٧٦٦ - وَبَعْدَهُ الْحَاجِيُّ وَهْوَ الْمُفْتَقَرْ … إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ مَصَالِحُ الْبَشَرْ
٧٦٧ - تَوَسُّعًا فِيمَا إِلَيْهِ أَحْوَجُوا … مَعْ رَفْعِ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ حَرَجُ
٧٦٨ - ثُمَّ الْمُحَسِّنَاتُ بِالإِطْلَاقِ … مَا كَانَ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ
عن الدين. والقطع للسارق والتضمين للمتلفات لدرء الفساد عن المال. فهذه كلها شرعت لدرء ما يرجع على الحفظ المذكور بالإزالة، والإسقاط هذا شأن الضروري "وبعده" القسم "الحاجي وهو" معرف بأنه "المفتقر" - بفتح القاف - أي المحتاج "إليه من حيث" أي من جهة "مصالح البشر" مما شرع "توسعا" عليهم "فيما" من الأمور "إليه أحوجوا" بما يرد عليهم من الأحوال الموجبة لذلك - كالمرض - والاضطرار - "مع رفع ما" من التكاليف "ينشأ عنه حرج" ومشقة تفضي إلى فوات المطلوب. وهذه الحاجيات لو لم تراع لكان ذلك موجبا لدخول الحرج والمشقة على المكلفين في الجملة. وإن كان لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. وهي جارية في العبادات والعادات، والمعاملات، والجنايات: ففي العبادات كالرخص المخففة، بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر، وفي العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا وما أشبه ذلك، وفي المعاملات كالقراض، والمساقاة، والسلم، وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات، كثمرة الشجر، ومال العبد، وفي الجنايات كالحكم باللوث، والتدمية، والقسامة، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع وما أشبه ذلك.
"ثم" يلي القسم الحاجي هذا قسم "المحسنات" - بكسر السين - التي تحسن من قامت به ويجوز فتحها بمعنى - التي حسنها الشرع والعقول السليمة - وهي "بالإطلاق" سواء كانت جارية في العبادات أو المعاملات أو العادات أو الجنايات "ما كان من مكارم الأخلاق" كمحاسن العادات واجتناب ما يخل بالمروءة، ويناقض الفطر السليمة وهي جارية فيما جرت في الأوليان ففي العبادات كإزالة النجاسة - وبالجملة الطهارات كلها - وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات والقربات، وأشباه ذلك، وفي العادات كآداب الأكل والشرب، ومجانبة المآكل النجسات، والمشارب المستخبثات، والإسراف، والإقتار في المتناولات، وفي المعاملات كالمنع من بيع النجاسات، وفضل الماء والكلأ، وسلب العبد منصب
стр. 317
" الْمَسْألةُ الثَّانِيَة "
٧٦٩ - وَانْضَمَّ لِلثَّلَاثَةِ الْمَقَاصِدِ … مَا هُوَ تَتْمِيمٌ لِكُلِّ وَاحِدِ
٧٧٠ - كَأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَمَنْعِ النَّظَرِ … لِلأَجْنَبِيِّ وَقَلِيلِ الْمُسْكِرِ
الشهادة والإمامة وسلب المرأة منصب الإمامة، وإنكاح نفسها. وطلب العتق وتوابعه من الكتابة والتدبرِ وما أشبهها، وفي الجنايات كمنع قتل الحر بالعبد أو قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد، وقليل الأمثلة يدل على ما سواها مما في معناها، فهذه الأمور راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية؛ إذ ليس فقدانها بمخل بأمر ضروري ولا حاجي وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين.
"المسألة الثانية"
"المسألة الثانية" في أن كل مرتبة من هذه المراتب - الضروريات والحاجيات والتحسينات - ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة مما لو فرضنا فقده لم يخل بحكمته الأصلية.
قال الناظم: "وانضم للثلاثة المقاصد" أي للمقاصد الثلاثة المذكورة - الضروريات والحاجيات والتحسينات - "ما هو" من التكاليف الشرعية "تتميم" وتكملة "لكل واحد" منها، وذلك "كأجرة المثل" فيما جهلت فيه الأجرة مضبوطة معلومة من المسائل كجزء ثوب جعل أجرة لنساج ينسج ذلك الثوب ومثل ذلك الجلود على دبغها بجزء منها، فالأصل في هذه المنع لجهل صفة خروج ذلك الثوب أو الجلد، إذ قد يخرج صحيحا، أو مقطوعا، لكنه إن وقع ذلك، فالثوب والجلد لربهما، وللعاملين أجرة المثل، وإنما شرعت في هذا الموضع وما أشبهه حفظا للمال للطرفين - الأجير والمستأجر - وحفظ المال من الضروريات "ومنع النظر" "لـ" لشخص "الأجنبي" ممن يحرم عليه النظر إليه، وهذا مكمل لحفظ النسل، وهو ضروري، إذ منع النظر هذا مكمل لمنع الزنا المحرم حفظا للضروري المذكور.
وكذا "قليل المسكر" كثيره فإنه محرم، تكميلا لحفظ العقل الذي حفظه ضروري، فإن ذلك القليل وإن كان غير مسكر فإنه مدعاة للاستزادة منه.
стр. 318
٧٧١ - وَكَاعْتِبَارِ الْكُفْءِ فِي ذَاتِ الصِّغَرْ … وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْقُرْبَتَيْنِ فِي السَّفَرْ
٧٧٢ - وَأَدَبِ الأحْدَاثِ وَالتَّحْسِينِي … تَتِمَّةٌ لِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ
٧٧٣ - كمِثْلِ مَا الْحَاجِي فِي أُمُورِ … مُكَمِّلٌ لِحِكْمَةِ الضَّرُورِي
" الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ "
٧٧٤ - وَالشَّرْطُ فِي تَتِمَّةٍ أَنْ لَاتُرَا … مُبْطِلَةً أَصْلًا لَهَا تَقَرَّرَا
" و" هذا كله مما يكمل به الضروري وأما ما يكمل به الحاجي فـ "كاعتبار" الزوج "الكفء" في الدين والحرية والنسب والحال والمال "في" تزويج اليتيمة "ذات الصغر" أي الصغيرة وكذلك "جمع بيان القربتين" الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء "في" حال "السفر" الذي تقصر فيه الصلاة، وكذلك جمع المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله، فهذا أو أمثاله كالمكمل لهذه المرتبة - مرتبة الحاجي - إذ لو لم يشرع لم يخل بأصل التوسعة والتخفيف.
وأما مكمل التحسيني فمثل مندوبات الطهارات والإنفاق من طيبات المكاسب والاختيار في الضحايا والعقيقة والعتق "وأدب الأحداث" البول والغائط والاستنجاء - آداب قضاء الحاجة - كأن يكون قاضي الحاجة برخو طاهر جالسا، وبنجس واقفا، وأن يكون معتمدا على رجل مائلا عليها، وغير ذلك مما هو منصوص عليه في كتب الفقه.
"و" أنت إذا تأملت في شأن التكملة هذه تجد أن "التحسيني" نفسه كأنه "تتمة لغيره" وهو الحاجي أو الضروري "في" أمور هذا "الدين" سواء كانت عبادات أو معاملات أو عادات "كمثل ما الحاجي" كذلك "في أمور" عبادية وغيرها "مكمل لحكمة" المقصد "الضروري" كما سيأتي بيانه مفصلا.
"المسألة الثالثة"
"المسألة الثالثة" في أن التكملة لها - من حيث هي تكملة - شرط، وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال.
قال الناظم: "والشرط في" اعتبار "تتمة" وتكملة ما هو "أن لا ترى" إذا اعتبرت "مبطلة" ما كان "أصلا لها" وهو ما تكمله وتتمه من ضروري أو حاجي "تقررا" - الألف
стр. 319
٧٧٥ - فَإِنَّ الإبْطَالَ لِأَصْلِ التَّكْمِلَةْ … يُبْطِلُهَا فَلَا تُرَى مُكَمِّلَهْ
للإطلاق - أنها متممة ومكملة له "فإن الإبطال" والإسقاط "لأصل التكملة" التي شرعت لها هذه التتمة "يبطلها" أي يبطل هذه التتمة أيضا، لأنها كالصفة للموصوف، ولإبقاء الصفة مع زوال موصوفها وبذلك "فـ" إنها "لا ترى" ولا تقع "مكملة" لفقد ما تكمله.
وبيان ذلك أن حفظ المهجة مهم كلي، وحفظ المروءات مستحسن، فحرمت النجاسات حفظا للمروءات، وإجراء لأهلها على محاسن العادات فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس، كان تناوله أولى.
وكذلك أصل البيع، ومنع الغرر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لا نحسم باب البيع. وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية، واشتراط حضور العوضين في المعاوضات من باب التكميل، ولما كان ذلك ممكنا في بيع الأعيان من غير عسر، منع من بيع المعدوم إلا في السلم، وذلك في الإجارات ممتنع، فاشتراط وجود المنافع فيها وحضورها يسد باب المعاملة بها، والإجارة محتاج إليها فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد، ومثله جار في الاطلاع على العورات للمباضعة والمداواة وغيرها.
وكذلك الجهاد مع ولاة الجور، قال العلماء بجوازه، قال مالك: لو ترك لكان ضررا على المسلمين. فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضروري، والمكمل إذا عاد على الأصل بالإبطال لم يعتبر.
ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي ﷺ وكذلك ما جاء من الأمر بالصلاة خلف ولاة السوء فإن في ترك ذلك ترك سنة الجماعة، والجماعة من شعائر الدين المطلوبة، والعدالة مكملة لذلك المطلوب.
ولا يبطل الأصل بالتكملة. ومنه إتمام الأركان في الصلاة مكمل لضروراتها فإذا أدى طلبه إلى أن لا تصلى - كالمريض غير القادر - سقط المكمل، أو كان في إتمامها حرج، ارتفع الحرج عمن لم يكمل، وصلى على حسب ما أوسعته الرخصة. وستر العورة من باب محاسن الصلاة، فلو طلب على الإطلاق لتعذر أداؤها على من لم يجد ساترا إلى أشياء من هذا القبيل في الشريعة تفوق الحصر، كلها جار على هذا الأسلوب.
стр. 320
" الْمَسْأَلةُ الرَّابِعَةُ "
٧٧٦ - ثُمَّ الضَّرُورِيُّ مِنَ الْمَقَاصِدِ … أَصْلٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الْقَوَاعِدِ
٧٧٧ - لَوْ فُرِضَ اخْتِلَالُهُ لَاخْتَلَّا … سِوَاهُ مُطْلَقًا وَمَا اسْتَقَلَّا
٧٧٨ - لَا الْعَكْسُ بَلْ يَخْتَلُّ مِنْ وَجْهٍ ما … إِن اخْتِلَالٌ لِسِوَاهُ عَمَّا
٧٧٩ - كَمِثْلِ مَا قَدْ يَلْحَق الْحَاجِيَّا … مَا حَلَّ بِالْإِطْلَاقِ تَحْسِينِيَّا
" المسألة الرابعة"
"المسألة الرابعة" في أن المقاصد الضرورية أصل للحاجيات والتحسينات.
قال الناظم: "ثم" بعدما تقرر وقوع هذه التكملة بين هذه المراتب ثبت أن "الضروري" من هذه المقاصد أصل لغيره من تلك "القواعد" أي للمقاصد الأخرى - الحاجيات والتحسينات - إذ "لو فرض اختلاله " أي الضروري "لاختلا" - الألف للإطلاق - ما "سواه" من الحاجي والتحسيني "مطلقا" أي من جميع جهاته "و" ذلك لأنه ما "استقلا" - الألف للإطلاق - عن الضروري، ولا انفردا عنه بإفادة حكمته "لا العكس" وهو اختلال الحاجي أو التحسيني فإنه لا يختل به الضروري بإطلاق "بل يختل من وجه ما" فقط، وذلك "إن" كان "اختلال" أصابه بإطلاق "لسواه" من المقاصد الأخرى "عما" - الألف للإطلاق - وشمل "كمثل ما قد يلحق" المقصد "الحاجيا" - الألف للإطلاق - من اختلال ما بسبب "ما حل" أي نزل من الاختلال "بالإطلاق" المقصد "تحسينيا" فاختلال أمر هو من مكارم الأخلاق يخل بوجه ما في المقصد الحاجي إذ قد يترتب على ذلك شيء من المشقة والحرج، كما لا يخفى وفي هذا إخلال بمقتضى من مقتضيات الحاجي.
وعلى هذا السنن مضى سائر مسائل هذا المقام، فإن اختلال الضروري يلزم منه الإخلال بسائر المقاصد الأخرى وأما اختلال كل من الحاجي والتحسيني فإنه لا يخل بالضروري بإطلاق، إلا أن اختلال الحاجي قد يلزم منه إخلال بوجه ما بالضروري، واختلال التحسيني قد يلزم منه الاختلال بوجه ما في الحاجي أو الضروري.
стр. 321
٧٨٠ - فَيَنْبَغِي لِذَاكَ أَنْ يُحَافَظَا … عَلَيْهِمَا مَعًا وَأَنْ يُلَاحَظَا
ولذاك "فـ" إنه "ينبغي" ويطلب "لذاك" أي لأجل ذاك الذي ذكر من التلازم المذكور في الاختلالات إذا أوردت على هذه المقاصد على الوجه المتقدم ذكره "أن يحافظا عليهما" أي على الحاجي والتحسيني. فإذا حوفظ على الضروري فينبغي المحافظة على التحسيني إذا ثبت أن التحسيني يخدم الحاجي، وأن الحاجي يخدم الضروري، فذاك الحفظ مطلوب لهما "معا" وكذلك مطلوب أن "يلاحظا" معا حين السعي إلى هذا الحفظ فإن حفظ الضروري إنما يتم بملاحظة ما يتممه من الحاجي والتحسيني، وكذلك حفظ الحاجي لا يتحقق كماله إلا بحفظ خادمه التحسيني. وبيان ذلك أن كل واحد من هذه المراتب لما كانت مختلفة في تأكد الاعتبار فالضروريات آكدها ثم تليها الحاجيات والتحسينات وكان بعضها مرتبطا ببعض كان في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد منه ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حمي للآكد، والراتع حول الحمي يوشك أن يقع فيه، فالمخل بما هو مكمل كالمخل بالمكمل من هذا الوجه. ومثل ذلك الصلاة، فإن لها مكملات وهي هنا سوى الأركان والفرائض. ومعلوم أن المخل بها متطرق للإخلال بالفرائض والأركان، لأن الأخف طريق إلى الأثقل. ومما يدل على ذلك ما في الحديث من قوله ﵇ كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وفي الحديث: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده وقول من قال إني لأجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها. وهو أصل مقطوع به متفق عليه، ومحل ذكره القسم الثاني من الكتاب فالمتجرئ على الأخف بالإخلال به معرض للتجرؤ على ما سواه. فكذلك المتجرئ على الإخلال بها يتجرأ على الضروريات. فإذًا قد يكون في إبطال الكماليات بإطلاق، إبطال الضروريات بوجه ما. ومعنى ذلك أن يكون تاركا للمكملات ومخلا بها بإطلاق، بحيث لا يأتي بشيء منها كان نزرا، أو يأتي بجملة منها إن تعددت، إلا أن الأكثر هو المتروك والمخل به، ولذلك لو اقتصر المصلي على ما هو فرض في الصلاة لم يكن في صلاته ما يستحسن، وكانت إلى اللعب أقرب، ومن هنا يقول بالبطلان في ذلك من يقول، وكذلك نقول في البيع إذا فات فيه ما هو من المكملات كانتقاء الغرر والجهالة أو شك أن لا يحصل للمتعاقدين أو لأحدهما مقصود، فكان وجود العقد كعدمه بل قد يكون عدمه أحسن من وجوده، وكذلك سائر النظائر.
стр. 322
" الْمَسْألةُ الْخَامِسَةُ "
٧٨١ - مَصَالِحُ الدُّنْيَا يُرَى اسْتِقْرَارُهَا … مِنْ جهَتَيْنِ بِهِمَا اعْتِبَارُهَا
٧٨٢ - مِنْ جِهَةِ الْوُقُوعِ فِي الْوُجُودِ … فَالْمَحْضُ مِنْهَا لَيْسَ بِالْمَوْجُودِ
٧٨٣ - إِذْ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةٍ تَحَقُّقُ … إِلَّا وَللْعَكْسِ بِهَا تَعَلُّقُ
٧٨٤ - وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الْمَفَاسِدُ … قَدْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْعَوَائِدُ
٧٨٥ - وَأَصْلُهُ مِنْ وَضْعِ هَاذِي الدَّارِ … لِلابْتِلَاءِ وَللاخْتِبَارِ
" المسألة الخامسة"
"المسألة الخامسة" في أن المصالح في هذه الدار ينظر فيها من جهتين: من جهة مواقع الوجود. ومن جهة تعلق الخطاب الشرعي بها.
قال الناظم: "مصالح الدنيا" المبثوثة فيها "يرى" أي يعلم "استقرارها" وحصولها "من جهتين" اثنتين ومنهما يقع النظر فيها إذ "بهما اعتبارها" وثبوتها، وذلك "من جهة الوقوع" والحصول لها - أي لهذه المصالح - "في الوجود" والواقع، وهي المصالح التي هي في حقيقة أمرها تخلو من مفاسد تمتزج بها "فالمحض" أي الخالص "منها" الخالي من مفسدة تكدره "ليس بالموجود" على الإطلاق "إذ ليس من مصلحة تحقق" - أصله تتحقق لتاءين حذفت إحدهما تخفيفا - أي تثبت "إلا وللعكس" وهو المفسدة "بها تعلق" وارتباط، فالمصالح المبثوثة في هذه الدنيا كلها مشوبة بتكاليف ومشاق قلت، أو كثرت، تقترن بها أو تسبقها، أو تلحقها، كالأكل والشرب واللبس والسكنى، والركوب، والنكاح، وغير ذلك، فإن هذه الأمور لا تنال إلا بكد، وتعب "ومثلها" أي المصالح المذكورة "في ذلك" وهو كونها غير متمحضة وخالصة في حقيقة أمرها "المفاسد" الدنيوية، فإنها ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود والحصول "قد شهدت بذلك" ودلت عليه "العوائد" فما من مفسدة تفرض إلا ويقترن بها، أو يسبقها، أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثير "وأصله" أي أصل هذا الذي عليه مصالح الدنيا ومفاسدها هو "من" حال "وضع هاذي الدار" الذي هو "للابتلاء" أي ابتلاء الخلق "والاختبار" لهم، والتمحيص. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]- وقال تعالى -: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وغير ذلك من الآيات الدالة على هذا الأمر.
стр. 323
٧٨٦ - وَمُقْتَضَى الْعَادَةِ أَنَّ مَا غَلَبْ … إِلَيْهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ انْتَسَبْ
٧٨٧ - أَوْ جِهَةِ التَّعَلُّقِ الشَّرْعِيِّ … وَذَاكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعَادِيِّ
٧٨٨ - فَمَا يُرَى فِي الاعْتِيَادِ يَغْلِبُ … فَذَاكَ مَا أُلْفِيَ شَرْعًا يُطْلَبُ
٧٨٩ - نَهْيًا وَأَمْرًا دَافِعًا لِلْمَفْسَدَةْ … أَوْ جَالِبًا مَصْلَحَةً مُعْتَمَدَةْ
" و" إذا تقرر أن مصالح الدنيا ممتزجة بمفاسد تكدرها وأن مفاسدها لا تنفك عن جنس من المصلحة فإن هذه المصالح والمفاسد إنما تفهم على "مقتضى العادة" والعرف "أنّ ما غلب" عادة وعرفا من المصلحة أو المفسدة هو الذي "إليه حكم ذلك الأمر" الذي حصلت فيه تلك الغلبة "انتسب" فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفا وإن غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفا ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا إلى الجهة الراجحة؛ فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه إنه مصلحة. وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب عنه، ويقال: به مفسدة على ما جرت به العادات في مثله، فإن خرج عن مقتضى العادات فله نسبة أخرى وقسمة غير هذه القسمة. هذا وجه النظر في المصلحة الدنيوية والمفسدة الدنيوية، من حيث مواقع الوجود في الأعمال العادية.
وأما من جهة تعلق الخطاب الشرعي بالمصلحة، ففيها يقول الناظم: "أو من جهة التعلق الشرعي" بها "وذاك" التعلق "راجع إلى" ما يقتضيه ويدل عليه الحكم "العادي" والعرفي "فما يرى" أي يعلم "في الاعتياد" البشري "يغلب" ويقدم عند عقلاء الناس في الاعتبار "فذاك" هو "ما ألفي" أي وجد "شرعا يطلب" اعتباره، لأنه المصلحة الشرعية.
قال الشاطبي: فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا؛ ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود، على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليس في الحقيقة الشرعية كذلك.
والطلب الشرعي يرد في هذا الشأن "نهيًا وأمرًا دافعًا للمفسدة" راجع لقوله نهيا يعني نهيا دافعا للمفسدة "أو جالبًا مصلحةً معتمدة" راجع لقوله أمرا يعني أمرا جالبا مصلحة معتمدة ومعتبرة شرعا "و" إذا تقرر أن الشارع لا يلتفت إلا إلى جهة المصلحة الراجحة، وأنه يلغي في الاعتبار ما قد يشوب تلك المصلحة من المفاسد، لأنه لو
стр. 324
٧٩٠ - وَعِنْدَ ذَاكَ تَخْلُصُ الْمَصَالِحُ … وَعَكْسُهَا وَذَاكَ أَمْرٌ وَاضِحُ
اعتبرها لبنى حكمه على مقتضاها؛ ولو قصدها لكان على المكلف أن يقصدها وإلا كان خالف قصد الشارع، وقد يكون ذلك اختلالا بالامتثال المطلوب منه، لأنه سيكون داخلا في مقتضى الطلب الشرعي بذلك حينئذ وجوب وجود هذه المفاسد - المشقات - وهذا ما لم يرد على قطع، فعلمنا جازمين أن المصالح المعتبرة شرعا هي المصالح التي لا تشوبها مفسدة "وعند ذاك تخلص المصالح" الشرعية من أي شيء يكدر صفوها في الاعتبار الشرعي وفي بناء الأحكام الفقهية على مقتضاها، فلا يلتفت إلى أي مفسدة تصاحب المصلحة الشرعية ولا يعتد بها، ما لم تكن مفسدة تفضي إلى أمر محرم شرعا، كالصوم المفضي إلى الهلاك ونحو ذلك. "و" كذلك حال "عكسها" أي عكس المصلحة وهو المفسدة المعتبرة شرعا، فإنه يلغي اعتبار ما قد يصحبها من مصلحة على سنن المصلحه الشرعية بلا فرق في هذا الشأن "وذاك" كله "أمر واضح" أي بين جلي.
ويدل على ذلك أمران: أحدهما أن الجهالة المعلومة لو كانت مقصودة للشارع - أعني معتبرة عند الشارع - لم يكن الفعل مأمورا به بإطلاق، ولا منهيا عنه بإطلاق، بل قد يكون مأمورا به من حيث المصلحة، ومنهيا عنه من حيث المفسدة، والمعلوم قطعا أن الأمر ليس كذلك. وهذا يتبين في أعلى المراتب في الأمر والنهي؛ كوجوب الإيمان وحرمة الكفر، ووجوب إحياء النفوس ومنع إتلافها، وما أشبه ذلك، فكيف يكون الإيمان - الذي لا أعلى منه في مراتب التكليف - منهيا عنه، من جهة ما فيه من كسر النفس من إطلاقها، وقطعها عن نيل أغراضها، وقهرها تحت سلطان التكليف الذي لا لذة فيه لها، وكان الكفر الذي يقتضي إطلاق النفس من قيد التكليف، وتمتعها بالشهوات من غير خوف، مأمورا به أو مأذونا فيه؛ لأن الأمور الملذوذة والمخرجة عن القيود القاهرة مصلحة على الجملة، وكل هذا باطل محض، بل الإيمان مطلوب بإطلاق، والكفر منهي عنه بإطلاق، فدل على أن جهة المفسدة بالنسبة إلى طلب الإيمان وجهة المصلحة بالنسبة إلى النهي عن الكفر، أنها غير معتبرة شرعا، وإن ظهر تأثيرها عادة وطبعا.
والثاني: أن ذلك لو كان مقصود الاعتبار شرعا، لكان تكليف العبد كله تكليفا بما لا يطاق، وهو باطل شرعا، وأما كون تكليف ما لا يطاق باطلا شرعا فمعلوم في الأصول، وأما بيان الملازمة فلأن الجهة المرجوحة مثلا مضادة في الطلب للجهة الراجحة، وقد أمر مثلا بإيقاع المصلحة الراجحة، لكن على وجه يكون فيه منهيا عن
стр. 325
" فَصْلٌ "
٧٩١ - وَخَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الاعْتِيَادِ … كَكُلِّ مَا يَصْلُحُ بِالْإِفْسَادِ
٧٩٢ - إِنْ ظَهَرَ التَّرْجِيحُ فَالْحُكْمُ اقْتُفِي … أَوْ لَا فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ
إيقاع المفسدة المرجوحة فهو مطلوب بإيقاع الفعل ومنهي عن إيقاع الفعل معا، والجهتان غير منفكتين، لما تقدم من أن المصالح والمفاسد غير متمحضة، فلا بد في إيقاع الفعل أو عدمه من توارد الأمر والنهي معا، فقد قيل له: افعل ولا تفعل، لفعل واحد، أي من وجه واحدة في الوقوع، وهو عين تكليف ما لا يطاق (١).
" فصل"
في أنه إذا كانت المصلحة أو المفسدة خارجة عن حكم الاعتياد بحيث لو انفردت لكانت مقصودة الاعتبار للشارع ففي ذلك نظر؛ ولابد من تمثيل ذلك ثم تخليص الحكم فيه بحول الله. مثاله أكل الميتة للمضطر وأكل النجاسات والخبائث اضطرارا، وقتل القاتل، وقطع القاطع - وبالجملة العقوبات والحدود - للزجر، وقطع اليد المتآكلة، وقلع الضرس الوجعة، والإيلام بقطع العروق والفصد وغير ذلك، للتداوي وما أشبه ذلك من الأمور التي لو انفردت عما غلب لكان النهي عنها متوجها، وبالجملة كل ما تعارضت فيه الأدلة.
قال الناظم: "و" أما ما هو "خارج عن حكم الاعتياد" وارتقى إلى درجة ما يعتبر مثله في نظر الشارع وذلك "ككل ما" أمر لا "يصلح" أي لا يتصف بأنه مصلحة إلا "بـ" الامتزاج بـ "الإفساد" فإن هذا فيه نظر، وهو الذهاب في شأنه إلى الترجيح بين ما فيه من المصلحة وما فيه من المفسدة فـ "إن ظهر الترجيح" لأحدهما على الآخر وبان أمره بما يدل عليه ص الأدلة "فالحكم" المقتضى به في ذلك "اقتفي" واتبع، فإن رجح وغلب أمر المصلحة فيه صير إليه، وحكم في شأنه بأنه مطلوب، لأنه مصلحة، وإن غلب أمر المفسدة فيه حكم بمقتضى ذلك، فنهي عن ذلك لأنه مفسدة. فإن لم تعلم حقيقة أمره في هذا الشأن "أو لا" يظهر لنا من حاله شيء يستبين به كونه مصلحة أو مفسدة "فـ" إنه "لا بد" حينئذ "من التوقف" عن الحكم، والإمساك عنه في ذلك.
стр. 326
٧٩٣ - وَالْجَانِبُ الْمَرْجُوحُ غَيْرُ مُعْتَبَرْ … لِلشَّرْعِ قَصْدًا مَعَ رَاجِحٍ ظَهَر
٧٩٤ - وَذَا عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ … أَوْ لَا فَتَكْلِيفٌ سوَى الْمُطَاقِ
٧٩٥ - وَلَا يُقَالُ إِنَّ فِيهِ مَقْصِدَا … لِلشَّرْعِ ثَانِيًا عَلَيْهِ اعْتَمَدَا
٧٩٦ - إِذْ لَا يَرَى ثُبُوتَ قَصْدٍ ثَانِ … لَهُ بِحَيْثُ الْمُتَنَاقِضَانِ
٧٩٧ - وَقَدْ يَرَى الْمَرْجُوحَ مِمَّا يُعْتَبَرْ … مِنْ حَيْثُ الاجْتِهَادُ فِيهِ وَالنَّظَرْ
" والجانب المرجوح" المغلوب سواء كان مفسدة أو مصلحة "غير معتبر للشرع" بل هو ملغى عنده "قصدا" منه "مع" وجود جانب "راجح ظهر" أي ظاهر "وذا" أي هذا الحكم وهو عدم اعتبار الشارع للجانب المرجوح - جار - "على العموم" في سائر المسائل فليس حكما خاصا بمسائل دون أخرى، كما أنه ليس مقيدا بل هو - أيضا - على "الإطلاق" فالرجحان معتبر على الإطلاق فإن قيل قد يتعلق قصد الشارع بالجهتين معا - المصلحة والمفسدة - وبذلك ينبهم قصده في ذلك لوجود التعارض بين الأمرين، "أولا" يتأتى الترجيح في هذا المقام لإمكان تعلق قصد الشارع بالطرفين معا: طرف الإقدام، وطرف الإحجام "فـ" لهذا الأمر - وهو وجود المصلحة والمفسدة فيه - هذا غير صحيح لأنه "تكليف سوى" أي غير "المطاق" وهو تكليف محال، وذاك مما أجمع على أنه لا يصح عقلا، ولا يقع شرعا "ولا" يصح أن "يقال إنّ فيه" أي فيما ظهر رجحان المصلحة أو المفسدة فيه "مقصدا" ثابتا "للشرع" أي لصاحب الشرع، "ثانيًا" بعد المقصد الأول الذي ظهر رجحانه، وبذلك يكون من اعتبر الجهة المغلوبة والجانب المرجوح "عليه" أي على هذا القصد الثاني "اعتمدا" وإليه استند، لأنه لا يصح "إذ لا يرى" أي لا يعلم ولا يدرك "ثبوت قصد ثان" تابع للمقصد الأول "له" أي للشارع "بحيث" أي في الموضع الذي يكون لو اعتبر فيه القصد الثاني مما يجتمع فيه "المتناقضان" فالقصد الثاني إنما يثبت إذا لم يناقض القصد الأول فإن ناقضه لم يكن مقصودا بالقصد الأول، ولا بالقصد الثاني. "و" هذا لا يقتضي على قطع بأن المرجوح مطرح، فلا يلتفت إليه على الإطلاق، بل "قد يرى" الجانب "المرجوح" المغلوب "مما يعتبر" وذلك "من حيث الاجتهاد" الصحيح "فيه والنظر" فمن أداه اجتهاده في ذلك إلى ترجيحه - أي الجانب المرجوح - فإنه لا يقطع بأنه مخطئ، وأنه قد أتى بما ينقض عليه
стр. 327
٧٩٨ - إِذْ لَيْسَ فِي الرَّاجِحِ قَطْعٌ يُحْتَذَى … بِأَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هَكَذَا
٧٩٩ - وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ فِي مَوَاقِعِ … أَصْلُ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ
" الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ "
٨٠٠ - كَذَلِكَ فِي الْأُخْرَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ … لَاكِنْ هُمَا فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ
٨٠١ - فَخَالِصٌ لَيْسَ لَهُ امْتِزَاجُ … وَلَا لَهُ فِي عَكْسِهِ انْدِرَاجُ
٨٠٢ - كَمِثْلِ مَا فِي جَنَّةِ الْخُلُودِ … مِنَ النَّعِيمِ لِذَوِي التَّوْحِيدِ
٨٠٣ - وَكَعَذَابٍ خَالِدٍ فِي النَّارِ … مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ
جزما، بل ذاك يسري أنه قول فقهي، وإن كان ضعيفا، وإنما كان الأمر كذلك "إذا ليس في" الجانب "الراجح" وإن قامت الأدلة على رجحانه وغلبته "قطع" "يحتذى" ويتبع فيحكم "بأنه" أي الراجح "في نفس الأمر" وحقيقه "هكذا" أي أنه مقطوع به، وإنما قصارى أمره راجح في نظر أهل النظر والاجحهاد فقط "ومن هنا" - أي من هذا الموضع وهو عدم القطع برجحان الجهة التي رجحت، وأن الجهة الأخرى لا دليل قاطع على أنها غير معتبرة - "ينشأ" عند بعض أهل العلم "في مواقع" ومواطن معينة "أصل مراعاة الخلات الواقع" بين أهل العلم.
وسيأتي الكلام على هذا الأصل، وحاله.
"المسألة السادسة"
"كذلك" الحال "في" الدار "الأخرى" فإنه قد ثبت فيها "كلا الأمرين" المصالح والمفاسد "لاكن هما" أي الأمرين "فيها على ضربين" نوعين متميزين عما عليه المصالح والمفاسد الدنيوية فأحد هذين النوعين الأخرويين "خالص" من أي شائبة من ضده، فهو "ليس له" أي به "امتزاج " أي اختلاط "ولا له في عكسه" أي ضده، لو فرضنا أن ضده كان غالبا "اندراج" أي انطواء، بل هو إما مصلحة خالصة، أو مفسدة خالصة، وذلك "كمثل ما في جنة الخلود من النعيم" المقيم الثابت جزاء "لذوي" أي أصحاب "التوحيد" والإيمان بالله - تعالى - الخالص، فإن ذلك النعيم مصلحة خالصة، "وكعذاب" كل شخص "خالد في النار من المنافقين والكفار" فإنه مفسدة خالصة - والعياذ بالله تعالى -
стр. 328
٨٠٤ - حَسَبَمَا جَاءَتْ بِهِ أَدِلَّةْ … فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ مُسْتَقِلَّةْ
٨٠٥ - وَمَا اقْتَضَى تَفَاوُتًا لَا يَلْزَمُ … أَنْ يُوجَدَ الضِّدُ لَهُ يَسْتَلْزِمُ
٨٠٦ - فَبَابُ ذِكْرِ فَاضِلٍ وَأَفْضَلِ … فِي كَوْنِهِ لَا يَقْتَضِي نَقْصًا جَلِى
٨٠٧ - وَوَاضِحُ النَّصِّ عَلَى ذَاكَ يَدُلّ … كقَوْلهِ سُبْحَانَهُ تِلْكَ الرُّسُلْ
٨٠٨ - وَضَرْبُهَا الْآخِرُ مَا يَمْتَزِجُ … وَعَكْسُهُ فِي طَيِّهِ يَنْدَرجُ
وذلك كله مقطوع به "حسبما جاءت به أدلة" واردة في "محكم الكتاب" العزيز "مستقلة" بإفادة هذا الأمر، فكانت نصا فيه قال تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف: ٧٥] وقال - سبحانه -: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣] وقال : ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، "و" أما "ما اقتضى" من الأدلة أن في درجات الجنة ودركات النار "تفاوتا" مما يقتضي أن في النار من يخف عنه العذاب، وذلك رحمة، وأن في الجنة من صد بعمله عن درجات من هو أعلى منه رتبة، وهذا أمر مكدر لتنعمه في الجنة، وهذا معنى ممازجة المفسدة، فإن الجواب عن ذلك هو أنه "لا يلزم" بل لا يصح "أن يوجد" مع نعيم الجنة "الضد له" وهو العذاب "يستلزم" ما ذكر من وجود هذا التفاوت، لأنه وإن حصل، فإنه لا يلزم منه نقيض ولا ضد، وبذلك "فـ" هو ليس إلا من "باب ذكر فاضل وأفضل" كما إذا قلت "فلان عالم" فقد وصفته بالعلم، وأطلقت ذلك عليه إطلاقا بحيث لا يستلزم في حصول ذلك الوصف له على كماله، فإذا قلت: "وفلان فوقه في العلم" فهذا الكلام يقتضي أن الثاني حاز رتبة في العلم فوق رتبة الأول، ولا يقتضي أن الأول متصف بالجهل ولو على وجه ما، وهكذا كل ما أشبه هذا "في كونه لا يقتضي" حصول التفاوت فيه "نقصا جلى" أي بينا واضحا "وواضح النص" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي من النص الواضح من كتاب الله - تعالى - "على ذاك" وهو عدم دلالة التفاوت على النقص "يدل" كقوله : ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] وكقوله تعالى سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] "و" أها "ضربها" أي مصالح الآخرة ومفاسدها "الآخر" فإنه "ما" أي الذي "يمتزج" أي يختلط فيه ما ذكر من المصلحة والمفسدة "و" بذلك يكون "عكسه" وهو المفسدة إن كان مصلحة، أو المصلحة إن كان مفسدة "في طيه" أي مثناته "يندرج" أي ينطوي.
стр. 329
٨٠٩ - وَذَاكَ يَخْتَصُّ بِمَنْ قَدْ وَحَّدَا … مَا دَامَ فِي النَّارِ وَلَيْسَ أَبَدا
٨١٠ - بَلْ عِنْدَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا يَدْخُلُ … مِنْ فَوْرِهِ فِيمَا اقْتَضَاهُ الْأوَّلُ
٨١١ - أَلَا تَرَى تَحَاشِيَ النِّيرَانِ … مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَالْإِيمَانِ
٨١٢ - وَأَخْذَهَا لَهُمْ عَلَى وِزَانِ … مَا ارْتَكَبُوا قَبْلُ مِنَ الْعِصْيَانِ
٨١٣ - وَفِي الرَّجَاءِ رَاحَة مُسْتَوْضحَةْ … وَذَاكَ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَصْلَحَةْ
" الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَة "
" وذاك" الذي في هذا الضرب من أنه يمتزج فيه ما ذكر "يختص بمن قد وحّد" - الألف للإطلاق - أي الله تعالى مؤمنا به على الوجه الذي يكون به من أهل التوحيد فهذا الذي عليه حكم الامتزاج هذا "ما دام في النار" ولكن "ليس أبدا بل" أنه "عندما يخرج منها" أي النار "يدخل من فوره" أي من وقت خروجه منها بلا تراخ "فيما اقتضاه" الضرب "الأول" وهو الخلو من هذا الامتزاج، إذ قد يصير إلى نعيم لا كدر يشوبه. وإنما قيل بأن هذا الامتزاج يحصل لمن كان من أهل التوحيد وحده ما دام في النار لما يلحقه وهو فيها من مصلحة "ألا ترى تحاشي" تجنب وتوقي "النيران" في الجحيم "مواضع السجود" منه وهي الجبهة، والكفين والركبتين وأصابع الرجلين. وكذلك موضع "الإيمان" منه وهو القلب، وهذه مصلحة ظاهرة "و" كذلك "أخذها" أي النار "لهم" أي الموحدين "على وزان" أي قدر "ما ارتكبوا" وجنوا "قبل" في الدنيا "من العصيان" والخروج عن طاعة ربهم - سبحانه - وبذلك فإن النار لا تأخذهم أخذ من لا خير في عمله على الإطلاق. "و" كذلك "في الرجاء" الذي هم - أي الموحدون - عليه وهم في العذاب "راحة" لهم "مستوضحة" إذ يتشوفون في كل آن إلى خروجهم من النار ودخولهم الجنة وهذا ينفس عنه من كرب النار و"ذاك كاف في" ثبوت "حصول المصلحة" الناشئة عن الإيمان والأعمال الصالحة لهم.
"المسألة السابعة"
في أن مصالح الخلق الدنيوية والأخروية مقصودة من وضع الشريعة على وجه
стр. 330
٨١٤ - وَمُذْ تَبَدَّى أَنَّ قَصْدَ الشَّارعْ … فِي رَعْيِ مَا يَعُودُ بِالْمَنَافِعْ
٨١٥ - فَهْوَ عَلَى وَجْهٍ لَهُ الْتِئَامُ … وَلَيْسَ يَخْتَلُّ بِهِ نِظَامُ
لا يقع عليه اختلالها.
قال ﵀: "ومذ تبدى" أي ظهر واضحا مما تقدم إيراده فيما سبق من الكلام "أن قصد الشارع" من وضع هذه الشريعة ماض "في رعي" وقصد "ما" من الشرائع والأحكام "يعود" يرجع "بالمنافع" على الخلق إن عملوا بها ولذلك "فهو" أي الوضع المذكور وقع "على وجه له" بها أي تلك المقاصد "التئام" اجتماع، وتوافق، وتكامل "وليس يختل" يضطرب "به نظام" لها، ولا بحسب الكل لا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات.
فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تختل أحكامها، لم يكن التشريع موضوعا لها؛ إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله. ومقتضى هذا الأصل - وهو وضع الشريعة على هذا الوجه - أنه يجب مراعاة هذا الأصل في بناء الأحكام الفقهية بحيث لا يختل فيها هذا القصد الشرعي، وذلك إنما يتحقق بالانضباط بالضوابط الشرعيه التي يعلم بها سبل الجمع بين هذه المصالح - مصالح الدارين - ومراعاتها على الوجه الصحيح، فلا يلتفت إلى مصالح الدنيا إلا إذا كانت مما يجب حفظه، وبذلك لا موطن لاتباع الهوى وتغليبه بدعوى الجمع بين هذه المصالح، كما أنه لا يلتفت إلى إلغاء مصالح الدنيا الشرعية في المواطن التي يجب أن تعتبر فيها، وذلك - كما تقدم ذكره - أن هذه الشريعة صالحة لكل حال ولكل زمان، ومكان فلكل فيها حمكه الذي لا يخالف مقتضاه انتظام هذه المصالح على الوجه التام (١).
стр. 331
" الْمَسْألَةُ الثَّامِنَة "
٨١٦ - تُعْتَبَرُ الْمَصَالِحُ الْمُجْتَلَبَةْ … شَرْعًا أَوِ الْمَفَاسِدُ الْمُجْتَنَبَةْ
٨١٧ - مِنْ حَيْثُ أَنْ تُقَامَ حَالُ الدُّنْيَا … لِلدَّارِ الأُخْرَى عَمَلًا وَسَعْيَا
٨١٨ - لَا جِهَةُ الْأَهْوَاءِ لِلنُّفُوسِ … فِي جَلْبِ نَعْمَاءَ وَدَفْعِ بُؤسِ
" المسألة الثامنة"
في أن المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية.
"تعتبر المصالح الدنيوية" "المجتلبة شرعا أو" - بمعنى الواو - أي و"المفاسد المجتنبة" شرعا.
كذلك "من حيث أن تقام" بها "حال الدنيا" ونظامها على وجه تكون به خادمة "لـ" كسب وتحصيل مصالح "الدار الأخرى" التي هي النجاة من النار ودخول الجنة "عملا وسعيا" - تمييز محول عن المجرور - يعني أن إقامة مصالح الدنيا بحيث تكون لكسب مصالح الآخرة يكون بالعمل والكسب. فكل ما أمر الشارع بحفظه من مصالح هذه الدنيا يجب صرفه لتحصيل مصالح الدار الآخرة، فالعقل والبدن والمال والنسل يجب أن يستحضر في الاعتبار أن الشارع ما أمر بحفظها ليصرف العمل بها في تحصيل الأهواء ودرء الشهوات والتمتع بالملذات وغير ذلك من منافعها العاجلة مع قطع النظر عن الغاية - الشرعية من الأمر بحفظها؛ وإذا علم هذا فإنه لا يعتد شرعا بحفظ هذه المصالح إلا إذا تحققت بها هذه الغاية الشرعية، إذ هي الجهة المعتبرة شرعا في هذا الشأن.
"لا جهة الأهواء" التابعة "للنفوس" سواء "في جلب نعماء" عاجلة "أو دفع بؤس" ضر عاجل فقط كيفما كان ذلك كله.
فصل في أن هذه المسألة إذا فهمت بها أمور، منها: فهم كثير من آيات القرآن وأحكامه: كقوله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وما كان
стр. 332
٨١٩ - وَمِنْ هُنَا يُفْهَمُ مَعْنَى مَا أَتَى … لِمُقْتَضَى التَّمَتُّعَاتِ مُثْبَتَا
٨٢٠ - وَيَنْجَلِي مَا كَانَ فِي ذَا الْبَابِ … إِشْكَالُهُ مُنْسَدِلُ الْحِجَابِ
" الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَة "
٨٢١ - وَالشَّرْعُ كَوْنُهُ عَلَى الْمَقَاصِدِ … مُحَافِظًا بِالْقَصْدِ فِي الْمَوَارِدِ
٨٢٢ - لَابُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ قَطْعِي … فَإِنْ يَكُنْ عَقْلًا فَغَيْرُ شَرْعِي
نحو ذلك "ومن هنا" أي من هذا الموضع وما تقرر فيه مما ذكر "يفهم معنى ما" من النصوص الشرعية "أتى" وفيه الأمر بالأكل من الطيبات ونحوه مما تقدم ذكره فكان "لمقتضى" وحكم إباحة "التمتعات" بالنعم مما في هذه الأرض "مثبتا" وذلك لأن القصد الشرعي من ذلك لم يكن لأجل أهواء النفوس وإرضاء الشهوات. وإنما كان من أجل التزود بذلك للعمل الأخروي، "و" بهذا "ينجلي" يزول "ما كان" يرد "في ذا" أي هذا "الباب" الذي الكلام فيه، والذي متضمنه أن المصالح الدنيوية لا تعتبر شرعا إلا إذا صرفت للمصالح الأخروية "إشكاله" وهو أنه كيف يصح هذا مع أمره سبحانه عباده بالتمتع بالطيبات، وكل ما في الأرض مخلوق لهم، فكان هذا إشكالا "منسدل" مطلق ومرخي "الحجاب" بين هذه المسألة وفهمها على الوجه الصحيح، فلما ارتفع هذا الإشكال بهذا الذي ذكر، ظهرت هذه المسألة واضحة لا يعتريها انبهام، أو غموض، أو كدر.
"المسألة التاسعة"
في أن كون قاصدا للمحافظة على القواعد الثلاث: الضرورية، والحاجية، والتحسينية لابد من دليل يستند إليه، ويجب أن يكون دليلا قطعيا.
قال الناظم ﵀: "والشرع كونه على المقاصد" الثلاثة - الضرورات والحاجيات والتحسينات "محافظا بالقصد" فهمت منه لذلك "في الموارد" أي الأحكام التي شرعها، والشرائع التي وضعها سواء كانت للتعبد، أو للتعامل بين الخلق، أمر "لا بد فيه" أي في إثباته والجزم بثبوته "من دليل قطعي" يستند إليه، ويبنى عليه؛ وهو لا يخلو أن يكون عقليا، أو نقليا "فإن يكن" ثبت "عقلا" أي من جهة العقل فقط "فـ" هو دليل "غير شرعي" وإنما هو دليل عقلي، والعقلي لا موقع له هنا، لأن ذلك راجع إلى
стр. 333
٨٢٣ - وَإِنْ يَكُنْ مُنْتَمِيًا لِلسَّمْعِ … فَلَيْسَ بِالْمُفِيدِ حُكْمَ الْقَطْعِ
٨٢٤ - إِذْ قَدْ مَضَى فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ … وُقُوفُهَا عَلَى مُقَدِّمَاتِ
٨٢٥ - ظَنِّيَةٍ فِي نَقْلِهَا وَأَصْلِهَا … فَمَا عَلَيْهَا وَقْفَةٌ كَمِثْلِهَا
٨٢٦ - وَإِنَّمَا دَلِيلُ مَا تَقَرَّرَا … مَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْلِ ذَا مُقَرَّرَا
٨٢٧ - وَهْوَ اقْتِنَاصُ الْحُكْمِ مِنْ أَدِلَّة … فِي جُمْلَةِ التَّشْرِيعِ مُسْتَقِلَّةْ
تحكيم العقول في الأحكام الشرعية وهو أمر باطل، وبذلك فإنه لابد أن يكون الدليل المطلوب هنا دليلا نقليا أو يقتضيه النقل، "و" الدليل "إن يكن منتميا" أي منسوبا "للسمع" دليلا سمعيا - نقليا - بأن كان نصوصا شرعية "فـ" إنه "ليس بالمفيد" المقتضي "حكم القطع" الذي هو المطلوب - هنا - وإن كان متواترا، "إذ قد مضى في" المقدمة الثالثة أن "المتواترات" سندا لا تفيد القطع كما هو ظاهر، إذ قد ثبت "وقوفها" أي أنها موقوفة في إفادتها القطع "على مقدمات" عشر، كل واحدة منها "ظنية في "شأن "نقلها" وروايتها، "و" كذلك في ثبوت "أصلها" أي كونها أصلا تبنى عليه فروعه، فإن ذلك إنما ثبت بأدلة ظنية وبذلك "فما عليها وقفة" ووجوده لا يكون إلا ظنيا "كمثلها" لأن الموقوف على الظني لا بدّ أن يكون ظنيا. وهذه المقدمات هي: نقل اللغات. وآراء النحو، وعدم الاشتراك، وعدم المجاز، وعدم النقل الشرعي، أو العادي، وعدم الإضمار، وعدم التخصيص للعموم، وعدم التقييد للمطلق، وعدم الناسخ، وعدم التقديم والتأخير، وعدم المعارض العقلي. وجميع ذلك أمور ظنية. "و" إذا ثبت هذا علم أن الدليل النقلي لا يطلب منه القطع في هذا الشأن، وإن كان متواترا وبذلك فإنه لا يمكن دليل ثبوت تلك الأصول على قطع "وإنما دليل ما تقررا" من أن الشارع قاصد المحافظة على القواعد الثلاثة - المقاصد الثلاثة - هو "ما قد مضى" ذكره في المقدمة الثالثة من قبل "ذا" أي هذا الموضوع الذي نحن فيه "مقررا" مثبتا هناك بالأدلة الدالة عليه.
"و" الدليل المذكور "هو اقتناص" يعني أخذ واستخراج "الحكم" المطلوب هنا - وهو أن الشارع قاصد المحافظة على الأصول المذكورة على قطع - واستنباطه "من أدلة" شرعية مبثوثة "في جملة" أبواب الفقه و"التشريع مستقلة" في مواضعها، فهي لا ترجع إلى باب واحد وإنما أبوابها مختلفة، ولأنها تقتضي هذا الحكم الذي هو
стр. 334
٨٢٨ - يَصِيرُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ عَاضِدَا … حَتَّى يُرَى الْمَجْمُوعُ شَيْئًا وَاحِدَا
٨٢٩ - فَيَرْجِعُ الْحُكْمُ لِعِلْمٍ جَازِمْ … كَمِثْلِ مَا يُثْبِتُ جُودَ حَاتِمْ
" الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَة "
٨٣٠ - شَرْعِيَّةُ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةْ … لِتُحْفَظَ الْمَصَالِحُ الْكُلِّيَّةْ
٨٣١ - وَمَا لِكُلِّيَاتِهَا بِرَافِعِ … تَخَلُّفُ الْجُزْئِيِّ عِنْدَ وَاقِعِ
٨٣٢ - وَذَاكَ كَالْعِقَابِ لِلرَّدْعِ شُرِعْ … وَقَدْ يُرَى مُعَاقَبٌ لَا يَرْتَدِعْ
المقصود هنا، لأنه له "يصير بعضها" أي الأدلة المذكورة "لبعض عاضدا" مقويا في الدلالة على هذا الحكم، "حتى يرى" أي يبصر ويعلم "المجموع" أي مجموع ما دلت عليه "شيئا واحدا" مقطوعا به "فيرجع الحكم" المستفاد من ذلك "لعلم جازم" فيثبت في الأذهان لا يكاد يرد عليه شك "كمثل ما يثبت" العلم بـ "جود حاتم" الطائي وشجاعة علي ﵁ المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنها.
"المسألة العاشرة"
في أن هذه الكليات الثلاث إذا كانت قد شرعت للمصالح - مصالح الخلق - الخاصة بها فإنه لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضاها، وما شرعت له.
قال الناظم: "شرعية" حفظ "القواعد" الثلاث الكلية الأصلية وهي الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، إنما هو "لـ" أجل "حفظ المصالح" أي مصالح الخلق "الكلية" في واقع الأمر، فشرعية حفظ الضروريات - مثلا - إنما من أجل حفظ مصالح الخلق الدنيوية حقيقية، وفي واقع الأمر، فهي ليست للتعبد فقط وهذا أمر ماض حكمه على كل حال، وهذا أصل تقدم تقريره وذكره، وإنما أعاد ذكره ليرتب عليه قوله "وما" أي ليس "لـ" - بناء الحكم على مقتضى "كلياتها" أي - كليات هذه المصالح - وإنما أضافها إليها باعتبار أنها - هذه الكليات - تنشأ عنها تلك المصالح، "برافع" ولا قادح في جريان حكمها "تخلف الجزئي" من جزيئات عما هو مشروع له "عند" أمر ما "واقع" وحاصل - وقوله "عند واقع" تمم به البيت، لصحة الاستغناء - "وذاك كالعقاب" في الضروريات فإنه "لـ" لزجر و"الردع" عن إتيان الفواحش الموجبات له "شرع و" مع ذلك فإنه "قد يرى" أي يبصر "معاقب لا يرتدع" عما عوقب عليه، بل يستمر على إتيانه.
стр. 335
٨٣٣ - وَالْقَصْرُ فِي الْحَاجِيِّ لِلْمَشَقَّةْ … وَمُتْرَفٌ فِي السَّفَرِ اسْتَحَقَّهْ
" و" كذلك "القصر" للصلاة "في" القسم "الحاجي" فإنه - أي القصر - مشروع للتخفيف و"لـ" لحوق "المشقة" بمن تلبس به - أي بالسفر - "و" مع ذلك فإن حكم القصر هذا جار على من هو "مترف" متنعم "في السفر" لا مشقة تلحق فيه، لأنه "استحقه" أي هذا الحكم بمقتضى كونه مسافرا، وتخلف ما شرع لأجله هذا الحكم من الحكمة المذكورة لا يرفع جريانه، كما أنه لا يقدح في كون ما ذكر هو الحكمة في ذلك. وأما في التحسينات فإن الطهارة شرعت للنظافة على الجملة مع أن بعضها على خلاف النظافة كالتيمم. فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية؛ لأن الأمر الكلي إذا ثبت كليا فتخلف بعض الجزيئات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا. وأيضا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت.
هذا شأن الكليات الاستقرائية، واعتبر ذلك بالكليات العربية، فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه، لكون كل واحد من القبيلين أمرا وضعيا لا عقليا. وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزيئات قادحا، في الكليات العقلية؛ كما نقول: ما ثبت للشيء ثبت لمثله عقلا، فهذا لا يكون فيه التخلف البتة؛ إذ لو تخلف لم يصح الحكم بالقضية القائلة: ما ثبت للشيء ثبت لمثله. فإذا كان كذلك فالكلية في الاستقرائيات صحيحة، وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات. وأيضا فالجزيئات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارج عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى، فالملك المترفه قد يقال إن المشقة تلحقه لكنا لا نحكم عليه بذلك لخفائها؛ أو نقول في العقوبات التي لم يزدجر صاحبها إن المصلحة ليست الازدجار فقط، بل ثم أمر آخر وهو كونها كفارة؛ لأن الحدود كفارات لأهلها وإن كانت زجرا أيضا على إيقاع المفاسد. وكذلك سائر ما يتوهم أنه خادم للكلي. فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح.
خلاصة القول أن هذا التخلف لا يرفع الحكم، ولا يخرج حكمته الأصلية (١).
стр. 336
" الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَة "
٨٣٤ - ثمَّ الْمَصَالِحُ لِقَصْدِ الشَّارعْ … فطْلَقَةٌ تَعمُّ فِي الْمَوَاقِعْ
٨٣٥ - دَلِيلُهُ مَا مَرَّ حَالَ التَّسْوِيةْ … لِلْقَوْلِ بِالتَّصْوِيبِ مَعْ ذِي التَّخْطِئَةْ
" المسألة الحادية عشرة"
في أن مقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع قد تكون مطلقة عامة. لا تختص بباب دون باب، ولا بمحل دون محل ولا بمحل وفاق دون محل خلاف، وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقا في كليات الشريعة وجزئياتها.
قال الناظم: "ثم المصالح" التابعة "لقصد الشارع" لا تختص بباب في الأحكام الفقهية دون باب ولا تقيد بباب منها دون ما سواه، بل هي "مطلقة" ومطردة في كليات الشريعة وجزيئات وهي "تعم" ويسري أمرها وحكمها "في" جميع "المواقع" أي المواضع والأبواب التي وردت فيها الأحكام الشرعية، سواء كانت أبواب عبادات أو معاملات. "دليله" أي دليل هذا الذي ذكر ما تقدم في الاستدلال على مطلق المصالح، وأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، ولو اختصت لم تكن موضوعة للمصالح على الإطلاق، لكن البرهان قام على ذلك - الإطلاق - فدل على أن المصالح فيها غير مختصة، ثم يزاد على هذا "ما مر" من ثبوت ذلك على مذهبي المخطئة والمصوبة معا بمعنى هذه القاعدة ثانية جارية في "حال" القول بالمذهبين معا بـ "التسوية" أي سواء ذهبنا "للتصويب" وقلنا: أن كل مجتهد مصيب، أو كنا "مع ذي" أي صاحب "التخطئة" الذي يرى أن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وغيره مخطئ.
فالقاعدة على كل حال لا تنخرم. على القول بأي من المذهبين.
قال الشاطبي ﵀: ويظهر أن القاعدة جارية على كلا المذهبين؛ لأن الأحكام على مذهب التصويت إضافية، إذ حكم الله عندهم تابع لنظر المجتهد، والمصالح تابعة للحكم أو متبوعة له، فتكون المصالح أو المفاسد في مسائل الخلاف ثابتة بحسب ما في نفس الأمر عند المجتهد وفي ظنه. ولا فرق هنا بين المخطئة والمصوبة. فإذا غلب على ظن المالكي أن ربا الفضل في الخضر والفواكه الرطبة جائز، فجهة المصلحة عنده هي الراجحة وهي كذلك في نفس الأمر في ظنه؛ لأنها عنده خارجة
стр. 337
" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَة "
٨٣٦ - وَبَعْدُ فَالدِّينُ بِهِ مَعْلُومُ … أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَعْصُومُ
عن حكم الربا المحرم، فالمقدم على التفاضل فيها مقدم على ما هو جائز، وما هو جائز لا ضرر فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل فيه مصلحة لأجلها أجيز. وإذا غلب على ظن الشافعي أن الربا فيها غير جائز، فهي عنده داخلة حكم الربا المحرم، وجهة المصلحة عنده هي المرجوحة لا الراجحة، وهي كذلك في نفس الأمر على ما ظنه. فلا ضرر لاحق به في الدنيا وفي الآخرة. فحكم المصوب هاهنا حكم المخطئ، وإنما يكون التناقض واقعا إذا عد الراجح مرجوحا من ناظر واحد؛ بل هو من ناظرين ظن كل واحد منهما العلة التي بني عليها الحكم موجودة في المحل، بحسب ما في نفس الأمر عنده وفي ظنه، لا ما هو عليه في نفسه؛ إذ لا يصح ذلك إلا في مسائل الإجماع فههنا اتفق الفريقان. وإنما اختلفا بعد: فالمخطئة حكمت بناء على أن ذلك الحكم هو ما في نفس الأمر عنده وفي ظنه. والمصوبة حكمت بناء على أنه لا حكم في نفس الأمر، بل هو ما ظهر الآن. وكلاهما بان حكمه على علة مظنون بها أنها كذلك في نفس الأمر. وهذا الذي ذكره الشاطبي إنما يصح إذا تقرر أن المصالح الشرعية إضافية باعتبار أن الأحكام التي تتبعها هي - كذلك - إضافية، كما ذكر.
وأما إذا كانت المصالح ذاتية فإنه لا يستقيم لأنها ستكون حقيقية موضوعية، ثابتة في مواطنها، فلا تكون تابعة لرأي الفقيه الاجتهادي التابع لغلبة ظنه، وبذلك ما قاله القرافي هو الصواب والله تعالى أعلم (١).
" المسألة الثانية عشرة"
في أن هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أن صاحبها معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة.
قال الناظم: "وبعد" أي هذا الذي تقدم ذكره من قطعية الأصول الشرعية، وأن مصالح العباد محفوظة بها، "فـ" إنه ينبغي أن يعلم أن هذا "الدين" مقرر "به" أي فيه و"معلوم" منه بالضرورة "أن الذي جاء به" أي بهذا الدين وهو الرسول ﷺ "معصوم"
стр. 338
٨٣٧ - فَهْوَ كَذَاكَ دَاخِلٌ فِي الْعِصْمَةْ … وَمَا عَلَيْهِ اجْتَمَعَتْ ذِي الْأُمَّةْ
٨٣٨ - بَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْمُوعِ … أَوْ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الْوُقُوعِ
أي محفوظ من كل ما يزري بمنصبه - النبوة والرسالة - من الرذائل والدناءات ومن كل ما يشين وإن كان من الصغائر، وإذا كان من جاء بهذا الدين معصوما "فهو" أي هذا الدين "كذاك داخل في العصمة" والحفظ الإلهي له، ولا يكون ذلك إلا بحفظ أصوله المذكورة، وقواعده الكلية - كما تقدم ذكره في المقدمة الأولى - "و" كذلك يدخل في العصمة الإلهية من الخطأ "ما عليه اجتمعت ذي" أي هذه "الأمة" واتفقت عليه.
"بيانه" أي بيان هذا الذي ذكر من حصول هذه العصمة للرسول ﷺ ولهذا الدين يكون من جهتين "من جهة" الدليل "المسموع" وهو ما جاء من الأدلة الدالة على ذلك تصريحا، وتلويحا كقوله تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١].
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] فأخبر أنه يحفظ آياته ويحكمها حتى لا يخالطها غيرها، ولا يداخلها التغيير ولا التبديل.
والسنة وإن لم تذكر فإنها مبنية له، ودائرة حوله، فهي منه وإليه ترجع في معانيها. فكل واحد من الكتاب والسنة يعضد بعضه بعضا، ويشد بعضه بعضا. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
حكى أبو عمر الداني في "طبقات القراء" له عن أبي الحسن بن المنتاب قال: كنت يوما عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق فقيل له: لم جاز التبديل على أهل التوراة، ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال القاضي: قال الله في أهل القرآن ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فوكل الحفظ إليهم، فجاز التبديل عليهم وقال في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فلم يجز التبديل عليهم، قال علي: فمضيت إلى أبي عبد الله المحاملي فذكرت له الحكاية، فقال: ما سمعت كلاما أحسن من هذا. وأيضا ما جاء من حوادث الشهب أمام بعثة النبي ﷺ ، ومنع الشياطين من استراق السمع لما كانوا يزيدون فيما سمعوا من أخبار السماء، حيث كانوا يسمعون الكلمة فيزيدون معها مائة
стр. 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كذبة أو أكثر، فإذا كانوا قد منعوا من ذلك في السماء فكذلك في الأرض، وقد عجزت الفصحاء اللسن عن الإتيان بسورة من مثله، وهو كله من جملة الحفظ، والحفظ دائم إلى أن تقوم الساعة، فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها من التغيير والتبديل (١).
هذه هي الجهة الأولى، وأما الثانية فقد أوردها الناظم قائلا: "أو باعتبار" واستحضار "حالة" الوجود "والوقوع" التي يشهد عليها الحس، فإن الواقع من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن يشهد على هذا الحفظ على قطع وذلك أن الله وفر دواعي الأمة للذب عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة، والتفصيل.
أما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه الالاف من الأطفال الأصاغر فضلا عن القراء الأكابر. وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة، فقيض الله لكل علم رجالا حفظه على أيديهم. ثم قيض الله - تعالى - ناسا يناضلون عن دينه ويدفعون الشبه ببراهينه، فنظروا في ملكوت السماوات والأرض، واستعملوا الأفكار، وأذهبوا عن أنفسهم ما يشغلهم عن ذلك ليلا ونهارا، واتخذوا الخلوة أنيسا، وفازوا بربهم جليسا، حتى نظروا إلى عجائب صنع الله في سماواته وأرضه، وهم العارفون من خلقه، والواقفون مع أداء حقه، فإن عارض دين الإسلام معارض، أو جادل فيه خصم مناقض، غبروا في وجه شبهاته بالأدلة القاطعة. فهم جند الإسلام وحماة الدين. وبعث الله من هؤلاء سادة فهموا عن الله وعن رسول الله ﷺ فاستنبطوا أحكاما فهموا معانيها من أغراض الشريعة في الكتاب والسنة، تارة من نفس القول، وتارة معناه، وتارة من علة الحكم، حتى نزلوا الوقائع التي لم تذكر على ما ذكر، وسهلوا لمن بعدهم طريق عليه، أو احتيج في إيضاحه إليه وهو عين الحفظ الذي تضمنته الأدلة المنقولة وبالله التوفيق (٢).
стр. 340
" الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَة "
٨٣٩ - ثُمَّ إِذَا تُحْفَظُ كُلِّيَّاتُهْ … وَاجِبٌ أَنْ تُحْفَظَ جُزْئِيَّاتُهْ
٨٤٠ - فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلشَّارعْ … مَعْ كَوْنِهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْوَاقِعْ
" المسألة الثالثة عشرة"
في أنه إذا ثبت قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فلا يرفعها آحاد الجزيئات، كذلك نقول: إذا ثبت في الشريعة قاعدة كلية في هذه الثلاثة أو في آحادها، فلابد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي، وتلك الجزئيات. فالجزيئات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي أن لا يتخلف الكلي، فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع.
قال الناظم "ثم إذا" تقرر أنه "تحفظ كلياته" أي كليات هذا الدين فإنه "واجب" كذلك "أن تحفظ جزئياته" لأن بها قيام ذلك الكلي، وبذلك "فإنها مقصودة" بالذات "للشارع" ولذلك وقع ورود العتب شرعا للتارك في الجملة من غير عذر، وذلك كترك الصلاة، أو الجماعة، أو الجمعة، أو الزكاة، أو الحج، أو مفارقة الجماعة لغير أمر مطلوب، أو مهروب منه - كان العتب وعيدا، أو غيره - كالوعيد بالعذاب، وإقامة الحدود في الواجبات، والتجريح في غير الواجبات، وما أشبه ذلك "مع كونها" أي هذه الجزيئات "موجودة في الواقع" الخارجي حقيقة بخلاف الكلي، لأنه من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه، لأنه راجع لأمر معقول، لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزيئات، فتوجه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق وذلك ممنوع الوقوع كما سيأتي إن شاء الله؛ فإذا كان لا يحصل إلا بحصول الجزئيات فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات.
وأيضا فإن المقصود بالكلي هنا أن تجري أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف وإهمال القصد في الجزيئات يرجع إلى إهمال القصد في الكلي؛ فإنه مع الإهمال لا يجري كليا بالقصد، وقد فرضناه مقصودا.
هذا خلف، فلا بد من صحة القصد إلى حصول الجزئيات، وليس البعض في ذلك
стр. 341
النَّوْعُ الثَّانِي فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلْإِفْهَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ
" الْمَسأَلَةُ الْأُولَى "
٨٤١ - هَذِي الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّهْ … مَنْسُوبَةٌ لِلْأمَّةِ الْأُمِّيَّهْ
٨٤٢ - فَفَهْمُهَا يَحْصُلُ مِنْ لِسَانِهَا … عَلَى الَّذِي يُعْهَدُ مِنْ بَيَانِهَا
٨٤٣ - وَأَلْسُنُ الْعُجْمَةِ لَيْسَ تَدْخُلُ … فِيهَا وَلَا فَهْمًا لَهَا تُحَصِّلُ
أولى من البعض فانحتم القصد إلى جميع. وهو المطلوب (١).
النوع الثاني في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام وفيه مسائل
"المسألة الأولى"
منها هي أن "هذه الشريعة" المباركة "المحمدية" شريعة "منسوبة" كما في الحديث الشريف "للأمة الأمية" وهي - هنا - الأمة التي لا تكتب ولا تحسب، وبذلك "فـ" طلب "فهمها" أي هذه الشريعة والعلم بمضامينها إنما "يحصل من" جهة "لسانها" أي لغتها التي هي العربية، وذلك "على" وفق سبيل "الذي يعهد" ويعرف "من بيانها" وما انطوى عليه من طرق في التعبير وأساليب مختلفة الصرفة. "و" أما "ألسن" ولغات "العجمة" وهو كل ما ليس بالعربية فإنها "ليس تدخل فيها" أي في هذه الشريعة باعتبار أن البحث في كون القرآن ليس فيه كلمة أعجمية، كما ذهب إلى ذلك جماعة من الأصوليين. أو فيه ألفاظ معربة ليس مقصودا هنا، وإنما البحث المقصود هنا هو أن القرآن بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة. "و" بذلك فالألسن الأعجمية "لا" معنى لهذه الشريعة تكسب ولا "فهما لها تحصل" على الإطلاق.
стр. 342
٨٤٤ - وَأَصْلُهَا الْقُرْآنُ وَهْوَ عَرَبِي … جَارٍ عَلَى نَهْجِ لِسَانِ الْعَرَبِ
٨٤٥ - فِي الْقَصْدِ لِلْإِفْهَامِ وَالْبَيَانِ … وَفِي الْأسَالِيبِ وَفِي الْمَعَانِي
٨٤٦ - وَمُقْتَضَى الْعُمُومِ فِي تَصَرُّفِهْ … وَصِحَّةُ الظَّاهِرِ أَوْ تَخَلُّفِهْ
٨٤٧ - يُعْرَفُ ذَا مِنْ وَسَطِ الْكَلَامِ … أَوْ طَرَفَيْهِ حَالَةَ الْإِفْهَامِ
٨٤٨ - وَفِي الْمَسَاقِ مُنْبِئًا عَنْ آخِرِهْ … أَوَّلُهُ وَعَكْسُهُ كَظَاهِرِهْ
" و" ذلك لأن "أصلها" أي هذه الشريعة هو "القرآن" فمنه تؤخذ قواعدها وفروعها "وهو عربي" قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ومعنى كونه عربيا أنه "جار على نهج" طريق "لسان العرب" ومعهود تخاطباتهم الموضوعة "في القصد للإفهام" وإيصال المعنى المراد للأذهان "والبيان" أي الكشف والإظهار للمعنى المراد على وجه بين واضح "و" كذالك "الأساليب" جمع أسلوب، وهو لغة الطريق، والمراد به هنا طريق التعبير وصورته، ولكل لسان ما فطر عليه أهله من أساليبه المخصوصة به في بناء الكلام "وفي المعاني" التي تراد بتلك الأساليب، فالعرب تخاطب - باللفظ العام - "ومقتضى العموم في تصرفه" أي صرفه إلى المعنى المراد به "وصحة" حمله على "الظاهر" - أي ظاهره - الذي هو الشمول والاستغراق "أو تخلفه" أو بمعنى الواو أي وتخلفه عن ظاهره المذكور، وبذلك يحمل على خلافه وهو التخصيص، "ويعرف ذا" أي هذا كله ويعلم إما "من وسط الكلام" إن وقع فيه ما يدل على ذلك من لفظ دال على الاستغراق والشمول، أو التخصيص "أو طرفيه" وهما أوله وآخره، إن وقع فيهما ما يقتضي ذلك من الأدوات المفيدة للتعميم أو التخصيص، "حالة الإفهام" للمعنى المراد.
"و" كذلك الأمر "في" الاعتماد على "المساق " أي سياق الكلام قرينة لبيان القصد من الكلام، فالعرب تنطق بالكلام "منبئا عن آخره أوله" أي مبينا أوله المعنى المراد بآخره، وإن كان ظاهره العموم - مثلا - لأن ما سيق الكلام هو المعتبر، وليس ما دل عليه ظاهر اللفظ فيه، "و" كذلك "عكسه" وهو أنها تنطق بالكلام ينبئ آخره عن أوله، ويبينه و"كـ" ما يجري ما تقدم ذكره في اللفظ العام فإنه يجري في "ظاهره" أي الكلام فإن الظاهر - ما وضع له اللفظ لغة - قد يراد به عند العرب غير الظاهر، كما في المجاز
стр. 343
٨٤٩ - وَالشَّيْءُ وَاحِدٌ لَهُ أَسْمَاءُ … وَالاسْمُ تَمْتَازُ بِهِ أَشْيَاءُ
٨٥٠ - وَحَاصِلٌ أَنَّ اللِّسَانَ الْعَرَبِي … فِي الْفَهْمِ لِلْمَشْرُوعِ أَصْلٌ اجْتُبِي
٨٥١ - وَحِينَ لَا يَفْهَمُ مُقْتَضَاهُ … سِوَاهُ لَا يَفْهَمُهُ سِوَاهُ
" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَة "
والتورية "والشيء" وإن كان "واحدا" فإنه قد توضع "له أسماء" متعددة، كما في الأسد "والاسم" قد "تمتاز" وتسمى به "أشياء" متعددة كما في لفظ "العين".
"وحاصل" الكلام في هذا الشأن "أن اللسان العربي في" أمر "الفهم" والإدراك المعرفي "للشروع" من الأحكام وما أنزل في النص الشرعي على الجملة والتفصيل "أصل أجتبى" - بالجيم - اختير واصطفى لينزل به هذا القرآن، ولتفهم به مضامينه وحده "وحين" تقرر أنه" لا يفهم مقتضاه" أي مقتضى اللسان العربي "سواه" السن الأعاجم، وأن اللسان العجمي لا يفهم من جهة اللسان العربي وذلك لاختلاف الأوضاع والأساليب ثبت أنه "لا يفهمه" أي اللسان العربي "سواه" أي اللسان العربي.
قال الشاطبي: "فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العرب، كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فهم لسان العجم لاختلاف الأوضاع والأساليب" (١) وأصل هذا الكلام للشافعي في الرسالة قال - رحمه الله تعالى - في ذلك: فإنما خاطب الله بكتاب العرب بلسانها الرسالة .... في علمها ما يجهل بعضه.
قال الشاطبي: والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام في الرسالة الموضوعة في أصول الفقه. وكثير ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبه لذلك (٢).
"المسألة الثانية"
في أن اللغة العربية - من حيث ألفاظ دالة على معان - أمران:
أحدهما: من جهة ألفاظها وعباراتها مطلقة دالة على معان مطلقة؛ وهي الدلالة الأصلية.
стр. 344
٨٥٢ - دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعَانِي … فِي لُغَةِ الْعُرْبِ لَهَا لَحْظَانِ
٨٥٣ - مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ الْأَصْلِيَّة … مُفْهِمَةُ الْمَقَاصِدِ الْكُلِّيَّة
٨٥٤ - وَهْيَ الَّتِي فِيهَا اشْتِرَاكِ الْأَلْسِنَهْ … لِكَوْنِهَا عَنِ النُّهَى مُبَيِّنَهْ
٨٥٥ - ألَا تَرَى لَوْ أَنَّ قَصْرًا ابْتُنِي … أَمْكَنَ وَصْفُهُ لِكُلِّ الْأَلْسُنِ
٨٥٦ - وَمِنْ هُنَا أَمْكَنَ نَقْلُ الْخَبَرِ … عَنْ أُمَّةٍ لِأُمَّةٍ فِي الْأَعْصُرِ
٨٥٧ - أَوْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ الْفَرْعِيَّة … أَيِ الَّتِي تَكُونُ تَابِعِيَّة
والثانية: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة، وهي الدلالة التابعة. وفي ذلك وفي بيان يقول الناظم: "دلالة اللفظ على المعاني في لغة العرب" بضم العين وسكون الراء - لغة في العرب بفتحتين - "لها لحظان" - تثنية لحظ، وهو الاعتبار والنظر - أي نظران واعتباران، فالناظر في هذه اللغة المتشوف إلى الاطلاع على أمرها وماهيتها يجب عليه أن يميزا بينهما بعد معرفته بهما على بيان، أحدهما: النظر - اللحظ - "من جهة" كونها ألفاظا وعبارات مطلقة، دالة على معان مطلقة، وهذه الدلالة هي "الأصلية" المجردة من أي اعتبارات خاصة بالمخبر - بالكسر أو المخبر - بالفتح، أو بهما على السواء وهذه الدلالة "مفهمة" ومبينة "المقاصد الكلية" من الكلام "و" هذه الجهة "هي التي فيها اشتراك" جميع "الألسنة" وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمة دون أخرى، وذلك "لكونها عن" الذي تحصل في "النهى" بضم النون - جمع نهية، وهي العقل - أي العقول "مبينة" - بكسر الياء - أي مخبرة ومبلغة.
"ألا ترى" أنه إذا حصل في الوجود فعل لزيد - مثلا - كالقيام، ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام تأتى له ما أراد من غير كلفة. وكذلك "لو أن قصرا ابتني" فإنه "أمكن وصفه لكل" أصحاب "الألسن" واللغات بلا مشقة "ومن هنا" أي من هذه الجهة "أمكن نقل الخبر" سواء كان قولا أو الفعلا "عن" لسان "أمة" وسواء كان عربيا أو غيره "لـ" لسان "أمة" أخرى عربية كانت، أو غيرها، ممن مضى "في الأعصر" الماضية، أو ممن ما زال حيا. هذا أحد النظرين وجهته. وأما الثاني فقد أورده الناظم قائلا "أو" - بمعنى الواو - أي واللحظ الثاني من "جهة" كونها ألفاظا وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة لذلك الإخبار، وهذه هي "الدلالة الفرعية أي التي تكون تابعية"
стр. 345
٨٥٨ - وَهْيَ الَّتِي اخْتَصَّ لِسَانُ الْعَرَبِ … بِهَا وَتَقْتَضِي بِفَهْمٍ عَرَبِي
٨٥٩ - مِنْ حَيْثُ حَالُ مُخْبِرٍ وَمُخْبَرِ … وَمُخْبَرٍ عَنْهُ وَنَفْسِ الْخَبَرِ
٨٦٠ - وَجِهَةِ الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ … بِقَصْدِ تَمْهِيدٍ أَوِ اقْتِضَابِ
٨٦١ - وَمُقْتَضَى التَّعْرِيضِ وَالتَّلْوِيحِ … أَوِ الْكِنَايَاتِ أَوِ التَّصْرِيحِ
أي تابعة للأصلية التي هي الدالة على أصل الخبر وحقيقته. "و" هذه الدلالة التابعة "هي التي اختص" وتميز "لسان العرب بها" فلا يشركه فيها ما سواه من اللغات والألسن "وتقتضي" تؤخذ وتعلم مقتضاها ومعانيها "بفهم عربي" فقط وهذا الاختصاص يجئ من جهات فإنه قد يأتي "من حيث" أي من جهة "حال مُخبِر" - بكسر الباء - بالخبر إذ قد يعرض له من الأحوال الخاصة به ما يوجب له صوغ الخبر على الوجه الذي يوافق ذلك.
وكذلك من جهة حال شخص "مُخبَر" - بفتح الباء - به فإنه يراعي في الأسلوب المخاطب هو به. باعتبار كونه خالي البال من الخبر، أو جاحدا له، أو غافلا. "و" كذلك حال "مخبر عنه" من حيث نظر المخبر به إليه فإنه يصاغ الكلام على مقتضاه؛ وذلك أنك تقول في ابتداء الأخبار "قام زيد" إن لم يكن ثم عناية بالمخبر عنه، بالخبر؛ فإن العناية بالمخبر عنه قلت "زيد قام" وفي جواب السؤال أو ما هو منزل تلك المنزلة "إن زيدا قام" وفي جواب المنكر لقيامه "والله أن زيدا قام" وفي أخبار من يتوقع قيامه، أو الأخبار بقيامه قد "قام زيد" أو "زيد قد قام" وفي التنكيت على من ينكر: "إنما قام زيد". "و" كذلك كل حال "نفس الخبر" فإنه كما يتنوع ويختلف باعتبار ما ذكر يختلف باعتبار أسلوبه، وذلك من جهة "الإيجاز" وهو أن يكون اللفظ أقل من المعنى، إلا أن المعنى المراد يستبين به على وضوح تام "و الأطناب" وهو أن يكون اللفظ أكثر من المعنى - عكس الإيجاز - وبذلك قد يكون "بقصد تمهيد" لذكر الغرض الأصلي المسوق له الكلام وما من ذلك الغرض "أو اقتضاب و" يتنوع الكلام بـ "مقتضى" وحكم التعريض وهو استعمال الكلام في معنى ليفهم منه معنى آخر ليس ظاهره "والتلويح" وهو الكناية البعيدة التي كثرت فيها الوسائط "أو الكنايات" جمع كناية وهي لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه "أو التصريح" وهو ذكر اللفظ مقصودا منه معناه الظاهر. إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها. فتمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هي المقصود الأصلي، ولكنها من متمماته ومكملاته، وبطول الباع في هذا النوع يحسن
стр. 346
٨٦٢ - وَانْظُرْ إِلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْقِصَصْ … فَمِنْ هُنَا الْحِكْمَةُ فِيهَا تُقْتَنَصْ
٨٦٣ - وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ لَا يُمْكِنُ … أَنْ تُبْدِيَ الْمَقْصُودَ فِيهِ الأَلْسُنُ
٨٦٤ - فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَرْجَمَ الْقُرْآنً … إِذْ لَا يَفِي بِقَصْدِهِ لِسَانُ
٨٦٥ - أَمَّا عَلَى الْأُولَى فَذَاكَ مُمْكِنُ … لِمَا مَضَى وَالْأَمْرُ فِيهِ بَيِّنُ
مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر.
وبهذا النوع الثاني اختلفت العبارات "وانظر" على سبيل المثال "إلى اختلاف أنواع القصص" الواردة في القرآن الكريم، فإنها فيها ما هو متحد في المعنى الأصلي، وإن اختلفت ألفاظه التي ورد بها، وذلك لأنه يأتي مساق القصة في بعض الصور على وجه، وفي بعضها على وجه آخر، وفي ثالثة على وجه ثالث، وإذا تقرر هذا "فمن هنا" أي في هذا الموضع "لحكمة فيها" أي القصص يعني الحكمة في اختلاف ألفاظ هذه القصص "تقتنص" أي تؤخذ، وتعلم.
"فصل"
في استحالة الترجمة من هذه الجهة. "وباعتبار هذه" الجهة الثانية التي وصفت بأن الكلام فيها يصاغ على وفق الأحوال المخصوصة المذكورة، فإنه لا يتأتى و"لا يمكن أن تبدي" أي تظهر وتبين "المقصود" بتمامه "فيه" أي الكلام العربي، "الألسن" العجمية لأن هذه الخصائص أما أنه لا يوجد في اللغة المنقول إليها ما يقابلها ويؤدي معناها، من ألفاظ وكلمات، وأما أحوال النقلة - المترجمين - لا بد أن تكون مختلفة عن الناطقين بها؛ لاختلاف أغراضهم والمضمرات في النفوس من العقائد وغيرها، والمساقات المتباينة التي يساق فيها الكلام.
فإذا تقرر هذا فإنه لا يتأتى ترجمة اللسان البشري العادي إلى ما سواه من الألسن "فضلا عن أن يترجم القرآن" وينقل إلى لسان غير عربي فإن ذلك أمر لا سبيل إليه "إذ لا يفي بـ" بيان "قصده" أي ما قصد منه من مقاصد شرعية وحكم وأحكام وعلوم مختلفة على وجه التمام "لسان" كيفما كان.
هذا على الجهة الثانية "أما" ترجمته "على" الطريقة "الأولى" الأصلية "فذاك ممكن" ومتأت "لـ" أجل "ما مضى" ذكره وهو أن هذه الجهة يشترك فيها جميع الألسنة وتتساوى "والأمر فيه" أي في ترجمته من هذه الجهة "بين" أي واضح
стр. 347
٨٦٦ - وَمِنْهَا الاتِّفَاق فِي تَفْسِيرِ … مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ لِلْجمْهُورِ
" الْمَسْأَلةُ الثَّالِثَة "
٨٦٧ - وَهَذِهِ شَرِيعَةٌ أُمِّيَّهْ … كمِثْلِ أَهْلِهَا مِنَ الْبَرِيَّهْ
٨٦٨ - وَهْوَ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ الْمَصْلَحَة … أُجْرِي وَهَذَا كمْ دَلِيلٍ أَوْضَحَه
" ومنها" أي هذه الجهة وقع "الاتفاق في "جواز "تفسير" وشرح "معاني" نصوص "كتاب الله" تعالى "للجمهور" ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه.
"المسألة الثالثة"
في أن هذه الشريعة المباركة أمية، لأن أهلها كذلك، وبذلك تكون أوفق بالفطرة ومدارك الجماهير في معرفة الضروري منها.
"وهذه" الشريعة "شريعة أمية" ففهم الضروري منها للتعبد والاعتقاد لا يتوقف على الغوص في علوم عقلية ونظرية تتخطى مدارك الإنسان العادي فكانت هذه الشريعة "كمثل أهلها" المخاطبين بها في الأصل "من البرية" أي الخلق، وهم العرب، وقد كانوا أميين "وهو" أي هذا الذي عليه هذه الشريعة "على اعتبار حال المصلحة" أي مصلحة، إذا لم يقع فهم ما به يتعبدون معتاصا "أجرى" وأمضى. "وهذا" الأمر - وهو كون الشريعة على هذه الصفة - "كم" من "دليل" شرعي وعقلي "أوضحه" وبينه. ومن قوله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي الحديث: "بعثت إلى أمة أمية" لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم الأقدمين والأمي منسوب إلى الأم، وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره، فهو على أصل خلقته التي ولد عليها، وفي الحديث: "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب. الشهر هكذا هكذا" وقد فسر معنى الأمية في الحديث، أي ليس لنا علم بالحساب والكتاب. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وما أشبه هذا من الأدلة المبثوثة في الكتاب والسنة، الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصف الأمية لأن أهلها كذلك (١).
стр. 348
٨٦٩ - فَهْيَ عَلَى مَعْهُودِهِمْ فِي شَأْنِهَا … لِذَلِكَ اهْتَدَوْا إِلَى بُرْهَانِهَا
٨٧٠ - وَكَانَ لِلْعُرْبِ عُلُومٌ وَهِمَمْ … مُقْتَضِيَاتٌ لِمَحَاسِنِ الشِّيَمْ
٨٧١ - فَصَحَّحَ الشَّرْعُ لِمَا مِنْهَا شَرَعْ … وَرَدَّ غَيْرَهُ بِأَنْ مِنْهُ مَنَعْ
٨٧٢ - أَمَّا الَّذِي يُعْزَى مِنَ الْعُلُومِ … إِلَيْهِمُ فَالْعِلْمُ بِالنُّجُومِ
وبذلك "فهي" أي الشريعة "على معهودهم" أي ما يعهدون في طرق فهمهم ودرجة إدراكهم للأشياء "في شأنها" أي شأن تبليغ مضامينها لهم، وبذلك تكون معجزة لهم، لأنه لم تكن على ما يعهدون، لم تكن معجزة لهم، ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم؛ هذا على غير ما عهدنا، إذ ليس لنا عهد مثل هذا الكلام، من حيث أن كلامنا معروف، مفهوم عندنا، وهذا ليس بمفهوم ولا معروف، فلم تقم الحجة عليهم به لكن لما كان على ما هو معهود عندهم، ومعروف فهموا هذه الشريعة، "ثم لذلك اهتدوا" إلى درك ومعرفة "برهانها" وحجتها الموجبة لإذعانهم، بعد عجزهم عن الإتيان بمثل سورة مما قامت عليه الشريعة العظيمة.
"فصل"
في أن للعرب اعتناء بعلوم، وأنه كان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح، وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبينت منافع من ذلك، ومضار ما يضر منه.
قال ﵀ في ذلك: "وكان للعرب علوم" أي اعتناء بعلوم "و" كذلك لهم "همم" - جمع همة بكسر الهاء وفتها - ما يهم بفعله ويعتنى بأمره "مقتضيات" بكسر الضاد - أي موجبات "لمحاسن الشيم" بكسر الشين، جمع شيمة، وهي الخلق - أي لمحاسن الأخلاق - الأخلاق الحسنة - ولما جاء الإسلام غربل هذا الذي هم عليه من الأخلاق والأحوال.
"فصحح الشرع لما" أي الذي هو "منها شرع" أي جعله مشروعا لكونه صحيحا في المعيار الشرعي، "ورد غيره" مما هو فاسد "بأن منه منع" وصرف الخلق عنه لحكمه بالبطلان. هذا شأن وحال ما عليه العرب من الأخلاق ما هم مطبوعون عليه من الشيم. "أما الذي يعزى" أي ينسب الاشتغال به "من العلوم إليهم فـ" إنه "العلم بالنجوم" وذلك
стр. 349
٨٧٣ - بِقَصْدِ الاهْتِدَاءِ لِلْجِهَاتِ … وَالْعِلْمُ بِالْفُصُولِ وَالْأَوْقَاتِ
٨٧٤ - فَقَرَّرَ الْقُرْآنُ هَذَا الْمَعْنَى … فِيمَا بِهِ عَلَى الْعِبَادِ امْتَنَّا
٨٧٥ - وَالْعِلْمُ بِالْأَنْوَاء وَالْأمْطَارِ .. وَبِالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْجَارِ
٨٧٦ - فَبَيَّنَ الشَّرْعُ لَنَا مَا حَقَّقَا … وَأَبْطَلَ الْبَاطِلَ مِنْهُ مُطْلَقَا
" بقصد" الاسترشاد و"الاهتداء" بها "للجهات" التى تهدي وترشد إليها في البر والبحر، واختلاف الأزمان باختلاف سيرها، وبذلك يدركون الجهة التي يقصدونها، ويعلمونها، ثم تعلمون - أيضا - في هذا الشأن منازل سير الشمس والقمر. وكذلك "علم" أحوال وخصائص "الفصول" الدائرة على مدار السنة، "والأوقات" أي الأزمنة، "فقرر القرآن" الكريم "هذا المعنى" وأورده "في" معرض "ما به" من النعم "على العباد امتنا" - الألف للإطلاق - ومتن عليه ذكره بنعمته وفضله عليه - وذلك في مواضع كثيرة - كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعَام: ٩٧] وكقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقوله سبحانه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يَس: ٣٩ - ٤٠]، وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يُونس: ٥] وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩] وما أشبه ذلك (١).
"و" مما لهم عناية به كذلك "العلم بالأنواء" جمع نوء - بفتح النون - وهو النجم إذا مال للمغيب. والمراد بعلمه ما كانوا عليه من معرفة نجوم المنازل، وهي ثمانية وعشرون نجما معرفة المطالع في أزمنة السنة كلها من الصيف والشتاء، والربيع والخريف، يسقط منها كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع في المشرق آخر يقابله من ساعته وكلاهما معلوم مسمى. "و" كما لهم معرفة بما ذكر لهم معرفة بأوقات نزول "الأمطار وبـ" هبوب "الرياح" المثيرة للسحاب "و" إنشاء "السحاب الجاري" بسوق الرياح - وقوله الجاري - تتميم للبيت لصحة الاستغناء عنه وهذا كله كانوا على معرفة به. "فبين الشرع لنا" ووضح "ما حققا" أي ثبت وأقر من ذلك "وأبطل" أي أزال ومحى "الباطل منه مطلقا" سواء كان أمرا عقديا، أو عمليا. فبين أن
стр. 350
٨٧٧ - وَالْعِلْمُ بِالتَّارِيِخِ وَالْأَخْبَارِ … وَذَاكَ فِي الْقُرْآن أَمْرٌ جَارِ
٨٧٨ - فَكَمْ بِهِ مِنْ قِصَّةٍ وَمِنْ خَبَرْ … بِالْغَيْبِ فِيهِ لِلنُّفُوسِ مُعْتَبَرْ
الأمر كل لله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرّعد: ١٢ - ١٣] وقال سبحانه -: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقِعَة: ٦٨ - ٦٩] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ [النبأ: ١٤] وقال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] قال: "شُكْرُكُم، تقولُون مُطرنَا بنَوء كذا كذا، وبنجم كذا كذا".
وفي الحديث: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي" (١) الحديث في الأنواء، وفي الموطأ مما انفرد به: "إذا أنشأت بحريّة ثم تشاءمت فتلك عين غديقة".
وقال عمر بن الخطاب للعباس وهو على المنبر والناس تحته: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال له العباس: بقي من نوئها كذا وكذا. فمثل هذا مبين للحق من الباطل في أمر الأنواء والأمطار. وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] الآية. وقال: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] إلى كثير من هذا.
"و" كما لهم العلم بما ذكر لهم "العلم بالتاريخ والأخبار" أي أخبار الأمم الماضية، "و" إيراد "ذاك" أي أخبار مما مضى من الأمم والرسل "في القرآن" وكذلك في السنة "أمر جار" واقع، ولكن القرآن احتفل في ذلك بأنباء الغيب "فكم به" أي فيه "من قصة" لمن مضى من الرسل وأقوامهم "ومن خبر" أي أخبار "بالغيب" من لدن عليم خبير، ذلك الخبر الذي "فيه للنفوس" والعقول "معتبر" أي عبرة، وموعظة، وذكرى.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] وغير ذلك من جنس ما ذكر.
стр. 351
٨٧٩ - وَالْعِلْمُ بِالزَّجْرِ وَبِالْعِيَافَةِ … وَالضَّرْبِ بِالْحَصَى مَعَ الْكَهَانَةِ
٨٨٠ - فَأَبْطَلَ الشَّارعُ ذَاكَ كُلَّهُ … وَرَدَّ مِنْهُ فَرْعَهُ وَأصْلَه
٨٨١ - فَهْوَ تَخَرُّصٌ عَلَى الْغَيْبِ بِلَا … أَصْلٍ وَمِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُجْتَلَى
٨٨٢ - وَإِنَّمَا أَقَرَّ حُكْمَ الْفَالِ … مِنْ حَيْثُ لَا يَسْمُو لَهُ بِحَالِ
" و" لهم أيضا "العلم بالزجر" وهو أن يزجر طائر أو ظبي فيسنح وهو أن يأتي من جهة اليمن ذاهبا لجهة اليسار - أو يبرح - هو أن يأتي من جهة اليسار إلى جهة اليمين. والسانح للتيمن، والبارح للتشاؤم عند العرب وبنو لهب هم أصحاب هذا الأمر. "و" لهم كذلك العلم "بالعيافة" وهو الزجر المذكور، والتفاؤل بأسماء الطيور، وأصواتها، وممراتها. وبنو أسد هم من يذكر بأنهم من أهل هذا الشأن. وكذلك "الضرب بالحصى مع الكهانة" وهو تعاطي الأخبار عن الكائنات في المستقبل، وادعاء معرفة الأسرار. وأصل ما به ينطقون من الشياطين، وقد كان هذا الأمر في الجاهلية.
"فـ" لما جاء الإسلام "أبطل الشارع" سبحانه "ذاك كله" وورد عن النبي ﷺ النهي عن إتيان الكهان والعرافين وعلى الطيرة وما شابهها مما ذكر وغيره بالفساد والبطلان "ورد منه فرعه" أي ما يعتبر فيه فرعا كالضرب بالحصى فإنه فرع من الكهانة "وأصله" أي ما يعتبر منه أصلا، كالكهانة، لأن ذلك كله حقيقة الأمر خيال وأوهام شيطانية "فهو تخرص" أي كذب، وافتعال للباطل وافتراء في ادعاء الاطلاع "على الغيب" وهو ما لا يدرك إلا بقدرة خارقة تثخطى القدرة البشرية، والكهان من على سبيلهم يدعون الاطلاع على الغيب "بلا أصل" يعحمدون عليه في ذلك، بل "ومن غير دليل" أو برهان يدل على مدعاهم ذاك "يجتلى" يظهر ويبين.
"وإنما أقر" الشارع "حكم الفأل" - بالهمز - ضد الطيرة. وهو الكلمة الصالحة السارة، وذلك: كأن يكون الشخص مريضا، فيسمع آخر يقول: يا سالم. أو يكون طالب ضالة، فيسمع يا واجد. فيقول تفاءلت بكذا، ويتوجه في ظنه كما سمع: أنه يبرأ من مرضه، أو يجد ضالته. وفي الحديث: أنه ﷺ : "يحب الفأل الحسن" وذلك "من حيث" جهة أنه "لا يسمو" أي لا يعلو "له" أي لطلب العلم الغيب "بحال" ما من الأحوال، فإن طلب به الاطلاع على الغيب عن رصد، وقصد، فإن ذلك رفع
стр. 352
٨٨٣ - وَجَاءَ فِي تَعَرُّفِ الْغُيُوبِ … بِمَا أَتَى بِغَايَةِ الْمَطْلُوبِ
٨٨٤ - وَذلِكَ الْإِلْهَامُ وَالْوَحْيُ الَّذِي … خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ فِي ذَا الْمَأْخَذِ
٨٨٥ - وَتَرَكَ الرُّؤْيَا لِكُلِّ الْأُمَّةِ … وَأنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ
٨٨٦ - كَذَلِكَ الْإِلْهَامُ وَالْفِرَاسَةُ … خُصَّا مَعًا بِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ
٨٨٧ - وَالْعِلْمُ بِالطِّبِّ مِنَ التَّجْرِيبِ … لِبَعْضِ مَا يُوصِلُ لِلْمَطْلُوبِ
له إلى درجة الكهانة، والزجر، وبذلك يلحق بما هو محظور في هذا الشأن شرعا.
"وجاء" الشارع "في" سبيل "تعرف الغيوب" والاطلاع عليها "بما أتى" أي جاء "بغاية" ونهاية "المطلوب" في هذا الشأن - وهو الاطلاع على المغيبات - وكان ذلك حقا محضا صرفا "وذلك" الذي أتى به الشارع في هذا الشأن هو "الإلهام" وهو أن يلقى الله في النفس أمرا يبعث صاحبها على الفعل، أو الترك، وهو أمر يخص الله به من يشاء من عباده. وكذلك "الوحي" فإنه يعلم به الغيب من لدن حكيم خبير، وهو "الذي خص" وانفرد "به الرسول" ﷺ دون ما سواه ممن بعده من الخلق، ويشاركه الأنبياء والرسل ممن قبله "في ذا المأخذ" وهو تلقي علم الغيب من جهة الوحي، وهو - الوحي - مأخذ مخصوص بالأنبياء فلا يأخذ العلم بالغيب منه غيرهم ولا نبي بعد رسول الله ﷺ أبدا. إلا أنه ﵊ "وترك الرؤيا" الصالحة "لكل الأمة" أي أمته فإنها من المبشرات "وأنها جزء من النبوة" كما في الصحيح عنه ﵊ أنه قال "الرؤيا الحسنة" من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وبذلك فهي عام أمرها لكل المؤمنين "كذلك الإلهام" فهو لجميع المؤمنين على سبيل الاحتمال، "و" مثله في ذلك "الفراسة" - بكسر الفاء - وهو ما يوقعه الله في قلوب المؤمنمِن، فيعلمون به أحوال بعض الناس والأمور بنوع من الكرامات، وإصابة الظن، والحدس، وهما أي الإلهام والفراسة "خصا معا بمن" من المسلمين "له ولاية" لله - تعالى - وهو الذي آمن وكان يتقي.
"و" مثل ما للعرب من العلم بما ذكر، فإن لهم كذلك "العلم بالطب" وقد أدركوا منه ما أدركوا "من" جهة "التجريب" والاختبار "لبعض ما" من الأدوية "يوصل للمطلوب" وهو التداوي والاستشفاء.
стр. 353
٨٨٨ - وَجَاءَ فِي الشَّرْعِ كَذَاكَ شَأْنُهُ … لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ شَفَى بَيَانُهُ
٨٨٩ - وَالْعِلْمُ بِالْكَلَامِ وَالْمَعَانِي … وَمُقْتَضَى أَسَالِيبِ الْبَيَان
٨٩٠ - وَمِنْ هُنَا لَمَّا أَتَى الْقُرْآنُ … كَانَ لَهُمْ لِأمْرِهِ إِذْعَانُ
٨٩١ - لِفَهْمِهِمْ مَوَاقِعَ الْإِعْجَازِ … فِي حَالَيِّ الْإِطْنَابِ وَالْإِيجَازِ
٨٩٢ - وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ عِنْدَ النَّظَرْ … لَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ قُدْرَةُ الْبَشَرْ
" وجاء في الشرع" المبارك هذا "كذاك" كمثل ما جاء فيه ما تقدم ذكره من أخبار الأمم الماضية "شأنه" أمره وما يعد من مسائله "لكن على وجه" وحال "شفى" أي شاف "بيانه" ومقتضاه وحكمه، وهو قليل - يطلع منه كثير -. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعرَاف: ٣١].
وجاء في الحديث التعريف ببعض الأدوية لبعض الأدواء. ومن تلك الأدوية العسل، والحبة السوداء. وأبطل من ذلك ما هو باطل كالتداوي بالخمر، والرقى التي اشتملت على ما لا يجوز شرعا.
"و" كذلك لهم - أي العرب - أيضا - "العلم بـ" فنون وأساليب "الكلام" المختلفة "والمعاني" جمع معنى أي ما دل عليه الكلام أخذا من صورته التركيبية، وشكله اللفظي "ومقتضى" ومدلول "أساليب" أي طرق "البيان" الجاري بناؤها على التشبيه، والتمثيل، والمجاز، والكناية، وهذا أعظم منتحلاتهم، وما يعتقد أنهم أربابه، وأصحاب الصدر فيه بلا منازع، وأعلم الخلق به.
"ومن" أجل هذا الذي تقرر "هنا" في حقهم في هذا العلم "لما أتى القرآن" واطلعوا على ما انطوى عليه من بيان وبلاغة ودقة في الكلام معجزة "كان لهم لأمره" أي مقتضاه في هذا الشأن "إذعان" وخضوع وذلك "لفهمهم مواقع" ومواطن "الإعجاز" في ألفاظه وآياته، "في حالي الإطناب". وهو التعبير عن المعنى المقصود وتأديته بلفظ زائد عما قد يؤدى به، ويعبر به عنه، "والإيجاز" وهو تأدية المعنى بلفظ غير زائد، أو بكلام أقل من المتعارف عليه العادي، "وعلمهم بأنه" أي القرآن "عند النظر" والتدبر لآياته "لا تنتهي" ولا تصل "إليه" أي إلى الإتيان به، أو بمثله "قدرة البشر" على الإطلاق.
стр. 354
٨٩٣ - وَهْوَ عَلَى فُنُونِهِمْ قَدِ اشْتَمَلْ … مِنْ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ أَوْ ضَرْبِ الْمَثَلْ
٨٩٤ - غَيْرَ مَنَاحِي الشِّعْرِ وَاتِّزَانِهِ … فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَأْنِهِ
٨٩٥ - وَمُقْتَضَى مَكَارِمِ الْأخْلَاقِ … تَمَّمَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ
٨٩٦ - وَخُوطِبُوا بِهَا فِي الأوَّليَّة … فَجُلُّهَا فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّة
" وهو "لم يأت بما لا يعرفون ولا عهد لهم به من أساليب وفنون في الكلام، وإنما هو "على فنونهم" وأساليبهم الجاري عليها كلامهم "قد اشتمل" واحتوى، "من" نحو "مقتضى" - بفتح الضاد - أي ما تقتضيه "الحكمة" - وهي الإصابة من القول، والفعل - من سداد ورشد وصلاح حال "أو ضرب المثل" للاعتبار، والتفكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧] فجاء القرآن على مجاري أساليبهم وسبل تعابيرهم كلها "غير مناحي" - جمع منحى - وهو المقصد هنا أي مقاصد ومرامي "الشعر واتزانه" أي وما هو عليه من وزن وإيقاع "فإنه" أي القرآن "منزه" أي مبعد، "عن شأنه" لأنه ليس مبنيا على أصل صحيح، ولكنه هيمان وذهاب على غير رشد في الكلام، لأنه قول لا يصدقه فعل. قال - تعالى -: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشُعَرَاء: ٢٢٦ - ٢٢٤] وهذا مناف لما جاءت به الشريعة إلا ما استثنى الله - تعالى - في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٢٧]. ولما كان الشعر بهذه المنزلة برأ الله - سبحانه - هذه الشريعة منه فقال : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يسَ: ٦٩ - ٧٠]. وقال - سبحانه -: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصَّافات: ٣٦ - ٣٧].
"و" أما ما يرجع إلى "مقتضى مكارم الأخلاق" كالجود، وإكرام الضيف، والذود عن الجار، والوفاء بالعهد وما جرى مجرى ذلك فإنه قد "تممها" وبلغ بها الدرجة التي سمت بها عما كانت عليه "الشرع على الإطلاق" فلم يلغ منها شيئا مما يعد من مكارم الأخلاق حقيقة "و" قد "خوطبوا بها" يعني خوطبوا بالتمسك بها وإتيانها والتحلي بها "في" المرحلة، "الأولية" من نزول الوحي وبعثة الرسول، ولذلك "فجلها" أي جل هذه المكارم، ورد الخطاب بها "في السور المكية" التي نزلت قبل الهجرة.
стр. 355
٨٩٧ - لَاكِنْ عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّلَطُّفِ … يُشْعِرُ بِالتَّأْنِيسِ وَالتَّعَطُّفِ
٨٩٨ - فَلُوبِنُوا فِيمَا بِهِ التَّعْرِيفُ … وَاسْتُدْرِجُوا لِمَا بِهِ التَّكْلِيفُ
٨٩٩ - وَرُغِّبُوا فِيمَا بِهِ التَّرْغِيبُ … وَأُشْعِرُوا بِمَا لَهُ تَرْهِيبُ
٩٠٠ - مِمَّا يُرَى لَهُمْ مِنَ الْمَعْهُودِ … مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَوْجُودِ
" لاكن" الخطاب بها كان "على وجه" أي سبيل "من التلطف" أي الترفق الذي "يشعر بالتأنيس" وهو إدخال الأنس على النفوس، "والتعطف" وهو خطابهم من جهة عواطفهم، فكان الخطاب لهم بذلك حيث كان آنس لهم وأجرى على ما يتمدح به عندهم. كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠] وقوله - سبحانه -: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعَام: ١٥١] إلى انقضاء تلك الخصال وقوله - تعالى - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعرَاف: ٣٢]. وقوله تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعرَاف: ٣٣]. إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا المعنى.
"فلوبنوا" - من الملاينة - أي خوطبوا بلين الكلام "فيما به" قد وقع "التعريف" والبيان لحكم هذا الخصال "و" كأنهم بذلك "استدرجوا" أي أدناهم على التدريج "لـ" ذكر وبيان "ما به" يحصل "التكليف" لهم من العقائد والعبادات "و" بذلك "رغبوا فيما به" يكون ويحصل "الترغيب" من الوعود بالثواب، والأجر، "وأشعروا" وأعلموا بما ثبت "له ترهيب" وتخويف لهم، إذ نهوا عن الترك وغيره من الموبقات وأوعدوا على عدم الامتثال لما أمروا به أو لما نهوا عنه، وهددوا عليه بالعذاب الأليم، وقد خوطبوا في ذلك كله بما يفهمون، "مما" من الدلائل والبراهين "يرى" أي يعلم أن معرفته بالنسبة "لهم من "الأمر "المعهود" المعروف الثابت لهم "من جهة المعقول" أي ما يعقل - أي يدرك بالعقل - "و" من "الموجود" في الخارج المدرك بالحواس. فقد خوطبوا بدلائل التوحيد فيما يعرفون: من سماء وأرض وجبال، وسحاب، ونبات، وبدلائل الآخرة كذلك.
وأرشدوا إلى النظر في أحوال هذه الموجودات وغيرها للاهتداء بها إلى إدراك قدرة الخالق - سبحانه - في خلقه، ثم للعبور بذلك إلى أمور الآخرة، وأحوالها. ثم إن الشارع