← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢٨٧ - بِشَرْطِهِ أَنْ يَحْصُلَ بَلْ عِنْدَهُ … فِي الْعِلْمِ مَا يَفْهَمُ مِنْهُ قَصْدَهُ ٢٨٨ - وَفي اصْطِلَاحِ أَهْلِهِ مَا يُعْتَبَرْ … وَمَا يَتِمُّ مَعَهُ حُكْمُ النَّظَرْ ٢٨٩ - مَعَ تَحَرِّي كتْبِ مَنْ تَقَدَّمَا … فِي كلِّ مَا مِنَ الْعُلُومِ يَمَّمَا ٢٩٠ - فَالْقُدَمَاءُ بِالْعُلُومِ أَقْعَدُ … بِذَاكَ تَجْرِيبٌ وَنَقْلٌ يَشْهَدُ والمراجعة إلا "بشرطه بل" يجب أن يحصل عنده "في العلم" المطلوب من قوة الإدراك والنظر "ما يفهم منه" أي ذلك العلم "قصده" يعني مقاصده. "و" ذلك يوجب أن يكون عنده "في اصطلاح أهله" أي أهل ذلك العلم "ما يعتبر" العلم به ممكنا من ذلك الفهم "وما يتم معه حكم النظر" في كتب ذلك العلم. ولا شك أن العلم بالمصطلحات العلمية لا تحصل إلا بأخذها عن أهل العلم بها مشافهة، فتكون هذه الطريق بهذا الاعتبار تابعة للطريق الأول، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله "و للطريق الأولي تابع"، فيكون هذا متوقفا على ذاك، هذا هو الشرط الأول، والثاني ذكره بقوله "مع" وجوب "تحري" أي قصد "كتب من تقدما" من أهل العلم "في كل ما" أي في كل علم "من العلوم "التي "يمما" يعني قصد بالطلب وأراد فهمه والعلم به "فالقدماء" أي وذلك لأجل أن القدامى من أهل العلم - الأئمة المؤسسين وأصحابهم ومن على دربهم - "بالعلوم أقعد" أولى من المتأخرين - يقال فلان أقعد من فلان: إذا كان أقرب منه - "بذاك" الذي ذكره من كون القدامى أقعد بالعلوم "تجريب" وواقع الحال "ونقل" أي ما ورد من النصوص في هذا الشأن "يشهد" يعني يشهدان إلا أنه استغنى بصيغة الإفراد - يشهد - عن التثنية لظهور المراد. "أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان؛ فالمتأخر، لا يبلغ من الرسوخ في العلم ما بلغه المتقدم. وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري، فأعمال المتقدمين - في إصلاح دنياهم ودينهم - على خلاف أعمال المتأخرين وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين؛ والتابعون ليسوا كتابعيهم؛ وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم، أبصر العجب في هذا المعنى، وأما الخبر ففي الحديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك. وروي عن النبي ﷺ : "أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض" ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئا بعد شيء. ويندرج ما نحن

стр. 142

" المقدمة الثالثة عشرة " ٢٩١ - وَأَيُّ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ قَدْ … يُعَدُّ فِي الْفِعْلِ إِمَامًا يُعْتَمَدْ فيه تحت الإطلاق. وعن ابن مسعود أنه قال: "ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام ويثلم". ومعناه موجود في الصحيح في قوله: ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون. وقال ﵇: (إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء.) قيل: من الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل" وفي رواية قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس". وعن أبي إدريس الخولاني: إن للإسلام عرى يتعلق الناس بها، وإنها تمتلخ عروة عروة. وعن بعضهم: تذهب السنة سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة وتلا أبو هريرة قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] ثم قال: والذي نفسي بيده ليخرجن من دين الله أفواجا، كما دخلوا فيه أفواجا. وعن عبد الله قال: أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ قالوا نعم، كما ينقص صبغ الثوب، وكما ينقص سمن الدابة. فقال عبد الله: ذلك منه. ولما نزل قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بكى عمر، فقال ﵇: "ما يبكيك؟ " قال: يا رسول الله، إنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل، فلم يكمل شيء قط إلا نقص. فقال ﵇: "صدقت". والأخبار هنا كثيرة، وهي تدل على نقص الدين والدنيا وأعظم ذلك العلم، فهو إذا في نقص بلا شك (١). "المقدمة الثالثة عشرة" في أن كل أصل علمي إنما يصح اتخاذه إماما على كل حال إذا كان الحكم والعمل به مطردا في الواقع ومجاري العادات، فإن تخلف عنه هذا الشرط فإنه لا يتخذ أصلا ولا قاعدة شرعية. قال الناظم: "وأي أصل من أصول العلم قد يعد" في ظاهر أمره "في الفعل" أي العمل "إماما" ودليلا "يعتمد" عليه في ذلك الفعل - العمل - "فإنه" لأجل اتخاذه إما ما

стр. 143

٢٩٢ - يُنْظَرُ لِلْمَعْنَى الذِي قَدْ احْتَمَلْ … فَإنْ يَكُنْ يَجْرِي بِهِ ذَاكَ العَمَلْ ٢٩٣ - عَلَى مَجَارِي مِثْلِهِ فِي الْعَادَةْ … صحَّ فِي الاقْتِضَاءِ لِلإفَادَةْ ٢٩٤ - وَإِنْ يَكُنْ فِيهِ انْخِرَامُ رُكْنٍ … أَوْ نَقْصُ شَرْطٍ فَهْوَ غَيْرُ مُغْنِ وأصلا شرعيا في ذلك ومعرفة جريان ذا الحكم عليه "ينظر للمعنى" أي للحكم المقتضى "الذي قد احتمل" أي احتمله ذاك الأصل ودل عليه بظاهره "فإن يكن يجري به" أي بما يقتضيه "ذاك العمل" الذي اقتضاه "على مجاري "جمع مجرى ظرف مكان، محل الجري - والمراد بالمجاري - هنا - الطرق، أي على طرق "مثله" من الأصول سواء كانت عقدية أو فقهية "في العادة" التي تقررت على أن الأصول المعتمدة يمتنع أن يتخلف مقتضاها، فإن كان كذلك "صح" العمل والأخذ به "في الاقتضاء" والحكم الذي يدل عليه، وذلك "للإفادة" التي تجنى منه وتؤخذ. "وإن يكن" قد حصل "فيه" أي في ذلك الأصل "انخرام" سقوط "ركن" من الأركان التي يكون بها حكمه مطردا في الجزئيات المنظومة تحته "أو نقص شرط" فيه يتوقف على وجوده كونه أصلا معتمدا "فهو "أي ذاك الأصل "غير مغن" أي غير مفيد، فلا يصح اتخاده أصلا معتمدا في هذه الشريعة الغراء. وبيان ذلك: "أن العلم المطلوب إنما يراد - بالفرض - لتقع الأعمال في الوجود على وفقه من غير تخلف، سواء كانت تلك الأعمال قلبية، أو لسانية، أو من أعمال الجوارح، فإذا خرجت في المعتاد على وفقه من غير تخلف، فهو حقيقة العلم بالنسبة إليه؛ وإلا لم يكن بالنسبة إليه علما، لتخلفه، وذلك فاسد لأنه من باب انقلاب العلم جهلا. ومثاله: في علم الشريعة الذي نحن في تأصيل أصوله أنه قد تبين في أصول الدين امتناع التخلف في خبر الله تعالى، وخبر رسول الله ﷺ ؛ وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاف؛ وألحق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد. فإذا كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري فلم يطرد، ولا استقام بحسبها في العادة، فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة يستند إليها" (١).

стр. 144

٢٩٥ - وَذَاكَ فِي مَجْرَى الأسَالِيبِ يَقَعْ … فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ حَيْثُ وَقَعْ ٢٩٦ - كَذَا يُرَى فِي الْفَهْمِ لِلأقْوَالِ … وَفي الدُّخُولِ بَعْدُ فِي الأعْمَالِ ٢٩٧ - وَذَا الأخِيرُ عُمْدَةٌ فِي الْمَسْأَلَةْ … وَالأصْلُ فِي الْمَصَالِحِ الْمُسْتَعْمَلَةْ " وذاك" التخلف عن مجاري العادات وعدم الاستقامة على سنن الأصول المعتبرة يحصل "في مجرى" يعني في مجاري مفرده مجرى - بضم الميم - أي ما تجري أي تحمل - فالمجاري - على هذا المعنى - محامل "الأساليب" طرق الكلام والمراد بها هنا السياق العام - اللواحق والسوابق - "يقع" فإنه قد يعرض في حمال اللفظ على ظاهره ما يفسد جريان الفهم في الأسلوب والسياق الذي به يعلم المراد من ذلك الكلام، وإذا تقرر ذلك "فـ" إنه "ينبغي" يعني يجب "اعتباره" الأسلوب والسياق وبناء الحكم عليه "حيث وقع" مثل قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فهذه صيغة عموم تقتضي في ظاهرها دخول كل مطعوم، وأنه لا جناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جملته الخمر، لكن هذا الظاهر يفسد جريان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر، لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فكان هذا نقضا للتحريم، فاجتمع الإذن والتحريم معا، فلا يمكن للمكلف امتثال (١). "كذا يرى" يقع هذا التخلف عن الاطراد "في الفهم للأقوال" وهذا يجري في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤١] إن حمل على أنه إخبار لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله. فلا يمكن أنْ يكون المعنى على ما يصدق الواقع ويطرد عليه وهو تقرير الحكم الشرعي فعليه يجب أنْ يحمل". (١) "و" كذلك يقع هذا التخلف "في الدخول بعد" تحصيل العلم المطلوب "في الأعمال" وذلك أنْ طرد العمل قد يعرض فيه ما يوقع في المشقة والحرج. "وذا الأخير" وهو عروض هذا التخلف في الأعمال "عمدة في "هذه "المسألة" التي عقدتها هذه المقدمة، وهي المقصود بالذات "و" هي أيضا "الأصل في "اعتماد" المصالح المستعملة" يعني المرسلة ولو قال المسترسلة لكان أفضل.

стр. 145

٢٩٨ - وَأَصْلُ الاسْتِحْسَان وَالْبَيَانِ … لِمُشْكِلِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآن ٢٩٩ - وَضِمْنَهُ الرُّخْصَةُ مِنْهُ تُقْتَنَصْ … فَإنَّهُ الْحَاكِمُ فِي بَابِ الرُّخَصْ ٣٠٠ - وَقَدْ بَدَا مَعْنَى ذَا الأصْلِ وَظَهَرْ … تَأْصِيلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرْ ٣٠١ - وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ بَدَا … أَوْقَعَ أَهْلَ الزَّيْغِ فِي مَهْوَى الرَّدَى " و" هو أيضا "أصل الاستحسان" الذي يقول به بعض أهل العلم "و" هو - كذلك أصل "البيان" الذي يكون "لمشكل السنة والقرآن" ممن تكلم في ذلك "وضمنه" أي ما ينطوي عليه من حكم ويؤخذ منه "الرخصة" أي أحكامها فإنها "منه تقتنص أي تؤخذ وتدرك "فإنه" أي ما ذكر من طرح ما يخرج إلى الحرج والمشقة من عموم الدليل وإطلاقه هو الدليل "الحاكم في باب الرخص". وفي جملة هذا الذي تقدم، قال الشاطبي: "وأما الدخول في الأعمال فهو العمدة في المسألة وهو الأصل في القول بالاستحسان والمصالح المرسلة لأن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه إلى الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعا أو عقلا، فإنه غير جار على استقامة ولا اطراد، فلا يستمر الإطلاق. وهو الأصل أيضا لكل من تكلم في مشكلات القرآن والسنة لما يلزم في حمل مواردها على عمومها أو إطلاقها من المخالفة المذكورة، حتى تقيد بالقيود المقتضية للاطراد والاستمرار فتصح. وفي ضمنه تدخل احكام الرخص إذ هو الحاكم فيها، والفارق بين ما تدخله الرخصة وما لا تدخله" (١). ومعنى أن الرخص تؤخذ من هذا انها تنشأ عنه، فإذا تعذر حمل الدليل العام على العموم في العمل، كانت الرخصة مستحبة على ما لا يتعذر فيه ذلك، فكانت مأخوذة من هذا الأصل وهو عدم استمرار العمل بما يفضي إلى الحرج والمشقة من الأدلة العامة والمطلقة "وقد بدا" أي ظهر "معنى ذا الأصل" وما هو المراد به "وظهر" كذلك "تأصيله" أي كيف وقع تأصيله، وما بني عليه "فينبغي" يعني انه يجب "أن يعتبر" حكمه ومقتضاه "وعدم اعتباره حيث" أي في المحل الذي "بدا" أي ظهر أنه يجب فيه اعتباره والعمل بمقتضاه، "أوقع اهل الزيغ" والضلال من الفرق المجانبة لسبيل أهل الصراط المستقيم "في مهوى" أي في مسقط محل السقوط في "الردا" الهلاك.

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذلك لأن تلك الفرق لم تعمل بهذا الأصل وهو الدليل العام - الأصل - العام والمطلق لا يحملان على ظاهريهما، اللذان هما الاستغراق والشمول، إذا كان ذلك الحمل يوقع في الحرج والمستحيل شرعا وعقلا أو أحدهما - وإنما ذهبت إلى حمل الأدلة العامة والمطلقة على ظواهرها من غير التفات إلى هذا الأصل. قال الشاطبي - في شأن هذا الأصل -: ومن لم يلاحظه في تقرير القواعد الشرعية لم يأمن الغلط، بل كثيرا ما تجد خرم هذا الأصل في أصول المتبعين للمتشابهات، والطوائف المعدودين في الفرق الضالة عن الصراط المستقيم. كما أنه قد يعتري ذلك في مسائل الاجتهاد المختلف فيها عند الأئمة المعتبرين والشيوخ المتقدمين" (١).

стр. 147

كتاب الأحكام ٣٠٢ - وَهْيَ بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ الشَّرْعِي .. قِسْمَان لِلتَّكْلِيفِ أَوْ لِلْوَضْعِ خطاب التكليف ٣٠٣ - فَمَا بِهِ التَّكْلِيفُ لِلأنَامِ … مُنْحَصِرٌ فِي خَمْسَةِ الأحْكَامِ وفيها مسائل: " المسألة الأولى " ٣٠٤ - إِنَّ الْمُبَاحَ تَرْكُهُ كَفِعْلِهِ … لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ بِحُكْمِ أَصْلِهِ كتاب الأحكام "كتاب الأحكام" الشرعية، واحدها حكم؛ وهو "خطاب الله - تعالى - المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف". "وهي" أي هذه الأحكام "بمقتضى" التكليف حال "الخطاب الشرعي" المذكور"قسمان "الأول: الأحكام التي "للتكليف" ويطلق عليها الأحكام التكليفية والخطاب الدال عليها يسمى خطاب التكليف "أو" بمعنى الواو لا يعني الثاني: الأحكام التي "للوضع" وتسمى الأحكام الوضعية والخطاب الدال عليها يسمى خطاب الوضع. وبيان ذلك يأتي مفصلا. "خطاب التكليف" "فما" أي فالخطاب الذي "به" يقع "التكليف" ويحصل والتكليف: الإلزام بما فيه كلفة "للأنام" أي المكلفين "منحصر في خمسة الأحكام" وهي الواجب، والمندوب والحرام والمكروه والمباح. وبعضهم زاد عليها خلاف الأولى. وبعضهم العفو، والمشهور الذي عليه جماهير علماء المسلمين أنها خمسة الأولى "وفيها" يعني في بيانها وكشفها تذكر "مسائل" يفضي العلم بها إلى ذلك. "المسألة الأولى" من تلك المسائل هي: "إن المباح" من حيث مباح - من غير اعتبار ما قد يعرض فيه من أحكام أخرى - "تركه كفعله" فليس بينهما تفاوت في نظر الشارع، إذ "ليس بمطلوب" فعله ولا تركه وذلك "بحكم" أي بمقتضى "أصله" الذي هو

стр. 148

٣٠٥ - بَلْ هُوَ مَوْكولٌ إِلَى الْمُكَلَّفِ … كَالشَّانِ فِي مُكَفِّرَاتِ الْحَلِفِ ٣٠٦ - أَوْ لَازِمٌ مَا لَيْس فِي اسْتِطَاعَهْ … مِنْ كَوْنهِ مَعْصِيَةً وَطَاعَهْ ٣٠٧ - وَمَعَ ذَا لَوْ كَانَ شَرْعًا يُطْلَبُ … لَعُدَّ طَاعَةً بِهَا التَّقَرُّبُ ٣٠٨ - فَكَانَ لَازِمًا عَلَى الإِطْلَاقِ … نَذْرًا وَمَا يَلْزَمُ بِاتِّفَاقِ " فصل الزهد والزهد مطلوب بحكم القصد " أن المباح هو المخير فيه بين الفعل والترك من غير مدح ولا ذم، لا على الفعل ولا على الترك. "بل هو موكول" أي مسند أمره "إلى المكلف" فإن شاء أن يفعله فعله، وإن شاء أن يتركه تركه "كالشأن" أي يعني الحكم الذي ورد "في مكفرات الحلف" اليمين، وهو الاختيار بين الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، "أو لازم" يعني أنه إن لم يكن المباح موكولا إلى اختيار المكلف مع تحقق كونه مستوى الطرفين: الفعل والترك شرعا، فإنه يرد هنا لازم، وهو فعل "ما ليس في استطاعة" المكلف فعله ولا هو معقول في ذاته، وهذا اللازم الدال على استحالة آت "من كونه" إن قلنا أنه مطلوب الترك "معصية" وإن قلنا أنه مطلوب الفعل "طاعة" فيكون من فعله مطيعا بفعله، ومن تركه مطيعا بتركه من حيث كانا مستويين بالنسبة إليه، وهذا غير صحيح باتفاق، ولا معقول في نفسه. "و" يزاد "مع ذا" هذا الدليل دليل آخر وهو أنه "لو كان" المباح "شرعا يطلب لعد طاعة" يكون "بها التقرب" لله رب العالمين فكان أي فصار"لازما" واجبا شرعا "على الإطلاق" إذا كان "نذرا" سواء نذر فعله أو تركه "وما يلزم" أي ليس يجب شرعا "باتفاق" أي بإجماع المسلمين. فناذر ترك المباح لا يلزمه الوفاء بنذره، وهو ترك ذلك المباح، وأنه كناذر فعله، وفي الحديث "من نذر أن يطيع الله فليطعه" فلو كان المباح طاعة للزم بالنذر، لكنه غير لازم، فدل على أنه ليس بطاعة. "فصل الزهد والزهد مطلوب بحكم القصد" ذهب الكعبي عبد الله بن أحمد البلخي الخراساني أحد أئمة الاعتزال إلى أن كل مباح عند النظر إليه بانفراد يظهر بأنه واجب باعتبار أنه ترك به الحرام. وباعتبار أنه حسن، وباعتبار أنه من أضداد الحرام. والأصوليون على رد هذا الرأي. متفقون.

стр. 149

٣٠٩ - وَمَا رَأَى الْكَعْبِيُّ فِي شَأْن الطَّلَبْ … لِلْفِعْلِ مَرْدُودٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبْ ٣١٠ - وَلَا يُقَالُ التَّرْكُ بَابُ الزُّهْدِ … وَالزُّهْدُ مَطْلُوبٌ بِحُكْمِ الْقَصْدِ ٣١١ - فَإنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا سَلَفْ … مِنْ فِعْلِهِ عَنِ الرَّسُولِ وَالسَّلَفْ ٣١٢ - وَالزُّهْد إِنْ يُنْظَرْ لِحُكْمِ أَصْلِهِ … تَرْكُ الْمُبَاحِ جَائِزٌ لِمِثْلِهِ ٣١٣ - وَمَعَ ذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا وَقَعْ … فِي مُطْلَقِ الْمُبَاحِ حَيْثُ مَا وَقَعْ ٣١٤ - لَا فِي الذِي تَدْخُلُهُ سَوَابِقْ … وَلَا قَرَائِن وَلَا لَوَاحِق قال الناظم: "ومما رأى الكعبي" وذهب إليه "في شأن" شمول "الطلب للفعل" المباح بناء على أن كل مباح به يحصل ترك الحرام، وترك الحرام واجب فيكون كل مباح واجبا إذن رأي "مردود" وغير مقبول وذلك لما يفضي إليه ذلك من القول "بـ" جواز "ترك الواجب" بناء على أن المباح يجوز تركه، فلو كان واجبا لكان ترك الواجب جائزا، وهذا باطل بالاتفاق "ولا" يصح أن "يقال: الترك" للملذات والشهوات هو "باب الزهد" الذي هو من الرغبة والحرص على الدنيا "والزهد مطلوب" شرعا "بحكم" ومقتضى "القصد" إليه، وإتيانه بنية التقرب به إلى الله - سبحانه - وإنما لا يصح هذا ولا يجري حكمه "فإنه" - الفاء تعليلية - أي لأنه "معارض بما سلف" ذكره يشير إلى ما ذكره صاحب الموافقات وتركه الناظم اختصارا "من فعله" أي المباح وإتيانه المنقول "عن الرسول" ﷺ فقد كان ﷺ يحب الحلواء والعسل ويأكل اللحم، ويختص بالذراع، وكانت تعجبه، وكان يستعذب له الماء، وينقع له التمر والزبيب، ويتطيب بالمسك، ويحب النساء "و" كذاك عن "السلف" الصالح من الصحابة والتابعين والعلماء المتقين "و" يزاد على هذا أن "الزهد أن ينظر لحكم" ومقتضى"أصله" وحقيقته التي هي الرغبة عن ملذات الدنيا، يلفى أنه ما هو إلا "ترك" فعل "المباح جائز" فعله وتركه "لـ" مباح آخر "مثله" فالإمساك الانكفاف عن الملذات المباحة أمر مباح جائز فعله وتركه. "ومع ذا" كله "الكلام" في أصل هذه المسألة "إنما وقع" وسيق "في مطلق المباح" أي فيما يطلق عليه لفظ المباح من حيث هو مباح متساوي الطرفين، "حيثما" أي في أي موضع "يقع" ويرد "لا" أن كلامنا "في" المباح "الذي تدخله سوابق" كالمال إذا سبق جمعه قصد محرم - هذا ما ظهر لي مثالا والله أعلم "ولا" في الذي تصبحه "قرائن" يعني أمورا مقارنة له كالخيل إذا ربطها صاحبها تعففا، ولكنه نسي حق الله في رقابها "ولا" في الذي تلحقه "لواحق"

стр. 150

٣١٥ - وَإِنْ أَتَى مَا يَقْتَضِي مَعْنَى الطَّلَبْ … لِفِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ فَتَفْصِيلٌ وَجَبْ ٣١٦ - وَهْوَ الْمُبَاحُ مِنْهُ مَا قَدْ يَخْدُمُ … سِوَاهُ أَوْ لَيْسَ كَذَاكَ يُعْلَمُ ٣١٧ - فَإِنْ يَكُنْ يَخْدُمُ أَصْلًا أَوَّلَا … ضَرُورَةً أَوْ حَاجَةً أَوْ مُكْمِلَا ٣١٨ - فَفِعْلُ ذَا لِأجْلِهِ مَطلُوبُ … مِنْ جِهَةِ الشَّارعِ أَوْ مَحْبُوبُ ٣١٩ - وَمِثْلُهُ يَجِيءُ فِي الْقُرْآنِ … فِي مَعْرِضِ النُّعْمَى وَالامْتِنَانِ كالمال إذا لم تؤد زكاته. فهذا كله ليس الكلام فيه - هنا - لأنَّهُ ليس من المباح المتساوي الطرفين، إذ قد ورد عليه ما يخرجه عن ذلك من الأمور المذكورة، فصار غير مباح من تلك الجهة. "و" أما "إن أتى" أي جاء من كلام الشارع "ما يقتضي معنى الطلب" وهو الرجحان "لفعل" ما على تركه "أو "رجحان "ترك" لفعل ما "فـ" إن ذلك في بيانه "تفصيل واجب" ذكره لذلك "و" هذا التفصيل هو أن "المباح منه ما يخدم" باعتباره وسيلة "سواه" من الأحكام الأخرى، وهذا هو الضرب الأول "أو ليس كذلك" فلا يخدم شيئًا من ذلك، وهو بذلك "يعلم" ويعرف وهذا هو الضرب الثاني. "فإن يكن" أي المباح "يخدم أصلا" مقصودا للشارع "أولا" قصدا أوليا، وهو - أي ذلك الأصل إما أن يكون "ضرورة" كإقامة الحياة، فإن كل ما يخدمها يكون مطلوبا من هذه الجهة، كالأكل والشرب ونحوهما، فإن أمر به فإنه ما أمر به أنه لخدمته هذا الأصل. وقد يكون "حاجة" ككل معاملة لا يتوقف عليها حفظ الضروريات الخمس كالقراض والمساقاة والسلم. وقد يكون "مكملا" لما ذكر كمكارم الأخلاق - ويعبر عن هذا بالتحسيني، "فـ" إن يكن - المباح - من هذا الصنف، وهو أن يخدم ما تقدم "فعل ذا" أي هذا المباح "لأجله" أي لأجل هذا الذي يخدمه "مطلوب" إن كان يخدم ما هو ضروري أو حاجي "من جهة الشارع أو محبوب" إن كان يخدم ما هو تكميلي "ومثله" أي مثل هذا الضرب من المباح "يجيء" مأمورا به "في القرآن" وذلك "في معرض" يعني في مساق ذكر "النعمى" - بضم النون - النعمة الإلهية على الخلق "والامتنان" بها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] وقوله - سبحانه - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]. هذا هو الضرب الأول من المباح الذي يخدم سواه وأما الثاني فإنه الذي يخدم ما ينقص

стр. 151

٣٢٠ - وَمَا يَكُونُ خَادِمًا مَا يَنْقُضُ … أَصْلًا فَإِنَّ فِعْلَ هَذَا مُبْغَضُ ٣٢١ - وَلَيْسَ بِالأَحَقِّ كَالطَّلَاقِ … إِلَّا لِمَا عَارَضَ كَالشِّقَاقِ ٣٢٢ - وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ لَهُ مَخْدُومُ … فَفِعْلُهُ كَمِثْلِ ذَا مَذْمُومُ ٣٢٣ - لِأَنَّهُ لَهْوٌ وَشُغْلٌ شَاغِلُ … بِغَيْرِ مَا يُنَالُ مِنْهُ طَائِلُ ٣٢٤ - كِلَاهُمَا مُسْتَنِدٌ لِلْخَبَرِ … وَيَقْتَضِيهَا صَحِيحُ النَّظَرِ أصلا شرعيا قال الناظم "و" أما "ما" أي المباح الذي "يكون خادما" أي وسيلة "ما" أي أمرا "ينقض" ويهدم "أصلا"من الأصول الثلاثة المعتبرة، وهي الضروريات - والحاجيات - والتحسينيات "فإن فعل هذا" وإن كان مباحا" مبغض" مكروه شرعا "وليس بالأحق" والأولى بالفعل، وذلك "كالطلاق" فإنه أبغض الحلال إلى الله، "إلا" أنه مباح "لـ" أجل "ما عارض" وطرأ من موجباته، وذلك "كالشقاق" بين الزوجين والخوف من عدم إقامة حدود الله. "و" أما "إن يكن" مباح ما "ليس له مخدوم" سواء كان مطلوبا أو غير مطلوب "ففعله" أي هذا الصنف من المباح "كمثل ذا" الذي تقدم أنه مبغض، فهو "مذموم" شرعا "لأنَّهُ لهو" لعب "وشغل شاغل بغير ما ينال" أي يدرك ويحصل "منه طائل" أي أمر مفيد كالسعة والغنى والقدرة والفضل والعلو "كلاهما" أي الحكمين المذكورين في المباح الذي يخدم النقص والهدم، والمباح الذي يخدم شيئًا "مستند للخبر" أما الأول فهو مستند لقوله ﷺ : "أبغض الحلال عند الله الطلاق" وأما الثاني فمستند لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقوله ﷺ : "كل لهو باطل إلا ثلاثة وهي اللعب مع الزوجة وتأديب الفرس واللعب بالسهام" أو كما قال ﵊ وما نقل عن السلف أنهم كانوا يكرهون أن يرى الرجل في إصلاح معاش ولا في إصلاح معاد. لأنَّهُ قطع للزمان فيم لا تترتب عليه فائدة دنيوية ولا أخروية. وغير ذلك مما هو وارد في هذا الشأن من النصوص الشرعية والآثار. "و" كذلك "يقتضيهما" يعني يحكم بصحتهما ويوجبهما "النظر" العقلي السليم، لأن في ذلك كله دفعا يعني للمصلحة وجلبا للمفسدة، وهو ما تحكم العقول السليمة بذمه،

стр. 152

٣٢٥ - وَحَيْثُمَا قَدْ جَاءَ ذَمُّ الدُّنْيَا … فَهْوَ بِهَذَا اللَّحْظِ دُونَ ثُنْيَا ٣٢٦ - ثَمَّ لِذَا التَّقْرِيرِ أَصْلٌ انْبَنَى … عَلَيْهِ حُكْمُهُ سَأُبْدِيهِ هُنَا " وهو المسألة الثَّانِيَةُ " ٣٢٧ - أَمَّا اخْتِلَافُ جَانِبِ المُبَاحِ … بِالجُزْءِ وَالكُلِّ فَذُو إِيضَاحِ ٣٢٨ - فَكُلُّ مَا كَانَ بِحُكْمِ الأَصْلِ … بِحَسَبِ الجُزْءِ مُبَاحَ الفِعْلِ ٣٢٩ - يَكُونُ بِالكُلِّ مِنَ المَطْلُوبِ … إِمَّا عَلَى النَّدْبِ أَوِ الوُجُوبِ وقبحه "وحيثما قد جاء ذم الدنيا" وذم التمتع بلذاتها "فـ" إن المقصود بذلك "هو "ما كان "بهذا" أي مع هذا "اللحظ" أي اعتبار المذكور - وهو ما خلا من أي خدمة تخدم أصلا مطلوب شرعا، أو الخلو من أي شيء "دون ثنيا" أي استثناء، فإنه لم يذم من الدنيا والتمتع بلذاتها إلا ما كان من هذا الذي ذكر. وكل ما كان كذلك فإنه مذموم شرعا بدون استثناء. وكل ما ليس كذلك فهو غير مذموم بلا استثناء أيضًا "ثم لذا" أي لهذا "التقرير" الذي أوردناه في شأن هذا التقسيم للمباح زيادة على ما تقدم ذكره من الأدلة النصية والاقتضاء النظري "أصل" معتمد في هذا الشأن فـ "انبنى عليه حكمه" أي حكم هذا التقرير وهذا الأصل "سأبديه" أي سأظهره "هنا" في هذا الموضع و "هو "الذي سأذكره في المسألة الموالية. "المسألة الثانية" من مسائل الأحكام التكليفية الخمسة وهي مسألة كون الإباحة بحسب الكلية والجزئية تتجاذبها الأحكام البواقي وفي ذلك يقول الناظم: "أما اختلاف جانب" يعني حكم "المباح" باعتبار "الجزء والكل فـ" هو أمر "ذو إيضاح" أي ظهور، فهو بين جلي، "فكل ما" أي فكل فعل "يكون بحكم الأصل" الشرعي فيه، "بحسب الجزء" أي باعتبار كونه جزءا "مباح الفعل" والترك فإنه قد "يكون بـ" حسب "الكل من المطلوب" فعله شرعا، "إما على" جهة "الندب أو "جهة "الوجوب" وكذلك قد يكون مباح بالجزء منهيا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع، فهذه أربعة أقسام: أما القسم الأول - وهو المباح بالجزء المندوب بالكل فهو

стр. 153

٣٣٠ - مِثْلُ التَّمَتُّعَاتِ بِالمَآكِلِ … وَالبَيْعِ وَالجِمَاعِ لِلْحَلَائِلِ ٣٣١ - أَوْ قَدْ يُرَى بِالكُلِّ عَنْهُ قَدْ نُهِي … كَرَاهَةً أَوْ لِلْحَرَامِ يَنْتَهِي ٣٣٢ - مِثْلُ التَّنَزُّهَاتِ فِي البِطَاحِ … أَوْ فِعْلِ قَادِحٍ مِنَ المُبَاحِ ٣٣٣ - وَفِعْلُ مَا بِجُزْءٍ فِي المَنْدُوبِ … يَكُونُ بِالكُلِّ عَلَى الوُجُوبِ " مثل التمتعات" الانتفاعات والتلذذات وقد أتى بصيغة الجمع - هنا - تبعا لما أضيفت له وهو المآكل فكأنه رأى أن التمتع يتنوع بتنوع المأكول ومثل المآكل والمشارب والمراكب والملبوسات فإن ذلك كله مباح بالجزء مندوب بالكل وأما القسم الثاني وهو ما يكون مباحا بالجزء واجبًا بالكل فهو مثل "البيع" والأكل والشرب "والجماع للحلائل" جمع حليلة وهي الزوجة، فهذا كله وما أشبهه جائز بالجزء، فاختيار أحد هذه الأشياء على ما سواها جائز؛ وكذا تركها في بعض الأحوال والأزمان أو ترك بعض الناس لها، فكل ذلك جائز، وأما لو فرضنا ترك الناس كلهم ذلك، فإن ذلك ترك لما هو من الضروريات المأمور بها، فكان الدخول، فيه واجبًا بالكل. وأما القسم الثالث والرابع وهو ما يكون مباحا بالجزء مكروها بالكل أو حراما، فقد أورده قائلا: "أو قد يرى" المباح بالجزء "بالكل عنه قد نهى" وذلك النهي قد يكون لد "كراهة أو التحري ينتهي" مقتضاه والذي نهى عنه نهي كراهة هو مثل "التنزهات في" البساتين "والبطاح" - بكسر الباء - مفرده البطاح وهو المسيل الواسع فيه دقاق الحصى - فالتنزه في ذلك كله ومثله سماع أصوات الطير مباح بالجزء مكروه بالكل، وأما المباح بالجزء المحرم بالكل، فقد أورد مثاله بقوله "أو فعل فادح" في العدالة "من المباح" وذلك كالأكل في السوق ودخول الحمام لغير ضرورة فإنه قادح في العدالة موجب لصفة الفسق. قال الغزالي: إن المداومة على المباح قد تصيره صغيرة، كما أن المداومة على الصغيرة قد تصيرها كبيرة. في أن المندوب بالجزء قد يكون واجبًا بالكل. قال الناظم: "وفعل مما" هو "بالجزء" معدود "في المندوب" قد "يكون بـ" حسب الكل على حكم "الوجوب" وذلك كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها وصلاة الجماعة وصلاة العيدين والفجر والعمرة وكذا سائر النوافل والرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء ولو فرض تركها جملة يحرم التارك لها. وإن تمالأ قوم على ترك الأذان فإنهم يقاتلون على ذلك. في أن

стр. 154

٣٣٤ - وَالفِعْلُ لِلْمَكْرُوهِ بِالجُزْءِ يُرَى … بِالكُلِّ مَمْنُوعًا إِذَا مَا اعْتُبِرَا ٣٣٥ - وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا مِنْ أَصْلِ … يَجِبُ بِالجُزْءِ مَعًا وَالكُلِّ ٣٣٦ - وَحُكْمُهُ بِحَسَبِ الكُلِّيَّةْ … مُخْتَلِفٌ وَحَسَبِ الجُزْئِيَّةْ المكروه بالجزء يكون حراما بالكل قال الناظم: "والفعل" أمر "للمكروه" شرعا قد "يرا" أي يصير ويكون "بـ" حسب واعتبار "الكل" أمر ممنوعا أي محرما شرعا "إذا ما اعتبرا" ذلك الكل ونظر في حقيقة حاله، وذلك كاللعب بالشطرنج والنرد بغير مقامرة، وسماع الغناء المكروه فإن مثل هذه الأشياء إذا وقعت على غير مداومة لم تقدح في العدالة، فإن داوم عليها قدحت في عدالته. وذلك دليلٌ على المنع بناء على أصل الغزالي. قال محمد بن عبد الحكم في اللعب بالنرد والشطرنج: إن كان يكثر منه فيشغله عن الجماعة لم تقبل شهادته، وكذلك اللعب الذي يخرج به عن هيئة أهل المروءة، والحلول بمواطن التهم لغير حاجة، وما أشبه ذلك. في أن الواجب بالجزء - إذا كان مرادفا للفرض - يكون واجبا بالكل، إلا أن حكم الكل في ذلك أقوى من الجزء قال الناظم: "وما" يعني وكل فعل "يكون واجبًا" فرضا "من أصل" فلم يكن الوجوب طارئا عليه، وإنما كان حكمه الشرعي الأصلي هو الوجوب، فإنه "يجب بالجزء" كما تقدم ذكره "معا والكل" "و" لكن"حكمه" أي حكم ذلك الواجب "بحسب" واعتبار "الكلية مختلف و" أي مع "حسب" اعتبار "الجزئية" وهذا بين أما من حيث الجواز، فإنه إذا كانت الظهر المعينة فرضا على المكلف يأتي بتركها. ويعد مرتكب كبيرة. فينفد عليه الوعيد بسببها إلا أن يعفو الله، فالتارك لكل ظهر أو لكل صلاة أحرى بذلك. وكذلك القاتل عمدا إذا فعل ذلك مرة مع من كثر ذلك منه ودوام عليه، وما أشبه ذلك. فإن المفسدة بالمداومة أعظم منها في غيرها. وأما بحسب الوقوع فقد جاء ما يقتضي ذلك كقوله ﵇ في تارك الجمعة: "من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه" فقيد بالثلاث كما ترى وقال في الحديث: "من تركها استخفافا بحقها أو تهاونا" مع أنه لو تركها مختارا غير متهاون ولا مستخف، لكان تاركا للفرض، فإنما قال ذلك لأن مرات أولى في التحريم، وكذلك لو تركها قصدا للاستخفاف والتهاون. وانبنى على ذلك في الفقه أن من تركها ثلاث مرات

стр. 155

٣٣٧ - وَمَنْ يَرَى الوَاجِبَ لَيْسَ الفَرْضا … يَكُونُ بِالكُلِّ لَدَيْهِ فَرْضَا ٣٣٨ - وَعِنْدَ ذَا يُقَالُ إِنَّهُ اخْتَلَفْ … بِالكُلِّ وَالجُزْءِ عَلَى مَا قَدْ سَلَفْ ٣٣٩ - وَهَكَذَا يُقَالُ فِي المَمْنُوعِ … مِنْ جِهَةِ الجَوَازِ وَالوُقُوعِ من غير، لم تجز شهادته. قاله سحنون. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا تركها مرارا لغير عذر لم تجز شهادته. قاله سحنون. وكذلك يقول الفقهاء فيمن ارتكب إثما ولم يكثر منه ذلك: إنه لا يقدح في شهادته إذا لم يكن كبيرة. فإن تمادى عليه وأكثر منه كان قادحا في شهادته، وصار في عداد من فعل كبيرة؛ بناء على أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة. هذا كله عند من يرى أن الواجب مرادف للفرض. "و" هذا كله عند "من يرى" أن "الواجب ليس" يرادف "الفرض" كالحنفي الذي يرى أن الفرض ما ثبت بالدليل القطعي والواجب ما ثبت بالدليل الظني، فالواجب عنده دون الفرض، فإنها يكون الواجب "بالكل" لا بالجزء "عنده فرضا" كمثل ما تقدم تقريره في المندوب "و" عند حصول "ذا" أي هذا الذي ذكر يقال أنه أي الواجب اختلف حكمه "بـ" حسب واعتبار "الكل" وحكمه بحسب واعتبار "الجزء" بناء وسيرا "على ما قد سلف" ذكره من أن المندوب بالجزء يكون واجبًا بالكل. "وهكذا" أي ومثل هذا الذي قيل في الواجب - الفرض - بالجزء "يقال" أيضًا "في الممنوع" أي المحرم شرعا فالمحرم بالجزء يكون محرما بالكل إلا أن حكمه بحسب الجزء والكل، وهذا بين سواء "من جهة الجواز" العقلي الذي صورته هنا أن المداومة تأثيرها أكبر من تأثير عدم المداومة، لأن الذنب قد ينضاف إلى الذنب فيعظم بسبب الإضافة. وكذلك من جهة "الوقوع" فإنه وردت نصوص شرعية فيها الفرق بين حكم الإصرار وحكم عدمه من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥]. في أن هذا الذي تقرر هنا أساسه ودليله الذي بنى عليه هو الاستمرار. قال الناظم:

стр. 156

٣٤٠ - وَكُلُّ مَا قُرِّرَ فِي ذَا النَّوْعِ … دَلِيلُهُ اسْتِقْرَاؤُهُ فِي الشَّرْعِ ٣٤١ - قَدْ يُدَّعَى اتِّفَاقُ الأَحْكَامِ … وَإِنْ كَانَ بِالأَفْعَالِ اخْتِلَافٌ يَقْتَرِنْ " المسألة الثَّالِثَةُ " ٣٤٢ - وَأُطْلِقَ المُبَاحُ لِلْمُخَيَّرِ … فِيهِ وَمَا لَا بَاسَ فِيهِ يَعْتَرِي " وكل ما قرر" من أحكام في "هذا النوع" من الجهات التي ينظر فيها إلى الأحكام، وهو جهة الكلية والجزئية "دليله" هو "استقراؤه" وتتبعه "في" أدلة "الشرع" ونصوصه؛ فكل من تأملها واستقرأها سيدرك على قطع أن الجزء ليس كالكل في الحكم الشرعي بل بينهما فرق كما تقدم ذكره، كائنا من كان ذلك الحكم. في الرد على من يدعى استواء الجزء والكل في الحكم قال الناظم: "قد يدعى اتفاق الأحكام" الشرعية في ذاتها، "وإن" كان بالأفعال الموجبة لها "اختلاف" من جهة الكلية والجزئية "يقترن" ويجتمع، أما في المباح فمثل كل قتل مؤذ بالنسبة إلى آحاد الناس خف الخطب؛ فلو فرضنا تمالؤ الناس كلهم على الترك، داخلهم الحرج من وجوه عدة. والشرع طالب لدفع الحرج قطعا. فصار الترك منهيا عنه نهي كراهة إن لم يكن أشد. فيكون الفعل إذا مندوبا بالكل إن لم نقل واجبًا. وهكذا العمل بالقراض وما ذكر معه. فلا استواء إذا بين الكلي والجزئي فيه وبحسبك في المسألة أن الناس لو تمالؤوا على الترك لكان ذريعة إلى هدم معلم شرعي. وناهيك به. نعم قد يسبق ذلك النظر إذا تقارب ما بين الكلي والجزئي أما إذا تباعد ما بينهما فالواقع ما تقدم. ومثل هذا النظر جار في المندوب. وأما ما ذكره في الواجب والمحرم فغير وارد" فإن اختلاف الأحكام في الحدود ظاهر وإن اتفقت في بعض منها. وما ذكره الغزالي فلا يسلم، بناء على هذه القاعدة، وإن سلم ففي العدالة وحدها لمعارض راجح وهو أنه لو قدح دوام ذلك فيها لندرت العدالة، فتعذرت الشهادة. "المسألة الثالثة" في أن المباح يطلق على معنيين: أحدهما: المخير في فعله وتركه. ثانيها: ما لا بأس فيه. قال الناظم: "وأطلق المباح للمخير" يعني على المخير "فيه" بين الفعل والترك وهذا هو المعنى الأول والثاني: إطلاقه على "ما لا بأس فيه"من الفعال، فهذا المعنى - أيضًا - "يعتري"

стр. 157

٣٤٣ - وَهْوَ عَلَى الْجُمْلَةِ ذُو أَقْسَامِ … فَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِذِي اسْتِخْدَامِ ٣٤٤ - وَمِنْهُ مَا يَخْدُمُ إِمَّا مَا أَتَى … مُخَيَّرًا فِيهِ بِحَيْثُ ثَبَتَا ٣٤٥ - إِمَّا لِمَا يُطْلَبُ تَرْكًا أَوْ لِمَا … يُطْلَبُ فِعْلُهُ وَذَا تَقَدَّمَا ٣٤٦ - وَحَاصِلٌ أَنَّ الْمُبَاحَ الْأَصْلِ … وُجُودُهُ بِالْجُزْءِ لَا بِالْكُلِّ " المسألة الرابعة " ٣٤٧ - وَكُلُّ مَا يُقَالُ فِيهِ لَا حَرَجْ … فَهْوَ عَنِ التَّخْيِيرِ فِيهِ قَدْ خَرَجْ ٣٤٨ - وَذَا مِنَ الشَّارعِ قَصْدٌ بَيِّنُ … وَالْفَارِقُ التَّصْرِيحُ وَالتَّضْمِينُ لفظ المباح "وهو" أي المباح "على الجملة ذو أقسام" أربعة باعتبار اتصافه بالخدمة وعدمها، "فمنه" أي المباح "ما ليس بذي استخدام" في تحصيل أمر مطلوب ولا في تحصيل منهي عنه -وهذا أحد هذه الأقسام- "ومنه" كذلك "ما يخدم" يعني ما هو خادم، فإن كان خادما فهو "إما" أن يخدم "ما" يعني أمرا "أتى" في الشرع "مخيرا فيه" بين الفعل والترك "بحيث" أي في أي محل "ثبت" فيه ووجد -وهذا هو القسم الثاني- "وإما" أن يكون خادما "لما يطلب تركا" يعني لما يطلب تركه -وهذا القسم الثالث- "أو" يكون خادما "لما يطلب فعله وذا" قد "تقدما" -ألفه للإطلاق- ذكره وأمثلته -وهذا القسم الرابع "وحاصل" ما يؤخذ من هذا كله هو "أن المباح الأصل" يعني الذي بقي على أصل حكمه الشرعي "وجوده" إنما يكون "بـ" حسب "الجزء لا بـ" حسب "الكل" لما تقدم من أن أي مباح باعتبار وحسب كله تعتريه الأحكام الأخرى. "المسألة الرابعة" في أن المباح إذا قيل فيه لا حرج، فإنه ليس تحت التخيير بين الفعل والترك. قال الناظم: "وكل ما" هو مباح "يقال فيه" من جهة الشرع "لا حرج" أو جناح "فهو عن التخيير فيه" بين الفعل والترك "قد خرج" لأن رفع الجناح والحرج والإثم لا يدل على التسوية، بل يشعر بأفضلية الطرف الآخر "وذا" وهذا الحكم "من الشارع قصد" أي مقصود "بين" أي ظاهر، فمن تأمل النصوص الشرعية التي ورد فيها ذلك أدرك هذا على بيان "والفارق" بين ما جاء فيه عن الشارع وهو لا حرج في فعله وبين ما جاء فيه عنه التخيير هو "التصريح والتضمين" والذي يحصل كل واحد منهما إما

стр. 158

٣٤٩ - بِالإِذْنِ فِي التَّخْيِيرِ أَوْ رَفْعِ الْحَرَجْ … بِعَكْسِ وَاجِدٍ فِي الآخَرِ انْدَرَجْ "المسألة الخامسة" ٣٥٠ - وَإِنْ مُبَاحٌ بِاسْمِهِ يَتَّصِفُ … فَبِاعْتِبَارِ حَظِّ مَنْ يُكَلَّفُ ٣٥١ - لَا سِيَمَا الذِي لِرَفْعِ الْإِثْمِ … فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهَذَا الْحُكْمِ ٣٥٢ - لِأَنَّ أَخْذَهُ بِغَيْرِ الطَّلَبِ … فَصَارَ فِي الْحَظِّ قَوِيَّ السَّبَبِ " بالإذن في التخيير أو" بـ "رفع الحرج" فيه أي الإثم، فما ورد فيه التخيير بين الفعل والترك، فهو صريح في الإذن في الفعل والترك، ومتضمن لنفي الجناح والحرج عن الفعل فهو لازم له فقط "بعكس واجد" أي بعكس ما هو موجود من التخيير "في الآخر" وهو ما ورد فيه نفي الجناح والحرج فهو -التخيير- إنما قد "اندرج" فيه لأنه ليس صريحا إلا في رفع الإثم والجناح، فهو مقصود منه بالذات، وإن كان يلزمه الإذن في الفعل والترك، وإنما كان يلزمه لأنه من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". "المسألة الخامسة" (المسألة الخامسه) من مسائل كتاب الأحكام هذا وهي مسألة: أن المباح إنما يوصف بكونه مباحا إذا اعتبر فيه حظ المكلف فقط، فإن خرج عن ذلك القصد كان له حكم آخر. قال الناظم: "وإن مباح باسمه" هذا "يتصف" حقيقة "فـ" إن ذلك إنما هو "باعتبار حظ من يكلف" أي المكلف به "لا سيما" المباح "الذي" جاء الدليل الشرعي صراحة "لرفع الإثم" فيه "فإنه" أي هذا الصنف "أولى" وأحق "بهذا الحكم" المذكور "لأن أخذه" أي هذا المباح إنما يكون "بغير الطلب" أي الأمر والنهي، لأنه لا يقصد فيه من جهة الشرع لا بإقدام ولا إحجام، فهو إذا من هذا وجه لا يترتب عليه أمر ضروري في الفعل أو في الترك ولا حاجي ولا تكميلي من حيث هو جزئي "فصار في" نيل "الحظ" وقضاء وطر المكلف "قوي السبب" والاتصال، وذلك كالتنزه في البساتين وإنشاد الشعر.

стр. 159

" المسألة السادسة " ٣٥٣ - تَعَلُّقُ الأَحْكَامِ بِالمَقَاصِدِ … فِعْلًا وَتَرْكًا صَحَّ فِي المَوَارِدِ ٣٥٤ - لِأَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ غَيْرُ لَازِمِ … لِغَيْرِ قَاصِدٍ لَهُ كَالنَّائِمِ ٣٥٥ - وَمَعَ ذَا يَكُونُ مِنْ تَكْلِيفِ مَا … لَيْسَ يُطَاقُ وَهْوَ مَا قَدْ عُلِمَا ٣٥٦ - وَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ بِالأَطْفَالِ … وَلَا بِمَنْ أَشْبَهَهُمْ فِي الحَالِ ٣٥٧ - فِي كُلِّ مَا قَدْ أُلْزِمُوا فِي الشَّرْعِ … فَإِنَّ ذَاكَ مِنْ خِطَابِ الوَضْعِ " المسألة السابعة " " المسألة السادسة" "المسألة السادسة" من هذه المسائل مسألة كون الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد. قال الناظم: "تعلق الأحكام" الشرعية "بالمقاصد" والنيات "فعلا وتركا" أي في الفعل والترك، "صح" اعتباره والعمل بمقتضاه وذلك لما "في الموارد" الشرعية أي الأدلة الشرعية من الحكم بهذا، ومن ذلك ما ثبت أن الاعمال بالنيات، وهو أصل متفق عليه في الجملة، ثم "لأجل أن الحكم" الشرعي"غير لازم لغير قاصد له" أي لذلك الحكم، وإن فعل ما يترتب عنه من فعل، ذلك "كالنائم" والمجنون والمي، فهؤلاء جميعا رفع عنهم القلم لتخلف القصد منهم "ومع ذا" يزاد دليلٌ آخر وهو أنه قد "يكون" تكليف من لا قصد له "من تكليف ما ليس يطاق" لا يقدر عليه "وهو ما" أي أمر "قد علما" أنه غير واقع في الشريعة "ولا اعتراض" يرد "فيه" أي في هذا الذي ذكر "بالأطفال ولا بمن أشبههم في" هذا "الحال" وهو تخلف القصد، كالمجانين "في كل" هذا بدل اشتمال من قوله "بالأطفال" وبذلك يكون معنى الكلام ولا اعتراض بكل "ما قد ألزموا" أي الأطفال به "في الشرع" من الأحكام كالغرامات والزكاة "فإن ذلك" الذي ألزموا به ليس من خطاب التكليف الذي كلامنا فيه وإنما هو "من خطاب الوضع" وقد تقرر أن خطاب الوضع لا يتوقف جريان أحكامه على القصد، الإرادة، بخلاف خطاب التكليف. "المسألة السابعة" "المسألة السابعة" في أن المندوب بالاعتبار العام خادم للواجب قال الناظم:

стр. 160

٣٥٨ - إِذَا اعْتَبَرْتَ مَا لَهُ الشَّرْعُ نَدَبْ … أَعَمَّ فَهْوَ خَادِمٌ لِمَا وَجَبْ ٣٥٩ - مُمَهِّدًا أَوْ مُكْمِلًا أَوْ مُذْكِرَا … مِنْ جِنْسِهِ كَالنَّفْلِ حَيثُمَا يُرَى ٣٦٠ - أَوْ غَيْرِهِ كَالقَصِّ لِلْأَظْفَارِ … وَالطِّيبِ وَالتَّعْجِيلِ لِلْإِفْطَاِر ٣٦١ - وَهَكَذَا المَكْرُوهُ لِلْحَرَامِ … كَمِثْلِهِ فِي هَذِهِ الأَحْكَامِ ٣٦٢ - ثُمَّ مِنَ الوَاجِبِ حِينَ يُقْصَدُ … وَعَكْسِهِ وَسِيلَةٌ وَمَقْصَدُ " إذا اعتبرت" حال "ما له" صاحب "الشرع ندب" أي طلبه طلبا غير جازم اعتبارا "أعم" بحيث ينظر إليه نظرا كليا "فـ" إنه يلفى و"هو خادم للواجب" لأنَّهُ أي المندوب إما أن يكون "ممهدا" أي مقدمة له - أي للواجب - وإما أن يكون "مكملا" - بضم الميم وسكون الكاف - له وإما أن يكون "مذكرا" - بضم الميم وسكون الذال المعجمة - أي مذكرا به، ثم أن ذلك المندوب قد يكون "من جنسه" أي الواجب وذلك "كالنفل" الذي يكون مع فرضه "حيثما يرى" كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام والصدقة والحج وغير ذلك مع فرائضها "أو" يكون من "غيره" أي غير جنسه، وذلك "كالقص للأظفار" وطهارة الخبث في الجسد والثوب والمصلى والسواك "و" أخذ "الطيب" والزينة مع الصلاة "وتعجيل للإفطار" وتأخير السحور وكف الإنسان عما لا يعني مع الصيام، وما أشبه ذلك. فإن كان المندوب كذلك فهو لاحق بقسم الواجب بالكل، وقلما يشذ عنه مندوب يكون مندوبا بالكل والجزء. فصل في أن المكروه بالنسبة للحرام كالمندوب بالنسبة للواجب من هذه الجهة - جهة الخدمة والإلحاق - قال الناظم: "وهكذا " أيضًا "المكروه" بالنسبة "للحرام" إذا اعتبرته كذلك - أي اعتبارا عاما - فهو "كمثله" أي المندوب "في هذه الأحكام" المتقدمة، فإن المكروه إذا اعتبرته اعتبارا أعم وجدته خادما للحرام لأنَّهُ إما مقدمة له أو تذكار به على منوال ما تقرر إيراده في حال المندوب مع الواجب، والمكروه إذا كان كذلك - أي خادما للحرام على هذا الوجه فهو ملحق بالحرام. "ثم" إن "من الواجب" الشرعي "حين يقصد" أي حين يكون مقصودا للشارع "و" من "عكسه" وهو الحرام ما هو "وسيلة" وذلك كطهارة الحدث، وستر العورة، واستقبال القبلة مع الصلاة بالنسبة للواجب وكالنظر إلى الأجنبية والخلوة بها بالنسبة للحرام، "و" منه ما هو "مقصد" بذاته كالصلاة

стр. 161

" المسألة الثامنة " ٣٦٣ - وَكُلَّ مَا الشَّرْعُ لَهُ قَدْ حَدَّا … وَقْتًا مُعَيَّنًا بِهِ يُؤَدَّى ٣٦٤ - فَمُوقِعٌ لَهُ بِذَاكَ الوَقْتِ … يَأْمَنُ مِنْ مَذَمَّةٍ وَمَقْتِ ٣٦٥ - كَانَ عَلَى الوَجِوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ … وَإِنَّمَا يَلْحَقُ حُكْمُ العَتْبِ ٣٦٦ - لِكُلِّ مَنْ أَخَّرَ ذَاكَ مُطْلَقا … عَنْ وَقْتِهِ مُتَّسِعًا أَوْ ضيِّقَا " المسألة التاسعة " بالنسبة للفرض، والزنا بالنسبة للحرام. "المسألة الثامنة" في أن ما حد له الشارع وقتا محدودا من الواجبات أو المندوبات فإيقاعه في وقته لا تقصير فيه شرعا، ولا عتب ولا ذم، إنما العتب والذم في إخراجه عن وقته سواء علينا أكان وقته مضيقا أو موسعا. قال الناظم: "وكل ما" أي وكل أمر عبادي "الشرع له" يعني لفعله "قد حدا" الألف للإطلاق و"قتا معينا به" أي فيه "يودى" أي يفعل أداء "فموقع" - بضم الميم وكسر القاف - اسم فاعل من أوقع بمعنى فعل "له بذاك" أي في ذاك "الوقت" المحدود المحدد له "يأمن" أي يكون في أمن "من مذمة" شرعية تلحق "ومقت" بغض إلا هي والمقت أشد البغض سواء "كان" الفعل مطلوبا "على" سبيل "الوجوب" كالصلاة المكتوبة "أو" كان مطلوبا "للندب" يعني على سبيل الندب كالضحى وصلاة العيد "وإنما يلحق" أي يدرك "حكم العتب" أي الذم "لكل" يعني كلا واللام مقحمة زائدة للتقوية "من أخر ذاك" الفعل "مطلقا عن وقته" سواء كان ذلك الوقت "متسعا أو ضيقا" وهذا بيان معنى قوله: "مطلقا". "المسألة التاسعة" "المسألة التاسعة" في أن الحقوق الواجبة على المكلف على ضربين: حقوق محدودة شرعا. وحقوق غير محدودة شرعا.

стр. 162

٣٦٧ - وَالحَقُّ فِي الشَّرعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ … حَقٌ لِمَخْلُوقٍ كَمِثْلِ الدَّيْنِ ٣٦٨ - وَآخَرٌ للهِ كَالصِّيَامِ … وَكُلِّ مَا حُدَّ مِنَ الأَحْكَامِ ٣٦٩ - فَإِنَّهُ دَيْنٌ عَلَى المُكَلِّفِ … وَلَازِمٌ ذِمَّتَهُ حَتَّى يَفِي ٣٧٠ - إِذْ مَا يُحَدُّ وَقْتًا أَوْ يُقَدَّرُ … بِالقَصْدِ لِلْأَدَاءِ فِيهِ مُشْعِرُ ٣٧١ - وَغَيْرُ مَا قَدْ حُدَّ فَهْوَ يُطْلَبُ … وَمَا لَهُ فِي ذِمَّةٍ تَرَتُّبُ قال الناظم: "والحق" الواجب على المكلف "في الشرع على ضربين" أي نوعين - باعتبار المستحق - أحدهما "حق" ثابت "لمخلوق" وذلك "كمثل الدين" بفتح الدال، والنفقة الواجبة والنصيحة "وآخر" هو الحق الذي "لله" تعالى على خلقه وذلك "كالصيام" والحج "وكل ما حد" وضبط على قدر معين أو هيئة مخصوصة. وهذا الضرب الأول باعتبار التحديد والتعيين "فإنه دين على المكلف ولازم ذمته" لا ينفك عنه طلبه "حتَّى يفي" ويؤدي ما عليه من ذلك "إذ ما يحد وقتا" يعني ذلك لأجل أن ما حدد الشارع وقتا لفعله "أو يقدر" يعني: أو ما هو مقدر شرعا بقدر معين "بالقصد للأداء" لذلك المعين "مشعر" إذ ذاك القصد من فوائد ذلك التحديد والتعيين الظاهرة. "و" أما الضرب الثاني بالاعتبار المذكور وهو "غير ما قد حدّ" شرعا وذلك كالصدقات وسد الخلات وسائر فروض الكفايات فهو يطلب الإتيان به فقط "وما له في ذمة" المكلف "ترتب" ودوام لزوم طلب بلا انفكاك، إنما لم يترتب ذلك في الذمة لأمور: أحدها: أنها لو ترتبت في ذمة المكلف لكانت محدودة معلومة، إذ المجهول لا يترتب في الذمة، ولا يعقل نسبته إليها فلا يصح أن يترتب دينا. وبها استدللنا على عدم الترتب، لأن هذه الحقوق مجهولة المقدار، والتكليف بأداء ما لا يعرف له مقدار تكليف بمتعذر الوقوع وهو ممتنع سمعا. ومثاله الصدقات المطلقة، وسد الخلات، ودفع حاجات المحتجين، وإغاثة الملهوفين، وإنقاذ الغرقى، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويدخل تحته سائر فروض الكفايات. فإذا قال الشارع ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أو قال اكسوا العاري أو: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فمعنى ذلك طلب رفع الحاجة في كل واقعة بحسبها، من غير تعيين مقدار. فإذا تعينت حاجة؛ تبين مقدار ما يحتاج إليه فيها بالنظر لا بالنص. فإذا تعين جائع فهو مأمور بإطعامه وسد خلته؛ بمقتضى ذلك الإطلاق؛ فإن أطعمه بما لا يرفع عنه

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجوع، فالطلب باق عليه، ما لم يفعل من ذلك ما هو كاف يختلف باختلاف السّعات والخلَّات في ذلك المعين: فقد يكون في الوقت غير مفرط الجوع، فيحتاج إلى مقدار من الطعام، فإذا تركه حتَّى أفرط عليه، احتاج إلى أكثر منه. وقد يطعمه آخر فيرتفع عنه الطلب رأسا، وقد يطعمه آخر ما لا يكفيه، فيطلب هذا بأقل مما كان مطلوبا به، فإذا زال الوقت الحاضر، صار في الثاني مكلفا بشي آخر لا بالأول، أو سقط عنه التكليف، إذا فرض ارتفاع الحاجة العارضة. والثاني: أنه لو ترتب في ذمته أمر لخرج إلى ما لا يعقل، لأنَّهُ في الوقت من أوقات حاجة المحتاج مكلف بسدها، فإذا مضى وقت يسع سدها بمقدار معلوم مثلا، ثم لم يفعل، فترتب في ذمته ثم جاء زمان وهو على حاله أو أشد، فإما أن يقال إنه مكلف أيضًا بسدها أولا، والثاني باطل، إذ ليس هذا الثاني بأولى بالسقوط من الأول، لأنَّهُ إنما كلف لأجل سد الخلة، فيرتفع التكليف والخلة باقية. هذا محال. فلا بد أن يترتب في الذمة ثانيا مقدار ما تسد به الحاجة ذلك الوقت، وحينئذ يترتب في ذمته في حق واحد، قيم كثيرة بعدد الأزمان الماضية، وهذا غير معقول في الشرع. والثالث: أن هذا الواجب يكون عينا أو كفاية. وعلى كل تقدير يلزم إذا لم يقم به أحد - أن يترتب إما في ذمة واحد غير معين، وهو باطل لا يعقل فيما في ذمم جميع الخلق مقسطا، فكذلك، للجهل بمقدار ذلك القسط لكل واحد، أو غير مقسط، فيلزم فيما قيمته درهم أن يترتب في ذمم مائة ألف درهم. وهو باطل كما تقدم. والرابع: لو ترتب في ذمته لكان عبثا، ولا عبث في التشريع، فإنه إذا كان المقصود دفع الحاجة فعمران الذمة ينافي هذا القصد" إذ المقصود إزالة هذا العارض، لا غرم قيمة العارض، فإذا كان الحكم بشغل الذمة منافيا لسبب الوجوب، كان عبثا غير صحيح. لا يقال إنه لازم في الزكاة المفروضة وأشباهها، إذ المقصود بها سد الخلات وهي تترتب في الذمة. لأنا نقول: نسلم أن المقصود ما ذكرت، ولكن الحاجة فيه متعينة فلا بد من إزالتها، ولذلك لا يتعين لها مال زكاة من غيره، بل بأي مال ارتفعت حصل المطلوب، فالمال غير مطلوب لنفسه فيها، فلو ارتفع العارض بغير شيء لسقط الوجوب، والزكاة ونحوها لابد من بذلها وإن كان محلها غير مضطر إليها في نفس الوقت، لذلك عينت. وعلى هذا الترتيب في بدل المال للحاجة، يجري حكم سائر أنواع هذا القسم.

стр. 164

" المسألة العاشرة " ٣٧٢ - يَصِحُّ بَيْنَ الفَرْضِ وَالحَرَامِ … لِلْعَفْوِ رُتْبَةٌ سِوَى الأَحْكَامِ ٣٧٣ - دَلِيلُهُ الثُّبُوتُ فِي المَنْقُولِ … مِنْ خَبَرِ اللهِ أَوِ الرَّسُولِ ٣٧٤ - مِثْلُ وَيعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وَعَفَا … وَمَا مِنَ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ اقْتَفَى " المسألة العاشرة" وفي بيان ذلك يقول الناظم: "يصح" شرعا ويقع "بين الفرض" - هكذا في النسخة التي بأيدينا - ولعله يريد الحلال بدلالة مقارنته بالحرام، إلا أن الفرض والواجب وإن كان كل حلالا، فإن من الحلال ما ليس واجبًا، ولذلك فإنه لو قال: "يصح بين الحل" لكان أبين "والحرام للعفو" وهو ما لا يحكم عليه بأنه حلال أو حرام "رتبة سوى" رتب "الأحكام" الخمسة التي هي الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح "دليله" أي دليلٌ ما ذكر من ثبوت هذه الرتبة "الثبوت لا لها الوارد "في المنقول من خبر" يعني قول "الله" تعالى في كتابه، ومن ذلك قوله - سبحانه - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨]. وقوله - -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١] "أو" - بمعنى الواو - أي "وخبر الرسول" ﷺ ، ومن ذلك قوله ﵊ "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها". و"مثل ويعفوا عن كثير" في قوله - تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] وهذه الآية كما ترى - مسوقة لبيان سبحانه عفو غفور بعد تحقق ما يستوجب العقاب على الآثمين. وهذا ليس الكلام فيه، وإنما هو فيما لا يجب العقاب أصلا، وهو المقصود هنا بالعفو الذي مفاده التجاوز والصفح بعد تحقق موجب العذاب، الذي ورد في هذه الآية وبذلك فالاستدلال بهذه الآية - غير ظاهر - والله أعلم -. و"عفا" الواقع في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣] فهذا يدل على هذا المعنى في الجملة، فإنه موضع اجتهاد منه ﷺ في الإذن عند عدم النص. وقد ثبت في التشريعة العفو عن الخطأ في الاجتهاد حسبما بسطه الأصوليون، وقد تقدم ذكر أمثلة على ذلك فيما تقدم ذكره من النصوص. "وما" أي والذي اتبع "من السنة معناه" أي معنى العفو المذكور وحكمه و"اقتفى"

стр. 165

٣٧٥ - وَجَاءَ حُكْمُ العَفْوِ فِي مَوَاضِعْ … أَوَّلُهَا حَيْثُ سُكُوتُ الشَّارعْ ٣٧٦ - وَخَطَأُ الفِعْلِ وَالاِجْتِهَادِ مَعْ … إِكْرَاهٍ اوْ رُخْصَةٍ اوْ سَهْوٍ يَقَعْ ٣٧٧ - وَمَا مُخَالِفٌ دَلِيلًا لَمْ يَصِلْ … وَمَا بِوَفْقِ مَا لَهُ النَّسْخُ شَمِلْ أي ماضيا عليه في بناء الأحكام التي يجري بناؤها عليه شرعا، فالسنة تابعة للقرآن ومبينة له. في بيان حكم مواضع العفو "وجاء" عن الشارع "حكم العفو في مواضع" معينة معلومة "أولها" أي هذه المواضع "حيث" يعني الموضع الذي حصل فيه "سكوت الشارع" عن حكمه، إذ ما سكت عنه فهو عفو، وقد تقدم ذكر نص الحديث النبوي الوارد في ذلك. "وخطأ الفعل" يعني فعل الخطأ، فما صدر عن مخطئ فهو عفو، ومثله في ذلك كما سيأتي الكلام عليه الغافل، وهذا حكم مجمع عليه في الجملة. وهذا ثاني المواضع "و" كذلك الخطأ إذا حصل في "الاجتهاد" وهو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم. فإن حصل في ذلك الخطأ في إصابة الحكم الشرعي فإنه غير مؤاخذ به شرعا وهو ثالث المواضع وكذلك الرابع ما حصل من فعل "مع إكراه" معتبر شرعا، وهو الجالب لعدم المؤاخذة، فإن حاصل ذلك أن تركه لما ترك وفعله لما فعل لا حرج عليه فيه وهذا عفو. "أو" ما كان يفعل عن "رخصة" وهو الموضع الخامس، فالرخص كلها مواضع العفو، فإن النصوص دلت على ذلك حيث نص على رفع الجناح، ورفع الحرج وحصول المغفرة؛ ولا فرق في ذلك بين أن تكون الرخصة مباحة أو مطلوبة؛ لأنها إن كانت مباحة فلا إشكال، وإن كانت مطلوبة فيلزمها العفو عن نقيض المطلوب" فأكل الميتة إذا قلنا بإيجابه فلا بد أن يكون نقيضه، وهو الترك معفوا عنه، وإلا لزم اجتماع النقيضين في التكليف بهما، وهو محال ومرفوع عن الأمة. والسادس ما كان عن "سهو يقع" فالناسي غير مؤاخذ، فكل فعل صدر عنه فهو عفو. ولو جعل هذا الموضع مع موضع الخطأ واحدا لكان أخصر، وأولى، لما بينهما من الاتحاد في الحكم والحال، وهو ما جرى عليه الشاطبي في الأصل. والسابع هو "ما" يعني فعلا أو رأيا هو "مخالف دليلا" شرعيا هو الذي يجب العمل بمقتضاه ويلزم القول به إلا أنه "لم يصل" ولم يبلغ ذلك الفاعل أو القائل المخالف له. فما كان كذلك فإنه يجري عليه حكم العفو لأنَّهُ لا تكليف إلا مع العلم "و" كذلك "ما" أي العمل فيه "بوفق" يعني على وفق "ما له النسخ" أو عدم الصحة "شمل" فمن عمل بدليل منسوخ أو غير صحيح وهو لا يعلم بذلك فإنه يجري عليه حكم العفو "أيضًا

стр. 166

٣٧٨ - كذَاكَ مِنْهُ مُقْتَضَى المَرْجُوحِ … مِنَ الدَّلِيلَيْنِ مَعَ التَّرْجِيحِ ٣٧٩ - وَفِي الخِطَابَيْنِ تَزَاحَمَا وَلَا … يُمْكِنُ جَمْعٌ فِي الأَخِيرِ أَقْبَلَا ٣٨٠ - وَيَسْتَدِلُّ ذَاهِبٌ لِلْمَنْعِ … بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِي لأنَّهُ لا يلزمه أن يعمل إلا بما بلغه وعلمه. و"كذلك منه" أي ما يجري عليه حكم العفو تأخير "مقتضى" وحكم "المرجوح من الدليلين" المتعارضين "مع" حصول "الترجيح" بينهما بما يحصل به الترجيح من المرجحات التي تورد في "باب التعارض والترجيح" فإنه لا بد من حصول العفو بالنسبة للمرجوح منهما، لأنَّهُ إن لم يكن كذلك لم يمكن الترجيح فيؤدي إلى رفع أصله - أي الترجيح - وهو ثابت بالإجماع ولأنه يؤدي إلى الخطاب بالنقيضين وهو باطل. وسواء قلنا ببقاء الاقتضاء في الدليل المرجوح وأنه في حكم الثابت أم قلنا إنه في حكم العدم. وهذا الموضوع الثامن. وأما التاسع، فقد أورده قائلا: "و" كذلك يجري حكم العفو "في الخطابين" الشرعيين إذا "تزاحما" في الزمان مثلا - كأن يقال له كلم زيدا وعمرا في وقت واحد بعبارتين مختلفتين، فإنه يقدم تكليم أحدهما على الآخر على سبيل الترجيح، فإن حصل ذلك فإنه لا بد من حصول العفو بالنسبة للمؤخر، حتَّى يحصل المقدم، لأنَّهُ أي هذا السبيل هو الممكن في التكليف بهما، والإلزام تكليف ما لا يطاق، وهو مرفوع شرعا. "و" هذا إذا كان "لا يمكن جمع" بين المتعارضين والمتزاحمين أو المتعارضات والمتزاحمات في الموضعين "الأخير"ين وهما ما تعارضا فيه الدليلان أو أكثر. ويدلك "أقبلا" وقوع العفو في هذه الصورة، فإنه لا بد من حصوله - أي العفو - بالنسبة إلى المؤخر فيحصل المقدم، لأنَّهُ الممكن في التكليف بهما، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وهو مرفوع شرعا" (١). في أدلة من يرى أن مرتبة العفو لا وجود لها في هذه الشريعة الغراء "ويستدل ذاهب للمنع" وعلى عدم وجود هذه المرتبة في الشريعة على ذلك "بـ" أوجه، منها "كونه" أي العفو "ليس بحكم شرعي" والدليل على ذلك أنه مسمى بالعفو إنما يتوجه حيث يتوقع

стр. 167

٣٨١ - أَوْ كَوْنِهِ لَيْسَ بِدُنْيَوِيِّ … وَالبَحْثُ فِيهِ لَا فِي الأُخْرَوِيِّ ٣٨٢ - أَوْ إِنْ يَكُنْ مُسَلَّمًا فِي الوَاقِعِ … فَذُو اخْتِصَاصٍ بِزَمَانِ الشَّارعِ ٣٨٣ - أَوْ رَاجِعٌ مَا فِيهِ مِنْ أَقْسَامِ … فِي حُكْمِهِ لِخَمْسَةِ الأَحْكَامِ ٣٨٤ - مَعْ أَنَّ ذِي الرُّتْبَةَ مَبْنَاهَا عَلَى … مَسْأَلَةٍ بِهَا الخِلَافُ أُصِّلَا للمكلف حكم المخالفة لأمر أو نهي. وذلك يستلزم كون المكلف به قد سبق حكمه، فلا يصح أن يتوارد عليه حكم آخر لتضاد الأحكام "أو" بمعنى - الواو - أي "وكونه" أي العفو المذكور "ليس بـ" حكم "دنيوي" أي متعلق بالمكلف في الدنيا "والبحث" - الواو للحال - إنما هو "فيه" أي في الحكم الدنيوي "لا في" الحكم "الأخروي" والعفو المذكور إنما هو أخروي. فإنه لو كان دنيويا لكان إما في خطاب التكليف أو من خطاب الوضع. وهو ليس منها فعلم أَنَّهُ لغو "أو" بمعنى الواو أي و "إن يكن مسلما" وجوده وثبوته "في الواقع" الشرعي "فـ" أنه "ذو اختصاص" وجوده وثبوته "بزمان الشارع" ﵊ وهذا الوجه الثاني. وأما الوجه الثالث فقد أورده بقوله: "أو راجع ما" ذكر وثبت "فيه" أي في العفو "من أقسام" وما ذكر له من مواضع "في حكمه" ومقتضاه "لخمسة الأحكام" يعني الأحكام الخمسة المعروفة وبذلك ترتفع مرتبة العفو هذه وما تقدم من الأدلة على إثباتها لا دليل فيه على ذلك. فالأدلة النقلية غير مقتضية للخروج عن الأحكام الخمسة لإمكان الجمع بينها. وما ذكر من أنواعه داخل تحت حكم الخمسة، فإن العفو في تلك الأنواع راجع إلى رفع الخطأ والنسيان والإكراه والحرج، وذلك يقتضي إما الجواز - بمعنى الإباحة - وإما رفع ما يترتب على المخالفة من الذم، وتسبيب العذاب وذلك يقتضي إثبات الأمر والنهي مع رفع آثارهما لمعارض. فارتفع الحكم بمرتبة العفو. و"مع" هذا الذي سيق من الأدلة على منع هذه الرتبة نسوق أمرا آخر وهو "أن ذي" أي هذه "الرتبة" رتبة العفو "مبتناها" وتأسيسها إنما هو "على مسألة" وقع "بها" أي فيها "الخلاف" وكان "أصلا" يعني وكان الخلاف أصوليا، لأنها مسألة أصولية

стр. 168

٣٨٥ - وَذَاكَ هَلْ يَكُونُ فِي النَّوَازِلِ … مَا الشَّرْعُ لَيْسَ حُكْمُهُ بِشَامِلِ ٣٨٦ - إِنْ قِيلَ بِالعَفْوِ فَحَاصِرٌ لَهْ … الوَقْفُ مَعْ مُعَارِضِ الأَدِلَّةْ " وذاك" الذي قصد بهذه المسألة هو لو قال: و"تلك" لكان أبين وأوفق فيكون تقرير الكلام حينئذ: "وتلك" المسألة "هل يكون في النوازل" والواقائع "ما" أي نوازل ووقائع "الشرع ليس حكمه" الصادق بالأحكام الخمسة "بشامل" لها، فتكون نوازل ووقائع لا حكم شرعي فيها. وهذه المسألة مختلف فيها، فليس إثباتها أولى من نفيها إلا بدليل. والأدلة فيها متعارضة فلا يصح إثباتها إلا بالدليل السالم عن المعارض ودعواه. وأيضًا إن كانت اجتهادية فالظاهر نفيها بالأدلة المذكورة في كتب الأصول. إن لم تكن راجعة إلى تلك المسألة فليست بمفهومة (١). في حصر مواطن العفو وضبطها - إن قيل به - وذلك لأن الاقتصار به على محال النصوص أي المحال التي لم ترد فيها نصوص شرعية دالة بظاهرها على أحكامها أحكام تلك المحال نزعة ظاهرية. والانحلال في اعتبار ذلك على الإطلاق خرق لا يرتفع، واقتصار فيه على بعض دون بعض تحكم يأباه المعقول والمنقول فلا بد من وجه يقصد نحوه في كل مسألة حتَّى يتبين بحول الله، والقول في ذلك ينحصر في ثلاثة أنواع. وفي ذلك يقول الناظم: "إن قيل بـ" ثبوت رتبة "العفو "المذكور "فحاصر له" يحصره في ثلاثة أنوع: أحدها: "الوقف" الوقوف "مع" مقتضى دليل "معارض الأدلة" الموجبة حكم الرخصة ظاهرا وهو يقتضي العزيمة، لأن العزيمة لما توخيت على ظاهر العموم أو الإطلاق كان الواقف معها واقفا على دليلٌ معتمد على الجملة. وكذلك العمل بالرخصة، إن توجه حكم العزيمة فإن الرخصة مستمدة من قاعدة رفع الحرج كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف، وكلاهما أصل كلي، فالرجوع إلى حكم الرخصة وقوف مع مثله معتمد لكن لما كان أصل رفع الحرج واردا على أصل التكليف ورود المكمل ترجح جانب أصل العزيمة بوجه ما غير أنه لا يحرم أصل الرجوع، لأن بذلك المكمل قيام التكليف وقد اعتبر في مذهب مالك هذا، ففيه إن سافر في رمضان أقل من أربعة برد، فظن

стр. 169

٣٨٧ - أَوِ الخُرُوجُ بَعْدُ بِالتَّأْوِيلِ … قَصْدًا وَدُونَهُ عَنِ الدَّلِيلِ أن الفطر مباح به فأفطر فلا كفارة عليه. وكذلك من أفطر بتأويل إن كان أصله غير علمي، بل هذا جار في كل متأول كشارب المسكر ظانا أنه غير مسكر، وقاتل المسلم ظانا أنه كافر. وأكل مال الحرام عليه ظانا أنه حلال له. والمتطهر بماء نجس ظانا أنه طاهر وأشباه ذلك ومثله المجتهد المخطئ في اجتهاده، ويدخل ههنا كل قضاء قضى به القاضى من مسائل الاجتهاد ثم يتبين له خطؤه ما لم يكن قد أخطأ نصا أو إجماعا أو بعض القواطع وكذلك الترجيح بين الدليلين فإنه وقوف مع أحدهما وإهمال للآخر، فإذا فرض مهملا للراجح فذلك لأجل وقوفه مع المرجوح وهو في الظاهر دليلٌ يعتمد مثله وكذلك العمل بدليل منسوخ أو غير صحيح فإنه وقوف مع ظاهر دليلٌ يعتمد مثله في الجملة فهذه وأمثالها مما يدخل تحت معنى العفو المذكور وإنما قلنا الوقوف مع مقتضى الدليل المعارض فشرط فيه المعارضة لأنَّهُ إن كان غير معارض لم يدخل تحت العفو لأنَّهُ أمر أو نهى أو تخيير عمل على وفقه فلا عتب يتوهم فيه ولا مؤاخذة تلزمه بحكم الظاهر فلا موقع للعفو فيه وإنما قيل وإن قوى معارضه لأنَّهُ إن لم يقو معارضه لم يكن من هذا النوع بل من النوع الذي يليه على أثر هذا فإنه ترك لدليل وهن وإن كان إعمالا لدليل أيضًا فإعماله من حيث هو أقوى عند الناظر أو في نفس الأمر كإعمال الدليل غير المعارض فلا عفو فيه. هذا هو النوع الأول أما الثاني فقد أورده الناظم بقوله: "أو الخروج" عن مقتضى الدليل، وهذا النوع من العفو يأتي "بعد" النوع الأول. هذا ما ظهر لي في تقرير كلمة بعد هذه - هنا وقد تكون زائدة - وذلك الخروج قد يكون "بالتأويل" للدليل الذي وقع الخروج عن مقتضاه "قصدا" من الخارج عن المقتضى مثاله ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] من أن قدامة بن مظعون قال لعمر بن الخطاب: إن كنت شربت الخمر فليس لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟ قال لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قال عمر أخطأت التأويل، إن اتقيت اجتنبت ما حرم الله. هذا أو نحوه مما فيه مخالفة مقتضى الدليل بالتأويل جعل من المواضع التي يجري فيها حكم العفو (١). "و" كذلك الخروج "دونه" أي القصد "عن" مقتضى "الدليل" وإنما كان ذلك عن

стр. 170

٣٨٨ - وَفِعْلُ مَا عَنْ حُكْمِهِ الشَّرْعُ سَكَتْ … وَهْوَ عَلَى مَنْعِ الخُلُوِّ إِنْ ثَبَتْ ٣٨٩ - إِمَّا سُكُوتٌ عَنِ الاِسْتِفْصَالِ … مَعَ مَظِنَّةٍ لَهُ فِي الحَالِ جهل، وذلك كمن يعمل عملا على اعتقاد إباحته لأنَّهُ لم يبلغه دليلٌ تحريمه أو كراهته، أو يتركه معتقدا إباحة تركه إذ لم يبلغه دليلٌ وجوبه أو ندبه (١). "و" النوع الثالث هو "فعل ما" أي شيء "عن" بيان"حكمه الشرع سكت" فلم يرد عنه في ذلك شيء فمن أتاه وهو يرى إباحته عملا بالبراءة الأصلية فإنه يجرى على فعله هذا حكم العفو "وهو" يعني أن هذا الذي تقرر هنا من جريان حكم العفو في هذا الموضع إن بني على مذهب من يرى صحة خلو بعض الوقائع من حكم الله - تعالى - فالنظر في هذا متوجه، ويكون هو مقتضى الحديث وما سكت عنه فهو عفو ووجهه أن سكت عنه هو الذي خلا من الحكم الشرعي، فيسري فيه حكم العفو المذكور وأما إن بني "على" قول من يرى "منع الخلو" أي خلو الوقائع من الحكم الشرعي إذ لا توجد واقعة إلا وفيها الحكم الشرعي، وعليه فليس ثمت مسكوت عن حكمه بحال، بل هو إما منصوص أو مقيس على منصوص "إن ثبت" هذا القول، فإن هذا مشكل، لأنَّهُ إن عدم المسكوت عنه شرعا عدم ما يجرى فيه العفو على الوجه الذي تقدم تقريره، إلا أنه يمكن أن يوجه جريان حكم العفو على هذا القول - أيضًا - بصرف السكوت - الوارد في الحديث - "أما" إلى "سكوت" من الشارع "عن الاستفصال" والتفرقة بين الجزئيات المختلفة المندرجة تحت لفظه "مع" وجود "مظنة" محل يظن فيه ورود "له" أي ذلك الاستفصال "في الحال" أي حال ورود ذلك الخطاب الخالي من ذلك الاستفصال بناء على عدم جواز تأخير البيان وقت الحاجة وقوله "الحال" هذا قد يكون جاء به لإتمام البيت لصحة الاستغناء عنه. وقد يكون معناه "في الحال" موضع الحكم فيكون معنى كلامه: مع مظنة ثابتة في الخطاب. مثال هذا الذي سكت الشارع عن الاستفصال فيه مع وجود مظنته قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فإن هذا العموم يتناول بظاهره ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم، وإذا نظر إلى المعنى أشكل لأن في ذبائح الأعياد زيادة تنافي أحكام الإسلام، فكان للنظر هنا مجال، ولكن مكحولا سئل عن المسألة فقال: كله قد علم

стр. 171

٣٩٠ - أَوْ عَنْ مَجَارِي العَادَةِ المُسْتَصْحَبَةْ … أَوْ عَمَلٍ شَرْعُ الخَلِيلِ أَوْجَبَةْ " المسألة الحادية عشرة " الله ما يقولون وأحل ذبائحهم، يريد والله أعلم أن الآية لم يخص عمومها، وإن وجد هذا الخاص المنافي لجواز أكل جميع ذبائحهم وعلم الله مقتضاه ودخوله تحت عموم اللفظ، ومع ذلك فأحل ما ليس فيه عارض وما هو فيه، لكن بحكم العفو عن وجه المنافاة (١). هذا التوجيه الأول. وأما التوجيه الثاني فقد أورده الناظم بقوله: "أو" يصرف السكوت المذكور إلى السكوت "عن" بيان حكم "مجارى العادة" أي ما جرت به العادة "المستصحبة" للأعمال وسلوك الناس بعد دخولهم في الإسلام، وذلك كما في الأشياء التي كانت أول الإسلام على حكم الإقرار - والبراءة الأصلية - ثم حرمت بعد ذلك بتدرج كالخمر. "أو" صرفه - أي السكوت المذكور - إلى السكوت عن "عمل شرع" إبراهيم "الخليل" ﵇ "أوجبه" وشرعه وذلك كما في النكاح والطلاق والحج والعمرة وسائر أفعالها إلا ما غيّروا من ذلك فقد كان العرب يفعلون ذلك قبل الإسلام فيفرقون بين النكاح والسفاح ويطلقون ويطوفون بالبيت أسبوعا ويمسحون الحجر الأسود ويسعون بين الصفا والمروة ويلبون ويقفون بعرفات ويأتون مزدلفة ويرمون الجمار ويعظمون الأشهر الحرم ويحرمونها ويغتسلون من الجنابة ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم ويقطعون السارق ويصلبون قاطع الطريق إلى غير ذلك مما كان فيهم من بقايا ملة أبيهم إبراهيم فكانوا على ذلك إلى أن جاء الإسلام فبقوا على حكمه حتَّى أحكم الإسلام منه ما أحكم وانتسخ ما خالفه فدخل ما كان قبل ذلك في حكم العفو مما لم يتجدد فيه خطاب زيادة على التلقي من الأعمال المتقدمة وقد نسخ منها ما نسخ وأبقى منها ما أبقى على المعهود الأول (٢). "المسألة الحادية عشرة" في بيان من يتوجه عليه حكم فرض الكفاية.

стр. 172

٣٩١ - وَطَلَبُ الكِفَايَةِ المَشْرُوعُ … مَا كَانَ مَطْلُوبًا بِهِ الجَمِيعُ ٣٩٢ - يُسْقِطُهُ بَعْضٌ عَنِ البَاقِي إِذَا … يَفْعَلُهُ وَهْوَ صَحِيحٌ هَكَذَا ٣٩٣ - مَعَ اعْتِبَارِ الطَّلَبِ الكُلِّيِّ … لَا بِاعْتِبَارِ الطَّلَبِ الجُزْئِيِّ ٣٩٤ - لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ ذُو تَشَعُّبِ … مَرْجِعُهُ إِلَى وُرُودِ الطَّلَبِ ٣٩٥ - عَلَى الَّذِينَ فِيهِمُ أَهْلِيَّةْ … لِذَلِكَ المَطْلُوبِ فِي القَضِيَّةْ ٣٩٦ - وَالنَّصُّ فِي ذَلِكَ مِمَّا كَثُرَا … كَوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ فَلَوْلَا نَفَرَا " وطلب الكفاية" هو ما لا يتوجه شرعا إلى كل عين شخص مكلف وإنما يتوجه إلى المخاطبين به على سبيل البدل والجمع "المشروع" من رب العالمين وإنما ذكر هذه اللفظة "المشروع" هنا لبيان الواقع، أو لإتمام البيت فقط، إذ لا يسمى طلب الكفاية إلا ما كان مشروعا، فلا حاجة إلى إيراده هو "ما كان مطلوبا به" يعني بفعله والإتيان به "الجميع" أي جميع المخاطبين به، فهو متوجه إليهم كلهم لكن "يسقطه" أي هذا الطلب بعض من المخاطبين به "عن الباقي" منهم "إذا" كان ذلك البعض "يفعله" ويقوم به. وعبارة الأصوليين والفقهاء هي: "إذا قام به البعض سقط عن الباقين" "وهو "أي ما ذكر من أنه - طلب الكفاية - متوجه إلى الجميع هو قول "صحيح هكذا" أي من غير تفصيل لكن "مع اعتبار" وملاحظة "الطلب الكلي" الذي هو هنا - طلب الكفاية - من حيث هو "لا باعتبار الطلب الجزئي" الذي هو اعتبار ملاحظة موضع كل طلب بعينه وعلى حدة، فإنه إن اعتبر ذلك ولوحظ أدرك أنه - طلب الكفاية - غير متوجه إلى الجميع "لأنَّهُ إذ ذاك" أي عند اعتبار ما ذكر "ذو تشعب" وأقسام اقتضاها اختلاف أنواع ما يطلب بهذا الطلب، فحال كل مطلوب به هو الذي يبين من هو مخاطب به، لكن "مرجعه" في الجملة "إلى" وقوع و "ورود الطلب على" البعض، ولكن ليس على البعض كيف كان بل على البعض "الذين فيهم أهلية لذلك" الفعل "المطلوب" الإتيان به "في القضية" يعني في الخطاب الشرعي الوارد في ذلك والأدلة على ذلك كثيرة منها "النص" الشرعي الوارد "في" إثبات "ذلك" وتقريره، وهو "مما كثرا" في الكتاب والسنة "ك" قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ومن الأدلة على ذلك: ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى والصغرى فإنها إنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على الناس، وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يطلب بها شرعا باتفاق من كان أهلا للقيام بها والفناء فيها. وكذلك الجهاد حيث يكون فرض كفاية - إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة. وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية، إذ لا يصح أن يطلب بها من يبدئ فيها ويعيد، فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة. وكلاهما باطل شرعا. ومنها - أيضًا - ما وقع من فتاوى العلماء، وما وقع أيضًا في الشريعة من هذا المعنى. فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله ﷺ وقد قال لأبي ذر: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم" وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنها، فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج الإهمال، ومن كان مثله. وفي حديث: "لا تسأل الإمارة" وهذا النهي يقتضي أنها غير عامة الوجوب، ونهى أبو بكر ﵁ بعض الناس عن الإمارة، فلما مات رسول الله ﷺ وليها أبو بكر، فجاءه رجل فقال: نهيتني عن الإمارة ثم وليت" فقال له" وأنا الآن أنهاك عنها واعتذر له عن ولايته هو بأنه لم يجد من ذلك بدا وروى أن تميمًا الداري استأذن عمر بن الخطاب ﵁ في أن يقص، فمنعه من ذلك وهو من مطلوبات الكفاية - أعني هذا النوع من القصص الذي طلبه تميم رضى الله عنه - وروى نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁ وعلى هذا المهيع جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفايات فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو فقال أما على كل الناس فلا يعنى به الزائد على الفرض العيني. وقال أيضًا أما من كان فيه موضع للامامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب والأخذ في العناية بالعلم على قدر النية فيه فقسم كما ترى فجعل من فيه قبولية للإمامة مما يتعين عليه ومن لا جعله مندوبا إليه وفي ذلك بيان أنه ليس على كل الناس.

стр. 174

" المسألة الثانية عشرة " ٣٩٧ - وَكُلُّ مَا كَانَ مُبَاحَ الفِعْلِ … ضَرُورَةً أَوْ حَاجَةً فِي الأَصْلِ ٣٩٨ - وَجَاذَبَتْهُ مَعَ ذَا عَوَارِضُ … وُقُوعًا أَوْ تَوَقُّعًا تُعَارِضُ ٣٩٩ - هَلْ يَبْطُلُ العَارِضُ حِينَ يُعْتَبَرْ … أَصلُ الَّذِي أُبِيحَ فِي هَذَا نَظَرْ وقال سحنون: من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبها لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ومن لا يعرف المعروف كيف يأمر به أو لا يعرف المنكر كيف ينهى عنه (١). "المسألة الثانية عشرة" في أن ما أصله الإباحة للحاجة أو الضرورة إلا أنه تتجاذبه العوارض المضادة لأصل الإباحة وقوعا أو توقعا هل يترك على أصل الإباحة بالنقض أو لا؟ هذا محل نظر وإشكال، والقول فيه لا يخلو إما أن يضطر إلى المباح أو لا. وإذا لم يضطر إليه فإما أن يلحقه بتركه حرج أم لا، فهذه ثلاثة أقسام في ذلك وبيان حكمه. يقول الناظم: "وكل ما" أي شيء كان "مباح الفعل" وكان فعله "ضرورة" أي لأجل الضرورة وذلك كالاضطرار إلى الأكل والشرب والمعاملات "أو حاجة" أي لأجل الحاجة "في الأصل" متعلق بقوله "مباح" يعني: وكل ما كان مباح الفعل في الأصل، لكنه اضطر إلى فعله للضرورة أو الحاجة "وجاذبته مع" وجود "ذا" الوصف فيه وهو الإباحة الأصلية الاضطرار والحاجة إليه العوارض جمع عارض والمراد - هنا ما يمنع من جريان حكم تلك الإباحة وما يسقطه شرعا، وتلك العوارض سواء وقعت في محل ذلك الحكم "وقوعا" ووجدت فيه الآن، "أو" توقعت "توقعا" فهي منتظرة الوقوع في المآل، وهي كل حال "تعارض" وتمنع جريان الحكم المذكور "هل يبطل" ويسقط الحكم "العارض" المذكور وذلك "حين يعتبر أصل" الفعل "الذي أبيح" ويرجح، أو يبطل أصل الإباحة ويرجح حكم العارض "في هذا نظر" وتفصيل ذلك أن ذلك الفعل المباح لا يخلو إما أن يضطر إليه أم لا. فإن لم يضطر إليه فإنه إما أن يكون في تركه

стр. 175

٤٠٠ - فَإِنْ يَكُنْ لِفِعْلِ مَا أُبِيحَا … يَضْطَرُّ كَانَ فِعْلُهُ صَحِيحَا ٤٠١ - وَلَا اعْتِبَارَ فِيهِ بِالمُعَارِضِ … كَمِثْلِ مَا لَوْ كانَ غَيْرَ عَارِضِ ٤٠٢ - ومِثْلُهُ مَا لَا لَهُ اضْطِرَارُ … لَكِنْ لَهُ فِي تَرْكِهِ ضِرَارُ حرج أو لا فهذه أقسام ثلاثة. ذكر أولاها بقوله "فإن يكن" المكلف "لفعل ما" أي الذي "أبيحا" الألف للإطلاق "يضطر" يعني مضطرا "كان فعله" لذلك المباح "صحيحا" شرعا "ولا اعتبار فيه" أي في ذلك المباح، ولا اعتداد "بـ" وجود ذلك الوصف "المعارض" لحكم الإباحة فيه، بل يلغى أمره "كمثل ما لو كان غير عارض" أو موجود فيه. وذلك لأن فعله قد صار واجب الفعل ولم يبق على أصله من الإباحة وإذا صار واجبًا لم يعارضه إلا ما هو مثله في الطرف الآخَر أو أقوى منه وليس فرض المسألة هكذا فلم يبق إلا أن يكون طرف الواجب أقوى فلا بد من الرجوع إليه وذلك يستلزم عدم معارضة الطوارئ. والثاني أن محال الاضطرار مغتفرة في الشرع أعني أن إقامة الضرورة معتبرة وما يطرأ عليه من عارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتلبة كما اغتفرت مفاسد أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وأشباه ذلك في جنب الضرورة لإحياء النفس المضطرة وكذلك النطق بكلمة الكفر أو الكذب حفظا للنفس أو المال حالة الإكراه فما نحن فيه من ذلك النوع فلا بد فيه من عدم اعتبار العارض للمصلحة الضرورية والثالث إنا لو اعتبرنا العوارض ولم نغتفرها لأدى ذلك إلى رفع الإباحة رأسا وذلك غير صحيح كما سيأتي في كتاب المقاصد من أن المكمل إذا عاد على الأصل بالنقض سقط اعتباره واعتبار العوارض هنا إنما هي من ذلك الباب فإن البيع والشراء حلال في الأصل فإذا اضطر إليه وقد عارضه موانع في طريقه ففقد الموانع من المكملات كاستجماع الشرائط وإذا اعتبرت أدى إلى ارتفاع ما اضطر إليه وكل مكمل إذا عاد على أصله بالنقض فباطل فما نحن فيه مثله. "ومثله" أي هذا القسم الثاني وهو "ما" أي المباح الذي "لا" أي ليس "له" أي للمكلف "اضطرار" إليه "لكن له" يعني عليه "في تركه" هو عدم فعله "ضرار" يعني حرجا ومشقة - وضرار - على وزن فعال بكسر الفاء يفيد الاشتراك، إلا أنه يرد بمعنى الضر الذي لا يدل على الاشتراك، وهو المقصود به هنا ففي هذا القسم - أيضا - يلغي اعتبار

стр. 176

٤٠٣ - إِذْ بَعْضُ مَا يُمْنَعُ رَفْعًا لِلْحَرَجْ … أُبِيحَ كَالقَرْضِ وَمَا مَعْهُ انْدَرَجْ ٤٠٤ - وَخُلْفُ بَعْضِهِمْ بِهَذَا المَنْهَجِ … شَهَادَةٌ مِنْهُ بِرَفْعِ الحَرَجِ " المسألة الثالثة عشرة " ٤٠٥ - وَالحَقُّ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَا الفَصْلِ … لِحَرَجِ العَارِضِ أَوْ ذِي الأَصْلِ العوارض والطوارئ "إذ بعض ما يمنع" قد أجيز فعله وذلك "رفعا للحرج" ودرءا للمشقة، "أبيح" وذلك "كالقرض" فإن فيه بيع الفضة ليس بيد، بل فيه نسيئة، ومقتضى ذلك أن يمنع، إلا أَنَّهُ أجيز رفع الحرج والمشقة التي قد تكون عن منعه، فإن الناس يحتاجون في إصلاح أحوالهم ومعاشهم إليه. "و" كذلك حكم "ما معه اندرج" ودخل في هذا الحكم كإباحة العرايا، والقراض، ودخول الحمام، والأسواق والمرور بالطرق ومخالطة الناس مع ما يعرض له في ذلك من منكرات، فحكم ذلك كله الإباحة إذا كان الامتناع منه يفضي إلى الوقوع في الحرج والمشقة. "و" أما "خلف بعضهم" أي بعض أهل العلم "بهذا المنهج" أي في هذا الطريق الذي قرر عليه هذا الحكم و - هو - إلغاء العوارض واعتبار ما يقتضيه أصل الإباحة - هنا هو - أي هذا الخلف "شهادة منه برفع الحرج" هنا أنه معدوم، أو ضعيف، لأن مثله معتاد في التكاليف، والحرج المعتاد مثله في التكليف، غير مرفوع وإلا لزم رفع جميع التكاليف أو أغلبها (١). وهذا الذي تقدم من رجحان الأصل الإباحة وإلغاء معارضه، إنما يصح ويرجح إذا كانت تلك العوارض بمجموعها لا تقتضي رجحان اعتبارها، وأما إذا كانت تقتضي ذلك فإن هذا محل اجتهاد ونظر وهو ما يورد المصنف بيانه وحكمه في المسألة الموالية وهي: "المسألة الثالثة عشرة" في أن المختار في هذه المسألة - مسألة تعارض حكم المباح الأصل المفعول للضرورة وحكم العوارض الموجبة لخلاف ما اقتضاه ذلك الأصل - هو الترجيح بينهما بقوة الحرج والمفسدة، فأيهما أقوى حرجا أو أكثر مفسدة يقدم على الآخَر. قال الناظم: "والحق" والقول الراجح هو "أن ينظر في ذا" أي في هذا "الفصل" المعقود لهذه المسألة "لـ" تمام وقوة "حرج العارض" في محل حكم، لو ترك العمل به "أو" - بمعنى الواو - أي تمام وقوة حرج "ذي" صاحب "الأصل" وهو المباح هنا - لو ترك العمل به، والسبيل

стр. 177

٤٠٦ - فَفَقْدُ عَارِضٍ مَعَ الأَصْلِ يُرَى … إِمَّا مُكَمِّلًا لَهُ حَيْثُ جَرَى ٤٠٧ - فَلَا اسْتِوَاءَ فِيهِمِا وَلَا أَثَرْ … لِفَقْدِ عَارِضٍ فِي الأَصْلِ مُعْتَبَرْ المسلوك في ذلك أن ينظر إلى فقد العوارض بالنسبة إلى هذا الأصل هل هو من باب المكمل له في بابه أو هو من باب آخر هو أصل نفسه، فإن كان هذا الثاني: فإما أن يكون واقعا أو متوقعا. وفي ذلك وحكمه. يقول الناظم: "ففقد عارض" إذ قرن"مع الأصل" ونظر إليه نسبة بالنسبة لذلك الأصل فإنه "يرى إما مكملا له" يعنى مكملا لمصلحته المقصودة شرعا منه، وذلك كالشرط مع المشروط في المعاملات "حيث" أي في أي موضع "جرى" أي وقع، فإن كان كذلك أي - مكملا له - "فـ" إنه "لا استواء فيهما" ولا تعارض بينهما "ولا أثر" أي لا تأثير "لفقد عارض في" هذا "الأصل معتبر" بل يلغى اعتبار فقد ذلك العارض، ويعمل بمقتضى الأصل - الإباحة - وذلك كالبيع والشراء فإنهما حلال في الأصل، فإذا اضطر إلى أحدهما وقد عارضه موانع في طريقه ففقد الموانع من المكملات كاستجماع الشرائط، وإذا اعتبرت أدى اعتبارها إلى ارتفاع ما اضطر إليه. وكل مكمل عاد على أصله بالنقص فهو باطل. والدليل على ذلك أمور: أحدها: أن المكمل مع مكمله كالصفة مع الموصوف، وفقد الصفة لا يوجب فقد الموصوف، وفقد الموصوف يوجب فقد الصفة، ولذلك كان جانب الموصوف أقوى في الوجود والعدم، وفي المصلحة والمفسدة. ثانيها: أن الأصل مع مكملاته كالكلي مع الجزئي. وقد علم أن الكلي إذا عارضه الجزئي، يقدم عليه الكلي فلا أثر للجزئي معه، فكذلك هنا، فإنه لا أثر لمفسدة فقد المكمل في مقابلة مصلحة وجود مكمل. ثالثها: أن المكمل من حيث هو مكمل إنما هو مقصود لأصل المصلحة ومؤكد لها. ففوته إنما فوت بعض المكملات مع أن أصل المصلحة باق وإذا كان باقيا فإنه لم يعارضه ما ليس في مقابلته، كما أن فوت أصل المصلحة إذا وقع لا يعارضه بقاء مصلحة المكمل وهو ظاهر. هذا إن كان العارض من باب التكميل وأما إن كان من باب آخر هو أصل بنفسه، فقد أورد حاله وحكمه قائلا:

стр. 178

٤٠٨ - أَوْ غَيْرَ مُكْمِلٍ لَهُ تَوَقُّعُ … لَيْسَ بِمَرْعِيٍّ حَيْثُ يَتْبَعُ ٤٠٩ - وَوَاقِعٌ فَمَوْضِعُ التَّصْحِيحِ … بَابُ التَّعَارُضِ أَوِ التَّرْجِيحِ ٤١٠ - وَغَيْرُ مَا اضْطُرَّ لَه، وَلَا ضَرَرْ … فِي تَرْكِهِ فِيهِ مَجَالٌ لِلنَّظَرْ " أو" كان العارض "غير مكمل" بل هو من باب آخر هو أصل بنفسه، وقد ثبت "له توقع" وانتظار وجود المال فهذا "ليس بمرعى" ولا معتبر "بحيث" يبنى عليه و "يتبع" مقتضاه، وإنما حقه أن يلغى، بحيث يقضي بأنه لا أثر له، لأن ترك المباح الأصل المذكور حرجه واقع، وهو مفسدة، والمفسدة هذا العارض متوقعة متوهمة، فلا تعارض بينهما البتة، لأن الواقع إنما يعارضه الواقع، وهو غير حاصل هنا هذا إن كان ذلك العارض متوقعا، وأما إن كان غير متوقع، بل هو "واقع" وثابت الوجود، "فـ" إن الموضع الذي هو فيه ذلك "موضع" الاجتهاد و "التصحيح" لما ظهر من ذلك أنه صحيح وراجح، وذلك لأن مفسدة العوارض قد تكون أتم من مفسدة ترك المباح، وقد يكون الأمر بالعكس، والنظر في هذا بابه "باب التعارض والترجيح" وهو باب معقود لبيان حقيقة هذين الأمرين - التعارض والترجيح - وأحكامها. هذا تمام بيان هذه المسألة: المسألة الثالثة عشرة وما يتعلق بها بإيجاز. ولما أنهى الناظم الكلام عليها رجع إلى تتميم ما بقي من المسألة السابقة - الثانية عشرة - وهذا تصرف تبع فيه الناظم ما عليه الشاطبي في الأصل - الموافقات - ولا يخفى ما في ذلك التصرف من أنه غير سديد، لأن عقده الكلام على ذكر المسألة الثالثة عشرة يقضي بأن المسألة التي قبلها قد انتهت، وهو خلاف ما عليه واقع الحال في ذلك، إذ تبين أنه إنما أورد الكلام فيها استطرادا، فكان مقتضى ذلك أن لا يعنون عليها بالمسألة، وإنما يذكر ما أورد فيها طرفا من المسألة الثانية عشرة لأنَّهُ إنما تتضمن تتميما للكلام السابق الذي ذكر فيها. وعلى أي حال فإن الناظم قد رجع إلى تتميم ما ذكر تبعا للأصل. "و" القسم الثالث من المسألة السابقة هو "غير ما" أي المباح الأصل الذي "اضطر له، ولا ضرر" يلحق "في تركه" إطلاقًا فهذا - القسم - "فيه مجال" ومسرح "للنظر" والاجتهاد، وذلك لأن ما ترجح به جانب المباح فيما تقدم وهو الضرورة والحاجة قد ارتفع هنا، وكذلك ما ترجح به جانب العارض من قوة المفسدة - أيضًا - كما تقدم غير مفروض هنا، فانحصر التعارض في هذا المقام بين العارض والإباحة، ولذلك كان هذا

стр. 179

٤١١ - وَمُقْتَضَى الذَّرَائِعِ المَأْثُورَةْ … يَدْخُلُ فِي ذَا القِسْمِ بِالضَّرُورَةْ ٤١٢ - وَمِنْهُ أَيْضًا مَنْشَأُ الخِلَافِ فِي … تَعَارُضِ الغَالِبِ وَالأَصْلِ اقْتُفِي محل الاجتهاد والنظر والترجيح بما تقتضيه الأدلة والقواعد المعمول بها في هذا الموضع "ومقتضى" قاعدة "الذرائع المأثورة" عن أهل العلم يعني المأثور العمل بها واعتبارها عنهم "يدخل" العمل به "في ذا القسم" لكونه أي هذا القسم صالحا ليدخل فيه ويحكم به فيه؛ ويبني عليه رجحان العارض على حكم الجناح لأن في ذلك سدا لذريعة الوقوع في مفسدة واقعة أو متوقعة، مجلوبة بذلك العارض. كما أنه يبنى عليه رجحان الحكم المباح على الحكم العارض - أيضًا - بناء على أن في ذلك سدا لذريعة الوقوع في إثبات الحرج الذي رفعه الشارع في المباح، لأنَّهُ مظنته. إذ عوارض المباح كثيرة فإذا اعتبرت فربما ضاق المسلك وتعذر المخرج" فيصار إلى القسم الذي دخول هذه القاعدة فيه ثابت "بالضرورة" لجريان حكمها فيه، كما تقدم ذكره، إلا أنها لا تفيد فيها رجحان أي من المتعارضين لصلاحية بناء رجحان أي منهما عليها إلا أن المباح يرجح من جهة أخرى وهو أنه ثابت بأصل الإذن (١) هذا ما ظهر لي أنه المقصود هنا وأنه ينبغي تقرير الكلام عليه. "ومنه" يعني وفيه أي هذا القسم "أيضًا" يجري بناء حكم على "منشأ الخلاف" الواقع بين أهل العلم "في" قاعدة "تعارض الغالب" في واقع شيء ما "والأصل" فيه، إذا اختلفوا في أي منهما - الأصل الغالب - الراجح المقدم على الآخَر في بناء الحكم الفقهي ومن أمثلة ذلك سؤر ما عادته استعمال النجاسة إذا لم تر في أفواهها، ولم يعسر الاحتراز منها كالطير، والسباع، والدجاج والإوز المخلاة هل ينجس ماء كان أو طعاما، فيراقان حملا على الغالب أم لا تغليبا للأصل؟ ذهب بعضهم - كابن رشد - إلى تقديم الأصل، فيحمل على الطهارة. وذهب آخرون منهم إلى تقديم الغالب. والمشهور في مذهب مالك: تغليب الغالب في الماء، والأصل في الطعام لاستجازة طرح الماء. وهذا الأصل - القاعدة - هو الذي "اقتفى" أي اتبع، العمل به في بناء الأحكام في هذا القسم فمن غلب الأصل ورجحه، ذهب إلى ترجيح الإباحة وإلغاء العارض. ومن غلب العارض ورجحه ذهب إلى إلغاء الأصل - الإباحة - والعمل بمقتضاه. وعبارة

стр. 180

٤١٣ - وَهْوَ مَحَلٌّ لاجْتِهَادٍ وَنَظَرْ … فِي طَرَفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ صَدَرْ الشاطبي: "ويدخل فيه - أيضًا - قاعدة تعارض الأصل والغالب، والخلاف شهير" (١) ولا يخفى ما بين كلامه وكلام الناظم من الاختلاف، إلا أننا نقرر كلام الناظم على ظاهره لأجل بيانه وإن كان بينه وبين كلام الشاطبي اختلاف يمكن أن يؤول بضرب من التوجيه إلى وفاق ما. فتأمل حاصل القول أن هذا المقام - هذا القسم - قد وقع الخلاف فيما هو راجح فيه العمل به، هل هو الأصل أو العارض، وقد تجلب كل واحد من الطرفين المختلفين في هذا الشأن أدلته وحججه التي تدل على صحة رأيه ومذهبه في ذلك، وهي كثيرة (٢) "و" هي إنما كان حال هذا القسم على هذه الصورة لأنَّهُ "هو محل لاجتهاد ونظر" ثابتين "في طرفي "أي جهتي "نفي" لأحد الاعتبارين - الغالب والأصل - "وإثبات" لأحدهما على الوجه المتقدم، "صدر" هكذا في النسخة التي بيدي فلعل معناه جاء فتأمل.
следующие страницы →