١٣٥ - وَالْفَرْضُ مِمَّا ذُمَّ فِي الْعُلُومِ … الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنَ الْمَذْمُومِ
١٣٦ - وَرَدُّ كُلِّ فَاسِدٍ مَمْنُوعِ … بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ فِي الْمَشْرُوعِ
١٣٧ - وَقصَّةُ الرَّدِّ لِسِحْرِ السَّحَره … بِغَيْرِ مَا جَاؤُوا بِهِ مُعْتَبَرَه
١٣٨ - وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ … عَلَى يَدَيْ وَليٍّ أَوْ ذِي عِلْمِ
عمومه. بل الأدلة المتقدم ذكرها دالة على جريان التقييد والتخصيص في ذلك حقيقة، والذي يوضح ذلك أمران: أحدهما: أن السلف الصالح من الصحابة لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل، مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب. والثاني: ما ثبت في كتاب المقاصد أن هذه الشريعة أمية لأمة أمية. وبسط هذا يأتي هناك. ثم ذكر ثالثها وهو أنه من المفروض أن يكون العلم المذموم عند الناس هو العلم المذموم شرعا، فقال "والفرض" الأمر المفروض المسلم "مما" يعني، فيما، فمن - هنا - بمعنى في، كقول الشاعر:
عسى سائل ذو حاجة إن منعته … من اليوم سؤلا أن ييسر في عند
هذا هو ظاهر عبارته، فيكون المعنى - بناء على ذلك - والفرض فيما - والله أعلم - "ذُم في العلوم" وعد فاسدا فيكون الاشتغال به منهيا عنه وباطلا - هو "العلم" الذي ثبت شرعا "أنه من المذموم" يعني أنه المذموم فمن مقحمة زائدة، وذلك جائز على مذهب الفراء وقد ثبت أنه لا بد من علم فاسد، والشرع متكفل ببيان ما هو العلم الفاسد.
"و" رابعها: أن فرض الكفاية هو "رد" وإبطال "كل" علم "فاسد" شرعا "ممنوع" تعلمه وكل ذلك إنما يعلم ويثبت "بمقتضى" وحكم "ما جاء في المشروع" أي الشرع. "وقصة الرد" والإبطال "لسحر السحرة بغير ما جاؤوا به معتبرة" في هذا الشأن، فإن موسى لم يعلم علم السحرة الذي جاء به السحرة مع انه بطل على يديه بأمر هو اقوى من السحر، وهو المعجزة، ولذلك لما سحروا اعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم خاف موسى من ذلك، ولو كان عالما به لم يخف، كما لم يخف العالمون به، وهم السحرة" (١).
"وقد يكون" أي يحصل "مثل هذا الحكم" الذي حصل على يد موسى ﵇ "على يدي ولي" لله - تعالى - "أو "على يد "ذي علم" من علماء الشريعة، فلم
стр. 107
١٣٩ - وَمَا يُدَاخِلُ فِي الاعْتِبَارِ … بِكُلِّ مَا بَدَا مِنَ الآثَارِ
١٤٠ - تَتَبُّعُ الأمْرِ الْعَسِيرِ فِي الطَّلَبْ … وَكل مَا لَا عَهْدَ فِيهِ لِلْعربْ
١٤١ - فَإنَّ ذَا مِنْ عَادَةِ الْفَلَاسِفَةْ … وَهْيَ لِسُنَّةِ الْهُدَى مُخَالِفَةْ
١٤٢ - وَمَا مِنَ التَّفْسِيرِ فِيمَا لَمْ يَقَعْ … فِي ظِلِّهِ التَّكْلِيفُ فَهْوَ بِالتَّبَعْ
يتعين - بناء على ذلك - معرفة تلك العلوم من جهة الشرع، لأنها باطلة وفاسدة، بل من فرض الكفاية ردها وإبطالها.
"وما" أي ليس "يداخل في الاعتبار" عملا "بكل ما بدا" أي ظهر "من" الأخبار المذكورة و"الآثار" المنقولة عن السلف في هذا الشأن - و "من" في قوله: من الآثار بيانية لما - "تتبعُ" اسم ما مؤخر، ويدخل السابق خبرها، مقدم، أي "الأمر العسير" الصعب إدراكه ومأخذه "في الطلب" يعني بالطلب وبالبحث عنه، "و" كذلك طلب وتعلم "كل ما" أي كل علم أو أمر "لا عهد فيه" أي به "للعرب" كالعلوم الطبيعية، والأقيسة والحدود المنطقية "فإن ذا" المنهج - وهو طلب حقيقة كل شيء وعلله، والبحث في أمره يعد "من عادة الفلاسفة" وهم من يعبر عنهم بعض الناس بالحكماء.
وإتباع الفلاسفة في شأن مثل هذا أمر يجب أن يتقى، وذلك لأن هذه العادة "هي لسنة الهدى" الحق والرشد "مخالفة" لما تقدم من أن كل علم ليس تحته عمل لا يسوغ الاشتغال، به ولا طلبه، ثم إنها على خلاف نهج السلف الصالح في هذا الشأن.
"و" أما "ما" يطلب ويدرس "من" مسائل علم "التفسير" وهو قد تقرر عده "فيما" أي في القسم الذي "لم يقع" أي لم يكن "في ظلّه" وما دل عليه من أمور "التكليف" فلم يكن تحته عمل مطلوب الإتيان به شرعا، "فهو "إنما يذكر فيه - في هذا العلم - ويبحث "بالتبع" وبالعرض، فهو غير مقصود لذاته، وإنما يدرس فيه لأنه يتوقف عليه فهم الخطاب، فإذا كان المراد معلوما فالزيادة على ذلك تكلف.
стр. 108
١٤٣ - لِذَلكَ لَمْ يَسَلْ عَنِ الأبِّ عُمَرْ … وَعَنْ تَخَوُّفٍ سُؤَالُهُ صَدَرْ
١٤٤ - وَكُلُّ مَا تَوَقَّفَ الْمَطْلُوبُ … عَلَيْهِ فَهْوَ مِثْلُهُ مَطْلُوبُ
١٤٣ - كالنَّحْوِ وَاللُّغَاتِ وَالتَّفْسِيرِ … وَذَا سَيَأْتِي بَعْدُ فِي التَّقْرِيرِ
" المقدمة السادسة "
" لذلك لم يسل عن" معنى "الأبّ" الوارد في قوله - تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١]- "عمر" بن الخطاب ﵁ قال الشاطبي: "وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية، إذ هو مفهوم من حيث اخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان انه انزل من السماء ماء فأخرج به اصنافا كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة، كالحب والعنب والزيتون، والنخل، ومما هو طعامه بواسطة مما هو مرعي للاغنام على الجملة، فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الافراد فضلا على الإنسان أن لا يعرفه. فمن هذا الوجه - والله أعلم - عد المبحث عن معنى الأب من التكلف، وإلا فلو توقف عليه فهم المعنى التركيبي من جهته لما كان من التكلف، بل من المطلوب علمه، لقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] (١).
"و" لذلك "عن" كلمة "تخوف" الوارد في قوله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النّحل: ٤٧] "سؤاله صدر" ووقع، فأجابه الهذلي بأن التخوف في لغتهم التنقص، وأنشد شاهدا عليه:
تخوّف الرحل منها تامكًا قَرِدا … كما تخوّف عود النّبْعَةِ السَّفَنُ
"و" هذا حكم "كل ما يتوقف" على معرفته معرفة "المطلوب عليه فهو مثله مطلوب" لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مثل ما سأل عنه عمر - هنا - وذلك "كالنحو" "و" ألفاظ "اللغات" "و" علم "التفسير" "و" كل "ذا سيأتي بعد في التقرير" لمسائل هذا العلم وقواعده.
"المقدمة السادسة"
في أن الطريق التقريبي في بيان ما تطلب معرفته هو الطريق الذي ينبغي المضي عليه في التفسير لمعاني لنصوص الشرعية وغيرها.
стр. 109
١٤٦ - وَمَا بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَطْلُوبِ … لَهُ طَرِيق أَوَّلٌ تَقْرِيبِي
١٤٧ - مُسْتَعْمَلٌ لِلشرْعِ فِي الأمُورِ … مُوَصِّلٌ يَلِيقُ بِالجُمْهُورِ
١٤٨ - إِذْ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْعَرَبِ … وَالشَّرْعُ جَاءَ بِلِسَانٍ عَرَبِي
١٤٩ - كسَائِلٍ عَنِ النُّجُومِ قُلْتَ مَا … تُبْصِرُهَا لَيْلًا تُضِيءُ فِي السَّمَا
وفي ذلك يقول "وما به" تحصل "معرفة" الأمر "المطلوب" إدراكه والعلم به سواء كان تصورا أو تصديقا "له" يعني في ذاته وحقيقته - كما تقول زيد له جسم، فالجسم هو زيد نفسه - طريقان وهما "طريق أول" مقدم على الثاني لأنه "تقريبي" يذكر فيه ما هو قريب وسهل فهمه والإفهام به، ثم انه "مستعمل للشرع" يعني لصاحب الشرع وقوله "مستعمل للشرع" هو مثل قولك: فلان محبوب زيد، أي يحبه زيد ومثل هذا كثير في كلام العرب، فيكون معنى قوله مستعمل للشرع يعني يستعمله الشرع، ثم بين محل هذا الاستعمال فقال "في"بيان "الأمور" التي يريد بيانها للناس، ثم إنه أي - هذا الطريق - "موصّل" مبلغ إيصاله وتبليغه به من العلم، والمعرفة والبيان، ثم انه الطريق الذي "يليق بالجمهور" وعامة الناس، إذ هو الأسهل في البيان، لقرب مضامينه إلى عامة العقول والافهام.
و"إذ هو مقتضى" حال "كلام العرب" من جهة البيان والإفهام، فمن عادة العرب التخاطب بما تفهمه الجماهير ويدرك المراد به عامة الناس، "و" خطاب "الشرع جاء بلسان عربي" فكان البيان في الشريعة على وفق ذلك، كما قال ﵊: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" ففسره بلازمه الظاهر لكل احد. وكما تفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة من حيث كانت أظهر في الفهم منها. ومقتضى هذا كله أن الأخذ بهذا الطريق في البيان وتبليغ المعارف أفضل، وذلك بأن يصور ما يراد تصويره بما يسهّل إدراكه ومعرفته، وذلك يفرض مسألة في "كسائل" سألك "عن" معنى "النجوم" فأجبته و"قلت" له هي "ما تبصرها ليلا" وهي التي "تضيء في السما" فهذا الجواب لا يحتاج ذلك السائل في فهم معناه إلى رفع عينيه إلى السماء ليلا، فإدراكه له سهل وقريب، هذا هو الطريق الأول وهذه هي صورته.
стр. 110
١٥٠ - ثمَّ لَه أَيْضًا طَرِيقٌ ثَان … لَا يَشْمَل الْجُمْهورَ بِالْبَيَان
١٥١ - فَبعْدُهُ عَنِ الطِّبَاعِ أَهْمَلَهْ … وَصَدَّة عَنِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهْ
١٥٢ - وَمقْتَضَاهُ طَلَبُ الْمَحْدُودِ … مَعْرِفَةً مِنْ جِهَةِ الْحُدُودِ
١٥٣ - كَذَلِكَ التَّصْدِيقُ حَيْث تَأتِي … مقَدِّمَاتة ضَرُورِيَّاتِ
" ثم له" أي لما ذكر من معرفة المطلوب "أيضا طريق" آخر "ثان" خاص بأرباب المبحث عن حقائق الأشياء وماهياتها وأوصافها الذاتية وهذا الطريق "لا يشمل الجمهور" "بـ" ما يتضمنه من "البيان" و التفسير و التصوير "فبعده عن" مناسبة وموافقة "الطباع" والمدارك العادية التي يسهل على الجمهور اخذ المعارف منها "أهمله" كان موجبا لإهماله في مجال التخاطب والإفهام والحوار العادي بين الناس، "وصده" أي منعه وصرفه "عن اعتبار" صاحب "الشرع له" في بيانه لأحكامه وشرائعه وما انزله من علوم ومعارف في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ؛ وذلك لأن مسالكه صعبة المرام على الناس ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
"و" هذا الطريق "مقتضاه" الذي يقتضيه ويوجبه العمل به هو "طلب المحدود معرفة" يعني طلب معرفة ما يراد تحديده - تعريفه وبيانه - "من جهة الحدود" يعني من الجهة التي يمضى عليها في وضع الحدود على الطريقة المنطقية، كما إذا سئل عن الملك فيجاب "ماهية مجردة عن المادة أصلا"، أو يقال: "جوهر بسيط ذو غاية ونطق عقلي" أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه "جسم بسيط كروي مكانه الطبيعي نفس الفلك من شأنه أنْ ينير متحرك عن الوسط غير مشتمل عليه " - وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب، ولا يوصل إليها إلا بعد قطع ازمنة في طلب تلك المعاني، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا، ولا كلف به. هذا شأن التصور وحاله، وأما التصديق فإنه يطلب فيه أن تكون مقدماته ضرورية أو ما يقرب منها، فإن ذلك هو ما عليه أسلوب الخطاب الشرعي، وعليه قيامه في هذا الشأن. قال الناظم "كذلك" يعني كما يطلب أن يكون الخطاب التصويري للجمهور تقريبيا لما تقدم ذكره كذلك "التصديق" فإنه يكون لائقا بالجمهور إدراكه "حيث" أي في أي موضع - دليل - "تأتي مقدماته" أي ذلك الدليل حالة كونها "ضروريات" وهي التي يجزم العقل بثبوتها من غير حاجة إلى نظر وتأمل.
стр. 111
١٥٤ - أَوْ تَقْتَضِي الْقرْبَ مِنَ الضَّرورِي … فَهْوَ الذِي يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ
١٥٥ - وَحُكْمُهُ فِي الشرْعِ ذُو ثَبَاتِ … وَجَاءَ فِي الْقُرْآن فِي آياتِ
١٥٦ - كَقَوْلهِ أَفَرَأَيْتُمْ نَسَقَا … وَغَيْرِهَا كَمِثْلِ أَمَّنْ خَلَقَا
١٥٧ - وَمَا يُرَى عَنْ حُكْمِ هَذَا قَدْ خَرَج … فَمُتْلِفٌ لِلْعَقْلِ مُودٍ لِلْحَرَج
" المقدمة السابعة "
" أو" التي "تقتضي" بما تدل عليه من معنى "القرب من" العلم "الضروري" من جهة أنها تدرك بأدنى نظر. وهذا الضرب من المسالك في طلب الحكم لا يحتاج في اخذ ثمراته إلى اتعاب الذهن، والبحث الطويل، ولذلك "فهو الذي يليق بـ" مخاطبة "الجمهور" وتبليغ ما يراد تبليغه لهم من أمور، "و" هذا التصديق "حكمه في "خطاب صاحب "الشرع" حكمه يعني طلبه "ذو ثبات و" من الأدلة على ذلك انه قد "جاء في القرآن في آيات" كقوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وكقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقِعَة: ٦٨ - ٦٩] "نسقا" عطفا على ما قبله من الآيات الاخرى التي يطلب بها من التصديق ما يطلب به "وغيرها" أي غير هذه الآية "كمثل" قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]. "و "كل "ما يرى" أي يعلم انه "عن حكم هذا" الذي ذكر في طلب التصديق هذا "قد خرج فـ" أنه طريق "متلف للعقل" لما فيه من الاعتياص والتكلف الشديد وقعه على النفس، ولما يوجبه من ابعاد الجمهور عن جني ثمرته كما أنه "مؤد" موصل "للحرج" والضيق في الإدراك. وهذا بين في مسائل التكليف، والكسب والقدرة وما اشبهها عند الخائضين فيها على الطريقة الكلامية المعروفة في هذا الشأن.
"المقدمة السابعة"
في أن العلم الشرعي لا يطلب الشارع تعلمه إلا للعمل، فإن ظهر فيه اعتبار جهة اخرى فبالتبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول - وهو هنا العمل - قال الناظم في ذلك
стр. 112
١٥٨ - وَمَا مِنَ الْعِلْمِ إِلَى الشَّرْعِ انْتَسَبْ … وَجَاءَتِ النُّصُوصُ فِيهِ بِالطَّلَبْ
١٥٩ - فَهْوَ الذِي يَكُونُ لِلتَّعَبُّدِ … وَسِيلَةً لَا لِسِوَى ذَا الْمَقْصِدِ
١٦٠ - وَكَمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ دَلِيلِ … مِنَ الْحَدِيثِ وَمِنَ التَّنْزِيلِ
١٦١ - وإِنْ بَدَا وَجْهٌ لِغَيْرِ الْعَمَلِ … فَهْوَ بِقَصْدٍ تَابِعٍ لَا أَوَّلِ
١٦٢ - وَلَيْسَ فَضْلُ الْعِلْمِ إِلَّا بِالْعَمَلْ … إِذَا عَلَى الْخُلُوصِ للهِ اشْتَمَلْ
١٦٣ - دَلِيلُهُ الذَّمُ لِغَيْرِ الْعَامِلِ … بِعِلْمِهِ فِي عَاجِلٍ وَآجِلِ
١٦٤ - وَأَفْضَلُ الْعِلْمِ عَلَى التَّحْقِيقِ … الْعِلْمُ بِاللهِ مَعَ التَّصْدِيقِ
" وما من العلم إلى الشرع انتسب" فيوصف لذلك بأنه علم شرعي "وجاءت النصوص" الشرعية "فيه" أي في شأنه "بالطلب" أي بطلب تعلمه، وتحصيله "فهو" العلم "الذي يكون" ويراد "للتعبد" به الله - تعالى - "وسيلة" فهو لهذا المقصد يطلب تعلمه "لا لسوى ذا المقصد" وقد يؤخذ منه ويجنى، "وكم على ذلك" الذي ذكر "من دليل" يدل عليه "من الحديث" النبوي "ومن التنزيل" القرآن الكريم "وإن بدا" في علم شرعي ما "وجه" قد يكون معتبرا ومقصودا "لغير العمل" الأخروي وعبادة الله - تعالى - فهو غير مقصود لذاته، وإنما يذكر عرضا ولذلك "فهو "متمم "بقصد تابع" وثان "لا" لقصد "أول" قصد من ذلك العلم، ولا يكون إلا العمل. "و" من تلك الأدلة الدالة على أن طلب العلم الشرعي لا يكون إلا للعبادة انه "ليس فضل العلم" وشرفه "إلا بالعمل" إذ روح العلم هو العمل "إذا" كان ذلك العمل "على الخلوص" يعني الاخلاص ويقال - أيضا - خلف الشيء يخلص خلوصا إذا صار خالصا "لله" - تعالى - "اشتمل" وإنما يكون كذلك إذا خلا من موانع القبول كالرياء والعجب. "دليله" أي دليل هذا الذي ذكر هو "الذم" الوارد في نصوص من الكتاب والسنة كثيرة "لغير العامل بعلمه" والذي يحق به "في عاجل" يعني في عاجله - زمان الدنيا - و"آجل" يعني في آجله - زمان الآخرة -.
"وأفضل العلم" وأشرفه "على التحقيق" وهو بناء الحكم على الحقيقة المطلقة في هذا الشأن هو "العلم بالله" فلا تصح فضيلة بعلم لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه وهو الإيمان بالله - تعالى - "مع التصديق" بما جاء في كتابه من أمور الغيب.
стр. 113
١٦٥ - لِذَا أَشَدُّ الذَّمِّ ذَمُّ جَاحِدِ … مُكَذِّبٍ مَعْ عِلْمِهِ بِالْوَاحِدِ
١٦٦ - وَالتَّابِعِيُّ الْقَصْدُ لِلتَّشْرِيفِ … وَلإكْتِسَابِ الْمَنْصِبِ الْمُنِيفِ
و"لذا" الذي ذكر وهو أن العلم بالله أفضل العلوم كان "اشد الذم" والعذاب هو "ذم" كل "جاحد" لآيات الله ووجوب العبادة لله - تعالى - "مكذب" لما جاء به الرسل والانبياء عليهم الصلاة والسلام - "مع علمه" وإقراره "بالواحد" - جل وعلا - إلها، وخالقا، فيكون جامعا بين العلم والتكذيب فإن قيل: هذا متناقض فإنه لا يصح العلم مع التكذيب؟
قيل: بل قد يحصل العلم مع التكذيب، فإن الله قال في قوم موسى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
وقال ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] فأثبت لهم المعرفة بالنبي ﷺ ، ثم بين انهم لا يؤمنون، وذلك مما يوضح أن الايمان غير العلم، كما أن الجهل غير الكفر (١).
في أن القصد الثاني في طلب الشارع تعلم العلم إنما هو حاصل بالتبع للقصد الأصلي الأول الذي تقدم ذكره. وفي بيان المراد بهذا التابع قال الناظم: "و" القصد "التابعي" للقصد الأول وقوله "التابعى" بياء النسب، لعل وجهه: أنه - التابعي - هو من قامت به صفة التبع، كما يقال صحابي فيمن اتصف بصحبته ﷺ ومثله التابعي فيمن أتى بعد جيل الصحابة - هو "القصد" من طلب هذا العلم لتحصيله وإدراكه "للتشريف" والتعظيم من الخلق، فصاحب العلم صريف وإن لم يكن في أصله كذلك.
"و" كذلك يطلب على الوجه المذكور "لاكتساب" وإدراك "المنصب" يعني المقام، والمنصب لغة الأصل والمرجع والمنبت "المنيف" أي المعالي المرتفع، فبالعلم تدرك المقامات السامية بين الخلق، والواقع يشهد على هذا الأمر، فلا حاجة إلى التدليل
стр. 114
١٦٧ - وَالْبِرِّ وَالتَّعْظِيمِ عِنْدَ الْخَلْقِ … وَحَمْلِهِ عَلَى التُّقَى وَالصِّدْقِ
١٦٨ - إِلَى سِوَى ذَاكَ مِنَ الْمَآثِرِ … وَالرُّتَبِ السَّامِيَةِ الْمَظَاهِرِ
١٦٩ - وَمَعَ ذَا فَإنَّ فِي الْعُلُومِ … لَذَّةَ الاسْتِيلَا عَلَى الْمَعْلُومِ
١٧٠ - وَذَاكَ فِيهِ رَاحَةُ الْقُلُوبِ … وَظَفَرُ النُّفُوسِ بِالْمَطْلُوبِ
عليه "و" كذلك يطلب لتحصيل "البر" والإحسان من الناس، "و" كذلك "التعظيم عند الخلق" فإن تعظيم العالم واجب على جميع المكلفين، إذ قام مقام النبي "و" يطلب العلم - أيضا - على هذا الوجه لـ "حمله" صاحبه "على التقى" المدرك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. وعدّ الناظم طلب التقوى بتعلم العلم مما يقصد من ذلك التعلم تبعا وبالقصد الثاني غير بين، لأن التقوى من اجل الاعمال المطلوبة شرعا والعبادات فكيف يعد طلبها بتعلم العلم مما يطلب تبعا وبالعرض والقصد الثاني؟ فكل علم تطلب به عبادة وعمل مطلوب شرعا فإنه علم شرعي سواء كان مما أخذ من النصوص الشرعية أو مما ثبت في الخلق من الآيات. والصحيح عد التقوى مما يطلب شرعا بالقصد الأول الأصلي في تعلم العلم الشرعي. "و" على "الصدق" في الأقوال والافعال، وهذا أيضا مثل التقوى فطلبه بالقصد الأول، لأنه عبادة. فالصدق مما تعبدنا سبحانه به.
"إلى سوى ذاك" الذي ذكر "من المآثر" جمع مأثرة - بفتح التاء وضمها -: المكرمة، وسميت مآثر لأنها تؤثر - أي تذكر ويأثرها قرن عن قرن يتحدثون بها "والرتب" جمع رتبة وهي الدرجة "السامية" العالية في واقع الأمر. وفي النفوس "المظاهر" يعني مظاهرها، أي ما يظهر منها للخلق "ومع" كل هـ"ذا"الذي ذكر من المآثر والمناقب الحميدة "فـ" يزاد عليه فائدة اخرى وهي "أن في العلوم" المحصلة في النفس والمكتسبة بالطلب وفي تعلم الاشياء والعلم بها "لذة" خاصة وهي لذة "الاستيلا على المعلوم" والحوز له. قال الزمخشري:
سهري لتحصيل العلوم ألذ لي … من لثم جارية وطول عناق
وصرير اقلامي على أوراقها … احلى من المايات والعشاق
وألذ من نقر الفتاة بعودها … نقري لنفض الرمل عن اوراقي
"وذاك" الاستيلاء على المطلوب وحوزه فيه "راحة القلوب" الراغبة فيه الطالبة له على حرقة "وظفر" أي فوز "النفوس" العطشى للعلم "بالمطلوب" المتعطش إليه.
стр. 115
١٧١ - فَإنْ يَكُنْ ذَا خَادِمًا لِأصْلِي … صَحَّ ابْتِدَاءً قَصْدُهُ بِالنَّقْلِ
١٧٢ - وَغَيْرُ مَا يَخْدُمُهُ الْقَصْدُ ابْتَدَا … إِلَيْهِ مَمْنُوعٌ بِنَهْيٍ وَرَدَا
١٧٣ - كَالْقَصْدِ بِالْعِلْمِ لِدُنْيَا أَو رِئَا … أَوْ لِثَنَاءٍ أَوْ مِرَاءِ مَنْ رَأَى
١٧٤ - وَمَا يُرَى مَظِنَّةً لِلْعَمَلِ … فِي أَصْلِهِ فَلَاحِقٌ بِالْأوَّلِ
" فإن يكن ذا" المكتسب المعلوم على هذا الوجه "خادما لأصلي" أي مقصد أصلي في محله وذكره باعتبار أنه نوع من جنس المقصد الأصلي وهو العمل والتعبد، "صح" بل قد يلزم "ابتداء" طلبه و"قصده" وهذا ثابت استقلالا من دون أنْ يأتي تابعا "بالنقل" يعني بالأدلة النقلية التي منها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وقوله سبحانه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤] ومنها قول عمر لابنه حيث وقع في نفسه أن الشجرة التي هي مثل المؤمن هي النخلة: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، وغير ذلك من الأدلة الواردة في هذا الشأن. "و" أما "غير مما يخدمه" أي يخدم هذا القصد الأصلي من طلب العلم - وهو العمل والتعبد -. "القصد ابتدا" واستقلالا "إليه" يعني إلى طلبه وتعلمه "ممنوع" باطل وذلك ثابت "بنهي" شرعي "وردا" في نصوص شرعية. ثم بين هذا الضرب الممنوع من المقاصد فقال: "كالقصد بـ" تعلم "العلم لـ" كسب "دنيا" وملذاتها "أو رياء" وهو أن يقصد بالعمل غير وجه الله "أو لثناء" من الناس أو مدح "أو مراء" أو جدال "من رأى" من صادف من الخلق، وأبصره. فهذا كله منهي عنه شرعا بشدة ففي الحديث "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا لتحتازوا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار"، وفيه أيضا "من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" وفي القرآن الكريم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] وغير ذلك من الأدلة الواردة في هذا الشأن. ثم ذكر الناظم ما لا يتمحض ليكون مما اندرج في جزئيات القصد الأصلي إلا أنه مظنة للعمل فقال "وما" من العلم "يرى" يظن انه "مظنة للعمل" والانتفاع عند وجود محله "في أصله" إذ هو لا يفيد غير ذلك ولم يوضع إلا له كالعلم بفروع الشريعة والعوارض الطارئة في التكليف إذا فرض انها لم تفرض في واقع الأمر، فإن العلم بها حسن، وصاحب العلم بها مثاب عليه كما أن في تحصيل الطهارة للصلاة فضيلة، وإن لم يأت وقت الصلاة بعد. فما كان على هذه الصورة من العلم "فـ" إنه "لاحق بالأول" أي
стр. 116
" المقدمة الثامنة "
١٧٥ - مُعْتَبَرُ الْعِلْمِ إِذَا الْعِلْمُ حَصَلْ … مَا كانَ مِنْهُ بَاعِثًا عَلَى الْعَمَلْ
١٧٦ - وَهْوَ الذِي يُلْجِمُ مَنْ حَوَاهُ … فَلَا يُرَى مرْتَكِبًا هَوَاهُ
١٧٧ - وَجَاءَ مَدْحُه عَلَى الإِطْلَاقِ … مِنْ جِهَةِ الشَّارعِ بِاتِّفَاقِ
١٧٨ - وَرُتَبُ الْعِلْمِ ثَلَاثٌ تُعْتَبَر … فَمِنْهَا الأُولَى لِلذِي فِيهِ نَظَر
بما يطلب بالقصد الأول ولا يخرجه عن ذلك كونه وسيلة.
"المقدمة الثامنة"
في أن العلم المعتبر شرعا إنما هو ما كان باعثا لصاحبه على العمل وكافا له عن اتباع الهوى.
قال الناظم: "معتبر العلم" هذا من باب إضافة الصفة للموصوف - والاصل العلم المعتبر شرعا، الذي مدح الله ورسوله أهله على الاطلاق "إذا العلم" استقر في النفوس و "حصل" إدراكه هو "ما كان منه باعثا على العمل" المطلوب شرعا - العبادة - "وهو" أي هذا العلم "الذي" يكف و "يلجم من حواه" أي جمعه وإحرازه "فـ" من أجل ذلك "لا يرى" أي لا يبصر"مرتكبا" ممتطيا - راكبا - "هواه" كيفما كان، والهوى والشهوات والملذات هو ما تحكم به الامزجة النفسية المجردة عن الهدى والرشاد. والعلم المطلوب شرعا هو ما كف عن الهوى وحكم بضبط النظر والعمل على السبيل القويم المأخوذ من الكتاب والسنة. "و "هذا العلم هو الذي قد "جاء مدحه على الاطلاق" أي الثناء عليه "من جهة الشارع باتفاق" بين أهل العلم، فما مدح العلم شرعا إلا قصد به هذا المصنف، وهذا بإيجاز هو العلم الممدوح المطلوب شرعا، واما الطالبون للعلم المحصلون له على الجملة فهم على ثلاث مراتب.
في ذلك أوردها الناظم بقوله "ورتب" أهل "العلم" في طلبه وتحصيله هي "ثلاث" وهي كلها "تعتبر" في هذا الشأن. "فمنها" الرتبة "الأولى" وإنما وصفها بأنها الأولى - على ما يظهر - باعتبار أن أصل البداية في الادراك والتحصيل العلمي يكون بها، ومنها، هذه الرتبة هي ""لـ" لطالب "الذي" له "فيه" أي في هذا العلم "نظر" وبحث، غير أنه لم يحصل على كماله بعد، وإنما يخوض فيه باحثا
стр. 117
١٧٩ - وَهْوَ عَلَى التَّقْلِيدِ بَعْدُ لَمْ يَزَلْ … فَذَا الذِي لَهُ دُخُولٌ فِي الْعَمَلْ
١٨٠ - بِمُقْتَضَى تَحَمُّلِ التَّكْلِيفِ … وَبَاعِثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّخْوِيفِ
١٨١ - وَالْعِلْمُ بِالْحَمْلِ هُنَا لَا يَكْتَفِي … بَلْ لمُقَوٍّ زَائِدٍ قَدْ يَقْتَفِي
١٨٢ - مِنْ زَجْرٍ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ تَأْدِيبِ … دَلِيلُهُ عَوَائِدُ التَّجْرِيبِ
وناظرا "وهو على" درجة "التقليد" فيما يأتي منه من أحكام وما يدر "بعد لم يزل" إذ هو قاصر عما هو أعلى من ذلك، "فذا" أي فهذا المصنف من طلبة العلم هو "الذي له دخول في العمل" بما علمه، إلا أنه لا يدخل فيه وهو متصف بما يتصف به أهل الاجتهاد وكان العلم وصفا من أوصافهم الذين سيأتي وصف حالهم في هذا الشأن - الدخول في العمل - وإنما يدخل فيه "بمقتضى" وحكم وجوب "تحمل التكليف" الشرعي الذي مفاده إلزام النفس ما فيه مشقة وكلفة، "و" بمقتضى "باعث" وداعي "الترغيب" في ذلك العمل، وذلك يحصل بذكر ما في ذلك العمل، من الثواب والأجر العظيم عنده وما يكون منه من خير ونفع في الدنيا. "و" كذلك بمقتضى "التخويف" الترهيب، وذلك يحصل بذكر ما ورد من الوعيد الإلهي في الترك لما يجب فعله، وفي الفعل لما يجب تركه. "و" لذلك يصح أنْ يقال "العلم" وحده "بالحمل" على العمل والعبادة "هنا" في هذه الرتبة والحالة "لا يكتفي "أي لا يضطلع "بل" هو "لمقو" خارج "زائد" عليه "قد يقتفي" أي يتبع، ثم بين ذلك الأمر الخارجي المقوي الزائد على ذلك العلم فقال:
"من زجر" أي ردع "أو تعزير" وهو الضرب دون الحد، يحكم به لمنع الجاني عن المعصية وردعه عن المعاودة "أو تأديب" بنحو سجن، وقد يكون مراده به هو التعزير بالمعنى السابق، ويكون مراده بالتعزير هو الحد. و"دليله" أي دليل هذا الذي ذكرته - من أن من كان في هذه الرتبة في تحصيل العلم الشرعي لا يأتي العمل بمجرد علمه وإنما لا بد أن يكون معه في حمله على ذلك هذه الأمور الأخرى التي ذكرت - وبرهان "عوائد" يعني مقتضيات عوائد - جمع عادة - "التجريب" واختبار أحوال الخلق وطبائعهم النفسية، فذلك كله قد أعطي في هذه المرتبة برهانا يقتضي هذا الذي ذكر على قطع.
стр. 118
١٨٣ - ثَانِيَةٌ رُتْبَةُ مَنْ قَدِ ارْتَفَعْ … عَنْ رُتْبَةِ الْمُقَلِّدِينَ إِذْ بَرَعْ
١٨٤ - فِي عِلْمَيِّ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ … مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ
١٨٥ - فَهَوُلَاءِ رُبَّمَا خَفَّ الْعَمَلْ … عَلَيْهِمُ وَلَمْ يُدَاخِلْهُم خَلَلْ
١٨٦ - لِأجْلِ مَا حَازُوا مِنَ التَّحْقِيقِ … فِي عِلْمِهِمْ بِشِدَّةِ التَّصْدِيقِ
ثم ذكر الناظم الرتبة الثانية فقال: "ثانية" يعني وبعد هذا اذكر الرتبة التي بعد هذه وهي ثانية، هذا ما ظهر لي أن يوجه به ابتداؤه بالنكرة هنا ولا يخفى ما في هذا من التكلف، إذ مقتضى القواعد النحوية ومساق الكلام هو أنْ يقول: والثانية كما قال والأولى في وصف الرتبة المتقدم ذكرها. ويمكن أن يوجه كالأمه بجعل ثانية خبرا مقدما وما بعدها مبتدأ مؤخرا. على ما فيه من ضعف وركاكة، هذا شأن هذه اللفظة "ثانية". واما حال هذه الرتبة فقد بينه بقوله: "رتبة" ودرجة "من قد" وقف على براهين العلم وكان مستبصرا فيه حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا يطمئن إليه، ويعتمد عليه وبذلك "ارتفع عن رتبة" ودرجة "المقلدين" لغيرهم "إذ" تعليلية، أي لأجل أنه قد "برع" أي فاق "في" إدراك وتحصيل "علمي الفروع" يعني الجزئيات كالفروع الفقهية "والأصول" الكليات - كأصول الفقه - سواء "من جهة" إدراك ومعرفة "المنقول" يعني الأدلة النقلية التي تتوقف البراعة في ذلك على العلم بها والإحاطة بأفرادها، وما تقرر بالنظر فيها من أحكام ومذاهب "والمعقول" يعني الأدلة العقلية إلي يعتمد عليها في بناء الأحكام وصوغ القواعد، وأنت خبير بأن الأدلة العقلية تستعمل بحسب حال الموضوع، وفي علم الأصول تستعمل مركبة على الأدلة الشرعية النقلية - كما تقدم ذكره - فلا مناص من العلم بما تقرر في قيمتها المعرفية، وبالطرق التي تسلك في العمل بمقتضاها، ومن يحكمها في أمور الدين، ومن لا يرى ذلك، ولا يخرج المرء من ربقة التقليد حتى يكون في ذلك كله كما قال الناظم ومن كانوا كذلك "فهولاء" لأجل هذا الذي قام بهم من البراعة العلمية "ربما" - رب - هنا للتكثير كما يدل عليه كلام الشاطبي - "خف العمل" الذي تعبدنا سبحانه به "عليهم" خفة أخرى زائدة على مجرد التصديق الذي عليه أهل المرتبة الأولى "ولم يداخلهم " يعني لم يخالط نفوسهم في هذا الشأن. "خلل" أي وهن، وإنما هم كذلك "لأجل ما حازوا" وأدركوا "من التحقيق" أي اليقين "في علمهم" ذلك التحقيق الذي حصل لهم "بشدة التصديق" وقوته التي
стр. 119
١٨٧ - لَكِنَّ حَمْلَ الْعِلْمِ قَدْ لَا يَكْفِي … إذْ لَمْ يَصِرْ فِي حَقِّهِمْ كَالْوَصْفِ
١٨٨ - فَرُبَّمَا دَعَتْهُمُ دَوَاعِي … مِنْ جِهَةِ النُّفُوسِ وَالطِّبَاعِ
١٨٩ - تُلْجِئُ فِيهِمْ إِلَى الافْتِقَارِ … لِزَائِدٍ عَلَى الْمُقَوِّي الْجَارِي
١٩٠ - مِن طَلَبِ الْمَحَاسنِ الْعَادِيَّةْ … وَلَائِقِ الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّةْ
١٩١ - وَذَاكَ أَيْضًا بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةْ … لَكِنَّهَا أَخْفَى بِهَذِي الْمَرْتَبَةْ
تثمرها البراهين القطعية المقتضية لها "لكن" لما يصر العلم لهم كالوصف الثابت لهم كما عليه أهل المرتبة الثالثة الآتي ذكرهم "حمل العلم" لهم على العمل وحده "قد لا يكفي "بل قد يحتاج إلى مقو زائد في ذلك "إذ لم يصر "العلم "في حقهم" في حالهم الثابت لهم "كالوصف" الثابت، ولذلك "فربما دعتهم" واغرتهم "دواعي" جمع داعية من الدعاء بمعنى الطلب والمقصود بالدواعي البواعث التي تكون "من جهة النفوس" بما انطوت عليه من رغبات وشهوات، "و" من جهة "الطباع" جمع طبع - وقد يراد بالطباع: الطبع مفردا كالنجار - وهو ما طبع عليه الإنسان في مأكله ومشربه وسهولة اخلاقه وحزونتها وعسرها ويسرها، وشدته ورخاوته وبخله وسخائه "تلجئ" تضطر "فيهم" بعضا منهم "إلى الافتقار" والاحتياج "لـ" باعث خارجي "زائد" متسع "على المقوي" المذكور "الجاري" الموجود في المرتبة الأولى. فالباعث الزائد في هذه المرتبة الثانية يتسع فلا يقتصر على مجرد الحدود والتعزيرات، بل ثم أمور أخر يتسع "من طلب المحاسن" جمع حُسن على غير قياس طلب ادراكها وتحصيلها "العادية" أي التي تستحسن عادة كاجتناب ما يستقذر في مجاري العادات، والتحلي بما يستطاب التحلي به من اوصاف "ولائق" بأهل "المراتب السنية" الرفيعة، كالستر، والعفة، والحلم "وذاك" الذي ذكر في هذا الشأن من أن أهل هذه الرتبة في العلم قد يحتاجون في الإقدام على العمل إلى ما ذكر، فعلمهم قد لا يكون مضطلعا وحده بحملهم على العمل، هو "أيضا" مثل الأول في أنه ثابت "بدليل التجربة" ومقتضى الواقع "لكنها" هذه التجربة.
"أخفى بهذي المرتبة"، ولذلك فإدراكها يحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية، وذوي الأخذ في الاتصافات السلوكية.
стр. 120
١٩٢ - ثَالِثَةٌ لِمَنْ حُصُولُ عِلْمِهِ … قَدْ صَارَ وَصْفًا ثَابِتًا كَفَهْمِهِ
١٩٣ - وَرَاسِخُ الْعِلْمِ لِهَوُلَاءِ … لَيْسَ يُخَلِّيهِمْ مَعَ الْأهْوَاءِ
١٩٤ - فَيَرْجِعُونَ دَائِمًا إِلَيْهِ … رُجُوعَهُمْ مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ
١٩٥ - وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ مُسْتَقِلَّةْ … بِمُقْتَضَى قَوَاطِعِ الأدِلَّةْ
١٩٦ - وَأَهْلُهَا فِي الْعِلْمِ رَاسخُونَ … وَهُمْ بِهِ إِذْ ذَاكَ مَحْفُوظُونَ
١٩٧ - إِذْ هُمْ مِنَ الشُّهُودِ بِالتَّوْحِيدِ … وَالْمُقْتَضَي عَدَالَةُ الشُّهُودِ
١٩٨ - وَلَا يُقَالُ إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ … قَدْ يَقَعُونَ فِي ارْتكَابِ الْإِثْمِ
ثم ذكر الرتبة الثالثة فقال: "ثالثه" بالنكرة كما في قوله ثانية ووجه هذه كوجه تلك في الإعراب والإيضاح وقد تقدم ذكره - على ما يظهر - وهذه الرتبة هي رتبة خالصة "لمن حصول علمه" وقيامه به "قد صار وصفا ثابتا" له، وكان علمه بمثابة الأمور البديهية "كفهمه" الذي يحصل له في المعقولات الضرورية الأول - ككون الواحد نصف الاثنين، والكل أكبر من جزئه "وراسخ العلم" يعني العلم الراسخ فقوله: راسخ العلم هو من باب إضافة الصفة للموصوف الذي ثبت "لهولاء ليس يخليهم" أي يتركهم "مع الأهواء" ورغبات النفوس ورعوناتها، إذا تبين لهم الحق "فيرجعون دائما إليه" إلى حكمه ومقتضاه وإرشاده رجوعا مثل "رجوعهم" إلى "ما جبلوا عليه" من الأمور الفطرية ودواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية. "وهذه الرتبة مستقلة" بحمل أهلها على العمل وحدها، فهي لا يحتاج معها إلى مقو زائد في ذلك؛ وهذا الأمر ثابت "بمقتضى" وحكم "قواطع الأدلة" يعني الأدلة القاطعة فقواطع الأدلة من باب إضافة الصفة للموصوف "وأهلها" أي هذه المرتبة "في العلم راسخون" ثابتون "و" لذلك "هم به" أي بالعلم "إذ ذاك" يعني إذ كانوا فيه راسخين "محفوظون" من المخالفة لأوامر الشارع ونواهيه، "إذ هم" إذ تعليلية أي لأجل كونهم "من الشهود بالتوحيد" أي بتوحيده قال : "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ""والمقتضى" والحكم الثابت هو"عدالة الشهود" فلا يصف الشارع بالشهادة إلا من كان عدلا "ولا يقال" يعني لا يصح أن يقال "إن أهل العلم" غير محفوظين من المخالفة، وذلك لأنهم "قد يقعون في ارتكاب الاثم" إذ المعصومون
стр. 121
١٩٩ - وَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ حَافِظًا لَهُمْ … فَقَدْ تَسَاوَوْا بِالذِينَ قَبْلَهُمْ
٢٠٠ - إِذْ قَدْ يُجَابُ أَنَّ ذَاكَ إِنَّمَا … يَكُونُ مِمَّنْ لِلرُّسُوخِ عَدِمَا
٢٠١ - أَوْ قَدْ يَكُونُ فَلْتَةً أَوْ غَفْلَةْ … وَمِثْلُ هَذَا لَا يُنَافِي أَصْلَهْ
٢٠٢ - وَالْعِلْمُ أَمْرٌ بَاطِن مَعْنَاهُ … يَرْجِعُ لِلْخَشْيَةِ مُقْتَضَاهُ
٢٠٣ - وَقِيلَ نُورٌ فِي الْقُلُوبِ هَادِي … مِنْ مُطْلِعِ التَّشْرِيعِ ذُو اسْتِمْدَادِ
هم الأنبياء فقط، "و" بذلك "لا يكون العلم حافظا لهم" من ذلك، فلو كان العلم موجبا لحفظهم من الوقوع في المعاصي لكان كذلك لأهل الرتبتين الأولى والثانية حافظا "فقد تساووا بالذين قبلهم" من أهل الرتبتين المذكورتين في الاتصاف بالعلم. "إذ قد يجاب" عن هذا الاعتراض بأمور أحدها "أن ذاك" الذي ذكر من أن العالم يقع في المعصية "إنما يكون" على وجه الحصر صادرا "ممن له للرسوخ" في العلم "عدما" فلم يكن من أهل هذه الرتبة، فلم يصر العلم وصفا أو كالوصف مع عده من أهلها، وهذا يرجع إلى غلط في اعتقاد العالم في نفسه، أو اعتقاد غيره فيه. ثم ذكر الأمر الثاني، فقال: "أو يكون" وقع منه ذلك الارتكاب للإثم "فلتة" ناشئة عن الغفلة التي لا ينجو منها البشر، فقد يصير العالم بدخول الغفلة غير عالم "أو غفلة" هكذا في النسخ التي بين أيدينا، وما يوافق الأصل هو أن يقال: عن غفلة، فيكون معناه: فلتة ناشئة عن غفلة كما تقدم ذكره وهذا هو الذي في الأصل "الموافقات"، "ومثل هذا" إن ورد "لا ينافي "أي لا يخالف "أصله" الذي خرج عن حكمه ومقتضاه، وعليه فلا يرجع عليه بالبطلان.
"والعلم" ليس أمرا ظاهرا، وإنما هو "أمر باطن معناه" وحقيقته "يرجع للخشية مقتضاه" أي مدلوله والمراد به كما في حديث ابن مسعود، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِر: ٢٨] "وقيل" هو "نور" يقذفه الله "في القلوب" قال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه نور يقذفه الله في القلوب. وهو أيضا "هاد" مرشد إلى الحق والهدى. قال مالك - أيضا -: الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل ولكن عليه علامة ظاهرة وهي التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود. وذلك عبارة عن العمل بالعلم من غير مخالفة، وهذا النور "من مطلع" - بضم الميم وسكون الطاء وكسر اللام - أي رافع ومظهر "التشريع" أي الشريعة طالعة تنير الآفاق، هو "ذو استمداد" أي صاحب أخذ للمدد، والإعانة على ثباته على هذه
стр. 122
" المقدمة التاسعة "
٢٠٤ - وَانْقَسَمَ الْعِلْمُ لِصُلْبٍ وَمُلَحْ … وَمَا سِوَى هَذَيْنِ فَهْوَ مُطَّرَحْ
٢٠٥ - فَالصُّلْبُ مَا أَفَاد حُكْمَ الْقَطْعِ … أَوْ كانَ رَاجِعًا لِأصْلٍ قَطْعِي
٢٠٦ - وَهْوَ أُصُولُ الْمِلَّةِ الْكُلِّيَّةْ … مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّهْ
٢٠٧ - وَمُكْمِلٌ لَهَا مِنَ التَّحْسِينِي … أَوْ مُكْمِل كُلًّا عَلَى التَّعْيِينِ
الصفة التي هي الحفظ من المخالفة.
"المقدمة التاسعة"
في أن العلم منه ما هو من حلب العلم، ومنه ما هو ملح من العلم، ومنه ما ليس من صلبه ولا من ملحه. وفي ذلك يقول الناظم: "وانقسم العلم" باعتبار فوائده وثمراته وحكم الشارع فيه ومقاصده منه "لصلب" وصلب الشيء ما به قوام ذاته، كصلب الإنساد، فإنه به انتصابه، ووصف هذا القسم من العلم بالصلب لأنه جوهر العلم المطلوب شرعا "وملح" - وهو القسم الثاني - جمع ملحة - بضم الميم وسكون اللام - وهي لغة: ما يعد مليحا وجميلا، وأما المراد بها هنا فسيأتي بيانه "وما سوى هذين" القسمين "فهو مطرح" منبوذ لا ينبغي الاشتغال به ولا العناية بأمره. "فالصلب" الذي هو الأصل المعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، بيانه هو أنه "ما أفاد" استفاد "حكم القطع" من الأدلة التي دلت عليه، فصار قطعيا مجزوما بثبوته ومقتضاه، مثال ذلك ما بني على مقتضيات القضايا الضرورية العقلية، وثبت بالاستقراء التام "أو كان راجعا" في بنائه "لأصل قطعي" مجزوم بثبوته وحكمه، "وهو" أي هذا الضرب من الأصول "أصول" وإخبار الناظم بأصول وهو جمع عن مفرد جائز باعتبار أن هو - هنا - يقصد به النوع، والنوع تتعدد أفراده، فمن اعتبر ذلك فهو غير مخطئ، وفى القرآن الكريم ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحَجّ: ١٩] "الملة" الإسلامية "الكلية" - صفة للأصول - وهذه الأصول الكلية هي ما جاء في هذه الملة حفظها "من الضروريات" الخمس "والحاجية" المتممة لحفظ الضروريات المذكورة؛ "ومكمل لها" يعني وما هو مكمل "من التحسيني" يعني من التحسينات "أو "ما هو "مكمل كلا" أي كل واحد من هذه الأنواع المذكورة "على التعيين" يعني بعينه، وهذا بيانه وبسط الكلام فيه يأتي في
стр. 123
٢٠٨ - وَجُمْلَةُ الْفُرُوعِ بِاسْتِغْرَاقِ … مُسْنَدَةٌ لَهَا عَلَى الْإطْلَاقِ
٢٠٩ - وإنَّ ذَا الْقِسْمَ لَهُ أَوْصَافُ … ثَلَاثَة لَهُ بِهَا اتِّصَافُ
٢١٠ - وَهْيَ الْعُمُومُ مَعَ الاطِّرَادِ … وَذَا مِنَ الشارعِ أَمْرٌ بَادِ
٢١١ - إِذْ لَيْسَ فِي كُلِّيَّةِ الْعُمُومِي … خُصُوصٌ إِلَّا وَهْوَ فِي عُمِومِ
كتاب المقاصد، وما يذكر - هنا - إنما هو بيان أن الشريعة مبنية على هذه الأصول الكلية التي قام البرهان على أنها قطعية.
"وجملة" أي جميع وكل أحكام "الفروع" والجزئيات الواردة في هذه الشريعة "باستغراق" وشمول تام "مسندة لها" أي لهذه الأصول ومبنية عليها "على الإطلاق" أي بلا استثناء، فعلم من هذا أن علم الشريعة علم أصيل راسخ الأساس ثابت الأركان؛ وهو وإن كان وضعيا فإنه بمثابة العقلي الموضوع به لأنه مبني على الاستقراء التام الناظم لأشتات أفراده، حتى صار في العقل كليا مطردا عاما ثابتا. ثم ذكر خصائص هذا القسم فقال:
"وإن ذا القسم" الذي هو الصلب "له أوصاف" يعني خواص "ثلاثة" ثبت "له بها اتصاف" وتميز عن غيره بها، "وهي" أي هذه الخواص:
أحدها: "العموم مع الاطراد" فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدعى إلا والشريعة عليه حاكمة أفرادا وتركيبا وهو معنى كونها عامة "وذا" الأمر الذي ذكر "من" أحكام وتصرفات "الشارع أمر باد" ظاهر مطرد "إذ ليس" يوجد "في كلية" النص "العمومي" أو المعقول العمومي - المتصف بأنه عام مستغرق لما صلح له دفعة من غير حصر - "خصوص" ما "إلا وهو" يعني إلا وذاك الذي خص داخل "في عموم" آخر، وكلية أخرى. فهو راجع على كل حال إلى عموم، كالعرايا، وضرب الدية على العاقلة والقراض والمساقاة والصاع في المصراة وأشباه ذلك، فإنها خارجة عن أصول وكليات معلومة، إلا أنها وإن كانت خارجة عنها فإنها راجعة إلى أصول حاجية أو تحسينية أو ما يكملها، وهي أمور عامة، فلا خاص في الظاهر إلا وهو عام في الحقيقة، والاعتبار - النظر - في أبواب الفقه يبين ذلك. هذه هي الخاصية الأولى - التي ذكر أنها العموم الاطراد -.
стр. 124
٢١٢ - ثُمَّ ثُبُوتُهُ بِكُلِّ حَالِ … مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ وَلَا زَوَالِ
٢١٣ - وَهَكَذَا الأحْكَامُ لَا تَزُولُ … وَلَا يُرَى لِشَأْنِهَا تَبْدِيلُ
٢١٤ - وَأَنَّهُ الْحَاكمُ لَا الْمَحْكُومُ … عَلَيْهِ وَالْحُكْمَ بِذَا مَحْتُومُ
٢١٥ - وَمُلَحُ الْعِلْمِ بِهَذَا الْبَيْنِ … مَا كَانَ رَاجِعًا لأصْلٍ ظَنِّي
٢١٦ - أَوْ قَاطِعٍ لَكِنَّ مَا يَتَّصِفُ … بِهِ لَهُ عَنْ أَصْلِهِ تَخَلُّفُ
وأما الخاصية الثانية، ففيها يقول الناظم: "ثم ثبوته" يعني أن الخاصية الثانية لهذا القسم هو الثبوت من - غير زوال، فلذلك لا تجد فيها - أي في هذه الكليات - بعد كمالها نسخا، ولا تخصيصا لعمومها، ولا تقييدا لإطلاقها "بكل حال" من الأحوال، سواء كانت أحوالا زمانية أو مكانية، أو أحوال المكلفين، وبذلك فهي على حالها ثابتة "من غير تبديل ولا زوال" لها، بل ما ثبت سببا فهو أبدا لا يرتفع هذا الحكم عنه، وكذلك ما كان شرطا فهو أبدا شرط، وما كان واجبا فهو واجب أبدا "وهكذا الأحكام " - كلها، فهي "لا تزول" ولا تحول "ولا يرى" يبصر، "لشأنها" أي حالها المثبت لها بالخطاب الشرعي "تبديل" أبدا ولو فرض بقاء التكليف إلى غير غاية لكانت أحكامه على حالها المثبت لها شرعا. وأما الخاصية الثالثة من خواص هذا القسم فقد أوردها الناظم فقال: "وأنه" أي هذا الضرب من العلم هو "الحاكم" والقاضي بالعمل الذي يترتب عليه مما يليق به، "لا المحكوم عليه" الذي يتصرف فيه على وفق ما يحكم به غيره عليه؛ وإنما يستند إليه فيما يدل عليه من حكم، فما اقتضاه أخذ به، فالأعمال المطلوبة شرعا إنما تؤخذ من الأدلة الشرعية، فلا تجد في العمل أبدا ما هو حاكم على الشريعة، وإلا انقلب كونها حاكمة إلى كونها محكوما عليها، وهو ما لا يخفى سقوطه. "والحكم بذا" الذي تقدم ذكره "محتوم" أي واجب من جهة الشرع، ومن جهة العقل. ثم ذكر المصنف القسم الثاني: ملح العلم - فقال: "وملح العلم" عملا "بهذا المبين" هو "ما كان" غير قطعي، وغير راجع إلى قطعي على الوجه الذي عليه القسم الأول، إنما هو ما كان "راجعا" في بنائه وأساسه "لأصل ظني" وهو ما يفيد الظن فيما يؤخذ منه من حكم، غاية ما ثبت به الرجحان بمرجح من الاحتمال الآخر المضاد له، وذلك كدلالة ظواهر الألفاظ على معانيها. "أو" كان راجعا لأصل "قاطع لكن ما يتصف به" الأصل القاطع - القطعي - من الخواص الثلاثة المذكورة في القسم الأول "له" أي لما ذكر من الخواص "عن أصله" الذي يستند إليه قسم الملح هذا "تخلف" عنها، فهو لا يتصف
стр. 125
٢١٧ - وَشَرْطُهُ اسْتِحْسَانُهُ بِالْعَقْلِ … وَلَا يُخِلَّ حُكْمُهُ بِأَصْلِ
٢١٨ - ثُمَّةَ بِاسْتِخْرَاجِ بَعْضِ الْحِكَمِ … فِيمَا إِلَى التَّعَبُّدَاتِ يَنْتَمِي
٢١٩ - مِثْلُ الْمُقَدَّرَاتِ وَالْهَيْئَاتِ … وَمِثْلُهَا تَعَيُّنُ الأوْقَاتِ
٢٢٠ - وَذَاكَ كَالتَّعْلِيلِ فِي النَّوَادِرِ … بَعْدَ السَّمَاعِ بِاعْتِبَارٍ ظَاهِرِ
بالعموم والاطراد، ولا بالثبوت، ولا بكونه حاكما، "وشرطه" الأول الذي يتوقف عليه وجوده وتحصل به صحته هو "استحسانه بالعقل" إلا أنه لايرجع إلا إلى الظن والتخمين، وذلك كالحكم التي يدعى بأنها مقصودة للشارع في الأمثلة الآتي ذكرها "و" شرطه الثاني أن "لا يخل" أي يذهب "حكمه" ومقتضاه "بأصل" ثابت، فإن صادم حكمه وما أخذ منه أصلا عقليا، أو شرعيا سقط العمل به.
"ثمة باستخراج" استنباط "بعض الحكم" جمع حكمة، والمراد بالحكم - هنا - الأسرار ومقاصد الشارع من وضع ما حكم به وقضاه على هيئات وحدود معينة "فيما" يعني في القسم الذي في الشريعة "إلى التعبدات" أي ما تعبدنا الله سبحانه به مما ليس معقول المعنى "ينتمي" ينتسب، وذلك "مثل المقدرات" شرعا، وهي ما وضع الشارع مقاديرها وحددها، كالطواف، وحجارة رمي الجمار وما أشبه ذلك "والهيئات" المخصوصة كهيئة الوضوء والصلاة، والحج وغير ذلك من كل ما جعله الشارع على هيئة مخصوصة معينة "ومثلها" في كونها مخصصة "تعين الأوقات" التي للعبادة، فإنها معينة مخصصة بذلك دون ما سواها من الأوقات الأخرى. فهذا كله استخراج الحكم التي بنى عليها كونها على هذه الصور والهيئات لا يكون مؤسسا إلا على التخمين، والظن فهو غير مطرد، "و" لا مبنى عليه عمل، بل "ذاك" الذي بنى من اعتبارات إنما هو "كالتعليل" الذي يساق "في" الجواب عن كون "النوادر" جمع نادرة، والمراد بالنوادر - هنا - الأمور الشواذ عن أقيستها، وذلك "بعد السماع" يعني ورود الأدلة السمعية أنها كذلك. وذلك التعليل الذي يساق في هذا الشأن يكون "باعتبار ظاهر" كما في أجرة الظئر وإسقاط الحد عن ابن سلول في قذفه لعائشة ﵂ كما في قصة الإفك، وغير ذلك مما شذ، فبحث الناس عن الحكمة في كونه كذلك، فهذا درجته المعرفية تخمينية ظنية ضعيفة كالذي تقدم في تعيين حكم تخصيص
стр. 126
٢٢١ - وَرُبَّمَا يُلْفَى بِهَذَا الْقِسْمِ … مَا قَدْ يُرَى كَثَالِثٍ فِي الْحُكْمِ
٢٢٢ - بِكَوْنهِ دَعْوَى بِلَا دَلِيلِ … تَجْنِي عَلَى الْمَشْرُوعِ بِالتَّأْوِبلِ
٢٢٣ - وَمِنْهُ بِالْتِزَامِ كيْفِيَّاتِ … فِي بَعْضِ الْأخْبَارِ الْمُسَلْسَلَاتِ
٢٢٤ - إِذْ تَرْكُ ذَاكَ الالْتِزَامِ الْمُتَّبَعْ … بِمُقْتَضَاهُ لَا يُخِلُّ أَنْ وَقَعْ
العبادات بهيئات مخصوصة أو أوقات معينة "وربما" يوجد و"يلفى" "بهذا القسم ما قد يرى" ما قد يعتقد انه "كثالث" يعني كالقسم الثالث - وهو ما ليس صُلبا ولا ملحا - الآتي "في" إفادته "الحكم" الذي يؤخذ منه. أو في الحكم عليه، وإنما يرى كذلك لكونه منحطا عن درجة ما يعتبر من مقتضيات العقول، لأنه مبنى على أوهام وأمور لا رابط بينها وبينه - أي بين ذلك المبنى عليه - ولا نسبة تدل على اتصال ما بينهما محتمل، ثم "بكونه دعوى بلا دليل" يدل على صحتها وهي التي من شأنها أنها "تجني على المشروع" أي على الشريعة "بالتأويل" الفاسد الساقط في الاعتبار، لأنه ثمرة وهم وظنون باطلة. "ومنه" ومن أمثلة هذا القسم - وهو المثال الثاني - التمسك "بالتزام كيفيات" معينة في تحمل الأخبار والآثار، وذلك، كما عليه الحال عند المتأخرين "في بعض الأخبار" الأحاديث "المسلسلات" التي أتى بها على وجوه ملتزمة في الزمان المتقدم على غير قصد فالتزمها المتأخرون بالقصد. والمراد بالحديث المسلسل هو: الحديث الذي تتابع رجال إسناده على صفة واحدة، أو حال واحدة للرواة، أو للرواية، وله أنواع كثيرة حصلت من تعدد الرواة وصفاتهم وأحوال الرواية ووقوع الحديث على هذه الصورة ليس أمرا مقصودا لرواته لكنه وقع عليها، والمتأخرون يلتزمون ذلك ويقصدونه، فصار تحملها على ذلك القصد تحريا وقصدا له، بحيث يتعنى - يتعب - في استخراجها والبحث عنها بخصوصها، مع أن ذلك القصد لا يبنى عليه عمل "إذ ترك ذاك الالتزام" الذي عليه المتأخرون "المتبع" عندهم "بمقتضاه" أي ذلك الحديث وحكمه "لا يخل" أي لايذهب "إن وقع" وحصل، وذلك لأن تخلف هذا الأمر الملتزم به في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح في العمل بمقتضى تلك الأحاديث. فغاية ما يفيده التسلسل هو: اتصال حلقات الإسناد مع ما اقترن به من صفة خاصة، وذلك يقوي معنى الاتصال في الحديث لذلك قال الحاكم: "فإنه نوع من السماع الظاهر الذي لا غبار عليه". هذا ما يتصل بهذا المثال الثاني. ثم ذكر المصنف المثال الثالث فقال:
стр. 127
٢٢٥ - وَمِنْهُ بِالْقَصْدِ إِلَى التَّأَنُّقِ … فِي أَخْذِ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ طُرُقِ
٢٢٦ - يَقْصِدُ بِاسْتِخْرَاجِهَا التَّكَاثُرَ … فِي طُرُقِ الْمَرْوِيِّ لَا التَّوَاتُرَ
٢٢٧ - وَمِنْهُ أَخْذُ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِ … مِنَ الْمَرَائِي حَالَةَ الْمَنَامِ
٢٢٨ - إِذْ أَصلُهَا لَيْسَ بِذِي اعْتِبَارِ … فِيمَا سِوَى التَّبْشِيرِ وَالإِنْذَارِ
" ومنه" ما يجري مثالا في هذا القسم - قسم الملح: ما يبحث عنه ويطلب "بالقصد إلى" كسب "التأنق" وتحصيله والتأنق: تتبع المحاسن - "في أخذ" واستخراج "ما يحمله" ويرويه من الأحاديث "من طرق" كثيرة "يقصد باستخراجها" على تلك الصورة "التكاثر" أي المغالبة بالكثرة والاستكثار "في طرق" الحديث "المروي لا" أنه يقصد بذلك تحصيله وروايته على درجة "التواتر" بل على أن يعد آخذا له عن شيوخ كثيرين ومن جهات شتى، والاشتغال بهذا من الملح لا من حلب العلم. خرج أبو عمر بن عبد البر عن حمزة بن محمد الكناني قال:
خرجت حديثا واحدا عن النبي ﷺ من مائتي طريق أو من نحو مائتي طريق - شك الراوي - قال فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل وأعجبت بذلك، فرأيت يحيى بن معين في المنام فقلت له: يا أبا زكرياء، قد خرجت حديثا عن النبي ﷺ من مائتي طريق، قال فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، هذا ما قال. وهو صحيح في الاعتبار لأن تخريجه من طرق يسيرة كاف في المقصود منه فصار الزائد على ذلك فضلا.
"ومنه" أي ما يجري مثالا في هذا القسم - وهذا هو المثال الرابع - "أخذ العلم في أحكام" يعني بأحكام - فالباء هنا بمعنى في - معينة "من المرائي" هكذا في النسخ التي بأيدينا، ولعله يريد به مراء جمع مرئي ويعني به ما يراه النائم في نومه. ثم يقول "حالة المنام" وكثير من الناس يستدلون على المسائل العلمية بالمنامات، وما يتلقى منها تصريحا والمسائل العلمية المبنية على ذلك لا مبالاة بها عند أهل العلم "إذ أصلها" الذي هو الرؤيا "ليس" في الشريعة "بذي اعتبار" في شأن المسائل العلمية على الإطلاق، بل ليس معتبرا "فيما" يؤخذ من الشرع من فوائد "سوى التبشير" بأمر يسر "والإنذار"
стр. 128
٢٢٩ - وَمِنْهُ الاخْتِلَافُ فِي حُكْمٍ وَلَا … يُفِيدُ الاخْتِلَافُ فِيهِ عَمَلَا
٢٣٠ - وَمِنْهُ الاسْتِشْهَادُ بِالأشْعَار فِي … مَعْنىً كَمَا فِي الْوَعْظِ وَالتَّصَوُّفِ
٢٣١ - إِذْ شَأْنُهَا إِمَالَةُ الْقُلُوبِ … وَرَدُّهَا لِلْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ
٢٣٢ - وَمِنْهُ أَنْ يُثَبِّتَ الْمَعْنَى بِمَا … يَفْعَلُهُ مَنْ بِالصَّلَاحِ وُسِمَا
٢٣٣ - مِنْ جِهَةِ التَّحْسِينِ لِلظَّنِّ فَقَطْ … مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ شَرْطٍ مُشْتَرَطْ
والتخويف من أمر مهلك أو مضر. وقول الناظم "من المرائي حمالة المنام" يكون أبين منه وأفضل لو قال "من الرؤى في حالة المنام" فإن الرؤيا تجمع على الرؤى، وإن أنكره الليث، كما نص على ذلك أهل هذا الفن - اللغة - "ومنه" أي ما هو مثال في هذا القسم - وهو المثال الخامس - "الاختلاف" الذي يقع بين أهل العلم "في حكم" مسألة ما "ولا يفيد الاختلاف" الواقع "فيه عملا" وإنما هو خلاف لفظي، كما في مسألة اشتقاق الفعل من المصدر، ومسألة ترادف الفساد والبطلان، ومسألة ترادف الواجب والفرض، ومسألة أصل لفظة أشياء. فهذا ونحوه وإن انبنى المبحث فيه على أصول مطردة، فإنه لا فائدة تجتنى من ثمرة الاختلاف فيه، وبذلك فهو خارج عن حلب العلم. "ومنه" أي ومما هو مثال آخر في هذا القسم - ملح العلم - وهو المثال السادس "الاستشهاد بالأشعار في "تحقيق "معنى" من المعاني العلمية أو العملية "كما" يجري "في"كلام أهل "الوعظ و" أهل "التصوف" إذ يوردون ذلك كثيرا في كتبهم وفي بيان مقامهم، فينتزعون معاني الأشعار ويضعونها للتخلق بمقتضاها، "إذ شأنها" أي الأشعار الرقيقة "إمالة القلوب" وجذبها "وردها للغرض المطلوب" أن ترد وتصرف إليه. وفي واقع الأمر المعنى إذا كان مقبول شرعا فإنه مقبول، وإن كان خلاف ذلك فهو مطروح على كل حال. "ومنه" أي ما ذكر مما يجري مثالا في هذا القسم - وهو المثال السابع -: "أن يثبت المعنى" الذي يراد إثباته وهو الحكم بصحته "بما يفعله من "وصف "بالصلاح وسما" أي وصف وعرف، وأشير إليه به. وذلك "من جهة التحسين للظن" به "فقط" حال كونه "مجردا عن كل شرط" آخر "يشترط" في هذا الشأن ويبنى عليه هذا الاستدلال كان يتخطى هذا الشرط - وهو تحسين الظن - فيعتقد أن كل ما يصدر عن أهل الصلاح حق، وأن الاقتداء بهم يعصم من الخطأ، فهذا مطرح، وغير صحيح.
стр. 129
٢٣٤ - وَمِنْهُ الاسْتِدْلَالُ فِي الْأعْمَالِ … بِمَا يَقُولُهُ أُولُو الأحْوَالِ
٢٣٥ - فَهْوَ وَإِنْ صَحَّ لَهُمْ عِنْدَ النَّظَرْ … غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِجُمْهُورِ الْبَشَرْ
٢٣٦ - فَالشَّرْعُ حَاكِمٌ عَلَى الْجُمْهُورِ … بِالْمُتَوَسِّطَاتِ فِي الأُمُورِ
٢٣٧ - وَمِنْهُ بِالأخْذِ بِأَصْلِ عِلْمِ … فِي غَيْرِهِ تَوَصُّلًا لِلْحُكْمِ
٢٣٨ - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي أَصْلِ … وَلَا يَمُتَّا بِمَتَاتٍ عَقْلِي
" ومنه" أي ما يجري مثالا - أيضا - هنا، وهو المثال الثامن "الاستدلال في "أحكام "الأعمال" أي أفعال المكلفين "بما يقوله" ويعمل به "أولو "أرباب "الأحوال" وهم الصوفية الذين أوغلوا في خدمة مولاهم حتى أعرضوا عن غيره جملة، فمال بهم هذا الطرف إلى أن تكلموا بلسان الاطراح لكل ما سوى الله - تعالى - وأعربوا عن مقتضاه، فكان ذلك أمرا يخص بهم "فهو وإن صح لهم عند النظر" إلى ما تقدم ذكره من أن ذلك كان عن الإيغال في خدمة المولى سبحانه. ثم الاطراح لما سواه في الاعتبار، "غير مناسب لجمهور البشر" لما فيه من الحرج أو التكليف بما لا يطاق، إذ ربما يذم أرباب الأحوال هؤلاء بإطلاق ما ليس مذموما إلا على وجه دون وجه، وفي حال دون حال. والإسلام جاء بما يليق بالجمهور لا بما يليق ببعض الناس الذين هم على حال مخصوصة ولذلك "فالشرع حاكم على الجمهور بالمتوسطات في الأمور" التي حكم بها فالتكاليف الشرعية كلها جارية على الحد الأوسط، فإن مالت بالمكلف إلى حد الطرف فإنما يكون ذلك لكي تنقل المكلف من الطرف الآخر إلى الوسط. وهذا يأتي الكلام عليه مبسوطا في كتاب المقاصد في المسألة الثانية عشرة قبل النوع الرابع.
"ومنه" - وهو المثال التاسع - الاستدلال "بالأخذ بأصل" وضابط هو من "علم" آخر، والاحتجاج به "في" علم "غيره" وذلك "توصلا" وتحصيلا "للحكم" المطلوب، وذلك "من غير أن يجتمعا" أي العلمان "في أصل" يوجب استمداد أحدهما من الآخر، أو يسوغه، "ولا يمتا" أي ولا أن يتصلا ويتواصلا فالمت - لغة - التوسل والتوصل بحرمة أو قرابة - "بمتات" أي بوسيلة وأمر يوصل أي - يجمع - أحدهما بالآخر - والمتات - بفتح الميم - ما مت به أي توسل به وتوصل "عقلي" معلوم من جهة العقل، ويحصل الجامع بين علمين أو أكثر بأن يكون بعضهما أو بعضها يستمد من بعض، ويبصر العلم بأحدهما أو أحدها بالآخر، وأما إن كان الواقع اقتضى الانفصال
стр. 130
٢٣٩ - وَإِنَّ مِنْ مُسْتَطْرَفِ الأنْبَاءِ … فِي ذَاكَ مَا يُرْوَى عَنِ الْفَرَّاءِ
٢٤٠ - كَانَ يَقُولُ أَنَّ كُلَّ مَنْ بَرَعْ … فِي عِلْمِهِ فِي غَيْرِهِ بِهِ انْتَفَعْ
٢٤١ - قِيلَ فَقَدْ أَحْكَمْتَ عِلْمَ النَّحْوِ … فَمَا تَرَى فِيمَنْ سَهَا فِي السَّهْوِ
٢٤٢ - قَالَ أَرَى ذَاكَ لَه يُغْتَفَرُ … فَإنَّ ذَا التَّصْغِيرِ لَا يُصَغَّرُ
٢٤٣ - وَمِثْلُ هَذَا مَا حَكَوْا فِي الْمَعْنَى … فِي إِنَّ هَذَانِ عَنِ ابْنِ الْبَنَّا
بينهما في ذلك، فإن بناء الحكم في أحدهما أو أحدها على قاعدة في غيره ما هو إلا من هذا القسم - ملح العلم - "وإن من مستطرف" أي مما يعد طريفا ومستملحا من "الأنباء" يعني الأخبار والروايات الأدبية "في ذاك" الذي تقدم ذكره وهو الاستدلال بقواعد علم ما في علم آخر غيره "ما يروى عن الفراء" يحيى بن زياد، الذي "كمان يقول: أن كل من برع" فاق "في علمه" سواء كان من المنقولات أو من المعقولات فإنه "في غيره" من العلوم "به" بعلمه ذاك الذي برع فيه "انتفع" في فهم مسائل ذاك الغير من العلوم "قيل" له أي الفراء، والذي قال له هو ابن خالته: محمد بن الحسن الشيباني القاضي - صاحب أبي حنيفة - "فـ" أنت "قد أحكمت" أي أتقنت "علم النحو "فهو علمك الذي برعت فيه وأتقنته "فما ترى" أي تقول "في" حكم "من سها في "سجود "السهو "هل عليه أن يسجد لهذا السهو مرة أخرى.
"قال: أرى" أن "ذاك" السهو الذي وقع له في سجود السهو "له يغتفر" فلا يسجد له، ولا شيء عليه "فإن ذا التصغير" أي الاسم المصغر "لا يصغر" مرة أخرى، فالسجود جبر للصلاة، والجبر لا يجبر كما إن المصغر لا يصغر مرة أخرى. "ومثل هذا" الذي ذكر "ما حكوا" يعني رواه بعض الشيوخ - "في المعنى" وفي المضمون الذي هو الاستدلال بأمر على أمر لا يظهر أن بينهما رابطا أو وصلة "في" قوله تعالى "إن هذان" لساحران "عن" أبي العباس "ابن البناء" أحمد بن محمد الأزدي المراكشي أحد كبار علماء المغرب حين سئل فقيل له: لم تعمل إن من قوله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] الآية؟ فقال في الجواب: لما لم يؤثر القول في المقول، لم يؤثر العامل في المعمول. فقال السائل: وما وجه الارتباط بين عمل إن وقول الكفار في النبيئين؟ فقال له المجيب: يا هذا إنما جئتك بنوارة يحسن رونقها، فأنت تريد أن تحكها بين يديك، ثم تطلب منها هذا الرونق
стр. 131
٢٤٤ - وَمَا كهَاتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ … مَا لِأبِي يُوسُفَ وَالْكِسَائِي
٢٤٥ - فِي أَنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَهْوَ يَرْجِعُ … لِأصْلِ نَحْوٍ حُكْمُهُ مُنَّبَعُ
٢٤٦ - وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِصُلْبٍ أَوْ مُلَحْ … فَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ أَمْرٌ وَضَحْ
- أو كلاما هذا معناه -. "وما" أي وليس "كهاتين" القصتين المذكورتين "على السواء" بل بينها وبين "ما" أي القصة المنسوبة "لأبي يوسف" يعقوب بن إبراهيم الإمام المعروف صاحب أبي حنيفة "والكسائي" علي بن حمزة بن عبد الله الإمام النحوي المعروف فرق يأتي بيانه، وذلك أن الكسائي سأل أبا يوسف.
"في" حكم من قال لزوجته: أنت طالق "أن" بفتح الهمزة وسكون النون "دخلت الدار" فقال له أبو يوسف إذا دخلت طلقت. فقال له الكسائي: أخطأت يا أبا يوسف، إنما الصواب هو: أنه إذا قال: أن فقد وجب الطلاق ووقع الفعل. وإن قال "إن" - بكسر الهمزة - فلم يجب ولم يقع الطلاق. وما استدل به الكسائي - هنا - متصل بما بنى عليه جواب "فهو يرجع" ويستند "لأصل" أي ضابط "نحو" يعني لأصل نحوي "حكمه" ومقتضاه في مثل هذه المسائل التي يعتمد في معرفة الأحكام فيها مدلولات الألفاظ "متبع" ومعتمد عليه. وهذا هو الفرق بين هذه القصة واللتين قبلها. وقصة الكسائي وأبي يوسف هذه ذكرها غير واحد ونصها التام هو: "روى أن أبا يوسف دخل على الرشيد والكسائي يداعبه ويمازحه فقال له أبو يوسف هذا الكوفي قد استفرغك وغلب عليك فقال يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي فأقبل الكسائي على أبي يوسف فقال يا أبا يوسف هل لك في مسألة فقال نحو أم فقه قال بل فقه فضحك الرشيد حتى فحص برجله ثم قال تلقي على أبي يوسف فقها قال نعم قال يا أبا يوسف ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار وفتح أن قال إذا دخلت طلقت قال أخطأت يا أبا يوسف فضحك الرشيد ثم قال كيف الصواب قال إذا قال أن فقد وجب الفعل ووقع الطلاق وإن قال إن فلم يجب ولم يقع الطلاق قال فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائي (١). ولما أنهى المصنف الكلام على القسمين - المعتبرين في العلوم - وهما: حلب العلم وملحه، انتقل إلى ذكر ما ليس منها وحكمه، فقال: "وكل ما ليس" في العلم "بصلب" - وقد تقدم بيان المراد به - "أو ملح" تقدم بيانه - أيضا - "فعدم اعتباره" والمبالاة بطلبه والبحث عنه "أمر" قد "وضح" وظهر، لأنه ليس
стр. 132
٢٤٧ - وَهْوَ الذِي يَكُرُّ بِالإِبْطَالِ … عَلَى أُصُولِ الْعِلْمِ وَالأعمَالِ
٢٤٨ - دُونَ اسْتِنَادِهِ إِلَى قَطْعِيِّ … فِي أَصْلِهِ وَلَا إِلَى ظَنِّيِّ
٢٤٩ - وَلَا يُرَى مُسْتَحْسَنًا بِالْعَقْلِ … مَعْنىً وَلَا مُسْتَمْلَحًا فِي الأصْلِ
بعلم، "وهو" أي ما ذكر مما ليس من حلب العلم ولا ملحه "الذي يكر" يرجع "بالإبطال على أصول العلم" الثابتة المعتبرة والقواعد المرجوع إليها في الاعتقادات "و" في "الأعمال" المطلوبة شرعا ثم إنه يوجد ويحدث "دون استناده إلى" دليل "قطعي" مجزوم به "في أصله" بحيث لا يتطرق إليه الشك أو الريب "ولا" استناده "إلى" دليل "ظني" معتبر، وإنما مبتناه شبه عارضة، وأوهام وتخيلات. ومثل هذا إنما يذهب إلى اعتباره الموسوسون والأغبياء، إذ لا يستند إلى دليل معتبر "ولا يرى" أي يعلم، ويصير"مستحسنا" محكوما عليه "بـ" الحسن في "العقل معنى" يعني من جهة معناه وفائدته "و" لا يرى كذلك "مستملحا" معدودا من الملح "في الأصل" أي في أصله الذي بنى عليه، وبذلك يخرج على ملح العلم، إذ الملح لا يصحبها منفر ولا هي مما يعادى العلوم، لأنها ذات أصل مبني عليه في الجملة. بخلاف هذا القسم فإنه ليس فيه شيء من ذلك. خلاصة القول: إن ما كان هذا الذي تقدم وصفا له ساقط اعتباره، إذ ليس من حلب العلم، ولا من ملحه، واستحسانه هنا يكون لشبه عارضة واشتباه بينه وبين ما قبله، "فربما عده الأغبياء مبنيا على أصل فمالوا إليه من ذلك الوجه، وحقيقة أصله وهم وتخيل لا حقيقة له، مع ما ينضاف إلى ذلك من الاغراض والاهواء، كا لاغراب في استجلاب غير المعهود، والجعجعة بإدراك ما لم يدركه الراسخون، والتبجح بأن وراء هذه المشهورات مطالب لا يدركها إلا الخواص، وانهم من الخواص … واشباه ذلك مما لا يحصل منه مطلوب، ولا يحور منه صاحبه إلا بالافتضاح عند الامتحان، حسبما بينه الغزالي وابن عربي ومن تعرض لبيان ذلك من غيرهما. ومثال هذا القسم ما انتحله الباطنية في كتاب الله من إخراجه عن ظاهره، وأن المقصود وراء هذا الظاهر، ولا سبيل إلى نيله بعقل ولا نظر وإنما ينال من الإمام المعصوم تقليدا لذلك الإمام. واستنادهم - في جملة من دعاويهم - إلى علم الحروف وعلم النجوم، ولقد اتسع الخرق في الازمنة المتأخرة على الراقع، فكثرت الدعاوي على الشريعة، بأمثال ما ادعاه الباطنية، حتى آل ذلك إلى ما لا يعقل على حال، فضلا عن غير ذلك، ويشمل هذا القسم ما ينتحله أهل السفسطة
стр. 133
" فصل "
٢٣٠ - هَذَا وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْأوَّلِ مَا … يَصِيرُ فِي الثَّانِي بِهِ مُرْتَسِمَا
٢٣١ - وَذَا لَهُ تَصَوُّرٌ فِي الْوَاقِعِ … بِخَلْطِ عِلْمٍ بِسِوَاهُ نَافِعِ
والمتحكمون، وكل ذلك ليس له أصل يبنى عليه، ولا ثمرة تجنى منه، فلا تعلق به بوجه" (١).
"فصل"
"هذا" يعني أقول هذا وأثبته لكن يجب أن أنبه على أمر مهم "و" هو أنه "قد يعرض لـ" القسم "الأول" وهو حلب العلم "ما يصير" به أي بسببه وبمقتضاه وحكمه "في" القسم "الثاني" وهو ملح العلم "به مرتسما" بفتح السين، محسوبا ومعدودا - وارتسم الظاهر أنه مطاوع رسم الشيء إذا رسمه في موطن فارتسم فيه فإنه فيه، كما يبقى الأثر في موطنه. سواء فسر الرسم هنا بالأثر، أو بالكتابة فالمعنى يؤول إلى شيء واحد، وهو ما تقدم تقرير الكلام عليه. "وذا" الذي ذكر من أن القسم الأول يعرض له ما يعد به من الثاني "له تصور" ومثال "في الواقع" يتجلى ويظهر "بخلط" أي في خلط "علم بسواه" أي بعلم سواه "نافع" في بناء الحكم في العلم الأول، كالفقيه يبني فقهه على مسألة نحوية، ثم يشتغل بتلك المسألة النحوية نفسها، فيقررها تقريرا نحويا، كما يقررها النحوي، فلم يأخذها باعتبارها قاعدة ومقدمة مسلمة، ثم يرد مسألته الفقهية إليها، والواجب عليه أن يأتي بها على أنها مفروغ منها في علم النحو فيبني عليها، فلما لم يفعل ذلك وأخذ يتكلم فيها، وفي تصحيحها، وضبطها، والاستدلال عليها كما يفعله النحوي صار الإتيان بذلك فضلا غير محتاج إليه. وكذلك إذا افتقر إلى مسألة عددية فمن حقه أن يأتي بها مسلمة ليفرع عليها في علمه. فإن أخذ يبسط القول فيها كما يفعله العددي في علم العدد، كان فضلا معدودا من الملح إن عد منها. وهكذا سائر العلوم يخدم بعضها بعضا" (٢).
стр. 134
٢٣٢ - كَذَاكَ قَدْ يَعْرِضُ فِيهِ أَنْ يُرَى … كَثَالِثٍ قَدْ نَافَرَ الْمُعْتَبَرَا
٢٥٣ - بِمِثْلِ أَنْ يُلْقَى لِغَيْرِ أَهْلِهِ … تَبَجُّحًا بِنَقْلِهِ وَحَمْلِهِ
٢٥٤ - أَوْ مَا لَهُ خَطْرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ … لِغَيْرِ ذِي عَقْلٍ لِذَاكَ قَابِلِ
٢٥٥ - بِضِدِّ مَا يُوْثَرُ فِي الْعُلُومِ … وَبَثِّهَا مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ
٢٥٦ - فَمِثْلُ ذَا يُوقِعُ فِي الْمَحْظُورِ … وَالنَّهْيُ عَنْهُ جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ
" المقدمة العاشرة "
" كذاك" أي كما يعرض للقسم الأول ما به يصير من الثاني "قد يعرض فيه" أي القسم الأول ما به يصح "أنْ يرى كثالث" من تلك الأقسام، وهو قسم ما ليس صلبا، ولا ملحا وذلك لأنه "قد نافر" يعني فارق - ولو عبر به لكان أفضل - "المعتبرا" من الخواص التى كان بها من القسم الأول، ويمثل لذلك "بمثل أن يلقى" ويذكر ما هو من المسائل العلمية "لغير أهله" بأن يكونوا غير طالبين له ولا لهم به عناية، وإنما يذكر ذلك "تبجحا" أي افتخارا ومباهاة "بنقله" من أهله من العلماء "وحمله" في الصدر وحفظه "أو "سوق وذكر "ما له خطر" عظيم وقدر وعلو شأن بمقتضى النظر العقلي والحكم الشرعي "من المسائل لغير ذي" صاحب "عقل لذاك" المذكور له "قابل" وإنما يحتمل عقله - ذكاؤه وفطنته - صغار المسائل، فكان من الواجب أن يخاطب بما يفهم وما يكون على قدر عقله، ومن خالف هذا الواجب، فقد أتى "بضد ما" أي الذي "يوثر" أي يختار "في" تعليم "العلوم وبثها" أي نشرها في الخلق، "من" بيانية لقوله "ما" "أدب التعليم" ومنهاج التربية، الذي من قواعده مخاطبة الناس بما يفهمون. والتعليم بصغار المسائل قبل كبارها. "فـ" أما "مثل ذا" وهو سوق المسائل الكبار لمن قصر عقله عن فهمها فإنه "يوقع في" الفتنة والأمر "المحظور" المحرم، وهو أن يكذب الله ورسوله "والنهي عنه" أي عن هذا السبيل قد "جاء في "الخبر "المأثور"عن علي ﵁ في قوله: حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
"المقدمة العاشرة"
في أنه إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا،
стр. 135
٢٥٧ - إِنْ عُضِدَ الْمَنْقُولِ بِالْمَعْقُولِ … فَشَرْطُهُ تَقَدُّمُ المَنْقُولِ
٢٥٨ - إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ نَظَرْ … إِلَّا بِقَدْرِ مَا مِنَ النَّقْلِ ظَهَرْ
٢٥٩ - دَلِيلُهُ لَوْ جَازَ حُكْمُ الْعَقْلِ … لَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ الأصلِ
٢٦٠ - لَكِنَّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ أَصْلُهُ … كَذَاكَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ
٢٦١ - وَمَعَ ذَا التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ … مِنْ حُكْمِهِ وَرَدُّهُ الصَّحِيحُ
٢٦٢ - وَلَا اعتِرَاض فِيهِ بِالتَّخْصِيصِ … بِالْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ لِلْمنْصُوصِ
ويتأخر العقل فيكون تابعا. قال الناظم: "إن عضد" الدليل "المنقول" السمعي الوارد في النصوص الشرعية "بـ" الدليل "المعقول" أي العقلي، بحيث يحكم كل واحد بالحكم نفسه الذي يحكم به الآخر، وذلك كمنع الكذب الضار، "فشرطه "يعني فشرط العمل بهما "تقدم المنقول" وجعله متبوعا، وتأخر المعقول وجعله تابعا للمنقول المذكور "إذ" - تعليلية - يعني وذلك لأجل أنه "ليس للعقل مع الشرع نظردا وحكم "إلا بقدر ما" أخذ "من النقل" وما منه "ظهر" أنه قد سمح به فإن العقل لا يسرح إلا بقدر ما يسرحه النقل، إلا أنه لا يحجر عليه إلا فيما ليس فيه قدرة على النظر، وكسب الصواب، كالشرعيات "دليله" أي دليل ما ذكر من أن العقل لا يسرح إلا بمقدار ما يسرحه به النقل، هو أنه "لو جاز" أن يكون "حكم العقل" يمضي في الأمور الشرعية مستقلا عن النقل "لجاز أن يبطل حكم الأصل" الذي ضبط به النقل العمل العقلي في هذا الشأن، وذاك الأصل هو ما تقدم ذكره.
"لكن ذا" وهو تعدي العقل مأخذ النقل "غير صحيح أصله" من جواز بطلان الأصل المذكور "كذاك ما أدى إليه" فهو "مثله" في البطلان، والسقوط "ومع ذا" الدليل الذي ذكر يزاد دليل ثان آخر، وهو ما تبين في علم الكلام من أن "التحسين والتقبيح" قد قيل إنهما "من حكمه" بمعنى أنه يحسن ويقبح "ورده" أي هذا القول هو القول "الصحيح" الذي عليه أهل الحق في هذه المسألة. "ولا اعتراض" صحيح يرد "فيه" أي في هذا الذي ذكر من العقل لا حكم له في الأمور الدينية والشرعية "بالتخصيص" للدليل العام الشرعي، ذلك التخصيص الذي يكون معلوما ومدركا "بالعقل" وحده وأمثلة هذا الموضوع تنظر في الأصل. "و" كذلك لا اعتراض أيضا صحيح بالتخصيص "القياس للمنصوص" أي للنص الشرعي وبيان هذا الضرب من التخصيص أن المعنى المناسب إذا كان جليا سابقا للفهم
стр. 136
٢٦٣ - إِذْ لَيْسَ فِيهِ الْعَقْل بِالْحُكْمِ انْفَرَدْ … بَلْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ فِي ذَاكَ اعْتَضَدْ
" المقدمة الحادية عشرة "
٢٦٤ - قَدْ صَحَّ أَنَّ الْعِلْمَ أعْنِي الْمُعْتَبَرْ … فِيمَا يُفِيدُ عَمَلًا قَدِ انْحَصَرْ
٢٦٥ - وَأَصْلُهُ الأدِلَّة الشَّرْعِيَّةْ … وَمرَّ قَبْلُ أَنَّهَا السَّمْعِيَّةْ
٢٦٦ - فَالْعِلْم مِنْ تِلْقَائِهَا مَكْسُوبُ … فَحَصْرُهَا إِذًا هُوَ الْمَطْلُوبُ
عند ذكر النص، صح تحكيم ذلك المعنى في النص بالتخصيص له والزيادة عليه ومثلوا ذلك بقوله ﵇: لا يقضي القاضي وهو غضبان، فمنعوا - لأجل معنى التشويش - القضاء مع جميع المشوشات، وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب، فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل من غير توقف (١). هذا كله اعترض به على ما تقرر في أنه لا حكم للعقل في الأمور الشرعية "إذ ليس فيه" أي فيما ذكر أن "العقل بالحكم" قد استقل و"انفرد" وأنه قد تصرف متعديا لهذا الذي حد له "بل" الثابت انه "بدليل السمع" الذي به هدايته "في ذاك" الذي أدركه "اعتضد" وإليه استند، إذ تصرفات العقل هذه إنما ساغ له أن يأتيها لأن الشارع علم أنه سنن له ذلك وأذن له فيه. فبذلك العقل - هنا - إنما يمضي فيما وضعه له الشارع من سبل وطرق، فهو مسدد بذلك، وعليه عمله.
"المقدمة الحادية عشرة"
في أن العلم المعتبر هو العلم الذي دلت عليه الأدلة الشرعية لأنه العلم الذي به العمل.
قال الناظم: "قد صح" وثبت "أن العلم أعني المعتبر" المطلوب تعلمه شرعا هو "فيما" أي في العلم الذي "يفيد عملا" مطلوبا شرعا "قد انحصر". فكل علم ليس من ورائه عمل لا يعد علما معتبرا شرعا كما تقدم بيانه، "واصله" أي مأخذه ومدركه "الأدلة الشرعية" وحدها "ومر قبل" في المقدمة التي قبل هذه "أنها" الأدلة "السمعية" فقط، "فالعلم" المذكور انه معتبر شرعا "من تلقائها" أي من جهتها "مكسوب" ومدرك "فحصرها إذا هو "الأمر "المطلوب" لأنها إذا حصرت حصرت مدارك العلم الشرعي وضبطت، وما حصر وحدد أمكن الانتفاع به على الوجه المطلوب، وكان التصرف فيه
стр. 137
" المقدمة الثانية عشرة "
٢٦٧ - مِنْ أنْفَعِ الطُّرقِ لِنَيْلِ الْعِلْمِ … تَحْصِيلُهُ مِنْ ذِي تُقىً وَفَهْمِ
٢٦٨ - مُتَّصِفٍ فِي الْعِلْمِ بِالرُّسُوخِ … إِذْ قِيلَ لَابُدَّ مِنَ الشيُوخِ
٢٦٩ - فَهُمْ مَفَاتِيحُ لِأهْلِ الطَّلَبِ … لَمَّا اسْتَقَرَّ الْعِلْمُ طَيَّ الْكُتُبِ
" فصل فيما يستدل به على العالم المحقق "
٢٧٠ - وَبِعَلَامَاتٍ عَلَيْهِ يُسْتَدَلْ … مِنْهَا وِفَاقُ الْعِلْمِ مِنْهُ لِلْعَمَلْ
متأتيا. فكان هذا الحصر مطلوبا لذلك.
"المقدمة الثانية عشرة"
في أن من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقيق به أخذه عن أهله المحققين به على الكمال والتمام.
قال الناظم: "من أنفع" وأفيد "الطرق" أي المناهج "لنيل العلم" وإدراكه "تحصيله" أي أخذه "من" عالم "ذي" صاحب "تقى" وخوف من رب العالمين "وفهم" لمضامين ذلك العلم. "متصف في العلم بالرسوخ" يعني الثبات والتحقيق، فواجب على طالب العلم أن يأخذ كل فمن عن أهله ذوي التحقيق والمهارة فيه، فلا استغناء له عن ذلك "إذ قيل لا بد" في أخذ العلم "من الشيوخ" والمعلمين له "فهم مفاتيح" العلوم وخاصة ما انغلق منها "لأهل الطلب" للعلم وذلك "لما استقر العلم طي" يعني في طي - ونصب طي هنا قد يكون بنزع الخافض، وقد يكون على الظرفية - أي ما طوي منها يريد داخل - وعبر عنه بالطي لأنه لازم لما في الداخل - ويقال - أيضا - بطون الكتب، والمعنى واحد - "الكتب" وأودع فيها، وقد كان قبل يؤخذ من أفواه الرجال فقط.
"فصل فيما يستدل به على العالم المحقق"
"وبعلامات" وأمارات "عليه" أي العالم المتحقق بالعلم "يستدل" وبها يميز عن غيره ويعرف "منها" أي من تلك العلامات "وفاق" أي موافقة ومطابقة "العلم" الصادر "منه للعمل"
стр. 138
٢٧١ - حَتَّى يكُونَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ … مُطَابِقًا وَهَدْيُهُ كنَقْلِه
٢٧٢ - وَأَخْذُهُ لِمَا مِنَ الْعِلْمِ عَلِمْ … عَمَّنْ مِنَ النَّاسِ بِذَا الْوَسْمِ وُسِمْ
٢٧٣ - حَسَبَمَا قَدْ كَانَ حَالُ السَّلَفِ … فِي أَخْذِهِمْ خَلَفِهِمْ عَنْ سَلَفِ
٢٧٤ - وَالاقْتِدَاءُ بِالذي عَنْهُ أَخَذْ … فِي بَثِّ مَا بَثَّ وَنَبْذِ مَا نَبَذْ
٢٧٥ - مُسْتَفْرِغًا لِلْجُهْدِ فِي التَّأَدُّبِ … بِأَدَبِ الشَّيْخِ وَحُسْنِ الطَّلَبِ
ويجوز أن يكون لفظ منه في قوله "منه للعمل" صفة العمل، فيكون معنى كلامه بناء على ذلك: وفاق العلم للعمل منه أي للعمل الصادر منه، "حتى يكون قوله لفعله مطابقا" موافقا، وذلك بأن يلزم نفسه بامتثال كل ما يقول أنه مطلوب فعله، ويكفها عن كل ما يقول أنه واجب الانكفاف عنه "وهديه" أي حاله وسمته "كنقله" يعني كالعلم الذي ينقله ويعلمه، فإن حاله قد صيغ من علمه "و" العلامة الثانية، "أخذه" وروايته "لما" أي للذي "من العلم علم" وأدرك "عمن من الناس" يعني العلماء والشيوخ "بذا الوسم" أي العلامة المذكورة وهي الجمع بين العلم والعمل به قد "وسم" أي - علم ووصف - والوسم والسمة: العلامة "حسبما" يعني على وفق ما "قد كان" عليه "حال السلف" الصالح من الصحابة والتابعين وما مضى عليه أمرهم "في أخذهم خلفهم عن سلف" أي من تقدم منهم - وقوله: خلفهم - بدل من الضمير في أخذهم، وهو بدل بعض من كل، وإبدال الظاهر من الضمير جائز كما هو مبين في كتب النحو "و" العلامة الثالثة "الاقتداء" والتأسي "بـ" العالم "الذي عنه أخذ" العلم ومنهج التربية "في بث" أي في نشر "ما بث" شيخه من المعارف والعلوم والأدب "ونبذ" أي طرح "ما نبذ" شيخه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ واقتداء التابعين بالصحابة، مع التزام ما أمر به سبحانه من اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأن الاجتهاد واجب على من يقدر عليه، وهذا في اقتداء مسلم بمسلم، وأما الاقتداء به ﵊، فإنه كله طاعة "مستفرغا" أي باذلا أقصى ما يستطيع "للجهد" أي طاقته وقدرته واللام - هنا - أي في قوله للجهد نائب عن الضمير "في"كسب "التأدب بأدب" أي خلق "الشيخ" يعني - شيخه - فأل نائبة عن الضمير بدلالة السياق، "و" في "حسن الطلب" وهو التحلي بآداب طالب العلم وأخلاقه وهي مبينة في
стр. 139
" فصل فيما يوصل إلى أخذ العلم عن أهله "
٢٧٦ - وَالْعِلْمُ مَطْلَبٌ إِلَيْهِ يُوصِلُ … كلَا طَرِيقَيْنِ فَأَمَّا الْأوَّلُ
٢٧٧ - فَإنَّهُ الأخْذُ لَهُ مُشَافَهَةْ … مِنْ قِبَلِ الشُّيُوخِ بِالْمُوَاجَهَةْ
٢٧٨ - وَذَاكَ فِيهِ حِكْمَة بِالذَّاتِ … تَرْجِعُ مَعْنىً لِلْخُصُوصِيَّاتِ
٢٧٩ - يَشْهَدُهَا مَنْ زَاوَلَ الْعُلُومَا … وَمَنْ تَوَلَّى أَهْلَهَا لُزُومَا
٢٨٠ - فَكَمْ يُزِيلُ الشَّيْخُ مِنْ إِشْكَالِ … بِمُقْتَضَى قَرَائِنِ الأحْوَالِ
الكتب الموضوعة في "آداب العالم والمتعلم".
"فصل فيما يوصل إلى أخذ العلم عن أهله"
"والعلم مَطْلب" يعني مطلوبا شرعا، كما تقدم بيان ذلك والمطلب يستعمل بمعنى اسم المفعول، كما يقال هذا مطْلَبي، أي ما أطلبه ولو قال الناظم "والعلم مطلوب" لكان أولى "إليه" يعني إلى أخذه وإدراكه يبلغ و "يوصل كلا طريقين" يعني يوصل إليه طريقان وقوله: كلا طريقين فيه إضافة كلا إلى اسم منكر، والمعروف إضافتها إلى المعرف، "فأما" الطريق "الأول فإنه الأخذ له" أي للعلم "مشافهة" مباشرة بلا واسطة "من قبل" أي جهة "الشيوخ" المأخوذ عنهم "بالمواجهة" أي المقابلة وجها لوجه، "وذاك يعني هذا الطريق "فيه حكمة" خاصة ثابتة فيه "بالذات" تؤخذ منه هي نفسها، وهي "ترجع معنى" وحكما ودلالة "للخصوصيات" التي جعلها الله - تعالى - بين المعلم والمتعلم "يشهدها" كل "من زاول" ومارس "العلوما" وحاول تحصيلها "ومن تولى" يعني صاحب "أهلها" أي أهل العلوم ولزمهم "لزوما" يحقق درك ذلك والعلم به.
"فكم يزيل" يذهب "الشيخ من إشكال" يعرض للمتعلم في كتب يحفظها ويرددها على قلبه، إلا أنه يعوزه فهمها فإذا ألقاها الشيخ فهمها، وذلك يحصل إما "بمقتضى" وحكم "قرائن الأحوال" التي صحبت كلام الشيخ كإيضاح موضع إشكال لم يخطر
стр. 140
٢٨١ - وَكَمْ يُجَلِّي مِنْ أُمُورٍ غَامِضَةْ … وَشُبَهٍ قَدْ وَرَدَتْ مُعَارِضَةْ
٢٨٢ - فَتَنْجَلِي إِمَّا بِأَمْرٍ عَادِي … أَوْ هِبَةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْمُعْتَادِ
٢٨٣ - تَحْصُلُ لِلتِّلْمِيذِ فِي تَفَهُّمِهْ … إِذَا اسْتَوَى بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمِهْ
٢٨٤ - وَذَا الطَّرِيقُ نَافِعٌ مُطَّلَبُ … وَكَانَ بَعْضُ مَنْ مَضَى لَا يَكْتُبُ
٢٨٥ - ثُمَّ الطَّرِيقُ الثَّانِي بِالْمُرَاجَعَةْ … لِكُتْبِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمُطَالَعَةْ
٢٨٦ - وَهْوَ عَلَى الْجُمْلَةِ أَيْضًا نَافِعُ … وَللطَّرِيقِ الأوَّلي تَابِعُ
للمتعلم ببال "و" كذلك "كم يجلي" يكشف ويظهر "من أمور" علمية ونظرية خافية عن الإدراك "غامضة" فيذهب غموضها، وتتضح، وتفهم "و" كم يجلي ويكشف من "شبه" - بضم الشين وفتح الباء - جمع شبهة وهي - لغة الالتباس - والمراد بها ما يعرض في الأذهان من أمر يخيل للناظر خلاف الحقيقة فيتبعه لضعف علمه "قد وردت "على الأذهان "معارضة" للحق والصواب "فتنجلي" فتنكشف وتظهر حقيقتها، وذلك "إما" أن يكون "بأمر عادي" كما تقدم بيانه "أو" يكون "هبة" ربانية "ليست من "الطريق "المعتاد" المذكور، وهي "تحصل للتلميذ" في روعه "في تفهمه" أي في أثناء تدرجه في الفهم، فيعلمها ويعيها، "إذا استوى" أي جلس "بين يدي معلمه" وشيخه "وذا الطريق" أي طريق المشافهة "نافع" مبارك "مطلب" أي مطلوب مرغوب فيه، وعليه العمدة في طلب العلم، "و" قد "كان بعض من مضى" من أهل العلم "لا يكتب" إنما كان يحفظ، ويكره الكتابة.
ومن أهل هذا الشأن مالك، فقد كره كتب العلم، فقيل له: فما نصنع؟ فقال: تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ثم لا تحتاجون إلى الكتابة. وحكى عن عمر كراهية الكتابة وإنما ترخص الناس في ذلك عندما حدث النسيان وخيف على الشريعة الاندراس. ولما أنهى الناظم الكلام على هذا الطريق - طريق المشافهة - ذكر الطريق الثاني فقال: "ثم" يأتي بعد هذا الطريق "الطريق الثاني" وهو الذي يكون "بالمراجعة لكتب أهل العلم" و "بالمطالعة" لها.
"وهو على الجملة" والعموم "أيضا نافع" في بابه - أخذ العلم - "و" هو "للطريق الأولي" المتقدم ذكره، "تابع" لأنه لا سبيل إلى الانتفاع بهذه الطريقة، طريقة المطالعة
стр. 141
٢٨٧ - بِشَرْطِهِ أَنْ يَحْصُلَ بَلْ عِنْدَهُ … فِي الْعِلْمِ مَا يَفْهَمُ مِنْهُ قَصْدَهُ
٢٨٨ - وَفي اصْطِلَاحِ أَهْلِهِ مَا يُعْتَبَرْ … وَمَا يَتِمُّ مَعَهُ حُكْمُ النَّظَرْ
٢٨٩ - مَعَ تَحَرِّي كتْبِ مَنْ تَقَدَّمَا … فِي كلِّ مَا مِنَ الْعُلُومِ يَمَّمَا
٢٩٠ - فَالْقُدَمَاءُ بِالْعُلُومِ أَقْعَدُ … بِذَاكَ تَجْرِيبٌ وَنَقْلٌ يَشْهَدُ
والمراجعة إلا "بشرطه بل" يجب أن يحصل عنده "في العلم" المطلوب من قوة الإدراك والنظر "ما يفهم منه" أي ذلك العلم "قصده" يعني مقاصده. "و" ذلك يوجب أن يكون عنده "في اصطلاح أهله" أي أهل ذلك العلم "ما يعتبر" العلم به ممكنا من ذلك الفهم "وما يتم معه حكم النظر" في كتب ذلك العلم. ولا شك أن العلم بالمصطلحات العلمية لا تحصل إلا بأخذها عن أهل العلم بها مشافهة، فتكون هذه الطريق بهذا الاعتبار تابعة للطريق الأول، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله "و للطريق الأولي تابع"، فيكون هذا متوقفا على ذاك، هذا هو الشرط الأول، والثاني ذكره بقوله "مع" وجوب "تحري" أي قصد "كتب من تقدما" من أهل العلم "في كل ما" أي في كل علم "من العلوم "التي "يمما" يعني قصد بالطلب وأراد فهمه والعلم به "فالقدماء" أي وذلك لأجل أن القدامى من أهل العلم - الأئمة المؤسسين وأصحابهم ومن على دربهم - "بالعلوم أقعد" أولى من المتأخرين - يقال فلان أقعد من فلان: إذا كان أقرب منه - "بذاك" الذي ذكره من كون القدامى أقعد بالعلوم "تجريب" وواقع الحال "ونقل" أي ما ورد من النصوص في هذا الشأن "يشهد" يعني يشهدان إلا أنه استغنى بصيغة الإفراد - يشهد - عن التثنية لظهور المراد.
"أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان؛ فالمتأخر، لا يبلغ من الرسوخ في العلم ما بلغه المتقدم. وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري، فأعمال المتقدمين - في إصلاح دنياهم ودينهم - على خلاف أعمال المتأخرين وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين؛ والتابعون ليسوا كتابعيهم؛ وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم، أبصر العجب في هذا المعنى، وأما الخبر ففي الحديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك. وروي عن النبي ﷺ : "أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض" ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئا بعد شيء. ويندرج ما نحن
стр. 142
" المقدمة الثالثة عشرة "
٢٩١ - وَأَيُّ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ قَدْ … يُعَدُّ فِي الْفِعْلِ إِمَامًا يُعْتَمَدْ
فيه تحت الإطلاق. وعن ابن مسعود أنه قال: "ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام ويثلم". ومعناه موجود في الصحيح في قوله: ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون. وقال ﵇: (إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء.) قيل: من الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل" وفي رواية قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس". وعن أبي إدريس الخولاني: إن للإسلام عرى يتعلق الناس بها، وإنها تمتلخ عروة عروة. وعن بعضهم: تذهب السنة سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة وتلا أبو هريرة قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] ثم قال: والذي نفسي بيده ليخرجن من دين الله أفواجا، كما دخلوا فيه أفواجا. وعن عبد الله قال: أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ قالوا نعم، كما ينقص صبغ الثوب، وكما ينقص سمن الدابة. فقال عبد الله: ذلك منه. ولما نزل قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بكى عمر، فقال ﵇: "ما يبكيك؟ " قال: يا رسول الله، إنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل، فلم يكمل شيء قط إلا نقص. فقال ﵇: "صدقت". والأخبار هنا كثيرة، وهي تدل على نقص الدين والدنيا وأعظم ذلك العلم، فهو إذا في نقص بلا شك (١).
"المقدمة الثالثة عشرة"
في أن كل أصل علمي إنما يصح اتخاذه إماما على كل حال إذا كان الحكم والعمل به مطردا في الواقع ومجاري العادات، فإن تخلف عنه هذا الشرط فإنه لا يتخذ أصلا ولا قاعدة شرعية.
قال الناظم: "وأي أصل من أصول العلم قد يعد" في ظاهر أمره "في الفعل" أي العمل "إماما" ودليلا "يعتمد" عليه في ذلك الفعل - العمل - "فإنه" لأجل اتخاذه إما ما
стр. 143
٢٩٢ - يُنْظَرُ لِلْمَعْنَى الذِي قَدْ احْتَمَلْ … فَإنْ يَكُنْ يَجْرِي بِهِ ذَاكَ العَمَلْ
٢٩٣ - عَلَى مَجَارِي مِثْلِهِ فِي الْعَادَةْ … صحَّ فِي الاقْتِضَاءِ لِلإفَادَةْ
٢٩٤ - وَإِنْ يَكُنْ فِيهِ انْخِرَامُ رُكْنٍ … أَوْ نَقْصُ شَرْطٍ فَهْوَ غَيْرُ مُغْنِ
وأصلا شرعيا في ذلك ومعرفة جريان ذا الحكم عليه "ينظر للمعنى" أي للحكم المقتضى "الذي قد احتمل" أي احتمله ذاك الأصل ودل عليه بظاهره "فإن يكن يجري به" أي بما يقتضيه "ذاك العمل" الذي اقتضاه "على مجاري "جمع مجرى ظرف مكان، محل الجري - والمراد بالمجاري - هنا - الطرق، أي على طرق "مثله" من الأصول سواء كانت عقدية أو فقهية "في العادة" التي تقررت على أن الأصول المعتمدة يمتنع أن يتخلف مقتضاها، فإن كان كذلك "صح" العمل والأخذ به "في الاقتضاء" والحكم الذي يدل عليه، وذلك "للإفادة" التي تجنى منه وتؤخذ.
"وإن يكن" قد حصل "فيه" أي في ذلك الأصل "انخرام" سقوط "ركن" من الأركان التي يكون بها حكمه مطردا في الجزئيات المنظومة تحته "أو نقص شرط" فيه يتوقف على وجوده كونه أصلا معتمدا "فهو "أي ذاك الأصل "غير مغن" أي غير مفيد، فلا يصح اتخاده أصلا معتمدا في هذه الشريعة الغراء. وبيان ذلك: "أن العلم المطلوب إنما يراد - بالفرض - لتقع الأعمال في الوجود على وفقه من غير تخلف، سواء كانت تلك الأعمال قلبية، أو لسانية، أو من أعمال الجوارح، فإذا خرجت في المعتاد على وفقه من غير تخلف، فهو حقيقة العلم بالنسبة إليه؛ وإلا لم يكن بالنسبة إليه علما، لتخلفه، وذلك فاسد لأنه من باب انقلاب العلم جهلا.
ومثاله: في علم الشريعة الذي نحن في تأصيل أصوله أنه قد تبين في أصول الدين امتناع التخلف في خبر الله تعالى، وخبر رسول الله ﷺ ؛ وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاف؛ وألحق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد. فإذا كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري فلم يطرد، ولا استقام بحسبها في العادة، فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة يستند إليها" (١).
стр. 144
٢٩٥ - وَذَاكَ فِي مَجْرَى الأسَالِيبِ يَقَعْ … فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ حَيْثُ وَقَعْ
٢٩٦ - كَذَا يُرَى فِي الْفَهْمِ لِلأقْوَالِ … وَفي الدُّخُولِ بَعْدُ فِي الأعْمَالِ
٢٩٧ - وَذَا الأخِيرُ عُمْدَةٌ فِي الْمَسْأَلَةْ … وَالأصْلُ فِي الْمَصَالِحِ الْمُسْتَعْمَلَةْ
" وذاك" التخلف عن مجاري العادات وعدم الاستقامة على سنن الأصول المعتبرة يحصل "في مجرى" يعني في مجاري مفرده مجرى - بضم الميم - أي ما تجري أي تحمل - فالمجاري - على هذا المعنى - محامل "الأساليب" طرق الكلام والمراد بها هنا السياق العام - اللواحق والسوابق - "يقع" فإنه قد يعرض في حمال اللفظ على ظاهره ما يفسد جريان الفهم في الأسلوب والسياق الذي به يعلم المراد من ذلك الكلام، وإذا تقرر ذلك "فـ" إنه "ينبغي" يعني يجب "اعتباره" الأسلوب والسياق وبناء الحكم عليه "حيث وقع" مثل قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فهذه صيغة عموم تقتضي في ظاهرها دخول كل مطعوم، وأنه لا جناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جملته الخمر، لكن هذا الظاهر يفسد جريان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر، لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فكان هذا نقضا للتحريم، فاجتمع الإذن والتحريم معا، فلا يمكن للمكلف امتثال (١). "كذا يرى" يقع هذا التخلف عن الاطراد "في الفهم للأقوال" وهذا يجري في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤١] إن حمل على أنه إخبار لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله. فلا يمكن أنْ يكون المعنى على ما يصدق الواقع ويطرد عليه وهو تقرير الحكم الشرعي فعليه يجب أنْ يحمل". (١) "و" كذلك يقع هذا التخلف "في الدخول بعد" تحصيل العلم المطلوب "في الأعمال" وذلك أنْ طرد العمل قد يعرض فيه ما يوقع في المشقة والحرج. "وذا الأخير" وهو عروض هذا التخلف في الأعمال "عمدة في "هذه "المسألة" التي عقدتها هذه المقدمة، وهي المقصود بالذات "و" هي أيضا "الأصل في "اعتماد" المصالح المستعملة" يعني المرسلة ولو قال المسترسلة لكان أفضل.
стр. 145
٢٩٨ - وَأَصْلُ الاسْتِحْسَان وَالْبَيَانِ … لِمُشْكِلِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآن
٢٩٩ - وَضِمْنَهُ الرُّخْصَةُ مِنْهُ تُقْتَنَصْ … فَإنَّهُ الْحَاكِمُ فِي بَابِ الرُّخَصْ
٣٠٠ - وَقَدْ بَدَا مَعْنَى ذَا الأصْلِ وَظَهَرْ … تَأْصِيلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرْ
٣٠١ - وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ بَدَا … أَوْقَعَ أَهْلَ الزَّيْغِ فِي مَهْوَى الرَّدَى
" و" هو أيضا "أصل الاستحسان" الذي يقول به بعض أهل العلم "و" هو - كذلك أصل "البيان" الذي يكون "لمشكل السنة والقرآن" ممن تكلم في ذلك "وضمنه" أي ما ينطوي عليه من حكم ويؤخذ منه "الرخصة" أي أحكامها فإنها "منه تقتنص أي تؤخذ وتدرك "فإنه" أي ما ذكر من طرح ما يخرج إلى الحرج والمشقة من عموم الدليل وإطلاقه هو الدليل "الحاكم في باب الرخص". وفي جملة هذا الذي تقدم، قال الشاطبي: "وأما الدخول في الأعمال فهو العمدة في المسألة وهو الأصل في القول بالاستحسان والمصالح المرسلة لأن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه إلى الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعا أو عقلا، فإنه غير جار على استقامة ولا اطراد، فلا يستمر الإطلاق. وهو الأصل أيضا لكل من تكلم في مشكلات القرآن والسنة لما يلزم في حمل مواردها على عمومها أو إطلاقها من المخالفة المذكورة، حتى تقيد بالقيود المقتضية للاطراد والاستمرار فتصح. وفي ضمنه تدخل احكام الرخص إذ هو الحاكم فيها، والفارق بين ما تدخله الرخصة وما لا تدخله" (١).
ومعنى أن الرخص تؤخذ من هذا انها تنشأ عنه، فإذا تعذر حمل الدليل العام على العموم في العمل، كانت الرخصة مستحبة على ما لا يتعذر فيه ذلك، فكانت مأخوذة من هذا الأصل وهو عدم استمرار العمل بما يفضي إلى الحرج والمشقة من الأدلة العامة والمطلقة "وقد بدا" أي ظهر "معنى ذا الأصل" وما هو المراد به "وظهر" كذلك "تأصيله" أي كيف وقع تأصيله، وما بني عليه "فينبغي" يعني انه يجب "أن يعتبر" حكمه ومقتضاه "وعدم اعتباره حيث" أي في المحل الذي "بدا" أي ظهر أنه يجب فيه اعتباره والعمل بمقتضاه، "أوقع اهل الزيغ" والضلال من الفرق المجانبة لسبيل أهل الصراط المستقيم "في مهوى" أي في مسقط محل السقوط في "الردا" الهلاك.