← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٤٠٣ - إِذْ بَعْضُ مَا يُمْنَعُ رَفْعًا لِلْحَرَجْ … أُبِيحَ كَالقَرْضِ وَمَا مَعْهُ انْدَرَجْ ٤٠٤ - وَخُلْفُ بَعْضِهِمْ بِهَذَا المَنْهَجِ … شَهَادَةٌ مِنْهُ بِرَفْعِ الحَرَجِ " المسألة الثالثة عشرة " ٤٠٥ - وَالحَقُّ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَا الفَصْلِ … لِحَرَجِ العَارِضِ أَوْ ذِي الأَصْلِ العوارض والطوارئ "إذ بعض ما يمنع" قد أجيز فعله وذلك "رفعا للحرج" ودرءا للمشقة، "أبيح" وذلك "كالقرض" فإن فيه بيع الفضة ليس بيد، بل فيه نسيئة، ومقتضى ذلك أن يمنع، إلا أَنَّهُ أجيز رفع الحرج والمشقة التي قد تكون عن منعه، فإن الناس يحتاجون في إصلاح أحوالهم ومعاشهم إليه. "و" كذلك حكم "ما معه اندرج" ودخل في هذا الحكم كإباحة العرايا، والقراض، ودخول الحمام، والأسواق والمرور بالطرق ومخالطة الناس مع ما يعرض له في ذلك من منكرات، فحكم ذلك كله الإباحة إذا كان الامتناع منه يفضي إلى الوقوع في الحرج والمشقة. "و" أما "خلف بعضهم" أي بعض أهل العلم "بهذا المنهج" أي في هذا الطريق الذي قرر عليه هذا الحكم و - هو - إلغاء العوارض واعتبار ما يقتضيه أصل الإباحة - هنا هو - أي هذا الخلف "شهادة منه برفع الحرج" هنا أنه معدوم، أو ضعيف، لأن مثله معتاد في التكاليف، والحرج المعتاد مثله في التكليف، غير مرفوع وإلا لزم رفع جميع التكاليف أو أغلبها (١). وهذا الذي تقدم من رجحان الأصل الإباحة وإلغاء معارضه، إنما يصح ويرجح إذا كانت تلك العوارض بمجموعها لا تقتضي رجحان اعتبارها، وأما إذا كانت تقتضي ذلك فإن هذا محل اجتهاد ونظر وهو ما يورد المصنف بيانه وحكمه في المسألة الموالية وهي: "المسألة الثالثة عشرة" في أن المختار في هذه المسألة - مسألة تعارض حكم المباح الأصل المفعول للضرورة وحكم العوارض الموجبة لخلاف ما اقتضاه ذلك الأصل - هو الترجيح بينهما بقوة الحرج والمفسدة، فأيهما أقوى حرجا أو أكثر مفسدة يقدم على الآخَر. قال الناظم: "والحق" والقول الراجح هو "أن ينظر في ذا" أي في هذا "الفصل" المعقود لهذه المسألة "لـ" تمام وقوة "حرج العارض" في محل حكم، لو ترك العمل به "أو" - بمعنى الواو - أي تمام وقوة حرج "ذي" صاحب "الأصل" وهو المباح هنا - لو ترك العمل به، والسبيل

стр. 177

٤٠٦ - فَفَقْدُ عَارِضٍ مَعَ الأَصْلِ يُرَى … إِمَّا مُكَمِّلًا لَهُ حَيْثُ جَرَى ٤٠٧ - فَلَا اسْتِوَاءَ فِيهِمِا وَلَا أَثَرْ … لِفَقْدِ عَارِضٍ فِي الأَصْلِ مُعْتَبَرْ المسلوك في ذلك أن ينظر إلى فقد العوارض بالنسبة إلى هذا الأصل هل هو من باب المكمل له في بابه أو هو من باب آخر هو أصل نفسه، فإن كان هذا الثاني: فإما أن يكون واقعا أو متوقعا. وفي ذلك وحكمه. يقول الناظم: "ففقد عارض" إذ قرن"مع الأصل" ونظر إليه نسبة بالنسبة لذلك الأصل فإنه "يرى إما مكملا له" يعنى مكملا لمصلحته المقصودة شرعا منه، وذلك كالشرط مع المشروط في المعاملات "حيث" أي في أي موضع "جرى" أي وقع، فإن كان كذلك أي - مكملا له - "فـ" إنه "لا استواء فيهما" ولا تعارض بينهما "ولا أثر" أي لا تأثير "لفقد عارض في" هذا "الأصل معتبر" بل يلغى اعتبار فقد ذلك العارض، ويعمل بمقتضى الأصل - الإباحة - وذلك كالبيع والشراء فإنهما حلال في الأصل، فإذا اضطر إلى أحدهما وقد عارضه موانع في طريقه ففقد الموانع من المكملات كاستجماع الشرائط، وإذا اعتبرت أدى اعتبارها إلى ارتفاع ما اضطر إليه. وكل مكمل عاد على أصله بالنقص فهو باطل. والدليل على ذلك أمور: أحدها: أن المكمل مع مكمله كالصفة مع الموصوف، وفقد الصفة لا يوجب فقد الموصوف، وفقد الموصوف يوجب فقد الصفة، ولذلك كان جانب الموصوف أقوى في الوجود والعدم، وفي المصلحة والمفسدة. ثانيها: أن الأصل مع مكملاته كالكلي مع الجزئي. وقد علم أن الكلي إذا عارضه الجزئي، يقدم عليه الكلي فلا أثر للجزئي معه، فكذلك هنا، فإنه لا أثر لمفسدة فقد المكمل في مقابلة مصلحة وجود مكمل. ثالثها: أن المكمل من حيث هو مكمل إنما هو مقصود لأصل المصلحة ومؤكد لها. ففوته إنما فوت بعض المكملات مع أن أصل المصلحة باق وإذا كان باقيا فإنه لم يعارضه ما ليس في مقابلته، كما أن فوت أصل المصلحة إذا وقع لا يعارضه بقاء مصلحة المكمل وهو ظاهر. هذا إن كان العارض من باب التكميل وأما إن كان من باب آخر هو أصل بنفسه، فقد أورد حاله وحكمه قائلا:

стр. 178

٤٠٨ - أَوْ غَيْرَ مُكْمِلٍ لَهُ تَوَقُّعُ … لَيْسَ بِمَرْعِيٍّ حَيْثُ يَتْبَعُ ٤٠٩ - وَوَاقِعٌ فَمَوْضِعُ التَّصْحِيحِ … بَابُ التَّعَارُضِ أَوِ التَّرْجِيحِ ٤١٠ - وَغَيْرُ مَا اضْطُرَّ لَه، وَلَا ضَرَرْ … فِي تَرْكِهِ فِيهِ مَجَالٌ لِلنَّظَرْ " أو" كان العارض "غير مكمل" بل هو من باب آخر هو أصل بنفسه، وقد ثبت "له توقع" وانتظار وجود المال فهذا "ليس بمرعى" ولا معتبر "بحيث" يبنى عليه و "يتبع" مقتضاه، وإنما حقه أن يلغى، بحيث يقضي بأنه لا أثر له، لأن ترك المباح الأصل المذكور حرجه واقع، وهو مفسدة، والمفسدة هذا العارض متوقعة متوهمة، فلا تعارض بينهما البتة، لأن الواقع إنما يعارضه الواقع، وهو غير حاصل هنا هذا إن كان ذلك العارض متوقعا، وأما إن كان غير متوقع، بل هو "واقع" وثابت الوجود، "فـ" إن الموضع الذي هو فيه ذلك "موضع" الاجتهاد و "التصحيح" لما ظهر من ذلك أنه صحيح وراجح، وذلك لأن مفسدة العوارض قد تكون أتم من مفسدة ترك المباح، وقد يكون الأمر بالعكس، والنظر في هذا بابه "باب التعارض والترجيح" وهو باب معقود لبيان حقيقة هذين الأمرين - التعارض والترجيح - وأحكامها. هذا تمام بيان هذه المسألة: المسألة الثالثة عشرة وما يتعلق بها بإيجاز. ولما أنهى الناظم الكلام عليها رجع إلى تتميم ما بقي من المسألة السابقة - الثانية عشرة - وهذا تصرف تبع فيه الناظم ما عليه الشاطبي في الأصل - الموافقات - ولا يخفى ما في ذلك التصرف من أنه غير سديد، لأن عقده الكلام على ذكر المسألة الثالثة عشرة يقضي بأن المسألة التي قبلها قد انتهت، وهو خلاف ما عليه واقع الحال في ذلك، إذ تبين أنه إنما أورد الكلام فيها استطرادا، فكان مقتضى ذلك أن لا يعنون عليها بالمسألة، وإنما يذكر ما أورد فيها طرفا من المسألة الثانية عشرة لأنَّهُ إنما تتضمن تتميما للكلام السابق الذي ذكر فيها. وعلى أي حال فإن الناظم قد رجع إلى تتميم ما ذكر تبعا للأصل. "و" القسم الثالث من المسألة السابقة هو "غير ما" أي المباح الأصل الذي "اضطر له، ولا ضرر" يلحق "في تركه" إطلاقًا فهذا - القسم - "فيه مجال" ومسرح "للنظر" والاجتهاد، وذلك لأن ما ترجح به جانب المباح فيما تقدم وهو الضرورة والحاجة قد ارتفع هنا، وكذلك ما ترجح به جانب العارض من قوة المفسدة - أيضًا - كما تقدم غير مفروض هنا، فانحصر التعارض في هذا المقام بين العارض والإباحة، ولذلك كان هذا

стр. 179

٤١١ - وَمُقْتَضَى الذَّرَائِعِ المَأْثُورَةْ … يَدْخُلُ فِي ذَا القِسْمِ بِالضَّرُورَةْ ٤١٢ - وَمِنْهُ أَيْضًا مَنْشَأُ الخِلَافِ فِي … تَعَارُضِ الغَالِبِ وَالأَصْلِ اقْتُفِي محل الاجتهاد والنظر والترجيح بما تقتضيه الأدلة والقواعد المعمول بها في هذا الموضع "ومقتضى" قاعدة "الذرائع المأثورة" عن أهل العلم يعني المأثور العمل بها واعتبارها عنهم "يدخل" العمل به "في ذا القسم" لكونه أي هذا القسم صالحا ليدخل فيه ويحكم به فيه؛ ويبني عليه رجحان العارض على حكم الجناح لأن في ذلك سدا لذريعة الوقوع في مفسدة واقعة أو متوقعة، مجلوبة بذلك العارض. كما أنه يبنى عليه رجحان الحكم المباح على الحكم العارض - أيضًا - بناء على أن في ذلك سدا لذريعة الوقوع في إثبات الحرج الذي رفعه الشارع في المباح، لأنَّهُ مظنته. إذ عوارض المباح كثيرة فإذا اعتبرت فربما ضاق المسلك وتعذر المخرج" فيصار إلى القسم الذي دخول هذه القاعدة فيه ثابت "بالضرورة" لجريان حكمها فيه، كما تقدم ذكره، إلا أنها لا تفيد فيها رجحان أي من المتعارضين لصلاحية بناء رجحان أي منهما عليها إلا أن المباح يرجح من جهة أخرى وهو أنه ثابت بأصل الإذن (١) هذا ما ظهر لي أنه المقصود هنا وأنه ينبغي تقرير الكلام عليه. "ومنه" يعني وفيه أي هذا القسم "أيضًا" يجري بناء حكم على "منشأ الخلاف" الواقع بين أهل العلم "في" قاعدة "تعارض الغالب" في واقع شيء ما "والأصل" فيه، إذا اختلفوا في أي منهما - الأصل الغالب - الراجح المقدم على الآخَر في بناء الحكم الفقهي ومن أمثلة ذلك سؤر ما عادته استعمال النجاسة إذا لم تر في أفواهها، ولم يعسر الاحتراز منها كالطير، والسباع، والدجاج والإوز المخلاة هل ينجس ماء كان أو طعاما، فيراقان حملا على الغالب أم لا تغليبا للأصل؟ ذهب بعضهم - كابن رشد - إلى تقديم الأصل، فيحمل على الطهارة. وذهب آخرون منهم إلى تقديم الغالب. والمشهور في مذهب مالك: تغليب الغالب في الماء، والأصل في الطعام لاستجازة طرح الماء. وهذا الأصل - القاعدة - هو الذي "اقتفى" أي اتبع، العمل به في بناء الأحكام في هذا القسم فمن غلب الأصل ورجحه، ذهب إلى ترجيح الإباحة وإلغاء العارض. ومن غلب العارض ورجحه ذهب إلى إلغاء الأصل - الإباحة - والعمل بمقتضاه. وعبارة

стр. 180

٤١٣ - وَهْوَ مَحَلٌّ لاجْتِهَادٍ وَنَظَرْ … فِي طَرَفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ صَدَرْ الشاطبي: "ويدخل فيه - أيضًا - قاعدة تعارض الأصل والغالب، والخلاف شهير" (١) ولا يخفى ما بين كلامه وكلام الناظم من الاختلاف، إلا أننا نقرر كلام الناظم على ظاهره لأجل بيانه وإن كان بينه وبين كلام الشاطبي اختلاف يمكن أن يؤول بضرب من التوجيه إلى وفاق ما. فتأمل حاصل القول أن هذا المقام - هذا القسم - قد وقع الخلاف فيما هو راجح فيه العمل به، هل هو الأصل أو العارض، وقد تجلب كل واحد من الطرفين المختلفين في هذا الشأن أدلته وحججه التي تدل على صحة رأيه ومذهبه في ذلك، وهي كثيرة (٢) "و" هي إنما كان حال هذا القسم على هذه الصورة لأنَّهُ "هو محل لاجتهاد ونظر" ثابتين "في طرفي "أي جهتي "نفي" لأحد الاعتبارين - الغالب والأصل - "وإثبات" لأحدهما على الوجه المتقدم، "صدر" هكذا في النسخة التي بيدي فلعل معناه جاء فتأمل.

стр. 181

خطاب الوضع ٤١٤ - أَمَّا خِطَابُ الوَضْعِ إِذْ يُقَرَّرُ … فَفِي فُصُولٍ خَمْسَةٍ يَنْحَصِرُ الفصل الأول في الأسباب وفيه مسائل " المسألة الأولى " ٤١٥ - وَجُمْلَةُ الأَفْعَالِ حَيْثُ تَقَعُ … فَيُشْرَعُ الحُكْمُ لَهَا أَوْ يُرْفَعُ خطاب الوضع "خطاب الوضع" وهو أن يرد الخطاب الشرعي بكون هذا الشيء سببا، أو شرطا، أو مانعا أو صحيحا، أو فاسدا. وهذا القسم هو الثاني من قسمي الأحكام الشرعية. قال الناظم: "أما خطاب الوضع إذ يقرر" بيان حاله والكلام على أنواعه وأحكامه "فـ" إنه "في فصول خمسة ينحصر" إذ يخص كل نوع منها بفصل. "الفصل الأول في" الكلام على "الأسباب" وأحوالها، وأحكامها "وفيه" أي هذا الفصل تورد لبيان ما ذكر "مسائل": جمع مسألة وهي في الاصطلاح: القضية أو نسبتها التامة. "المسألة الأولى" في أن الأشياء الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع لأجلها أو توضع فتقتضيها على الجملة ضربان: أحدهما خارج من مقدور المكلف. ثانيها: ما يصح دخوله تحت مقدوره. وفي بيان ذلك وحكمه قال الناظم: "وجملة" أي كل الأفعال ولو قال كل الأشياء لكان أولى، لأنَّهُ يشمل الأفعال وما سواها مما سيذكره، من الأسباب والشروط والموانع، فليس كل ما سيذكر من ذلك أفعالا بل فيه ما ليس فعلا، كما سنعرفه بالوقوف عليه "حيث" يعني في أي محل "تقع فيشرع الحكم لها" يعني لأجلها وفي الحقيقة لأجل وقوعها ووجودها - "أو يرفع" لأجل وجودها أو وقوعها، وهي على ضربين: الضرب

стр. 182

٤١٦ - مِنْهُنَّ مَا يَخْرُجُ عَنْ مَقْدُورِ … مُكَلَّفٍ فَهْوَ إِذًا ضَرُورِي ٤١٧ - وَذَاكَ قَدْ يَكُونُ إِمَّا سَبَبَا … أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا الحُكْمَ أَبَا ٤١٨ - مِثْلُ الزَّوَالِ سَبَبًا وَالرُّشْدِ … شَرْطًا وَكَالمَحِيضِ مَنْعًا يُبْدِي ٤١٩ - وَاعْتُبِرَ المَقْدُورُ فِي التَّصْرِيفِ … مِنْ جِهَةِ الخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ ٤٢٠ - مِثْلُ النِّكَاحِ أَوِ الاِبْتِيَاعِ … لِمَقْصِدِ النَّسْلِ وَالاِنْتِفَاعِ الأول "منهن" هو "ما يخرج" إيجاده وكسبه "عن مقدور" أي قدرة واستطاعة الشخص إلى "مكلف فهو" لأجل هذا وهو كونه خارجا عن القدرة "إذا ضروري" وجوده لحصول التكليف بما ينشأ عن وجوده من "وذاك" الضرب المذكور أصنافه ثلاثة، لأنَّهُ "قد يكون إما سببا" وهو: الوصف الظاهر المنبط المعرف للحكم "أو شرطا" وهو: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته "أو مانعا" وهو الوصف الوجودي الظاهر المنبط المعرف نقيض الحكم، فكان صادا "الحكم إذ قد أبى" ومنع جريانه وقد لكون كلمة أبى هذه أتى بها لتميم البيت لأنها في المعنى مستغنى عنها - والمانع عند الأصوليين إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى مانع الحكم. ثم ذكر أمثلة هذه الأصناف فقال "مثل الزوال" في كونه "سببا" في وجوب الصلاة وكمثل العنت في كونه سببا في إباحة نكاح الإماء. "والرشد شرطا" في دفع مال اليتيم إليه، وإرسال الرسل شرط في الثواب والعقاب "وكالمحيض منعا" مانعا من الوطء والطلاق والطواف ووجوب الصلوات، وأداء الصيام، وكالجنون مانعا من القيام بالعبادات وإطلاق التصرفات وما أشبه ذلك. "يبدي" أي يظهر. هذا هو بيان الضرب الأول وأمثلته "وهو ما لا يصح دخوله تحت مقدور المكلف" "وكالمحيض" الذي يفيد "منعا" للعبادة - الصلاة والصوم والطواف - و"يبديـ " ــه شرعا يعني يدل عليه. وأما الضرب الثاني فهو ما يدخل تحت مقدور المكلف وفيه يقول الناظم: "واعتبر" أي راع الشيء "المقدور" على تحصيله بالإمكان "في" حال "التصريف" أي إعماله في بناء الأحكام التي تبنى عليه شرعا وقوله "التصريف" يعني تصريفه، فأل فيه نائبه عن الضمير من جهتين الأولى "جهة الخطاب" الوارد "بالتكليف" فيكون إما مأمورا به أو منهيا عنه أو مأذونا فيه من جهة اقتضائه للمصالح والمفاسد جلبا أو دفعا، "مثل النكاح" فإنه مأمور به "أو الابتياع" أي الشراء "لمقصد النسل" راجع للنكاح "والانتفاع" راجع للابتياع.

стр. 183

٤٢١ - وَجِهَةُ الوَضْعِ عَلَى مَا قَدْ مَضَى … مِثْلُ النِّكَاحِ سَبَبًا لِمَا اقْتَضَى ٤٢٢ - وَالطُّهْرِ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ … وَالدَّيْنِ مَانِعًا مِنَ الزَّكَاةِ ٤٢٣ - وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ يُلْفَى كُلَّ مَا … مَرَّ مَعَ اخْتِلَافِ مَا لَهُ انْتَمَى ٤٢٤ - وَذَاكَ كَالنِّكَاحِ وَالإِيمَانِ … وَالرِّقِّ وَالطَّلَاقِ وَالإِحْصَانِ ٤٢٥ - وَلَا يَكُونُ مَا بِحُكْمٍ عُلِّقَا … فِي حُكْمِ نَفْسِهِ سِوَاهُ مُطْلَقَا " و" الجهة الثانية "جهة الوضع" وهي "على" سنن "ما قد مضى" ذكره في الجهة الأولى وذلك أن هذا الضرب - ما يصح دخوله تحت المقدور قد يكون سببا أو شرطا أو مانعا كالضرب الأول بلا فرق، وذلك "مثل النكاح" في كونه "سببا" أي معرفا "لما اقتضاه" من أمور، وأحكام، كالتوارث بين الزوجين، وتحريم، المصاهرة، وحلية الاستمتاع. "و" كـ "الطهر" يعني الطهارة من الحدث والخبث فإنها "شرط" في "صحة الصلاة" وكالإحصان شرط في رجم الزاني. "و" كـ "الدين" في كونه "مانعا من" وجوب الزكاة في العين عند المالكية ومن وافقهم. "وقد يكون الشيء" الواحد "يلفي" أي يوجد، حال كونه "كل ما مر" فيكون سببا وشرطا ومانعا، لكن مع اختلاف ما انتسب "له" من حكم "وانتمى" "وذاك" الذي يجري فيه ذلك "كالنكاح" فإنه سبب في الإرث، ومانع من نكاح الأخت، وشرط في وقوع الطلاق له في ذلك "والإيمان" فإنه سبب في الثواب، وشرط في وجوب الطاعات، ومانع للقصاص منه للكافر فمواضع هذه المقتضيات مختلفة، فالحكم الأول الثواب، والثاني الصحة ووجوب الطاعة. والثالث: القصاص للمسلم من الكافر. "و" كـ "الرق" أي العبودية، فإنه شرط في صحة العتق، ومانع من الإرث، وسبب في صحة الملك "و" كـ "الطلاق" فإنه سبب في العدة، ومانع من حلية الاستمتاع" وشرط في صحة زواجها من ثان بعد العدة "و" كالإحصان فإنه شرط في رجم الزاني، ومانع من جواز جلده فقط، وسبب في حلية من هو محص بها. ولا يكون شيء "ما" شرطا مثلا "بحكم" أي في حكم ما "وعلق" به ويكون "في" ذلك الحكم "نفسه سواه" بأن يكون سببا فيه أو مانعا "مطلقا" من غير استثناء. ومثل هذا الشرط في ذلك السبب والمانع بلا فرق. وعبارة الشاطبي - رحمه الله تعالى -: "فإذا وقع سببا لحكم شرعي فلا يكون شرطا

стр. 184

" المسألة الثانية " ٤٢٦ - شَرْعِيَّةُ الأَسْبَابِ لَنْ يَستَلْزِمَا … شَرْعِيَّةَ المُسَبَّبَاتِ فَاعْلَمَا ٤٢٧ - وَإِنْ يَكُنْ يَصِحُّ فِيهَا عَادَةْ … تَلَازُمٌ فَالشَّرْعُ غَيْرُ العَادَةْ ٤٢٨ - كَالأَمْرِ بِالنِّكَاحِ لَا يَسْتَلْزَمُ … أَمْرًا بِمَا عَنِ النِّكَاحِ يَلْزَمُ فيه نفسه ولا مانعا، لما في ذلك من التدافع. وإنما سببا لحكم، وشرطا لآخر، ومانعا لآخر ولا يصح اجتماعها على الحكم الواحد ولا اجتماع اثنين منها من جهة واحدة؛ كما لا يصح ذلك في أحكام خطاب التكليف. "المسألة الثانية" في أن مشروعية الأسباب لا تستلزم مشروعية المسببات، وإن صح التلازم بينهما عادة. "شرعية الأسباب" يعني جريان الأحكام الشرعية المختلفة عليها "لن يستلزما" ويوجب "شرعية المسببات" المترتبة عليها، بحيث تجري عليها أحكام أسبابها نفسها "فاعلما" ذلك واعرفه - والألف في قوله: "فاعلما" لعلها منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة - "وإن يكن يصح فيها" في تلك الأسباب - يعني بينها "عادة" بناء على استرسال مجاري العوائد وبقائها "تلازم" كما يدل على ذلك الحس والتجربة "فإن الشرع غير العادة" فقد يكون بين شيئين تلازم عادة، وأمرهما في الحكم الشرعي ليس كذلك، فإن الشارع قد يأمر بالسبب ثم إن ذلك لا يستلزم الأمر بالمسبب، وقد لا ينهى عنه فلا يستلزم ذلك النهي عن المسبب، وذلك "كالأمر بالنكاح" الوارد عن الشارع فإنه "لا يستلزم أمرا بـ" إيجاد "ما عن" ذلك "النكاح" - العقد - "يلزم" وذلك كحلية البضع، لان ذلك ليس داخلا تحت مقدور المكلف فليس مخاطبا بكسبه، لأنَّهُ حكم شرعي. ومثله الأمر بالقتل في القصاص لا يستلزم الأمر بإزهاق الروح، والنهي عن القتل العدوان لا يستلزم النهي عن الإزهاق، والنهي عن التردي - السقوط - في البئر لا يستلزم النهي عن هلك المتردي فيها. والنهي عن جعل الثوب في النار لا يستلزم النهي عن نفس الإحراق. ومثل ذلك وهو كثير. وإنما ليس هذا كله مأمورا به لأن المسببات من خلق الله - تعالى - ومن حكمه.

стр. 185

٤٢٩ - فَمَا المُسَبَّبَاتُ مِنْ مَقْدُورِ … مُكَلَّفٍ فِي جُمْلَةِ الأُمُورِ ٤٣٠ - وَكَمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ دَلِيلِ … مِنْ مُحْكَمِ السُّنَّةِ وَالتَّنْزِيلِ " فما المسببات" والأحكام الشرعية وغيرها "من" الأمور التي يصح دخولها تحت "مقدور" شخص "مكلف" وهذا غير مختص ببعض الأمور بل ذلك "في جملة" أي كل "الأمور" سواء منها ما هو عادي، وما هو شرعي. "وكم على ذلك" الذي ذكر من ان أحكام الأسباب لا تجري شرعا على المسببات على سبيل التلازم "من دليل" هو "من محكم" بين وواضح "السنة" النبوية "و" كم دليل عليه - كذلك - من محكم "التنزيل" القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] وقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقوله ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] إلى آخر الآية وقوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] الآية إلى غير ذلك مما يدل على ضمان الرزق وليس المراد نفس التسبب إلى الرزق بل الرزق المتسبب إليه ولو كان المراد نفس التسبب لما كان المكلف مطلوبا بتكسب فيه على حال ولو بجعل اللقمة في الفم ومضغها أو ازدراع الحب أو التقاط النبات أو الثمرة المأكولة لكن ذلك باطل باتفاق فثبت أن المراد إنما هو عين المسبب إليه. وفي الحديث لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير رواه الترمذي وقال غريب ففي هذا ونحوه بيان لما تقدم ومما يبينه قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ [الواقعة: ٦٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ [الواقعة: ٧٢] وأتى على ذلك كله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وإنما جعل إليهم العمل ليجازوا عليه ثم الحكم فيه لله وحده واستقراء هذا المعنى من الشريعة مقطوع به وإذا كان كذلك دخلت الأسباب المكلف بها في مقتضى هذا العموم الذي دل عليه العقل والسمع فصارت الأسباب هي التي تعلقت بها مكاسب العباد دون المسببات فإذا لا يتعلق التكليف وخطابه إلا بمكتسب فخرجت المسببات عن خطاب التكليف لأنها ليست من مقدورهم ولو تعلق بها لكان تكليفا بما لا يطاق وهو غير واقع كما تبين في الأصول

стр. 186

٤٣١ - وَإِنْ أَتَى مَا يُوهِمُ اسْتِلْزَامَا … عُدَّ اتِّفَاقًا ذَاكَ لَا لِزَامَا ٤٣٢ - وَفِي اخْتِلَافِ الحُكْمِ فِي المُسَبَّبِ … مَعْ سَبَبٍ بُرْهَانُ هَذَا المَطْلَبِ ٤٣٣ - فَقَدْ يُرَى الحُكْمُ الَّذِي قَدْ وَجَبَا … عَنْ سَبَبٍ أُبِيحَ قَدْ تَسَبَّبَا ٤٣٤ - وَمَا مَضَى فِي السَّبَبِ المَشْرُوعِ … فَأَمْرُهُ أَسْهَلُ فِي المَمْنُوعِ " وإن أتي" من ذلك - الأسباب والمسببات - "ما يوهم حاله" وواقعه "استلزاما" شرعيا، ما تقدم بيانه. ومثل ذلك يقال في تلازم حرمتين كمثل حرمة بيع الربا والغرر والجهالة وحرمة الانتفاع المسبب عن تلك العقود، فالأمر فيهما كالأمر فيما تقدم في الإباحتين المتقدمتين "وفي اختلاف الحكم" الحاصل في "المسبب مع" الحكم الحاصل في "سبب" له أي سببه "برهان" وحجة هذا المطلب الذي يراد العلم به هنا وهو ما تقدم من عدم التلازم الشرعي بين الحكمين - والمطلوب هو ما يبرهن عليه في العلم، ويكون الغرض في ذلك العلم معرفته - "فقد يرى" ويوجد "الحكم" الشرعي "الذي قد وجبا" وهو "عن سبب أبيح" فقط "قد تسببا" يعني قد ترتب ووجد، وذلك كما نقول في الانتفاع بالمبيع أنه مباح، نقول في النفقة عليه إنها واجبة، إذا كان حيوانا" والنففة من المسببات العقد المباح. وكذلك حفظ الأموال الممتلكة مسبب مباح، وهو مطلوب. ومثل ذلك الزكاة فإنها لا توصف بالتحريم إذا وقعت في غير المأكل كالخنزير والسباع العادية والكلب ونحوها، مع ان الانتفاع محرم في جميعها أو في بعضها، ومكروه في البعض. "وما" يعني هذا الذي قد "مضى" تقريره في "السبب المشروع" من أَنَّهُ لا تلازم بين حكمه وحكم مسببه شرعا، من الأدلة على ذلك هذا الذي تقدم وما ذكر قبل "فـ" زائدة "أمره" يعني جريان تقريره وبيان أمره - حكمه - "أسهل في "السبب "الممنوع" لأن ما تسبب عنه محرم أصلا وبحكم شرعي موجب لذلك خاص به ولا تأثير لسببه في ذلك. قال الشاطبي: وأما الأسباب الممنوعة فأمرها أسهل لأن معنى تحريمها أنها في الشرع ليست بأسباب وإذا لم تكن أسبابا لم تكن لها مسببات فبقي المسبب عنها على أصلها من المنع لا أن المنع تسبب عن وقوع أسباب ممنوعة وهذا كله ظاهر فالأصل مطرد والقاعدة مستتبة وبالله التوفيق.

стр. 187

" المسألة الثالثة " ٤٣٥ - وَلَيْسَ يَلْزَمْ مَعْ تَعَاطِي السَّبَبِ … قَصْدُ المُكَلَّفِ إِلَى المُسَبَّبِ ٤٣٦ - بَلْ أَنْ يَكُونَ جَارِيَ الأفْعَالِ … مِنْ تَحْتِ الأَحْكَامِ بِكُلِّ حَالِ ٤٣٧ - دَلِيلُهُ مَا فِي مُسَبَّبٍ ظَهَرْ … مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورِ البَشَرْ وما تقدم من الأمثلة في أن النهي عن القتل لا يستلزم النهي عن إزهاق الروح وتطايرها، يبين هذا الحكم في الأسباب الممنوعة. إذا تقرر - هذا - وهو ان مشروعية الأسباب لا تستلزم مشروعية المسببات فإن ذلك ينبني على ما سيذكره في المسألة الموالية. "المسألة الثالثة" في أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير، أسبابا كانت أو غير أسباب، معللة كانت أو غير معللة. قال الناظم: "وليس يلزم" - بسكون الميم للضرورة - أي لا يجب مع "تعاطي" تناول "السبب" والإتيان به "قصد" الشخص الـ "مكلف" المتناول لذلك السبب الالتفات "إلى" شأن "المسبب" الذي يمكن أن ينشأ عن سببه هذا "بل" مقصوده الشرعي من ذلك التناول هو "أن يكون جاري" أي ماضي "الافعال" يعني أن تكون أفعاله جارية وماضية "من تحت الأحكام" الموضوعة شرعا، لا غير "بكل حال" سواء كانت تلك الأحكام أسبابا، أو غيرها سواء كانت معللة أو غير معللة، فالعبد قد تعبده الله بخضوعه لأحكامه - تعالى - كيفما كانت، فيجب عليه الخضوع لجريان مقتضياتها، التي أمر خلقها وإيجادها إنما هو الله رب العالمين "دليله" أي دليل ما ذكر هو "ما" قد بان "في" حال الـ "مسبب" سواء كان عن سبب يصح دخوله تحت مقدور المكلف أم لا، و"ظهر" من أنه ليس بداخل تحت "مقدور البشر" وإنما هو راجع إلى الحاكم المسبب كما سبق بيانه ومن تشوف إلى المزيد من الأدلة على ذلك فليرجع إلى الأصل - الموافقات - في الموضع، قبله.

стр. 188

" المسألة الرابعة" ٤٣٨ - وَالقَصْدُ فِي الشَّرْعِ لِوَضْعِ السَّبَبِ … يَسْتَلْزِمُ القَصْدِ إلَى المُسَبَّبِ ٤٣٩ - لِأَنَّ الأسْبَابَ بِحَيْثُ شُرِّعَتْ … لِأجْلِ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا وُضِعَتْ ٤٤٠ - فَقَصْدُهَا قَصْدٌ لِمَا عَنْهَا يُرَى … نَاشِئًا أَوْ بِأَصْلِهَا مُسْتَثْمِرَا ٤٤١ - وَلَيْسَ بَيْنَ مَا مَضَى تَنَاقُضُ … وَبَيْنَ هَذَا لَا وَلَا تَعَارُضُ ٤٤٢ - فَقَصْدُ ذَا يَرْجِعُ لِلْوُقُوعِ … وَذَاكَ لِلتَّكْلِيفِ بِالمَشْرُوعِ " المسألة الرابعة" المسألة الرابعة في أن وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع - الشارع - إلى المسببات. قال الناظم: "والقصد" الحاصل "في الشرع لوضع السبب يستلزم" بالضرورة العقلية والشرعية "القصد إلى" تحصيل وإدراك "للمسبب" الناشيء عنها، وذلك "لـ" أدلة تقضي بذلك، منها "أن الأسباب بحيث" يعني في أي موضع "شرعت" أسبابا إنما شرعت "لأجل ما ينشأ عنها" من مسبباتها، ولذلك "وضعت" فهي لم تكن موضوعة لنفسها من حيث هي أسباب، بل لما ذكر "فقصدها" يعني فقصد وضعها "قصد" بالضرورة "لما عنها" من المسببات "يرى" أي يعلم أو يبصر "ناشئا" ومترتبا "أو" قصد لما "بأصلها" يعني في التي جعلت هي فيه أسبابا ومقصوده به على ما يظهر الحكم - "مستثمرا" يعني مأخوذا من الثمرات التي هي درء المفاسد وجلب المصالح، وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، وهي مسبباتها قطعا "وليس بين ما مضى" ذكره في المسألة الثانية وهو أن الأسباب غير مقصودة للشارع من جهة الأمر "تناقض وبين هذا" الذي ذكر هنا "لا، ولا" بينهما "تعارض" لأن القصدين: القصد في المسألة الثانية والقصد في هذه المسألة متباينان. "فقصد ذا" أي هذا الذي ذكر في هذا المقام من الشارع "راجع لـ" قصد الشارع لـ "لوقوع" والحدوث لما ينشأ عن تلك الأسباب من مسببات، "وذاك" القصد الذي ذكر هنالك راجع "للتكليف بـ" السبب "المشروع" والتكليف به لا يستلزم التكليف بمسببه كما مر بيانه، فبان بذلك أنه لا تعارض ولا تناقض بين حكمي القصدين لاختلاف موردهما.

стр. 189

" المسألة الخامسة " ٤٤٣ - وَحِينَ لَا يَلْزَمُ فِي المُسَبَّبِ … قَصْدٌ إِلَيْهِ مَعْ تَعَاطِي السَّبَبِ ٤٤٤ - فَلِلْمُكَلَّفِينَ تَرْكُ القَصْدِ … لَهُ وَمَا قَدْ مَرَّ ذَاكَ يُبْدِي " المسألة الخامسة" في أنه إذا ثبت أنه لا يلزم المكلف القصد إلى المسبب كما تقدم بيانه وتقريره الثالثة السابقة فإن له ترك القصد إليه بإطلاق، وله القصد إليه، إن شاء. قال الناظم: "وحين" ثبت وتقرر أنه "لا يلزم" المكلف ولا يجب عليه "في" شأن "المسبب قصد إليه" أي قصد إلى تحصيله، وإيجاده، أو حصوله، ووجوده مع "تعاطي" تناول "السبب" والإتيان به فإن للمكلفين إن شاءوا "ترك القصد إليه" أي للمسبب لأنَّهُ غير واجب عليهم القصد إليه "وما قد مر" ذكره في المسألة الثالثة في هذا الشأن "ذاك" وهو أنه يصح ترك القصد إليه "يبدي" أي يظهر. وعلى هذا فإنه لو قيل لك لم تكتسب لمعاشك بالزراعة أو بالتجارة أو بغيرها؟ قلت: لأن الشارع ندبني إلى تلك الأعمال؛ فأنا أعمل على مقتضى ما أمرت به. كما أنه أمرني أن أصلي وأصوم وأزكي وأحج إلى غير ذلك من الأعمال التي كلفني بها، فإن قيل لك إن الشارع أمر ونهى لأجل المصالح، قلت: نعم، وذلك إلى الله لا إلي، فإن الذي إلى التسبب، وحصول المسببات ليس إلي. فأصرف قصدي إلى ما جعل إلي وأكل ما ليس لي إلى من هو له. ومما يدل على هذا أيضًا: أن السبب غير فاعل بنفسه، بل إنما وقع المسبب عنده لا به، فإذا تسبب المكلف فالله خالق السبب، والعبد مكتسب له ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧، ٨]- وفي حديث العدوى قوله ﵊: "فمن أعدى الأول"؟. وقول عمر في حديث الطاعون: نفر من قدر الله إلى قدر الله. حين قال له عمرو بن العاص: أفرارا من قدر الله". وفي الحديث: "جف القلم بما هو كائن، فلو اجتمع الخلق أن يعطوك شيئًا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، وعلى أن يمنعوك شيئًا كتبه الله لك لم يقدروا عليه." والأدلة على هذا تنتهي إلى القطع، وإذا كان كذلك فالالتفات إلى

стр. 190

٤٤٥ - وَلَهُمُ القَصْدُ لَهُ بِمَا اسْتَقَرْ … فِي الخَلْقِ عَادَةً وُجُودُهَا اسْتَمَرْ ٤٤٦ - إِذْ جَعَلَ اللهُ فِي الاِكْتِسَابِ … رَبْطَ المُسَبَّبَاتِ بِالأَسْبَابِ المسبب في فعل السبب لا يزيد على ترك الالتفات إليه؛ فإن المسبب قد يكون، وقد لا يكون، هذا وإن كانت مجاري العادات تقتضي أنه يكون، فكونه داخلا تحت قدرة الله يقتضي أنه قد يكون وقد لا يكون، ونقض مجاري العادات دليل على ذلك، وأيضا: فليس في الشرع دليل ناص على طلب القصد إلى المسبب. فإن قيل: قصد الشارع إلى المسببات والتفاته إليها، دليل على أنها مطلوبة القصد من المكلف، وإلا فليس المراد بالتكليف إلا مطابقة قصد المكلف لقصد الشارع، إذ لو خالف لم يصح التكليف كما تبين في موضعه من الكتاب. فإذا طابقه صح، فإذا فرضنا هذا المكلف غير قاصد للمسببات، وقد فرضناها مقصودة للشارع، كان بذلك مخالفا له، وكل تكليف قد خالف القصد فيه الشارع فباطل كما تبين. فهذا كذلك. فالجواب: أن هذا إنما يلزم إذا فرضنا أن الشارع قصد وقوع المسببات بالتكليف بها كما قصد ذلك بالأسباب، وليس كذلك، لما مر أن المسببات غير مكلف بها، وإنما قصده وقوع المسببات بحسب ارتباط العادة الجارية في الخلق، وهو أن يكون خلق المسببات على أثر ارتفاع المكلف للأسباب ليسعد من سعد ويشقى من شقي، فإن قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط له بالقصد التكليفي، فلا يلزم قصد اليكلف إليه إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا دليل عليه. بل لا يصح ذلك، لأن القصد إلى ذلك قصد إلى ما هو فعل الغير، ولا يلزم أحدا أن يقصد وقوع ما هو فعل الغير لأنَّهُ غير مكلف بفعل الغير، وإنما يكلف بما هو من فعله، وهو السبب خاصة، فهو الذي يلزم القصد إليه، ويعتبر فيه موافقة قصد الشارع. "فصل" في أن للمكلف القصد إلى المسببات: قال الناظم: "ولهم" أي للمكلفين - يعني يجوز لهم - "القصد" إلى تحصيل أو حصول "له" أي المسبب، وذلك "بـ" سبب وحكم "ما استقر" وثبت "في" نفوس "الخلق" وكان "عادة" لهم من الالتفات إلى العوائد التي "وجودها" وجريانها "استمر" في هذه الدنيا، ولا مخالفة شرعية في هذا القصد "إذ جعل الله في الاكتساب" الذي يحصل من العبد "ربط المسببات بالأسباب"

стр. 191

٤٤٧ - وَمَا أَتَى بِقَصْدِ الاِمْتِنَانِ … يُشْعِرُ بِالصِّحَّةِ فِي ذَا الشَّانِ ٤٤٨ - وَمُسْتَتِبٌّ فِي العِبَادِيَّاتِ … ذَاكَ كَمَا اسْتَتَبَّ في العَادَاتِ " المسألة السادسة " ٤٤٩ - وَالقَصْدُ لِلْمُسَببَّاتِ بِالسَّبَبْ … الدَّاخِلُونَ تَحْتَهُ عَلَى رُتَبْ الناشئة عنها، أمر أجراه عوائد في خلقه "و" يزاد على هذا أن "ما أتى" من النصوص الشرعية التي فيها ذكر "الامتنان" من الله على خلقه بما أنعم به عليهم من نعم هو دليل "يشعر بالصحة" في ذا أي هذا "الشأن" وهو القصد إلى المسببات. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] وقوله : ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. قال الشاطبي: فمن حيث عبر بالقصد إلى الفضل عن القصد إلى السبب الذي هم الاكتساب، وسيق مساق الامتنان من غير إنكار، أشعر بصحة ذلك القصد (١) "ومستتب" أي ثابت ومستقر "في" شأن الأمور "العباديات" من صلاة وزكاة وغيرها صحة "ذاك" القصد، فالقصد إلى ما وعد على فعلها من أجر وجزاء في الدار الآخرة صحيح ومستتب "كما استتب" ذلك "في العادات" كالقصد إلى اكتساب فضل الله من الانتشار في الأرض، وغير ذلك مما تقدم ذكره، وغيره. "المسألة السادسة" في أن القاصدين إلى المسبب على مراتب ثلاثة: قال الناظم: "والقصد لـ" حصول ووقوع "المسببات بـ" فعل السبب والإتيان به "الداخلون تحته" يعني تحت حكمه المتلبسون به ليسوا كلهم على رتبة واحدة، وإنما هم "على رتب" ثلاث، مختلفة متفاوتة بحسب معتقد ذلك القاصد للمسبب في سببه

стр. 192

٤٥٠ - فَدَاخِلٌ وَهْوَ يَظنُّ السَّبَبَا … فَاعِلٌ مَا عَنْهُ يُرَى مُسَبَّبَا ٤٥١ - فَذَا يُضَاهِي الشِّرْكَ وَالقَصْدُ لَهُ … قَصْدٌ لِمَا التَّشْرِيعُ قَدْ أَهْمَلَهُ ٤٥٢ - وَدَاخِلٌ لِأَنْ يَكُونَ السَّبَبُ … يُوجَدُ عَادَةً بِهِ المُسَبَّبُ ٤٥٣ - وَهْوَ الَّذِي قَدْ مَرَّ فِي التَّقْرِيرِ … وَحَالُهُ يَلِيقُ بِالجُمْهُورِ " فـ" منهم "داخل" في ذلك القصد "و" - الواو واو الحال - أي حالة كونه "يظن" أن "السببا" الألف للإطلاق - الذي توسل به لذلك "فاعل" بذاته ومنشئ "ما عنه" من مسبب يترتب و"يرى" أي يعلم، أو يبصر، ومن كان على هذا المعتقد فإنه قد خرج عن سبيل المومنين الموحدين "فذا" أي هذا المعتقد "يضاهي" يشبه "الشرك" الذي عليه عباد الأوثان، وقد يكون منهم "والقصد له" أي للمسبب مع هذا المعتقد "قصد لما" أي لأمر حكم "التشريع" في هذا الدين ومقتضاه "قد أهمله" بل قد حرمه، إذ هو شرك، والعياذ بالله. والسبب غير فاعل بنفسه و ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] والأدلة في هذا الباب كثيرة، وقطعيته في هذا الشأن. هذا الحال أهل الرتبة الأولى. ثم ذكر حال أهل الرتبة الثانية، فقال: "و" منهم "داخل" في ذلك "لـ" أجل "أن يكون السبب يوجد" ويحصل "عادة به" أي بواسطته "المسبب" ومحصوله طلب المسبب عن السبب لا باعتقاد الاستقلال، بل من جهة كونه موضوعا على أنه سبب لمسبب، فالسبب لابد أن يكون سببا لمسبب؛ لأنَّهُ معقوله، وإلا لم يكن سببا، فالالتفات إلى المسبب من هذا الوجه ليس بخارج عن مقتضى عادة الله في خلقه، ولا هو مناف لكون السبب واقعا بقدرة الله تعالى؛ فإن قدرة الله تعالى تظهر عند وجود السبب وعند عدمه، فلا ينفي وجود السبب كونه خالقًا للمسبب، لكن هنا قد يغلب الالتفات إليه حتَّى يكون فقد المسبب مؤثرا ومنكرا، وذلك لأن العادة غلبت على النظر في السبب بحكم كونه سببا ولم ينظر إلى كونه موضوعا بالجعل لا مقتضيا بنفسه. "وهو" يعني وهذا الضرب من تلك الأحوال "هو الذي قد مر في التقرير" الذي أورد في المسألة السابقة - المسألة الخامسة - حيث الحديث عن حكم القصد إلى المسببات بفعل الأسباب "وحاله" أي حال هذا الضرب هو الذي "يليق بالجمهور" لأنَّهُ

стр. 193

٤٥٤ - وَدَاخِلٌ فِي ذَاكَ غَيْرَ سَاهِ … أَنَّ المُسَبَّبَاتِ فِعْلُ اللهِ ٤٥٥ - وَمُقَتَضَى هَذَا اعْتِبَارُ السَّبَبِ … بِحَيْثُ مَا يُنْسَبُ لِلْمُسَبَّبِ ٤٥٦ - وَتَرْكُ الاِلْتِفَاتِ لِلْمُسَبَّبِ … القَاصِدُونَ نَحْوَهُ فِي رُتَبِ ٤٥٧ - فَمِنْهُمُ الدَّاخِلُ فِي حُكْمِ السَّبَبْ … مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ إِلَى الشَّرْعِ انْتَسَبْ ٤٥٨ - وَوَضْعُهُ لِلْعَالَمِ الإِنْسَانِي … لِلاِبْتِلَاءِ وَلِلامْتِحَانِ غالب أحوال الخلق - المسلمين - في الدخول في الأسباب. أما حالة الرتبة الثالثة فقد أوردها فقال: "و" منهم "داخل في ذاك" القصد، حال كونه "غير ساه" عن أن المسببات إنما هي "فعل الله" وخلقه، فيكون الغالب عن صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته، من غير تحكيم لكونه سببا" فإنه لو صح كونه سببا محققا لم يتخلف، كالأسباب العقلية، فلما لم يكن كذلك تمحض جانب التسبب الرباني بدليل السبب الأول، وهنا يقال لمن حكمه: فالسبب الأول عماذا تسبب" وفي مثله قال ﵊: "فمن أعدى الأول؟ " فإذا كانت الأسباب مع المسببات داخلة تحت قدرة الله فالله هو المسبب لا هي" إذ ليس له شريك في ملكه"ومقتضى هذا" المعتقد هو اعتبار السبب "فيه" أي في المسبب "من حيث" يعني من جهة "ما ينسب" من الخلق والإيجاد "للمسبب" - بكسر الباء - يعني الخالق سبحانه فقط. فصاحب هذه المرتبة يرى أن السبب إذا طلب به المسبب وجعل وسيلة لذلك، خلق الله - تعالى - ذلك المسبب بذلك إن شاء الله فالخلق إنما هو له سبحانه وحده. في أن تارك الالتفات إلى المسببات على مراتب ثلاثة: قال الناظم: "وترك الالتفات" والقصد "لـ" حصول أو تحصيل "المسبب" بعد الإتيان بسببه "القاصدون" بأسبابهم "نحوه" أي نحو عدم الالتفات لتحصيل المسبب، أو حصوله، الذين بنوا عقيدتهم في الشأن على المضي في هذه الجهة - عدم الالتفات - هم "في رتب" يعني على درجات ثلاث. "فمنهم الداخل في" تحصيل "حكم السبب" وكسبه "من حيث" أي من جهة "أنه" أي السبب "إلى الشرع" الإلهي "انتسب" "و" قد "وضعه" الشارع "لـ" قصد "الابتلاء" للعباد "والامتحان" لهم من غير التفات إلى ما

стр. 194

٤٥٩ - وَقَاصِدٌ ذَا مُهْتَدٍ فِي قَصْدِهْ … وَعَامِلٌ لِلَّهِ فِي تَعَبُّدِهْ ٤٦٠ - وَالاِبْتِلَاءُ مِنْهُ لِلْعُقُولِ … مِنْ حَيْثُ مَا تَنْظُرُ فِي المَعْقُولِ ٤٦١ - وَمِنْهُ لِلنُّفُوسِ مِنْ حَيثُ النَّظَرْ … لِحَاكِمِ الشَّرْعِ وَمَحْتُومِ القَدَرْ ٤٦٢ - وَكَمْ لَدَى الكِتَابِ مِنْ أَدِلَّهْ … فِي مَعْنَى الاِبْتِلَاءِ مُسْتَقِلَّهْ سوى ذلك "وقاصد" معتقد "ذا" هذا الأمر "وقاصد" له من اكتساب السبب والإتيان به "مهتد" إلى الحق "في مفصده" هذا "و" هو "عامل لـ" وجه "الله" تعالى "في تعبده" بذلك، وتقربه إليه - سبحانه - بذلك. "و" هذا الابتلاء الحاصل "منه" أي وضع الأسباب والمسببات هو على وجهين، فمنه ما وضع "لـ" ابتلاء "العقول" وذلك العالم كله، وكذلك "من حيث" أي من جهة "ما تنظر في" أحواله وأحكامه من "المعقول" أي المدرك بالعقول من آيات وبراهين دالة على علوم ومعارف، ومن صنعة الإلهية يستدل بها على ما وراءها من صفات القدرة والعلم والإرادة الإلهية وغير ذلك. هذا هو الوجه الأول. "ومنه" أي من الأسباب والمسببات ما وضع "لـ" ابتلاء "النفوس" وهو العالم كله - أيضًا - لكن لا من حيث النظر العقلي الذي مضى ذكره، بل "من حيث" أي من جهة "النظر" في هذا العالم من حيث هو موصل المنافع والمضار إلى العباد، ومن حيث هو مسخر لهم ومنقاد لما يريدون فيه، لتظهر تصاريفهم تحت حكم القضاء والقدر، ولتجري أعمالهم خاضعة "لحاكم الشرع" يعني لحكم الشرع. وقد يكون معناه "للشرع الحاكم"، فيكون من باب إضافة الصفة للموصوف، وقد يكون من باب إضافة الاسم لما به اتحد، فيكون معناه: "للشرع الذي هو الحاكم" ولا يخفى ما فيه. عبارة الشاطبي: "ولتجري أعمالهم تحت حكم الشرع ليسعد بها من سعد ويشقى من شقي وليظهر مقتضى العلم السابق" (١) "ومحتوم القدر" يعني القدر المحتوم الذي لا مرد له، فإن الله غني عن العالمين، ومنزه عن الافتقار في صنع ما يصنع إلى الأسباب والوسائط لكن وضعها للعباد ليبتليهم فيها "وكم لدى" أي في "الكتاب "المكنون - القرآن - "من أدلة" وردت "في" يعني على "معنى الابتلاء" هذا وأن الأسباب إنما وضعت للابتلاء، وتلك الأدلة "مستقلة" لبيان هذا المعنى، ومخصوصة له. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

стр. 195

٤٦٣ - وَدَاخِلٌ دُونَ التِفَاتِ السَّبَبِ … مِنْ أَصْلِهِ فَضْلًا عَنِ المُسَبَّبِ ٤٦٤ - فَقَصْدُ ذَا جَارٍ عَلَى التَّجَرُّدِ … لِيُفْرِدَ المَعْبُودَ بِالتَّعَبُّدِ ٤٦٥ - إِذِ التِفَاتُ المُحْدَثِ الوُجُودِ … ضَرْبٌ مِنَ التَّشْرِيكِ فِي التَّوْحِيدِ ٤٦٦ - وَحُكْمُ ذَا ظَاهِرُ الاِقْتِنَاصِ … مِنْ كُلِّ مَا قَدْ جَاءَ فِي الإِخْلَاصِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس: ١٤ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على هذا المعنى. فإذا تقرر هذا فإن الآخذ للأسباب من هذه الجهة آخذ لها من حيث وضعت مع التحقيق بذلك فيها. وهذا صحيح وصاحب هذا القصد متعبد لله بما تسبب به منها (١). هذا حال أهل هذه الرتبة وحكمهم. وأما من بعدهم في الذكر - وهم أهل الرتبة الثانية، ففي بيان حالهم وحكمهم يقول الناظم: "و" منهم "داخل" في تحصيل الأسباب "دون" أي من غير "التفات" منه لـ "لسبب" أو اعتبار له "من أصله" أي من حيث إنه أمر محدث وموجد من عدم، "فضلا عن" الالتفات إلى "المسبب" الذي الالتفات إليه أبعد من الالتفات إلى السبب عادة "فقصد ذا" وهو عدم الالتفات المذكور "جار" وماض في تحصيله للأسباب "على" قصد "التجرد" من أي مقصود أو معتبر فيما يأتي ويذر من أعماله إلا الخالق - سبحانه - وذلك "ليفرد" أي من أجل أن يفرد "المعبود" "بالتعبد" بناء على أن تفريد المعبود بالعبادة أن لا يشرك معه في قصده سواه، واعتمادا على أن التشريك خروج عن خالص التوحيد بالعبادة "إذ التفات" العبد في أعماله إلى "المحدث الوجود" وقصد إليه فيها هو "ضرب" أي نوع "من التشريك في" الذي يجب له - تعالى - من خالص"التوحيد" بالعبادة "وحكم ذا" أي هذا القصد وأهله ظاهر بين الاقتناص الأخذ - يعني ظاهرا اقتناصه فيه - إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه وهو جائز، إذا كان لازما - كما هنا - أو متعديا لواحد. ويجوز إلحاقه بالصفة المشبهة فيجوز فيما بعده الجر والنصب والرفع - فكلمة الاقتناص هذه يجوز فيها كل ذلك - واستخراجه "من كل ما قد جاء" من الأدلة "في" مدح "الإخلاص" والأمر به، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢، ٣] ﴿فَمَنْ كَانَ

стр. 196

٤٦٧ - وَدَاخِل فِي سَبَبٍ أَتَاهُ … بِحُكْمِ إِذْنِ الشَّرْعِ لَا سِوَاهُ ٤٦٨ - فَهْوَ مُلَبٍّ فِيهِ قَصْدَ الآمِرِ … مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ شَأْنٍ ظَاهِرِ ٤٦٩ - لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ المُسَبِّبُ … لِكُلِّ مَا عَنْ سَبَبٍ يُسَبَّبُ ٤٧٠ - وَأَنَهُ أَجْرَى بِذَاكَ العَادَهْ … مُبْتَلِيًا بِمُقْتَضَى الإِرَادَهْ ٤٧١ - وَأَنَّهُ يَخْرِقُهَا إِنْ شَاءَا … كَرَامَةً مِنْهُ أَوِ ابْتِلَاءَا يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠] وسائر ما كان من هذ الباب، وكذلك دلائل طلب الصدق في التوجه لله رب العالمين، كل ذلك يشعر بهذا المعنى المستنبط في خلوص التوجه وصدق العبودية، فصاحب هذه الرتبة متعبد لله تعالى بالأسباب الموضوعة على اطراح النظر فيها من جهته، فضلا عن أن ينظر في مسبباتها، فإنما يرجع إليها من حيث هي وسائل إلى مسببها وواضعها، وسبب إلى الترقي لمقام القرب منه فهو إنما يلحظ فيها المسبب خاصة. ثم انتقل إلى ذكر حال أهل المرتبة الثالثة وحكمهم فقال "و" منهم أي هؤلاء الذين لا يلتفتون إلى الأسباب "داخل في" كسب وتحصيل كل "سبب أتاه بحكم" ومقتضى "إذن الشرع" له في ذلك "لا" بحكم ولا باعتبار ما "سواه" من الأمور الأخرى - كالقصد إلى تحصيل الأسباب والمسببات في ذاتها - وبذلك "فهو ملب" أي مستجيب "فيه" أي في إتيانه بالأسباب على هذا الحال "قصد الآمر" في ذلك السبب، وهو الشارع "مجردا عن" التعلق بغير ذلك الإذن، وعن النظر إلى "كل" يعني عن أي "شأن" أمر "ظاهر" أي مدرك بالحواس محدث، وإنما التفت إلى الإذن وقصد الآمر منه "لعلمه بأنه" أي الآمر هو "المسبب" أي الموجد حقيقة "لكل ما عن سبب يسبب" أي ينشأ، ويوجد "وأنه" تعالى إنما "أجرى بذلك" وهو حصول المسببات عن أسبابها "العادة" حتَّى اطردت في الخلق "مبتليا" بذلك خلقه وممحصا لهم، وذلك "بمقتضى" وحكم "الإرادة" أي إرادته - سبحانه - "و" لو شاء لم يجرها كما "أنه" قد "يخرقها" فيمضي حالها على غير ما هو معهود فيها "إن شاءا" - الألف للإطلاق - "كرامة منه" - سبحانه - لأوليائه "أو ابتلاء" واختبارا لخلقه ليعلم المتعظ بذلك منهم والمعتبر من سواه، ومن كان من أهل هذه الرتبة في شأن الأسباب.

стр. 197

٤٧٢ - فَذَا تَوَخَّى فِيهِ قَصْدَ الشَّارعِ … دُونَ التِفَاتِ غَيْرِهِ فِي الوَاقِعِ ٤٧٣ - فَهْوَ إِذًا مُطَّلِبٌ عَنْ سَبَبِ … مُسَبَّبًا لكِنْ مِنَ المُسَبِّبِ " المسألة السابعة " ٤٧٤ - وَمَا أتَى النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ … فِيهِ مِنَ الأَسْبَابِ فِي المَنْقُولِ ٤٧٥ - فَوَاضِحٌ فِيهِ انْحِتَامُ الطَّلَبِ … شَرْعًا بِرَفْعِ ذَلِكَ المُسَبَّبِ " فذا قد توخى" أي قصد وتحرى "فيه" أي في هذا الذي هو عليه "قصد الشارع" سبحانه في شأن الأسباب والمسببات "دون التفات" يعني من غير اعتبار "غيره" مما سوى ذلك "في الواقع" من المحدثات وأحوالها كنشوء المسببات عن الأسباب وترتبها عنها، وإنما قصد ما قصده الشارع من وضع الأسباب والمسببات - كما تقدم ذكره - "فهو إذا" أي إذا قصد ما ذكر "مطلب" - بكسر اللام - من اطلب بمعنى طلب - "عن" كسب "سبب" وبواسطته "مسببا" يحصل عنه عادة "لكن" لم يطلبه من السبب بل لم يلتفت إليه في ذلك، وإنما طلبه "من المسبب" - بكسر الباء - أي الخالق - سبحانه -. "المسألة السابعة" في أن النهي عن الدخول في سبب ما يقتضي طلب رفع التسبب به، سواء علينا أكان المتسبب قاصدا لوقوع المسبب أم لا فإنه يتأتى منه الأمران: فقد يقصد بالقتل العدوان إزهاق الروح فيقع، وقد يقصد بالغصب انتفاعه بالمغصوب فيقع على مقتضى العادة لا على مقتضى الشرع، وقد لا يقع البتة، وقد يعزب عن نظره القصد إلى المسبب والالتفات إليه، لعارض يطرأ غير العارض المتقدم الذكر" ولا اعتبار به، وإن كان غير منهي عنه فلا يطلب رفع التسبب في المراتب المذكورة كلها. قال الناظم: "وما أتى" عن الشارع "النهي عن الدخول فيه" وكسبه "من الأسباب" كالغصب والسرقة لتحصيل الانتفاع، والزنى لتحصيل الاستمتاع، وغير ذلك مما ورد النهي عنه "في المنقول" نصوص الكتاب والسنة "فواضح" أي جلي بين "فيه" أي في حال ذلك المنهي عنه بمقتضى ذلك النهي ودلالته أنه قد ثبت به "انحتام" أي لزوم "الطلب شرعا" وقوعه "برفع ذلك السبب" - مصدر ميمي - يعني التسبب وبيان كلامه: أن الشارع إذا نهى عن سبب فإن ذلك يقتضي وقوع الطلب منه بوجوب رفع

стр. 198

٤٧٦ - سَواءٌ القَصْدُ إِلَى أَنْ يَقَعَا … مُسَبَّبٌ وَعَدَمُ القَصْدِ مَعَا ٤٧٧ - وَحَيْثُ لَا نَهْيَ فَذَا لَا يُطْلَبُ … فِي حَالَةٍ أَنْ يُرْفَعَ التَّسَبُّبُ ٤٧٨ - وَهْوَ صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ الرُّتَبِ … مُتَّضِحٌ مِنِ انْتِفَاءِ السَّبَبِ ٤٧٩ - لَاكِنَّ فِي الأُولَى اعْتِقَادُ المُعْتَقِدْ … مَعْصِيَّةٌ قَدْ قَارَنَتْ لِمَا قُصِدْ ٤٨٠ - فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِمَا طُلِبْ … شَرْعًا وَلَا لِمَا لإِذْنٍ قَدْ نُسِبْ ٤٨١ - وفَي الأُصُولِ خُلْفُ ذَا الأَصْلِ اجْتُلِبْ … مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ قَدْ غُصِبْ التسبب بذلك السبب مطلقا "سواء القصد" من المتسبب به "إلى أن يقعا" - الألف للإطلاق - ويحصل "مسبب"ما عنه "و" حالة وقوع "عدم القصد" منه إلى ذلك، فكلا الأمرين "معا" سواء في ذلك فمنع التسبب بالسبب المنهي عنه جار على كل حال "و" أما "حيث لا نهي" من الشارع عن الدخول فيه "فذا" الذي لم ينه عن الدخول فيه "لا يطلب" في أي حالة "أن يرفع التسبب" به "وهو" أي ذلك التسبب "صحيح" شرعا "في جميع الرتب" المذكورة، وهي: القصد إلى وقوع المسبب، والقصد إلى عدم وقوعه. وقع أو لم يقع. أو وقعت الغفلة عن القصد إلى المسبب وعدمه لعارض يطرأ. فالسبب به صحيح في جميع هذه المراتب "متضح" بين ذلك "من انتفاء" وعدم "السبب" الموجب لطلب رفع التسبب به "لكن" يوجد "في" المرتبة "الأولى" أمر ينبغي بيانه وهو أن اعتقاد المتسبب في السبب أنه فاعل بذاته إن وجد، هو "معصية قد قارنت" أي صاحبت "لما قصد" من حصول المسبب بذلك السبب المباح أو المطلوب إلا أن ذلك لا يؤثر في صحة ذلك السبب. "فلا يكون" ذلك الاعتقاد "مبطلا" ومفسدا "لما طلب" بذلك التسبب "ولا" مبطلا "لما" طلب بالتسبب الذي "لإذن" شرعي "قد نسب" وهو المباح، يعني ولا بالتسبب المباح. هذا كله عند من يرى - وهم جماهير العلماء - أن هذه المقارنة غير مفسدة، "وفي" كتب علم "الأصول" نقل عن بعض العلماء "خلف" أي خلاف "ذا" أي هذا "الأصل" وهو أن تلك المقارنة لا تقتضي الفساد شرعا "واجتلب" عنهم إذا رأوا أنها - أي تلك المقارنة - تقتضي الفساد شرعا، وقد بنى على الخلاف في هذا الأصل الخلاف في مسائل فقهية، وذلك مثل الذبح بالسكين المغصوب، "ومثل الصلاة في مكان قد غصب"، فمن رأى أن تلك المقارنة لا تقتضي الفساد ذهب في ذلك كله إلى الصحة. ومن رأى خلاف ذلك فيه ذهب إلى الفساد. وأما حال المرتبة الثانية والثالثة فمحل بسط الكلام فيه الأصل.

стр. 199

" المسألة الثامنة " ٤٨٢ - وَمُنْزِلٌ فِي الشَّرْعِ وَقَعَ السَّبَبِ … مَنْزِلَةَ الإِيقَاعِ لِلْمُسَبَّبِ ٤٨٣ - مَعْ قَصْدِهِ أَوْ دُونَهُ وَقَاعِدَهْ … مَجْرَى عَوِائِدِ الوُجُودِ شَاهِدَهْ ٤٨٤ - كَنِسْبَةِ الشَّبَعِ وَالإِرْوَاءِ … إِلَى الطَّعَامِ عَادَةً وَالمَاءِ ٤٨٥ - كذَاكَ الأَفْعَالُ الَّتِي تَسَبَّبُ … عَنْ كَسْبِنَا طُرًّا إِلَيْنَا تُنْسَبُ ٤٨٦ - فَمُنْذُ صَحَّ فِي المُسَبَّبَاتِ … الجَرْيُ عَلَى الأَسْبَابِ فِي العَادَاتِ ٤٨٧ - جَرَى كَذَاكَ الشَّرْعُ فِي أَسْبَابِهِ … مَجْرَى الَّذِي لَنَا اعْتِيَادُ بَابِهِ " المسألة الثامنة" في أن إيقاع السبب الشرعي هو بمنزلة إيقاع مسببه، قصد ذلك المتسبب أم لا. قال الناظم: "ومنزل في" حكم ومقتضى "الشرع" "وقع" حدوث ووجود "السبب" الحاصل من المكلف "منزلة الإيقاع" الأحداث "للمسبب" يعني لمسببه - فأل نائبة عن الضمير - سواء كان إيقاعه لذلك السبب حاصلا "مع قصده" لحصول ذلك المسبب "أو" كان حاصلا "دونه" أي دون ذلك القصد. "قاعدة مجرى العوائد بذا" أي هذا الوجود الدنيوي "شاهدة" بحالها على هذا ومقتضية له، إذ أجرى فيها نسبة المسببات إلى أسبابها، وذلك "كنسبة الشبع" - بكسر الشين وفتح الباء - "و" كنسبة "الإرواء" الذي هو إزالة العطش - والري بفتح الراء: زوال العطش - "إلى الطعام" راجع لقوله" كنسبة الشبع" ومتعلق به "عادة" أي في مجرى العادة "والماء" راجع لقوله الإرواء ومتعلق به، على طريق اللف والنشر المرتب. ومثله - أيضًا - نسبة الإحراق إلى النار، و "كذلك الأفعال التي تسبب"، أصله تتسبب، وإنما أسقطت للضرورة - هنا - ويجوز إسقاطها للتخفيف ومعنى تتسبب - هنا - تترتب وتنشأ "عن كسبنا" فإنها "طرا" جميعا "إلينا تنسب" فيقال فلان فعل، وفلان فعل، وفعلنا، وفعلوا، وإن كان ذلك كله من خلق من له الخلق والأمر، وهذا الذي عليه الأسباب العادية في نسبة مسبباتها إليها، هو ما عليه حال الأسباب الشرعية في نسبة مسبباتها إليها فمنذ صح في المسببات العادية، وثبت فيها "الجري" والمضي "على الأسباب" الموضوعة "في" مجاري "العادات" وقد تقدم التمثيل له "جرى كذاك" عرف "الشرع في أسبابه" مع مسبباتها "مجرى" هذا "الذي" حصل "لنا اعتياد بابه" في نسبة المسببات العادية إلى أسبابها العادية وإنما نسبت تلك

стр. 200

٤٨٨ - وَكَمْ دَلِيلٍ جَاءَ فِي المَسْمُوعِ … بِنِسْبَةِ المَشْرُوعِ وَالمَمْنُوعِ ٤٨٩ - لاكِنْ عَلَى الفِعْلِ بِالاِكْتِسَابِ … تَرَتُّبُ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ ٤٩٠ - وَالشَّرْعُ قَدْ مَيَّزَ فِي الأَفْعَالِ … بِمُقْتَضَى التَّفْصِيلِ وَالإِجْمَالِ ٤٩١ - بَيْنَ الَّذِي تَعْظُمُ فِيهِ المَصْلَحَةْ … بِجَعْلِهِ فِي الدِّينِ رُكْنًا أَوْضَحَهْ إلى أسبابها لأنها مسببة عنها في مجاري العوائد، فصارت تلك الاسباب كأنها فاعلة لها مباشرة. وكذلك الأسباب الشرعية مع مسبباتها، فإنها جارية على هذا السنن - أيضًا - "وكم" من "دليلٌ" جاء "في" الدليل الشرعي "المسموع" المنقول "بـ" إثبات وإسناد "نسبة" المسبب "المشروع" أي المطلوب شرعا "و" إثبات وإسناد المسبب "الممنوع" المحظور شرعا، "لاكن على الفعل" الحاصل من المكلف "بـ" "الاكتساب" يقع "ترتب الثواب" كما في سن السنة الحسنة "والعقاب" كما في سن السنة السيّئة. والأدلة الواردة في هذا الشأن كثيرة "و" هنا أمر ينبغي بيانه وهو أن "الشرع قد ميز" وفرق "في" حكمه على "الأفعال" فلم يسو بينهما في الأحكام وذلك ثابت "بمقتضى" وحكم ما ورد عنه من "التفصيل" بذكر الجزئيات التي بينها هذا التمييز - كما في المكروهات والمحرمات والواجبات والمندوبات الواردة في النصوص الشرعية بالتفصيل و"الإجمال" بذكر الكليات التي يجري فيها هذا التمييز - كما في أصول الدين وفروعه - ومرد ذلك كله إلى قوة المصلحة وضعفها، وقوة المفسدة وضعفها، ولذاك فالشارع إنما ميز في الأفعال. "بين" الفعل "الذي تعظم فيه" يعني في كسبه "المصلحة" الشرعية، ويتجلى ذلك "بـ" أي في "جعله" أي الشارع له "ركنا" أي أصلا "في الدين" لا فرعا "أوضحه" أي بينه وهو صفة "لركنا" أي ركنا موضحا ومبينا منه. ويصح أن يكون خبرا إذا جعلت الفاء محل الباء في قوله "بجعله" فيصير "فجعله" - بالرفع مبتدأ - أي فجعله ركنا في الدين أوضح هذا التميز وأظهره. ويمكن أن يكون معطوفا على قوله "ميز" بإسقاط حرف العطف، فيكون المعنى: والشرع قد ميز في الأفعال " … " بين الذي تعظم فيه مصلحة وأوضح ذلك. وعلى كل حال: خلاصة القول أن الشارع قد ميز بين ما تعظم من الأفعال مصلحته

стр. 201

٤٩٢ - أَوِ الَّذِي تَعْظُمُ فِيهِ المَفْسَدَةْ … فَفِي كَبَائِرِ الذُّنُوبِ عَدَّدَهْ ٤٩٣ - وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِذِي الوَتِيرَةْ … فَعَدَّهُ إحْسَانًا أَوْ صَغِيرَةْ " المسألة التاسعة " ٤٩٤ - وَحَيْثُ قِيلَ فِي المسَبَّبَاتِ … لَيْسَتْ إِلَى العِبَادِ مَقْدُورَاتِ ٤٩٥ - وَإِنَّمَا التَّكْلِيفُ بِالأَسْبَابِ … يُبْنَى عَلَى الحُكْمِ فِي أَبْوَابِ ٤٩٦ - مِنْ ذَاكَ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالسَّبَبِ … لَاكِنْ عَلَى كَمَالِهِ المُسْتَوْجِبِ ٤٩٧ - ثُمَّ نَوَى فِي ذَلِكَ المُسَبَّبِ … أَنْ لَا يُرَى عَنْ ذَلِكَ التَّسَبُّبِ فجعله ركنا. "أو" بمعنى الواو - أي وكذلك ميز بين الفعل "الذي تعظم فيه" يعني في كسبه ووقوعه "المفسدة فـ" جعله "في" أي من "كبائر الذنوب" و"عدده" منها "وبين ما ليس" من الأفعال متصفا "بذي" أي هذه "الوتيرة" أي الصفة، يعني بأنه لم تعظم مصلحته ولا مفسدته "فعده" إذا لم تعظم مصلحته إما "إحسانا" فرعا "أو صغيرة" إذ لم تعظم مفسدته. فقوله إحسانا يقابله الركن، والصغيرة تقابلها الكبيرة على طريقة اللف والنشر المرتب. "المسألة التاسعة" فيما ينبني من الأمور على ما تقدم ذكره من أن المسببات غير مقدورة للمكلف، وأن السبب هو المكلف به. قال الناظم: "وحيث قيل في" شأن "المسببات" أنها "ليست إلى" - بمعنى اللام - أي للمكلفين "العباد مقدورات" أي موجودات بقدرهم، أو مما يدخل تحت قدرتهم كما يقال هذا مقدور لزيد. وهذا مخلوق لله وبذلك لم يكونوا مكلفين بكسبها وإنما "التكليف الشرعي" الثابت لهم حاصل "بـ" يعني: في كسب الأسباب فقط، فإنه ينبني عليه الحكم الشرعي الذي تقرر في أبواب وأمور فقهية مختلفة "من ذاك" الذي ينبني حكمه على هذا "أن من أتى بالسبب" غير ناقص "لاكن" يعني بل أتى به "على كماله" بتوفر شروطه وارتفاع موانعه، فكان الكمال "المستوجب" المستحق شرعا أي الذي يستحقه ذلك السبب شرعا، "ثم" إنه بعدما أتى بذلك السبب "نوى في ذلك المسبب" الذي تسبب فيه على تلك الصورة صورة الكمال المذكورة "أن لا يرى" أي أن لا يقع مترتبا "عن ذلك التسبب" المذكور فإنه قد ناقض مقتضيات العقول والشرع.

стр. 202

٤٩٨ - فَلَا يَكُونُ مِثْلَ ذَا بِحَالِ … وَقَصْدُهُ تَكُلُّفُ الْمُحَالِ ٤٩٩ - بِمَنْعِهِ مَا لَا يُطِيقُ مَنْعَهُ … وَرَفْعِهِ مَا لَمْ يُكَلَّفْ رَفْعَهُ ٥٠٠ - وَمَقْصِدُ الشَّارعِ فِي الْمُسَبَّبِ … وُقُوعُهُ عِنْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ وبذلك "فلا يكون مثل ذا" القصد إلا عبثا فهو لن "يقع بـ" أي حال من الأحوال "وقصده" هذا إنما هو من باب "تكلف" تحصيل "المحال" وكسبه، وذلك "بـ" سبب "منعه" بسبب تكلفه منع "ما لا يطيق منعه" ولا يقدر عليه "و" بسبب "رفعه" أي بسبب تكلفه رفع "ما لم يكلف" ولم يحمّل "رفعه" وكل ذلك يدل على أنه عابث، فحكم الشرع ماض في ذلك على كل حال، فمن عقد نكاحا على ما وضع له في الشرع، أو بيعا أو شيئا من العقود ثم قصد أن لا يستبيح بذلك العقد ما عقد عليه فقد ضاع قصده عبثا، ووقع المسبب الذي أوقع سببه. وكذلك إذا أوقع طلاقا أو عتقا قاصدا به مقتضاه في الشرع، ثم قصد أن لا يكون مقتضى ذلك، فهو قصد باطل. ومثله في العبادات إذا صلى أو صام أو حج كما امر، ثم قصد في نفسه أن ما اوقع من العبادة لا يصح له أو لا ينعقد قربة وما أشبه ذلك، فهو لغو، وهكذا الأمر في الأسباب الممنوعة. وفيه جاء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] الآية. ومن هنا كان تحريم ما أحل الله عبثا، من المأكول والمشروب، والملبوس، والنكاح وهو غير ناكح في الحال ولا قاصد للتعليق في خاص - بخلاف العام - وما أشبه ذلك، فجميع ذلك لغو؛ لأن ما تولى الله حليته بغير سبب من المكلف ظاهر مثل ما تعاطى المكلف السبب فيه. ومثله قوله ﵊: "إنما الولاء لمن أعتق" وقوله: "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" الحديث (١). وكما كان هذا عابثا من جهة تكلفه تحصيل ما لا يطاق له فإنه - أيضا - مخالف لقصد الشارع في المسبب، وهو حصوله عند وجود سببه. "ومقصد الشارع في" شأن المسبب هو "وقوعه" وحدوثه "عند وقوع" وحدوث "السبب".

стр. 203

٥٠١ - وَقَصْدُ ذَا خَالَفَ قَصْدَ الشَّارعِ … فَلَيْس فِي الْبُطْلَان مِنْ مُنَازعِ ٥٠٢ - وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الرَّفْضِ … فَيُنْسَبُ الأصْلُ بِهِ لِلنَّقْضِ ٥٠٣ - وَإِنْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ذَاكَ السَّبَبْ … لَمْ يَأْتِ بِاسْتِكْمَالِ مَا فِيهِ وَجَبْ ٥٠٤ - فَإِنَّ ذَا لَا يُدْرِكُ المُسَبَّبَا … بِكُلِّ حَالٍ شَاءَ ذَاكَ أَوْ أَبَا ٥٠٥ - إِذِ الْوُقُوعُ أَوْ سِوَاهُ مَا لَهُ … فِيهِ اخْتِيَارٌ فَيُرَى قَدْ نَالَهُ وأما "قصد ذا" أي هذا الشخص الذي قصد أن لا يقع المسبب بعد كسبه سببه على وجه الكمال، فإنه قد "خالف قصد الشارع" وبذلك يكون قصده ذاك فاسدا "فليس في" حصول "البطلان" له "من منازع" أو مخالف من أهل العلم. "وليس هذا" القصد "من قبيل" وباب "الرفض" للعبادات "فينسب" هذا "الأصل" المبحوث فيه - وهو القصد المذكور "به" يعني بسبب كونه من قبيله وبابه "للنقض" والهدم للمسبب المذكور وإنما لم يكن هذا من قبيل الرفض المذكور، لأن الرفض إنما يصح في اثناء العبادة إذا كان قاصدا بها في البداية امتثال الأمر، ثم أتمها على غير ذلك، بل بنية أخرى ليست بنية عبادته التي شرع فيها، وذلك كالمتطهر ينوي رفع الحدث، ثم ينسخ تلك النية بنية التبرد، أو التنظف من الاوساخ البدنية وأما بعدما تمت العبادة وكملت على شروطها فقصد أن لا تكون عبادة، وأن لا تترتب عليها أحكامها الشرعية كالإجزاء غير مؤثر، بل هي على حكمها، كما لو لم يكن ذلك القصد، فالفرق بين ما يجري فيه الرفض، وهذا الذي نحن فيه بين واضح. هذا إذا كان المتسبب قد أتى بالسبب على تمام وكمال، بحيث توفرت فيه الشرائط، وانتفت عنه الموانع. "و" إما "إن يكن في فعله" أي كسبه "ذاك السبب" على خلاف ذلك، إذا "لم يأت باستكمال ما" به كماله وتمامه وهو ما "فيه وجب" لتحقيق ماهيته الشرعية من توفر شرائطه، وانتفاء موانعه "فإن ذا" أي هذا الذي أتى بالسبب على هذه الصورة "لا يدرك المسببا" ولا يحصل له كسبه "بكل حال" سواء "شاء" حصول "ذاك المسبب" أو "أبا" هـ "إذ الوقوع" للمسببات "أو "بمعنى - الواو - أي و "سواه" وهو عدم الوقوع "ما" ليس "له" أي لذلك المتسبب "فيه اختيار" أو تصرف "فيرى" أي يبصر "قد ناله" وحصله لذلك.

стр. 204

٥٠٦ - وَمَعَ ذَا السَّبَبُ عِنْدَ الشَّارعِ … مَا استَكْمَلَ الشرُوطَ دُونَ مَانِعِ ٥٠٧ - وَمِنْهُ حِفْظُهُ لِذَلِكَ السَّبَبْ … فَلَا يُرَى فِي غَيْرِهِ لَهُ أَرَبْ ٥٠٨ - وَالأمْنُ مَعْهُ مِنْ لُحُوقِ التَّعَبِ … وَرَاحَةُ النَّفْسِ مِنَ الْمُسَبَّبِ ٥٠٩ - وَكَثْرَةُ الثَّوَابِ فِي الْعَادَاتِ … وَالِارْتقَاءُ فِي الْعِبَادِيَّاتِ " و" يزاد "مع" هذا أمر آخر يعضد هذا الذي ذكر - وهو أن قصد المتسبب لا تأثير له هنا وهو أن "السبب عند الشارع" إنما هو "ما استكمل" أي استجمع "الشروط" الشرعة فيه على تمام و "دون" وجود "مانع" يمنع من تأثير تلك الشروط، أو من جريان الحكم في محلها. في ذكر بعض ما ينبني على هذا الذي تقدم وهو أن المسببات مخلوقة لله تعالى من أمور: قال الناظم "ومنه" أي ما يبنى على أن المسببات من خلق الله تعالى أن المكلف المتسبب إذا علم ذلك وعلم أنه ليس له إلا كسب الأسباب، واستقر في نفسه فإنه يكون همه فقط هو "حفظه لذلك السبب" ومحافظته عليه والنصيحة فيه، إذ حاجته محصورة في تحصيله "فلا يرى" ولا يوجد "في غيره" أي غير ذلك السبب "له أرب" أي حاجة، وقصد (١). ومما ينبني على ما ذكر -أيضا- أنه يحصل "الأمن معه من لحوق التعب" تعب الدنيا "و" كذلك فيه "راحة النفس" من الاشتغال بـ "المسبب" والاهتمام بأمره، وحصر الهموم في هم واحد وهو كسب السبب فقط (٢). "و" مما ينبني على ذلك -أيضا- "كثرة الثواب" ووفرته "في" العمل في "العادات و" كذلك "الارتقاء" والصعود "في" عمل وكسب الأمور "العباديات"، وإنما كان الأمر في هذا الشأن كذلك، لأن من ترك الالتفات إلى المسببات مسقط للحظوظ النفسية، بخلاف من كان ملتفتا إلى المسببات فإنه عامل على الالتفات لا إلى الحظوظ، لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق لله، فإنها مصالح أو مفاسد تعود عليهم.

стр. 205

٥١٠ - وَللْمَقَامَاتِ بِذَاكَ يُعْلِي … كَالصَّبْرِ وَالتَّفْوِيضِ وَالتَّوَكُّلِ " المسألة العاشرة " ٥١١ - كَوْنُ الْمُسَبَّبَاتِ قَدْ تَرَتَّبَتْ … شَرْعًا عَلَى الأسْبَابِ حُكْم قَدْ ثَبَتْ ٥١٢ - وَتَنْبَنِي لِجهَةِ الْمُكَلَّفِ … عَلَيْهِ أَشْيَاءُ بِلَا تَخَلُّفِ ٥١٣ - مِنْهَا إِذَا يَكُونُ ذَا الْمُسَبَّبُ … بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ إِلَيْهِ يُنْسَبُ ٥١٤ - فَهْوَ لِذَاكَ مَعْ تَعَاطِي السَّبَبِ … مُلْتَفِتٌ لِجِهَةِ الْمُسَبَّبِ لما في حديث أبي ذر الذي رواه مسلم وأحمد والنسائي وهو: "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها" - وأصله من القرآن ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]- فالملتفت إليها عامل بحظه، ومن رجع إلى مجرد الأمر والنهي فهو عامل على اسقاط الحظوظ "و" هو "للمقامات" منازل ودرجات الصالحين والأبرار "بـ" سبب "ذاك" الذي عليه من عدم الالتفات إلى المسببات والانكفاف عن العمل للحظوظ "يعتلي" أي يرتقي ويرتفع، والمراد بتلك المقامات ما يكون "كالصبر" على قدر الله وقضائه "و التفويض" أي تفويض الأمور له - سبحانه - "والتوكل" عليه في الأمور كلها. "المسألة العاشرة" قال الناظم: "كون المسببات قد ترتبت" يعني تترتب "شرعا" يعني في حكم الشرع وبمقتضى قصده "على الأسباب" كما تقدم ذكره - هو "حكم قد ثبت" واستقر، "و" لكونه كذلك فإنه قد "تنبني لجهة" مصلحة "المكلف عليه أشياء" ثابتة "بلا تخلف" يحصل فيها؛ "منها" أي من هذه الأشياء إنه "إذا يكون" يعني إذا كان "ذا" أي الأمر المسبب بمقتضى وحكم "الشرع إليه" أي إلى الشخص المسبب في كسبه وحصوله "ينسب" ويسند "فـ" أنه يطلب منه هو أنْ يكون "لذاك" أي لأجل ذاك النسب والإسناد. "مع تعاطي" أي تعاطيه وتناوله "السبب" أن يتعاطاه وهو "ملفت لجهة" الأمر "المسبّب" أن يقع منه على ما ليس في حسابه، فإنه كما يكون التسبب مأمورا به كذلك يكون منهيا عنه.

стр. 206

٥١٥ - وَرُبّمَا أَبْدَى لَهُ التَّسَبُّبُ … مِنْ أَمْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَسِبُ ٥١٦ - مِنْ جِهَةِ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ مَعَا … وَكمْ دَلِيلٍ عَاضِدٍ مَا فُرِّعَا ٥١٧ - وإِنَّ مِنْهَا عِنْدَ الالْتِفَاتِ … مَعْ سَبَبٍ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ ٥١٨ - زَوَالُ مَا يَعْرِضُ مِنْ إِشْكَالِ … فِي بَعْضِ مَا يَكُونُ ذَا احْتِمَالِ " وربما" بالتفاته إلى المسبب "أبدى" أظهر "له التسبب من أمره" وحاله وشأنه وحكم الشارع عليه "ما لم يكن يحتسب" أي حصوله منه، "من جهة الخير" وذلك لأن التسبب في الخير قد يكون منتجا ما ليس في ظنه من الخير. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقوله ﵊: "من سنن سنة حسنة" كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة - وقوله: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها بلغت ما بلغت" "أو "من"الشر معا" أي أو من جهة الشر، لأن التسبب في المعصية - كذلك - قد يكون منتجا ما لم يحتسب من الشر لقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقوله ﵊ "ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدام الأول كفل منها" - وقوله: "من سنن سنة سيئة فعليه وزرها" إلى أشباه ذلك "وكم" من "دليل" شرعي "عاضد" مؤيد "ما" تقدم ذكره من فائدة الالتفات وقد "فرعا" عن هذا الأصل الذي هو ثبوت الشيء المسبب ينسب إلى من تسبب في كسبه. ولا يخفى ما في كلامه هذا من التعقيد، وخلاصته أن أدلة كثيرة قد قامت على صحة اعتبار المسبب من أجل معرفته على الوجه المذكور. وهذا متفرع عن أن التسبب ينسب إلى المسبب فيه. في ذكر الفائدة الثانية من الالتفات إلى المسببات، وهي ارتفاع اشكالات ترد في الشريعة بسبب تعارض أحكام أسباب تقدمت مع أحكام أسباب أخرى حاضرة. وفي ذلك يقول الناظم: "وإن منها" أي من الفوائد التي تحصل "عند الالتفات مع" تعاطي وتناول "سبب" والسعي "إلى" كسبه "المسببات" متعلق بقوله "الالتفات" ارتفاع و"زوال ما يعرض من اشكال" ويعن، وذلك "في بعض ما" من المواطن والموانع التي "يكون" جريان أحكام متعارضة فيه امرا "ذا احتمال".

стр. 207

٥١٩ - إِنْ عَارَضَتْ أَحْكَامُ أَسبَابٍ بَدَتْ … فِي الْحُكْمِ أَسْبَابًا لَهُ تَقَدَّمَتْ ٥٢٠ - كمَنْ لَهُ تَوَسُّطٌ فِي أَرْضِ … لِغَيْرِهِ وَتَابَ كيْفَ يَمْضِي " فصل " ٥٢١ - وَاللهُ مُجْرٍ لِلْمُسَبَّبَاتِ … بِحَسَبِ الأسْبَابِ فِي الْعَادَاتِ ومن ذلك "إن عارضت أحكام أسباب" أتي بها المكلف في موضع وقد "بدت" وظهرت، فهي حاضرة، فعلت آخرا، "في الحكم" متعلق بقوله: "عارضت" المطلوب إثباته "أسبابا" يعني مقتضى وحكم أسباب حصلت "له" أي لذلك المكلف، وهي قد "تقدمت" في الزمان على الأسباب الأخرى التي يعارض حكمها حكم هذه الأسباب المتقدمة. ويتصور ذلك في "كمن له توسط" يعني وجد وحصل "في أرض" هي "لغيره" لكن هذا الذي توسطها اغتصبها منه "و" لكنه "تاب" من ذلك الاغتصاب وهو ما زال فيها، وأراد الخروج منها، إلا أنه إن مشى فيها خارجا منها فإنه يعد متصرفا في ملك غيره، بدون إذنه، وبذلك فهو ما زال مغتصبا لها، ولا يمكنه الخروج من الغصب إلا بذلك، فماذا سيفعل، و"كيف يمضي" في هذا الأمر. قال الشاطبي: فالظاهر الآن أنه إنما أمر بالخروج فأخذ في الامتثال، غير عاص ولا مؤاخذ؛ لأنه لم يمكنه أن يكون ممثلا عاصيا في حالة واحدة، ولا مأمورا ولا منهيا من جهة واحدة لأن ذلك تكليف ما لا يطاق فلا بد أن يكون في توسطه مكلفا بالخروج على وجه يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج، فلا بد أن يرتفع حكم النهي في الخروج. "فصل" في الفائدة الثالثة وهي الإدراك بأن الله جعل المسببات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج فإذا كان السبب تاما والتسبب على ما ينبغي، كان المسبب كذلك، وبالضد. قال الناظم و"الله" تعالى "مجر" ممض - من أجرى الشيء إذا أمضاه على سنن مطرد - "للمسببات بحسب" حال "الأسباب" أي أسبابها في الاستقامة والاعوجاج، وذلك "في" مطرد "العادات".

стр. 208

٥٢٢ - فَهْيَ إِذا تَجْرِي عَلَى مِنْهَاجِهَا … عِنَدَ اسْتِقَامِهَا وَفي اعْوِجَاجِهَا ٥٢٣ - لِذَاكَ إِنْ يَبْدُ بِهَا نَقْصٌ خَلَلْ … يُنْظَرْ إِلَى تَسَبُّبٍ كيْفَ حَصَلْ ٥٢٤ - فَإنْ يَكُنْ عَلَى تَمَامٍ ارْتَفَعْ … لَوْمٌ وَإِلَّا فَالْمَلَامُ قَدْ وَقَعْ ٥٢٥ - وَمِنْ هُنَا يَبْدُو بِالانْتِزَاعِ … الْأصْلُ فِي التَّضْمِينِ لِلصُّنَّاعِ ٥٢٦ - إِذَا بَدَا مِنْ حَالِهِمْ تَغْرِيرُ … أَوْ ظَهَرَ التَّفْرِيطُ وَالتَّقْصِيرُ كما دل على ذلك الحس والتجربة "فهي" أي المسببات "إذا" من أجل ذلك "تجري" أي تمضي وتكون "على" وفق "منهاجها" أي منهاج أسبابها، والمراد بالمنهاج الطريق التي مضى عليها في كسب تلك الأسباب، وهي قد تكون معوجة، وقد تكون مستقيمة، والمسببات الناشئة عنها تكون على حالها نفسه، سواء "عند" حصول "استقامها" يعني استقامتها - وإسقاط التاء من هذا الضرب، من المصادر شذوذ، وإن سمع "و" كذلك "في" حال "اعوجاجها"، وذلك يعلم بمخلف الثمرات عن المسبب، وثبوت الخلل فيه. وذلك إنما يأتي من جهة السبب "لذاك" أي الذي تقدم ذكره وهو أن حال المسبب تابع لحال السبب "إن يبد" أي يظهر "بها" أي بالمسببات "نقص خلل" فإنه "ينظر" عند أهل الفقه "إلى" حال "تسبب" يعني إلى حال التسبب الذي كان نشأت عنه تلك المسببات و"كيف حصل" ووقع. "فإن يكن" قد وقع وحصل "على تمام" له فإنه قد "ارتفع" الذم عن المتسبب، فلا يقع عليه "لوم" بذلك "وإلا" يكن التسبب على تمامه "فالملام قد وقع" أي واقع على المتسبب "ومن هنا" على ما "يبدو" أخذ "بالانتزاع" أي بطريقة الانتزاع - وهي أخذ الحكم بالنظر العقلي من ظاهر وحال الشيء - إن هذا الذي ذكر من النظر إلى حال الأسباب على الوجه المذكور هو "الأصل" الذي عليه الحكم "في التضمين" أي إيجاب الضمان "على الصناع" في حال ما "إذا بدا" ظهر "من حالهم" وتصرفهم في عملهم "تغرير" من أنفسهم، بحيث ادعوا أنهم صناع فغروا غيرهم بذلك "أو ظهر" من جانبهم "التفريط" وعدم المبالاة بالعمل "أو التقصير" فيه بأن تركوا إتقانه بخلاف ما إذا لم يكونوا على شيء من ذلك فإنه لا ضمان عليهم، لأن الغلط في المسببات أو إيقاعها على غير وزان أسبابها قليل. والقليل لا مؤاخذة به.

стр. 209

٥٢٧ - وَالاجْتِهَادُ فِي امْتِثَالِ مَا أُمِرْ … وَفي اجْتِنَابِ مَا لَدَى النَّهْيِ اعْتُبِرْ ٥٢٨ - وَفي الْمُسَبَّبَاتِ مَا قَدْ عَمَّا … وَبَعْضُهَا يَخُصُّ مَنْ قَدْ أَمَّا ٥٢٩ - كَمِثْلِ قَطْعِ الرِّزْقِ فِي الزَّمَان … بِالنَّقْصِ لِلْمِكْيَالِ وَالْمِيزَان ٥٣٠ - وَمِثْلُ الانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ … حِلًّا وَكَالسُّكْرِ مِن الْمَمْنُوعِ في الفائدة الرابعة، وهي: انتهاض الهمة واكتساب الاجتهاد - بذل الجهد والطاقة - في امتثال الأوامر واجتناب المنهيات. قال الناظم: "و" من فوائد ذلك - أيضا - "الاجتهاد" بذل "الجهد" والطاقة "في امتثال ما" به المرء "أمر" شرعا "و" كذلك "في اجتناب" وتوقي "ما لدى" في "النهي" يعني المنهي عنه "اعتبر" وعد "و" إنما تكتسب هذه الفائدة من هذه الجهة - جهة التفات المتسبب إلى المسببات - لأن من "المسببات ما قد عما" أي ما يكون عاما من حيث إنه غير مقصور على من اكتسبه، بل يقع عليه وعلى غيره. أو من حيث عمومه لجزيئات مختلفة من الخير والشر. "وبعضها" أي المسببات ليس كذلك بل إنما "يخص من قد أما" - الألف للإطلاق - أي أمه - قصده - وأتى به كما أنه لا يكون إلا مفردا. أما أمثلة المسببات العامة فـ "كمثل قطع الرزق" عن الخلق "في الزمان" الذي اتصف أهله "بالنقص للمكيال والميزان" فـ ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ٢ - ٣] وكمثل الحكم بغير الحق الفاشي عنه الدم، وخفر العهد الذي يكون عنه تسليط العدو، والغلول الذي يكون عنه الرعب. قال الرسول ﷺ : "ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله الرعب في قلوبهم، ولا فشا الزنا في قوم إلا وكثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو". "و" أما أمثلة المسببات الخاصة فهي "مثل الانتفاع بالمبيع" الناشئ عن البيع حال كونه "حلا" أي حلالا فإنه مقصور على من كسبه فلا يتعداه إلى من سواه، فلا يشمل أمورا أخرى بذلك البيع، هذا في الحلال "و" أما في الحرام فـ "كالسكر" الناشئ "من" أي عن شرب "الممنوع" المحرم، كالخمر، فإنه مقصور على صاحبه، كما أنه يشمل ما

стр. 210

" المسألة الحادية عشرة " ٥٣١ - وَالسَّبَب الْمَمْنوع فِي الْمَوَارِدْ … هوَ الذِي يَخْتَصُّ بِالْمَفَاسِدْ ٥٣٢ - وَعَكْسُهُ: الْمُخْتَصُّ بِالْمَصَالِحِ … مَا كَانَ مَشْرُوعًا لِأمْرٍ صَالِحِ ٥٣٣ - وَالْعَكْسُ إِنْ يَبْدُ بِكلِّ وَاحِدِ … لَيْسَ بِحُكْمِ الأصْلِ فِي الْمَقَاصِدِ ٥٣٤ - وإنَّمَا ذَاكَ بِحُكْمِ الْعَرَضِ … التَّبَعِيَّاتِ لِأصْلِ الْغَرَضِ سوى ذلك. والعامل إذا نظر فيما يتسبب عن عمله من الخيرات أو الشرور اجتهد في اجتناب المنهيات، وامتثال المأمورات رجاء في الله وخوفا منه. ولهذا جاء الإخبار في الشريعة بجزاء الأعمال وبمسببات الأسباب. "المسألة الحادية عشرة" "المسألة الحادية عشرة" في أن الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح، كما أن الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد. قال الناظم: "والسبب الممنوع" أي الذي ورد منعه والنهي عنه "في الموارد" الشرعية - النصوص الشرعية - "هو الذي يختص ويتميز "بـ" أنه لا يترتب عنه إلا "المفاسد" لا غير، "وعكسه" وهو السبب المشروع هو "المختص" المتفرد "بـ" كسب "المصالح"، بذلك فهو "ما" أي الذي "كان مشروعا" أي موضوعا شرعا "لـ" كسب وتحصيل "أمر صالح" لأحوال الخلق في معاشهم ومعادهم. هذا هو الأصل في هذا الشأن "و" أما "العكس" لهذا الذي تقرر "أن يبد" في واقع الأمر "بكل" أي في كل "واحد" من الضربين السبب المشروع والسبب الممنوع، بحيث ترتبت على الممنوع المصلحة وعلى المشروع المفسدة، فإن ذلك "ليس بحكم" ناشئ عن ذلك "الأصل" المقرر بمقتضى "في المقاصد" الشرعية، فالمفاسد لا تنشأ عن الأسباب المشروعة، والمصالح لا تنشأ عن الأسباب الممنوعة "وإنما" حصل "ذاك" الذي يبدو في ظاهر الأمر "بـ" مقتضى و"حكم العرض" العادي الذي يعرض في سبيل تحصيل ما وضع له ذلك السبب وبحكم الأسباب "التبعيات لـ" لسبب الذي هو الـ "أصل" في تحصيل "الغرض" الشرعي في ذلك الموضع.

стр. 211

٥٣٥ - وَالْوَاجِبُ الْتِمَاسُ أَسْبَابٍ أُخَرْ … تُنَاسِبُ الْحُكْمَ الذِي بَعْدُ ظَهَرْ ٥٣٦ - كَالْأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْحِهَادِ … وَمَا مِنَ النِّكَاحِ ذُو فَسَادِ " و" إذا تقرر هذا وهو أن المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة ليست بناشئة عنها، وإنما هي ناشئة عن أسباب عادية عرضت في سبيل تحصيل مسببات تلك الأسباب المشروعة، أو عن أسباب تبعية حدثت وأن المصالح الناشئة عن الأسباب الممنوعة يقال فيها مثل ذلك، فإنه من "الواجب التماس" والبحث عن "أسباب أخر تناسب الحكم الذي بعد" ما تقرر السبب الشرعي في ذلك المقام و "ظهر" وهو مخالف لمقتضاه. وذلك "كالأمر بالمعروف" فإنه مشروع لأنه سبب لإقامة الدين وإظهار شعائر الإسلام وإخماد الباطل، والشارع لم يقصد به إتلاف نفس ولا مالك، وإنما هو أمر يتبع المشروع لرفع الحق وإخماد الباطل "و" كـ "الجهاد" فإنه مشروع لإعلاء كلمة الله، والشارع لم يقصد به إتلاف النفوس، لكن يتبعه في الطريق من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين وشهر السلاح وتناول القتال - هذا في الأسباب المشروعة - "و" أما الأسباب الممنوعة فمثالها "ما من النكاح ذو فساد" وبطلان، فإنه قد تقرر أنه قد يترتب عنه إلحاق الولد، وثبوت الميراث، وذلك ليس من جهته وإنما من جهة أسباب أخرى، كمراعاة الخلاف الواقع في حكم ذلك النكاح. ومثل النكاح في ذلك البيع الفاسد، فإنه قد يترتب عنه مصالح ومنافع، وذلك ليس من جهة كونها فاسدة، وإنما من جهة أن لليد القابضة هنا حكم الضمان شرعا فصار القابض كالمالك للسلعة، بسبب الضمان لا بسبب العقد. فإذا فاتت عينها تعين المثل أو القيمة وإن بقيت على غير تغير ولا وجه من وجوه الفوت، فالواجب ما يقتضيه النهي من الفساد. فإذا حصل فيها تغير أو نحوه مما ليس بمفيت للعين، تواردت أنظار المجتهدين: هل يكون ذلك في حكم الفوت جملة بسبب التغير أم لا؟ فبقي حكم المطالبة بالفسخ. إلا أن المطالبة بالفسخ حملا على صاحب السلعة إذا ردت عليه متغيرة مثلا؛ كما أن فيها حملا على المشتري، حيث أعطى ثمنا ولم يحصل له ما تعنى فيه من وجوه التصرفات التي حصلت في المبيع. فكان العدل النظر فيما بين هذين؛ فاعتبر في الفوت حوالة الأسواق، والتغير الذي لم يفت العين، وانتقال الملك، وما أشبه ذلك من الوجوه المذكورة في كتب الفقهاء. وحاصلها أن عدم الفسخ، وتسليط المشتري على الانتفاع، ليس سببه العقد المنهي عنه؛ بل الطوارئ المترتبة بعده (١).

стр. 212

٥٣٧ - فَذَاكَ مَشْرُوعٌ وَهَبْهُ أَوْقَعَا … مَفْسَدَةً فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ مَعَا ٥٣٨ - وَذَا مِنَ الْمَمْنُوعِ هَبْهُ أَبدَا … مَصْلَحَةً بَعْدُ إِلَيْهَا أَدَّى ٥٣٩ - وَحَيْثُمَا لَمْ يَنْتَهِضْ مَا أَثْمَرَا … لِأنْ يُرَى الشَّرْعُ لَهُ مُعْتَبِرَا ٣٤٠ - فَهَاهُنَا إِنْ لَمْ يَلُحْ فِيهِ سَبَبْ … ثَانٍ فَالإِلْغَاءُ لِهَذَا قَدْ وَجَبْ ٣٤١ - وَإِنْ يَكُنْ ذَا سَبَبٌ فِيهِ ظَهَرْ … بِالْعِلْمِ أَوْ بِالظَّنِّ فَهْوَ مُعْتَبَرْ وعلى كل حال "فذاك" السبب الشرعي "مشروع" أبدا لا ينفصل عنه ذلك، "وهبه" أنه "أوقعا" - الألف للإطلاق - وجلب "مفسدة" على الوجه الذي تقدم ذكره، سواء حصلت "في النفس والمال معا" جميعا، أو في أحدهما، "و" أما "ذا" أي هذا السبب الذي هو غير مشروع فهو "من الممنوع" المحظور شرعا "هبه" وظنه "أبدا" يصح أن يكون ظرفا للممنوع ولأبدا، أي من الممنوع أبدا، أو هبه أبدا "مصلحة" قد أثمر وجلب، "بعد" ما حكم عليه الشارع بأنه سبب ممنوع، فإنه كذلك - أي ممنوع - وإن "إليها" أي المصلحة "أدى" وأوصل، كما في الأمثلة السابقة، لأنه لم يوصل إلى ذلك بذاته، وإنما يحصل ذلك بالتوابع له من الأسباب، أو بالعوارض العادية، كما تقدم بيانه. "فصل" في أن السبب الممنوع إذا لم يصاحبه ما تحصل به المصلحة من أسباب تقتضي ذلك، لا يمكن أن يترتب عليه أي مصلحة، وإن توسل به إليها. قال الناظم: "وحيثما" أي في زمان، أو موضوع "لم ينتهض" ولم يقم يعني لم يكن "ما أثمرا" - الألف للإطلاق - أي أثمره السبب الممنوع صالحا "لأن يرى" أي يبصر صحيحا فيكون "الشرع له معتبرا" لذلك "فـ" إن "ها هنا" أي في هذا الموضع يصار إلى أمر، وهو أنه "إن لم يلح" ولم يظهر "فيه" أي في هذا الموضع المذكور "سبب ثان" ويسند إليه الحكم فيه "فـ" إن "الإلغاء لهذا" الذي أثمره ذلك السبب الممنوع، أمر "قد وجب" شرعا، وذلك كنكاح المحلل، فإنه يلغي ما أريد منه من إثمار حلّيّة الزوجة للزوج الأول، لأنه ليس معه سبب آخر شرعي يثمر ذلك، فينسب إليه "و" أما "إن يكن" أي كان ذلك الموضع على خلاف ذلك بأن كان "ذا سبب" شرعي "فيه ظهر" ووجد سواء كان ذلك الظهور ثابتا "بالعلم" بأن كان مقطوعا به "أو" كان حاصلا "بالظن"، فقط "فهو معتبر" شرعا، فليسند الحكم إليه، ومثال ذلك البيوع

стр. 213

٣٤٢ - وَإِنْ يَكُنْ مُسْتَبْهَمًا لِمَنْ نَظَرْ … فِي شَأْنِهِ فَهْوَ مَحَلٌّ لِلنَّظَرْ " المسألة الثانية عشرة " ٥٤٣ - وَجُمْلَةُ الأسْبَابِ حَيْثُ وَقَعَتْ … لِتَحْصُلَ الْمُسَبَّبَاتُ شُرِعَتْ ٥٤٤ - وَهْيَ الْمَصَالِحُ التِي تُجْتَلَبُ … أَوِ الْمَفَاسِدُ التِي تُجْتَنَبُ الفاسدة والأنكحة الفاسدة المتقدم ذكرها. "و" أما "إن يكن" حاله "مستبهما" غير واضح "لمن نظر في شأنه فهو محل للنظر" والاجتهاد. وهذا الذي ذكر في السبب الممنوع يجري مثله في السبب المشروع. قال الشاطبي: فأما لو فرضنا أن السبب الممنوع لم يثمر ما ينهض سببا لمصلحة، أو السبب المشروع لم يثمر ما ينهض سببا لمفسدة، فلا يكون عن المشروع مفسدة تقصد شرعا، ولا عن الممنوع مصلحة تقصد شرعا. وذلك كحيل أهل العينة في جعل السلعة واسطة في بيع الدينار بالدينارين إلى أجل. فهنا طرفان وواسطة: طرف لم يتضمن سببا ثابتا على حال، كالحيلة المذكورة. وطرف تضمن سببا قطعا أو ظنا؛ كتغير المغصوب في يد الغاصب فيملكه على التفصيل المعلوم. وواسطة لم ينتف فيها السبب البتة، ولا ثبت قطعا. فهو محل أنظار المجتهدين (١). "المسْألة الثانية عشرة" في أن الأسباب - من حيث هي أسباب شرعية لمسببات - إنما شرعت لتحصيل مسبباتها وهي المصالح المجتلبة، أو المفاسد المستدفعة. قال الناظم: "وجملة" أي وكل "الأسباب" الشرعية "حيث وقعت"، سواء وقعت في العبادات أو في العادات الشرعية، إنما وضعت "لتحصل المسببات" المترتبة عنها، ولذلك "شرعت و" تلك المسببات "هي المصالح التي تجتلب" أي المطلوب جلبها شرعا "أو المفاسد التي تجتنب" أي يطلب اجتنابها شرعا.

стр. 214

٥٤٥ - وَهُنَّ أَقْسَامٌ فَقِسْم عُلِمَتْ … شَرْعِيَّةُ الأسْبَابِ فِيهِ وَبَدَتْ ٥٤٦ - إِمَّا بِقَصْدٍ أَوَّلِ فِي الأوَّلِ … أَوْ تَابِعٍ فِي تَابِعِيِّ مُكْمِلِ ٥٤٧ - فَذَا صَحِيحٌ عِنْدَهُ التَّسَبُّبُ … وَهْوَ بِإِذْن الشَّرْعِ فِيهِ يُطْلَبُ ٥٤٨ - مِثْلُ النِّكَاحِ شَرْعُهُ لِلنَّسْلِ … وَبَعْدَهُ تَمَتُّعٌ بِالأهْل " وهن" أي تلك المسببات باعتبار تشريع الأسباب لها، وعدمه على "أقسام" ثلاثة، "فـ" الأول هو إلى "قسم" الذي "علمت" على قطع، أو على ظن "شرعية الأسباب فيه" يعني في سبيل تحصيله، وكسبه. ويصح أن تكون في هنا بمعنى إلى فيكون معنى كلامه لذلك: علمت شرعية الأسباب الموصلة إليه. "و" التي "بدت" وظهرت، فهي غير خافية، ثم إن تشريع الشارع لهذه الأسباب في هذا القسم "إما" أن يكون "بقصد" من الشارع "أول" وذلك إنما يحصل "في"المقاصد الأصلية "الأول" وهي التي لاحظ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل أمة، وهي حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل - العرض - وحفظ المال، وحفظ النفس. فكل الأسباب التي شرعها لذلك الشارع ثابتة بالقصد الأول منه لا غير، وهذا هو - المصنف الأول -. "أو" بقصد ثان "تابع" - وهذا هو المصنف الثاني - وذلك إنما يكون "في" مقصد "تابعي" لمقصد أصلي "مكمل" له، والمقصد التابعي هو كل ما روعي فيه حظ المكلف، فمن جهته يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات، وسد الخلاف. انظر أصل: كتاب المقاصد، النوع الرابع من المقاصد الشرعية - المسألة الثانية. وكل الأسباب المشروعة لنيل هذا كله إنما حصلت من الشارع بالقصد الثاني. "فذا" أي هذا القسم الذي شرعت له الأسباب "صحيح" شرعا "عنده" يعني عند طلبه "التسبب" فيه "وهو "كذلك لأنه لم يكن عن هوى، وإنما كان "بـ" سبب "إذن الشرع فيه" ولذلك "يطلب" ويسعى في كسبه. وذلك "مثل النكاح" الذي ثبت "شرعه" أي كونه مشروعا بالقصد الأول "للنسل" لقوله ﷺ : "تزوجوا الولود الودود فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" "و" يأتي "بعده" أي بعد هذا المقصود بالقصد الأول، ما هو مقصود بالقصد الثاني التبعي، وذلك كمثل إلى "تمتع بالأهل" أي الزوجة، ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم، أو دينهم، أو نحو ذلك، أو الخدمة أو القيام على

стр. 215

٥٤٩ - وَآخَرُ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ قَضَى … بِأَنَّهُ لِلشَّرْعِ غَيْرُ مُقْتَضَى ٥٥٠ - فَلَا يَصِحُّ هَاهُنَا التَّسَبُّبُ … بِسَبَبٍ لَيْسَ لِشَرْعٍ يُنْسَبُ ٥٥١ - وَمَا أَتَى يُوهِمُ عَكْسَ مَا ذُكِرْ … مِمَّا بِهِ الْجَوَازُ شَرْعًا اعْتُبِرْ ٥٥٢ - كَصِحَّةِ التَّعْلِيقِ لِلطَّلَاقِ … قَبْلَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَالْعِتَاقِ مصالحه أو الرغبة في جمال المرأة، أو التمتع بمالها، أو نحو ذلك، مما دلت عليه الشريعة. فصار إذا ما قصد هذا المتسبب مقصود الشارع على الجملة - هنا - وهذا كاف، هذا هو القسم الأول، وما يتعلق به. وأما الثاني، ففيه يقول الناظم: "و" قسم "آخر" من هذه الأقسام الثلاثة في المسببات هو المسبب الذي "العلم أو الظن" قد "قضى" وحكم في شأنه "بأنه" مسبب "لـ" حكم "الشرع غير مقتضى" أي غير مطلوب، وبذلك فهو غير مقبول وغير صحيح إذ هو خارج عن ذلك الحكم، فلم يخضع له، فسقط اعتباره. ولهذا "فلا يصح" شرعا "هاهنا" أي في هذا القسم "التسبب" في تحصيله "بسبب" - التنوين للتنويع - أي بأي نوع من الأسباب "ليس لشرع" أي لأمر شرعه الشارع "ينسب" ويسند، لأن التسبب بذلك عبث، والمفروض في هذا القسم أنه مسبب غير مشروع، وبذلك فإنه لا سبب شرعي يوصل إليه، وكل تسبب في سبيل تحصيله لعب. فإذا قصد بالنكاح - مثلا - التوصل إلى أمر فيه إبطاله كنكاح المحلل، أو بالبيع التوصل إلى الربا مع إبطال البيع، وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أو يظن أن الشارع لا يقصدها، كان العمل باطلا لمخالفته لقصد الشارع في شرع النكاح، والبيع. وهكذا سائر الأعمال والتسببات العادية والعبادية. "و" أما "ما أتى" وهو "يوهم" أي يوقع في الوهم "عكس ما ذكر" في هذا الشأن "مما" ورد "به" أي فيه لمسببات توسل إليها بأسباب لم تشرع لها، ولم تقصد بها شرعا، لا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني، "الجواز" و الصحة "شرعا اعتبر" واعتد به، وذلك "كصحة التعليق للطلاق" بالزواج "قبل انعقاد العقد" أي عقد النكاح، كأن يقول قائل للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها من البلد الفلاني فهي طالق، فإذا قال ذلك فإنه يبنى عليه الطلاق فإذا تزوج من علق طلاقها منه بزواجه منها فإنه يقع عليه الطلاق بمجرد حصول ذلك التزوج "و" مثل هذا - صحة التعليق للطلاق بالنكاح - التزوج - صحة تعليق "العتاق" بالملك، فإنه، نافذ، كأن يقول للعبد: إن اشتريتك فأنت
следующие страницы →