقتضى الحكمة وبذلك جاء في القرآن بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] فكان هذا الوجه من التلطف في الدعاء إلى الله نوعا من الحكمة التي كان ﵊ يدعو بها وأيضا فإن ما ذكر في القرآن من مكارم الأخلاق كان خلق رسول الله ﷺ فصدق الفعل القول بالنسبة إليهم "فكان ذاك سبب" هدايتهم وحصول الخضوع منهم للحق و"الإذعان" له "والكف عن عبادة الأوثان" والأصنام التي يعبدونها من دون الله - تعالى - "و" الموضوع الثاني "عند" ما دخلوا في الإسلام، وعرفوا الحق فحصل "سبقهم" وتسابقهم "إلى الخيرات" الموعودة من رب العالمين كما حصل "وأخذهم" في الأعمال "بأكمل الحالات" وأعلى الدرجات)، فكان منهم الإنقياد التام لأوامر النبي ﷺ ونواهيه، فربما أمرهم بالأمر وأرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم، فتوجهوا إلى ما يفعل ترجيحا له على ما يقول وقضيته ﵊ معهم في توقفهم عن الإحلال بعد ما

стр. 1095

٢٧٣٢ - وَمِثْلُ حُكْمِ الْفِعْلِ لِلإِقْرَارِ … لِأَنَّهُ كَفٌّ عَنِ الإِنْكَارِ أمرهم حتى قال لأم سلمة أما ترين أن قومك أمرتهم فلا يأتمرون فقالت اذبح واحلق ففعل النبي ﷺ فاتبعوه ونهاهم عن الوصال فلم ينتهوا واحتجوا بأنه يواصل فقال إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ولما تابعوا في الوصال واصل بهم حتى يعجزوا وقال لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم وسافر بهم في رمضان وأمرهم بالإفطار وكان هو صائما فتوقفوا أو توقف بعضهم حتى أفطر هو فأفطروا وكانوا يبحثون عن أفعاله كما يبحثون عن أقواله وهذا من أشد المواضع على العالم المنتصب وقد تقدم له بيان آخر في باب البيان لكن على وجه آخر والمعنى في الموضعين واحد ولعل قائلا يقول إن النبي ﷺ كان معصوما فكان عمله للاقتداء محلا بلا إشكال بخلاف غيره فإنه محل للخطأ والنسيان والمعصية والكفر فضلا عن الإيمان فأفعاله لا يوثق بها فلا تكون مقتدى بها فالجواب أنه إن اعتبر هذا الاحتمال في نصب أفعاله حجة للمستفتي فليعتبر مثله في نصب أقواله فإنه يمكن فيها الخطأ والنسيان والكذب عمدا وسهوا لأنه ليس بمعصوم ولما لم يكن ذلك معتبرا في الأقوال لم يكن معتبرا في الأفعال ولأجل هذا تستعظم شرعا زلة العالم كما تبين في هذا الكتاب وفي باب البيان فحق على المفتي أن ينتصب للفتوى بفعله وقوله بمعنى أنه لا بد له من المحافظة على أفعاله حتى تجري على قانون الشرع ليتخذ فيها أسوة (١). "ومثل حكم الفعل" فيما ذكر يعطى "للإقرار" وذلك "لأنه" أي الإقرار "كف" للنفس "عن الإنكار"، والكف فعل على القول الصحيح، "وبذلك فانكفاف المفتي عن الإنكار إذا رأى فعلا من الأفعال كتصريحه بجوازه وقد أثبت الأصوليون ذلك دليلا شرعيا بالنسبة إلى النبي ﷺ فكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب بالفتوى وما تقدم من الأدلة في الفتوى الفعلية جار هنا بلا إشكال ومن هنا ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه من عود المضرات عليهم بالقتل فما دونه ومن أخذ بالرخصة في ترك الإنكار فر بدينه واستخفى بنفسه ما لم يكن ذلك سببا للإخلال بما هو أعظم من ترك الإنكار فإن ارتكاب خير الشرين أولى من ارتكاب شرهما وهو راجع في الحقيقة إلى إعمال القاعدة في الأمر

стр. 1096

" المسألة الثالثة " ٢٧٣٣ - وَمُقْتَضَى الْعِلْمِ بِهِ الْفُتْيَا تَصِحْ … لَا مَعْ خِلَافِهِ لأَمْرٍ يَتَّضِحْ ٢٧٣٤ - بِعَدَمِ الْوُثُوقِ أَنَّ مَا ظَهَرْ … مِنْهُ عَلَى مَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ صَدَرْ بالمعروف والنهي عن المنكر والمراتب الثلاث في هذا الوجه مذكورة شواهدها في مواضعها من الكتب المصنفة فيه" (١). "المسألة الثالثة" في بيان أن موافقة أحوال المفتي "و" عمله "مقتضى العلم" الشرعي، وينتفع بها، ومفاده هو ما "به تصح الفتيا" منه وتقبل، وينتفع بها، ويجرى أمرها في الخلق، و"لا" تصح منه ولا تقبل ولا ينتفع بها في الغالب "مع خلافه" له، وَأمر مقرر بالنظر والشرع مستند "لأمر يتضح" اقتضاءه هذا الحكم، وذاك الأمر هو ما ينتهي إعمال الذهن والنظر في هذا الشأن وما يصل إليه من الاعتقاد التابث "بعدم الوثوق" في "أن ما" جاء عن هذا المفتي من الأقوال والأفعال وما "ظهر منه" من ذلك قد جرى "على" وفق "ما يقتضيه "الشرع" من أحكام وعلى وفق ما "صدر" عنه أي عن الشارع من ذلك، فأما فتيا هذا المفتي بالقول فإذا جرت أقواله على غير المشروع فإنما يفتى به من جملة أقواله، وبذلك يمكن جريانه على غير المشروع فلا يوثق به (وأما أفعاله فإذا جرت على خلاف أفعال أهل الدين والعلم لم يصح الاقتداء بها ولا جعلها أسوة في جملة أعمال السلف الصالح وكذلك إقراره، لأنه من جملة أفعاله. وأيضا فإن كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة عائد على صاحبيه بالتأثير فإن المخالف بجوارحه يدل على مخالفته في قوله، والمخالف بقوله يدل على مخالفته بجوارحه لأن الجميع يستمد من أمر واحد قلبي. هذا بيان عدم صحة الفتيا منه على الجملة. وأما على التفصيل فإن المفتي إذا أمر مثلا بالصمت عما لا يعني فإن كان صامتا عما لا يعنى ففتواه صادقة، وإن كان من الخائضين فيما لا يعنى فهي غير صادقة. وإذا دلك على الزهد في الدنيا وهو زاهد فيها صدقت فتياه، وإن كان راغبا في الدنيا فهي كاذبة. وإن دلك على المحافظة على الصلاة وكان محافظا عليها صدقت فتياه، وإلا فلا. وعلى هذا

стр. 1097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الترتيب سائر أحكام الشريعة في الأوامر. ومثلها النواهي: فإذا نهي عن النظر إلى الأجنبيات من النساء وكان في نفسه منتهيا عنها صدقت فتياه، أو نهي عن الكذب وهو صادق اللسان، أو عن الزنى وهو لا يزني، أو عن التفحش وهو لا يتفحش، أو عن مخالطة الأشرار وهو لا يخالطهم، وما أشبه ذلك فهو الصادق الفتيا والذي يقتدي بقوله ويقتدي بفعله، وإلا فلا، لأن علامة صدق القول مطابقة الفعل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، ولذلك قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وقال في ضده: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] فاعتبر في الصدق مطابقة القول الفعل، وفي الكذب مخالفته. وقال تعالى في الثلاثة الذين خلفوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] وهكذا إذا أخبر العالم عن الحكم أو أمر أو نهى فإنما ذلك مشترك بينه وبين سائر المكلفين في الحقيقة، فإن وافق صدق وإن خالف كذب. فالفتيا لا تصح مع المخالفة، وإنما تصح مع الموافقة وحسب الناظر من ذلك سيد البشر ﷺ ، حيث كانت أفعاله مع أقواله على الوفاء والتمام، حتى أنكر على من قال: يحل الله لرسوله ما شاء. وحين سأله الرجل عن أمر فقال: (إني أفعله) فقال له: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر غضب ﷺ وقال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) وفي القرآن عن شعيب ﵇: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] فبينت الآية أن مخالفة القول الفعل تقتضي كذب القول، وهو مقتضى ما تقدم في المسألة قبل هذا. وقد قالوا في عصمة الأنبياء قبل النبوة من الجهل بالله وعبادة غير الله إن ذلك لأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. وهذا المعنى جار من باب أولى فيما بعد النبوة، بالنسبة إلى فروع الملة فضلا عن أصولها فإنهم لو كانوا آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ويأتونه - عياذا بالله من ذلك - لكان ذلك أولى منفر وأقرب صاد عن الاتباع. فمن كان في رتبة الوارثة لهم فمن حقيقة نيله الرتبة ظهور الفعل على مصداق القول ولما نهى عن الربا قال: (وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب) وحين وضع الدماء التي كانت في الجاهلية قال: (وأول دم أضعه دمنا دم ربيعة بن الحارث) وقال حين شفع له في حد السرقة: (والذي نفسي بيده لو

стр. 1098

٢٧٣٥ - وَذَاكَ رَاجِعٌ لِلانْتِفَاعِ … بِالاقْتِدَاءِ وَبِالاتِّبَاعِ سرقت فاطمة بنت رسول الله لقطعت يدها) وكله ظاهر في المحافظة على مطابقة القول الفعل بالنسبة إليه وإلى قرابته، وأن الناس في أحكام الله سواء. والأدلة في هذا المعنى أكثر من أن تحصى. وقد ذم الشرع الفاعل بخلاف ما يقول، فقال: الله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣]. عن جعفر بن برقان قال: (سمعت ميمون بن مهران يقول: إن القاص المتكلم ينتظر المقت والمستمع ينتظر الرحمة) قلت: أرأيت قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢] الآية هو الرجل يقرظ نفسه فيقول فعلت كذا وكذا من الخير؟ أو هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان فيه تقصير؟ فقال: كلاهما. فإن قيل: إن كان كما قلت تعذر القيام بالفتوى وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال العلماء إنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مؤتمرا أو منتهيا، وإلا أدى ذلك إلى خرم الأصل، وقد مر أن كل تكملة أدت إلى انخرام الأصل المكمل غير معتبرة. فكذلك هنا، ومثله الانتصاب للفتوى. ومن الذي يوجد لا يزل ولا يضل ولا يخالف قوله فعله؟ ولا سيما في الأزمنة المتأخرة البعيدة عن زمان النبوة. نعم، لا إشكال في أن من طابق قوله فعله على الإطلاق هو المستحق للتقدم في هذه المراتب. وأما أن يقال إذا عدم ذلك لم يصح الانتصاب هذا مشكل جدا. فالجواب أن هذا السؤال غير وارد على القصد المقرر، لأنا إنما تكلمنا على صحة الانتصاب والانتفاع في الوقوع لا في الحكم الشرعي. فنحن نقول واجب على العالم المجتهد الانتصاب والفتوى على الإطلاق، طابق قوله فعله أم لا، لكن الانتفاع بفتواه لا يحصل ولا يطرد إن حصل) (١). "و" بذلك فإن المراد - هنا - بعدم صحة فتواه "ذاك راجع لـ" سقوط وعدم "الانتفاع بالاقتداء" به" وبالاتباع" له لأن هذا الانتفاع إنما يكون لفتوى من وافق قوله، وفعله، وأما من كان على خلاف ذلك فإنه لا يبارك في قوله ولا في فعله، ولا ينتفع بما يصدر منه قال - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونس: ٨١].

стр. 1099

٢٧٣٦ - وَالْحُكْمُ فِي الْوُقُوعِ أَمْرٌ ثَانِي … مُفْتَقِرٌ لِلشَّرْحِ وَالْبَيَانِ ٢٧٣٧ - فَمَنْ يُخَالِفْ فِعْلُهُ مَقَالَهْ … فَحُطَّهُ عَنْ رُتْبَةِ الْعَدَالَهْ ٢٧٣٨ - لِلْفِسْقِ لَمْ يَصِحَّ الاقْتِدَاءُ … بِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ لَه إِفْتَاءُ ٢٧٣٩ - وَغَيْرُ مَنْ يَبْلُغُ ذَاكَ الْمَبْلَغَا … اِفْتِاؤُهُ قَوْلًا وَفعْلًا سُوِّغَا ٢٧٤٠ - فِي كُلِّ مَا جَاءَ عَلَى الْوِفَاقِ … لَا فِي الذِي خَالَفَ بِالإِطْلَاقِ " و" أما "الحكم" الفقهي الجاري "في" شأن "الوقوع" يعني في شأن وقوع ذلك التنافي بين قول المفتي وفعله، فإن ذلك "أمر ثان" محتاج و"مفتقر للشرح والبيان" والتفصيل في الحكم الجاري في هذا الموضوع لعدم اتحاد حاله، وبذلك "فمن يخالف فعله مقاله" ويضاده "فحطه" وأنزله "عن رتبة العدالة" إذ ليس من أهله في ورد ولا صدر، ثم أنسبه "للفسق" وأجر حكمه، وبذلك "لم يصح" ولم يسغ "الاقتداء به، ولم يقبل له إفتاء" ولم يجز انتصابه لذلك - الإفتاء - شرعا، كما لا يصح عادة، ومن اقتدى به كان مخالفا مثله "و" أما "غير من يبلغ ذاك المبلغا" - الألف للإطلاق - الذي يتصف صاحبه بالفسق وبسقوط عدالته، وفتواه، فإنه يكون "إفتاؤه قولا وفعلا" مقبولا، واتباعه في ذلك قد "سوغا" وجاز، وذلك "في كل ما جاء" منه وهو "على الوفاق" بين قوله وفعله، "لا في الذي خالف" فيه قوله فعله، فإنه لا يقتدي. به فيه "بالإطلاق" فلا يقتدي بقوله، ولا بفعله في ذلك "فمن المعلوم كما تقدم أنه إذا أفتاك بترك الزنا والخمر وبالمحافظة على الواجبات وهو في فعله على حسب فتواه حصل تصديق قوله بفعله. وإذا أفتاك بالزهد في الدنيا أو ترك مخالطة المترفين أو نحو ذلك مما لا يقدح في أصل العدالة ثم رأيته يحرص على الدنيا ويخالط من نهاك عن مخالطتهم فلم يصدق القول الفعل. هذا وإن كان الشرع قد أمرك بمتابعة قوله فقد نصبه الشارع أيضا ليؤخذ بقوله وفعله، لأنه وارث النبي. فإذا خالف فقد خالف مقتضى المرتبة، وكذب الفعل القول، لما في الجبلات من جواذب التأسي بالأفعال. فعلى كل تقدير لا يصح الاقتداء ولا الفتوى على كمالها في الصحة إلا مع مطابقة القول الفعل على الإطلاق، وقد قال أبو الأسود الدؤلي: إبدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى … بالرأي منك وينفع التعليم

стр. 1100

" المسألة الرابعة " ٢٧٤١ - وَبَالِغُ الذِّرْوَةِ فِي الإِفْتَاءِ … مَنْ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى السَّوَاءِ ٢٧٤٢ - تَوَخِّيًا لِأَوْسَطِ الأُمُورِ … فِي كُلِّ مَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم وهو معنى موافق للنقل والعقل، لا خلاف فيه بين العقلاء. فإن قيل: فما حكم المستفتي مع هذا المفتي الذي لم يطابق قوله فعله؟ هل يصح تقليده في باب التكليف أم لا؟ بمعنى أنه يؤخذ بقوله ويعمل عليه أو لا؟ فالجواب أن هذه المسألة مبنية على ما تقدم، فإن أخذت من جهة الصحة في الوقوع فلا تصح، لأنها إذا لم تصح بالنسبة إلى المفتي فكذلك يقال بالنسبة إلى المستفتي. هذا هو المطرد والغالب وما سواه كالمحفوظ النادر الذي لا يقوم منه أصل كلي بحال. وأما إن أخذت من جهة الإلزام الشرعي فالفقه فيها ظاهر: فإن كانت مخالفته ظاهرة قادحة في عدالته فلا يصح إلزامه، إذ من شرط قبول القول والعمل به صدقه، وغير العدل لا يوثق به وإن كانت فتواه جارية على مقتضى الأدلة في نفس الأمر، إذ لا يمكن علم ذلك إلا من جهته، وجهته غير موثوق بها، فيسقط الإلزام عن المستفتي، وإذا سقط الإلزام عن المستفتي فهل يبقى إلزام المفتي متوجها أم لا؟ يجرى ذلك على خلاف في مسألة حصول الشرط الشرعي: هل هو شرط في التكليف أم لا؟ وذلك مقرر في كتب الأصول. وإن لم تكن مخالفته قادحة في عدالته فقبول قوله صحيح، والعمل عليه مبرئ للذمة والإلزام الشرعي متوجه عليهما معا (١). "المسألة الرابعة" في بين "و" إيضاح أن "بالغ الذروة" والقمة "في" الاتصاف بشروط "الإفتاء" وفي تحصيل ما يتوقف عليه ذلك من علوم هو "من يحمل الناس" في إفتاءه "على السواء" والاعتدال، فيفتيهم وهو يتوقى طرفي السرف - الإفراط والتفريط - "توخيا" منه وقصدا "لـ" لعمل بما قامت عليه هذه الشريعة وهو الأخذ بـ "أوسط الأمور" والمعهود "في كل ما يليق بالجمهور".

стр. 1101

٢٧٤٣ - مِنْ غَيْرِ شِدَّةٍ وَلَا انْحِلَالِ … إِذْ مَقْصِدُ الشَّرْعِ فِي الاعْتِدَالِ ٢٧٤٤ - وَكَمْ لِهَذَا مِنْ دَلِيلٍ شَاهِدِ … وَمَرَّ مُقْتَضَاهُ فِي الْمَقَاصِدِ ويصلح له "من غير شدة" تنفر من التكليف، وتفضي إلى الملل، ثم الترك، "ولا انحلال" من ربقة التكليف، ومن تحمل ما هو معتاد فيه، مما لا يقوم الدين إلا به. وإنما يحسن مسلك الاعتدال والأخذ بالأوسط في هذا الشأن "إذ مقصد" صاحب "الشرع" وسره "في" أحكامه إنما هو تحصيل "الاعتدال" في النفوس، ومجاري حياة الناس الظاهرة وحمل الناس على التوسط فيما يأتون وما يدرون أمور التكليف، لا فهم بذلك يمضون على استقامة في ظواهرهم، وبواطنهم. "وكم لـ" ثبوت "هذا" القصد الشرعي وتحققه في الأمور الشرعية "من دليل" شرعي "شاهد" عليه، "و" قد "مر" إيراده وبيان "مقتضاه في "كتاب "المقاصد" من هذا الكتاب، ومن خرج عن ذلك في شأن المستفتين فإنه قد خرج عن قصد الشارع. ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين. (وأيضا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله ﷺ وأصحابه الأكرمين. وقد رد ﷺ التبتل، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: (أفتان أنت يا معاذ؟) وقال: (إن منكم منفرين) وقال: (سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا) وقال: (عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) وقال: (أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل) ورد عليهم الوصال وكثير من هذا. وأيضا فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق: أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضا، لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة. وهو مشاهد وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك، والأدلة كثيرة.

стр. 1102

" فصل " ٢٧٤٥ - وَقَدْ يَسُوغُ مَعَ ذَا لِلْمُجْتَهِدْ … فِي نَفْسِهِ الشِّدَّةُ فِيمَا يَعْتَمِدْ ٢٧٤٦ - لَا كِنَّ مَعْ تَبْيِينِهِ وَأَمْنِهِ … أَنْ يُقْتَدَى فِيمَا اقْتَفَى بِشَأْنِهِ " فصل" فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادا للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضا. وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد، فلا يجعل بينهما وسطا وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب. ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك. وأكثر من هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي، بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة. وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة، وقد تقدم أن اتباع الهوى ليس من المشقات التي يترخص بسببها، وأن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى، وأن الشريعة حمل على التوسط، لا على مطلق التخفيف، وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ومخالف للهوى، ولا على مطلق التشديد. فليأخذ الموفق في هذا الموضع حذره، فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه (١). ومع هذا فإنه "قد يسوغ" ويجوز "للمجتهد في "خاصة "نفسه" الأخذ بمسلك "الشدة" وأن يحمل نفسه ذلك في عبادته، بل "في" كل "ما يعتمد"ـه ويأتيه من الأعمال والتصريفات. "لا كن" ذلك ليس على الإطلاق، بل هو سائغ فقط إذا كان "مع تبيينه" لما به التقوى، ولما اقتضاه الأخذ بالوسط اللائق بالجمهور في ذلك، "و" مع "أمنه" من "أن يقتدى" به "فيما اقتفى" لا في خاصة نفيه من الأخذ بالشدة، ومن أن يتبع "بشأنه" يعني في شأنه وما عليه من حال في هذا الأمر. (وذلك أنه لما كان مفتيا بقوله وفعله كان له أن يخفي ما لعله يقتدي به فيهن فربما اقتدى به فيه من لا طاقة له بذلك العمل فينقطع،

стр. 1103

٢٧٤٧ - ثُمَّ لِمَنْ قَلَّدَ أَنْ يَعْتَبِرَا … حَالَ التَّوَسُّطِ الذِي قَدْ قُرّرَا ٢٧٤٨ - فَيَتَحَرَّى جُهْدَ الاسْتِطَاعَهْ … مَذْهَبَ مَنْ تَخَيَّرَ اتّبَاعَهْ وإن اتفق ظهوره للناس نبه عليه، كما كان رسول الله ﷺ يفعل؛ إذ كان قد فاق الناس عبادة وخلقا، وكان ﵊ قدوة، فربما اتبع لظهور عمله فكان ينهى عنه في مواضع، كنهيه عن الوصال ومراجعته لعمرو بن العاص في سرد الصوم. وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] وأمر بحل الحبل الممدود بين الساريتين، وأنكر على الحولاء بنت تويت قيامها الليل، وربما ترك العمل خوفا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. ولهذا والله أعلم أخفى السلف الصالح أعمالهم لئلا يتخذوا قدوة، مع ما كانوا يخافون عليه أيضا من رياء أو غيره، وإذا كان الإظهار عرضة للاقتداء لم يظهر منه إلا ما صح للجمهور أن يحتملوه) (١). "فصل" "ثم" بعد ثبوت من أن الصواب هو حمل الناس في الفتوى على التوسط، يتقرر أمر آخر مبينا على هذا وهو أنه يحق "لمن قلد" - أي للمقلد - غيره "أن يعتبرا" - الألف للإطلاف - ويختار "حال التوسط الذي قد قررا" أنه السبيل الأنهج في شأن الفتوى "فيتحرى" لذلك بقدر الطاقة و"جهد الاستطاعة" على وقف ذلك "مذهب من تخير" وانتقى "اتباعه" في فتواه، لأن من كان على هذا السبيل من المذاهب هو الذي يكون أجدر بالاتباع، وإن كانت المذاهب كلها طرقا إلى الله - تعالى -، ولكن الترجيح فيها لابد منه (لأنه أبعد من اتباع الهوى - كما تقدم - وأقرب إلى تحري قصد الشارع في مسائل الاجتهاد. فقد قالوا في مذهب داود لما وقف مع الظاهر مطلقا: إنه بدعة حدثت بعد المائتين. وقالوا في مذهب أصحاب الرأي لا يكاد المعرق في القياس إلا يفارق السنة. فإن كان رأي بين هذين فهو الأولى بالاتباع. والتعيين في هذا المذهب موكول إلى أهله، والله أعلم) (٢). انتهى الكلام على الطرف الثاني. وبالله - تعالى - التوفيق.

стр. 1104

" الطرف الثالث" فيما يتعلق بإعمال قول المجتهد المقتدى به وحكم الاقْتِدَاءِ به وفيه مسائل " المسألة الأولى " ٢٧٤٩ - حَقُّ الْمُقَلِّدِ السُّؤَالُ لِلْعَمَلْ … فِي غَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ إِذَا نَزَلْ ٢٧٥٠ - فَاللهُ لِلْعِبَادِ قَدْ تَعَبَّدَا … بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ كَمَا قَدْ وَرَدَا ٢٧٥١ - وَشَاهِدٌ لِلْعِلْمِ بِالتَّقْدِيمِ … تَرَتُّبُ التَّقْوَى عَلَى التَّعْلِيمِ " الطرف الثالث" "فيما يتعلق بإعمال قول" وإفتاء "المجتهد المقتدى به، وحكم الاقتداء به" واتباعه "وفيه" يعني وفي هذا الشأن وبيانه نورد "مسائل" وهي تسع: "المسألة الأولى" منها في أن المقلد يجب عليه أن يسأل عما لم يعلمه من أمور دينه. وبيان ذلك أن "حق المقلد" وحظه في سبيل كسب العلم الشرعي هو "السؤال" لأهل العلم، وذلك "لـ" أجل "العمل" والتفقه، وهذا ماض أمره "في غير ما يعلمه" من الأمور الدينية "إذا نزل" به وعرض له طلب إدراك حكمه الشرعي. "فالله" "للعباد قد تعبدا" - الألف للإطلاق - يعني أنه جعل لهم ما يعبدونه به مشروطا بأن يكون ثابتا "بمقتضى" وبموافقة "العلم" الشرعي "كما قد ورد" عن الشارع. "و" الدليل الذي هو "شاهد لـ" كون "العلم" هو المتصف "بالتقديم" على العلم طبعا، وشرعا هو "ترتب التقوى على التعليم" الوارد في قوله - تعالى -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢] وهذا بناء على ما قرره الأئمة في صناعة النحو هنا، ومقتضاه أن الله يعلمكم على حال، فاتقوه، فكأن الثاني - أي التعليم - سبب في الأول - أي التقوى -، فترتيب الأمر بالتقوى على حصول التعليم ترتبا معنويا، وهو يقتضي تقدم العلم على العمل.

стр. 1105

٢٧٥٢ - وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُسَلَّمَهْ … لَاكِنَّ هَذَا سِيقَ كَالْمُقَدِّمَهْ " المسألة الثانية " ٢٧٥٣ - سُؤَالُ مَنْ جَوابُهُ لَا يُعْتَبَرْ … فِي الشَّرْعِ لَا يَصِحُّ مِنْ حَيْثُ النَّظَرْ ٢٧٥٤ - لِأَنَّ مَنْ يَسْأَلُ مَنْ لَايَعْلَمُ … يَقُولُ عَلِّمْنِيَ مَا لَا تَعْلَمُ ٢٧٥٥ - لَا كِنْ إِذَا تَعَيَّنَ السُّوَالُ … كَانَ لِمَنْ يَدْرِي لَهُ اسْتِقْلَالُ ٢٧٥٦ - فَإِنْ يَكُنْ فِي نَظَرٍ قَدِ اتَّحَدْ … فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ فِي أَنْ يُعْتَمَدْ " وهذه" القاعدة - وهو أن العلم متقدم على العمل - "قاعدة مسلمة" اقتضى واقع الحال ثبوتها، والأدلة على ذلك كثيرة "لا كن هذا" إنما "سيق" هنا "كالمقدمة" لما يأتي من الكلام في المسألة الموالية، وهي: "المسألة الثانية" وهي في أن السائل لا يصلح له أن يسأل من لا يعتبر في الشريعة جوابه. وبيان ذلك أن "سؤال من جوابه لا" يعتد به ولا "يعتبر في" ميزان "الشرع" وحكمه "لا يصح" ولا يقبل، لأنه إسناد أمر إلى غير أهله، والإجماع منعقد على عدم صحة مثل هذا، بل هذا لا يمكن "من حيث النظر" العقلي المحكوم بالعادة وذلك "لأن من يسأل من لا يعلم" كأنه "يقول" له "علمني ما لا تعلم" أو أخبرني عما لا تدري، وأنا أسند أمري لك فيما نحن بالجهل به على سواء، ومثل هذا لا يدخل في زمرة العقلاء، إذ لو قال له: دلني في هذه المفازة على الطريق إلى الموضع الفلاني، وقد علم أنهما في الجهل بالطريق سواء لعد من زمرة المجانين. فالطريق الشرعي أولى بالاهتمام والاعتبار، لأن في خلفه هلاك أخرويا. غير أنه يقال بعد هذا: "لا كن إذا تعين السؤال" حق وجوبه "كان" توجهه "لمن يدري" الجواب الصحيح عنه فهو الذي "له استقلال" بذلك التوجه والجواب والإنفراد بهما، هذا الذي يتوجه إليه السؤال لعلمه ودرايته لا يخلوا من أن يتحد في ذلك القطر الذي فيه أو يتعدد "فإن يكن" في قطره وبلده "قد اتحد" أي انفرد بالأهلية لذلك والصلاحية "فذاك" لا خفاء و"لا إشكال في أن" يقصد و"يعتمد" لأن يسأل.

стр. 1106

٢٧٥٧ - وَمَعْ تَعَدُّدٍ فَفِي الأُصُولِ … خُيِّرَ أَوْ صُدَّ عَنِ الْمَفْضُولِ ٢٧٥٨ - هَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الأَقْوَالَا … فِي الْحُكْمِ قَبْلَ أَنْ أَرَى السُّؤَالَا ٢٧٥٩ - وَبَعْدَ عِرْفَانٍ بِهَا التَّرْجِيحُ … حَتْمٌ وَقَدْ مَرَّ لِذَا التَّصْحِيحُ " المسألة الثالثة " ٢٧٦٠ - وَحَيْثُمَا التَّرْجِيحُ قَدْ تَعَيَّنَا … فَهْوَ عَلَى نَوْعَيْنِ قَدْ تَبَيَّنَا " و" أما "مع" حصول "تعدد" لمن هم أهل للسؤال عن ذلك في قطر واحد "فـ" إنه قد تقرر "في" علم "الأصول" أن المستفتي في هذه الحالة قد "خير" أي له الخيار في أن يسأل من يشاء من هؤلاء أن كانت مرتبتهم العلمية وأهليتهم في الجواب عن ذلك واحدة، وإن تفاوتت أعرض "أو صدّ عن المفضول" وسأل الفاضل منهم "هذا إذا" كان هذا السائل "لم يعرف" آراء هؤلاء العلماء المذكورين ومالهم من "الأقوال في الحكم" الذي يسأل عنه من "قبل أن" أبدي و"أرى السؤال" وكشفه بإيراده. "و" أما إذا كان ذلك "بعد" حصول "عرفان" منه "بها" فإن حكمه إذا أراد أن يأخذ بأحدهما هو "الترجيح" بينها بما يكون به الترجيح الفقهي بينها، وهذا أمر "حتم" وواجب لأن من مقصود الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبد الله، وتخييره يفتح له باب الهوى، فلا سبيل إليه البتة. "وقد مر" التقدير "لذا" الذي ذكر هنا و"التصحيح" له، أي الحكم بأنه الصحيح شرعا، ونظرا. "المسألة الثالثة" في أن الترجيح إذا تعين يحصل بطريقين: عام، وخاص. "و" بيان ذلك أنه "حيثما" يكون "الترجيح قد تعينا" - الألف للإطلاق - ووجب "فهو" أي الترجيح يكون "على نوعين" فيسلك في كل واحد منهما الطريق المقرر سلوكه فيه، وكلا النوعين "قد تبينا" وظهرا على وضوح تام.

стр. 1107

٢٧٦١ - نَوْعٌ يَعُمُّ وَهْوَ فِي الأُصُولِ … مُقَرَّرُ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ ٢٧٦٢ - لَاكِنْ هُنَا مَعْنىً حَفِيٌّ يَبْرُزُ … وَيَنْبَغِي فِي شَأْنِهِ التَّحَرُّزُ ٢٧٦٣ - وَهْوَ خُرُوجُ مُعْمِلِي التَّرْجِيحِ … فِيهِ إِلَى التَّنْقِيصِ وَالتَّقْبِيحِ ٢٧٦٤ - وَذَاكَ غَيْرُ السَّنَنِ الْمَأْثُورِ … وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى أُمُورِ ٢٧٦٥ - مِنَ التَّغَالِي وَمِنَ التَّنَازُعِ … أَوِ التَّعَصُّبِ أَوِ التَّقَاطُعِ أحدهما: الـ "نوع" الموصوف بأنه "يعم" وهو الجاري العمل به بين الأدلة المتعارضة ظهورها، وهو عام باعتبار أنه لا يختص بشأن أقوال المفتين وأحوالهم بل عام لها وللأدلة الشرعية وأحوالها، "و" هذا النوع "هو" الذي "في" علم "الأصول" مبين و"مقرر" مضمونه من المسائل والمباحث والآراء الموردة - في شأنها، كل ذلك مأتي به فيه على وجه "الجملة و" على وجه "التفصيل" والبسط في المقال، ولا حاجة إلى اجترار ذلك وتكريره. "لا كن" يوجد "هنا" في هذا الموضع "معنى حفي" به أي مهتم ومعتنى به "يبرز" ويظهر في تضاعيف وثنايا كلام بعض المرجحين، "وينبغي" بل يجب "في شأنه التحرز" والتوقي، "و" ذلك المعنى "هو خروج معملي الترجيح" هؤلاء في مجرى ترجيحهم بين أقوال العلماء وأدلتها مقالهم "فيه" من إيراد الترجيح بالوجوه الخالصة "إلى" الترجيح ببعض الطعن علي المذاهب المرجوحة عندهم، أو على أهلها القائلين بها، و"التنقيص" لها أو لهم، "والتقبيح" لهم مع أنهم يثبتون مذاهبهم، ويعتدون بها، ويراعونها، ويفتون بصحة الاستناد إليها في الفتوى. "وذاك" الطعن وما جرى مجراه مما ذكر غير لائق بمناصب المرجحين، كما أنه سبيل وسنن "غير السنن المأثور" المنقول عن السلف الصالح، "وربما" أوصل و"أدى إلى أمور" بغيضة "من" نحو "التغالي" - بالغين المعجمة - وهو تبادل الغلو بين المختلفين، وذلك أن الطعن والتقبيح في مساق الرد أو الترجيح ربما أدى إلى ما ذكر من التغالي، وإلى الإنحراف في المذاهب، وذلك بسبب إثارة الأحقاد الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة قال الغزالي في بعض كتبه: [أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على

стр. 1108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العلماء المتلطفين محوها، مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة، ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون، فضلا عن قلب عاقل، هذا ما قال، وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية] (١). "و" كذلك ما يؤدي إليه ذلك "من التنازع" بين المختلفين، وذلك أن هذا الضرب من الترجيح مغر بانتصاب المخالف للترجيح بالمثل أيضا فبينما نحن نتتبع المحاسن صرنا نتتبع القبائح؛ فإن النفوس مجبولة على لانتصار لأنفسها ومذاهبها وسائر ما يتعلق بها، فمن غض من جانب صاحبه غض صاحبه من جانبه فكأن المرجح لمذهبه على هذا الوجه غاض من جانب مذهبه، فإنه تسبب في ذلك، كما في الحديث: (إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه) قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟ قال (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) فهذا من ذلك. وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع؛ كقوله: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية وأشباه ذلك (٢). وأيضا ما يؤدي إليه ذلك من ترك الإنصاف "أو التعصب" فالطعن في مساق الترجيح بين العناد من أهل المذهب المطعون عليه ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه؛ لأن الذي غض من جانبه مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر محاسنه فلا يكون للترجيح المسوق هذا المساق فائدة زائدة على الإغراء بالتزام وإن كان مرجوحا؛ فإن الترجيح لم يحصل (٣). وكذلك ما يورثه هذا من التدابر "أو التقاطع" بين أرباب المذهب، وربما نشأ الصغير منهم على ذلك، حتى يرسخ في قلوب أهل المذاهب بغض من خالفهم، فيتفرقوا شيعا وقد نهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]

стр. 1109

٢٧٦٦ - وَإِنَّمَا التَّرْجِيحُ بِالْفَضَائِلِ … وَبِالْمَزِيَّاتِ مِنَ الدَّلَائِلِ ٢٧٦٧ - وَأَصْلُهُ السُّنَّةُ وَالْكِتَابُ … فَمِنْهُمَا لِحُكْمِهِ اقْتِضَابُ الآية وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقد مر تقرير هذا المعنى قبل، فكل ما أدى إلى هذا ممنوع فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع، ونقل الطبري عن عمر بن الخطاب وإن لم يصحح سنده أنه لما أرسل الحطيئة من الحبس في هجاء الزبرقان بن بدر قال: له إياك والشعر قال: لا أقدر يا أمير المؤمنين على تركه؛ مأكلة عيالي، ونملة على لساني قال: فشبب بأهلك، وإياك وكل مدحة مجحفة قال: وما هي، قال: تقول بنو فلان خير من بني فلان إمدح ولا تفضل. قال أنت يا أمير المؤمنين أشعر مني. فإن صبح هذا الخبر وإلا فمعناه صحيح، فإن المدح إذا أدى إلى ذم الغير كان مجحفا والعوائد شاهدة بذلك (١). وبهذا يعلم أن هذا المسلك ممنوع محظور شرعا، فالترجيح لا يكون على الإطلاق بالطعن في أهل العلم والتنقيص والتجريح لهم "وإنما الترجيح بالفضائل" الموجبة للرجحان "وبالمزيات" القاضية بذلك "من" نحو "الدلائل" والحجج الشرعية، والقرائن الحالية والمقالية ومقتضيات العوائد، والعقول، وذلك بعد ثبوت الوصف المشترك بين ما يجري فيه ذلك الترجيح. وما سوى هذا من الطعن والتنقيص فإنه إبطال لأحد الطرفين الجاري الترجيح بينهما، وإهمال لجانبه رأسا. ومثل هذا لا يسمى ترجيحا. وإذا كان كذلك فالخروج في بعض الذاهب على بعض على القدح في أصل الوصف بالنسبة إلى أحد المتصفين خروج إلى نمط آخر مخالف له. وهذا ليس من شأن العلماء. وإنما الذي يليق بذلك الطعن والقدح في حصول ذلك الوصف لمن تعاطاه، وليس من أهله. والأئمة الذكورون برآء من ذلك النمط، لا يليق بهم. ومدرك هذا الذي تقرر - هنا - "وأصله السنة والكتاب فمنهما" الأخذ "لحكمه" هذا - وهو منع ما ذكر من الطعن والتنقيص والتجريح لأهل العلم - ومنهما "اقتضاب" يعني أخذ هذا الحكم واستخراج. فقد جاء في حديث الذي لطم وجه اليهودي القائل:

стр. 1110

" فصل " " والذي اصطفى موسى على البشر" أن النبي ﷺ غضب، وقال: ["لا تفضلوا بين الأنبياء" أو "لا تفضلوني على موسى" مع أن النبي ﷺ جاء بالتفضيل أيضا: فذكر المازري في تأويله عن بعض شيوخه أنه يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلا يؤدي إلى نقص بعضهم. قال: وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون ﵊ خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص موسى، فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق قال عياض: وقد يحتمل أن يقول هذا وإن علم بفضله عليهم وأعلم به أمته؛ لكن نهاه عن الخوض فيه والمجادلة به؛ إذ قد يكون ذلك ذريعة إلى ذكر ما لا يحب منهم عند الجدال، أو ما يحدث في النفس لهم بحكم الضجر والمراء فكان نهيه عن المماراة في ذلك كما نهى عنه في القرآن وغير ذلك. هذا ما قال وهو حق فيجب أن يعمل به فيما بين العلماء فإنهم ورثة الأنبياء. "فصل" وأما إذا وقع الترجيح بذكر الفضائل والخواص والمزايا الظاهرة التي يشهد بها الكافة فلا حرج فيه، بل هو مما لا بد منه في هذه المواطن، أعني عند الحاجة إليه وأصله من الكتاب قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآية، فبين أصل التفضيل، ثم ذكر بعض الخواص والمزايا المخصوص بها بعض الرسل وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] وفي الحديث من هذا كثير (لما سئل من أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وقال ﵊: (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال هل تعلم أحد أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إليه بلى عبدنا خضر) وفي رواية: (أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ قال أنا. فعتب الله عليه إذا لم يرد العلم إليه. قال له: بلى لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك) الحديث واستب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم والذي اصطفى محمدا على العالمين في قسم يقسم به فقال اليهودي:

стр. 1111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والذي اصطفى موسى على العالمين، إلى أن قال ﵊: (لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بجانب العرش. فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق أو كان ممن استثنى الله) وفي رواية (لا تفضلوا بين الأنبياء فإنه ينفخ في الصور) الحديث، فهذا نفي للتفضيل مستند إلى دليل وهو دليل على صحة التفضيل في الجملة إذا كان ثم مرجح، وقال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وقال للذي قال له يا خير البرية (ذاك إبراهيم) وقال في الحديث الآخر (أنا سيد ولد آدم) وأشباهه مما يدل على تفضيله على سائر الخلق. وليس النظر هنا في وجه التعارض بين الحديثين وإنما النظر في صحة التفضيل ومساغ الترجيح على الجملة، وهو ثابت من الحديثين. وقال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وقال عمر: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة وهم عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم) ففعلوا ذلك. وقال: (خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الله الأشهل ثم بنو الحرث بن الخزرج ثم بنو ساعدة وفي كل دور الأنصار خير) وقال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وقال عبد الرحمن بن يزيد: سألنا حذيفة عن رجل قريب السمت والهدى من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه فقال: ما أعرف أحد أقرب سمتا وهديا ودلا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد. ولما حضر معاذا الوفاة قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا قال: أجلسوني قال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث مرات، والتمسوا العلم عند أربعة رهط. عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام الحديث وقال ﵊: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) وما جاء في الترجيح والتفضيل كثير لأجل ما ينبني عليه من شعائر الدين وجميعه ليس فيه إشارة إلى تنقيص المرجوح، وإذا كان كذلك فهو القانون اللازم

стр. 1112

٢٧٦٨ - وَنَوْعُهُ الثَّانِي الذِي يَخُصُّ … يُذْكَرُ فِي بَابٍ بِهِ يَخْتَصُّ " المسألة الرابعة " ٢٧٦٩ - مَنْ حَصَلَتْ فِيهِ عَلَى اسْتِيفَاءِ … شُرُوطُ الانْتِصَابِ لِلإِفْتَاءِ والحكم المنبرم الذي لا يتعدى إلى سواه وكذلك فعل السلف الصالح. وربما انتهت الغفلة أو التغافل بقوم ممن يشار إليهم في أهل العلم أن صيروا الترجيح بالتنقيص تصريحا أو تعريضا دأبهم وعمروا بذلك دواوينهم وسودوا به قراطيسهم، حتى صار هذا النوع ترجمة من تراجم الكتب المصنفة في أصول الفقه أو كالترجمة، وفيه ما فيه مما أشير إلى بعضه، بل تطرق الأمر إلى السلف الصالح من الصحابة فمن دونهم، فرأيت بعض التآليف المؤلفة في تفضيل بعض الصحابة على بعض على منحى التنقيص بمن جعله مرجوحا وتنزيه الراجح عنده مما نسب إلى المرجوح عنده، بل أتى الوادي فطم على القرى، فصار هذا النحو مستعملا فيما بين الأنبياء، وتطرق ذلك إلى شرذمة من الجهال فنظموا فيه ونثروا وأخذوا في ترفيع محمد ﵊ وتعظيم شأنه، بالتخفيض من شأن سائر الأنبياء، ولكن مستندين إلى منقولات أخذوها على غير وجهها، وهو خروج عن الحق. وقد علمت السبب في قوله ﵊: (لا تفضلوا بين الأنبياء) وما قال الناس فيه. فإياك والدخول في هذه المضايق، ففيها الخروج عن الصراط المستقيم] (١). هذا هو شأن هذا النوع من الترجيح وبيانه من جهة ما يجب أن يتقى فيه. "و" أما "نوعه الثاني" وهو "الذي يخص" بشأن الترجيح بين أقوال المفتين فإنه يورد بعد هذا و"يذكر في باب" يعني مسألة. وموضع "به يختص" فيورد فيه بيانه ومجراه، وذلك في المسألة الموالية: "المسألة الرابعة" وهي معقودة في الكلام على الترجيح الخاص ومتضمن المقال في بيانه وشأنه أن "من حصلت فيه على استيفاء" وتمام "شروط" الصلاح و"الانتصاب للإفتاء" في الأمور

стр. 1113

٢٧٧٠ - قِسْمَانِ قِسْمٌ هُوَ فِي مَقَالِهْ … وَفِعْلِهِ وَفِي جَمِيعِ حَالِهْ ٢٧٧١ - جَارٍ عَلَى مَا تَقْتَضِي فُتْيَاهُ … فَذَاكَ لَا يَعْدِلُهُ سِوَاهُ ٢٧٧٢ - وَمُقْتَضَى الإِفْتِاءِ مِنْهُ أَنْفَعُ … إِذْ مَا يَقُولُ فِي الْقُلُوبِ أَوْقَعُ ٢٧٧٣ - وَالثَّانِ مَا لَيْسَ كَذَاكَ حَالُهُ … بَلْ خَالَفَتْ أَقْوَالَهُ أَفْعَالُهُ الشرعية للناس "قسمان": أحدهما: "قسم هو في مقاله وفعله وفي جميع حاله". وأوصافه "جار على ما يقتصي"ـه "فتياه" لا تنافي في ذلك ولا تخالف، ومن كان هكذا "فذاك لا يعدله" أو يساويه "سواه" ممن هو دونه في ذلك، "و" إنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: ما تقرر من أن من كان هكذا يكون "مقتضى الإفتاء" الذي يصدر "منه" ويأتي "أنفع" لمن يفتيهم "إذ ما يقول" وما به يعظ أو يفتي يكون "في القلوب أوقع" وأولى بالقبول، لأنه الذي ظهرت ينابيع العلم عليه، واستنارت كليته به، وصار كلا منه خارجا من صميم القلب - والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب - ومن كان بهذه الصفة فهو من الذي قال الله - تعالى - فيهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِر: ٢٨]، بخلاف ما لم يكن كذلك، فإنه وغن كان عدلا وصادقا وفاضلا لم يبلغ كلامه من القلوب هذه البالغ، حسبما حققته التجربة العادية. والثاني من الأمرين: أن مطابقة الفعل القول شاهد لصدق ذلك القول، كما تقدم بيانه، فمن طابق فعله قوله صدقته القلوب، وانقادت له بالطواعية النفوس. "و" أما "الثان" من القسمين فهو "ما ليس كذاك" الذي ذكر وصفه و"حاله" في هذا الشأن "بل" هو على خلافه في ذلك إذ "خالفت أقواله" في الوعظ والإفتاء "أفعاله" وإن كان لم يزل إلى درجة سقوط عدالته، وإن كان فضله وعلمه معلوما، فهذا دون الذي قبله لأن التفاوت الحاصل في هذه المراتب في هذا الشأن الظاهر فيه أنه مفيدة زيادة، وذلك أن من زهد الناس في الفضول التي لا تقدح في العدالة، وهو زاهد فيها وتارك لطلبها، فتزهيده أنفع من تزهيده من زهد فيها، وليس بتارك لها، فإن ذلك مخالفة، وإن كانت جائزة، وفي مخالفة القول الفعل - هنا - ما يمنع من بلوغ مرتبة من طابق قوله

стр. 1114

٢٧٧٤ - وَفِي اخْتِلَافِ حَالَةِ الْمُفْتِينَ فِي … تَطَابُقِ الْمَقَالِ وَالتَّصَرُّفِ ٢٧٧٥ - يَرْجِعُ لِلْمُقَلِّدِ اتِّبَاعُ مَنْ … فِي غَالِبٍ إِلَى تَطَابُقٍ رَكَنْ ٢٧٧٦ - وَرَاجِحٌ تَطَابُقُ النَّوَاهِي … فِي بَابِنَا هَذَا بِلَا اشْتِبَاهِ ٢٧٧٧ - لِأنَّهُ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ … وَالاجْتِنَابُ آكَدُ الْحَالَاتِ ٢٧٧٨ - بِكَوْنِ الأَوْلَى الدَّرْءَ لِلْمَفَاسِدِ … وَكَوْنِهِ يُلْفَى بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فعله. "و" عليه فإنه "في" حاله "اختلاف حالة المفتين في" شأن "تطابق" وتوافق ما يصدر منهم من "المقال" الوعظي أو الإفتائي "و" من"التصرف" والأفعال "يرجح للمقلد" المستفتي استفتاء و"اتباع من" هو "في غالب" أحواله قد مال "إلى" تحصيل الـ"تطابق" التوافق بين أقواله وأفعاله، و"ركن" إلى ذلك، والمطابقة وعدمها ينظر فيها بالنسبة إلى الأمور، والنواهي "وراجح" ومقدم الـ "تطابق" الحاصل في "النواهي" عن التطابق الحاصل في الأمور وذلك "في بابنا" وموضوعنا "هذا بلا" خفاء في ذلك ولا "اشتباه" أي التباس، فإذا وجد مجتهدان: أحدهما مثابر ومداوم على أن لا يرتكب منهيا عنه لكنه في الأوامر ليس كذلك، والأخر مثابر على أن لا يخالف مأمورا به لكنه في النواهي غير ذلك. فالأول الأرجح في الاتباع من الثاني "لأنه" أي ما ذكر من الأوامر والنواهي فيما عدا شروط العدالة المطابقة له إنما هو "من المكملات" ومحاسن العادات "والاجتناب" لما نهى عنه هو "آكد" وأقوى "الحالات" في القصد الشرعي، وذلك "بـ " سبب أمور: أحدها: "كون الأولى" والأخرى هو "الدرء للمفاسد" فإنه مقدم على جلب المصالح. وهو معنى يعتمد عليه أهل العلم. "و" ثانيها: "كونه" أي الاجتناب المذكور "يلفى" أي يوجد، ويحصل "بفعل واحد" وهو الكف، فللإنسان عليها قدرة جملة من غير مشقة - على ما ذكره الشاطبي، وهو غير واضح -. وأما الأوامر فلا قدرة للبشر على فعل جميعها، وإنما تتوارد على المكلف البدل بحسب ما اقتضاه الترجيح، فترك بعض الأوامر ليس بمخالفة على الإطلاق بخلاف بعض النواهي، فإنه مخالفة في الجملة، فترك النواهي أبلغ في تحقيق الموافقة.

стр. 1115

٢٧٧٩ - وَللذِي مِنَ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ … بِأَنَّهُ فِي الاعْتِبَارِ أَوْكَدُ " المسألة الخامسة " ٢٧٨٠ - الْمُقْتَدَى بِفِعْلِهِمْ قِسْمَانِ … ذُو عِصْمَةٍ وَالْعَكْسُ مِنْهُ ثَانِ ٢٧٨١ - فَالْأَوَّلُ الثَّابِتُ بِالدَّلِيلِ … فِي حَقِّهِ الْعِصْمَةُ كَالرَّسُولِ ٢٧٨٢ - وَأَهْلِ الإِجْمَاعَاتِ فِي الْمَسَالِكِ .... وَفِعْلِ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِمَالِكِ " و" ثالثها: "لـ" كونه - أي الاجتناب - هو "الذي" ورد "من الحديث" ما "يشهد" له "بأنه في الاعتبار" الشرعي "أوكد" وأهم من الامتثال، قال رسول الله ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فجعل ترك المناهي آكد في الاعتبار من امتثال الأوامر، حيث حتم الترك في المناهي من غير مثنوية، ولم يحتم امتثال الأوامر إلا مع التقييد بالاستطاعة وذلك إشعار بما نحن فيه من ترجيح مطابقة ترك المناهي على امتثال الأوامر. "المسألة الخامسة" في أن الإقتداء بالأفعال الصادرة من المقتدى بهم لا يقع على وجه واحد بل على وجهين. بيان ذلك أن "المقتدى بفعلهم قسمان" وهما: المقتدى به وهو "ذو عصمة" من الزلل والإنحراف عن الجادة والمعاصي. وهذا هو القسم الأول، والمخالف لهذا في أمر العصمة ومن هو على "والعكس منه"، وهو المقتدى به المجرد من العصمة المذكورة وهذا هو "ثان" القسمين، "فـ" أما "الأول" فإنه "الثابت بالدليل" الشرعي "في حقه العصمة" المذكورة "كالرسول " ﷺ "وأهل الإجماعات" - بناء على أن إجماع الأمة معصوم - "في المسالك" والطرق المتبعة في الأعمال، "و" كذلك "فعل" من يعلم بالعادة أو بالشرع أنهم لا يتواطؤن على الخطأ مثل "أهل طيبة لـ" يعني عند "مالك" بن أنس إمام دار الهجرة ﵀.

стр. 1116

٢٧٨٣ - فَذَا إِذَا مَا الْمُقْتَدِي فِيهِ قَصَدْ … إِيَقَاعَهُ الْفِعْلَ الذِي قَدِ اعْتَمَدْ ٢٧٨٤ - كَمِثْلِ مَا أَوْقَعَ ذَاكَ الْمُقْتَدَا … بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ بَدَا ٢٧٨٥ - فَالاقْتِدَاءُ صَحَّ بِالدَّلِيلِ … حَسْبَمَا قُرِّرَ فِي الأُصُولِ ٢٧٨٦ - مَعْ فَهْمِ مَغْزَاهُ وَإِنْ لَمْ يُفْهَمِ … لَا فَرْقَ بَيْنَ وَاضِحٍ وَمُبْهَمِ ٢٧٨٧ - مِثْلَ اقْتِدَا الصَّحَابَةِ التُّقَاةِ … فِي الْخَلْعِ للنَّعْلَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ٢٧٨٨ - فَإِنْ يَكُنْ نَوَاهُ فِيمَا فَعَلَا … مَعْ كَوْبهِ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلَا ٢٧٨٩ - بِرَدِّهِ لِأحْسَنِ الْمَحَامِلِ … يَبْنِى عَلَيْهِ الْحُكْمَ فِي الْمَسَائِلِ " فـ" هـ "ذا" القسم "إذا" كان "ما المقتدي" - بصيغة اسم الفاعل - قد اقتدى به، وقد نوى "فيه" أي في اقتداءه هذا و"قصد" منه "إيقاعه الفعل الذي قد" أتاه و"اعتمد"ـه إيقاعا "كمثل ما" أي كمثل الإيقاع الذي "أوقع ذاك" الفعل عليه "المقتدى" - بصيغة المفعول - "بفعله من غير" أمر "زائد" عليه "بدا" - والجملة في محل جر نعت لزائد -. "فـ" إن هذا "الاقتداء" اقتداء قد "صح بالدليل" الشرعي "حسبما قرر في" علم "الأصول" في مبحث الاقتداء بالأفعال النبوية، وهذا الاقتداء صحيح ومعتبر إذا حصل "مع فهم" المقتدي "مغزاه" وما فعل من أجله وقصد منه، والموجب له، بل "وإن لم يفهم" ذلك إذ "لا فرق" هنا "بين" ما هو "واضح" حاله ومغزاه من هذه الأفعال "و" ما هو "مبهم" منها حالا، ومغزى. وهذا الضرب من اقتداء هو "مثل اقتداء" الصحابة التقاة" رضوان الله - تعالى - عليهم، بالنبي ﷺ في أشياء كثيرة "في الخلع للنعلين في الصلاة" ونزع الخاتم الذهبي، والإفطار في السفر، والإحلال من العمرة عام الحديبية، وما أشبه ذلك. "فإن يكن" المقتدي قد قصد التعبد، و"نواه فيما فعلا" - الألف للإطلاق - أي فعله من ذلك "مع كونه" أي هذا الفعل ليس متمحضا للعبادة، بل هو "في نفسه" وحقيقة أمره قد ورد "محتملا" - بصيغة اسم الفاعل - لأن يكون أمرا تعبديا، وأن يكون أمرا جبليا، أو دنيويا، وذلك "برده لأحسن المحامل" وهو المحمل التعبدي وحمله عليه ثم "يبنى عليه الحكم" المرتب عليه "في المسائل" ويفرع عليه المسائل التي يصلح أن يفرع عليه باعتباره أصلا.

стр. 1117

٢٧٩٠ - فَذَاكَ فِي الشَّرْعِ بِحَيْثُ مَا بَدَا … لَيْسَ بِمُعْتَدٍّ بِهِ فِي الاقْتِدَا " فذاك" الحمل مردود، وذلك القصد ملغى حكمه "في الشرع" الحكيم "بحيث مما بدا" أي في موضع ظهر ووجد إذ "ليس بـ" دليل "معتد به في" شأن إثبات "الاقتداء" به، وذلك لأمور: أحدهما: أن تحسين الظن لا يقتضي الإلغاء لاحتمال قصد المقتدي به دون ما نواه المقتدي، وإسقاطه من غير دليل فالاحتمال الذي عينه المقتدي لا يتعين، وإذا لم يتعين لم يترجح إلا بالتشهي وذلك مهمل في الأمور الشرعية إذ لا ترجيح إلا بمرجح. ولا يقال: إن تحسين الظن مطلوب على العموم، فأولى أن يكون مطلوبا بالنسبة إلى من ثبتت عصمته لأنا نقول تحسين الظن بالمسلم - وإن ظهرت مخايل احتمال إساءة الظن فيه - مطلوب بلا شك، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] الآية وقوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ الآية بل أمر الإنسان في هذا المعنى أن يقول ما لا يعلم - كما أمر باعتقاد ما لا يعلم - في قوله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] وقوله: ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] إلى غير ذلك مما في هذا المعنى ومع ذلك فلم يبن عليه حكم شرعي، ولا اعتبر في عدالة شاهد ولا في غير ذلك مجرد هذا التحسين، حتى تدل الأدلة الظاهرة المحصلة للعلم أو الظن الغالب. فإذا كان المكلف مأمورا بتحسين الظن بكل مسلم، ولم يكن كل مسلم عدلا بمجرد هذا التحسين حتى تحصل الخبرة أو التزكية دل على أن مجرد تحسين الظن بأمر لا يثبت ذلك الأمر، وإذا لم يثبته لم ينبن عليه حكم، وتحسين الظن بالأفعال من ذلك فلا ينبني عليها حكم. ومثاله كما إذا فعل المقتدى به فعلا يحتمل أن يكون دينيا تعبدي، أو يحتمل أن يكون دنيويا راجعا إلى مصالح الدنيا، ولا قرينة تدل على تعين أحد الاحتمالين، فيحمله هذا المقتدي على أن المقتدى به إنما قصد الوجه الديني بناء على تحسينه الظن به. والثاني أن تحسين الظن عمل قلبي من أعمال المكلف بالنسبة إلى المقتدى به مثلا، وهو مأمور به مطلقا وافق ما في نفس الأمر أو خالف؛ إذ لو كان يستلزم المطابقة علما أو ظنا لما أمر به مطلقا، بل بقيد الأدلة المفيدة لحصول الظن بما في نفس الأمر، وليس كذلك باتفاق، فلا يستلزم المطابقة. وإذا ثبت هذا فالاقتداء بناء على هذا التحسين بناء على عمل من أعمال نفسه، لا على أمر حصل لذلك المقتدي، لكنه قصد الاقتداء بناء على ما عند

стр. 1118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المقتدى به، فأدى إلى بناء الاقتداء على غير شيء، وذلك باطل بخلاف الاقتداء بناء على ظهور علاماته فإنه إنما انبنى على أمر حصل للمقتدي به علما أو ظنا وإياه قصد المقتدي باقتدائه فصار كالاقتداء به في الأمور المتعينة. والثالث أن هذا الإقتداء يلزم منه التناقض، لأنه إنما يقتدي به بناء على أنه كذلك في نفس الأمر ظنا مثلا ومجرد تحسين الظن لا يقتضي أنه كذلك في نفس الأمر لا علما ولا ظنا، وإذا لم يقتضه لم يكن الاقتداء به بناء على أنه كذلك في نفس الأمر، وقد فرضنا أنه كذلك. هذا خلف متناقض. وإنما يشتبه هذا الموضع من جهة اختلاط تحسين الظن بنفس الظن. والفرق بينهما ظاهر؛ لأمرين؛ أحدهما: أن الظن نفسه يتعلق بالمقتدى به مثلا بقيد كونه في نفس الأمر كذلك، حسبما دلت عليه الأدلة الظنية. بخلاف تحسين الظن، فإنه يتعلق به كان في الخارج على حسب ذلك الظن أولا. والثاني: أن الظن ناشئ عن الأدلة الموجبة له ضرورة لا انفكاك للمكلف عنه، وتحسين الظن أمر اختياري للمكلف غير ناشئ عن دليل يوجبه. وهو يرجع إلى نفي بعض الخواطر المضطربة الدائرة بين النفي والإثبات في كل واحد من الاحتمالين المتعلقين بالمقتدى به: فإذا جاءه خاطر الاحتمال الأحسن قواه وثبته بتكراره في فكره ووعظ النفس في اعتقاده؛ وإذا أتاه خاطر الاحتمال الآخر ضعفه ونفاه، وكرر نفيه على فكرة ومحاه عن ذكره. فإن قيل إذا كان المقتدى به ظاهره والغالب من أمره الميل إلى الأمور الأخروية والتزود للمعاد والانقطاع إلى الله، ومراقبة أحواله فيما بينه وبين الله فالظاهر منه أن هذا الفرد المحتمل ملحق بذلك الأعم الأغلب، شأن الأحكام الواردة على هذا الوزان. فالجواب أن هذا الفرد إذا تعين هكذا على هذا الفرض فقد يقوى الظن بقصده إلى الاحتمال الأخروي، فيكون مجال الاجتهاد كما سيذكر بحول الله؛ ولكن ليس هذا الفرض بناء على مجرد تحسين الظن، بل على نفس الظن المستند إلى دليل يثيره والظن الذي يكون هكذا قد ينتهض في الشرع سببا لبناء الأحكام عليه، وفرض مسألتنا ليس هكذا، بل على جهة أن لا يكون لأحد الاحتمالين ترجيح يثير مثله غلبة الظن بأحد الاحتمالين، ويضعف الاحتمال الآخر؛ كرجل متق لله محافظ على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ليس له في الدنيا شغل إلا بما كلف من أمر دينه بالنسبة إلى دنياه وآخرته. فمثل هذا له في هذه الدار حالان: (حال دنيوي) به يقيم معاشه ويتناول ما من

стр. 1119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الله به عليه من حظوظ نفسه، و (حال أخروي) به يقيم أمر آخرته فأما هذا الثاني فلا كلام فيه، وهو متعين في نفسه وغير محتمل إلا في القليل، ولا اعتبار بالنوادر. وأما الأول فهو مثار الاحتمال: فالمباح مثلا يمكن أن يأخذه من حيث حظ نفسه، ويمكن أن يأخذه من حيث حق ربه عليه في نفسه. فإذا عمله ولم يدر وجه أخذه فالمقتدي به بناء على تحسين ظنه به وأنه إنما عمله متقربا إلى الله ومتعبدا له به فيعمل به على قصد التقرب ولا مستند له إلا تحسين ظنه بالمقتدى به، ليس له أصل ينبني عليه؛ إذ يحتمل احتمالا قويا أن يقصد المقتدى به نيل ما أبيح له من حظه، فلا يصادف قصد المقتدي محلا، بل إن صادف أمرا مباحا صيرة متقربا به، والمباح لا يصح التقرب به كما تقدم تقريره في كتاب الأحكام بل نقول: إذا وقف المقتدى به وقفة، أو تناول ثوبه على وجه أو قبض لحيته في وقت ما أو ما أشبه ذلك، فأخذ هذا المقتدي يفعل مثل فعله بناء على أنه قصد به العبادة مع احتمال أن يفعل ذلك لمعنى دنيوي أو غافلا، كان هذا المقتدي معدودا من الحمقى والمغفلين. فمثل هذا هو المراد بالمسألة. وكذلك إذا كان له درهم مثلا فأعطاه صديقا له لصداقته، وقد كان يمكن أن ينفقه على نفسه ويصنع به مباحا أو يتصدق به، فيقول المقتدي حسن الظن به يقتضي أنه يتصدق به، لكن آثر به على نفسه في هذا الأمر الأخروي، فيجئ منه جواز الإيثار في الأمور الأخروية. وهذا المعنى لحظ بعض العلماء في حديث: (واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) فاستنبط منه صحة الإيثار في أمور الآخرة؛ إذ كان إنما يدعو بدعوته التي أعطيها في أمر من أمور الآخرة لا في أمور الدنيا. فإذا بنينا على ما تقدم فلقائل أن يقول إن ما قاله غير متعين. لأنه كان يمكنه أن يدعو بها في أمر من أمور دنياه، لأنه لا حجر عليه ولا قدح فيه ينسب إليه، فقد كان ﵊ يحب من الدنيا أشياء وينال مما أعطاه الله من الدنيا ما أبيح له، ويتعين ذلك في أمور كحبه للنساء والطيب والحلواء والعسل والدباء وكراهيته للضب وأشباه ذلك. وكان يترخص في بعض الأشياء مما أباح الله له، وهو منقول كثيرا. ووجه ثان وهو أنه قد دعا ﵊ بأمور كثيرة دنيوية كاستعاذته من الفقر والدين وغلبة الرجال وشماتة الأعداء والهم وأن يرد إلى أرذل العمر، وكان يمكنه أن يعوض من ذلك أمور الآخرة فلم يفعل. ويدل عليه في نفس المسألة أن جملة من

стр. 1120

٢٧٩١ - ثَانِيهِمَا يَأْتِي عَلَى أَقْسَامِ … مُنْتَصِبٍ بِمَقْصِدِ الإِعْلَامِ ٢٧٩٢ - بِفِعْلِهِ كَسَائِرِ الْحُكَّامِ … لِكَوْنِهِمْ فِي مَقْطَعِ الأَحْكَامِ الأنبياء دعوا الدعوة المضمونة الإجابة لهم المذكورة في قوله: (لكل نبى دعوة مستجابة) في أمته على وجه مخصوص بالدنيا جائز لهم، وهو الدعاء عليهم؛ كقوله وقال نوح ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] حسبما نقله المفسرون وكان من الممكن أن يدعو بغير ذلك مما فيه صلاح لهم في الآخرة. فكونهم فعلوا ذلك وهم صفوة الله من خلقه دليل على أنه لا يتعين في حقهم أن تكون جميع أعمالهم وأقوالهم مصروفة إلى الآخرة فقط، فكذلك دعوة النبي ﷺ لا يتعين فيها أمر الآخرة البتة. فلا دليل في الحديث على ما قال هذا العالم. وأمر ثالث: وهو أنا لو بنينا على هذا الأصل لكنا نقول ذلك القول في كل فعل من أفعاله ﵊، كان من أفعال الجبلة الآدمية أولا إذ يمكن أن يقال إنه قصد بها أمورا أخروية وتعبدا مخصوصا، وليس كذلك عند العلماء؛ بل كان يلزم منه أن لا يكون له فعل من الأفعال مختصا بالدنيا إلا من بين أنه راجع إلى الدنيا، لأنه لا يتبين إذ ذاك كونه دنيويا لخفاء قصده فيه حتى يصرح به. وكذلك إذا لم يبين جهته لأنه محتمل أيضا، فلا يحصل من بيان أمور الدنيا إلا القليل. وذلك خلاف ما يدل عليه معظم الشريعة. فإذا ثبت صح أن الاقتداء على هذا الوجه غير ثابت، وأن الحديث لا دليل فيه من هذا الوجه. مع أن الحديث - كما تقدم - يقتضي أن الدعوة مخصوصة بالأمة؛ لقوله فيه: (لكل نبي دعوة مستجابة في أمته) فليست مخصوصة به، فلا يحصل فيها معنى الإيثار الذي ذكره؛ لأن الإيثار ثان عن قبول الانتفاع في جهة المؤثر، وهنا ليس كذلك (١). هذا هو بيان القسم الأول وبيان حكمه وحاله وحال الاقتداء الجاري فيه، وحكمه. وأما "ثانيهما" أي القسمين فإنه "يأتي على أقسام" ثلاثة: أحدهما: "منتصب بمقصد" وغرض "الإعلام" والإخبار "بـ" جريان الاقتداء "بفعله" قصدا، وذلك "كـ" أفعال "سائر الحكام" ونواهيهم "لكونهم في مقطع الأحكام"

стр. 1121

٢٧٩٣ - فَمِثْلُ هَذَا الْقِسْمِ لَا إِشْكَالِ فِي … صِحَّةِ الاقْتِدَاء لِلْمُكَلَّفِ ٢٧٩٤ - أَوْ مُتَعَيِّنٌ لَهُ التَّعَبُّدُ … مِنْ حَالِهِ فِي مَا إِلَيْهِ يَقْصِدُ ٢٧٩٥ - فَالاحْتِمَالُ فِيهِ قَدْ يُوَازِي … فِي مُقْتَضٍ لِلْمَنْعِ وَالْجَوَازِ ٢٧٩٦ - فَالْمَنْعُ مِنْ تَطَرُّقِ النِّسْيَانِ … إِلَيْهِ وَالْخَطَإِ وَالْعِصْيَانِ ٢٧٩٧ - وَقَدْ يُقَالُ الظَّنُّ فِيهِ غَالِبُ … وَللْجَوَازِ حُكْمُهُ يُنَاسِبُ وموجباتها - بفتح الجيم - من أخذ، وعطاء، ورد، وإمضاء، ونحو ذلك "فمثل هذا القسم لا إشكال في "جوازه و"صحة الاقتداء" به "للمكلف"، إذ لا فرق بين تصريحه القولي بالانتصاب للناس، وتصريحه بحكم ذلك الفعل المفعول أو المتروك، هذا إذا كان الفعل وفاعله على هذه الصورة، وأما إذا كان الفعل من القسم الذي، قرر فيه أنه واجب "أو متعين له" - يعني فيه حصول "التعبد" - آخذا "من" قرآئن "حاله في" كل "ما" العالم يأتي "إليه" فيه من فعل أو ترك و"يقصد" منه. "فـ" إنه "الاحتمال" بين كونه مما يصح "فيه" الاقتداء، وما ليس كذلك "قد يوازي" ويساوي فيتعارض "في" مضمونه هذا والذي هو "مقتض" وموجب من "للمنع" من وجه ومقتض وموجب "والجواز" من وجه آخر"فـ " أما وجه "المنع" فإنه من جهة ما يحتمله ذلك الفعل أو الترك "من تطرق النسيان إليه والخطأ والعصيان" من جهة الفاعل لأنه غير معصوم، وإذا لم يتعين وجه فعله، فكيف يصح الاقتداء به فيه قصدا في العبادات أو في العادات ولذلك حكي عن بعض السلف أنه قال: أضعف العلم الرؤية يعني أن يقول رأيت فلانا يعمل كذا ولعله فعله ساهيا وعن إياس بن معاوية لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك وقد ذم الله تعالى الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] الآية وفي الحديث من قول المرتاب سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فالاقتداء بمثل هذا المفروض كالاقتداء بسائر الناس أو هو قريب منه (١). "و" لكن "قد يقال" في مجرى الاحتجاج لتجويز الاقتداء بما هذا شأنه إن "الظن" في هذا الذي نحن "فيه" ظن "غالب" على خلافه، "و" الظن العمل به في الأحكام "للجواز حكمه" ينتمي، إذ هو الذي "يناسبه" نظرا، وشرعا فإذا تعين بالقرائن فصده

стр. 1122

٢٧٩٨ - أَوْ مَنْ لَهُ فِعْلٌ وَلَا قَرِينَهْ … لِلْقَصْدِ فِيهِ تَقْتَضِي تَعْيِينَهْ ٢٧٩٩ - فَهَاهُنَا الْمَنْعُ لِلاقْتِدَاءِ … إِلَّا مَعَ الْبَحْثِ وَالاسْتِبْرَاءِ إلى الفعل أو الترك - ولا سيما في العبادات ومع التكرار أيضا، وهو من الاقتداء بقوله، فالاقتداء بفعله كذلك وقد قال مالك في إفراد يوم الجمعة بالصوم إنه جائز واستدل على ذلك بأنه رأى بعض أهل العلم يصومه، قال: وأراه كان يتحراه. فقد استند إلى فعل بعض الناس عند ظنه أنه كان يتحراه، وضم إليه أنه لم يسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيامه، وجعل ذلك عمدة مسقطة لحكم الحديث الصحيح من نهيه ﵊ عن إفراد يوم الجمعة بالصوم. فقد يلوح من هنا أن مالكا يعتمد هذا العمل الذي يفهم من صاحبه القصد إليه إذا كان من أهل العلم والدين، وغلب على الظن أنه لا يفعله جهلا ولا سهوا ولا غفلة، فإن كونه من أهل العلم المقتدى بهم يقتضي عمله به، وتحريه إياه دليل على عدم السهو والغفلة. وعلى هذا يجري ما اعتمد عليه من أفعال السلف، إذا تأملتها وجدتها قد انضمت إليها قرائن عينت قصد المقتدى به وجهة فعله فصح الاقتداء (١). وأما القسم الثالث فهو من تجرد فعله عما يبين حاله "أو من له فعل" صادر عنه "ولا قرينة" مبينة "للقصد فيه" والمراد فيه، "تقتضي تعيينه"، بحيث يبين كونه قصدا دنيويا، أو قصدا أخرويا. فإن قلنا: في القسم الماضي ذكره - القسم الثاني - يعدم صحة الاقتداء "فهاهنا" في هذا القسم جريان "المنع للاقتداء" فيه أولى، وذلك أنه إن قلنا بصحة الاقتداء فيه فقد ينقدح فيه احتمال، فإن قرائن التحري للفعل موجودة، فهي دليل يتمسك به في الصحة، وأما هاهنا فقد فقدت قوى احتمال الخطأ والغفلة وغيرهما، هذا مع الاقتران بالاحتياط في الدين، فالصواب - والحالة هذه - منع الاقتداء هنا "إلا مع البحث" عن حقيقة هذا الفعل "والاستبراء" مما قد يكون محتملا له، وذلك يحصل بالسؤال عن حكم النازلة المقلد فيها، فقد قيل: "لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سله يصدقك" والله - تعالى - أعلم بالصواب.

стр. 1123

" المسألة السادسة " ٢٨٠٠ - لِطَالِبِ الْعِلْمِ كَمَا مَرَّ رُتَبْ … فَمَنْ لَهُ التَّقْلِيدُ حُكْمُهُ وَجَبْ ٢٨٠١ - فَإِنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِفِعْلِهِ … كمِثْلِ مَا لَا يُقْتَدَى بِقَوْلهِ ٢٨٠٢ - وَمَنْ بِالاجْتِهَادِ قَدْ تَحَقَّقَا … فَهْوَ لِلإِسْتِفْتَاءِ أَهْلٌ مُطْلَقًا ٢٨٠٣ - وَفِعْلُهُ فِي الاقْتِدَاءِ يُجْرَا … عَلَى الذِي مِنْ قَبْلِ ذَا اسْتَقَرَّا " المسألة السادسة" في أن اتباع طالب العلم والاقتداء به وعدمه أمر فيه تفصيل وبيان ذلك أن "لطالب العلم" في طلبه - "كما مر" ذكره - "رتب" ثلاث وقد مر بيانها وبسط المقال فيها، فلينقل ذلك إلى هذا الموضع ويجرى عليه التفصيل الآتي في شأن الاتباع وعدمه، "فـ" أما "من" ثبت "له التقليد" لغيره، وتقرر في حقه "حكمه" الذي "وجب" عليه "فإنه لا" يسوغ ولا يصح أن "يقتدى بفعله" على الإطلاق "كمثل ما لا" يسوغ ولا يصح أن "يقتدى بقوله" لأنه لم يبلغ درجة الاجتهاد بعد، فإن كان اجتهاده غير معتبر فالاقتداء به كذلك لأن أعماله إن كانت باجتهاد منه فهي ساقطة وإن كانت بتقليد فالواجب الرجوع في الاقتداء إلى مقلده أو إلى مجتهد آخر. ولأنه عرضة لدخول العوارض عليه من حيث لا يعلم بها، فيصير عمله مخالفا فلا يوثق بأن عمله صحيح فلا يمكن الاعتماد عليه (١). "و" أما "من" كان "بالاجتهاد قد" اتصف و"تحققا" - الأف للإطلاق - "فهو "جدير بالاتباع، لأنه "للاستفتاء" يعني لاستفتاء الناس له "أهل مطلقا" فتؤخذ منه الفتوى من جهة الفعل كما تؤخذ منه من جهة القول. "و" ذلك لكون "فعله في الاقتداء" به "يجرى على" السبيل "الذي من قبل ذا" الموضع في المسألة السابقة قد "استقرا" ذكره، فيجري في حقه ما جرى من التفصيل المذكور في حق من يقتدى بهم.

стр. 1124

٢٨٠٤ - وَرُتْبَةُ الثَّانِي الذِي فِيهِ نَظَرْ … بِحَالِهِ فِي الاجْتِهَادِ يُعْتَبَرْ ٢٨٠٥ - فَحَيْثُ جَازَ جَازَ الاقْتِدَاءُ … عَلَى الذِي مَرَّ وَالاسْتِفْتَاءُ ٢٨٠٦ - مَا لَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ذَا حَالِ … وَهْوَ بِالاستِفْتَاءِ ذُو اسْتِقْلَالِ ٢٨٠٧ - فَيَقْتَدِي بِهِ أُولُوا الأحْوَالِ … حَيْثُ يَصِحُّ ذَاكَ فِي الأَفْعَالِ " و" أما شأن "رتبة" الحال "الثاني" ومقتضاه فإنه "الذي فيه النظر" والبحث لأنه موضع إشكال سواء بالنسبة إلى صلاحيته للاستفتاء، أو بالنسبة إلى الاقتداء به، إذ كل ذلك "بحاله في "أمر" الاجتهاد" وشأنه "يعتبر" ويعرف به حكمه، "فحيث" تقرر أنه قد صح اجتهاده و"جاز"، فإنه كذلك صح اتباعه و"جاز الاقتداء" به، وذلك لناء "على الذي مر" تقريره في المسألة السابقة، "و" كذلك شأن "الاستفتاء" أي استفتاءه، والأخذ بفتواه فمدار صحة ذلك على ثبوت كونه مجتهدا. وذلك كله ماض حكمه في شأنه "ما لم يكن في" علمه و "فعله ذا حال" خاصة فإن كان صاحب حال في ذلك "وهو بـ" أمر "للاستفتاء ذو" قيام و"استقلال" وتحمل، فهل يصح الاقتداء به بناء على التفصيل المذكور في المسألة السابقة أم لا؟ وهل يصح في استفتاءه في كل شيء أم لا؟ كل هذا مما ينظر فيه، والظاهر هو أن المجرى عليه في حكم ذلك هو التفصيل، أما الاقتداء بتصرفاته "فـ" إنه "يقتدي به" فيها "أولوا الأحوال" ممن هم مثله، إذ هم "حيث يصح" منهم "ذاك" ويليق بهم، فيشتركون معه "في" الصلاحية والأهلية للإتيان بتلك "الأفعال" وبيان ذلك أن أرباب الأحوال عاملون في أحوالهم على إسقاط الخطوط، بالغوا غاية الجهد في أداء الحقوق، إما لسائق الخوف، أو لحادي الرجاء، أو لحامل المحبة. فحظوظهم العاجلة قد سقطت من أيديهم بأمر شاغل عن غير ما هم فيه، فليس لهم عن الأعمال فترة، ولا عن جد السير راحة. فمن كان بهذا الوصف فكيف يقدر على الاقتداء به من هو طالب لحظوظه مشاح في استقصاء مباحاته؟ وأيضا فإن الله تعالى سهل عليهم ما عسر على غيرهم، وأيدهم بقوة منه على ما تحملوه من القيام بخدمته حتى صار الشاق على الناس غير شاق عليهم، والثقيل على غيرهم خفيفا عليهم، فكيف يقدر على الاقتداء بهم ضعيف المنة عن حمل تلك الأعباء، أو مريض العزم في قطع مسافات النفس، أو خامد الطلب لتلك المراتب العلية، أو راض بالأوائل، عن الغايات، فكل هؤلاء لا طاقة لهم باتباع أرباب الأحوال وإن تطوقوا ذلك زمانا فعما قريب ينقطعون، والمطلوب الدوام. ولذلك قال النبي ﵊: "خذوا من العمل ما تطيقون،

стр. 1125

٢٨٠٨ - وَمَا بِهِ اسْتُفْتِى وَهْوَ حَالُهُ … كَانَ كَمِثْلِ فِعْلِهِ مَقَالُهُ ٢٨٠٩ - وَحَيْثُ مَا اسْتُفْتِيَ فِي سِوَاهُ … فَإِنَّهُ سَائِغَةٌ فُتْوَاهُ " المسألة السابعة " ٢٨١٠ - نَذْكُرُ مَا يَشْهَدُ لِلْمُقَلِّدِ … بِصِحَّةِ الْفُتْيَا مِنَ الْمُقَلَّدِ فإن الله لن يمل حتى تملوا" وقال: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل" وأمر بالقصد في العمل وأنه مبلغ، وقال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" وكره العنف والتعمق والتكلف والتشديد خوفا من الانقطاع وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] ورفع عنا الإصر الذي كان على الذين من قبلنا. فإذا كان الاقتداء بأرباب الأحوال آيلا إلى مثل هذا الحال لم يلق أن ينتصبوا منصب الاقتداء وهم كذلك، ولا أن يتخذهم غيرهم أئمة فيه اللهم إلا أن يكون صاحب حال مثلهم وغير مخوف عليه الانقطاع. فإذ ذاك يسوغ الاقتداء بهم على ما ذكر من التفصيل. وهذا المقام قد عرفه أهله، وظهر لهم برهانه على أتم وجوهه (١). هكذا شأن أفعاله وحكمها، "و" أما "ما به" أي فيه "استفتى" وسئل، فأجاب فيه بقوله، فإن ذلك لا يخلوا من حالين: أحدهما: أن يستفتى في شيء "وهو حاله" فما كان على هذا الحال "كان" فيه "كمثل فعله مقاله" وفتواه، لأن نطقه في أحواله من جملة أعماله، والغالب فيه أنه يفتي بما يقتضيه حاله، لا بما يقتضيه حال السائل. "و" الثاني الحال الذي يتجلى "حيث مما استفتى في سواه" أي سوى هذا الذي هو حاله، "فـ" هذا قد تقرر فيه "أنه سائغة" فيه "فتواه" والاقتداء بها لأنه إذ ذاك إنما يتكلم من أصل العلم لا من رأس الحال، إذ ليس مأخوذا فيه. "المسألة السابعة" في إن للمقلد - بفتح اللام - أوصافا ترشد إلى صحة أتباعه، واستفتائه وفي هذا الشأن "نذكر" بعضا من هذه الأوصاف التي قلنا أنها من "ما يشهد للمقلد" - بكسر اللام - العامي "بصحة الفتيا" التي يأخذها "من المقلد" - بفتح اللام - المتصف بهذه
следующие страницы →