← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٧٠٧ - مَعْ مَا أَتَى نَقْلًا مِنَ الحَضِّ … عَلَى لُزُومِ الاِنْحِتَامِ مَرَّ أَوْ حَلَا ٧٠٨ - لَكِنَّمَا الحَالُ بِهَا مُخْتَلِفُ … مِنَ المَشَقَّاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ " المسألة السَّابِعَة " ٧٠٩ - وَهْيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فِي ذَا الحُكْمِ … مِنْهَا حَقِيقِيٌّ وَمِنْهَا وَهْمِي ٧١٠ - وَمُعْظَمُ التَّرَخُّصَّاتِ فِي النَّظَرْ … مِنْ أَوَّلٍ مِثْلُ وُجُودٍ فِي السَّفَرْ ٧١١ - فَإِنْ تَكُنْ عَزِيمَةٌ عَنْهَا يَقَعْ … مَا لَيْسَ يُسْتَطَاعُ طَبْعًا أَنْ وَقَعْ ٧١٢ - أَوْ لَيْسَ يُسْتَطَاعُ شَرْعًا حَمْلُهُ … مُحَقَّقًا لَيْسَ يُظَنُّ أَصْلُهُ ٧١٣ - كَانَ اقْتِفَا الرُّخْصَةِ مِمَّا يُطْلَبُ … وَهْوَ لِحَقِّ اللهِ فِيهِ يُنْسَبُ ٧١٤ - وَمِثْلُهُ المَظْنُونُ مَهْمَا اسْتَنَدَا … لِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ قَدْ وُجِدَا ٧١٥ - وَإِنْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبْ … غَيْرِ مُعَيَّنَ فَهَاهُنَا وَجَبْ ٧١٦ - الأَخْذُ بِالعَزِيمَةِ الأَصْلِيَّةْ … أَوْلَى مِنَ الرُّجُوعِ لِلْجُزْئِيَّةْ ٧١٧ - وَضَرْبُهَا الثَّانِي التَّوَهُّمِيُّ … كَمِثْلِ هَذَا حُكْمُهُ جَلِيُّ ٧١٨ - فَصَحَّ أَنَّ الصَّبْرَ فِي العَزِيمَةْ … سَبِيلُ مَنْ وَافَاهُ مُسْتِقِيمَةْ ٧١٩ - إِلَّا مَعَ المَشَقَّةِ المُخِلَّةِ … فَتُقْصَدُ الرُّخْصَةُ لِلْأَدِلَّةِ ٧٢٠ - وَمَا يُخَالِفُ الهَوَى لَا يُحْسَبُ … مَشَقَّةً لِرُخْصَةٍ تُطْلَبُ ٧٢١ - وَحَاصِلُ الرُّخْصَةِ أَنْ لَا تُرْتَكَبْ … إِلَّا إِذَا كَانَتْ قَوِيَّةَ السَّبَبْ ٧٢٢ - وَذَاكَ مَا يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ … أَوْ مَا يُرَى فِي الشَّرْعِ مِنْ مُطَّلَبِهِ ٧٢٣ - أَوِ ابْتِدَائِيًّا لِأَجْلِ الحَاجَةْ … كَالقَرْضِ أَوْ مَا يَقْتَفِي مِنْهَاجَهْ " فصل " ٧٢٤ - وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ الأَخْذَ بِالرُّخَصْ … أَوْلَى مِنْ أَوْجُهٍ لِذَاكَ تُقْتَنَصْ ٧٢٥ - مِنْ ذَاكَ أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا قَطْعِي … وَحُكْمُهَا لِذَاكَ حُكْمٌ شَرْعِي ٧٢٦ - وَقَدْ أَتَى فِيهَا مِنَ الشَّرْعِ الطَّلَبْ … وَالبَعْضُ مِنْهَا عِنْدَ قَوْمٍ قَدْ وَجَبْ

стр. 72

٧٢٧ - وَالأصْلُ أَنْ يَعُمَّ فِي التَّرَخُّصِ … فَالبَعْضُ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصِّصِ ٧٢٨ - وَإِنْ تَكُنْ جُزْئِيَّةَ المَفْهُومِ … فَهْيَ مِنَ التَّخْصِيصِ لِلْعُمُومِ ٧٢٩ - وَفَاعِلُ الرُّخْصَةِ فِي المَوَاقِعِ … مُوَافِقُ القَصْدِ لِقَصْدِ الشَّارعِ ٧٣٠ - وَغَيْرُهُ مَظِنَّةُ التَّعَمُّقِ … فِي الشَّرْعِ وَهْوَ عِنْدَهُ مِمَّا اتُّقِي ٧٣١ - إِلَى نُصُوصٍ تَقَتَضِي رَفْعَ الحَرَجْ … وَالأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ فِيهِنَّ انْدَرَجْ ٧٣٢ - وَيَنْبَنِي عَلَى الَّذِي قَدْ مَرَّا … أَنْ لَيْسَ تَرْكُ رُخْصَةٍ بِأَحْرَى ٧٣٣ - بِحَيْثُ مَا يُلْفَى تَعَيُّنُ السَّبَبْ … فِيهَا بِقَطْعٍ أَوْ بِظَنٍّ قَدْ غَلَبْ ٧٣٤ - وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُهَا أَوْلَى وَقَدْ … يَسْتَوِيَانِ فِي مَحَلٍّ يُعْتَمَدْ ٧٣٥ - وَإِنْ يَكُنْ لَا يَغْلِبُ الظَّنُّ فَلَا … إِشْكَالَ أَنَّ المَنْعَ أَمْرُهُ انْجَلَى ٧٣٦ - وَحَاصِلُ البَحْثَيْنِ أَنَّ المَسْأَلَةْ … مِمَّا تُرَى الأَنْظَارُ فِيهِ مُعْمَلَةْ " المسألة الثَّامِنَة " ٧٣٧ - وَكُلُّ مَا يَشُقُّ وَالشَّارعُ قَدْ … بَيَّنَ وَجْهَ الرِّفْقِ فِيهِ وَقَصَدْ ٧٣٨ - فَالمُتَوَخِّي قَصْدَهُ مُمْتَثِلُ … وَآخِذٌ بِالحَزْمِ فِيمَا يَفْعَلُ ٧٣٩ - وَغَيْرُهُ خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ … وَسَدَّ بَابَ يُسْرِهِ لِلْقَارِعِ " المسألة التَّاسِعَة " ٧٤٠ - وَسَبَبُ الرُّخْصَةِ عُدَّ مَاِنعَا … أَنْ كَانَ حُكْمَ الاِنْحِتَامِ رَافِعًا ٧٤١ - فَقَاصِدٌ إِيقَاعَهُ كَيْ يَرْتَفِعْ … عَنْهُ بِذَاكَ القَصْدِ حُكْمُ مَا شُرِعْ ٧٤٢ - غَيْرُ صَحِيحٍ فِعْلُهُ فِي ذَلِكْ … وَقَدْ مَضَى تَقْرِيرُهُ هُنَالِكْ " المسألة العَاشِرَة " ٧٤٣ - لِلْوَاجِبِ المُخَيَّرِ المَصِيرُ … إِنْ قِيلَ حُكْمُ الرُّخْصَةِ التَّخْيِيرُ ٧٤٤ - وَإِنْ يَكُ المَعْنَى عَلَى رَفْعِ الحَرَجْ … فَحُكْمُهَا عَنْ مُقْتَضَى ذَاكَ خَرَجْ

стр. 73

" المسألة الحَادِيَةَ عَشَرَة " ٧٤٥ - ثُمَّ إِذَا تُعْتَبَرُ العَزَائِمُ … تُلْفَى وَالاِطِّرَادُ فِيهَا لَازِمُ ٧٤٦ - مَعْ جَرْيِهَا فِي مُقْتَضَى العَادَاتِ … فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ ٧٤٧ - وَعَكْسُهَا الرُّخْصَةُ حَيْثُ تَجْرِي … عِنْدَ انْخِرَاقِ عَادَةٍ لِعُذْرِ ٧٤٨ - وَدَاخِلٌ فِيهَا انْخِرَاقُ العَادَةْ … لِأوْليَاءِ اللهِ بِالعِبَادَةْ

стр. 74

الخطبة ١ - الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ نِعْمَتِهِ … أَنْ بَثَّ فِي المَشْرُوعِ سِرَّ حِكْمَتِهِ ٢ - وَهَيَّأَ العُقُولَ لِلتَّصْرِيفِ … بِمُقْتَضَى الخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ ٣ - وَأَرْسَلَ الرُّسْلَ مُبَشِّرَينَا … بِمَا أَعَدَّهُ وَمُنْذِرَيْنَا ٤ - وَخَصَّنَا بِمِسْكَةِ الخِتَامَ … وَالرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ لِلْأَنَامِ ٥ - وَمَنْ بِنُورِ الوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ … أَنْقَذَنَا مِنْ ظُلْمَةِ الجَهَالَةِ ٦ - مُحَمَّدٍ صَفْوَةِ الأَنْبِيَاءِ … المُجْتَبَى بِالمِلَّةِ السَّمْحَاءِ الخطبة "الحَمْدُ للهِ" إخبار صيغة، إنشاء معنى والله اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد "الذِي" كان"مِنْ نِعْمَتِه" على "أَنْ بَثَّ؛ أي نشر وأودع "فِي المَشْرُوعِ" أي الشريعة "سِرَّ حِكْمَتِه" البالغة سبحانه. "وَهَيَّأ" أي أعد بعظيم قدرته "العُقُولَ" وفطرها "لِلتَّصْرِيفِ" أي النظر على أوجه مختلفة "بِمُقْتَضَى" يعني في مقتضى ومدلول "الخِطَابِ" الشرعي المتعلق "بِالتَّكْلِيفِ" للعباد "و "الذي من نعمته - كذلك - أن "أَرْسَلَ" وبعث "الرُّسْلَ" إلى الناس "مُبَشِّرِينَا" - الألف للإطلاق - من آمن "بِمَا أَعَدَّهُ" وهيأه لهم من الثواب والنعيم المقيم "وَمُنْذِرِينَا" أي مخوفين من كفر بالعذاب الأليم "وَ" كذلك من نعمته سبحانه أن "خَصَّنَا" بين خلقه "بِمِسْكَةِ" - بكسر الميم - واحدة المسك - الطيب المعروف "الخِتَامِ" للرسل "وَالرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ" - بضم الميم - المعطاة على وجه الهدية "لِلْأنَامِ" أي الخلق "وَمَنْ بِنُورِ" وضوء وإنارة "الوحي"الرباني "وَالرَّسَالَة أَنْقَذَنَا" وأخرجنا "مِنْ ظُلْمَةِ الجَهَالَة" - بفتح الجيم - الجهل - ضد العلم -. "مُحَمَّدٍ" بالجر بدل من الصفات المتقدمة - مسكة الختام والرحمة المهداة - ومن بنور الوحي أنقذنا - أو عطف بيان لها، ويصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو، "صَفْوَةِ" - بفتح الصاد وكسرها وسكون الفاء - أي خالص وخيار "الأَنْبِيَاءِ" عليهم الصلاة والسلام "المُجْتَبَى" بضم الميم وسكون الجيم وفتح التاء - المثناة فوق - أي المصطفى المختار المفضل "بِالمِلَّةِ السَّمْحَاءِ" التي لا إصر فيها ولا حرج ولا ضيق فيها

стр. 75

٧ - أَرْسَلَهُ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَا … فَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِهْطِعِينَا ٨ - وَدَخَلُوا فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا … وَاتَّخَذُوا شِرْعَتَهُ مِنْهَاجًا ٩ - وَلَمْ يَحِدْ عَنْ ذَاكَ إِلَّا حَاسِدُ … أَوْ جَاحِدٌ لِحَقِّهِ مُعَانِدُ ١٠ - فَانْتَسَخَتْ بِشَرْعِهِ الشَّرَائِعُ … وَانْقَطَعَتْ عَنْ غَيْرِهِ المَطَامِعُ ١١ - وَاخْتَصَّهُ اللَّهُ بِمُعْجِزَاتِ … مِنْهَا الكِتَابُ الوَاضِحُ الآيَاتِ ولا شدة. وقوله السمحاء هكذا بالمد، والمعروف في صيغة هذا الوصف السمحة - بالهاء - يقال الحنيفية السمحة. وهو الوارد في كتب اللغة المتداولة. "أرسله" سبحانه "للخلق" الإنس والجن "أجمعينا" فكلهم أمة دعوته "فبادروا" يعني فبادر منهم من وفقهم الله - تعالى - للخير، وهداهم إلى الصراط المستقيم أي أسرعوا "إليه" يعني إلى الإيمان به واتباعه "مهطعينا" أي منطلقين في صمت أو مسرعين فيكون حالا مؤكدا لقوله "بادروا" "ودخلوا" في دينه الذي أرسل هبة من رب العالمين "أفواجا" أي جماعات "واتخذوا" أي صيروا وجعلوا "شرعته" بكسر الشين وسكون الراء - أي شريعته - ما شرعه الله - تعالى - لعباده من الدين "منهاجا" - بكسر الميم - طريقًا واضحًا يمشون عليه "ولم يحد" أي يمل ويعدل "عن ذاك" البدار واتخاذ الشريعة منهاجا "إلا حاسد" أعماه حسده وأضله عن سواء السبيل، كما هو حال اليهود "أو جاحد" منكر "لحقه" ﷺ في الإيمان به وفي وجوب إتباعه وطاعته "معاند" يعرف الحق، وينكره. "فانتسخت؛ أي أزيلت "بشرعه" الذي أرسل به جميع "الشرائع" السابقة وأضاف الشرع إليه باعتبار أنه الذي هو عليه في عقيدته وعبادته - "و" بذلك الانتساخ لتلك الشرائع "انقطعت" فانفصمت عن "غيره" أي عن غير شرعه - ويحتمل أن يكون عن غير الرسول ﷺ "المطامع"، يعني مطامع الخلق في التعبد والتقرب إلى الباري لأنَّهُ لا غناء فيما سواه من الشرائع بعد أن نسخت، أو لا غناء في إتباع غير الرسول ﷺ من الرسل من غير إتباعه، بعد أن كان إتباعه شرطا في صحة الإيمان وقبول الأعمال. "واختصه؛ أي أفرده "الله" تعالى "بمعجزات" باهرة كثيرة "منها" القرآن الكريم وهو "الكتاب الواضح" البين "الآيات" جمع آية سميت بذلك لأنها جماعة من حروف

стр. 76

١٢ - أَنْزَلَهُ مُفَصَّلَ الأَحْكَامِ … مُبَيَّنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ ١٣ - صَادِعَةً آيَاتُهُ بِصِدْقِهِ … وَفَضْلِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ ١٤ - فَأَكْمَلَ الدِّينَ بِهِ لِلْأُمَّةِ … مُتَمِّمًا عَلَيْهِمُ بِالنِّعْمَةِ ١٥ - وَإِنَّ فِي العَجْزِ عَنِ الإِتْيَانِ … بِمِثْلِهِ لأَعْظَمُ البُرْهَانِ ١٦ - وَإِذْ أَقَرَّ الشَّرْعَ أَصْلًا أَصْلَا … خُيِّرَ فَاخْتَارَ الرَّفِيقَ الأَعْلَى القرآن، أو سميت بذلك لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام "أنزله" "مفصل" - بفتح الصاد و كسرها - فهو بالفتح بمعنى موضح مبين "الأحكام" فيكون فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني أن أحكامه مبينة لا خفاء فيها ولا إجمال ولا انبهام - وبالكسر بمعنى أنه موضح ومبين للأحكام الشرعية على صفاء تام لا يعتريه غبش ولا يخالطه كدر "مبين" - بالفتح والكسر - "الحلال" فهو بالفتح بمعنى مبين ما حكم عليه فيه بأنه الحلال المباح "و" كذلك ما حكم عليه فيه بأنه "الحرام" المحظور، وبالكسر بمعنى أنه مبين ما هو الحلال وما هو الحرام موضح له على صفاء ونقاء. "صادعة" ناطقة بجهر "آياته" أي الكتاب - القرآن الكريم - "بصدقه" ﵊ "و" شاهدة "فضله" العظيم" على جميع خلقه" تعالى ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى وهي كثيرة جدًّا. "فأكمل" سبحانه "الدين به" يعني بإرساله وبعثه "لـ" هذه "الأمة" المسلمة "متمما" ومكملا "عليهم للنعمة" قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. هذا "وإن في العجز" القائم بالثقلين "عن الإتيان" والمجيء "بمثله؛ أي بمثل هذا القرآن"لأعظم"ما يصح أن يطلق عليه لفظ القرآن "البرهان" وأجله. "وإذ" أي وحين "أقر" ﷺ أي ثبت قواعد وأركان "الشرع" ورسخ أصوله "أصلا أصلا" وبين أحكامه حكما حكما "خير" - بضم الخاء مبنيا للمفعول - أي خيره الله بين الحياة والموت "فاختار" ﵊ "الرفيق الأعلى" وهو الجنة لأنها المحل الذي تحصل له فيه المرافقة مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، أو مع جبريل وميكائيل وإسرافيل.

стр. 77

١٧ - وَبَقِيَ الهُدَى لِبَاقِي أُمَّتِهِ … فِي مُقْتَضَى كِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ ١٨ - عَلَيْهِ مِنْ بَاعِثِهِ بِالحِكْمَةِ … أَزْكَى الصَّلَاةِ وَأَعَمُّ الرَّحْمَةِ ١٩ - وَبَعْدُ فَالعِلْمُ حَيَاةٌ ثَانِيَةْ … لَهَا دَوَامٌ وَالجُسُومُ فَانِيةْ قال الحافظ ابن حجر: "وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يراد بالرفيق الأعلى الله لأنَّهُ من أسمائه كما أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه "أن الله رفيق يحب الرفق" كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة فعزوه إليه أولى. قال والرفيق يحتمل أن يكون صفة ذات كالحكيم، أو صفة فعل، قال: ويحتمل أن يراد به حضرة القدس، ويحتمل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء. ومعنى كونهم رفيقا تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض، وهذا الثالث هو المعتمد. وعليه اقتصر أكثر الشراح. وقد غلط الأزهري القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلطه بها وهو قوله: مع الرفيق الأعلى، لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ" (١). وأصل ما ذكره الناظم من الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كان النَّبِيّ ﷺ يقول وهو صحيح - أنه لم يقبض نبي حتَّى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى، فقلت إذا لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي يحدثنا وهو صحيح. قالت: فكان آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى. "و" بعد وفاته ﵊ "بقي الهدى" والرشد "لباقي" وسائر "أمته" متضمنا مودعا "في مقتضى" آيات "كتابه" تعالى ومقتضى "سنته عليه" الصلاة والسلام "من باعثه" ومرسله "بالحكمة" والحق المبين "أزكى" أي أطيب "الصلاة وأعم" أي أكمل وأشمل "الرحمة" والسلام. "وبعد" ظرف مقطوع عن الإضافة لفظًا لا معنًى - أي وبعد هذا الذي ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه الكريم "فـ" إن "العلم" الذي به عبادة رب العالمين ومعرفته "حياة ثانية" مستمرة "لها دوام" وبقاء وأما "الجسوم" والذوات فإنها على كل حال"فانية" زائلة إذ تصير

стр. 78

٢٠ - وَمُذْ غَدَا ظِلُّ الشَّبَابِ زَائِلَا … وَلَمْ أَنَلْ مِنَ الزَّمَانِ طَائِلَا ٢١ - جَعَلْتُ فِي كُتْبِ العُلُومِ أُنْسِي … وَعَنْ سِوَى العِلْمِ صَرَفْتُ نَفْسِي ٢٢ - فَالعِلْمُ أَوْلَى مَا انْقَضَى بِهِ الزَّمَنُ … وَكُتْبُهُ هِيَ الجَلِيسُ المُؤْتَمَنُ ٢٣ - وَالمَوْرِدُ المُسْتَعْذَبُ الفُرَاتُ … وَمِنْ أَجَلِّهَا المُوَافَقَاتُ ٢٤ - لِشَيْخِنَا العَلَّامَةُ المُرَاقِبِ … ذَاكَ أَبُو إِسْحَاقَ نَجْلُ الشَّاطِبِي رمما بالية وعظاما نخرة "ومذ غدا" أي صار "ظل" نعيم وقوة "الشباب" شيئًا فانيا "زائلا" عني أي ذاهبا وخلف محله ظل الكهولة "ولم أنل" أي أدرك "من" إفنائي هذا "الزمان" الذي مضى من عمري شيئًا "طائلا" رفيع القدر نفيسا "جعلت" وهو جواب قوله لما "في كتب العلوم" - بسكون التاء - جمع كتاب - "أنسي" - بضم الهمزة وسكون النون - أي طمأنينتي "وعن سوى" أي غير "العلم" يعني الاشتغال به "صرفت نفسي" أي كففتها ورددتها "فالعلم أولى" وأفضل"ما انقضى" وفني "به" أي فيه "الزمن "والوقت "وكتبه" بسكون التاء "هي الجليس" أي المجالس وهو الذي يجالسك في المجلس - وهو هنا بقيد دراسته وقراءته - "الموتمن" - بفتح الميم - أي الأمين الحافظ. قال المتنبئ: أعز مكان في الدنى سرج سابح … وخير جليس في الزمان كتاب "و" هو كذلك "المورد" - بفتح الميم وكسر الراء بينهما واو ساكنة - وهو المنهل: العين التي يشرب منها ويستقى "المستعذب" الذي يعد عذبا حلوا "الفرات" - بضم الفاء - الأشد عذوبة وفي قوله "المورد المستعذب الفرات" التشبيه البليغ - "ومن أجلها" أي أعظمها قدرا كتاب "الموافقات" وهو "لشيخنا العلامة" - التاء فيه للمبالغة - "المراقب" بضم الميم - القائم بحقوق الله - تعالى - سرا وجهرا المراقبة - عند المتصوفة -: القيام بحقوق الله تعالى سرا وجهرا، خالصا من الأوهام صادقا في الاحترام (١) "ذاك" هو "أبو إسحاق" إبراهيم "نجل" أي ولد موسى "الشاطبي" المتوفى

стр. 79

٢٥ - فَهْوَ كِتَابٌ حَسَنُ المَقَاصِدِ … مَا بَعْدَهُ مِنْ غَايَةٍ لِقَاصِدِ ٢٦ - وَكَانَ قَدْ سَمَّاهُ بِالعُنْوَانِ … وَاخْتَارَ مِنْ رُؤْيَا ذَا الاِسْمِ الثَّانِي ٢٧ - وَقَدْ سَمَعْتُ بَعْضَهُ لَدَيْهِ … وَمِنْهُ فِي تَرَدُّدِي إِلَيْهِ سنة سبعمائة وتسعين من الهجرة "فهو كتاب حسن" البيان والإيضاح والإظهار لعلم "المقاصد" أي الغايات والحكم والأسرار التشريعية المتعلقة بالأحكام وقد بلغ في ذلك المنتهى فـ "ما بعده" فيما تضمنه"من" ذلك "غاية" تكون مطمعا "لقاصد" العلم الشرعي الطالب له وقد يكون معنى "لقاصد" أي طالب علم المقاصد وهذا وإن كان احتمالا بعيدا فإنه غير ساقط بالكلية. "وكان" الشاطبي "قد سماه" أي سمى كتاب الموافقات هذا "بالعنوان" يعني "عنوان التعريف بأسرار التكليف". "و" أي وبعد ذلك ترك تسميته بهذا "اختار من "أجل "رؤيا" رآها "ذا الاسم الثاني" أي الموافقات وفي ذلك قال - رحمه الله تعالى -: (ولأجل ما أودع فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفية سميته بعنوان التعريف بأسرار التكليف ثم انتقلت عن هذه السيماء لسند غريب يقضي العجب منه الفطن الأريب، وحاصله أني لقيت يوما بعض الشيوخ الذين أحللتهم محل الإفادة وجعلت مجالسهم العلمية محلا للرحال ومناخا للوفادة، وقد شرعت في ترتيب الكتاب وتصنيفه، ونابذت الشواغل دون تهذيبه وتأليفه، فقال لي: رأيتك البارحة في النوم، وفي يدك كتاب ألفته، فسألتك عنه فأخبرتني أنه (كتاب الموافقات) قال: فكنت أسألك عن معنى هذه التسمية الظريفة، فتخبرني أنك وفقت به بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة، قلت له: الغرض بسهم من الرؤيا الصالحة مصيب، وأخذتم من المبشرات النبوية بجزء صالح ونصيب، فإني شرعت في تأليف هذه المعاني، عازما على تأسيس تلك المباني، فإنها الأصول المعتبرة عند العلماء، والقواعد المبني عليها عند القدماء فعجب الشيخ من غرابة هذا الإتقان، كما عجبت أنا من ركوب هذه المفازة وصحبة هذه الرفاق (١). "و" كنت "قد سمعت بعضه" وأنا "لديه" أي عنده "و" قد سمعته "منه في" الأوقات التي كان "ترددي إليه" فيها.

стр. 80

٢٨ - لَاكِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِلَافِي … إِلَّا يَسِيرَ القَدْرِ غَيْرَ شَافِ ٢٩ - لأَنْ ثَنَى التَّقْصِيرُ مِنْ عِنَانِي … وَصَدَّنِي عَنْ قُرْبِهِ زَمَانِي ٣٠ - حَتَّى غَدَتْ حَيَاتُهُ مُنْقَضِيَه … فِي عَامِ تِسْعِينَ إِلَى سَبْعِ مَائَه ٣١ - وَالآنَ مُذْ نَبَذَتْ عَنِّي شُغُلِي … وَصَارَ نَيْلُ العِلْمِ أَقْصَى أَمَلِي ٣٢ - جَدَّدْتُ عَهْدِي بَاجْتِنَاءِ زَهْرِهِ … وَرُضْتُ فِكْرِي فِي اقْتِفَا أَثَرِهِ ٣٣ - فَجُلْتُ مِنْهُ فِي مَدَى بَيَانِ … بَلْ رَوْضَةٍ مِنْ ثَمْرِهَا المَعَانِي ٣٤ - فُنُونُهَا تَشَعَّبَتْ أَفْنَانُهَا … وَاخْتَلَفَتْ بِأُكْلِهَا صِنْوَانُهَا " لاكن" ذلك لم يطل إذ "لم يكن له" أي إليه "اختلافي "وترددي "إلا" زمنا "يسير" أي قليل "القدر غير شاف" لقلة الطلب والرغبة في العلم بمكونات هذا الكتاب ومتضمناته الجليلة القدر، وقصر ذلك الزمان قد حصل "ل" أجل "أن ثنى" أي كف وصرف "التقصير" أي التواني "من عناني" يعني جموحي ورغبتي "وصدني" أي منعني "عن قربه" ومجاورته أحوال "زماني" وتقلباته "حتَّى غدت حياته منقضية" رحمه الله تعالى "في عام تسعين" يزاد "إلى سبع مائة" من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثامن من شعبان من السنة المذكورة. "والآن" بل "مذ نبذت" أي اطرحت "عني شغلي" - بضم الغين المعجمة - "وصار نيل" أي إدراك وتحصيل "العلم أقصى أملي" أي رجائي. "جددت عهدي" واشتغالي "باجتناء" واقتطاف "زهره" جمع زهرة - يعني فوائده - شبه ما يستفيده منه من الفوائد بالزهر المأخوذ من النبات بجامع الحسن والبهاء ثم استعار لفظ المشبه به وهو الزهر للمشبه وهو الفوائد على سبيل الاستعارة التصريحية "ورضت" أي ذللت ووطأت "فكري" وحالة نظري في "اقتفاء" أي إتباع "اثره" وما سنه من سنن نظرية وطرق فكرية قد يهتدي بها إلى قطف أثمار فقهية وعلمية اخرى دقيقة مختلفة "فجلت" أي طفت "منه" يعني فيه - في هذا الكتاب - وأنا في فهمه والعلم بمضامينه "في مدى" أي غاية ومنتهى "بيان" ووضوح "بل" جلت فيه وأنا منه في "روضة" أي بستان حسن "من ثمرها" وغلاتها "المعاني فنونها" أي أنواعها "تشعبت" تفرقت "أفنانها" أغصانها "واختلفت بأكلها" أي في أكلها - بضم الهمزة - أي طعمها - بفتح الطاء - وذواقها "صنوانها" والصنوان

стр. 81

٣٥ - فَمَوْرِدُ الصَّادِي بِهَا رَحِيقُ … وَمُجْتَلَاهُ زَهْرُ أَنِيقُ ٣٦ - لَاكِنْ رَأَيْتُ مُرْتَقَاهُ صَعْبَا … وَمُنْتَدَاهُ فِي المَقَالِ رَحْبَا ٣٧ - فَمَالَتِ النَّفْسُ إِلَى تَحْرِيرِهِ … فِي رَجَزٍ قَصْدًا إِلَى تَيْسِيرِهِ ٣٨ - بِضَمِّ مَا انْتَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ … وَنَظْمِ مَا انْتَثَرَ مِنْ فَرَائِدِهِ - بكسر الصاد وحكي فيه الضم - ما له عرق واحد من نخلتين أو ثلاث أو أكثر "فمورد" أي مشرب "الصادي" أي العطشان "بها" أي بتلك الروضة "رحيق" أي شراب صاف "ومجتلاه" أي منظره "زهر" - بفتح الهاء - أي النبات، أو جمع زهرة وهي النور، فيكون محركا للضرورة "أنيق" - بفتح الهمزة، وزن عظيم - أي معجب حسنه وتشبيهه الكتاب بالروضة يقرر على سبيل الاستعارة التصريحية - "لاكن" في "رأيت" عن دراية واطلاع "مرتقاه" - بضم الميم، مصدر ميمي - يعني إرتقاءه والصعود عليه "صعبا" أي أمرا صعبا شاقا "و" كذلك رأيت "منتداه" بضم الميم وسكون النون - أي ناديه "في" الحديث و"المقال" منتدى "رحبا" - بضم الراء وسكون الحاء - واسعا. شبه الكتاب بجبل عال جدا لكنه أضمره ورمزه له بشيء من لوازمه وهو "المرتقى الصعب" على سبيل الاستعارة المكنية والقرينة إثبات صعوبة الصعود للكتاب كما شبهه بقبيلة أهلها ذوو نظر واسع عميق وبيان محيط شامل فيما هم متناقشون، لكنه أضمره ورمز له بشيء من لوازمه وهو "المنتدى الرحب المقال" على طريقة الاستعارة المكنية والقرينة إثبات المنتدى له. وقد يكون شبهه بأمر عظيم الكلام فيه واسع، والمقال فيه رحب، على طريقة الاستعارة المذكورة "فمالت النفس" لأجل ذلك وتاقت "إلى تحريره"من هذا الذي يتصف به من الصعوبة والإطناب الزائد فيه على المطلوب - أحيانا - "في" نظم من بحر الـ "رجز" وهو بحر من بحور الشعر معروف، يكون كل مصراع منه مفردا، وتسمى القصائد المنظومة فيه أراجيز، واحدتها أرجوزة، وإنما مالت نفسي إلى هذا "قصدا" مني "إلى تيسيره" وتسهيله للحفظ والفهم على طلبة العلم، وذلك "بضم" أي جمع "ما انتشر" وتفرق "من فوائده" في مجاري تقريرات المصنف واستدلالاته واحتجاجاته، ولم بعضها إلى بعض "و" كذلك بـ "نظم" أي جمع ولم "ما انتثر" أي تفرق "من فرائده" - جمع فريدة وهي - لغة - الجوهرة النفيسة التي تفصل بين

стр. 82

٣٩ - بَنَيْتُ فِيهِ عَلَى الاِقْتِضَابِ … وَمِلْتُ لِلْإِيجَازِ لَا الإِطْنَابِ ٤٠ - مُنْتَخِبًا مِنَ الفُصُولِ مَا نَحَا … وَمَا بِهِ الفِكْرُ الكَلِيلُ سَمَحَا ٤١ - مِنِ اعْتِرَاضَاتٍ وَتَنْبِيهَاتِ … وَمِنْ أَدِلَّةٍ وَتَوْجِيهَاتِ ٤٢ - وَجَاعِلًا لَهُ مِنْ السِّمَاتِ … نَيْلَ المُنَى مِنَ المُوَافَقَاتِ ٤٣ - فَعَدُّهُ لَمْ يَعْدُ فِي المَسْطُورِ … سِتَّةَ آلَافٍ مِنَ المَشْطُورِ اللؤلؤ والذهب سميت بذلك كأنها مفردة في نوعها - والمراد بها الفوائد الجليلة القدر المنيرة سبل النظر والفهم، وأثمار النظر المجتناة بعمق تأمل ودقة في أعمال الأذهان "بنيت" منهجي "فيه" أي في هذا النظم "على" الأخذ بمقتضى "الاقتضاب" أي الاختصار وهو الاكتفاء بلب الموضوع وأهم ما ينبغي ذكره فيه وإسقاط ما سوى ذلك "وملت" فيه - كذلك - "للإيجاز" وهو جمع المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل مع الإبانة والإفصاح "لا الإطناب" وهو زيادة اللفظ على المعنى - التطويل - "منتخبا" بكسر الخاء، حال من ضمير المتكلم المتقدم - أي مختارا ومنتقيا من الكلام الوارد فيه "من الفصول ما نحا" أي قصد المصنف ذكره "وما به الفكر" - أل فيه نائبة عن الضمير - أي فكري "الكليل" أي الضعيف في النظر والإدراك، - وصف فكره بذلك تواضعا "سمحا" وجاد "من اعتراضات" تورد على تقريرات لقضايا وأحكام وأثمار أنظار "وتنبيهات" على أمور قد تكون الغفلة على استحضارها أو عن تصورها على الوجه الصحيح حصلت "ومن أدلة" وحجج سيقت لبيان وتقرير صحة ما استدل عليه بها "وتوجيهات" لآراء فقهية وأصولية وأعمال ومناهج اختيرت في شأن التعبد "وجاعلا" أي واضعا "له" أي لهذا النظم"من السمات" أي الأسماء اسم "نيل المنى" - بضم الميم - جمع منية، وهي ما يتمنى ويرغب فيه "من الموافقات" ومقتضى هذا الاسم أن هذا النظم يمكنك تحصيله حفظا وفهما - من إدراك ما يتمنى ويرغب في إدراكه من كتاب "الموافقات" هذا، "فعده" يعني عدد أبيات هذا النظم "لم يعد" ولم يتخط"في المسطور" المكتوب منه خالصا "ستة آلاف" بيت "من" النوع "المشطور" وما هو فيه كل شطر بيتا.

стр. 83

٤٤ - وَهَا أَنَا بِمَا قَصَدْتُ آتِ … مُقَدِّمًا حُكْمَ المُقَدِّمَاتِ ٤٥ - وَأَسْأَلُ التَّوْفِيقَ وَالإِعَانَةْ … فِي شَأْنِهِ مِنْ رَبِّنَا سُبْحَانَهْ المقدمات " المقدمة الأولى " ٤٦ - إِنَّ أُصُولَ الفِقْهِ قَطْعِيَّاتُ … لِأَنَّهَا لِلشَّرْعِ كُلِّيَّاتُ ٤٧ - وَذَا بِالاِسْتِقْرَاءِ يَسْتَبِينُ … وَمَا كَذَا فَشَأْنُهُ اليَقِينُ " وها أنا بما قصدت"من نظم هذا الكتاب على الوجه الذي تقدم وصفه "آت" أي جاء "مقدما" في الذكر كما يقتضي ذلك الوضع والطبع "حكم المقدممات" يعني ما تدل عليه من قضايا وأحكام - هذا ما يظهر لي من كلامه. ولو قال مقدما ذكر المقدمات لكان أبين وأوضح. "وأسال" أي أطلب "التوفيق والإعانة" على السداد وبلوغ المرام والغرض "في شأنه" أي شأن هذا النظم "من ربنا" الكريم الرحيم "سبحانه" وتعالى. المقدمات "المقدمة الأولى" في أن أصول الفقه كلها قطعية الثبوت وفي هذا يقول الناظم ﵀: "إن أصول الفقه" في الدين من حيث ثبوت كونها أصولا فقهية "قطعيات" لا ظنيات إذ الذي لم يقطع بكونه أصلا قطعيا لا تبنى عليه الاحكام الشرعية، وإنما كانت أصول الفقه هذه قطعية "لأنها للشرع" أي ملة وشريعة الإسلام "كليات" وما كان كذلك فهو قطعي "وذا" أي هذا الذي ذكر من أن أصول الفقه قطعية لأنها راجعة إلى كليات الشريعة "بالاستقراء" التام وهو تتبع جميع جزئيات الشيء المستقرئ وهي - هنا - مسائل علم الأصول أصلية كانت أو فرعية "يستبين" يظهر فإن من تتبع هذه المسائل أدرك على قطع أن هذه الأصول راجعة إلى كليات الشريعة الثلاثة وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات، "وما" كان "كذا" أي ثابتًا بهذا السبيل - وهو وهذا الاستقراء - "فشأنه" في الإدراك العقلي "اليقين" أي الجزم بالحكم والقطع به فتحصل

стр. 84

٤٨ - بَيَانُهُ اسْتِقْرَاؤُنَا فِي الشَّرْعِ … لِحُكْمِهِ كَذَاكَ وَهْوَ قَطْعِي ٤٩ - أَوْ مِنْ دَلِيلِ العَقْلِ ذِي لِلْقَطْعِ … أَوْ جِهَةِ المَجْمُوعِ وَهْوَ قَطْعِي ٥٠ - وَمَعَ ذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّة … لَاتَّصَفَتْ بِأَنَّهَا ظَنِّيَّة ٥١ - وَلَوْ أُجِيزَ الظَّنُّ فِي كُلِّيَّة … لِجَازَ فِي الكُلِّيَّةِ الأَصْلِيَّة ٥٢ - وَذَاكَ عَادَةً مُحَالٌ أَصْلُهُ … فَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ إن أُصول الفقه قطعية الثبوت بناء على هذا الاستقراء المذكور. وأما كون ما ثبت بهذا الدليل قطعيا فـ "بيانه" من أوجه أحدها "استقراؤنا" يعني الاستقراء الكلي "في الشرع" "لـ" أدلة "حكمه" أي أحكامه وهذا الاستقراء حكمه "كذاك وهو قطعي" لأنَّهُ استقراء تام. "أو" بيانه "من" جهة "دليلٌ" حكم "العقل" وهو أما الوجوب أو الجواز أو الاستحالة كما سيذكره في المقدمة الثانية. و "ذي" الجهة خذها على أنها مفيدة "للقطع" فهي قاضية به. "أو" من "جهة المجموع" من هاتين الجهتين معا وهما جهة الحكم العقلي وجهة الاستقراء "وهو" أي ما تقتضيه هذه الجهة "قطعي" من باب أولى، لأنَّهُ مركب من مقتضى الجهتين الأوليين هذا هو احد هذه الأوجه. "و" يزاد "مع ذا" الوجه المذكور وجه آخر وهو أنه "لو لم تكن" هذه الأصول "قطعية" الثبوت "لاتصفت بأنها" أدلة "ظنية" ضرورة انحصار حالها في أنها لا تكون إلا قطعية أو ظنية "ولو أجيز الظن في كلية" يعني ولو أجيز أن تكون كلية من هذه الكليات ظنية "لجاز" الظن "في الكلية الأصلية" وهي أصل الشريعة وعلى قطع نعلم أن أصل الشريعة الذي تفرعت عنه هذه الكليات أصل ثابت وهو الأصل الكلي الأول لأنَّهُ عنه تفرعت هذه الكليات الثلاثة الضروريات والحاجيات والتحسينات، ومعنى أنه تفرعت عنه أنه أخذت منه وبنيت على ما تضمنه من أدلة وأحكام، ألا ترى أنه هو المستقرئ لمعرفة هذه الكليات وإدراكها، وإذا تقرر ذلك علم أن هذا الأصل الكلي ثابت لأنَّهُ شرع الله الذي لا تبديل له ولا تغيير. "و" أن "ذاك" وهو تطرق الظن إلى هذا الأصل "عادة محال أصله" وهو احتمال هذا التطرق "فكل ما" أمر "أدى إليه" أي إلى هذا الاحتمال فإنه "مثله" في كونه أمرا

стр. 85

٥٣ - هَذَا وَلَوْ جَازَ سِوَى اليَقِينِ … فِيهَا لَجَازَ فِي أُصُولِ الدِّينِ ٥٤ - وَمَا كَذَاكَ تِلْكَ بِاتِّفَاقِ … فَلْيُجْرَ حُكْمُ القَطْعِ بِالإِطْلَاقِ ٥٥ - فَهِيَ لَدَى الشَّرْعِ أُصُولٌ مِثْلُهَا … فَشَأْنُهَا مُتَّحِدٌ وَأَصْلُهَا ٥٦ - وَالقَصْدُ كُلِّيَّاتُهُ المَشْهُورَة … تَحْسِينًا أَوْ حَاجَةً أَوْ ضَرُورَة ٥٧ - وَهْيَ الَّتِي قَدْ ضُمِنَ الحِفْظُ لَهَا … وَأَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنْ أَكْمَلَهَا محالا، ومن ذلك القول بأن أصول الفقه ظنية الثبوت، فإنه يؤدي إلى أن الأصل الكلي المذكور - أيضًا - ظني لأن الفرع له حكم الأصل والأصل له حكم الفرع، فعلم أن هذه الأصول قطعية لكون الشريعة أمرا ثابتا على قطع، ولا يتطرق إليها تغيير أو تبديل لأنها كلمة الله ولا تبديل لكلمات الله "هذا" أي اقول هذا وأعضده بوجه آخر، "و" هو أَنَّهُ "لو جاز" حكم آخر "سوى اليقين" والقطع "فيها" يعني في كونها أصولا قطعية "لجاز" مثل ذلك وهو عدم اليقين "في أصول الدين" المعتقدات الدينية - الإسلامية - التي لا تقوم صفة الإسلام بالشخص إلا باعتقادها وهي قطعية الثبوت فلا يتطرق تبديل ولا تغيير إليها على الإطلاق ولهذا قال "وما" يعني وليس "كذاك" الذي ذكر من احتمال جريان غير اليقين في "تلك" الأصول المذكورة وفي أصول الدين بأمر جائز "باتفاق" بين جميع المسلمين وإذا تقرر هذا "فليجر" أي فليوقع "حكم القطع" بالثبوت وعدم التغيير والتبديل "بالإطلاق" في أصول الدين وفي أصول الفقه على السواء لأنك إن تأملت أصول الفقه "فـ" إنك تدرك أنها "هي لدى الشرع أصول مثلها" مثل أصول الدين "فشأنها" أي أصول الفقه وأصول الدين "متحد" لأن نسبة أصول الفقه من أصل الشريعة كنسبة أصول الدين لأنها كلها كليات معتبرة في كل ملة، والكل داخل في حفظ الدين من الضروريات، فيجمع بينها بذلك، هذا مع التفاوت في المراتب "وأصلها" الذي أخذت منه وهو الكلي الذي هو الشريعة - أيضًا - واحد، "والقصد" بقولنا الكليات "كلياته" أي كليات الدين "المشهورة" بين أهل الفقه والنظر في الأدلة الشرعية، "تحسينا أو حاجة أو" قد يكون "ضرورة" كما سيأتي ذلك مفصلا. "و" هذه الكليات" هي التي قد ضمن الحفظ" الإلهي" لها" في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] إنما المراد به حفظ أصول الدين الكلية المنصوصة "وأخبر الله" تعالى "بأن" أي بأنه "أكملها" في قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 86

٥٨ - فَالحِفْظُ وَالإِكْمَالُ لِلْكُلِّيِّ … دَلِيلُهُ تَخَلُّفُ الجُزْئِيِّ ٥٩ - وَقَدْ نَفَى القَاضِي عَنِ الأُصُولِ … مَا لَيْسَ قَطْعِيًّا عَلَى التَّفْصِيلِ ٦٠ - مِثْلُ تَفَاصِيلَ الحَدِيثِ وَالعِلَل … وَغَيْرِهَا مِمَّا عَلَى الظَّنِّ اشْتَمَل " فالحفظ والإكمال" المذكوران إنما هما "للكلي" المذكور - الكليات الثلاثة المذكورة - الضروريات والحاجيات والتحسينات - و"دليله" أي ودليل هذا الذي ذكرناه من اختصاص الحفظ بما ذكر وهو "تخلف" حفظ "الجزئي" إذ لو كان الجزئي داخلا فيما ضمن حفظه لم يتخلف عن الحفظ جزئي من جزئيات الشريعة على الإطلاق، وليس كذلك لأنا نقطع بجواز ذلك التخلف، ويؤيده الوقوع لتعارض الظنون وتطرق الاحتمالات في النصوص الجزئية ووقوع الخطإ فيها قطعا، فقد وجد الخطأ في أخبار الآحاد وفي معاني الآيات فدل على ان المراد بالذكر المحفوظ ما كان منه كليا زائدة "وقد نفى القاضي" أَبُو بكر الباقلاني ﵀ "عن الأصول" كل "ما ليس" أصلا "قطعيا" ومراده ما كان "على التفصيل" وهو ما كان جزئيات أصولية والذي يلزم حقا أن يكون كل أصل قطعيا في ثبوته بمقتضى هذا الحفظ الإلهي الذي تزول الراسيات ولا يزول. وذلك "مثل تفاصيل" أحكام "الحديث" النبوي فيما يتصل بظنية ثبوته، وتفاصيل أقسامه التي تذكر في أصول الفقه والتي يعتمد عليها في اثباته على الظن، "و"مثل تفاصيل الحديث هذه تفاصيل" العلل" المسطورة في باب القياس. ومن ذلك ما يقدح به في العلة من قوادح، فكل ذلك مبتناه على الظن ونص كلام القاضي هذا الذي ذكره المصنف موجزا "فإن قيل: فيدخل في هذا الفن ما لا يلتمس فيه القطع والعلم؟ " قيل: ما ارتضاه المحققون أن ما يبتغي فيه العلم لا يعد من الأصول. فإن قيل: فأخبار الآحاد والمقاييس السمعية لا تفضي إلى العلم وهي من أدلة احكام الشرائع" قيل: إنما يتعلق بالأصول تثبيتها أدلة على وجوب الأعمال وذلك مما يدرك بالأدلة القاطعة، فأما العمل المتلقى منها فمتصل بالفقه دون أصول الفقه (١) "وغيرها مما" من الجزئيات "على الظن اشتمل" في بنائه.

стр. 87

٦١ - وَاعْتَذَرَ الإِمَامُ عَنْ إِدْخَالِهِ … فِيهَا لِأَنَّ القَطْعَ مِنْ مَآلِهِ ٦٢ - فَهُوَ إِنَّ أَلْفِيَّ غَيْرٍ قَطْعِيٍّ … يَرْجِعُ فِي المَعْنَى لِحُكْمِ القَطْعِ ٦٣ - قَالَ الإِمَامُ المَازْرِي إِنَّهُ … لَا وَجْهَ أَنَّ حُوشِيَّ ذَا هَنْه ٦٤ - فَهِيَ قَوَانِينُ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا … فِي غَيْرِهَا فَصَحَّ فِيهَا رَسْمُهَا " واعتذر الإمام" الجويني - إمام الحرمين - في صدر كتابه "البرهان" "عن إدخاله" أي إدخال هذا الذي ذكر من أدلة ظنية "فيها" أي في أصول الفقه وعدها منها "لأن القطع" بكونها أدلة فقهية "من مآله" يعني من مآل ذكرها وبحثها هناك. "فهو "أي ما ذكر من الظنيات "وإن الفي" وجد "غير قطعي" الثبوت فإنه "يرجع في المعنى" باعتبار أن وجوب العمل به قطعي "لحكم القطع" فيكون بذلك الاعتبار قطعيا. ظاهر كلام الناظم ﵀ أن ذكر المظنونات المذكورة في كتب أصول الفقه إنما حصل من جهة أن لها حكم القطعيات باعتبار قطعية وجوب العمل بأصلها - القياس - خبر الواحد - في الجملة من غير ملاحظة التفاصيل، لأن الأصل إذا قطع العمل به فكل التفاصيل المبنية عليه داخلة فيه بالمعنى. ظاهر كلام إمام الحرمين في "البرهان" أن الأصولي حظه أن يذكر أن خبر الواحد والقياس - مثلا - مقطوع به في بناء الأحكام الفقهية لكن لما كان بيان حقيقة هذا الذي قطع بأنه تبنى عليه الأحكام الفقهية ذكرت هذه التفاصيل ليتبين المدلول - المعنى المقصود - ويرتبط الدليل - الذي دل على ذلك المعنى - به ونص كلامه "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع" قلنا حظ الأصولي إبانة القاطع في العمل به، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط به الدليل (١). "قال الإمام" أَبُو عبد الله "المازري" بفتح الزاي وكسرها: أحد أئمة المالكية في كتابه "إيضاح المحصول من برهان الأصول" - على ما نقل عنه - "أَنَّهُ" في واقع الأمر"لا وجه" صحيح على طريقة القاضي "أن حوشي" أي استثني واخرج "ذا" أي هذا الذي تقدم من الأدلة الظنية "من هذه" الهاء هاء السكت يعني من هنا وذلك لأنها قواعد تعرض عليها الجزئيات للحكم عليها، ومن ثم "فهي قوانين" كليات جرى و "استقر حكمها"مقتضاها "في غيرها"من الجزئيات التي تعرض عليها "فصح فيها رسمها" أي

стр. 88

٦٥ - قَالَ وَمِنْ أَبِي الَمْعَالِي يُحَسِّنُ … إِخْرَاجَهَا مِنْهَا وَهَذَا بَيْن ٦٦ - إِذْ الأُصُولِ عِنْدَهُ الأَدِلَّةَ … وَهِيَ بِحُكْمِ القَطْعِ مُسْتَقِلَّةً ٦٧ - كَمَا رَأَى القَاضِي لَا يُحَسِّنُ بِهِ … إِخْرَاجَهَا تَمَسُّكًا بِمَذْهَبِهِ ٦٨ - حَيْثُ أُصُولُ الفِقْهِ لَيْسَتْ عِنْدَهُ … إِلَّا أُصُولَ العِلْمِ فِيمَا حَدُّهُ حكمها ومقتضاها، ألا ترى أن الأقيسة مثلا قوانين كلية فهي وإن كانت مظنونة، فإنها وضعت لا لأنفسها لكن ليعرض عليها أمر غير معين مما لا ينحصر مما يصح ان يعرض عليها فهي في ذلك كالعموم والخصوص من حيث أنهما أمران ثبوتهما في الألفاظ ظني، حتَّى قيل لا صيغة للعموم تخصه، ومثله الخصوص، وإنما يعلم ذلك بالقرائن، وبذلك فهما ظنيان إلا أَنَّهُ وإن كان مظنونا وجودهما في مدلولات الألفاظ حقيقة فإنهما معياران تعرض ما يصح أن يعرض عليهما من الألفاظ فيرتسم حكمهما فيما يصح أن يرتسم فيه. هذا هو ظاهر كلامه، والله أعلم. ثم "قال" المازري" ومن أبي المعالي" إمام الحرمين الجويني "يحسن" بمقتضى تعريفه الآتي للأصول "إخراجها" أي إخراج تلك المسائل الأصولية الظنية المذكورة "منها" أي من أصول الفقه وعدم عدها منها، "وهذا" الذي ذكرته من حسن إخراج إمام الحرمين لها من الأصول هذه "بين" واضح جلي يؤخذ مما عرف به أصول الفقه وحدها به "إذ الأصول" أي أصول الفقه "عنده" وفي رأيه "الادلة" يعني أدلة الفقه وهي - عنده - الأدلة السمعية وأقسامها: نص الكتاب ونص السنة المتواترة، والإجماع. ومستند جميعها هو كلام الله - تعالى -. "وهي بحكم" أي بوصف" القطع مستقلة" منفردة عما ليس مقطوعا به، ألا ترى أنه عبّر بلفظة النص ليدلك على ذلك، ثم شرط فيما يكون من السنة دليلا أن يكون نصا ومتواترا. وعلى هذا فإن عده هذه الظنيات من الأصول مخالف لهذا الذي حدها به. "كما رأى" المازري أن "القاضي" الباقلاني "لا يحسن" ولا ينبغي له "إخراجها" أي هذه الادلة الظنية من الأصول عملا و "تمسكا بمذهبه" في هذا الشأن - تعريف أصول الفقه - "حيث" تعليلية، بمعنى لأن - هنا - "أصول الفقه ليست عنده" أدلة قطعية، وما هي "إلا أصول" أدلة "العلم" الشرعي - الأحكام الشرعية - بناء على ما عرف به أصول الفقه و"فيما حده" به حين قال "أصول الفقه أدلته، فالأدلة الدالة على أحكام

стр. 89

٦٩ - وَلَيْسَ بَيْنَ الأَصْلِ وَالقَانُونِ … فَرْقٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اليَقِينِ ٧٠ - وَمَا مِنْ الأُصُولِ ظَنِّيًّا يَقَعُ … مِثْلُ التَّفَاصِيلِ فَآتٍ بَالتَّبَعْ الشرائع أصولها، والعلم بها هو العلم بالأصول ومقتضى هذا دخول ما تقدم من الظنيات في الأصول لأنها داخلة فيما يدل على الأحكام الشرعية. ولما ذكر المصنف هذا الذي نقله عن المازري قال رادا عليه: "وليس" في واقع الامر "بين الأصل" الذي عبر به بعضهم وبين "القانون" الذي عبر به المازري "فرق" في المعنى وبناء عليه "فـ" أَنَّهُ "لا بد من "حصول "اليقين" أي القطع بثبوتهما، إذ بناء الأحكام الشرعية عليهما يقتضي ذلك فلا يصح بناؤها على ظني "و" أما "ما" أي الذي "من الأصول ظنيا يقع "مذكورا في كتب الأصول، ويقع أساسا لبناء الأحكام الفقهية عليه "مثل التفاصيل" التي تقدم ذكرها - كأخبار الآحاد والإجماع السكوتي والقياس - "فـ" أَنَّهُ "آت" ذكره "بالتبع" كما تقدم نقله عن إمام الحرمين. هذا ما ذكره المصنف في مسألة قطعية الأصول هذه. وقد اعترض على هذا الذي ذهب إليه هنا بعض الناس منهم محمد بن طاهر بن عاشور إذ رأى أن أصول الفقه ليست على الإطلاق قطعية إلا النادر منها، وذكر أن ما اعتذر به إمام الحرمين من إدخال ما ليس بقطعي في أصول الفقه اعتذار واه، ثم قال: ورأيت في شرح القرافي على المحصول في المسألة الثانية من مسائل اللفظ في الأمر والنهي أن ابن الأبياري قال في شرح البرهان: "مسائل الأصول قطعية ولا يكفي فيها الظن ومدركها قطعي ولكنه ليس المسطور في الكتب بل معنى ذلك أن من كثر استقراؤه واطلاعه على أقضية الصحابة ومناظراتهم وموارد النصوص الشرعية حصل له القطع بقواعد الأصول، ومتى قصر عن ذلك لا يحصل له إلا الظن" (١). ثم رد على القرافي قائلا: "وهذا جواب باطل لأننا بصدد الحكم على مسائل أصول الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة. ثم قال "وقد حاول أَبُو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من كتابه "الموافقات" الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية فلم يأت بطائل.

стр. 90

المقدمة الثانية ٧١ - ذَا العِلْمِ ذُو أَدِلَّةٍ كُلِّيَّة … عَادِيَّةٍ سَمْعِيَّةٍ عَقْلِيَّة ٧٢ - فَمَا أَتَى دَلِيلًا أَوْ مُقَدَّمَة … فِيهِ فَبِالقَطْعِ تَكُونُ مُعْلِمَة قلت: وهذا كلام فيه إجحاف وقلة إنصاف، فإن من ذهب إلى أن القطع شرط في ثبوت الأصول بين أن ذلك إما أن يكون من جهة العلم - كما في المقطوع بثبوته ودلالته - وإما ان يكون مقطوعا به من جهة العمل به، ثم التفاصيل والجزئيات الظنية إذا ذكرت بعد ذلك فإنها تذكر تبعا لهذا الذي قطع به من العمل. وكون ذلك يقطع بأنه يعمل به يتوقف على هذا الذي نقله القرافي عن الأبياري، وهو ما دأب إمام الحرمين على إيراده وذكره في كتابه "البرهان" في المواطن التي يقتضي حالها إيراده فيها. " المقدمة الثانية" في أن الأدلة المستعملة في إثبات الأصول وبناء قواعدها الجزئية لا تكون إلا قطعية. وفي ذلك يقول: "ذا" أي هذا "العلم" يعني علم الأصول علم لا يعتمد على الأدلة الظنية ولا الأدلة الجزئية، ولذلك فإنه في محتواه وأسسه "ذو "صاحب "أدل" جمع دليلٌ - وهو ما يمكن بصحيح النظر فيه التوصل إلى مطلوب خبري - ووصفه بالصاحب هو كقولك: بئر ذو ماء عذب، ورجل ذو علوم عقلية تريد ان ذلك من ماهيته وحقيقته - "كلية" تنطوي تحتها كل الجزئيات الصالحة للانطواء تحتها من غير حصر، وهي إما "عقلية" كالراجعة إلى أحكام العقل الثلاثة: الوجوب والجواز والاستحالة. ومن المقرر أن كل مسألة أصولية لا تبحث إلا إذا علم أصلها من جهة الحكم، لأن ما لا تقبله العقول السليمة لا يقبل شرعا. وإما "عادية" وهي كذلك تعتريها الأحوال الثلاثة فتنقسم إلى واجبة، وممكنة ومستحيلة بحكم ومقتضى اطراد العادات. وإما "سمعية" كنصوص الكتاب والسنة. وبناء على ذلك "فما اتى" وسيق "دليلا" وحجة "أو مقدمة" من دليل "فيه" أي في هذا العلم والقصد من الإتيان به وإيراده هو الاستدلال على بناء حكم في مسألة أصولية "فـ" أن تلك المقدمة "بالقطع" ثبوتا ودلالة "تكون معلمة"موصوفة وموسومة، ومقتضى ذلك أن الأدلة الظنية لا يعتمد عليها في مجاري الحجاج والاستدلال على بناء الأحكام

стр. 91

٧٣ - وَأَشْرَفُ الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ … مَا كَانَ ذَا دَلَالَةٍ قَطْعِيَّةٍ ٧٤ - تَوَاتَرَتْ لَفْظًا عَلَيْهِ يُبْنَى … أَوْ مَا لَهُ تَوَاتُرٌ فِي المَعْنَى ٧٥ - أَوْ مَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنِ اسْتِقْرَاءٍ … مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَاءِ ٧٦ - وَحُكْمُ كُلِّ ذَاكَ فِي الدَّلَالَة … وُجُوبٌ أَوْ جَوَازٌ أَوْ إِحَالَة ٧٧ - وَيَلْحَقُ الوُقُوعُ فِي الجَمِيعِ … بِهَذِهِ وَعَدَمُ الوُقُوعِ في المسائل الأصولية. "واشرف" أي أجل "الأدلة السمعية" النقلية المستعملة في هذا العلم هو "ما كان" منها "ذا دلالة قطعية" وهو ما كان نصا في معناه فلا يقبل إلا معنى واحدا، بشرط أن تكون قد "تواترت لفظا" بأن تكون قد رواها بلفظها جمع عن جمع - يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة - من اولها إلى منتهاها وهذا الضرب من الحديث "عليه يبنى" في علم الأصول، ويحتج به فيه لأنَّهُ قطعي الثبوت فهو كالعيان، مثال ما تواتر لفظه حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، "أو ما" الذي استقر وثبت" له تواتر في المعنى" ويسمى المتواتر المعنوي وهو ما اتفق نقلته - الذين يشترط فيهم ان يكونوا جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، كما تقدم ذكره - على معناه من غير مطابقة في اللفظ كأحاديث الشفاعة وأحاديث نبع الماء بين اصابعه ﷺ . "أو ما" أي العلم الذي "استفدناه" وتوصلنا إليه "من" جهة "استقراء" تتبع "موارد" أدلة أحكام "الشريعة السمحاء" وهي هذه الشريعة الإسلامية العظيمة، ووصفت بالسمحة لأنها ليس فيها ضيق ولا شدة - والمعروف هو وصف هذه الشريعة بالسمحة - بالهاء - واما السمحاء بالمد وصفا لها، فلم ار من ذكره الله ما كان من المصنف هنا -. "وحكم كل ذاك" الذي تقدم ذكره سواء كان دليلا عقليا أو عاديا "في الدلالة" على ما دل عليه من حكم هو "وجوب" عقلي أو شرعي أو عادي "أو جواز" عقلي أو شرعي أو عادي "أو احالة" عقلية أو شرعية أو عادية. وبذلك يعلم ان ذلك كله قطعي "ويلحق" في إفادته القطع "الوقوع" لما جوز عقلا أو شرعا، أو عادة "في الجميع" أي في جميع الأقسام المذكورة - العقلي والشرعي والعادي "بهذه" الأدلة القطعية "وعدم الوقوع" له، فإن الجائز لا يلزم وقوعه ولا عدم وقوعه ضرورة كونه جائزًا. واما مناقشة دليلٌ ما في علم

стр. 92

٧٨ - وَكَوْنُهُ حُجَّةً أَوْ لَا ذَلِكَا … يُؤْخَذُ مِنْ وُقُوعِهِ كَذَلِكَا ٧٩ - وَمَا عَلَى الصِّحَّةِ وَالعَكْسِ اشْتَمَلْ … مَرْجِعُهُ إِلَى الثَّلَاثَةِ الأُوَلْ ٨٠ - وَكَوْنُهُ مِنْ جُمْلَةِ الأَحْكَامِ … لَيْسَ مِنَ الأُصُولِ بِالإِلْزَامِ ٨١ - مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أُصُولًا وَالَّذِي … يُدْخِلُهَا خَلْطَ العُلُومِ يَحْتَذِي الأصول "و" بحث "كونه حجة" في هذا العلم "أو لا" فإنه ليس من صميم مسائل هذا العلم وإنما "ذلكا" - الألف للاطلاق - الذكر "يؤخذ" جوازه ومسوغه "من" البحث عن "وقوعه كذلكا" أي وقوعه دليلا أم لا. ونص كلام الشاطبي: "فأما كون الشيء حجة أو ليس بحجة فراجع إلى وقوعه كذلك أو عدم وقوعه كذلك" (١) وبذلك فإن ايراد ما هذا شأنه في مباحث أصول الفقه ليس الغرض منه إلا اختبار وسبر أحواله ليعلم كونه صالحا للاحتجاج به في هذا العلم أم لا فقط. وأما ما يعرف به كون الشيء المبحوث فيه صحيحًا أو غير صحيح فقد أورده المصنف بقوله: "وما على الصحة والعكس" وهو عدم الصحة "اشتمل" يعني اتصف، فإن "مرجعه" الذي يعرف به حاله "إلى الثلاثة" المذكورة "الأول" وهي الوجوب والجواز والاستحالة، فإن صح فإنه إما أن يكون واجبًا أو جائزًا، وإن لم يصح فإنه يرجع إلى الاستحالة، ويعرف كل ذلك بالشرع والعقل والعادة. وأما كون الشيء متصفا بالاحكام الشرعية فحقه ان لا يذكر في كتب الأصول لأن ذلك من مسائل الفقه وفي ذلك يقول: "و" ذكر "كونه" كون شيء ما "من جملة" ما تقرر فيه أحد "الأحكام" الشرعية ككونه واجبًا، أو مندوبا أو حراما أو مكروها أو مباحا، محله كتب علم الفقه. إذ "ليس" ذكره من هذه الجهة - جهة الأحكام - من مسائل علم "الأصول" بحيث يكون مما يتعلق به نظر الأصولي وبحثه "بالالزام" وذلك "من حيث كونها أصولا" فقهية "والذي يدخلها" أي هذه الأحكام - ويدخل ذكرها على هذا الوجه وبهذه الصورة "خلط العلوم" بعضها ببعض، "يحتذى" يتبع، إذ خلط - هنا - مسائل الفقه بمسائل الأصول. ومعلوم أن خلط - تداخل - العلوم إنما يصح ويحمد إذا كان لغرض البيان وتتميم الفائدة، فإن كان على خلاف ذلك فإنه مما يجب أن يتوقى.

стр. 93

" المقدمة الثالثة " ٨٢ - لَا تَدْخُلُ الأَدِلَّةُ العَقْلِيَّة … ذَا العِلْمَ إِلَّا تَخْدِمُ النَّقْلِيَّة ٨٣ - فَالعَقْلُ فِي المَشْرُوعِ لَا مَجَالَ لَه … إِلَّا بِقَدْرِ النَّقْلِ فِيمَا احْتَمَلَه " المقدمة الثالثة" في أن الأدلة العقلية لا تستقل بإفادة الحكم الشرعي، وعليه فإنها لا تستعمل في هذا العلم - علم الأصول - إلا مرتبة على الأدلة النقلية. وفي ذلك يقول المصنف: "لا تدخل الأدلة العقلية" والدليل العقلي هو ما استقل العقل بإدراكه فلم ينتزعه من شرع ولا من عادة، وذلك مثل إدراكه ان الواحد نصف الاثنين، وإن الكل اكبر من الجزء وإن التناقض محال، وما يبنى على هذا من الأحكام النظرية، كل ذلك وما اشبهه لا يدخل "ذا العلم" يعني علم أصول الفقه "إلا" لكي "تخدم" الأدلة "النقلية" نصوص الكتاب والسنة، وسبيل خدمتها لها، منها: أن الأدلة العقلية يتوسل بها إلى معرفة مضامين هذه النصوص والمقاصد الكلية المقصود تحصيلها بها، إلا ترى إلى استقراء الأدلة الشرعية لمعرفة القواعد الكلية التي تنظمها، فإن ذلك انما يحصل بالانتزاع العقلي لهذه القواعد من أحوال تلك الأدلة، وفي اثناء ذلك لا بد من استعمال ما يتوصل به من الأدلة العقلية إلى هذا الانتزاع. ثانيها: سوق الأدلة النظرية في تحقيق الدلالة اللفظية، فيؤخذ باليقين - كدلالة الأمر على الندب - أو بالاحتياط - كدلالة الأمر المجرد على الوجوب -. ثالثها: تحقيق ماهية موضوع البحث والنظر وتحديدها وكونها من جهة العقل ثابتة ولا يكون إلا بخلوها من التناقض انظر حقيقة الاستثناء مثلا). رابعها: جعل الجامع بين المقيس والمقيس عليه علة عقلية. خامسها: تحقيق مناط الحكم واستخراجه. وإذا تأملت أحوال هذه المواطن كلها وجدت ان العقل ليس فيها إلا آلة يتوسل بها إلى دراسة النصوص الشرعية، ومعرفة مقتضياتها، وما يعتريها من أحوال. وعليه "فالعقل في" إثبات "المشروع" من الأحكام في هذا الدين "لا مجال" أي لا محل "له إلا بقدر" ما ترشده وتوجهه إلى كشفه دلالة "النقل" يعني الدليل النقلي - النصوص الشرعية - وذلك المجال محصور "فيما احتمله" النقل - الدليل النقلي - من معنى شرعي أو لغوي، فيكون قصارى عمل العقل في هذا الشأن، الكشف واستخراج

стр. 94

٨٤ - إِذًا فَقَدَ صَحَّ مِنَ السَّمْعِيَّة … بِأَنَّهَا الأَدِلَّةُ المَرْعِيَّة ٨٥ - وَيَنْدُرُ القَطْعِيُّ فِي آحَادِ … أَدِلَّةِ السَّمْعِ فِي الاِنْفِرَادِ ٨٦ - لِأَجْلِ أَنَّ قَطْعَهَا مَوْقُوفُ … عَلَى أُمُورٍ ظَنُّهَا مَعْرُوفُ ٨٧ - مِنْهَا طَرِيقُ النَّقْلِ لِلُّغَاتِ … وَمُقْتَضَى مَذَاهِبِ النُّحَاةِ ٨٨ - وَمَا بِهِ التَّرْتِيبُ ذُو امْتِيَازِ … وَفَقْدُ الاِشْتِرَاكِ وَالمَجَازِ المضامين والمعاني من الدليل النقلي، "إذا فقد صح" بناء على ما تقدم. "من" أن الأدلة العقلية خادمة - هنا - للأدلة "السمعية" النقلية "بأنها" أي هذه الأدلة السمعية هي في واقع الأمر "الأدلة المرعية" في بناء الأحكام وصوغ القواعد، لأن على مقتضاها المدار في ذلك كله، فهي المدرك لذلك كله "و" إنما يحتاج إلى استعمال هذه الأدلة في هذا العلم ومنها الاستقراء لأنَّهُ "يندر" ما هو "القطعي في آحاد" أي أفراد "أدلة السمع في" حال النظر فيها على "الانفراد"، فإن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر، ولا يستدل في هذا العلم بما ليس قطعيا، وإن كانت متواترة، فإنها وإن كانت قطعية الثبوت فإنها ليست قطعية الدلالة. وذلك "لأجل أن قطعها" يعني افادتها القطع فيما تدل عليه "موقوف على أمور" يجب أن تحصل "ظنها" يعني كونها كلها أو جلها ظنية "معروف" مقرر عند علماء هذا الفن وغيرهم"منها" أي تلك الأمور "طريق النقل للغات"، وقد علم وتقرر أن الطريق لمعرفة اللغة إنما هو النقل المحض، وهو اما تواتر أو آحاد. فالمتواتر منه قطعي باتفاق، وما أورد عليه من اشكالات قد أجيب عنها، فانتهى فيه النظر إلى أَنَّهُ قطعي. واما الآحاد فإنه ظني في دلالته لأن ثبوت نقله ظني كذلك، فلا يحتج ولا يتمسك به في القطعيات، كما ذهب إلى ذلك فخر الدين الرازي. وذهب بعضهم - كالأصفهاني - إلى أنه يحتج به فيها "ومقتضى" آراء و"مذاهب النحاة" فإنه يجري فيه مثل ما يجري في اللغة - مما تقدم ذكره يستدل به ويتمسك به في القطعيات لأنَّهُ مثل خبر الواحد في الشرع. "وما به" من وجوه الاعراب يكون "الترتيب" بين أجزاء الكلام مرجحا على ما سواه، وهو "ذو امتياز" عليه وأولوية، "وفقد" أي عدم "الاشتراك" لأن الاشتراك من موجبات الإجمال في الكلام، فما لم يكن اللفظ قد دل على معنى معين خاص فإنه لا يجزم بالمراد به فكان لا بد من ثبوت عدم الاشتراك. "و" عدم "المجاز" فاحتمال اللفظ

стр. 95

٨٩ - وَالنَّسْخِ وَالمُعَارِضِ العَقْلِيِّ … وَالنَّقْلِ لِلشَّرْعِيِّ وَالعَادِيِّ ٩٠ - وَالحَذْفُ وَالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ … بَلْ يُسْتَفَادُ القَطْعُ مِنْ نُصُوصِ لمعناه المجازي يدفع تفسيره بما دل عليه بمعناه الحقيقي، فلا بد من الجزم بأن المعنى المجازي غير مقصود به للحكم بذلك. "و" عدم "النسخ" للحكم الذي دل عليه نص ما، مما لم يجزم بأن النسخ لم يرد عليه فإنه لا ثقة فيما دل عليه من حكم "والمعارض العقلي" فإن ما عارضته مقتضيات العقول الصحيحة لا يصح ولا يمكن أن يكون صحيحا شرعا، فلا بد من الجزم بأن ما دل عليه لفظ ما، لا يتناقض ومقتضيات العقول الصحيحة. "و" عدم "النقل" لدلالة اللفظ من مدلوله اللغوي "ل" مدلوله "الشرعي" فلا يقدم على حمل اللفظ على معناها اللغوي إلا بعد العلم بأنه لم ينقل من ذلك المعنى إلى معنى آخر شرعي. وعدم النقل "العادي" فاللفظ قد ينقل من معناه اللغوي إلى معنى عرفي عام أو خاص، فيصير مستعملا فيه، فلا يحمل على معناه اللغوي إلا بعد العلم بأن ذلك لم يحصل. "و" عدم وقوع "الحذف" لجزء من الكلام، فلا يحمل الكلام على ظاهره اللغوي إلا بعد العلم بأنه لم يحذف منه شيء. وحذفه يعلم من جهة الشرع أو العقل أو العادة، وهذا الحذف يعبرعنه بالإضمار. "و" عدم "التقييد" للفظ إذا كان مطلقا، فاللفظ المطلق لا يحمل على ظاهره إلا بعد العلم بأنه غير مقيد. "و" عدم "التخصيص" للفظ إذا كان عاما، فاللفظ العام يتوقف حمله على ظاهره على العلم بأنه غير مخصص، فلا يحمل على ظاهره إلا بعد العلم بأنه غير مخصص. هذه العوارض كلها يجب ان يجزم بأن اللفظ قد خلا من عروضها فيه وهذا الخلو إن حصل إنما يكون حصوله - غالبا - ظنيا فلا سبيل إلى العلم بذلك كله على وجه قطعي، فالامر المجرد - مثلا - لا يحمل على الوجوب إلا بعد العلم بأنه قد خلا من عارض يمنع من ذلك، ثم ان حمله على ذلك وتقرير ان ذلك هو الحقيقة فيه والأصل المعتمد عليه في شأنه لم يستفد من جهة خلوه من ذلك العارض، لأن أقصى ما يفيده هو الظن، وإنما هو مستفاد من استقراء ما اقتضى أن ذلك هو الأصل فيه - كفتاوى وأقضية الصحابة وأحوال الكلام العربي في ذلك والقواعد النظرية. ومثل ذلك كل مقطوع به في هذا العلم فإنه لا تستفاد قطعيته من جهة واحدة مظنونة. "بل يستفاد القطع" بذلك فيه "من نصوص" شرعية تضافر استقراؤها في معنا فجاوزت للقطع فيه

стр. 96

٩١ - تَظَافَرَ اسْتِقْرَاؤُهَا فِي مَعْنَا … فَجَاوَزَتْ لِلْقَطْعِ فِيهِ الظَّنَّا ٩٢ - فَالاِجْتِمَاعُ فِيهِ بِالإِطْلَاقِ … مَا لَا يَكُونُ مَعَ الاِفْتِرَاقِ ٩٣ - وَهْوَ كَذِي تَوَاتُرٍ فِي المَعْنَى … كَجُودِ حَاتِمٍ بِحَيْثُ عَنَا ٩٤ - شَأْنُ ثُبُوتِ القَطْعِ بِالصَّلَاةِ … وَالحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ ٩٥ - وَعَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا أَدَّى … قَوْمًا لِأَنْ هَدُّوا النُّصُوصَ هَدَّا الظنا كلها "تضافر" تعاضد واتفق "استقراؤها في "إفادة واقتضاء "معنى" واحد معين، كافادة النصوص الشرعية على قطع وجوب حفظ النفس، وافادة ما تواتر عن الصحابة من العمل بخبر الواحد وجوب العمل به - ومثل هذا كل ما تضافرت النصوص الشرعية على إثباته. "فجاوزت" بمقتضاها وحكمها "للقطع فيه" أي في هذا الذي تضافرت على إثباته "الظنا" الذي يفيده فيه ظني واحد "فالاجتماع فيه"من القوة "بالاطلاق" سواء كان اجتماعا معنويا - كاجتماع الأدلة على حكم ما - أو حسيا - كاجتماع الناس على حمل صخرة - مثلا - "ما لا يكون مع" حصول "الافتراق" وهذا بين، والحس والتجربة يشهدان عليه، "و" ذلك أن تضافر الأدلة الظنية ورفعها إياه إلى القطع "هو كذى" أي كخبر ذي "تواتر في المعنى" أي في الحكم والصورة "كجود حاتم" الطائي، فإنه قد ثبت بأخبار الآحاد في الأصل وهي لا تفيد إلا الظن، ثم لما تواترت الأخبار ارتقى الحكم فيه من الظن إلى القطع"بحيث عنا" أي في أي محل عرض ذكره. فالناس يقطعون بثبوته كما يقطعون بوجود مكة وبغداد وشجاعة علي ﵁ فيكون شأن ثبوت هذا مثل "شأن ثبوت القطع" والجزم "بـ" وجوب "الصلاة" وبهيأتها التي تؤدى بها اليوم في بلاد أهل السنة "و" ثبوت القطع بوجوب "الحج" وكونه على هذه الهيئة التي يؤديه عليها أهل السنة في الجملة "و" ثبوت القطع بوجوب "الصيام" وثبوت القطع بوجوب إخراج "الزكاة" على من تجب عليه. وكل ذلك إنما يحصل بتضافر الأدلة الظنية عليه فصار اعتبار هذا الذي تقدم ذكره من أن الأدلة الظنية إذا تضافرت على أمر مفيد القطع فيه. "وعدم اعتبار هذا أدّى" أي أوصل "قوما "من المتأخرين "لأن هدّوا" أي هدموا وردّوا "النصوص هَدَّا" المستدل بها في هذا العلم على حدتها، وانفرادها من غير ضم النصوص الأخرى التي تعضدها في الدلالة على ما دلت عليه في بناء المسائل الأصولية وإنما ردوها وهدموها لأنهم رأوا أنها أدلة ظنية وهي لا تفيد القطع، فلا يستدل بها في

стр. 97

٩٦ - وَفِي اعْتِبَارِهِ فِي الاِسْتِدْلَالِ … رَفْعٌ لِمَا يَعْرِضُ مِنْ إِشْكَالِ ٩٧ - أَلَا تَرَى الخَمْسَ الضَّرُورِيَّاتِ … مَعْلُومَةَ القَطْعِ عَلَى البَتَاتِ ٩٨ - لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنِ … بَلْ جُمْلَةٍ أَفْضَتْ إِلَى التَّيَقُّنِ الأصول، ولو اعتبروا هذا الذي تقدم ذكره ما وقعوا في هذا الهدم والرد، قال الشاطبي في هذا: "وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع، فكذلك الأمر في مآخذ الأدلة في هذا الكتاب وهي مآخذ الأصول، إلا ان المتقدمين من الأصوليين ربما تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه، فحصل إغفاله من بعض المتأخرين، فاستشكل الاستدلال بالآيات على حدتها وبالأحاديث على انفرادها، إذ لم يأخذها مآخذ الاجتماع فكر عليها بالاعتراض نصا نصا، واستضعف الاستدلال بها على قواعد الأصول المراد منها القطع" (١). "وفي اعتباره" أي في اعتبار أن الأدلة إذا عضد بعضها بعضا صارت بمجموعها مفيدة للقطع "في الاستدلال" بما ذكر من النصوص "رفع" وإزالة "لما يعرض" في هذا الشأن"من اشكال" وهو كيف يستدل بالظني في إثبات القطعي. وهو ما أجيب عنه بما تقدم وهو أن الظنيات إذا تضافرت على أمر أفادت فيه القطع، ألا ترى الخمس الضروريات معلومة القطع على البتات. "ألا ترى" أن "الخمس الضروريات" وهي الدين والنفس والمال والعقل والعرض، ووصفها بالضروريات لأن حفظها شرعا ضروري وهي "معلومة" أن حكمها "القطع" من جهة أنها ضرورية بلا ريب، بل "على البتات" أي القطع والجزم، لأن ذلك لا يحصل "بدليل" واحد"معين" في إفادة هذا الحكم "بل" ذلك يحصل بـ "جملة" أدلة متضافرة عليه لا تنحصر في باب واحد وهي التي "افضت" أوصلت "إلى التيقن" والقطع به. قال الشاطبي: "ودليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة، على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة، على حد ما ثبت عند العامة من جود حاتم وشجاعة علي ﵁ وما أشبه ذلك فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه

стр. 98

٩٩ - وَسَائِرُ القَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ … بِهَذِهِ المُثَابَةِ المَرْعِيَّةِ ١٠٠ - وَبِاعْتِبَارِ حَالَةِ المَجْمُوعِ … تَبَايُنُ الأُصُولِ لِلْفُرُوعِ ١٠١ - وَاعْلَمْ بِأَنَّ كُلَّ أَصْلٍ شَرْعِي … ملَائِمٌ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ ١٠٢ - لَمْ يَشْهَدِ النَّصُّ عَلَى التَّعْيِينِ … لَهُ صَحِيحٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ ١٠٣ - مُرْسَلُ الاِسْتِدْلَالِ هَذَا أَصْلُهُ … لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ نَقْلُهُ القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتَّى ألفوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة" (١). "وسائر القواعد" التي تبنى عليها الأحكام الشرعية درجة ثبوتها "بهذه المثابة" أي المقام والمنزلة "المرعية" في إثبات القطع في هذه الضروريات، فالأمر المفضي إلى القطع في ذلك كله واحد، وهو تضافر الأدلة عليه. "و" إذا تقرر هذا فإنه "باعتبار" ومقتضى "حالة المجموع" الذي يعتمد في الأصول على الوجه الذي تقدم، يحصل ويتحقق "تباين" وافتراق "الأصول" من جهة ما تبنى عليه ومن جهة قطعية "الفروع" لأنها يكتفى في إثبات أحكامها بالدليل الظني، كما هو معلوم، وإن كان ظن المجتهد منزلا منزلة العلم في حقه، فإنه ظن باعتبار حقيقته وماهيته المجردة من ذلك الاعتبار. "واعلم بأن كل أصل شرعي" والمقصود به هنا الذي هو "ملائم" يوافق ما هو مقصود ومراد من "تصرفات" أي أحكام "الشرع" بأن يكون مفضيا وموصلا إلى تحقيق مصلحة شرعية، فهذا وإن "لم يشهد" أي يرد فيه "النص" فيذكر فيه "على التعيين" بحيث يذكر فيه بعينه فإنه أصل "له صحيح في أمور الدين" يبنى عليه ويرجع إليه، وذلك لإنه قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به "مرسل الاستدلال" هذا من باب إضافة الصفة للموصوف والأصل الاستدلال المرسل "هذا" الذي ذكر من الأصل الشرعي المذكور يعتبر في بناء الأحكام، "أصله" الذي بني عليه. وقد ثبت "لمالك" بن أنس إمام دار الهجرة "والشافعي" محمد بن إدريس الإمام المعروف "نقله" واستخراجه من الأدلة الشرعية

стр. 99

١٠٤ - وَأَصْلُ الاِسْتِحْسَانِ مَثَّلَ ذَلِكْ … وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الإِمَامِ مَالِكْ ١٠٥ - تَقْدِيمُهُ مُرْسَلَ الاِسْتِدْلَالِ … عَلَى القِيَاسِ الثَّابِتِ الإِعْمَالِ " المقدمة الرابعة " ١٠٦ - كُلُّ مَنُوطٍ بِأُصُولِ الفِقْهِ … لَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ فَرْعٌ فِقْهِي ١٠٧ - فَإِنَّ جَعْلَهُ مَعَ الأُصُولِ … مِنْ جُمْلَةِ التَّشْغِيبِ وَالتَّطْوِيلِ ١٠٨ - كَمِثْلِ لَا تَكْلِيفَ عِنْدَ الشَّرْعِ … إِلَّا بِفِعْلٍ وَابْتِدَاءِ الوَضْعِ واعتماده أصلا "وأصل الاستحسان" - الذي هو في مذهب مالك - على ما ذكره الشاطبي - الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليلٌ كلي "مثل ذلك" الذي تقدم ذكره من أن الأصل الشرعي الملائم لتصرفات الشرع يتخذ أصلا "وهو على رأي الإمام مالك تقديمه مرسل الاستدلال" ترجيحه له "على القياس" الصحيح "الثابت الأعمال" يعني إعماله - فأل نابت عن الضمير - في بناء الأحكام الشرعية قال الشاطبي: في أن كل ما لا تبنى عليه الفروع الفقهية لا ينبغي ذكره في علم الأصول. "المقدمة الرابعة" "كل" شيء "منوط" معلق "بأصول الفقه" وهو في حقيقة الأمر "لا بنبني عليه" أي "فرع فقهي" وإنما يذكر في هذا العلم عرضا، ووصفه بالمعلق للإشعار بأنه ليس إلا ملصقا بهذا العلم، "فإن جعله" وذكره "مع" مسائل "الأصول" ما هو إلا "من جملة التشغيب" أي الانحراف عن الحق والقصد "والتطويل" المذموم، وذلك "كمثل" مسألة "لا تكليف" موجود "عند الشرع" يعني فيما أتى فيه من أمر، أو نهي "إلا بفعل" فالمكلف به في الأمر هو الإتيان بالفعل المكلف به، أما في النهي فالمكلف فيه هو الكف أي الانتهاء، وقيل فعل الضد للمنهي عنه، وقيل الانتفاء للمنهي عنه وذلك مقدور للمكلف بأن لا يشاء فعله الذي يوجد منه بمشيئته، وقيل يشترط قصد الترك في الإتيان بالمكلف به في النهي. وهذا الذي ذكره المصنف تبعًا للشاطبي من أن هذه المسألة لا تتعلق بالفروع فيه نظر، فإن هذه التفاصيل تدل على أن الأمر - هنا - متعلق بما يجب على المكلف أن يكون عليه من قصد وحال في تحقيق الانزجار بمقتضى النهي الشرعي، وهذا من الفقه، لأنَّهُ مبين لهذا الفعل - الترك - "و" كذلك مسألة "ابتداء الوضع" للغة

стр. 100

١٠٩ - وَالأمْرِ لِلْمَعْدُومِ وَالرَّسولُ هَلْ … كَانَ لَهُ تَعَبُّدًا شَرْعُ الأوَلْ ١١٠ - وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ مَا … عَلَيْهِ فِقْهٌ بِالتِي لَهَا انْتَمَى ١١١ - كالنَّحْوِ وَالْبَيَان وَالتَّصْرِيفِ … وَكَالْمَعَانِي الآتِي فِي الْحُرُوفِ ١١٢ - وَكُلُّ مَا أَشبَهَهُ فِي حُكْمِهِ … مِمَّا انْقَضَى الْبَحْثُ بِهِ فِي عِلْمِهِ ١١٣ - لَكِنْ هُنَا مَسْأَلَة خَطِيرَة … وَفي الأصُولِ عِنْدَهُمْ شَهِيرَة وطرق معرفتها، وحقيقة الوضع وكل ذلك إنما يذكر تمهيدا لذكر اللفظ وأقسامه والحروف التي تذكر في هذا العلم بناء على أن اللغة من مستمدات علم الأصول، وذلك يقتضي ذكر هذه المسائل، "و" كذلك "الأمر للمعدوم" الذي لم يوجد ولم يولد بعد بناء على أن الخطاب الإلهي بالتكليف قديم، فهو موجه إلى كل من سبق في علم الله انه سيوجد، إلا انه غير مكلف تكليفا تنجيزيا، وإنما هو مكلف تكليفا معنويا. وهذه المسألة انجرّ الكلام إليها في علم الأصول من مسألة بيان حقيقة الحكم الشرعي "و" كذلك مسألة "الرسول" ﷺ "هل كان له" قبل البعثة "تعبدا شرع" للأمم "الأول" السابقة في العبادات، وهذه مسألة لا يبنى عليها أي فرع فقهي، ولكنها تذكر في أصول الفقه عرضا في مجاري الحديث عن عصمة الأنبياء، وما شابهها. "وليس بـ" الأمر "اللازم" الواجب "أن يكون" كل "ما" يبنى "عليه فقه" مسألة "بالتي لها انتمى" أي انتساب إلى هذا العلم وذلك "كالنحو والبيان والتصريف وكالمعاني الآتي" ذكرها "في الحروف" يعني الحروف التي تذكر في كتب اصول الفقه. فإن ذلك كله مما يستعان به على بناء الأحكام الفقهية بوجه ما، فهي من الوسائل التي يتوسل بها إلى إدراك معاني الأدلة التي يعتمد عليها في بناء القواعد الأصولية كما يعتمد عليها في استخراج الأحكام الفقهية من أدلتها. "وكل ما أشبهه" أي أشبه ما ذكر "في حكمه" بحيث يكون "مما انقضى" أي انتهى "البحث به" أي فيه والنظر، فلم يبق فيه ما يقتضي حاله أن يدرس ويبحث، فجميع جهاته ومواطن النظر والبحث قد درست وبحثت "في علمه" بما فيه غنية وكفاية، وذلك مثل تقاسيم الاسم والفعل والحرف والكلام على الحقيقة والمجاز، والمشترك والمترادف. "لكن" توجد "هنا" يعني في المسائل اللغوية المدروسة في هذا العلم - علم الأصول - "مسألة خطيرة" عظيمة القدر والشأن "وفي "علم "الأصول عندهم شهيرة" عريقة

стр. 101

١١٤ - وَهْيَ الْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ كلُّهُ … كَذَلِكَ السُّنَّةُ أَيْضًا مِثْلُهُ ١١٥ - مِنْ جِهَةِ الْألْفَاظِ وَالْمَعَانِي … وَمُقْتَضَى أَسَالِيبِ الْبَيَان ١١٦ - لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْمُعَرَّبَاتِ … وَكلُّ ذَا بَيَانُهُ سَيَأتِي ١١٧ - وَمَا مِنَ الأصُولِ فِيهِ يَخْتَلِف … وَالْخُلْفُ لَا يَأْتِي بِفِقْهٍ مُؤْتَنِف ١١٨ - فَالأخْذُ بِالتَّصْحِيحِ وَالتَّزْيِيفِ فِي … مَوَاقِعَ الْخُلْفِ مِنَ التَّكَلُّفِ " وهي" مسألة "القرآن عربي كله كذلك السنة أيضا مثله" وهذه المسألة يسوقها الأصوليون للبحث عن كون المعربات موجودة في الكتاب والسنة أم أنها غير موجودة فيهما. والشاطبي يرى أن معنى كون القرآن عربيا الذي هو المبحث الأصولي الحقيقي هو "أن القرآن في ألفاظه ومعانيه وأساليبه عربي بحيث إذا حقق هذا التحقيق سلك به في الاستنباط منه والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنازعها في أنواع مخاطباتها خاصة" (١). وفي ذلك يقول المصنف: "من جهة الألفاظ و" من جهة: "المعاني و" من جهة "مقتضى" حكم "أساليب" وطرق "البيان" ووجوهه، فإنه في ذلك عربي، و "ليس الكلام" في هذه المسألة محله "في المعربات" وهي الكلمات فقط، لأن هذا من علم النحو واللغة، "وكل ذا" الذي ذكره من أن القرآن والسنة عربيان على الوجه المتقدم ذكره "بيانه" وإيضاحه "سيأتي" في كتاب المقاصد - إن شاء الله تعالى -. "و" كل "ما" أي أمر أو موضوع "من الأصول فيه يختلف" ويتنازع "والخلف" فيه "لا يأتي بفقه مؤتنف" مختلف فيه، وإنما الجميع مجمعون على أن الحكم المقهي المبني على ذلك الأصل المختلف فيه واحد. "فالأخذ" والاشتغال "بالتصحيح": جلب الأدلة الدالة على الصحة "والتزييف": جلب الأدلة الدالة على التزييف والسقوط "في مواقع" منصوب بنزع الخافض يعني لمواقع ومواطن "الخلف" ما هو إلا "من التكلف"، فإيراد ذلك في هذا العلم غير سديد،

стр. 102

١١٩ - كالْفَرْضِ تَخْيِيرًا أَوِ الْمَمْنُوعِ … وَحَالَةِ الْكُفَّارِ فِي الْفُرُوعِ " المقدمة الخامسة " ١٢٠ - مَا لَيْسَ يُبْتَنَى عَلَيْهِ عَمَلُ … أَوِ اعْتِقَادٌ مَنْعُهُ لَا يُشْكلُ وذلك "ك" مسألة "الفرض" رد "تخييرا" يعبر عنه بالواجب المخير، ومثاله كفارة اليمين، فإن الكفارة على الحانث واجبة ثم هو مخير فيما يكفر به كما في القرآن الكريم "أو" مسألة "الممنوع" تخييرا، ويعبر عنه بالمحرم تخييرا، ومثاله نكاح الأختين، فمن نكحت منهما فإن أختها محرمة عليك، ثم أنت مخير فيمن تحرم منهما بزواج أختها. "و" كذلك مسألة "حالة الكفار" حكمها "في" شأن تكليفهم بـ "الفروع"، وعبارة الأصوليين: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. وعبارة الشاطبي في هذا الفصل: "وكل مسألة في أصول الفقه يبنى عليها فقه، إلا انه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو ابطاله عارية ايضا كالخلاف مع المعتزلة في الواجب المخير، فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل" (١). وهذا الذي ذكره الشاطبي ووافقه عليه الناظم من أن هذه المسائل متفق على الفروع الفقهية المبنية عليها غير مطلق فإنه قد اختلف في فروع مبنية على الخلاف الأصولي فيها. "المقدمة الخامسة" في أن الخوض في بحث ودراسة ما لا يبنى عليه عمل بدني أو قلبي خوض وبحث فيما لا يستحسن الخوض والبحث فيه شرعا، فيكون المطلوب شرعا هو الانكفاف عنه. وفي ذلك يقول الناظم: كل "ما ليس يبتنى عليه" يعني على العلم به والخوض في بحثه ودراسته "عمل" بدني من حيث هو مطلوب شرعا. "أو" يبتنى عليه "اعتقاد" عمل قلبي مطلوب شرعا "منعه" وطرحه "لا يشكل" بل هو أمر بين ومطلوب.

стр. 103

١٢١ - دَلِيلُهُ أَنَّا رَأَيْنَا الشَّرْعَ لَا … يَسْمَحُ فِيمَا لَا يُفِيدُ عَمَلَا ١٢٢ - وَذَا لَهُ مِن أَوْضَحِ الأدِلَّة … جَوَابُ مَنْ سَأَلْ عَنِ الأهِلَّة ١٢٣ - وَرُبَّمَا قَدْ يُفْهِمُ امْتِنَاعَهْ … جَوَابُ جِبْرِيلَ عَنْ أَمْرِ السَّاعَهْ ١٢٤ - وَقَدْ أَتَى النَّهْيُ عَنِ السُّوَالِ … عَنْ غَيْرِ مَا يُفِيدُ فِي الأعْمَالِ ١٢٥ - وَعَدَمُ اسْتِحْسَانِهِ مِنْ أَوْجُهِ … مِنْهَا التَّشَهِّي وَهْوَ عَنْهُ قَدْ نُهِي و"دليله" يعني والدليل على صحة ما ذكر "أنا" استقرأنا الشريعة، فأدركنا من ذلك و"رأينا" أي علمنا أن "الشرع" لا يجوز و "لا يسمح" للمؤمنين أن يخوضوا ويبحثوا "فيما" في كل أمر "لا يفيد" الخوض والبحث فيه "عملا" مكلفا به "وذا" الذي ذكر، "له" ما يستدل به على صحته من الأدلة ما هو كثير، و"من أوضح الأدلة" على ذلك "جواب" الباري سبحانه "من سأل" من الصحابة رسول الله ﷺ "عن الأهلة" جمع هلال قائلين له ﷺ لم تبد دقيقة، ثم تزيد حتى تمتلئ نورا ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس؟ فأنزل الله - تعالى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩] يقول جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة ومحل دينهم، فلم يجبهم عما سألوا عنه إنما أجابهم بما به ينتفعون، ويكسبهم العلم الذي يوصلهم إلى العمل. "وربما" رب هنا للتكثير إذ ما بعده هو الذي يغلب على ظنه حصوله "قد يفهم امتناعه" ﷺ عن "جواب جبريل" حين سأله "عن أمر الساعة"، كما ورد في حديث عمر المشهور، فقال ﷺ له: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فأخبره أن ليس عنده من ذلك علم، وذلك يبين أن السؤال لا يتعلق به تكليف، ولما كان ينبني على ظهور أماراتها الحذر منها ومن الأفعال التي من امارتها، والرجوع إلى الله عندها أخبره بذلك. "وقد أتى النهي" الشرعي "عن السوال" والاستفهام "عن غير ما" ينفع و "يفيد في "تحصيل "الأعمال" من ذلك قوله ﵊: "فذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبيائهم" ومنه قوله ﷺ : "إن الله كره لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" لأنه مظنة السؤال عما لا يفيد وغير ذلك من النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن، وكلها دالة على أن السؤال الذي لا يطلب به عمل غير مستحسن "وعدم استحسانه" يأتي "من أوجه" متعددة "منها التشهي" أي إتباع الشهوة "وهو "أمر "عنه قد نهى"

стр. 104

١٢٦ - وَالْخَوْضُ فِيمَا شَأْنُهُ لَا يُغْنِي … وَأَنَّهُ شُغْلٌ بِمَا لَا يَعْنِي ١٢٧ - وَأَنَّهُ دَاعِيَةُ النُّفُورِ … مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَالْغُرُورِ ١٢٨ - وَلَا يُقَالُ الْعِلْمُ بِاستِغْرَاقِ … مطَّلَب شَرْعًا عَلَى الاطْلَاقِ ١٢٩ - وَأَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضَ النَّاسِ … مَا فِي الْعُلُومِ كلِّهَا مِنْ بَاسِ شرعا، وقد وردت في ذلك نصوص شرعية قطعية. قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النّجْم: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] ومنها "الخوض" والبحث "فيما شأنه" أمره. "لا يغني" لا يفيد ولا ينفع - والغناء بفتح الغين النفع - "و" منها "أنه شغل بما لا يعني" أي لا يهم من جهة الشرع. "و" منها "أنه داعية" مجلبة "النفور" والتدابر والكراهية و"مظنة" موطن يظن فيه أنه سبب "الفتنة والغرور" بين الناس، فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب، حتى تفرقوا شيعا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني، فذلك فتنة على المتعلم والعالم، واعراض الشارع - مع حصول السؤال - عن الجواب، من اوضح الأدلة على أن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل (١). "ولا" يصح أن "يقال العلم" كله "باستغراق" وشمول لكل أصنافه وأنواعه "مطلب شرعا" - بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام - يقال طلب الشيء وأطلبه بمعنى. ومنه عبد المطلب - فالمطلب والمطلوب معناهما واحد "على الإطلاق" إذ قد جاء الطلب في تحصيله على صيغ العموم والاطلاق، فتنظم صيغة كلّ علم - كيفما كان نوعه -، ومن جملة العلوم ما يتعلق به عمل، وما لا يتعلق به عمل، فتخصيص أحد النوعين بالاستحسان دون الآخر تحكم، "و" يعضد هذا "أنه" الضمير للشأن "قد قال بعض الناس" من أهل العلم "ما في" تعلم "العلوم كلها" والاشتغال بها "من بأس" أي من حرج - والبأس أصله اللغوي: الشدة

стр. 105

١٣٠ - وَأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَة … فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْتَفَى دِرَايَة ١٣١ - وَحَضَّ جَلَّ وَعَلَا عَلَى النَّظَر … فِي مَلَكُوتهِ وَذَاكَ مُعْتَبَر ١٣٢ - وَالْعِلْمُ بِالتَّفْسِيرِ مَطْلُوبٌ وَقَدْ … يَكُونُ فِيمَا لَا لِتَكْلِيفٍ وَرَدْ ١٣٣ - لِأنَّنَا نَقُولَ لَيْس الأمْرُ … كذَاكَ وَالْمَطْلُوبُ ذَاكَ الْقَدَرُ ١٣٤ - وَمَا أَتَى فِي ذَاكَ مِنْ تَنْصِيصِ … مُحْتَمِلُ التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ والخوف - "وأنها" يعني تعلمها "فرض على الكفاية" أن تركها الناس كلهم ولم يتعلمها أي منهم أثموا جميعا. ومن تلك العلوم السحر والطلسمات، وغيرهما، البعيدة الغرض عن العمل، فما بالك بما قرب منه كالحساب والهندسة وشبه ذلك، "فينبغي" بناء على ما ذكر من أن العلوم كلها فرض كفاية "أن تقتفي" أي أن تتبع وتطلب رواية و"دراية" أي فهما، فيروى منها ما يجب أن يروى، ويفهم منها ما حقه أن يفهم - أن يدرى -. "و" يزيد توكيدا لما ذكر من أن جميع العلوم يجب أن تطلب وتدرى أنه سبحانه قد "حض" وحث "جل وعلا" في كتابه العزيز "على النظر" والتأمل "في ملكوته" قال : ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ … ﴾ [الأعرَاف: ١٨٥] "وذاك" دليل "معتبر" في هذا الشأن، وحجة على هذا الذي ذكر، إذ مقتضاه الأمر بالاشتغال بكل علم ظهر في الوجود من معقول، أو منقول، مكتسب أو موهوب. وفي القرآن آيات أخرى قاضية بهذا الحكم. "و" يزيد هذا أيضا أن "العلم بالتفسير" والتأويل للقرآن الكريم "مطلوب" الاطلاع عليه وتحصيله "وقد يكون" بعض ما يحصل منه ويعلم "فيما" أي في أمر خبري، كقصص الأنبياء، وأحوال الخلق، وذلك كله معد فيما "لا" أي ليس "لـ" اجل "تكليف" بعلمه والعمل بمقتضاه "ورد" في القرآن، إنما قد يكون واردا فيه لمقاصد أخرى. وبعدما ساق الناظم هذه الحجج على أن العلوم كلها يجب أن تتعلم من غير فرق بينها، شرع في الرد عليها، قائلا "لاننا نقول" يعني نجيب بأمور: أحدها أنه "ليس الأمر" في هذا الشأن "كذاك" أي مثل ما ذكرتم من أن تعلم العلوم كلها أمر مطلوب "و" إنما "المطلوب" في حقيقة الأمر هو "ذاك القدر" الذي تقدم أنه ما يكون تحته عمل. "و" ثانيها أن "ما أتى" أي جاء وورد "في ذاك" وهو الطلب "من تنصيص" على أن الشارع يدعو إليه فإنه إن كان اللفظ الدال عليه مطلقا فإنه "محتمل التقييد" وبذلك فإنه ليس على إطلاقه. "و" إن كان اللفظ الدال عليه عاما فإنه محتمل "التخصيص" وبذلك فإنه ليس على

стр. 106

١٣٥ - وَالْفَرْضُ مِمَّا ذُمَّ فِي الْعُلُومِ … الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنَ الْمَذْمُومِ ١٣٦ - وَرَدُّ كُلِّ فَاسِدٍ مَمْنُوعِ … بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ فِي الْمَشْرُوعِ ١٣٧ - وَقصَّةُ الرَّدِّ لِسِحْرِ السَّحَره … بِغَيْرِ مَا جَاؤُوا بِهِ مُعْتَبَرَه ١٣٨ - وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ … عَلَى يَدَيْ وَليٍّ أَوْ ذِي عِلْمِ عمومه. بل الأدلة المتقدم ذكرها دالة على جريان التقييد والتخصيص في ذلك حقيقة، والذي يوضح ذلك أمران: أحدهما: أن السلف الصالح من الصحابة لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل، مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب. والثاني: ما ثبت في كتاب المقاصد أن هذه الشريعة أمية لأمة أمية. وبسط هذا يأتي هناك. ثم ذكر ثالثها وهو أنه من المفروض أن يكون العلم المذموم عند الناس هو العلم المذموم شرعا، فقال "والفرض" الأمر المفروض المسلم "مما" يعني، فيما، فمن - هنا - بمعنى في، كقول الشاعر: عسى سائل ذو حاجة إن منعته … من اليوم سؤلا أن ييسر في عند هذا هو ظاهر عبارته، فيكون المعنى - بناء على ذلك - والفرض فيما - والله أعلم - "ذُم في العلوم" وعد فاسدا فيكون الاشتغال به منهيا عنه وباطلا - هو "العلم" الذي ثبت شرعا "أنه من المذموم" يعني أنه المذموم فمن مقحمة زائدة، وذلك جائز على مذهب الفراء وقد ثبت أنه لا بد من علم فاسد، والشرع متكفل ببيان ما هو العلم الفاسد. "و" رابعها: أن فرض الكفاية هو "رد" وإبطال "كل" علم "فاسد" شرعا "ممنوع" تعلمه وكل ذلك إنما يعلم ويثبت "بمقتضى" وحكم "ما جاء في المشروع" أي الشرع. "وقصة الرد" والإبطال "لسحر السحرة بغير ما جاؤوا به معتبرة" في هذا الشأن، فإن موسى لم يعلم علم السحرة الذي جاء به السحرة مع انه بطل على يديه بأمر هو اقوى من السحر، وهو المعجزة، ولذلك لما سحروا اعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم خاف موسى من ذلك، ولو كان عالما به لم يخف، كما لم يخف العالمون به، وهم السحرة" (١). "وقد يكون" أي يحصل "مثل هذا الحكم" الذي حصل على يد موسى ﵇ "على يدي ولي" لله - تعالى - "أو "على يد "ذي علم" من علماء الشريعة، فلم

стр. 107

١٣٩ - وَمَا يُدَاخِلُ فِي الاعْتِبَارِ … بِكُلِّ مَا بَدَا مِنَ الآثَارِ ١٤٠ - تَتَبُّعُ الأمْرِ الْعَسِيرِ فِي الطَّلَبْ … وَكل مَا لَا عَهْدَ فِيهِ لِلْعربْ ١٤١ - فَإنَّ ذَا مِنْ عَادَةِ الْفَلَاسِفَةْ … وَهْيَ لِسُنَّةِ الْهُدَى مُخَالِفَةْ ١٤٢ - وَمَا مِنَ التَّفْسِيرِ فِيمَا لَمْ يَقَعْ … فِي ظِلِّهِ التَّكْلِيفُ فَهْوَ بِالتَّبَعْ يتعين - بناء على ذلك - معرفة تلك العلوم من جهة الشرع، لأنها باطلة وفاسدة، بل من فرض الكفاية ردها وإبطالها. "وما" أي ليس "يداخل في الاعتبار" عملا "بكل ما بدا" أي ظهر "من" الأخبار المذكورة و"الآثار" المنقولة عن السلف في هذا الشأن - و "من" في قوله: من الآثار بيانية لما - "تتبعُ" اسم ما مؤخر، ويدخل السابق خبرها، مقدم، أي "الأمر العسير" الصعب إدراكه ومأخذه "في الطلب" يعني بالطلب وبالبحث عنه، "و" كذلك طلب وتعلم "كل ما" أي كل علم أو أمر "لا عهد فيه" أي به "للعرب" كالعلوم الطبيعية، والأقيسة والحدود المنطقية "فإن ذا" المنهج - وهو طلب حقيقة كل شيء وعلله، والبحث في أمره يعد "من عادة الفلاسفة" وهم من يعبر عنهم بعض الناس بالحكماء. وإتباع الفلاسفة في شأن مثل هذا أمر يجب أن يتقى، وذلك لأن هذه العادة "هي لسنة الهدى" الحق والرشد "مخالفة" لما تقدم من أن كل علم ليس تحته عمل لا يسوغ الاشتغال، به ولا طلبه، ثم إنها على خلاف نهج السلف الصالح في هذا الشأن. "و" أما "ما" يطلب ويدرس "من" مسائل علم "التفسير" وهو قد تقرر عده "فيما" أي في القسم الذي "لم يقع" أي لم يكن "في ظلّه" وما دل عليه من أمور "التكليف" فلم يكن تحته عمل مطلوب الإتيان به شرعا، "فهو "إنما يذكر فيه - في هذا العلم - ويبحث "بالتبع" وبالعرض، فهو غير مقصود لذاته، وإنما يدرس فيه لأنه يتوقف عليه فهم الخطاب، فإذا كان المراد معلوما فالزيادة على ذلك تكلف.

стр. 108

١٤٣ - لِذَلكَ لَمْ يَسَلْ عَنِ الأبِّ عُمَرْ … وَعَنْ تَخَوُّفٍ سُؤَالُهُ صَدَرْ ١٤٤ - وَكُلُّ مَا تَوَقَّفَ الْمَطْلُوبُ … عَلَيْهِ فَهْوَ مِثْلُهُ مَطْلُوبُ ١٤٣ - كالنَّحْوِ وَاللُّغَاتِ وَالتَّفْسِيرِ … وَذَا سَيَأْتِي بَعْدُ فِي التَّقْرِيرِ " المقدمة السادسة " " لذلك لم يسل عن" معنى "الأبّ" الوارد في قوله - تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١]- "عمر" بن الخطاب ﵁ قال الشاطبي: "وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية، إذ هو مفهوم من حيث اخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان انه انزل من السماء ماء فأخرج به اصنافا كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة، كالحب والعنب والزيتون، والنخل، ومما هو طعامه بواسطة مما هو مرعي للاغنام على الجملة، فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الافراد فضلا على الإنسان أن لا يعرفه. فمن هذا الوجه - والله أعلم - عد المبحث عن معنى الأب من التكلف، وإلا فلو توقف عليه فهم المعنى التركيبي من جهته لما كان من التكلف، بل من المطلوب علمه، لقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] (١). "و" لذلك "عن" كلمة "تخوف" الوارد في قوله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النّحل: ٤٧] "سؤاله صدر" ووقع، فأجابه الهذلي بأن التخوف في لغتهم التنقص، وأنشد شاهدا عليه: تخوّف الرحل منها تامكًا قَرِدا … كما تخوّف عود النّبْعَةِ السَّفَنُ "و" هذا حكم "كل ما يتوقف" على معرفته معرفة "المطلوب عليه فهو مثله مطلوب" لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مثل ما سأل عنه عمر - هنا - وذلك "كالنحو" "و" ألفاظ "اللغات" "و" علم "التفسير" "و" كل "ذا سيأتي بعد في التقرير" لمسائل هذا العلم وقواعده. "المقدمة السادسة" في أن الطريق التقريبي في بيان ما تطلب معرفته هو الطريق الذي ينبغي المضي عليه في التفسير لمعاني لنصوص الشرعية وغيرها.

стр. 109

١٤٦ - وَمَا بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَطْلُوبِ … لَهُ طَرِيق أَوَّلٌ تَقْرِيبِي ١٤٧ - مُسْتَعْمَلٌ لِلشرْعِ فِي الأمُورِ … مُوَصِّلٌ يَلِيقُ بِالجُمْهُورِ ١٤٨ - إِذْ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْعَرَبِ … وَالشَّرْعُ جَاءَ بِلِسَانٍ عَرَبِي ١٤٩ - كسَائِلٍ عَنِ النُّجُومِ قُلْتَ مَا … تُبْصِرُهَا لَيْلًا تُضِيءُ فِي السَّمَا وفي ذلك يقول "وما به" تحصل "معرفة" الأمر "المطلوب" إدراكه والعلم به سواء كان تصورا أو تصديقا "له" يعني في ذاته وحقيقته - كما تقول زيد له جسم، فالجسم هو زيد نفسه - طريقان وهما "طريق أول" مقدم على الثاني لأنه "تقريبي" يذكر فيه ما هو قريب وسهل فهمه والإفهام به، ثم انه "مستعمل للشرع" يعني لصاحب الشرع وقوله "مستعمل للشرع" هو مثل قولك: فلان محبوب زيد، أي يحبه زيد ومثل هذا كثير في كلام العرب، فيكون معنى قوله مستعمل للشرع يعني يستعمله الشرع، ثم بين محل هذا الاستعمال فقال "في"بيان "الأمور" التي يريد بيانها للناس، ثم إنه أي - هذا الطريق - "موصّل" مبلغ إيصاله وتبليغه به من العلم، والمعرفة والبيان، ثم انه الطريق الذي "يليق بالجمهور" وعامة الناس، إذ هو الأسهل في البيان، لقرب مضامينه إلى عامة العقول والافهام. و"إذ هو مقتضى" حال "كلام العرب" من جهة البيان والإفهام، فمن عادة العرب التخاطب بما تفهمه الجماهير ويدرك المراد به عامة الناس، "و" خطاب "الشرع جاء بلسان عربي" فكان البيان في الشريعة على وفق ذلك، كما قال ﵊: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" ففسره بلازمه الظاهر لكل احد. وكما تفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة من حيث كانت أظهر في الفهم منها. ومقتضى هذا كله أن الأخذ بهذا الطريق في البيان وتبليغ المعارف أفضل، وذلك بأن يصور ما يراد تصويره بما يسهّل إدراكه ومعرفته، وذلك يفرض مسألة في "كسائل" سألك "عن" معنى "النجوم" فأجبته و"قلت" له هي "ما تبصرها ليلا" وهي التي "تضيء في السما" فهذا الجواب لا يحتاج ذلك السائل في فهم معناه إلى رفع عينيه إلى السماء ليلا، فإدراكه له سهل وقريب، هذا هو الطريق الأول وهذه هي صورته.

стр. 110

١٥٠ - ثمَّ لَه أَيْضًا طَرِيقٌ ثَان … لَا يَشْمَل الْجُمْهورَ بِالْبَيَان ١٥١ - فَبعْدُهُ عَنِ الطِّبَاعِ أَهْمَلَهْ … وَصَدَّة عَنِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهْ ١٥٢ - وَمقْتَضَاهُ طَلَبُ الْمَحْدُودِ … مَعْرِفَةً مِنْ جِهَةِ الْحُدُودِ ١٥٣ - كَذَلِكَ التَّصْدِيقُ حَيْث تَأتِي … مقَدِّمَاتة ضَرُورِيَّاتِ " ثم له" أي لما ذكر من معرفة المطلوب "أيضا طريق" آخر "ثان" خاص بأرباب المبحث عن حقائق الأشياء وماهياتها وأوصافها الذاتية وهذا الطريق "لا يشمل الجمهور" "بـ" ما يتضمنه من "البيان" و التفسير و التصوير "فبعده عن" مناسبة وموافقة "الطباع" والمدارك العادية التي يسهل على الجمهور اخذ المعارف منها "أهمله" كان موجبا لإهماله في مجال التخاطب والإفهام والحوار العادي بين الناس، "وصده" أي منعه وصرفه "عن اعتبار" صاحب "الشرع له" في بيانه لأحكامه وشرائعه وما انزله من علوم ومعارف في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ؛ وذلك لأن مسالكه صعبة المرام على الناس ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. "و" هذا الطريق "مقتضاه" الذي يقتضيه ويوجبه العمل به هو "طلب المحدود معرفة" يعني طلب معرفة ما يراد تحديده - تعريفه وبيانه - "من جهة الحدود" يعني من الجهة التي يمضى عليها في وضع الحدود على الطريقة المنطقية، كما إذا سئل عن الملك فيجاب "ماهية مجردة عن المادة أصلا"، أو يقال: "جوهر بسيط ذو غاية ونطق عقلي" أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه "جسم بسيط كروي مكانه الطبيعي نفس الفلك من شأنه أنْ ينير متحرك عن الوسط غير مشتمل عليه " - وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب، ولا يوصل إليها إلا بعد قطع ازمنة في طلب تلك المعاني، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا، ولا كلف به. هذا شأن التصور وحاله، وأما التصديق فإنه يطلب فيه أن تكون مقدماته ضرورية أو ما يقرب منها، فإن ذلك هو ما عليه أسلوب الخطاب الشرعي، وعليه قيامه في هذا الشأن. قال الناظم "كذلك" يعني كما يطلب أن يكون الخطاب التصويري للجمهور تقريبيا لما تقدم ذكره كذلك "التصديق" فإنه يكون لائقا بالجمهور إدراكه "حيث" أي في أي موضع - دليل - "تأتي مقدماته" أي ذلك الدليل حالة كونها "ضروريات" وهي التي يجزم العقل بثبوتها من غير حاجة إلى نظر وتأمل.
следующие страницы →