٥٣٥ - وَالْوَاجِبُ الْتِمَاسُ أَسْبَابٍ أُخَرْ … تُنَاسِبُ الْحُكْمَ الذِي بَعْدُ ظَهَرْ
٥٣٦ - كَالْأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْحِهَادِ … وَمَا مِنَ النِّكَاحِ ذُو فَسَادِ
" و" إذا تقرر هذا وهو أن المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة ليست بناشئة عنها، وإنما هي ناشئة عن أسباب عادية عرضت في سبيل تحصيل مسببات تلك الأسباب المشروعة، أو عن أسباب تبعية حدثت وأن المصالح الناشئة عن الأسباب الممنوعة يقال فيها مثل ذلك، فإنه من "الواجب التماس" والبحث عن "أسباب أخر تناسب الحكم الذي بعد" ما تقرر السبب الشرعي في ذلك المقام و "ظهر" وهو مخالف لمقتضاه.
وذلك "كالأمر بالمعروف" فإنه مشروع لأنه سبب لإقامة الدين وإظهار شعائر الإسلام وإخماد الباطل، والشارع لم يقصد به إتلاف نفس ولا مالك، وإنما هو أمر يتبع المشروع لرفع الحق وإخماد الباطل "و" كـ "الجهاد" فإنه مشروع لإعلاء كلمة الله، والشارع لم يقصد به إتلاف النفوس، لكن يتبعه في الطريق من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين وشهر السلاح وتناول القتال - هذا في الأسباب المشروعة - "و" أما الأسباب الممنوعة فمثالها "ما من النكاح ذو فساد" وبطلان، فإنه قد تقرر أنه قد يترتب عنه إلحاق الولد، وثبوت الميراث، وذلك ليس من جهته وإنما من جهة أسباب أخرى، كمراعاة الخلاف الواقع في حكم ذلك النكاح. ومثل النكاح في ذلك البيع الفاسد، فإنه قد يترتب عنه مصالح ومنافع، وذلك ليس من جهة كونها فاسدة، وإنما من جهة أن لليد القابضة هنا حكم الضمان شرعا فصار القابض كالمالك للسلعة، بسبب الضمان لا بسبب العقد. فإذا فاتت عينها تعين المثل أو القيمة وإن بقيت على غير تغير ولا وجه من وجوه الفوت، فالواجب ما يقتضيه النهي من الفساد. فإذا حصل فيها تغير أو نحوه مما ليس بمفيت للعين، تواردت أنظار المجتهدين: هل يكون ذلك في حكم الفوت جملة بسبب التغير أم لا؟ فبقي حكم المطالبة بالفسخ. إلا أن المطالبة بالفسخ حملا على صاحب السلعة إذا ردت عليه متغيرة مثلا؛ كما أن فيها حملا على المشتري، حيث أعطى ثمنا ولم يحصل له ما تعنى فيه من وجوه التصرفات التي حصلت في المبيع. فكان العدل النظر فيما بين هذين؛ فاعتبر في الفوت حوالة الأسواق، والتغير الذي لم يفت العين، وانتقال الملك، وما أشبه ذلك من الوجوه المذكورة في كتب الفقهاء. وحاصلها أن عدم الفسخ، وتسليط المشتري على الانتفاع، ليس سببه العقد المنهي عنه؛ بل الطوارئ المترتبة بعده (١).
стр. 212
٥٣٧ - فَذَاكَ مَشْرُوعٌ وَهَبْهُ أَوْقَعَا … مَفْسَدَةً فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ مَعَا
٥٣٨ - وَذَا مِنَ الْمَمْنُوعِ هَبْهُ أَبدَا … مَصْلَحَةً بَعْدُ إِلَيْهَا أَدَّى
٥٣٩ - وَحَيْثُمَا لَمْ يَنْتَهِضْ مَا أَثْمَرَا … لِأنْ يُرَى الشَّرْعُ لَهُ مُعْتَبِرَا
٣٤٠ - فَهَاهُنَا إِنْ لَمْ يَلُحْ فِيهِ سَبَبْ … ثَانٍ فَالإِلْغَاءُ لِهَذَا قَدْ وَجَبْ
٣٤١ - وَإِنْ يَكُنْ ذَا سَبَبٌ فِيهِ ظَهَرْ … بِالْعِلْمِ أَوْ بِالظَّنِّ فَهْوَ مُعْتَبَرْ
وعلى كل حال "فذاك" السبب الشرعي "مشروع" أبدا لا ينفصل عنه ذلك، "وهبه" أنه "أوقعا" - الألف للإطلاق - وجلب "مفسدة" على الوجه الذي تقدم ذكره، سواء حصلت "في النفس والمال معا" جميعا، أو في أحدهما، "و" أما "ذا" أي هذا السبب الذي هو غير مشروع فهو "من الممنوع" المحظور شرعا "هبه" وظنه "أبدا" يصح أن يكون ظرفا للممنوع ولأبدا، أي من الممنوع أبدا، أو هبه أبدا "مصلحة" قد أثمر وجلب، "بعد" ما حكم عليه الشارع بأنه سبب ممنوع، فإنه كذلك - أي ممنوع - وإن "إليها" أي المصلحة "أدى" وأوصل، كما في الأمثلة السابقة، لأنه لم يوصل إلى ذلك بذاته، وإنما يحصل ذلك بالتوابع له من الأسباب، أو بالعوارض العادية، كما تقدم بيانه.
"فصل" في أن السبب الممنوع إذا لم يصاحبه ما تحصل به المصلحة من أسباب تقتضي ذلك، لا يمكن أن يترتب عليه أي مصلحة، وإن توسل به إليها.
قال الناظم: "وحيثما" أي في زمان، أو موضوع "لم ينتهض" ولم يقم يعني لم يكن "ما أثمرا" - الألف للإطلاق - أي أثمره السبب الممنوع صالحا "لأن يرى" أي يبصر صحيحا فيكون "الشرع له معتبرا" لذلك "فـ" إن "ها هنا" أي في هذا الموضع يصار إلى أمر، وهو أنه "إن لم يلح" ولم يظهر "فيه" أي في هذا الموضع المذكور "سبب ثان" ويسند إليه الحكم فيه "فـ" إن "الإلغاء لهذا" الذي أثمره ذلك السبب الممنوع، أمر "قد وجب" شرعا، وذلك كنكاح المحلل، فإنه يلغي ما أريد منه من إثمار حلّيّة الزوجة للزوج الأول، لأنه ليس معه سبب آخر شرعي يثمر ذلك، فينسب إليه "و" أما "إن يكن" أي كان ذلك الموضع على خلاف ذلك بأن كان "ذا سبب" شرعي "فيه ظهر" ووجد سواء كان ذلك الظهور ثابتا "بالعلم" بأن كان مقطوعا به "أو" كان حاصلا "بالظن"، فقط "فهو معتبر" شرعا، فليسند الحكم إليه، ومثال ذلك البيوع
стр. 213
٣٤٢ - وَإِنْ يَكُنْ مُسْتَبْهَمًا لِمَنْ نَظَرْ … فِي شَأْنِهِ فَهْوَ مَحَلٌّ لِلنَّظَرْ
" المسألة الثانية عشرة "
٥٤٣ - وَجُمْلَةُ الأسْبَابِ حَيْثُ وَقَعَتْ … لِتَحْصُلَ الْمُسَبَّبَاتُ شُرِعَتْ
٥٤٤ - وَهْيَ الْمَصَالِحُ التِي تُجْتَلَبُ … أَوِ الْمَفَاسِدُ التِي تُجْتَنَبُ
الفاسدة والأنكحة الفاسدة المتقدم ذكرها.
"و" أما "إن يكن" حاله "مستبهما" غير واضح "لمن نظر في شأنه فهو محل للنظر" والاجتهاد. وهذا الذي ذكر في السبب الممنوع يجري مثله في السبب المشروع.
قال الشاطبي: فأما لو فرضنا أن السبب الممنوع لم يثمر ما ينهض سببا لمصلحة، أو السبب المشروع لم يثمر ما ينهض سببا لمفسدة، فلا يكون عن المشروع مفسدة تقصد شرعا، ولا عن الممنوع مصلحة تقصد شرعا.
وذلك كحيل أهل العينة في جعل السلعة واسطة في بيع الدينار بالدينارين إلى أجل. فهنا طرفان وواسطة: طرف لم يتضمن سببا ثابتا على حال، كالحيلة المذكورة. وطرف تضمن سببا قطعا أو ظنا؛ كتغير المغصوب في يد الغاصب فيملكه على التفصيل المعلوم. وواسطة لم ينتف فيها السبب البتة، ولا ثبت قطعا. فهو محل أنظار المجتهدين (١).
"المسْألة الثانية عشرة"
في أن الأسباب - من حيث هي أسباب شرعية لمسببات - إنما شرعت لتحصيل مسبباتها وهي المصالح المجتلبة، أو المفاسد المستدفعة.
قال الناظم: "وجملة" أي وكل "الأسباب" الشرعية "حيث وقعت"، سواء وقعت في العبادات أو في العادات الشرعية، إنما وضعت "لتحصل المسببات" المترتبة عنها، ولذلك "شرعت و" تلك المسببات "هي المصالح التي تجتلب" أي المطلوب جلبها شرعا "أو المفاسد التي تجتنب" أي يطلب اجتنابها شرعا.
стр. 214
٥٤٥ - وَهُنَّ أَقْسَامٌ فَقِسْم عُلِمَتْ … شَرْعِيَّةُ الأسْبَابِ فِيهِ وَبَدَتْ
٥٤٦ - إِمَّا بِقَصْدٍ أَوَّلِ فِي الأوَّلِ … أَوْ تَابِعٍ فِي تَابِعِيِّ مُكْمِلِ
٥٤٧ - فَذَا صَحِيحٌ عِنْدَهُ التَّسَبُّبُ … وَهْوَ بِإِذْن الشَّرْعِ فِيهِ يُطْلَبُ
٥٤٨ - مِثْلُ النِّكَاحِ شَرْعُهُ لِلنَّسْلِ … وَبَعْدَهُ تَمَتُّعٌ بِالأهْل
" وهن" أي تلك المسببات باعتبار تشريع الأسباب لها، وعدمه على "أقسام" ثلاثة، "فـ" الأول هو إلى "قسم" الذي "علمت" على قطع، أو على ظن "شرعية الأسباب فيه" يعني في سبيل تحصيله، وكسبه. ويصح أن تكون في هنا بمعنى إلى فيكون معنى كلامه لذلك: علمت شرعية الأسباب الموصلة إليه. "و" التي "بدت" وظهرت، فهي غير خافية، ثم إن تشريع الشارع لهذه الأسباب في هذا القسم "إما" أن يكون "بقصد" من الشارع "أول" وذلك إنما يحصل "في"المقاصد الأصلية "الأول" وهي التي لاحظ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل أمة، وهي حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل - العرض - وحفظ المال، وحفظ النفس. فكل الأسباب التي شرعها لذلك الشارع ثابتة بالقصد الأول منه لا غير، وهذا هو - المصنف الأول -.
"أو" بقصد ثان "تابع" - وهذا هو المصنف الثاني - وذلك إنما يكون "في" مقصد "تابعي" لمقصد أصلي "مكمل" له، والمقصد التابعي هو كل ما روعي فيه حظ المكلف، فمن جهته يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات، وسد الخلاف. انظر أصل: كتاب المقاصد، النوع الرابع من المقاصد الشرعية - المسألة الثانية.
وكل الأسباب المشروعة لنيل هذا كله إنما حصلت من الشارع بالقصد الثاني. "فذا" أي هذا القسم الذي شرعت له الأسباب "صحيح" شرعا "عنده" يعني عند طلبه "التسبب" فيه "وهو "كذلك لأنه لم يكن عن هوى، وإنما كان "بـ" سبب "إذن الشرع فيه" ولذلك "يطلب" ويسعى في كسبه. وذلك "مثل النكاح" الذي ثبت "شرعه" أي كونه مشروعا بالقصد الأول "للنسل" لقوله ﷺ : "تزوجوا الولود الودود فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" "و" يأتي "بعده" أي بعد هذا المقصود بالقصد الأول، ما هو مقصود بالقصد الثاني التبعي، وذلك كمثل إلى "تمتع بالأهل" أي الزوجة، ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم، أو دينهم، أو نحو ذلك، أو الخدمة أو القيام على
стр. 215
٥٤٩ - وَآخَرُ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ قَضَى … بِأَنَّهُ لِلشَّرْعِ غَيْرُ مُقْتَضَى
٥٥٠ - فَلَا يَصِحُّ هَاهُنَا التَّسَبُّبُ … بِسَبَبٍ لَيْسَ لِشَرْعٍ يُنْسَبُ
٥٥١ - وَمَا أَتَى يُوهِمُ عَكْسَ مَا ذُكِرْ … مِمَّا بِهِ الْجَوَازُ شَرْعًا اعْتُبِرْ
٥٥٢ - كَصِحَّةِ التَّعْلِيقِ لِلطَّلَاقِ … قَبْلَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَالْعِتَاقِ
مصالحه أو الرغبة في جمال المرأة، أو التمتع بمالها، أو نحو ذلك، مما دلت عليه الشريعة. فصار إذا ما قصد هذا المتسبب مقصود الشارع على الجملة - هنا - وهذا كاف، هذا هو القسم الأول، وما يتعلق به. وأما الثاني، ففيه يقول الناظم: "و" قسم "آخر" من هذه الأقسام الثلاثة في المسببات هو المسبب الذي "العلم أو الظن" قد "قضى" وحكم في شأنه "بأنه" مسبب "لـ" حكم "الشرع غير مقتضى" أي غير مطلوب، وبذلك فهو غير مقبول وغير صحيح إذ هو خارج عن ذلك الحكم، فلم يخضع له، فسقط اعتباره. ولهذا "فلا يصح" شرعا "هاهنا" أي في هذا القسم "التسبب" في تحصيله "بسبب" - التنوين للتنويع - أي بأي نوع من الأسباب "ليس لشرع" أي لأمر شرعه الشارع "ينسب" ويسند، لأن التسبب بذلك عبث، والمفروض في هذا القسم أنه مسبب غير مشروع، وبذلك فإنه لا سبب شرعي يوصل إليه، وكل تسبب في سبيل تحصيله لعب. فإذا قصد بالنكاح - مثلا - التوصل إلى أمر فيه إبطاله كنكاح المحلل، أو بالبيع التوصل إلى الربا مع إبطال البيع، وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أو يظن أن الشارع لا يقصدها، كان العمل باطلا لمخالفته لقصد الشارع في شرع النكاح، والبيع. وهكذا سائر الأعمال والتسببات العادية والعبادية.
"و" أما "ما أتى" وهو "يوهم" أي يوقع في الوهم "عكس ما ذكر" في هذا الشأن "مما" ورد "به" أي فيه لمسببات توسل إليها بأسباب لم تشرع لها، ولم تقصد بها شرعا، لا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني، "الجواز" و الصحة "شرعا اعتبر" واعتد به، وذلك "كصحة التعليق للطلاق" بالزواج "قبل انعقاد العقد" أي عقد النكاح، كأن يقول قائل للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها من البلد الفلاني فهي طالق، فإذا قال ذلك فإنه يبنى عليه الطلاق فإذا تزوج من علق طلاقها منه بزواجه منها فإنه يقع عليه الطلاق بمجرد حصول ذلك التزوج "و" مثل هذا - صحة التعليق للطلاق بالنكاح - التزوج - صحة تعليق "العتاق" بالملك، فإنه، نافذ، كأن يقول للعبد: إن اشتريتك فأنت
стр. 216
٥٣٣ - فَهْوَ لَدَى الْمُجِيزِ عَنْ ذَا يَخْرُجُ … وَمَا هُنَا أَصلٌ يُرَى يَنْدَرجُ
" المسألة الثالثة عشرة "
حر، فإنه يعتق عليه بمجرد شرائه، ولو كان الشراء فاسدا، ولو مجمعا على فساده، وقد روعي في ذلك تشوف الشارع للحرية. خلاصة القول: أن الطلاق والعتق يحصلان بما ذكر. مع أن هذا النكاح وهذا الشراء ليس فيهما شيء مما قصده الشارع لا بالقصد الأول، ولا بالقصد الثاني، وما فيهما سوى الطلاق والعتق، والنكاح لم يشرع للطلاق، كما أن الشراء لم يشرع للإخراج عن الملك، وإنما شرعا لأمور أخرى، والطلاق والعتاق من التوابع غير المقصودة في مشروعيتهما. فما جاز هذا إلا لأن وقوع الطلاق أو العتق ثان عن حصول النكاح، أو الملك، وعن القصد إليه، فالناكح قاصد بنكاحه الطلاق، والمشتري قاصد بشرائه العتق، وظاهر هذا القصد المنافاة لقصد الشارع، ولكنه مع ذلك جائز عند الإمامين: مالك وأبي حنيفة. وإذا كان كذلك فأحد الأمرين هو الجائز: أما التسبب بالمشروع إلى ما لم يشرع له السبب، وأما بطلان هذه المسائل، وما أشبهها والجواب عن هذا على وجه الإجمال هو أن هذا الذي ذكر من المسائل لا يعارض هذا الأصل - الذي هو أن السبب لا يتوسل به شرعا إلى ما لم يشرع له من المسببات على الإطلاق - لأنه ليس بداخل تحته، وبذلك "فهو "الذي "لدى" أي عند "المجيز" له المصحح بمقتضاه "عن ذا" الأصل "يخرج" إذ ليس من جزئياته - ما يخرج عليه من الفروع - عنده "وما هنا أصل" آخر يرجع إليه النظر في هذا الموضع، وهو قد "يرى يندرج" أي مندرجا للحاجة إليه "وهو" في الكلام الآتي في المسألة الموالية، وهي:
"المسألة الثالثة عشرة"
والتي متضمنها أن السبب المشروع لحكمة لا يخلو أن يعلم، أو يظن وقوع الحكمة به أو لا، فإن علم أو ظن ذلك، فلا إشكال في المشروعية، وإن لم يعلم ولا ظن ذلك فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك لعدم قبول المحل لتلك الحكمة.
وثانيهما: أن يكون ذلك لأمر خارجي.
فإن كان الأول ارتفعت المشروعية أصلا، فلا أثر للسبب شرعا البتة بالنسبة إلى
стр. 217
٥٥٤ - وَذَاكَ أَنَّ السَّبَبَ الْمَشْرُوعَا … لِحِكْمَةٍ مَطْلُوبَةٍ وُقُوعَا
٥٥٥ - إِنْ عُلِمَ الْوُقُوعُ أَوْ ظُنَّ فَذَا … شرْعِيَّةُ الْحُكْمِ لَدَيْهِ تُحْتَذَى
٥٥٦ - وَعَكْس ذَا إِمَّا يُرَى لَا يَقْبَلُ … حِكْمَتَهُ الْمَحَلُّ حِينَ يُعْمَلُ
٥٥٧ - فَلَيْسَ ذَاكَ سَبَبًا شرْعًا هُنَا … كَزَجْرِ غَيْرِ عَاقِلٍ إِذَا جَنَى
ذلك المحل. وأما إن كان الثاني - وهو عدم قبول المحل لتلك الحكمة لأمر خارجي - مع قبول المحل لتلك الحكمة من حيث نفسه، فهل يؤثر ذلك الأمر الخارجي في شرعية السبب، أم يجري السبب على أصل مشروعيته؟ هذا محتمل، والخلاف في ذلك سائغ.
قال الناظم: "وذاك" الأصل الذي يرجع إليه هذا الموضع هو "أن السبب المشروع لـ" لأجل "حكمة مطلوبة وقوعا" يعني لحكمة مطلوب وقوعها من جهة الشرع، لا يخلو حاله - أي ذلك السبب - في هذا الشأن من أمرين: أحدهما: أن يعلم أو يظن وقوع تلك الحكمة به ثانيهما: أن لا يحصل العلم ولا الظن فيه بذلك، وذلك قد يكون إما لعدم قبول المحل لتلك الحكمة، وإما لأمر عارض خارجي. فـ "إن علم الوقوع" لتلك الحكمة به "أو ظن فذا" أي هذا النوع من السبب "شرعية الحكم" بكونها سببا شرعيا وجريان ذلك "لديه" مثلا أي فيه شرعية "تحتذى" إذ لا إشكال فيها.
وسبيل الاحتذاء بها قد يجري - مثلا - في إثبات شرعية الشروط والموانع الجارية عن سنن هذا السبب الصالح لتحصيل ما قصد به شرعا من مصلحة وبذلك ثبتت له تلك الشرعية.
"و" أما ما لا يعلم ولا يظن أنه يحصل به ما شرع له من حكمة وهو "عكس ذا" هذا الضرب المتقدم ذكره، فإنه يصير كذلك لأمرين: "إما" لأنه "يرى" أي يعلم أنه "لا يقبل حكمته" - مفعول به - أي ما قصد به شرعا من حكمة "المحل" - فاعل يقبل - المفروض جريان ذلك السبب ووقوعه فيه، وقد يكون عدم القبول لهذا المانع عادي، أو شرعي، أو عقلي، ثابت موجود "حين يعمل" ذلك السبب في ذلك المحل. والسبب إن كان لا تحصل به الحكمة الشرعية الموضوع لها في محل ما "فليس ذاك سببا شرعا هنا" أي في هذا المحل الذي حكمته ممنوعة فيه وذلك "كزجر غير عاقل إذا جنى" فإن ذلك عبث، لأن الحكمة من الزجر حصول الانكفاف، وهو من غير العاقل لن يقع. وكالعقد على الخمر والخنزير، فإنه لن يقع شرعا، إذ المحل - الخمر والخنزير - لا يقبل حكمة
стр. 218
٥٥٨ - إِمَّا لِأمْرٍ خَارِجِيٍّ والْمَحَلْ … يَقْبَلُهَا فَالْأمْرُ هَاهُنَا احْتَمَلْ
٥٥٩ - وَالْخُلْفُ سَائِغٌ وَكُلٌّ صَوَّبَا … دَلِيلُهُ فِيمَا إِلَيْهِ ذَهَبَا
ذلك - العقد - وهو حلية الانتفاع والتصرف بالملك. هذا هو الأمر الأول، و "إما" أن يكون ذلك وهو انتفاء حصول العلم والظن بوقوع الحكمة الشرعية سببها "لأمر خارجي" وهذا هو الأمر الثاني عارض "والمحل يقبلها" أي تلك الحكمة، وفي هذه الحالة يرد السؤال: هل يؤثر ذلك الأمر الخارجي في شرعية السبب، فتسقط تلك الشرعية، أم يجرى السبب على أصل مشروعيته؟ لكل واحد من هذين الاعتبارين ما يستدل به على صحته، وبذلك "فالأمر" الذي يصار إليه "هاهنا" في هذا الموضع "احتمل" أن يكون - عدم سقوط شرعية السبب بذلك - أو ذاك - سقوطها به - بوجود هذا الاحتمال "والخلف" هنا "سائغ" جائز، ولذلك العلماء في المرجح من هذين الأمرين اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أن السبب الشرعي لا يقدح في مشروعيته ولا يؤثر فيها وجود ذاك الأمر الخارجي، وذهب آخرون إلى أن وجود هذا الأمر الخارجي مؤثر في شرعية ذلك السبب، بل مزيل لها. "وكل" أي وكل واحد من أهل هذين المذهبين "صوبا" الألف للإطلاق - ورجح "دليله" يعني حكم دليله الذي استدل به وساقه حجة "في"اختيار "ما إليه ذهبا" - الالف للإطلاق - من الرأيين المذكورين، فالذين ذهبوا إلى أن السبب الشرعي يبقى على أصل مشروعيته، فلا يؤثر فيه ذلك الأمر الخارجي استدلوا بأمور، ورأوا أن مقتضاها هو الصواب لرجحانها على ما يعارضها. أحد هذه الأمور: أن القاعدة الكلية لا تقدح فيها قضايا الأعيان، ولا نوادر التخلف. وهذا سيأتي بيانه في كتاب المقاصد في المسألة العاشرة - إن شاء الله تعالى، ثانيها: وهو الخاص بهذا المكان أن الحكمة إنما تعتبر بمحلها، وكونه قابلا لها فقط، وإما أن تعتبر بوجودها فيه. فإن اعتبرت بقبول المحل لها فقط، فهو المدعى، والمحلوف بطلاقها في مسألة التعليق قابلة للعقد عليها من الحالف وغيره، فلا يمنع ذلك إلا بدليل خاص في المنع، وهو غير موجود، وإن اعتبرت بوجودها في المحل لزم أن يعتبر في المنع، فقدانها مطلقا لمانع أو لغير مانع؛ كسفر الملك المترفه فإنه لا مشقة له في السفر أو هو مظنة لعدم وجود المشقة، فكان القصر والفطر في حقه ممتنعين، وكذلك إبدال الدرهم بمثله، وإبدال الدينار بمثله، مع أنه لا فائدة في هذا العقد، وما أشبه ذلك من المسائل التي نجد الحكم فيها جاريا على أصل مشروعيته، والحكمة غير موجودة. ولا يقال: إن
стр. 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السفر مظنة المشقة بإطلاق وإبدال الدرهم بالدرهم مظنة لاختلاف الأغراض بإطلاق وكذلك سائر المسائل التي في معناها فليجز التسبب بإطلاق بخلاف المحلوف بطلاقها بإطلاق، فإنها ليست بمظنة للحكمة، ولا توجد فيها على حال. لأنا نقول: إنما نظير السفر بإطلاق، نكاح الأجنبية بإطلاق، فإن قلتم بإطلاق الجواز مع عدم اعتبار وجود المصلحة في المسألة المقيدة، فلتقولوا بصحة نكاح المحلوف بطلاقها؛ لأنها سورة مقيدة من مطلق صور نكاح الأجنبيات، بخلاف نكاح القرابة المحرمة، كالأم والبنت مثلا، فإنها محرمة بإطلاق فالمحل غير قابل بإطلاق، فهذا من الضرب الأول، وإذا لم يكن ذلك فلا بد من القول به في تلك المسائل، وإذ ذاك يكون بعض الأسباب مشروعا، وإن لم توجد الحكمة ولا مظنتها، إذا كان المحل في نفسه قابلا؛ لأن قبول المحل في نفسه مظنة للحكمة وإن لم توجد وقوعا. وهذا معقول.
ثالثها: أن اعتبار وجود الحكمة في المحل عينا لا ينضبط، لأن تلك الحكمة لا توجد إلا ثانيا عن وقوع السبب، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها، فكم ممن طلق على أثر إيقاع النكاح، وكم من نكاح فسخ إذ ذاك لطارئ طرأ أو مانع منع، وإذا لم نعلم وقوع الحكمة فلا يصح توقف مشروعية السبب على وجود الحكمة؛ لأن الحكمة لا توجد إلا بعد وقوع السبب، وقد فرضنا وقوع السبب بعد وجود الحكمة، وهو دور محال، فإذا لا بد من الانتقال إلى اعتبار مظنة الحكمة ومظنة قبول المحل لها على الجملة كافيا. هذا ما استدل به أهل هذا المذهب.
واستدل مخالفوهم - وهم من ذهبوا إلى أن السبب تقصد شرعيته بوجود هذا الأمر الخارجي المسقط لحكمته الموجود في محله - بأمور: أحدها: أن قبول المحل إما أن يعتبر شرعا بكونه قابلا في الذهن خاصة، وإن فرض أنه غير قابل في الخارج فما لا يقبل لا يشرع التسبب فيه. وإما بكونه توجد حكمته في الخارج؛ فما لا توجد حكمته في الخارج لا يشرع أصلا كان في نفسه قابلا لها ذهنا أو لا، فإن كان الأول فهو غير صحيح؛ لأن الأسباب المشروعة إنما شرعت لمصالح العباد، وهي حكم المشروعية؛ فما ليس فيه مصلحة ولا هو مظنة مصلحة موجودة في الخارج، فقد ساوى ما لا يقبل المصلحة لا في الذهن ولا في الخارج، من حيث المقصد الشرعي. وإذا استويا امتنعا أو جازا؛ لكن جوازهما يؤدي إلى جواز ما اتفق على منعه. فلا بد من القول
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمنعهما مطلقا. وهو المطلوب.
والثاني: أنا لو أعملنا السبب هنا، مع العلم بأن المصلحة لا تنشأ عن ذلك السبب ولا توجد به، لكان ذلك نقضا لقصد الشارع في شرع الحكم؛ لأن التسبب هنا يصير عبثا، والعبث لا يشرع، بناء على القول بالمصالح، فلا فرق بين هذا وبين القسم الأول، وهذا هو معنى كلام القرافي.
والثالث: أن جواز ما أجيز من تلك المسائل، إنما هو باعتبار وجود الحكمة؛ فإن انتفاء المشقة بالنسبة إلى الملك المترفه غير متحقق، بل الظن بوجودها غالب؛ غير أن المشقة تختلف باختلاف الناس ولا تنضبط، فنصب الشارع المظنة في موضع الحكمة، ضبطا للقوانين الشرعية؛ كما جعل التقاء الختانين ضابطا لمسبباته المعلومة، وإن لم يكن الماء عنه؛ لأنه مظنته، وجعل الاحتلام مظنة حصول العقل القابل للتكليف؛ لأنه غير منضبط في نفسه، إلى أشياء من ذلك كثيرة، وأما إبدال الدرهم بمثله، فالمماثلة من كل وجه قد لا تتصور عقلا؛ فإنه ما من متماثلين إلا وبينهما افتراق ولو في تعيينهما، كما أنه ما من مختلفين إلا وبينهما مشابهة ولو في نفي ما سواهما عنهما، ولو فرض التماثل من كل وجه فهو نادر، ولا يعتد بمثله أن يكون معتبرا، والغالب المطرد اختلاف الدرهمين أو الدينارين ولو بجهة الكسب، فأطلق الجواز لذلك، وإذا كان ذلك كذلك، فلا دليل في هذه المسألة على مسائلنا (١).
حاصل القول: أن التوسل بالسبب الشرعي إلى كسب مسببه إذا كان لا يمنع، يسقط شرعا إلا في المحل الذي لا يقبل الحكمة المقصودة شرعا من وضع ذلك السبب، فإن النكاح والشراء المتوسل بهما في مسألتي التعليق المذكورتين لم تسقط شرعيتها، فصحة ما بني عليهما تابثة، والجواز الشرعي ماض في التوسل بهما إلى مسببيهما المذكورين: ثبوت العصمة، والملك، وإن كان ما يترتب عليهما - من الطلاق والعتق - مخالفا لما قصد شرعا من وضعهما. أي السببين.
وأما إن كان التسبب بالسبب الشرعي إلى مسببه يسقطه، ويرفعه عدم وجود الحكمة المقصودة من وضع ذلك السبب لهذا المسبب، سواء كان ذلك من جهة عدم قبول
стр. 221
٥٦٠ - وَثَالِثٌ فِي حَيِّزِ الإِمْكَان هَلْ … يَقْصِدُهُ الشَّارعُ أَمْ لَا قَدْ حَصَلْ
٣٦١ - فَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ مُسْتَشْكِلُ … لِأنَّهُ لِذَا وَذَا يَحْتَمِلُ
٥٦٢ - وَعَدَمُ الإِقْدَامِ فِي التَّسَبُّبِ أَوْلَى … مِنَ الإِقْدَامِ فَانْظُرْ تُصِبْ
المحل لذلك، أو من جهة أخرى كطرو ما يمنع المسبب من حصول حكمته، وإن كان المحل باعتبار حالته الأصلية لا يمنع فيه ذلك، فإن ما ذكر من السببين في مسألتي التعليق المذكورتين لا يصح التوسل بهما إلى مسببيهما، ولا يجوز ذلك على الإطلاق، وتمام البيان في المتقدم ذكره لكل واحد من أهل المذهبين المذكورين والله أعلم.
في ذكر حكم القسم الثالث من القسم الأول - وهو تقسيم الأسباب بالنسبة إلى مسبباتها - الواقع في صدر المسألة الثانية عشرة وهذا القسم هو ما جهل حاله من المسببات من جهة شرعية الأسباب لها بحيث لا يعلم هل شرعت الأسباب لها أم لا؟ وهل هي مقصودة للشارع بتلك الأسباب أم لا؟ هذا ما ظهر أنه المقصود هنا، وعبارة الشاطبي: "والقسم الثالث من القسم الأول هو أن يقصد بالسبب مسببا لا يعلم ولا يظن أنه مقصود الشارع، أو غير مقصود له. وهذا موضع نظر وهو محل إشكال واشتباه" فتأمل. وفي ذلك يقول الناظم: "و" القسم الذي هو "ثالث" في القسم الأول هو المسبب الذي جهل حاله من جهة شرعية الأسباب له، وبذلك فهو "في حيز" أي حكم "الإمكان" الذي مفاده "هل" هو مسبب "يقصده الشارع" بذلك السبب "أم لا" يقصده به، "قد حصل" - خبر عن قوله: وثالث - أي وقع ووجد، وبذلك "فذا" القسم "محل نظر" وإعمال للذهن "مستشكل" أي غامض حاله غير واضح وذلك "لأنه" موضع "لذا" وهو كون ذلك السبب موضوعا لذلك المسبب "وذا" أي ولهذا وهو كونه غير موضوع له "يحتمل" على السواء. "و" ما يظهر أنه الحكم في ذلك الراجح هو أن "عدم الإقدام في التسبب" بما هذا حاله من الأسباب "أولى من الأقدام" على ذلك "فانظر" وأعمل ذهنك في حال هذا الموضع، وما يقتضيه من حكم "تصب" ما هو الراجح فيه (١).
стр. 222
" المسألة الرابعة عشرة "
٥٦٣ - كمَا يُرَى تَرَتُّبُ الأحْكَامِ فِي … مَشْرُوعِ الأسْبَابِ مِنَ الضِّمْنِ اقْتُفِي
٥٦٤ - وَهَكَذَا الْمَمْنُوعُ مِنْهَا مُطْلَقَا … كَالْقَطْعِ وَالضَّمَان فِيمَا سُرِقَا
٥٦٥ - وَقَدْ تُرَى مَصْلَحَةً تُرَتَّبُ … عَلَيْهِ بِالضِّمْنِ اقْتَضَاهَا السَّبَبُ
٥٦٦ - كَالْقَتْلِ عَنْهُ عِتْقُ مَنْ قَدْ دُبِّرَا … وَالْغَصْبِ عَنْهُ مِلْكُ مَا تَغَيَّرَا
" المسألة الرابعة عشرة"
في أن الأسباب المشروعة كما يترتب عليها أحكام ضمنا - أي أحكام غير مقصودة للشارع بها، كالطلاق الذي قد يترتب على النكاح - كذلك غير المشروعة يترتب عليها أيضا أحكام ضمنا.
قال الناظم: "كما يرى" ويقع "ترتب الأحكام" أحيانا "في" أي بسبب كسب وتحصيل "مشروع الأسباب" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي الأسباب "من" جهة "الضمن" لا من جهة القصد، كما في ترتب التحليل للزوج الأول والطلاق عن النكاح، فهما غير مقصودين منه شرعا، وإنما ترتبا عنه من جهة تضمنه لهما من أجل أنه شرط في صحتهما، فكان ذلك هو الذي "اقتفى" في ترتبهما عنه، "وهكذا" شأن وحال السبب "الممنوع منها" أي من الأسباب "مطلقا"، فإنه تترتب عليه - أيضا - أحكام ضمنا، أحكام لم توضع ولم تكن مقصودة منه شرعا وذلك "كالقطع" لليد "والضمان" الثابتان "فيما سرقا" فالسارق تقطع يده ويضمن ما سرق، والسرقة سبب غير مشروع، وغير موضوع شرعا لتحصيل هذين الحكمين بالطلب من الشارع. وهكذا الغصب، والقتل العمد العدوان، وما شابه ذلك، وهذه الأسباب الممنوعة لا تترتب عنها إلا المفاسد غالبا "وقد ترى" على وجه النذور "مصلحة" ما "ترتب" - أصله تترتب - "عليه" وتنشأ عنه وهي "بالضمن" لا بالقصد الشرعي" اقتضاها" ذلك "السبب" وذلك "كالقتل" الذي ترتب "عنه" يعني عليه "عتق من" العبيد "قد دبرا" - الألف للإطلاق - وهو المدبر - بفتح الباء - الذي يعتق بمجرد موت سيده ويكون ذلك إذا قال له سيده: أنت حر عن دبر مني وكذلك حرية أمهات الأولاد، والميراث، وما شابه ذلك من المصالح التي ترتب على الموت. "و" كمثل "الغصب عنه" فإنه - أيضا - سبب ممنوع إلا أنه قد يرتب عليه "ملك ما" أي الشيء المغصوب الذي "تغيرا"
стр. 223
٥٦٧ - فَالأوَّلُ الْعَاقِلُ غَيْرُ قَاصِدِ … لَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ
٥٦٨ - وَالْقَصْدُ لِلثَّانِي يَكُونُ إِمَّا … لِمَا اسْتَقَرَّ الْمَنْعُ فِيهِ حُكْمَا
٥٦٩ - فَذَاكَ غَيْرُ قَادِحٍ مَهْمَا أَتَى … فِي مَصْلَحيِّ الْحُكْمِ حَيْثُ ثَبَتَا
٥٧٠ - إلَّا بِحَيْثُ سُدَّتِ الذَّرَائِعُ … فَالْقَتْلُ لِلتَّشَفِّي الإِرْثَ مَانِعُ
٥٧١ - إِمَّا لِمَا يَتْبَعُ حُكْمَ السَّبَبِ … مَصْلَحَةً بِالضِّمْنِ فِي التَّسَبُّبِ
في يد الغاصب بنحو صياغة، أو نسج، أو ضمان، أو ما شابه ذلك، ولربه أخذ قيمته غير مغير وبهذا يعلم أن السبب الممنوع على ضربين:
أحدهما: ما يترتب عنه إلا المفسدة.
والثاني: ما قد تكون عنه مصلحة. "فالأول" وهو ما لا يترتب عليه إلا المفاسد "العاقل غير قاصد له" يعني لا يقصده، وذلك "لـ" أجل "ما فيه من المفاسد" والمضار الخالصة.
"و" أما "القصد لـ" الضرب "الثاني" وهو ما تكون عنه مصلحة، فإنه "يكون" ويحصل وذلك "إما" أن يقع "لـ" أجل تحصيل "ما استقر" أي مسبب ثبت "المنع فيه" يعني في التوسل إليه بذلك السبب واستقر "حكما" شرعيا. كالتشفي بالقتل، وطلب الانتفاع بالمغصوب، أو المسروق، وذلك أي ما قصد من تلك المسببات قد يحصل ولا يمنع من ذلك هذا القصد "فذاك غير قادح" ولا مؤثر "مهما" أي وإن "أتى" أي حصل ووقع من المكلف "في مصلحي الحكم" يعني في الحكم المصلحي التبعي لذلك المسبب "حيث" أي في كل مكان "ثبتا" ووجد، وذلك لأنه إذا حصل السبب المذكور حصل مسببه "إلا بحيث" أي في المواضع التي "سدت" فيها "الذرائع" وهي الطرق المؤدية إلى المفاسد فنسيت أحكامها - أي أحكام تلك المواضع - على ذلك "فالقتل للتشفي "مثلا مسقط "الإرث" "ومانع" منه، فمن قتل موروثه لا يرثه. وإن قتله خطأ لا يرث من ديته فقط عند المالكية.
هذا هو الوجه الأول الذي يكون عليه القصد المذكور - وهو القصد بالسبب الممنوع إلى مسببه - "وإما" أن يكون القصد به "لما" أي إلى تحصيل ما "يتبع حكم" ذلك "السبب" وهو "مصلحة" تحصل عنه "بالضمن في التسبب" به ويصح نصبها أي مصلحة
стр. 224
٥٧٢ - فَذَا تَسَبُّبٌ بِغَيْرِ سَبَبِ … إِذْ لَيْسَ لِلْمَشْرُوعِ بِالْمُنْتَسبِ
٥٧٣ - لَكِنَّهُ بَعْدُ مَجَالٌ لِلنَّظَرْ … مُلْغىً لِقَوْمٍ وَيقَوْمٍ مُعْتَبَرْ
٥٧٤ - فَمَنْ رَأَى الْقَصْدَ بِهَذَا الْوَاقِعِ … مُنَاقِضًا مَعْنَاهُ قَصْدَ الشَّارعِ
بالغضب على الحال فيكون المعنى: ما يتبع حكم ذلك السبب حال كونه مصلحة تقع بالضمن لا بالقصد الشرعي ولا بوضعه، وذلك كالوارث يقتل موروثه ليحصل له الميراث، والموصى له يقتل الموصي ليحصل له الموصى به، والغاصب يقصد ملك المغصوب فيغره ليضمن قيمته، ويتملكه، وأشباه ذلك "فذا" أي فهذا التسبب باطل لأنه "تسبب بغير سبب"، وبذلك فهو تسبب ملغى "إذ ليس" بأي حال من الأحوال "لـ" لتسبب "المشروع" المعتبر شرعا "بالمنتسب" وإنما هو في الحقيقة تسبب غير مشروع. لأن الشارع لم يمنع تلك الأشياء في خطاب التكليف ليحصل بها في خطاب الوضع مصلحة. "لاكنه" وإن كان كذلك واقتضى حاله هذا الحكم، فإنه لم تنغلق جميع منافذ النظر فيه بل هو "بعد" أي بعد ذلك كله "مجال للنظر" وإنما كان كذلك لأنه قد تعارضت فيه السببية والقصد، فهل يعتبر في ذلك التسبب المخصوص كونه مناقضا في القصد لقصد الشارع عينا، حتى لا يترتب عليه ما قصده المتسبب. فتنشأ من هنا قاعدة "المعاملة بنقيض المقصود"، ويطلق الحكم باعتبارها إذا تعين ذلك القصد المفروض؟ وهو مقتضى الفقه في حديث المنع من جمع المفترق وتفريق المجتمع خشية الصدقة؛ وكذلك ميراث المبتوتة في المرض، أو تأبيد التحريم على من نكح في العدة. إلى كثير من هذا. أو يعتبر جعل الشارع ذلك سببا للمصلحة المترتبة، ولا يؤثر في ذلك قصد القاصد، وبذلك يستوي الحكم هنا مع الحكم الذي تقرر في الضرب الأول وهو الجواز، والصحة.
وبين أهل العلم في المرجح والذي يجب العمل به من الاعتبارين خلاف، وعلى هذا الخلاف بني الخلاف في الحكم الذي ينبغى المصير إليه في تلك الجزئيات وما شابهها فلذلك كان السبب "ملغى لقوم" أي عند قوم من أهل العلم "ولقوم" أي عند قوم آخرين منهم "معتبر" ومؤثر يبني عليه حكمه.
"فمن رأى" من هؤلاء العلماء "القصد بهذا الواقع" المذكور والحال الذي عليه قصدا "مناقضا معناه" أي حكمه ومقتضاه "قصد الشارع" بعينه في هذا الموضع
стр. 225
٥٧٥ - عَامَلَ بِالنَّقِيضِ لِلْمَقْصُودِ … وَذَاكَ أَصْل ثَابِتُ الْوُجُودِ
٥٧٦ - دَلِيلُهُ النَّصُّ عَلَى حِرْمَان … إِرْثِ الذِي يَقْتُلُ بِالْعُدْوَانِ
٥٧٧ - وَمَنْ رَأَى الشَّرْعَ أَرَادَ سَبَبَا … لِمَا عَلَيْهِ جُمْلَةً تَرَتَّبَا
٥٧٨ - أَجْرَاهُ كَالْأوَّلِ فِي الْمَوَارِدِ … وَلَمْ يُرَاعِ فِيهِ قَصْدَ الْقَاصِدِ
الفصل الثاني في الشروط وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
" عامل" هذا المتسبب "بالنقيض للمقصود" أي لمقصوده، فرتب على تسببه الحكم الذي يناقض ما قصد إليه "وذاك" وهو العمل بنقيض القصد "أصل ثابت الوجود" في الشرع يستعمل في المواطن التي يشرع استعماله فيها "دليله" أي دليل كونه أصلا شرعيا ثابتا هو "النص" الشرعي "على حرمان" ومن "إرث الذي يقتل" موروثه بغير حق، وإنما "بالعدوان".
وقد تقدم ذكر هذا النص - الحديث النبوي - هذا رأي من يرى تأثير القصد إلغاء اعتبار السببية في هذا الموضع "و" أما "من رأى" أن "الشرع أراد" هذا السبب "سببا" موصلا "لما" من المصلحة "عليه جملة" في كل الأحوال "ترتبا" وحصل عنه فإنه "أجراه" مجرى ما تترتب عليه أحكامه من الأسباب "كا"لسبب "الأول" - وهو ما قصد به المسبب الذي منع لأجله، لا غير ذلك "في الموارد" أي الأحكام "ولم يراع فيه" يعني في هذا الشأن "قصد القاصد" المذكور.
الفصل الثاني في الشروط وفيه مسائل
" المسألة الأولى"
"الفصل الثاني" من القسم الثاني من قسمي الأحكام الشرعية، وهو معقود "في" النوع الثاني من أنواع خطاب الوضع، وهو "الشروط"، النظر "فيه" وبيانه المقصود سيكون في النظر في "مسائل" منه.
"المسألة الأولى" في أن المراد بالشرط في هذا الكتاب هو ما كان وصفا مكملا لمشروطه فيما اقتضاه ذلك المشروط، أو فيما اقتضاه الحكم فيه.
стр. 226
٥٧٩ - الشَّرْطُ فِي هَذَا الْكِتَابِ هُوَ مَا … يَكُونُ وَصفًا قَدْ أَتَى مُتَمِّمَا
٥٨٠ - وَمُكْمِلًا مَشْرُوطَهُ فِيمَا اقْتَضَى … أَوْ مَا اقْتَضَاهُ الْحُكْمُ فِيهِ منْ قَضَا
٥٨١ - وَهَبْهُ وَصْفٌ عِلَّةٌ أَوْ سَبَبُ … أَوْ وَصْفُ مَعْلُولٍ أَوِ الْمُسَبَّبُ
٥٨٢ - أَو الْمَحَلُّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَا … مِمَّا يَكُونُ نَهْجَ ذَاكَ سَالِكَا
قال الناظم: "الشرط في هذا الكتاب" - الموافقات - المراد به "هو ما يكون وصفا قد أتى" بمقتضى حاله "متمما ومكملا مشروطه" كيفما كان ذلك المشروط، "فيما اقتضى" من حكمة "أو "مكملا لمشروطه في "ما اقتضاه الحكم فيه" أي في المشروط "من قضا" أي حكمة، ومقتضى كلامه هذا: أن الشرط يطلق على كل وصف كمل حكمة مشروطه ولا يختص ذلك بالحكم، بل هو عام شامل لكل جزيئات القضية، فكل جزء منها يكمل حكمته وصف فيها يعتبر شرطا، "وهبه" أي ذلك المكمل "وصف علة" كالتكافؤ في القتل العمد العدوان فإنه شرط، لأنه مكمل لحكمة هذه العلة القتل - العمد العدوان - ثم إنه إن كان شرطا في العلة فإنه يكون في الحكم. فالتكافؤ - مثلا - شرط في القصاص، وهو الحكم - هنا - وبذلك يكون مكملا لما اقتضاه الحكم أيضا - من حكمة، وهي الزجر وانتشار الأمن، واستتبابه. قال الشاطبى: "والتساوي في الحرمة مكمل لمقتضى القصاص أو حكمة الزجر". الموافقات ١/ ١٩٦ "أو "وصف "سبب" كإمكان النماء أو حولان الحول الذي وصف مكمل لحكمة السبب وهو ملك النصاب - وحكمته الغنى - فالنصاب حصر بوجوب الزكاة فيه لأن صاحبه غني، فكانت حكمة ذلك الغنى "أو وصف معلول" ويجري ذلك في نحو واشتراط عدم القدرة على رد الزوجة، أو منعها من الخروج في سقوط النفقة المعلول بخروج الزوجة من البيت بدون إذن الزوج "أو" وصف "المسبب" كإمضاء الولي، فإنه يشترط في المسبب عن بيع الصبي، وهو حلية الانتفاع، فحلية الانتفاع بما اشترى من الصبي متوقف على ذلك. "أو"وصف "المحل" أي محل ما ذكر من السبب والعلة والمسبب، والمعلول.
فملك النصاب - مثلا - سبب في وجوب الزكاة، ومحله يشترط فيه أن يكون مما تخرج فيه الزكاة. والقتل العمد العدوان علة في وجوب القصاص، ومحلها يشترط فيه العقل. وحلية الاستمتاع مسبب عن النكاح، ويشترط في محله الطهارة - الخلو من المانع - وبطلان الصلاة معلول بفقد الطهارة ويشترط في محله القدرة والذكر. "أو" وصفا "لغير ذلك مما يكون نهج" طريق "ذاك" الذي ذكر "سالكا" في كونه وصفا مكملا
стр. 227
" المسألة الثانية "
٥٨٣ - سَّبَبُ الْمَقْصُودُ فِيهِ هُوَ مَا … وُضِعَ فِي الشَّرْعِ لِحُكْمٍ عُلِم
٥٨٤ - لِحِكْمَةٍ لِلحُكْم مُقْتَضَاةِ … مِثْلُ النِّصَابِ سَبَبُ الزَّكاة
٥٨٥ - والعِلَّةُ الْحِكَمُ وَالْمَصَالِحْ … وَذَاكَ فِي الأمْرِ وَالإذْن وَاضِحْ
٥٨٦ - أَوِ الْمَفَاسِدُ التِي تَعَلَّقَتْ … بِهَا النَّوَاهِي مُطْلَقًا حَيْثُ أَتَتْ
٥٨٧ - كَمِثْلِ تَشْوِيشِ النُّفُوسِ بِالْغَضَبْ … وَالْمَانِعُ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا السَّبَبْ
٥٨٨ - الْمُقْتَضِي لِعِلَّةٍ تُنَافِي … عِلَّةَ مَا نَفَاهُ هَذَا النَّافِي
للحكمة نفي مشروطه وكونه مما يتعلق به الخطاب التكليفي من هذه الجهة.
"المسألة الثانية"
"المسألة الثانية" في بيان المراد بالسبب والعلة والمانع في هذا الكتاب، قال الناظم: "السبب المقصود" والمراد به "فيه" أي في هذا الكتاب "هو ما وضع" وجعل من وصف ظاهر منضبط "في الشرع لـ" معرفة حصول "حكم علما" - الألف للاطلاق - من جهة الشارع، وذلك الوضع لا يكون إلا "لحكمة" لذلك الحكم "مقتضاة" يعني لحكمة اقتضاها ذلك الحكم، "مثل النصاب" الذي هو "سبب" وجوب "الزكاة" والزوال الذي هو سبب في وجوب الصلاة. "و" أما "العلة" فالمراد بها في هذا الكتاب "الحكم" جمع حكمة، وهي ما اعتبر في بناء الأمور الشرعية على ما هي عليها، وما قصد في تشريعها من جلب مصلحة أو تقريبها، أو دفع مفسدة أو تقليلها "والمصالح" الشرعية التي يأتي بيانها بتوسع، "وذاك" وهو جريان المصلحة علة "في الأمر والإذن" والإباحة، أمر "واضح" أي بين لأن طلب الشرع لا يشرع إلا في موطن المصلحة.
"أو المفاسد التي تعلقت بها النواهي" من جهة أنها تشرع عند وجودها "مطلقا حيث" أي في كل موضع "أتت" فإنها كذلك علة "كمثل تشويش" أي تخليط "النفوس" والخواطر عن استيفاء الحجج، وتبين أحوالها "بالغضب". "و" أما "المانع" فـ "المقصود" به "هاهنا، في هذا الكتاب هو "السبب المقتضي" والموجب "لعلة تنافي" تخالف "علة ما" أي السبب الذي "نفاه" أي منعه "هذا النافي "المانع، قال الشاطبي: فإذا قلنا: الدين مانع من الزكاة فمعناه أنه سبب يقتضي افتقار المديان إلى ما يؤدي به
стр. 228
" المسألة الثالثة "
٥٨٩ - وَأَضْرُبُ الشُّرُوطِ فِي التَّعْرِيفِ … عَقْلِيَّةٌ كَالْفَهْمِ فِي التَّكلِيفِ
٥٩٠ - عَادِيَّةٌ كالْأكْلِ فِي الْحَيَاةِ … شَرْعِيَّةٌ كالْحَوْلِ فِي الزَّكاةِ
٥٩١ - وَالثالِثُ الْمَقْصودُ ثُمَّ إِنْ وَقعْ … ذِكْرٌ لِغَيْرِهِ فَمِنْ حَيْثُ التَّبَعْ
٥٩٢ - إِنْ كَانَ مُبْدِيًّا لِحُكْمِ الشَّرْعِ … فَهْوَ إِذًا لِذاكَ شَرْطٌ شَرْعِي
دينه. وقد تعين فيما بيده من النصاب. فحين تعلقت به حقوق الغرماء، انتفت حكمة وجود النصاب، وهي الغنى الذي هو جملة وجوب الزكاة فسقطت. وهكذا نقول في البنوة المانعة من القصاص؛ فإنها تضمنت علة تخل بحكمة القتل العمد العدوان. والمعروف عند الأصوليين تقسيم المانع إلى ضربين: مانع حكم، ومانع سبب، ثم إنهم لا يطلقون المانع على تخلف السبب، أو الشرط. ولا على مانع ورد على محل تخلف فيه ما ذكر.
"المسألة الثالثة"
"المسألة الثالثة" في بيان أن الشروط على ثلاثة أقسام.
قال الناظم: "وأضرب" أي "الشروط" ثلاثة "في التعريف" أي تعريفها وبيانها، وفصل بعضها عن بعض، وهي: "عقلية" ونسبت إلى العقل لأنها تعرف من جهته أنها شروط في أمور معينة، وذلك "كالفهم" والعقل "في التكليف" الشرعي، وكالحياة في العلم فكل ذلك شروط عقلية. ثم "عادية" أي شروط عادية - وهذا القسم الثاني - ونسبت للعادة لأنها تعرف من جهتها أنها شروط في أمور "كالأكل" فإنه شرط عادي "في الحياة" وملاصقة النار الجسم المحرق في الإحراق، وما شابه ذلك مما علم من مقتضى جريان العوائد. ثم "شرعية" وهذا هو القسم الثالث - وهي التي تعلم من جهة الشرع أنها شروط في أمور، وذلك "كالحول" فإنه شرط شرعي "في الزكاة". وهذا القسم "الثالث" هو "المقصود" في هذا الكتاب وهو المراد إذا ورد لفظ الشرط فيه. "ثم إن وقع ذكر لغيره" أي هذا القسم من القسمين الأولين "فـ" ذاك إنما "من حيث" أي جهة "التبع" لما هو شرعي ثم "إن كان" أحد من هذين الشرطين: العقلي والعادي "مبديا" أي مظهرا "لحكم الشرع" من حيث تعلق ذلك الحكم به "فهو إذا لذلك" أي لأجل ذلك التعلق "شرط شرعي" لأنه يتوقف عليه حكم شرعي.
стр. 229
" المسألة الرابعة "
٥٩٣ - وَالشَّرْطُ مَعْ مَشْرُوطِهِ حَيْثُ أَتَى … كَالْوَصْفِ مَعْ مَوْصُوفِهِ قَدْ ثَبَتَا
٥٩٤ - مُسْتَنِدٌ ذَاكَ لِلاسْتِقْرَاءِ … فِي الشَّرْعِ لِلشُّرُوطِ بِالسَّوَاءِ
٥٩٥ - وَيُشْكِلُ الإِيمَانُ شَرْطَ الْقُرْبَةِ … وَالْعَقْلُ تَكْلِيفًا كَهَذِي النِّسْبَةِ
٥٩٦ - فَذَا كهَذَا عُمْدَةٌ وَأَوَّلُ … كَيْفَ يُقَالُ عَنْهُ أَنَّهُ مُكْمِلُ
" المسألة الرابعة"
في أن الشرط مع مشروطه كالصفة مع الموصوف، وليس بجزء.
قال الناظم: "والشرط مع مشروطه" في واقع الحال "حيث" في أي موضع "أتى" أي جاء، "كالوصف مع موصوفه قد ثبتا" ومقتضى هذا أن الأحكام تجري على الشرط ومشروطه على الوجه الذي تجري عليه في الوصف مع موصوفه. فالذوات التي تعلقت الأحكام فيها وجود صفات معينة، كالأمور المشروطة التي توقفت الأحكام فيها على وجود ما هو مشروط فيها. فأهلية الأحكام في الموضعين متوقفة على الصفات، والشروط المطلوبة فيها كما أن مقتضاه - أيضا - أن الشرط جزء من المشروط كما أن الصفة ليست جزء من الموصوف "مستند ذاك" الذي ذكر "للاستقراء في "أدلة "الشرع لـ" أحوال "الشروط" الذي حصل "بالسواء" فكلما قد ثبت فيه هذا الحكم بالاستقراء على سواء. "و" ربما "يشكل" حال "الإيمان" في هذا المقام لأنه "شرط" في حصول "القربة" وصحتها "و" كذلك يشكل - أيضا - حال "العقل"، إذ تقرر "تكليفا" أنه شرط شرعي، والنسبة بين هذا الشرط - العقل - ومشروطه التكليف "كهذي النسبة" التي بين الإيمان ومشروطه، من حيث توقف الصحة الشرعية والجواز الشرعي، وكذلك الوجوب الشرعي عند بعض أهل العلم على كل واحد منهما ولا يخفى أن الإيمان والعقل لا يجري عليهما ما تقدم من أن الشرط المشروط كالصفة مع الموصوف أن العلاقة بينهما تكميلية "فذا" أي الإيمان "كهذا" أي العقل، كلاهما "عمدة" إذ عليه المدار "وأول" في ثبوت وتصور محل الحكم. فإن العقل إن لم يكن فالتكليف محال عقلا وسمعا بل هو العمدة في صحة التكليف. وكذلك أمر الإيمان، فإنه عمدة العبادة، وبه تحصل الصحة لها، فـ "كيف يقال" بعد الشرط "إنه مكمل" فقط؟
الجواب: أن الشرط مع مشروطه كالصفة مع الموصوف على الصورة التي تقدم
стр. 230
٥٩٧ - ويُرْفَعُ الإِشْكَالُ فِي الْقَضِيَّةْ … بِعَدِّ هَاذَيْنِ مِنَ الْعَقْلِيَّة
٥٩٨ - أَوْ أَنْ يُعَادَ الشَّرْطُ لِلْمُكَلَّفِ … وَهْوَ مَحَلٌّ وَهْوَ بِالْقَصْدِ يَفِي
" المسألة الخامسة "
٥٩٩ - قَدْ صَحَّ فِي الأصُولِ أَنَّ المسَّبَبَا … إِنْ يَكُنِ التَّأثِيرُ قَدْ تَرَتَّبَا
٦٠٠ - فِيهِ عَلَى شَرْطٍ لَهُ فَمَا يَقَعْ … مُسَبَّبٌ إِلَّا إِذَا الشَّرْطُ وَقَعْ
٦٠١ - شَرْطُ كَمَالٍ كَانَ أَوْ إِجْزَاءِ … الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى السَّوَاءِ
ذكرها "ويرفع الإشكال في" هذه "القضية" المتعلقة بالإيمان والعقل "بعد" وجعل "هاذين" الشرطين العقل والإيمان "من" الشروط "العقلية" لا الشرعية "أو" بـ "أن يعاد الشرط" الثاني وهو العقل "للمكلف وهو المحل" أي محل التكليف "وهو" أي هذا الرد "بالقصد يفي" إذ ينسحب على العقل حينئذ ما ينسحب على سائر الشروط. إذ من المعلوم أن العقل بالنسبة للإنسان مكمل.
وقول الناظم: "بعد هاذين" يريد العقل والإيمان معا لا يساعد كلام الشاطبي على صحته، لأن الإيمان عنده ليس شرطا. قال: وأما الإيمان فلا نسلم أنه شرط، لأن العبادات مبنية عليه (١). وما نظمه الناظم هو قوله - الشاطبي - "أن هذا من الشروط العقلية (٢) وكلمة "هذا" قد تكون إشارة إلى ما ذكر من الإيمان والعقل، وقد تكون إشارة العقل فقط وهو ما يعضده قوله المتقدم والله - تعالى - أعلم.
"المسألة الخامسة"
"المسألة الخامسة" في أن السبب إذا كان متوقف التأثير على شرط فإنه لا يصح أن يقع المسبب دونه، ويستوي في ذلك شرط الكمال، وشرط الإجزاء. قال الناظم: "قد يصح" وعلم "في" علم "الأصول أن السببا" - الألف للإطلاق - "إن يكن التأثير" في حصول مسببه وكسبه "قد ترتبا" يعني توقف "فيه على" وجود "شرط له فـ" إنه "ما يقع" ولا يحصل "مسبب" عن ذلك السبب "إلا إذا" كان ذلك "الشرط" قد "وقع" وحصل "شرط كمال فكان" الشرط "أو "شرط "إجزاء" فـ "الحكم" المذكور واحد "فيهما على السواء" بلا
стр. 231
٦٠٢ - إِذْ لَوْ بَدَا الْمَشْرُوطُ دُونَ الشَّرْطِ لَمْ … يَكُنْ بِهِ شَرْطًا فَكَانَ كالْعَدَمْ
٦٠٣ - وَمَا أَتَى يُوهِمُ غَيْرَ مَا ذُكِرْ … فِي الْفِقْهِ لَا يَنْقُضُهُ إِذَا اعْتُبِرْ
٦٠٤ - كمِثْلِ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَنْ … يُجِيزُ وَالْعَفْوِ وَمَا الشَّرْطُ اقْتَرَنْ
فرق "إذ" تعليلية "لو بدا" أي ظهر ووقع "المشروط دون" وجود "الشرط" أي شرطه "لم يكن به" أي فيه - أي المشروط - "شرطا" وإنما هو شيء زائد "فكان" وجوده "كالعدم" أي كعدمه؛ والمفروض أنه شرط فيه. وأيضا فلو صح ذلك لكان متوقف الوقوع على شرطه غير متوقف عليه معا. وذلك محال، وأيضا فإن الشرط من حيث هو يقتضي أنه لا يقع المشروط إلا عند حضوره، فلو جاز وقوعه دونه لكان المشروط واقعا، وغير واقع، وذلك محال.
"و" أما "ما أتى" عن بعض أهل العلم وهو "يوهم" صحة "غير ما ذكر في "مسائل "الفقه" أنه "لا ينقضه" أي لا ينقض ما ذكر، من أن السبب لا تأثير له إلا بشرطه - ولا يعارضه "إذا اعتبر" وتؤمل حاله، وذلك "كمثل" مسألة "تقديم الزكاة" قبل الحول "عند من يجيز" ذلك من العلماء كالحسن البصري وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيدة، وبعض المالكية "و" مسألة تقديم "العفو" عن القتل قبل زهوق روح المقتول فقد أجيز هذا العفو وإن كان حق العفو عن القتل لا يثبت ولا يحصل لولي الدم زهوق الروح "و" مسألة "ما" من الأمور "الشرط" قد "اقترن" كالنكاح إذا جعل الرجل أمر امرأة يتزوجها بيدها عقدة هذا النكاح - العقد - إن شاءت طلقت، وإن شاءت أبقت، فاستأذنها الزوج في التزويج،، فأذنت له، فلما تزوجها أرادت صاحبة الشرط أن تطلق عليه. قال مالك: ليس لها ذلك بناء على أنها قد أسقطت ما شرط لها بعد جريان من السبب وهو التملك وإن كان ذلك الإسقاط قد وقع قبل حصول الشرع، وهو التزويج. وما أشبه ذلك من المسائل من كل ما عمل بالسبب مع فقد شرط العمل بمقتضاه. فهذا كله غير مناقض - كما تقدم ذكره - لهذه القاعدة المقررة في هذا الشأن وهي أن السبب لا تأثير له إلا بوجود الشرط الذي يتوقف تأثيره عليه وإنما لم يكن ذلك مناقضا لهذه القاعدة لأنه بني الحكم فيه على أخرى.
أما من قدم الزكاة قبل حلول الحول مطلقا - من غير مذهبنا - فبناء على أنه ليس
стр. 232
" المسألة السادسة "
٦٠٥ - ثُمَّ الشُّرُوط فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ … تَرْجِعُ إِمَّا لِخِطَابِ الْوَضْعِ
بشرط في الوجوب، وإنما هو شرط في الانحتام. فالحول كله كأنه وقت - عند هذا القائل - لوجوب الزكاة موسع، ويتحتم في آخر الوقت؛ كسائر أوقات التوسعة. وأما الإخراج قبل الحول بيسير - على مذهبنا - فبناء على أن ما قرب من الشيء فحكمه حكمه؛ فشرط الوجوب حاصل، وكذلك القول في شرط الحنث: لمن أجاز تقديم الكفارة عليه فهو عنده شرط في الانحتام من غير تخيير، لا شرط في وجوبها. وأما مسألة الزهوق، فهو شرط في وجوب القصاص أو الدية، لا أنه شرط في صحة العفو، وهذا متفق عليه؛ إذ العفو بعده لا يمكن، فلا بد من وقوعه قبله إن وقع؛ ولا يصح أن يكون شرطا إذ ذاك في صحته. ووجه صحته أنه حق من حقوق المجروح التي لا تتعلق بالمال، فجاز عفوه مطلقا؛ كما يجوز عفوه عن سائر الجراح، وعن عرضه إذا قذف؛ وما أشبه ذلك، والدليل على أن مدرك حكم العفو ليس ما قالوه أنه لا يصح للمجروح ولا لأوليائه استيفاء القصاص أو أخذ دية النفس كاملة قبل الزهوق باتفاق؛ ولو كان كما قالوه لكان في هذه المسألة قولان. وأما مسألة تمليك المرأة، فإنها لما اسقطت حق نفسها فيما شرطت على الزوج قبل تزوجه، ولم يبق لها ما تتعلق به بعده؛ لأن ما كانت تملكه بالتمليك قد أسقطت حقها فيه بعد ما جرى سببه فلم يكن لتزوجه تأثير فيما تقدم الإسقاط وهو فقه ظاهر (١).
"المسألة السادسة"
"المسألة السادسة" في أن الشروط المعتبرة في المشروطات على ضربين:
أحدهما: ما كان راجعا إلى خطاب التكليف - إما مأمورا بتحصيلها - كالطهارة للصلاة، وما أشبه ذلك - وإما منتهيا عنها كنكاح المحلل الذي هو شرط لمراجعة الزوج الأول وما أشبه ذلك.
ثانيها: ما يرجع إلى خطاب الوضع، كالحول في الزكاة.
قال الناظم: "ثم الشروط في اعتبار الشرع ترجع إما لخطاب الوضع"، وذلك
стр. 233
٦٠٦ - كَالْحَوْلِ لِلزَّكَاةِ لَا مَقْصِدَ فِي … تَحْصِيلِهِ شَرْعًا وَلَا أَنْ يَنْتَفِي
٦٠٧ - إِمَّا إِلَى الْخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ … بِالْأمْرِ وَالنَّهْيِ لَدَى التَّصْرِيفِ
٦٠٨ - كَالْأخْذِ لِلزِّينَةِ وَالطَّهَارَةْ … وَالْعَقْدِ لِلتَّحْلِيلِ بِالإِجَارَةْ
٦٠٩ - فَذَا بِهِ لِلشَّرْعِ قَصْدٌ قَدْ ظَهر … فِي تَرْكِ مَا نَهَى وَفِعْلِ مَا أَمَرْ
٦١٠ - وَالشَّرْطُ فِيمَا الشَّرْعُ فِيهِ خَيَّرَا … إِنْ كَانَ فَهْوَ مِثْلُ مَا تَقَرَّرَا
" المسألة السابعة "
" كالحول في" وجوب "الزكاة" والإحصان في الرجم بالزنى، وما شابه ذلك، وهذا الضرب - وهو ما يرجع إلى خطاب الوضع - "لا مقصد في تحصيله شرعا ولا" مقصد - شرعا - كذلك في "أن ينفي" ويعدم، إذ لو قصد الشارع تحصيله أو نفيه لكان من خطاب التكليف، إذ يكون إما مطلوب، وإما منهيا عنه.
"وإما" أن تكون راجعة "إلى الخطاب بالتكليف" وهو طلب أو إلزام ما فيه مشقة "بالأمر أو النهي لدى" أي عند "التصريف" - أي البيان - يعني بيانها وتوضيح حالها شرعا.
"كالأخذ للزينة" عند الصلاة "والطهارة" للصلاة والطواف. وما شابه ذلك من الشروط المطلوبة شرعا "و" أما المنهي عنها فك "العقد" للنكاح "لـ" أجل "التحليل" أي تحليل المرأة البائن البينونة الكبرى لمطلقها بـ "الإجارة" وكالجمع بين المفترق، والتفريق بين المجتمع خشية الصدقة الذي هو شرط لنقصان الصدقة أو سقوطها. "فذا" أي هذا الضرب من الشروط "به" - الباء بمعنى - يعني في تحصيله "للشرع قصد قد ظهر" وبان "في ترك ما نهي" عنه من ذلك "وفعل ما أمر" به منه "و" أما "الشرط" المعدود
"فيما" أي في الضرب الذي "الشرع فيه" أي في فعله وتركه "خيرا إن كان" أي اتفق، وحصل "فهو "حكمه "مثل ما تقررا" فيه شرعا من حيث التخيير فيه، فإن شاء المكلف أن يفعله فله ذلك، وإن شاء أن يتركه فله ذلك مثاله - النكاح بالنسبة للطلاق، فالطلاق شرط وقوعه وصحته النكاح، وهو شرط مخير فيه بالنسبة له.
"المسألة السابعة"
في ذكر أن كسب الشرط الداخل تحت قدرة المكلف لا يخلو من أمرين:
стр. 234
٦١١ - وَفعْلُ مَقْدُورِ الشُّرُوطِ إِنْ وَقَعْ … أَوْ تَرْكِهِ قِسْمَانِ قِسْمٌ امْتَنَعْ
٦١٢ - وَذَاكَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ لَهُ ذَهب … إِسْقَاطَ حُكْمِ الاقْتِضَاءِ فِي السَّبَبْ
٦١٣ - كَي لَا يُرَى لَهُ بِذَاكَ مِنْ أَثر … فَذَاكَ مَعْنىً بَاطِلٌ لَا يُعْتَبَرْ
٦١٤ - وَإِنْ يَكُ الْقَصْدُ لَهُ مِنْ حَيْثُ مَا … هُوَ مِنَ التَّكْلِيف أَمْرٌ حُتِمَا
٦١٥ - بِالْإِذْنِ وَالنَّهْيِ مَعًا وَالْأمْرِ … فَهْوَ صَحِيحُ الْحُكْمِ حَيْثُ يَجْرِي
أحدهما: أن يفعله - إن كان مطلوبا - أو يتركه إن كان منهيا عنه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف.
ثانيهما: أن يفعله أو يتركه من حيث إنه لا يدخل تحت هذا الخطاب.
وفي بيان أحكام ذلك كله: قال الناظم: "وفعل" ما هو "مقدور" عليه من "الشروط أو" كذا "تركه قسمان" قسم جائز و "قسم امتنع" لأنه على خلاف التكليف الشرعي فيه "وذاك" الذي امتنع "أن يقصد من له ذهب" يعني لفعل هذا الشرط أو تركه من جهة كونه شرطا؛ "إسقاط" - هو مفعول يقصد - "حكم الاقتضاء" الذي "في السبب" وذلك "كي لا يرى له" أي لذلك السبب "بذاك" الفعل أو الترك للشرط "من أثر" في ذلك الموضع، مثال ذلك أن يخلط الشخص ماشيته بماشية غيره قصد إسقاط ما وجب عليه من الزكاة في الأصل، أو يفصلها عنها لذلك نفسه. أو أن ينفق ماله من غير حاجة لذلك قصد النقص عن النصاب توسلا بذلك لإسقاط الزكاة عنه "فذاك" عمل فاسد و"معنى" أي حكم "باطل لا يعتبر" شرعا "و" أما إن "يك القصد" أصله يكن وأسقط فيه النون للضرورة وأجاز يونس إسقاطها مطلقا "له" أي لتحصيل ذلك الشرط "من حيث" أي من جهة "ما هو من "خطاب "التكليف أمر حتما" أي قطع به. يعني: ما هو أمر قطع بكونه داخلا تحت خطاب التكليف، سواء كان ذلك الدخول "بالإذن" في الفعل والترك "والنهي" عن فعله "معا" جميعا، فالشرط قد يدخل خطاب التكليف بالإذن في فعله، كما يدخل تحته بالنهي عنه. "و" كذاب "الأمر" به "فهو "أي ذاك القصد - جواب قوله "وإن يكن القصد له" - "صحيح الحكم" شرعا "حيث" في أي موضع "يجري" أي يقع، ويرد. فالشرط إن أوتي به على وفق الخطاب الشرعي فيه فإن الأحكام التي تقتضيها الأسباب على حصوله، وترتفع عند فقده.
стр. 235
٦١٦ - وَالْحُكْمُ مَعْ وُجُوبٍ مَوْجُودُ … وَهْوَ بِحَالِ فَقْدُهُ مَفْقُودُ
" المسألة الثامنة "
٦١٧ - وَالشَّرْطُ مَعْ مَشْرُوطِهِ أَقْسَامُ … كالْاعتكَافِ شَرْطُهُ الصِّيَامُ
٦١٨ - فَذَاكَ مَا لَا يُمْتَرَى فِي صحَّتِهْ … لأنَّهُ مُكَمِّلٌ لِحِكْمَتِهْ
٦١٩ - أَوْ لَا مُلَاِئمٌ وَلَا مُكَمِّلُ … لِحِكْمَةٍ بَلْ هُوَ ضِدٌّ مُبْطِلُ
" و" بذلك فـ "الحكم" الذي يترتب على السبب ذي الشرط "مع وجوده" أي ذلك الشرط "موجود" وواقع" وهو "أي الحكم المذكور "بحال" أي حال "فقده" أي ذلك الشرط "مفقود" ومعدم شرعا. والأدلة والحجج على هذا كثيرة (١).
" المسألة الثامنة" في أن الشروط مع مشروطاتها ثلاثة أقسام
قال الناظم: "و" حال "الشرط مع مشروطه أقسام" ثلاثة أن يكون مكملا لحكمة مشروطه وعاضدا لها، حيث لا يكون فيه منافاة، "كالاعتكاف" و"شرطه" الذي هو "الصيام" فإنه مكمل لحكمته، لأن الاعتكاف لما كان انقطاعا إلى العبادة على وجه لائق بالمسجد، كان الصيام فيه أثر ظاهر. ومثله اشتراط الكفء في النكاح، فإنه مكمل لحكمته، لأن غير الكفء لما كان مظنة للنزاع وأنفة للزوجين والعصبة وأولى بمحاسن الكفاءة أقرب إلى التئام الزوجين والعصبة وأولى بمحاسن العادات كان اشتراطها ملائما لمقصود النكاح.
وهكذا سائر الشروط التي تكمل حكمة مشروطاتها "فذاك" أي هذا الضرب من الشروط هو "ما" أي الذي "لا يمتري" ولا يشك "في صحته" وثبوته شرعا "لأنه" تابع للمقصود من مشروطه و"مكمل لحكمته" فكان مثل جزء منه.
هذا القسم الأول وأما الثاني فقد أورده الناظم فقال "أو" هو "لا ملائم" للمقصود المشروط "ولا مكمل لحكمة" له "بل هو ضد" له "ومبطل" له لما قصد
стр. 236
٦٢٠ - فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ فِي إِبْطَالِهِ … لِمَا بَدَا مِنِ اخْتِلَافِ حَالِهِ
٦٢١ - وَثَالِثٌ يُرَى عَلَى الْمَسالَمةِ … بِلَا مُنَافَاةٍ وَلَا مُلَائَمَة
٦٢٢ - فَهْوَ مَجَالُ نَظَرِ الأذْهَانِ … فِي جَعْلِهِ كَأَوَّلٍ أَوْ ثَانِ
٦٢٣ - وَيَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعَادَةْ … فِيهِ وَبَيْنَ جِهَةِ الْعِبَادَةْ
٦٢٤ - إِذْ عَدَمُ التَّنَافِي فِي الْعَادَاتِ … كَافٍ عَلَى عَكْسِ التَّعَبُّدَاتِ
منه "فذاك" الشرط الذي على هذه الصورة "لا إشكال في إبطاله" وإلغاء مقتضاه، وذلك "لـ" أجل "ما بدا" و ظهر "من اختلاف" حاله وحال مشروطه، وتناقضهما. مثال ذلك اشتراط إسقاط النفقة في النكاح، وكذلك، اشتراط عدم الانتفاع بالمبيع في البيع.
"و" أما القسم الذي هو قسم "ثالث" من تلك الأقسام فإنه الذي "يرى" ويبصر "على" صفة "المسالمة" أي الترك لكلا الوصفين: التكميل لحكمة المشروط، وضد ذلك، فالمسالمة لغة المصالحة وترك الحرب، وظاهر كلام الناظم أنه استعمل لفظ المسالمة - هنا - بمعنى الترك، فلهذا قررته بما تقدم من الترك لكلا الوصفين، والتجرد منهما "بلا منافاة" لتلك الحكمة "ولا ملائمة" أي موافقة لها. وما كان من الشروط هكذا "فهو مجال" وموطن "نظر الأذهان" وإعمالها "في جعله" إما "كأول" يعني كالقسم الذي هو أول هنا، وبذلك يكون صحيحا "أو" القسم الذي هو "ثان" هنا، وبذلك يكون باطلا.
والذي اتخذ قاعدة فيه هنا، "و" بذلك فالذي "ينبغي" المصير إليه هو "التفريق بين" جهة "العادة فيه وبين جهة العبادة" يعني التعبدات، "إذ عدم التنافي" بين الشرطين والمشروط "في العادات كاف" لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد والأصل فيها - أيضا - الإذن حتى يدل الدليل على خلافه "على عكس التعبدات" أي العبادات، فعدم المنافاة فيها بين الشرط والمشروط لا يكفي، بل لا بد فيها من الملاءمة أيضا، لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل فيها على أن لا يقدم عليها إلا بإذن، إذ لامجال للعقول في اختراع التعبدات لأنها توقيفية والله أعلم.
стр. 237
الفصل الثالث في الموانع، وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
٦٢٥ - مَوَانِعُ الأحْكَامِ إِمَّا رَافِعُ … لِأصْلِ مَا يَطْلُبُ مِنْهَا الشَّارعُ
٦٢٦ - لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الطَّلَبْ … كَمِثْلِ كُلِّ مَا بِهِ الْعَقْلُ ذَهَبْ
٦٢٧ - فَالشَّرْطُ فِي تَعَلُّقِ الْخِطَابِ … إِمْكَانُ فَهْمِهِ مِنَ الألبابِ
الفصل الثالث في الموانع وفيه مسائل
"المسألة الأولى"
"الفصل الثالث" من قسمي الأحكام "في الموانع وفيه" أي هذا الفصل "مسائل"
"المسألة الأولى" في أن الموانع على ضربين:
أحدهما: ما لا يتأتى فيه اجتماعه مع الطلب.
ثانيهما: ما يتأتى فيه ذلك وهو نوعان:
أحدهما: يرفع أصل الطلب.
والثاني: لا يرفعه، ولكن يرفع انحتامه ووجوبه، وهذا النوع قسمان:
أحدهما: أن يكون رفعه بمعنى أنه يصير مخيرا فيه لمن قدر عليه.
ثانيهما: أن يكون رفعه بمعنى أنه لا إثم على مخالف الطلب وبذلك فالأقسام هنا أربعة؛ وفي بيان ذلك كله وأحكامه يقول الناظم: "موانع الأحكام" ضربان، وهما: "إما" ما لا يتأتى فيه اجتماعه مع الطلب، وهذا الضرب "رافع لأصل ما يطلب منها" أي من تلك الأحكام "الشارع" جل وعلا، وهذا الضرب الذي "لا يمكن" ولا يتأتى شرعا وعقلا "اجتماعه مع الطلب" في الوجود، هو "كمثل كل ما" أي وصف "به" أي بسببه "العقل ذهب" وزال - كالنوم والجنون - "فالشرط" الشرعي والعقلي "في تعلق الخطاب" الشرعي بأي إنسان هو "إمكان فهمه" لذلك الخطاب المذكور "من" جهة "الألباب" أي العقول وذلك لا يتأتى من النائم، ولا من المجنون، ولهذا فإن التكليف بالأحكام الشرعية مرفوع عنه بذلك، لأن النوم لا يتأتى اجتماعه مع التكليف، وكذلك الجنون،
стр. 238
٦٢٨ - وَرَافِعٌ لَهُ وَلاكِنْ يُمْكِنُ … حُصُولُهُ كَالْحَيْضِ وَهْوَ بَيِّنُ
٦٢٩ - وَرَافِعٌ لِحُكْمِ الانْحِتَامِ … لَا الأصْلِ مِثْلُ الرِّقِّ فِي أَحْكَامِ
٦٣٠ - وَآخَرُ الْمَعْنَى بِهِ رَفْعُ الْحَرَجْ … وَيسَببُ الرُّخْصَةِ فِي هَذَا انْدَرَجْ
" المسألة الثانية "
٦٣١ - وَكلُّهَا لَا قَصْدَ فِي ارْتفَاعِهَا … لِلشَّرْعِ إِنْ كَانَتْ وَلَا إيقَاعِهَا
لأن من شرط التكليف الفهم - كما تقدم - وهو ما لا يتأتى ممن اتصف بما ذكر، فسقط بذلك الطلب والتكليف عنه. "و" الضرب الثاني هو ما يمكن فيه اجتماعه مع الطلب، وهذا الضرب على نوعين: أحدهما: "رافع له" أي لأصل الطلب - أيضا - "ولاكن يمكن حصوله" في الوجود معه وذلك "كالحيض" والنفاس بالنسبة للصلاة "و" حال هذا الضرب وتصوره "هو "أمر "بين" واضح "و" ثانيهما إنما هو "رافع لحكم الانحتام" والوجوب فقط "لا الأصل" أي أصل الطلب. وهذا النوع قسمان: أحدهما: ما يكون معنى رفع الانحتام فيه هو التخيير فيه بين الفعل والترك، لمن قدر عليه "مثل الرق" والأنوثة "في أحكام" لأمور معلومة كحضور الجمعة والعيدين والذهاب للجهاد. فالعبيد والإناث قد لصق بهم مانع من انحتام هذه العبادات، فصاروا مخيرين في فعلها وتركها إن قدروا.
"و" قسم "آخر" وهو الثاني "المعنى به" أي القصد فيه برفع الانحتام هو "رفع الحرج" فقط وليس التخيير "و" مثاله "سبب الرخصة" فإنه "في هذا" القسم "اندرج" أي داخل، فأسباب الرخص كالسفر والمرض مثلا ترفع انحتام الصوم بمعنى أنه لا حرج من ترك العزيمة ميلا منه إلى الرخصة، ومثل الصوم إتمام الصلاة عند من يرى أن القصر رخصة، وهم الجمهور.
"المسألة الثانية"
في أن الموانع ليست بمقصودة للشارع، بمعنى أنه لا يقصد تحصيل المكلف لها، ولا رفعها.
قال الناظم: "وكلها" أي الموانع "لا قصد في ارتفاعها للشرع إن كانت" أي حصلت، ووقعت "ولا" قصد له كذلك في "إيقاعها" وإيجادها.
стр. 239
٦٣٢ - وَهْيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ اقْتُفِي … مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ لِلْمُكَلَّفِ
٦٣٣ - مِنْ حَيْثُ أَنْ أُلْفِيَ مَأْمُورًا بِهِ … أَوْ حَاصِلًا بِالإِذْنِ أَوْ عَنْهُ نُهي
٦٣٤ - كَالْكُفْرِ مَانِعٌ مِنَ الأعْمَالِ … فَذَاكَ وَاضِحٌ بِلَا إِشْكَالِ
٦٣٥ - لَاكنَّهُ مِنْ حَيْثُ هَذَا فِي النَّظَرْ … لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِهَذَا الْمُعْتَبَرْ
٦٣٦ - ثَانِيهِمَا الْمَقْصُودُ مَا قَدْ دَخَلَا … تَحْتَ خِطَابِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُجْتَلَى
٦٣٧ - لَاكِنَّ مَعْ تَوَجُّهِ الْمُكَلَّفِ … إِلَيْهِ قَصْدًا ذَا بِتَفْصِيلٍ حَفِي
" و" ذلك لأنها "هي على ضربين: ضرب اقتفى" واتبع مقتضاه وحكمه "من جهة" دخوله تحت خطاب "التكليف" الحاصل "للمكلف" وذلك "من حيث أن ألفي "أي وجد في خطاب الشرع" مأمورا به" كالسلام، فإنه مأمور به، وهو مانع من انتهاك حرمة المال والدم والعرض إلا بحقها "أو" كان "حاصلا بالإذن" الشرعي كالاستدانة التي قد يمنع بها وجوب الزكاة "أو" كان "عنه نهي كالكفر" فإنه منهي عنه، وهو "مانع من" صحة "الأعمال" الشرعية - كالعبادات.
وما كان هكذا أو من هذا الضرب "فذاك" حكمه "واضح" بين "بلا إشكال" فيه.
"لاكنه من حيث هذا" الذي تقدم هو "في النظر ليس بمقصود" في هذه المسألة، وذلك "بـ" سبب "هذا" الأمر "المعتبر" فيه، وهو كونه من خطاب التكليف. فالنظر فيه من جهة خطاب التكليف، وبذلك فهو خارج عن مقصود هذه المسألة التي هي من خطاب الوضع. وأما "ثانيهما" أي الضربين وهو "المقصود" هنا هو "ما" أي المانع الذي "قد دخلا" - الألف للإطلاق - "تحت خطاب الوضع حيث" أي في موضع "يجتلا" ينظر إليه فيه مكشوفا ظاهرا.
فهذا الضرب هو المقصود هنا - كما تقدم - وهو الذي لا يقصده الشارع من المكلف إيقاعه إن عدم، ولا رفعه إن وجد، وذلك كالدين، فإنه لا يطلب من هو عليه يرفعه لتجب عليه الزكاة، كما أنه لا يخاطب من عليه الزكاة بالاستدانة لتسقط عنه الزكاة. هذا هو الأصل "لاكن" الأمر يختلف "مع" حصول "توجه المكلف إليه" أي إلى إيقاع المافع، أو رفعه "قصد"، وغرضه تحصيل ما يترتب عنه فـ "ذا" حكمه "بتفصيل حفي "أي جدير وحقيق. وهذا هو ما سيذكر في المسألة الموالية:
стр. 240
" المسألة الثالثة "
٦٣٨ - فَإِنْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ التَّصْرِيفِ … بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ
٦٣٩ - لِكَوْنهِ مِمَّا بِهِ قَدْ أُمِرَا … أَوْ صُدَّ عَنْهُ أَوْ غَدَا مُخَيَّرَا
٦٤٠ - فَذَاكَ ظَاهِرٌ كَمُسْتَدِينِ … لِحَاجَةٍ بَدَتْ لَهُ فِي الْحِينِ
٦٤١ - وَيَنْبَنِي الأحْكَامُ فِي الْمَوَاقِعِ … بِحَسَبِ الْحُصُولِ لِلْمَوَانِعِ
٦٤٢ - وَإِنْ يَكُنْ تَحْصِيلُ ذَاكَ الْمَانِعِ … بِقَصْدِ الإِسْقَاطِ لِحُكْمِ الشَّارعِ
٦٤٣ - فَبِالْكِتَابِ مَنْعُهُ وَالسُّنَّةِ … وَانْظُرْ إِلَى قِصَّةِ صَحْبِ الْجَنَّةِ
٦٤٤ - وَمَا مَضَى فِي الشَّرْطِ قَبْلُ جَارِ … هُنَا فَلَا فَائِدَ فِي التَّكْرَارِ
" المسألة الثالثة"
على وجه التمام قال الناظم: "فإن يكن" المكلف "في ذلك التصريف" وهو القصد إلى إيقاع المانع أو رفعه إنما أتاه عملا "بمقتضى الخطاب بالتكليف" وذلك بأن يفعل ذلك المانع "لكونه مما به قد أمرا" قد "صد" أي منع ونهى "عنه" "أو "أن يتركه من الوجه الذي قد "غدا" أي صار "مخيرا" فيه فما كان هكذا "فذاك" تصرف "ظاهر" حكمه وقد تقدم ذكره "كمستدين" آخذ للدين "لـ" أجل "حاجة بدت له في الحين" كالنفقة على من تجب عليه نفقته "وتنبني الأحكام" الشرعية "في"كل "المواقع" أي المواضع وذلك يحصل فيها "بحسب" ومقتضى "الحصول للموانع" المذكورة، فمتى حصلت تلك الموانع ترتبت عليه أحكامها. هذا إذا كان كسب تلك الموانع الإتيان بها على هذا الوجه. "و" أما "إن يكن" الإتيان بها من أجل "تحصيل ذاك المانع بقصد الإسقاط لحكم الشارع" به "فـ" ذاك عمل وتصرف "بالكتاب" العزيز ثبت "منعه" وتحريمه "و" كذلك "بالسنة" والنصوص الواردة فيهما على هذا الحكم كثيرة "وانظر" على سبيل المثال "إلى قصة صحب الجنة" ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القَلَم: ١٧ - ٢٠] وغير ذلك من الأدلة الدالة على هذا المعنى.
"و" كل "ما مضى" من الأدلة والسؤال والجواب "في الشرط قبل" فإنه "جار" كذلك "هنا" فليستغن بذلك عن إعادة ذكره هنا "فلا فائد في التكرار" لذلك مرة أخرى
стр. 241
الفصل الرابع في الصحة والبطلان، وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
٦٤٥ - وَتُطْلَقُ الصِّحَّةُ إِطْلَاقَيْنِ … بِحَسَبِ الأحْكَامِ فِي الدَّارينِ
٦٤٦ - فَتُطْلَقُ الصِّحَّةُ فِي الْعِبَادَةْ … دُنْيَا عَلَى الإِجْزَا فَلَا إِعَادَةْ
٦٤٧ - أَوْ أَنَّهَا وَسِيلَةُ الثَّوَابِ … مَرْجُوَّةُ الْقَبُولِ فِي الْحِسَابِ
هنا قال الشاطبي: وما تقدم من الأدلة والسؤال والجواب في الشروط جار معناه في الموانع؛ ومن هنالك يفهم حكمها، وهل يكون العمل باطلا أم لا؟ فينقسم إلى الضربين. فلا يخلو أن يكون المانع المستجلب مثلا في حكم المرتفع أو لا، فإن كان كذلك الحكم متوجه كصاحب النصاب استدان لتسقط عنه الزكاة، بحيث قصد أنه إذا جاز الحول رد الدين من غير أن ينتفع به. وإن لم يكن كذلك، بل كان المانع واقعا شرعا؛ كالمطلق خوفا من انحتام الحنث عليه، فهو محل نظر - على وزان ما تقدم في الشروط - ولا فائدة في التكرار.
الفصل الرابع في الصحة والبطلان وفيه مسائل
"المسألة الأولى"
"الفصل الرابع" من قسمي الخطاب "الصحة والبطلان" وأحكامهما وفيه أي هذا الفصل "مسائل" ثلاثة:
"المسألة الأولى"
في بيان معنى لفظ الصحة قال الناظم: "وتطلق" كلمة "الصحة إطلاقين" اختلفا "بحسب" واعتبار أحوال "الأحكام في الدارين" الدنيا والآخرة، وبذلك "فتطلق الصحة في العبادة" كالصلاة والصوم "دنيا" أي في الدنيا "على الإجزاء" وهو سقوط القضاء "فلا إعادة" به حصول الصحة - الإجزاء - هذا هو الإطلاق الأول. "أو" تطلق على اعتبار "أنها وسيلة" شرعية إلى "الثواب" والجزاء "مرجوة القبول في "حال "الحساب" يوم الدين. هذا شأن الصحة في العبادة، أو امتثال الشرع بالتحري في الإذن أو في
стр. 242
٦٤٨ - وَهْيَ لَدَى الْعَادَةِ مَا يُحَصِّلُ … شَرْعًا مَا الانْتِفَاعُ عَنْهُ يَحْصُلُ
٦٤٩ - أَوِ امْتِثَالُ الشَّرْعِ بِالتَّحَرِّي … فِي الأِذْنِ أَوْ فِي النَّهْي أَوْ فِي الأمْرِ
" المسألة الثانية "
٦٥٠ - وَإِذْ عَرَفْتَ ذَاكَ فَالْبُطْلَانُ … عَكْسُ الذِي قُرِّرَ فِيهِ الشَّانُ
النهي أو في الأمر "و" أما الصحة فـ "هي لدى" أي في "العادة" الشرعية كالبيع والشراء والنكاح "ما يحصل شرعا ما الانتفاع" كحلية الانتفاع، والتصرف، والاستمتاع "عنه يحصل" ويترتب "أو" هي "امتثال" ما جاء عن صاحب "الشرع بالتحري" أي القصد إلى موافقته "في" مقتضى "الأذن" وذلك بأن يأتي المكلف المخير فيه من حيث أن الشارع خير فيه، لا من حيث قصد مجرد حظه في الانتفاع غافلا عن أصل التشريع. "أو في" مقتضى "النهي" وذلك بأن يترك المكلف ما نهى عنه قاصدا امتثال ما ورد عن الشارع في ذلك غير غافل عنه "أو في الأمر" فيأتي المكلف الأمر امتثالا للخطاب الشرعي الوارد بذلك. قاصدا إليه. فما كان على هذه الصورة فإنه - أيضا - يسمى عملا صالحا.
قال الشاطبي: "وهو وإن كان طلاقا غريبا لا يتعرض له علماء الفقه، فقد تعرض له علماء التخلق، كالغزالي، وغيره. وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون" (١).
"المسألة الثانية"
حاصله ما قد يرى في الواقع مخالفا في الحكم قصد الشارع في معنى البطلان "وإذا عرفت ذاك" الذي تقدم ذكره في معنى الصحة وتعريفها "فالبطلان" معناه هو "عكس" المعنى "الذي قرر فيه" أي في ذاك، وهو الصحة، وذلك العكس هو "الشأن" أي الحال في معنى البطلان. ويمكن أن يكون معنى كلامه هذا: فالبطلان عكس الذي تقرر في معنى الصحة هو الشأن أي الحال الذي هو عليه.
وقد تجعل إلى في "الشأن" بدلا من الضمير أي شأنه. ويكون صوغ الكلام حينئذ: فالبطلان عكس الذي تقرر في معنى الصحة هو شأنه وحاله. وكل سائغ، والمعنى واحد.
стр. 243
٦٣١ - حَاصِلُهُ مَا قَدْ يُرَى فِي الْوَاقِعِ … مُخَالِفًا فِي الْحُكْمِ قَصْدَ الشَّارعِ
٦٣٢ - فِي نَفْسِ ذَاكَ الْفِعْلِ أَوْ فِي الْوَصْفِ … عَلَى الذِي لَهُمْ بِهِ مِنْ خُلْفِ
" المسألة الثالثة "
٦٥٣ - وَفيهِ تَفْصِيلٌ لِأمْرٍ بَادِ … بِنِسبةِ الْعَادِيِّ لِلْمَعَادِ
" حاصله" أي حاصل معنى البطلان هو "ما قد يرى" ويبصر "في الواقع" يتصف به كل ما كان من الأفعال "مخالفا في الحكم" الذي يترتب عليه "قصد الشارع" من ذلك الفعل، كالعبادة التي فعلت لنيل حظ دنيوي، كأن فعلت مراءاة، فإنها فعل باطل شرعا، لأنها على خلاف ما قصد من تشريعها، وهو التعبد بها، وتمحيصا للتقرب لله رب العالمين.
"في نفس ذاك الفعل" وفي حلب ماهيته، وحقيقته، "أو" وقعت "في الوصف" الخارجي المنفك عن حقيقتها، وإن كانت متصفة به. وذلك كالصلاة في الدار المغصوبة - مثلا - التي الحكم فيها يطلب بالاجتهاد، وبذلك ذهب بعضهم إلى صحة تلك الصلاة بناء على اعتبار الانفكاك، لأنها بذلك موافقة للشارع، ولا يضر حصول المخالفة من جهة الوصف. وذهب آخرون إلى اعتبار الاتصاف، فقالوا بالبطلان فيها.
وعلى كل حال فالحكم الفقهي في هذا الموطن فيه خلاف مبني "على" هذا "الذي لهم به" فيه يعني في تقرير حاله وبيان حقيقته "من خلف" وقد تقدمت صورته والجمهور على الصحة.
"المسألة الثالثة"
"المسألة الثالثة" في بيان أن البطلان بالمعنى الثاني وهو عدم ترتب الثواب وحصول الأجر من حيث وقوعه وعدم وقوعه بالنسبة للفعل العادي فيه تفصيل - أي الفعل العادي - من حيث وقوعه على أربعة أقسام: أحدها: أن يفعل بغير قصد. ثانيها: أن يفعل لقصد نيل غرض وحظ دنيوي فقط. ثالثها: أن يفعل مع استشعار الموافقة للشرع اضطرارا. رابعها: أن يفعل لكن مع استشعار الموافقة للشرع اختيارا.
والحكم بالبطلان وعدمه يقرر في كل واحد من هذه الأقسام بناء على حاله، ووصفه. قال الناظم: "وفيه" أي الحكم بالبطلان "تفصيل" ثابت مسند "لأمر باد" ظاهر، وهو اختلاف الأحوال "بنسبة" الفعل "العادي" كالمعاملات "لـ" جزاء "المعاد" - بفتح
стр. 244
٦٥٤ - فَمَا يُرَى عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ قَدْ وَقَعْ … فَالنَّيْلُ لِلثَّوَابِ هَاهُنَا ارْتَفَعْ
٦٥٥ - وَالْفِعْلُ بِالْقَصْدِ لِنَيْلِ الْغَرَضِ … مُجَرَّدًا لِمِثْلِ ذَاكَ يَقْتَضِي
٦٥٦ - وَإِنْ بِهِ التَّكْلِيفُ قَدْ تَعَلَّقَا … أَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ مُطْلَقَا
٦٥٧ - وَتَحْتَ ذَا يَدْخُلُ مَا عَنْهُ نُهِي … وَصَدَّ حُكْمُ الطَّبْعِ عَنْ أَخْذٍ بِهِ
٦٥٨ - وَمِثْلُهُ الْفِعْلُ مَعَ اسْتِشْعَارِ … تَوَافُقٍ بِحُكْمِ الاضْطِرَارِ
الميم - ظرف ميمي بمعنى محل المعاد - أي الرجوع أو زمنه - والمراد به - هنا - الآخرة وتلك الأحوال المختلفة أربعة أقسام - كما تقدم ذكره - وقد أوردها وأحكامها المصنف مبتدئا بأولها وحكمه فقال "فما" من الأفعال "يرى" أي يعلم أنه "عن غير قصد قد وقع" كفعل النائم والغافل، "فـ" إنه ساقط الاعتبار بالنسبة لشأن الآخرة إذ "النيل" والإدراك "للثواب" والأجر "ها هنا" في القسم "ارتفع" لأن ما كان من هذا الضرب من الأفعال لا يتعلق به خطاب اقتضاء، ولا تخيير، فليس فيه ثواب، ولا عقاب، لأن الأفعال في الآخرة إنما يترتب على الأعمال الداخلة تحت التكليف. فما لا يتعلق به خطاب تكليف لا تترتب عليه ثمرته.
"و" أما القسم الثاني وهو "الفعل بـ" أي مع "القصد" به "لنيل" وإدراك "الغرض" والحظ النفسي "مجردا" من أي استشعار لجهة الحكم الشرعي في ذلك الفعل وقصده منه فإنه "لمثل ذاك" الحكم المتقدم في القسم السابق "يقتضي" ويوجب، فإنه لا ثواب يترتب عنه "وإن" كان "به التكليف" الشرعي "قد تعلقا" كإطعام الجائع، وإكرام الضيف "أوكان" أمرا "واجبا عليه" شرعا "مطلقا" سواء كان حقا لله تعالى، أو كان حقا لخلقه كأداء الديون، ورد الودائع، والأمانات وما أشبه ذلك، فحكم ذلك كله البطلان - كما تقدم ذكره - "وتحت ذا" الحكم وهو عدم ترتب الأجر "يدخل" ترك "ما عنه نهى" شرعا، إلا أنه لم يترك امتثالا للنهي الشرعي عنه، "و" إنما "صد حكم الطبع" والمزاج النفسي "عن أخذ به" وفعله، لأن الأعمال بالنيات، وهذا أصل متفق عليه في الجملة. "ومثله" في هذا الحكم - أيضا - وهو عدم ترتب الأجر القسم الثالث وهو "الفعل" الذي وقع "مع استشعار" من فاعله لـ "توافق" بين فعله ذاك وما أمر به الشرع، ولكن لم يكن التوافق عن اختيار وقصد منه إليه، وإنما حصل ذلك له "بحكم الاضطرار" والحاجة. مثال ذلك: القاصد لنيل لذته من المرأة الفلانية ولما
стр. 245
٦٥٩ - وَتَرْكُ مَا كَانَ مِنَ الْمَحَارِمِ … خَوْفَ افْتِضَاحٍ أَوْ عِقَابِ حَاكِمِ
٦٦٠ - وَكُلُّهَا بَاطِلَةُ الْمَتَاتِ … فَإِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ
٦٦١ - وَالْفِعْلُ لِلشَّيْءِ مَعَ اسْتِشْعَارِ … تَوَافُقٍ بِحُكمِ الاخْتِيَارِ
٦٦٢ - كفَاعِلِ الْمُبَاحِ بَعْدَ عِلْمِهِ … بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي حُكْمِهِ
٦٦٣ - فَذَا الذِي فِيهِ تَعَيَّنَ النَّظَرْ … فِيمَا أُبِيحَ لَا سِوَاهُ إِنْ ظَهَرْ
٦٦٤ - إِذِ امْتِثَالُ الأمْرِ وَالنَّهْيِ مَعَا … بِالاعْتِبَارَيْنِ صَحِيحٌ تَبَعَا
لم يمكنه بالزنى لامتناعها، أو لمنع أهلها، عقد عليها عقد نكاح ليكون موصلا له إلى ما قصد فهذا وما شابهه باطل، فإنه لا يترتب عليه أي ثواب أو أجر في الآخرة - كما تقدم ذكره -.
"و" كذلك "ترك ما كان" تركه "من المحارم" أي المحرمات، مع استشعار الموافقة الشرعية في ذلك لكن ليس عن قصد إلى هذه الموافقة، ولا اختيارا لها، وإنما كان ذلك لا اضطرار إليها بموجب ما مثل "خوف افتضاح" وسوء ذكر بين الناس "أو" خوف "عقاب" أي عذاب "حاكم" أو ما أشبه ذلك "فكلها" أي ما ذكر من هذه الأفعال والتروك وما أشبهها "باطلة" أي فاسدة "المتات" أي الوسيلة وما توصل به إلى ذلك "فإنما الأعمال بالنيات" كما قال ﵊.
"و" أما القسم الرابع وهو "الفعل للشيء مع استشعار توافق" حاصل مع قصد الشارع من تشريع ذلك الفعل وكان ذلك التوافق "بحكم الاختيار" والقصد من المكلف له. "كفاعل" الفعل "المباح بعد علمه بأنه مخير في حكمه" فما اختاره في شأنه من فعل أو ترك فذاك هو حكمه، وبناء على كونه مخيرا فيه - مباحا - فعله، حتى إنه لو لم يكن مباحا ما فعله. "فذا" أي هذا القسم هو "الذي فيه" لا ينظر في المأمور به إذا فعل بقصد الامتثال، ولا في المنهي عنه إذا ترك كذلك، وإنما "تعين النظر" فيه "فيما أبيح لا سواه" مما ذكر "إن ظهر" ووقع، وإنما لا ينظر في المأمور به ولا في المنهي عنه إن فعلا على الوجه المذكور "إذ امتثال الأمر" "و" كذلك امتثال "النهي معا بالاعتبارين" أي المذكورين وهما ترتب آثار العمل على الفعل في الدنيا، وترتب آثار العمل عليه في الآخرة "صحيح تبعا" أي على التوالي في الدنيا والآخرة.
стр. 246
٦٦٥ - وَتَرْكُ الامْتِثَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ … إِنْ كَانَ بَاطِل بِالإِطْلَاقَيْنِ
٦٦٦ - فَالْفِعْلُ لِلْمُبَاحِ أَوْ تَرْكٌ لَهُ … مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ لِمَنْ أَعْمَلَهُ
٦٦٧ - يَبْطُلُ بِاعْتِبَارِ حَالِ الأُخْرَى … إِذْ لَا يُفِيدُ قَصْدُ ذَاكَ أَجْرَا
٦٦٨ - فَإنْ يَكُنْ فِي الْحَظِّ قَدْ تَحرّى … نَيْلَ الذِي الإِذْنُ بِهِ استَقَرَّا
٦٦٩ - دونَ سِوَاهُ فَهُنَا قَدْ ثَبَتَا … تَرَتُّبُ الثَّوَابِ شَرْعًا وَأَتَى
٦٧٠ - وَمِثْل ذَا الإِبَاحَةُ الْمَطْلُوبَةْ … بِالْكُلِّ فِعْلُهَا بِهِ مَثُوبَةْ
" و" كذلك "ترك" القصد إلى "الامتثال في الوجهين" وهما فعل المأمور به وترك المنهي عنه "إن كان" أي حصل ووقع من المكلف، فإن فعله ذاك "باطل بالإطلاقين" وهما عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا، وعدم ترتب آثار العمل عليه في الآخرة. وإذا تقرر هذا في أمر المأمور به والمنهي عنه وعرف به حكمهما في هذا الشأن استقل الكلام في هذا القسم بعد هذا بفعل المباح لما في حكمه من تفصيل "فالفعل للمباح أو ترك له من جهة الحظ" والغرض النفسي فقط "لمن أعمله" وقصده مجردا من أي اعتبار آخر سوى ما ذكر يحتمل في النظر ثلاثة أوجه: أحدها أنه "يبطل باعتبار حال" الدار "الأخرى" الآخرة "إذ لا يفيد ذاك" في فعل المباح وهو نيل الحظ "أجرا" حسنا، وثوابا، إلا أنه أي فعل المباح على هذا الوجه - صحيح باعتبار حال الدنيا، لأنه تترتب عليه آثار فعل المباح الدنيوية. ثانيهما: أنه صحيح بالاعتبارين الدنيوي والأخروي إن كان مع تحري المأذون فيه "فإن يكن" فاعل المباح "في" نيل "الحظ" أي حظه "قد تحرى" وقصد "نيل" المباح "الذي الإذن" الشرعي "به" أي فيه "استقرا" وثبت "دون" ما "سواه" مما لم يرد فيه ذلك الإذن "فهنا" في هذا الوجه، "قد ثبتا" وحصل "ترتب الثواب" والأجر "شرعا وأتى" وعلى هذا نبه الحديث الذي رواه مسلم في الأجر في وقاع الزوجة، وقولهم أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". ومثل ذا الإباحة المطلوبة بالكل فعلها به مثوبة وإن للصحة في العادات كذلك تقسيم وسوف يأتي.
"و" الوجه الثالث "مثل ذا" أي هذا الوجه الثاني في كونه صحيحا بالاعتبار - أيضا - وهو ما كانت "الإباحة" فيه "المطلوبة" شرعا "بالكل" كالأكل والشرب، وإن كانت الإباحة فيه بالجزء غير مطلوبة، "فعلها" أي إتيان هذه الإباحة المطلوبة بالكل "به" أي فيه "مثوبة"
стр. 247
٦٧١ - وَإِنَّ لِلصِّحَّةِ فِي الْعَادَاتِ … كَذَاكَ تَقْسِيمٌ وَسَوْفَ يَأتِي
الفصل الخامس في العزيمة والرخصة، وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
٦٧٢ - عَزِيمَةُ الأحْكَامِ مَا قَدْ شُرِّعَا … كلِّيَّةً بَدْءًا بِحَيْثُ وَقَعَا
٦٧٣ - وَالرُّخْصَةُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ عُذْرِ … يَشُقُّ أَمْر بِذَاكَ الأمْرِ
أي ثواب. وأجر بخلاف ما هو مباح بالجزء فقط غير مطلوب بالكل كسماع تغريد الطيور، فإنه صحيح بالاعتبار الدنيوي فقط. هذا ما يتعلق بالبطلان بالمعنى الثاني - وهو عدم ترتب آثار العمل على الفعل في الآخرة في شأن الفعل العادي.
في ذكر ما يتعلق بالصحة بالمعنى - الاعتبار - الثاني وهو ترتب آثار العمل على الفعل في الآخرة "وإن للصحة" بالاعتبار الثاني "في العادات كذاك تقسيم وسوف يأتي" ذكره في كتاب المقاصد إن شاء الله تعالى.
الفصل الخامس في العزيمة والرخصة وفيه مسائل
"المسألة الأولى"
"الفصل الخامس" من قسمي الخطاب "في" ذكر "العزيمة والرخصة" وفيه أي هذا الفصل "مسائل" في أن العزيمة هو ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء. و "عزيمة الأحكام" يعني الأحكام التي هي عزيمة - ففيه إضافة الصفة للموصوف - هي "ما قد شرعا" حال كونه "كلية" تعم كل الأفراد والأزمنة والأمكنة كالصلاة والزكاة والحج والجهاد وسائر شعائر الإسلام الكلية "بدءا" بأن يكون قصد الشارع بها إنشاء الأحكام التكليفية على العباد من أول الأمر، فلا يسبقها حكم شرعي قبل ذلك، أو سبقها ونسخ، فكل ما كان على هذه الصورة فإنه عزيمة "بحيث وقعا" أي في كل موضع وقع وحصل. وبهذا وما سبقه تميز العزيمة وتعرف "و" أما "الرخصة" فهي الحكم "المشروع عند" حصول "عذر يشق أمره" أي حاله على المكلف "بذاك" أي في ذاك "الأمر" الذي
стр. 248
٦٧٤ - بِحُكْمِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَصْلٍ كُلِّي … لِلْمَنْعِ مُقْتَضٍ بِحُكْمِ الأصل
٦٧٥ - مَعَ اقْتِصَارِ بَعْدُ فِي التَّصَرُّفِ … عَلَى مَحَلِّ حَاجَةِ الْمُكَلَّفِ
٦٧٦ - وَتُطْلَقُ الرُّخْصَةُ فِي الْمُسْتَثْنَى … مِنْ أَصْلِهِ الْكُلِّيِّ حَيْثُ عَنَا
شرع فيه هذا الحكم، كالصلاة بالنسبة للعاجز فيها عن القيام، فإنه يشرع فيها الجلوس، وإنما شرع له فيها ذلك لوجود العذر في هذا المحل وهو المشقة التي في القيام لها.
والرخصة تكون "بحكم" ومقتضى "الاستثناء" أي الإخراج الشرعي لها "من أصل كلي" موجب "للمنع" أي الحظر، والحرمة، مقتض" لذلك "بـ" سبب كونه "حكم الأصل" الذي يكون جاريا على مقتضى العوائد، فالأصل في الناس الإقامة، والصحة، - مثلا - بناء على ما جرت به العوائد، والرخصة تستثنى من مقتضى حكم الأصل من جهة ما يوجب فيه المنع، فالأصل في الصلاة - مثلا - القيام لها، وبذلك يمنع صلاتها بالجلوس على كل فرد، وفي كل زمان، وعلى كل حال، إلا ما أخرج من ذلك لعذر شاق.
فقولك "لا تصلي الصلاة بالجلوس" أصل كلي يقتضي المنع، فما استثنى حكمه من ذلك فهو رخصة، ومثله قولك: "يحرم الأكل والشرب في رمضان" فهذا أصل كلي يقتضي المنع كذلك وما استثنى من ذلك من حكم لعذر شاق فهو رخصة.
ثم إن الرخصة لا تتعدى محلها فإنها تكون "مع اقتصار بعد" أي بعد ثبوتها في "التصرف" والعمل بها "على محل حاجة المكلف" فإن المصلي إذا انقطع سفره، وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة، وإلزام الصوم، والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصل قاعدا، وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم.
وهكذا كل الرخص، فإنها يقتصر في مقتضاه على موضع الحاجة.
قال الناظم:
"وتطلق الرخصة" أيضا "في" يعني الحكم "المستثنى" أي المخرج "من أصله الكلي" الذي يشمله، لكونه فردا من أفراده "حيث" في كل موضع "عنا" أي عرض، فإنه يسمى
стр. 249
٦٧٧ - دُونَ اعْتِبَارِ الْعُذْرِ كَالْقِرَاضِ … وَكَالْمُسَاقَاةِ وَكَالإِقْرَاضِ
٦٧٨ - وَرُبَّمَا يُطْلَقُ لَفْظُ الرُّخْصَةِ … لِمُقْتَضَى التَّخْفِيفِ عَنْ ذِي الأمَّةِ
٦٧٩ - وَتُطْلَقُ الرُّخْصَةُ بِاعْتِبَارِ مَا … يُلْفَى مِنَ الْمَشْرُوعِ حُكْمًا رُسِما
٦٨٠ - تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ مُطْلَقَا … مِنْ حَيْثُ مَا الْحَظُّ بِهِ تَعَلَّقَا
رخصة "دون اعتبار" أي اشتراط حصول "العذر" الذي تقدم تقييد ما هي الرخصة به "كالقراض" وهو تمكين شخص من مالك يتجر به بجزء من ربحه. وهو مستثنى من أصلين كليين يقتضيان المنع، وهما: الإجارة بمجهول والسلف بمنفعة "وكالمساقاة" وهي: "عقد على خدمة شجر وما ألحق به بجزء من غلته، أو بجميعها "وهي مستثناة من أصول كلية خمسة يقتضي كل واحد منها المنع.
أحدها: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
ثانيها: بيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعاما بعد مدة.
ثالثها: الغرر للجهل بما يخرج على تقدير سلامة الثمرة، رابعها: الدين بالدين، لأن المنافع والأثمان كلاهما لم يقبض، خامسها: كالمخابرة، وهي كراء الأرض بما يخرج منها. "وكالإقراض" أي السلف، وهو دفع متمول في عوض غير مخالف له عاجل تفضلا فقط لا يوجب إمكان عارية وهو مستثنى من أصل منع الغرر على ما يبدو.
قال الناظم: "وربما يطلق لفظ الرخصة لمقتضى" أي على مقتضى وحكم "التخفيف" الحاصل في التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة - كقتل النفس للتوبة، وقطع محل النجاسة في الثوب - "عن ذي" أي هذه "الأمة" المرحومة. فكان ما جاء في هذه الملة السمحة من المسامحة واللين رخصة بالنسبة إلى ما حملته الأمم السالفة من العزائم الشاقة.
في أن الرخصة تطلق - أيضا - على ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقا مما هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء أوطارهم. "توسعة على العباد مطلقا" كيفما كان حاله، سواء كان مما يقتضي حاله أن يكون رخصة أم لا، فغاية الأمر فيه أن تكون فيه توسعة "من حيث ما" الجانب الذي نيل "الحظ" والوطر "به تعلقا" كسائر المباحات والرخص، فإنها
стр. 250
٦٨١ - فَهَذهِ جُمْلَةُ الإِطْلَاقَاتِ … وَالأوَّلُ التَّفْرِيعُ فِيهِ آتِ
٦٨٢ - وَالثَّانِ لَا كَلَامَ فِيهِ حِينَ لَا … تَفْرِيعَ وَالثَّالِثُ حُكْمُهُ جَلَا
٦٨٣ - وَرَابِعٌ لَهُ اخْتِصَاصٌ يَحْصُلُ … تَفْرِيعُهُ مِمَّا اقْتَضَاهُ الأوَّلُ
شرعت توسعة على العباد، وذلك كله راجع إلى نيل حظوظهم، وقضاء أوطارهم.
"فـ" إذا تقرر هذا تبين أن "هذه" هي "جملة الاطلاقات" يستعمل بمعناها مدلولاتها تختلف التي نطلق بها لفظ الرخصة وهذه الإطلاقات الأربعة من حيث عمومها وخصوصها "و" بذلك فإنها تختلف في جواز التفريع عليها وإمكانه فأما النوع "الأول" وهو الذي معناه: ما شرع لعذر شاق فإنه لكون هذا المدلول عاما يجري "التفريع فيه" وهو - أي التفريع - الحاق الذي تجري فيها مقتضاه بأحكام الرخص المنصوص عليها الموجبة، وذاك أمر "آت" ووارد فيه بمقتضى حاله، وكون عانة الحكم فيه متعدية - كما ترى - وهذا مبين أمره في كتب الأصول، إذ هو الذي يذكرونه فقط - وأمثلته تقدم ذكرها.
"و" أما النوع "الثان" وهو الذي مدلوله ما استثنى من أصل علة يقتضي المنع مطلقا - وقد تقدمت - فإنه "لا كلام فيه" من حيث التفريع عليه، وذلك "حين" تقرر أنه "لا تفريع" جار فيه شرعا فلا يترتب على العلم به إدراك سبيل القياس عليه، وإنما يتبين به أنه إطلاق شرعي فقط.
"و" أما النوع "الثالث" وهو الذي مدلوله: ما وضع على هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة - فإنه - كذلك لا تفريع يجري في هذا الذي يطلق عليه وهذا "حكمه" وأمره قد ظهر و "جلا" في هذا الشأن وأمثلته - كذلك - تقدم ذكرها. "و" أما الذي هو "رابع" من هذه الاطلاقات، وهو الذي مدلوله ما كان مشروعا توسعة على العباد مطلقا مما هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء أوطارهم فإنه لما كان "له اختصاص" بقوم وهو الصوفية معينين إذ هم الذين يعتبرون هذا النوع رخصة فإنه لم يتعرض له - أي للنظر في شأن كونه مما يجري التفريع فيه لكن قد يجري التفريع فيه لكن قد "يحصل" ويقع "تفريعه" يعني التفريع على النصوص عليه فيه - أي - القياس عليه أخذا ""مما اقتضاه" وأوجبه النوع "الأول" في هذا الشأن (١).