٨٧٩ - وَالْعِلْمُ بِالزَّجْرِ وَبِالْعِيَافَةِ … وَالضَّرْبِ بِالْحَصَى مَعَ الْكَهَانَةِ
٨٨٠ - فَأَبْطَلَ الشَّارعُ ذَاكَ كُلَّهُ … وَرَدَّ مِنْهُ فَرْعَهُ وَأصْلَه
٨٨١ - فَهْوَ تَخَرُّصٌ عَلَى الْغَيْبِ بِلَا … أَصْلٍ وَمِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُجْتَلَى
٨٨٢ - وَإِنَّمَا أَقَرَّ حُكْمَ الْفَالِ … مِنْ حَيْثُ لَا يَسْمُو لَهُ بِحَالِ
" و" لهم أيضا "العلم بالزجر" وهو أن يزجر طائر أو ظبي فيسنح وهو أن يأتي من جهة اليمن ذاهبا لجهة اليسار - أو يبرح - هو أن يأتي من جهة اليسار إلى جهة اليمين. والسانح للتيمن، والبارح للتشاؤم عند العرب وبنو لهب هم أصحاب هذا الأمر. "و" لهم كذلك العلم "بالعيافة" وهو الزجر المذكور، والتفاؤل بأسماء الطيور، وأصواتها، وممراتها. وبنو أسد هم من يذكر بأنهم من أهل هذا الشأن. وكذلك "الضرب بالحصى مع الكهانة" وهو تعاطي الأخبار عن الكائنات في المستقبل، وادعاء معرفة الأسرار. وأصل ما به ينطقون من الشياطين، وقد كان هذا الأمر في الجاهلية.
"فـ" لما جاء الإسلام "أبطل الشارع" سبحانه "ذاك كله" وورد عن النبي ﷺ النهي عن إتيان الكهان والعرافين وعلى الطيرة وما شابهها مما ذكر وغيره بالفساد والبطلان "ورد منه فرعه" أي ما يعتبر فيه فرعا كالضرب بالحصى فإنه فرع من الكهانة "وأصله" أي ما يعتبر منه أصلا، كالكهانة، لأن ذلك كله حقيقة الأمر خيال وأوهام شيطانية "فهو تخرص" أي كذب، وافتعال للباطل وافتراء في ادعاء الاطلاع "على الغيب" وهو ما لا يدرك إلا بقدرة خارقة تثخطى القدرة البشرية، والكهان من على سبيلهم يدعون الاطلاع على الغيب "بلا أصل" يعحمدون عليه في ذلك، بل "ومن غير دليل" أو برهان يدل على مدعاهم ذاك "يجتلى" يظهر ويبين.
"وإنما أقر" الشارع "حكم الفأل" - بالهمز - ضد الطيرة. وهو الكلمة الصالحة السارة، وذلك: كأن يكون الشخص مريضا، فيسمع آخر يقول: يا سالم. أو يكون طالب ضالة، فيسمع يا واجد. فيقول تفاءلت بكذا، ويتوجه في ظنه كما سمع: أنه يبرأ من مرضه، أو يجد ضالته. وفي الحديث: أنه ﷺ : "يحب الفأل الحسن" وذلك "من حيث" جهة أنه "لا يسمو" أي لا يعلو "له" أي لطلب العلم الغيب "بحال" ما من الأحوال، فإن طلب به الاطلاع على الغيب عن رصد، وقصد، فإن ذلك رفع
стр. 352
٨٨٣ - وَجَاءَ فِي تَعَرُّفِ الْغُيُوبِ … بِمَا أَتَى بِغَايَةِ الْمَطْلُوبِ
٨٨٤ - وَذلِكَ الْإِلْهَامُ وَالْوَحْيُ الَّذِي … خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ فِي ذَا الْمَأْخَذِ
٨٨٥ - وَتَرَكَ الرُّؤْيَا لِكُلِّ الْأُمَّةِ … وَأنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ
٨٨٦ - كَذَلِكَ الْإِلْهَامُ وَالْفِرَاسَةُ … خُصَّا مَعًا بِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ
٨٨٧ - وَالْعِلْمُ بِالطِّبِّ مِنَ التَّجْرِيبِ … لِبَعْضِ مَا يُوصِلُ لِلْمَطْلُوبِ
له إلى درجة الكهانة، والزجر، وبذلك يلحق بما هو محظور في هذا الشأن شرعا.
"وجاء" الشارع "في" سبيل "تعرف الغيوب" والاطلاع عليها "بما أتى" أي جاء "بغاية" ونهاية "المطلوب" في هذا الشأن - وهو الاطلاع على المغيبات - وكان ذلك حقا محضا صرفا "وذلك" الذي أتى به الشارع في هذا الشأن هو "الإلهام" وهو أن يلقى الله في النفس أمرا يبعث صاحبها على الفعل، أو الترك، وهو أمر يخص الله به من يشاء من عباده. وكذلك "الوحي" فإنه يعلم به الغيب من لدن حكيم خبير، وهو "الذي خص" وانفرد "به الرسول" ﷺ دون ما سواه ممن بعده من الخلق، ويشاركه الأنبياء والرسل ممن قبله "في ذا المأخذ" وهو تلقي علم الغيب من جهة الوحي، وهو - الوحي - مأخذ مخصوص بالأنبياء فلا يأخذ العلم بالغيب منه غيرهم ولا نبي بعد رسول الله ﷺ أبدا. إلا أنه ﵊ "وترك الرؤيا" الصالحة "لكل الأمة" أي أمته فإنها من المبشرات "وأنها جزء من النبوة" كما في الصحيح عنه ﵊ أنه قال "الرؤيا الحسنة" من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وبذلك فهي عام أمرها لكل المؤمنين "كذلك الإلهام" فهو لجميع المؤمنين على سبيل الاحتمال، "و" مثله في ذلك "الفراسة" - بكسر الفاء - وهو ما يوقعه الله في قلوب المؤمنمِن، فيعلمون به أحوال بعض الناس والأمور بنوع من الكرامات، وإصابة الظن، والحدس، وهما أي الإلهام والفراسة "خصا معا بمن" من المسلمين "له ولاية" لله - تعالى - وهو الذي آمن وكان يتقي.
"و" مثل ما للعرب من العلم بما ذكر، فإن لهم كذلك "العلم بالطب" وقد أدركوا منه ما أدركوا "من" جهة "التجريب" والاختبار "لبعض ما" من الأدوية "يوصل للمطلوب" وهو التداوي والاستشفاء.
стр. 353
٨٨٨ - وَجَاءَ فِي الشَّرْعِ كَذَاكَ شَأْنُهُ … لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ شَفَى بَيَانُهُ
٨٨٩ - وَالْعِلْمُ بِالْكَلَامِ وَالْمَعَانِي … وَمُقْتَضَى أَسَالِيبِ الْبَيَان
٨٩٠ - وَمِنْ هُنَا لَمَّا أَتَى الْقُرْآنُ … كَانَ لَهُمْ لِأمْرِهِ إِذْعَانُ
٨٩١ - لِفَهْمِهِمْ مَوَاقِعَ الْإِعْجَازِ … فِي حَالَيِّ الْإِطْنَابِ وَالْإِيجَازِ
٨٩٢ - وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ عِنْدَ النَّظَرْ … لَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ قُدْرَةُ الْبَشَرْ
" وجاء في الشرع" المبارك هذا "كذاك" كمثل ما جاء فيه ما تقدم ذكره من أخبار الأمم الماضية "شأنه" أمره وما يعد من مسائله "لكن على وجه" وحال "شفى" أي شاف "بيانه" ومقتضاه وحكمه، وهو قليل - يطلع منه كثير -. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعرَاف: ٣١].
وجاء في الحديث التعريف ببعض الأدوية لبعض الأدواء. ومن تلك الأدوية العسل، والحبة السوداء. وأبطل من ذلك ما هو باطل كالتداوي بالخمر، والرقى التي اشتملت على ما لا يجوز شرعا.
"و" كذلك لهم - أي العرب - أيضا - "العلم بـ" فنون وأساليب "الكلام" المختلفة "والمعاني" جمع معنى أي ما دل عليه الكلام أخذا من صورته التركيبية، وشكله اللفظي "ومقتضى" ومدلول "أساليب" أي طرق "البيان" الجاري بناؤها على التشبيه، والتمثيل، والمجاز، والكناية، وهذا أعظم منتحلاتهم، وما يعتقد أنهم أربابه، وأصحاب الصدر فيه بلا منازع، وأعلم الخلق به.
"ومن" أجل هذا الذي تقرر "هنا" في حقهم في هذا العلم "لما أتى القرآن" واطلعوا على ما انطوى عليه من بيان وبلاغة ودقة في الكلام معجزة "كان لهم لأمره" أي مقتضاه في هذا الشأن "إذعان" وخضوع وذلك "لفهمهم مواقع" ومواطن "الإعجاز" في ألفاظه وآياته، "في حالي الإطناب". وهو التعبير عن المعنى المقصود وتأديته بلفظ زائد عما قد يؤدى به، ويعبر به عنه، "والإيجاز" وهو تأدية المعنى بلفظ غير زائد، أو بكلام أقل من المتعارف عليه العادي، "وعلمهم بأنه" أي القرآن "عند النظر" والتدبر لآياته "لا تنتهي" ولا تصل "إليه" أي إلى الإتيان به، أو بمثله "قدرة البشر" على الإطلاق.
стр. 354
٨٩٣ - وَهْوَ عَلَى فُنُونِهِمْ قَدِ اشْتَمَلْ … مِنْ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ أَوْ ضَرْبِ الْمَثَلْ
٨٩٤ - غَيْرَ مَنَاحِي الشِّعْرِ وَاتِّزَانِهِ … فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَأْنِهِ
٨٩٥ - وَمُقْتَضَى مَكَارِمِ الْأخْلَاقِ … تَمَّمَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ
٨٩٦ - وَخُوطِبُوا بِهَا فِي الأوَّليَّة … فَجُلُّهَا فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّة
" وهو "لم يأت بما لا يعرفون ولا عهد لهم به من أساليب وفنون في الكلام، وإنما هو "على فنونهم" وأساليبهم الجاري عليها كلامهم "قد اشتمل" واحتوى، "من" نحو "مقتضى" - بفتح الضاد - أي ما تقتضيه "الحكمة" - وهي الإصابة من القول، والفعل - من سداد ورشد وصلاح حال "أو ضرب المثل" للاعتبار، والتفكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧] فجاء القرآن على مجاري أساليبهم وسبل تعابيرهم كلها "غير مناحي" - جمع منحى - وهو المقصد هنا أي مقاصد ومرامي "الشعر واتزانه" أي وما هو عليه من وزن وإيقاع "فإنه" أي القرآن "منزه" أي مبعد، "عن شأنه" لأنه ليس مبنيا على أصل صحيح، ولكنه هيمان وذهاب على غير رشد في الكلام، لأنه قول لا يصدقه فعل. قال - تعالى -: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشُعَرَاء: ٢٢٦ - ٢٢٤] وهذا مناف لما جاءت به الشريعة إلا ما استثنى الله - تعالى - في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٢٧]. ولما كان الشعر بهذه المنزلة برأ الله - سبحانه - هذه الشريعة منه فقال : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يسَ: ٦٩ - ٧٠]. وقال - سبحانه -: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصَّافات: ٣٦ - ٣٧].
"و" أما ما يرجع إلى "مقتضى مكارم الأخلاق" كالجود، وإكرام الضيف، والذود عن الجار، والوفاء بالعهد وما جرى مجرى ذلك فإنه قد "تممها" وبلغ بها الدرجة التي سمت بها عما كانت عليه "الشرع على الإطلاق" فلم يلغ منها شيئا مما يعد من مكارم الأخلاق حقيقة "و" قد "خوطبوا بها" يعني خوطبوا بالتمسك بها وإتيانها والتحلي بها "في" المرحلة، "الأولية" من نزول الوحي وبعثة الرسول، ولذلك "فجلها" أي جل هذه المكارم، ورد الخطاب بها "في السور المكية" التي نزلت قبل الهجرة.
стр. 355
٨٩٧ - لَاكِنْ عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّلَطُّفِ … يُشْعِرُ بِالتَّأْنِيسِ وَالتَّعَطُّفِ
٨٩٨ - فَلُوبِنُوا فِيمَا بِهِ التَّعْرِيفُ … وَاسْتُدْرِجُوا لِمَا بِهِ التَّكْلِيفُ
٨٩٩ - وَرُغِّبُوا فِيمَا بِهِ التَّرْغِيبُ … وَأُشْعِرُوا بِمَا لَهُ تَرْهِيبُ
٩٠٠ - مِمَّا يُرَى لَهُمْ مِنَ الْمَعْهُودِ … مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَوْجُودِ
" لاكن" الخطاب بها كان "على وجه" أي سبيل "من التلطف" أي الترفق الذي "يشعر بالتأنيس" وهو إدخال الأنس على النفوس، "والتعطف" وهو خطابهم من جهة عواطفهم، فكان الخطاب لهم بذلك حيث كان آنس لهم وأجرى على ما يتمدح به عندهم. كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠] وقوله - سبحانه -: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعَام: ١٥١] إلى انقضاء تلك الخصال وقوله - تعالى - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعرَاف: ٣٢]. وقوله تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعرَاف: ٣٣]. إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا المعنى.
"فلوبنوا" - من الملاينة - أي خوطبوا بلين الكلام "فيما به" قد وقع "التعريف" والبيان لحكم هذا الخصال "و" كأنهم بذلك "استدرجوا" أي أدناهم على التدريج "لـ" ذكر وبيان "ما به" يحصل "التكليف" لهم من العقائد والعبادات "و" بذلك "رغبوا فيما به" يكون ويحصل "الترغيب" من الوعود بالثواب، والأجر، "وأشعروا" وأعلموا بما ثبت "له ترهيب" وتخويف لهم، إذ نهوا عن الترك وغيره من الموبقات وأوعدوا على عدم الامتثال لما أمروا به أو لما نهوا عنه، وهددوا عليه بالعذاب الأليم، وقد خوطبوا في ذلك كله بما يفهمون، "مما" من الدلائل والبراهين "يرى" أي يعلم أن معرفته بالنسبة "لهم من "الأمر "المعهود" المعروف الثابت لهم "من جهة المعقول" أي ما يعقل - أي يدرك بالعقل - "و" من "الموجود" في الخارج المدرك بالحواس. فقد خوطبوا بدلائل التوحيد فيما يعرفون: من سماء وأرض وجبال، وسحاب، ونبات، وبدلائل الآخرة كذلك.
وأرشدوا إلى النظر في أحوال هذه الموجودات وغيرها للاهتداء بها إلى إدراك قدرة الخالق - سبحانه - في خلقه، ثم للعبور بذلك إلى أمور الآخرة، وأحوالها. ثم إن الشارع
стр. 356
٩٥١ - وَانْظُرْ لِكَيْفِيَّاتِ مَنْعِ الْخَمْرِ … فَإِنَّهَا الْغَايَةُ فِي ذَا الْأمْرِ
" الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَة "
٩٠٢ - وَكَوْنُهَا أُمِّيَّةُ الْمَقَاصِدِ … يُبْنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي قَوَاعِدِ
٩٠٣ - مِنْهَا اطِّرَاحُ قَوْلِ مَنْ قَدْ مَالَ فِي .. دَعْوَاهُ فِي الْقُرْآنِ لِلتَّعَسُّفِ
٩٠٤ - إِذْ نَسَبُوا إِلَيْهِ كُلَّ عِلْمِ … مُسْتَنْكَرٍ فِي الشَّرْعِ عَافِي الرَّسْمِ
الحكيم - سبحانه - أبطل ما كانوا يعدونه كرما وأخلاقا حسنة، وليس كذلك؛ أو فيه من المفاسد ما يربى على المصالح التي توهموها، وكل ذلك ماض على سبيل التدريج "وانظر" على سبيل المثال "لكيفيات" تحريم و"منع الخمر" شربه وبيعه وغير ذلك مما هو معروف حكمه في شأنه "فإنها" - بالتخفيف للضرورة على ما يظهر - يعني فإن هذه الكيفيات، إنما حصلت شرعا على الوجه الذي حصلت عليه "للغاية" المذكورة في "ذا الأمر" وهو المنع المذكور.
"المسألة الرابعة"
في أن هذا الأصل وهو كون هذه الشريعة جارية على مذهب أهلها - وهم العرب - تنبني عليه قواعد قال الناظم: "وكونها" أي هذه الشريعة "أمية" في "المقاصد" أي مقاصدها في الإفهام، وبناء المعرفة، والأسلوب الخطابي وغير ذلك مما تقدم ذكره أصل "يبني عليه" ويؤسس "الحكم" الذي يعتمد عليه "في قواعد" وضوابط علمية يجرى على مقتضاها في فهم هذه الشريعة.
"منها" أي هذه القواعد وجوب "اطراح" أي نبذ وإسقاط "قول من قد مال" وجنح في دعواه التي هو عليها "في" تأويل "القرآن" الكريم "للتعسف" والخبط والدعوى على القرآن الحد "إذ نسبوا" وأضافوا "إليه كل علم" يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من كل علم "مستنكر" مذموم "في الشرع عافي" ذاهب وزائل "الرسم" أي الأثر، ثم إنه ليس مما كان للسلف الصالح به عناية، أو معرفة، أو اشتغال، وإنما أتى به بعض من الناس وأفحموه في علم هذه الشريعة، وبعمومات على الدعوى استدل وذاك لو كان صحيحا لنقل.
стр. 357
٩٠٥ - وَبِعُمُومَاتٍ عَلَى الدَّعْوَى ايسْتُدِلْ … وَذَاكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَنُقِلْ
٩٠٦ - كَمَا اسْتَدَلَّ بِفَوَاتِحِ السُّوَرْ … مَنِ اقْتَفَى عِلْمَ الْحُرُوفِ وَاعْتَبَرْ
" و" ربما "بعمومات" أي بنصوص عامة "على" هذه "الدعوى" الباطلة "استدل" وذلك كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ٣٨] "وذاك" استدلال باطل، لأنه استدلال بلفظ على معنى لا يشمله، ولا يدل عليه بدليل أنه "لو كان" معنى "صحيحا" مقصودا مما استدل به عليه "لنقل" عن السلف الصالح الخوض فيه، فالصحابة والتابعون ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه؛ وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من المدعى، ولو كان في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدل على أصل المسألة إلا أن ذلك لم يكن، فدل أنه غير موجود عندهم. وأما الآيات المستدل بها على هذه الدعوى فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبدات، أو المراد في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ٣٨] اللوح المحفوظ (١).
و"كما استدل" بما ذكر من الآيات على تضمن القرآن لجميع العلوم مما لا يعرفه العرب استدل كذلك "بفواتح السور" فإنها مما لا عهد للعرب به فهم لا طاقة لهم بفهم المراد بها، وهذا دليل إثبات أن القرآن قد تضمن من المعارف والعلوم ما لا عهد للعرب به ولا طاقة لهم بفهمه، فبطل مدعى من ذهب إلى أن القرآن لا يتضمن العلوم إلا ما للعرب به، ولهم طاقة على فهمه، وقد استدل بهذا - فواتح السور - على هذا الأمر "من اقتفى" أي اتبع "علم الحروف" وطلب معانيها "واعتبر" ما تدل عليه، وبنى الحكم عليه. وفي هذا يقول الشاطبي - لا دليل فيه على ما ذكر، وذلك أن العرب لهم بمدلولات الحروف معرفة كعدد الجمل الذي تعرفوه من أهل الكتاب حسبما ذكره أصحاب السير أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله - تعالى - وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به، فلا يكون، ولم يدّعه أحد ممن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوه وما ينقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت. فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه. ويجب الاقتصار - في الاستعانة على فهمه - على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم
стр. 358
" فَصْلٌ "
٩٠٧ - وَإِنَّ مَعْهُودَ اللِّسَانِ الْعَرَبِي … فِي فَهْمِهِ أَصْلٌ قَوِيُّ السَّبَبِ
٩٠٨ - وَشَأْنُهُمْ رِعَايَةُ الْمَعَانِي … وَحِفْظُهُمْ لِلَّفْظِ عَنْهَا ثَانِي
٩٠٩ - فَكُلُّ مَا أَدَّى لِمَعْنىً قَدْ قُصِدْ … فَهْوَ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّفْظُ اعْتُمِدْ
ما أودع من الأحكام الشرعية. فمن طلبه بغير ما هو له أداة له ضل عن فهمه وتقوّل على الله ورسوله فيه والله أعلم وبه التوفيق (١).
"فصل"
في أن من القواعد المبنية على كون هذه الشريعة أمية أن يطلب فهمها أي الشريعة - من اتباع الأميين - وهم العرب الذين نزل القرآن بلغاتهم.
"و" من القواعد المبنية على ما ذكر "أن معهود اللسان العربي" وما عرف أنه جار عليه سواء في المعاني أو الألفاظ، أو الأساليب "في" طلب "فهمه" هو "أصل" ثابت "قوي السبب" يعني الأساس، وما قام عليه من دليل، فلا بد من رعاية ما هم عليه من شأن في هذا "وشأنهم" ومعهودهم مثلا - "رعاية المعاني" المقصود والمرادة من الكلام - فالعبرة بالمعاني لا بالمباني - فكل ما أدى المعنى المراد وبين المقصود من الألفاظ مقبول وإن كان غيره من الألفاظ هو الأولي بالاستعمال بمقتضى الوضع أو غيره في ذلك المعنى "و" بذلك كان "حفظهم" والتزامهم "للفظ" أمرا غير متخطى، وإنما هو أمر مؤخر اعتباره "عنها" أي عن المعاني، يعني عن اعتبارها، فهو - أي اعتبار الألفاظ - أمر "ثان" في اعتبارهم، وبذلك فهم ماضون على اعتبار المعنى بالأصالة "فكل ما أدى" من الألفاظ "لمعنى" ما مقصود من الكلام فإنه "قد قصد" به ما أدى من معنى "فهو" أي ذلك المعنى "وإن تعدد اللفظ" الدال عليه "اعتمد" وقبل، إذ من شأن العرب الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها، ولا يعد ذلك اختلافا، ولا اضطرابا، إذا كان المعنى المقصود على استقامة. والكافي من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف. وفي هذا المعنى من الأحاديث وكلام السلف العارفين بالقرآن كثير.
стр. 359
" فَصْلٌ "
٩١٠ - وَرَعْيُ مَعْنَى الْمُفْهِمِ الْخِطَابِي … فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي الْخِطَابِ
٩١١ - وَجُعِلَ اللَّفْظُ لَهُ وَسِيلَة … تُوضِحُ مِنْ بَيَانِهِ سَبِيلَه
ألا ترى ما حكى ابن جني عن عيسى بن عمر، وحكى عن غيره أيضا قال سمعت ذا الرمة ينشد:
وظَاهرْ لَهَا من يَابس الشّخْت … علَيهَا الصَّبا واجْعَل يَديك لها ستْرًا
فقلت: أنشدني من بائس؟ فقال: يابس وبائس واحد. فأنت ترى ذا الرمة لم يعبأ بالاختلاف بين لبؤس واليبس، لما كان معنى البيت قائما على الوجهين، وصوابا على كلتا الطريقتين، وقد قال في رواية أبي العباس الأحوال: البؤس واليبس واحد أنشدني ابن الأعرابي:
ومَوضع زير لا أُريدُ مَبيتَه … كأني به شدَّة الرَّوع آنسُ
فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا: وموضع ضيق، فقال: سبحانه الله، تصحبنا منذ كذا وكذا، ولا تعلم أن الزير والضيق واحد؟
وقد جاءت أشعارهم على روايات مختلفة، وبألفاظ، متباينة، يعمل من مجموعها أنهم كانوا لا يلتزمون لفظا واحدا على الخصوص، بحيث يعد مرادفه أو مقاربه عيبا أو ضعفا، إلا في مواضع مخصوصة لا يكون ما سواه من المواضع محمولا عليها، وإنما معهودها الغالب ما تقدم (١).
"فصل"
"و" من هذه القواعد كذلك أنه ينبغي بل يجب "رعي" واعتبار "معنى" اللفظ "المفهم" للمعنى المراد في المساق "الخطابي" والعناية به "فإنه المقصود في الخطاب" فإذا اتضح فإنه لا فائدة في الاشتغال بظواهر الألفاظ وحددوها، لأن المراد هو معرفة المعنى "و" إنما "جعل اللفظ له وسيلة" قناة توصله للمخاطب و"توضح من بيانه" وإظهاره "سبيله" والطريق الموصل إليه.
стр. 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشاطبي: "فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد؛ والمعنى المقصود، ولا أيضا كل المعاني، فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به، إذا كان المعنى التركيبي مفهومًا دونه؛ كما لم يعبأ ذو الرمة ببائس، ولا يابس، اتّكالًا منه على حاصل المعنى مفهوم. وأبين من هذا ما في جامع الإسماعيلي المُخرَّج على صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ:
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] قال: ما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا هذا. أو قال: ما أُمرنا بهذا. وفيه أيضا عن أنس: أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] ما الأب؟ فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف. ومن المشهور تأديبه لصبيْغ حين كان يكثر السؤال عن (المرسلات) و (العاصفات) ونحوهما.
وظاهر هذا كله إنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبي معلوم على الجملة ولا ينبني على فهم هذه الأشياء حكم تكليفي، فرأى أن الاشتغال به عن غيره - مما هو أهم منه - تكلف. ولهذا أصل في الشريعة صحيح، نبه عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٧] إلى آخر الآية.
فلو كان فهم اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي لم يكن تكلفا، بل هو مضطر إليه، كما روي عن عمر نفسه في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النّحل: ٤٧] فإنه سئل عنه على المنبر، فقال رجل من هذيل: التخوف عندنا: التنقص، ثم أنشده:
تخوّف الرّحلُ منْهَا تَامكا قردًا … كَما تَخوّف عُود النَّبْعَة السَّفَنُ
فقال عمر: أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم؛ فإن فيه تفسير كتابكم. فليس بين الخبرين تعارض؛ لأن هذا قد توقف فهم معنى الآية عليه بخلاف الأول. فإذا كان الأمر هكذا فإن اللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب؛ لأنه المقصود والمراد، وعليه ينبني الخطاب ابتداء. وكثير ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسُّنة، وتستعجم غرائبه على غير الوجه الذي ينبغي، فَتَسْتبهم على الملتمس، وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير معمل، ومَشْيُه على غير طريق (١).
стр. 361
" فَصْلٌ "
٩١٢ - وَالْعِلْمُ إِنْ كَانَ بِهَا الْإِفْهَامُ … مِمَّا بِهِ تَشْتَرِكُ الْأَفْهَامُ
٩١٣ - وَمَا بِهِ التَّكْلِيفُ لِلْخَلْقِ صَدَرْ … مَأْخَذُهُ سَهْلٌ عَلَى فَهْمِ الْبَشَرْ
" فصل"
"و" من تلك القواعد أيضا أن "العلم إن" كان قصد "بها" أي بالألفاظ "الإفهام" له والبيان، فإن ذلك يكون ويصح بما يتأتى فهمه لعموم المكلفين "مما" من الألفاظ والمعاني "به" أي فيه - يعنى في فهمه وإدراكه "تشترك الأفهام" والعقول على القدر الذي يعد ضروريا من ذلك. فإن الناس في الفهم ليسوا على واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها. وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا. ولم يكونوا بحيث يتعمقون في كلامهم ولا في أعمالهم، إلا بمقدار ما لا يخل بمقاصدهم؛ اللهم إلا أن يقصدوا أمرًا خاصًا لأناس خاصة، فذاك كالكائنات الغامضة، والرموز البعيدة، التي تخفى عن الجمهور، ولا يخفى عمن قصد بها، وإلا كان خارجا عن حكم معهودها. فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب. ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه.
"و" من تلك القواعد كذلك أن "ما" ورد "به التكليف" من الأمور العقدية والعلمية "للخلق" و"صدر" عن الشارع طلب فعله أو تركه "مأخذه" أي أخذه من جهة العقل أي تعقله "سهل على فهم البشر" وقوتهم الإدراكية العقلية. سواء في الأمور العقدية أو العملية. أما العقدية فإنها لو كانت مما لا يدركه إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة، ولم تكن أمية. وقد ثبت كونها، فلا بد أن يكون المعاني المطلوب علمها واعتقادها سهلة المأخذ. ثم إنها - أي الشريعة - لو لم تكن كذلك فإنه يؤول الأمر فيها إلى تكليف ما لا يطاق. وهو غير واقع فيها. ولذلك تجد الشريعة لم تعرف من الأمور الإلهية إلا بما يسع فهمه، وراجت غير ذلك فعرفته بمقتضى الأسماء والصفات وحضت على النظر في المخلوقات إلى أشباه ذلك وأحالت فيما يقع فيه الاشتباه على قاعدة عامة وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشّورى: ١١] وسكتت عن أشياء لا تهتدى إليها
стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العقول، نعم لا ينكر تفاضل الإداركات على الجملة وإنما النظر في القدر المكلف به ومما يدل على ذلك أيضا أن الصحابة ﵃ لم يبلغنا عنهم من الخوض في هذه الأمور ما يكون أصلا للباحثين والمتكلفين كما لم يأت ذلك عن صاحب الشريعة ﵊ وكذلك التابعون المقتدى بهم لم يكونوا إلا على ما كان عليه الصحابة بل الذي جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه النهي عن الخوض في الأمور الإلهية وغيرها حتى قال لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله وثبت النهى عن كثرة السؤال وعن تكلف ما لا يعنى عاما في الاعتقادات والعمليات وأخبر مالك أن من تقدم كانوا يكرهون الكلام إلا فيما تحته عمل وإنما يريد ما كان من الأشياء التي لا تهتدى العقول لفهمها مما سكت عنه أو مما وقع نادرا من المتشابهات محالا به على آية التنزيه وعلى هذا فالتعمق في البحث فيها وتطلب ما لا يشترك الجمهور في فهمه خروج عن مقتضى وضع الشريعة الأمية فإنه ربما جمحت النفس إلى طلب ما لا يطلب منها فوقعت في ظلمة لا انفكاك لها منها ولله در القائل:
وللعقول قوى تستن دون مدى … إن تعدها ظهرت فيها اضطرابات
ومن طماح النفوس إلى ما لم تكلف به نشأت الفرق كلها أو أكثرها. وأما العمليات فمن مراعاة الأمية فيها إن وقع تكليفهم بالجلائل في الأعمال والتقريبات في الأمور، بحيث يدركها الجمهور؛ كما عرف أوقات الصلوات بالأمور المشاهدة لهم، كتعريفها بالظلال، وطلوع الفجر والشمس، وغروبها وغروب الشفق. وكذلك في الصيام في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] ولما كان فيهم من حمل العبارة على حقيقتها نزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]. وفي الحديث: "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم" وقال: "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا" وقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" ولم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر في المنازل؛ لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها، ولدقة الأمر فيه، وصعوبة الطريق إليه. وأجرى لنا غلبة الظن في الأحكام مجرى اليقين، وعذر الجاهل فرفع عنه الإثم، وعفا عن الخطأ، إلى غير ذلك من الأمور المشتركة للجمهور، فلا يصح الخروج عما حُدَّ في الشريعة، ولا تَطلُّب ما
стр. 363
٩١٤ - وَإِنْ بَدَا تَفَاوُتٌ فِيهَا اعْتُبِرْ … وَاحْتِيجَ فِيهِ لِبَيَانٍ وَافْتُقِرْ
٩١٥ - فَذَاكَ فِيمَا لَمْ يُحَدَّ أُطْلِقَا … بِحَسَبِ الْمُكَلَّفِينَ مُطْلَقَا
٩١٦ - فَصَارَ فِيهِ كلُّ شَخْصٍ كُلِّفَا … بِمُقْتَضى إِدْرَاكِهِ مُكَلَّفَا
وراء هذه الغاية؛ فإنها مظنة الضلال، ومزلة الأقدام (١).
"و" أما "إن بدا" أي ظهر "تفاوت" بين الناس في فهمها وإدراك المراد الشرعي منها "فيها" أي في هذه الشريعة يعنى في أمور منها وخصال وكان هذا التفاوت قد "اعتبر" شرعا، "و" ثبت بذلك أنه قد "احتيج فيه" أي في هذا التفاوت الحاصل في هذا الشأن "لبيان" أي إيضاح زائد على ما يفهمه الجمهور بإدراكه الأصلي "وافتقر" إليه فيه بحيث يتعذر فهمه إلا به، لأنه لا مطمع في أن يدركه الجمهور، أو يفهمه على الوجه المطلوب، فاختص بفهمه أهل العلم والنظر الدقيق، وبذلك فإن الشريعة لا يصح أن يقال بأنها جارية على وفق الجمهور في كل ما ورد فيها، بل فيها ما هو للعامة، وفيه ما هو للخاصة، وهم العلماء وهذا أمر مقطوع به. "فـ" الجواب عن هذا بأوجه منها: أن "ذاك" التفاوت إنما هو "فيما" من أمور هذه الشريعة "لم يحد" التكليف به بحد يوقف عنده بل "أطلقا" - بالبناء للمفعول - والألف فيه للإطلاق - أي لم يقيده، فصار مقتضاه يحدد "بحسب" حال نظر "المكلفين" وقوتهم العلمية والعملية "مطلقا" من غير حد. "فصار فيه كل شخص" سواء كان من العامة أو من الخواص "كلفا " يكون "بـ" حسب وقدر "مقتضى" وقوة "إدراكه" النظري والعلمي "مكلفا" لا يطلب منه ما يتخطى ذلك.
قال الشاطبي: فصار كل أحد فيها مطلوبا بإدراكه، فمن مدرك فيها أمرًا قريبًا فهو المطلوب منه، ومن مدرك فيها أمرا هو فوق الأول فهو المطلوب منه. وربما تفاوت الأمر فيها بحسب قدرة المكلف على الدوام فيما دخل فيه وعدم قدرته، فمن لا يقدر على الوفاء بمرتبة من مراتبه لم يؤمر بها، بل بما هو دونها ومن كان قادرًا على ذلك مطلوبا (٢)، وفي الأصل مزيد بيان واستدلال.
стр. 364
" الْمَسْالةُ الْخَامِسَة "
٩١٧ - وَتَقْتَضِي أَحْكَامُهَا الشَّرْعِيَّة … مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ الْأَصْلِيَّة
٩١٨ - وَفِي اقْتِضَائِهَا مِنَ الْأخْرَى نَظَرْ … فَالْأَخْذُ بِالتَّرْجِيحِ فِيهَا مُعْتَبَرْ
٩١٩ - فَقَدْ يُقَالُ الْمَنْعُ أَوْلَى مُطْلَقَا … إِذْ مُقْتَضَى الْأَصْلِيِّ قَدْ تَحَقَّقَا
٩٢٠ - وَغَيْرُهُ دعْوَى بِلَا دَلِيلِ … وَإِنْ أَتَى فَقَابِلُ التَّأْوِيلِ
" المسألة الخامسة"
في أن الأحكام الشرعية تؤخذ في هذه الشريعة من النصوص الشرعية لكن من جهة دلالتها الأصلية. وأما دلالتها التبعية فإن أخذ الأحكام من جهتها أمر فيه نظر. "وتقتضي" أي تستفاد وتؤخذ "أحكامها" أي أحكام هذه الشريعة "من جهة الدلالة الأصلية" التي تقدم أنها الجهة الأولى التي ينظر إليها في اللغة، وأنها التي لا تتفاوت فيها الألسن واقتضاء وأخذ الأحكام الشرعية من هذه الجهة أمر مجمع عليه. "وفي اقتضائها" أي استفادتها وأخذها "من" الجهة "الأخرى" التابعة للجهة الأصلية المذكورة وهي الجهة التي تقدم أنها الجهة الثانية التي ينظر في اللغة إليها، وأنها التي لا تتساوى فيه الألسن واللغات، وإنما تختلف وذلك للاعتبارات المتقدم ذكرها، "نظر" مبتدأ مؤخر قوله في استفادتها خبره مقدم عنه، وإعمال للأذهان، وبحث "فقد يقال" في الاحتجاج والاستدلال على صحة مذهب من لا يرى أخذ الأحكام الشرعية واستفادتها من هذه الجهة التابعة - كالظاهرية - "المنع" من هذا الأخذ وهذه الاستفادة "أولى" أي أرجح "مطلقا" سواء كانت دلالة تنبيه وإيماء أو دلالة إشارة، "إذ مقتضى" وموجب جهة المعنى "الأصلي" قد "تحقق" وتم، وهو المراد من الكلام. "و" أما غيره وهو المعنى التبعي المذكور فالقول به "دعوى بلا دليل" يصحبها "و إن أتى" ما يعد دليلا على صحتها "فـ" إنه "قابل للتأويل" والجواب عنه بما يقتضي أنه ليس ما يدل عليه هذه الدعوى.
والمعنى الأصلي هو ما قصد من الكلام وما سواه فهو تبعي له وأن ما قصد قد عبر عنه بالمجاز، فهو الأصلي المعتبر. هذا بإيجاز رأي من يرى منع أخذ الحكام من هذه الجهة. وانظر في الأصل أدلة أهل هذا الرأي الذي رجحه الشاطبي.
стр. 365
٩٢١ - وَكَوْنُهَا مِنَ اللِّسَاِن الْعَرَبِي … يَدُلُّ أَنَّ أَخْذَهَا مِنْهُ اجْتُبِي
٩٢٢ - وَأَخْذُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِ … بِمقتَضَاهَا وَاضِحُ الْأَعْلَامِ
٩٢٣ - مِثْلُ أَقَلِّ مُدَّةِ الْأَحْمَالِ … مِنْ مُقْتَضَى التَّعْيِينِ لِلْفِصَالِ
" و" أما من يرى صحة الأخذ للأحكام الشرعية من هذه الجهة فإنه يقول: مستدلا على صحة رأيه هذا "كونها" أي هذه الجهة التبعية "من اللسان العربي" الذي يشمل ما دل بالجهة الأولى وما دل بالجهة الثانية "يدل أن أخذها" أي هذه الحكام "منها" أي من هذه الجهة مسلك "اجتبى" أي اختير، ورجح "و" يزاد على هذا أن "أخذ أهل العلم في" بناء "أحكام" شرعية - فقهية - "بمقتضاها" وما تدل علمِه، مسلك "واضح" بين "الإعلام" أي العلامات التي ترشد فيه، والمعالم الذي يهتدى بها في المضي فيه.
والأحكام المبنية على ما ذكر كثيرة، وذلك "مثل أقل مدة الأحمال" للنساء وهو ستة أشهر، فإنه حكم مأخوذ "من مقتضى" ودلالة النص القرآني الوارد في "التعيين" والتبيين "لـ" وقت وزمان "الفصال" - بكسر الفاء - وهو الفطام، يقال فصلت المرأة ولدها فصالا، أي أفطمته، وذلك النص هو قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمَان: ١٤] فالمقصد في الآية الأولى بيان الأمرين جميعا من غير تفصيل. ثم بين في الثانية مدة الفصال قصدا، وسكت عن بيان مدة الحمل وحدها قصدا، فلم يذكر لها مدة. فلزم من ذلك أن أقلها ستة أشهر. قال ابن كثير عند تفسير لهذه الآية: وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمَان: ١٤] وقوله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح. ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃.
ومن الأحكام المأخوذة من هذه الجهة - كذلك - أن أكثر مدة الحيض خمسة عشرة يوما. وهو مأخوذ من قوله ﵊: "النساء ناقصات عقل ودين فقيل له وما ناقصات دينهن؟ " قال تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي - وفي ثبوت هذا الحديث بهذا اللفظ نظر - والمقصود الإخبار بنقصان دينهن، لا الإخبار بأقصى مدة الحيض، ولكن لزم منه أن يكون أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما،
стр. 366
" فَصْلٌ "
٩٢٤ - وَمَا أَفَادَ أَدَبًا شَرْعِيَّا … يُلْفَى كَذَاكَ حُكْمُهُ مَرْعِيَّا
٩٢٣ - مِنْهُ الْكِنَايَاتُ عَنِ الْأَشْيَاءِ … فِيمَا يُرَى مَظِنَّةُ اسْتِحْيَاءِ
وأقل الطهر كذلك، لأنه ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان دينهن. وغير ذلك من الأحكام المأخوذة من هذه الجهة، وقد نقل الأصوليون في كتبهم منها جملة في مبحث دلالة الإشارة.
"فصل"
وذهب الشاطبي إلى اختيار مذهب المانعين إلا أنه قال: لكن فيها نظر آخر ربما أخال أن لها دلالة على معان زائدة على المعنى الأصلي، وهي آداب شرعية وتخلفات حسنة، يقربها كل ذي عقل سليم، فيكون لها اعتبار في الشريعة، فلا تكون الجهة الثانية خالية عن الدلالة جملة.
وفي ذلك يقول الناظم: "و" يؤخذ من هذه الجهة كذلك "ما أفاد أدبا شرعيا" وتخلف حسنا، وهو ما "يلفي" أي يوجد "كذاك" الذي ذكر من الأحكام "حكمه مرعيا" لأنه مأخوذ من جهة الشرع وهذا بيانه يكون بذكر ما يمثل به.
"ومنه" - وهو المثال الأول - الإتيان بذكر "الكنايات" - جمع كناية وهي اللفظ الذي أريد به لازم معناه مع جواز إرادته - في التعبير "عن الأشياء" التي هي "فيما يرى" أي يعلم ويعتقد بمقتضى الأخذ بمكارم الأخلاق أن التصريح به "مظنة استحياء" بل هو محل وموطن استحياء جريا على مقتضى العوائد، ومكارم الأخلاق.
مثال ذلك أن القرآن الكريم ورد فيه التكنية عن الجماع باللباس والمباشرة.
وعن قضاء الحاجة بالمجيء من الغائط. وكما قال - تعالى - في نحوه: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المَائدة: ٧٥].
قال الشاطبي: فاستقر ذلك أدبا لنا استنبطناه من هذه المواضع وإنما دلالتها على هذه المعاني بحكم التبع، لا بحكم الأصل (١).
стр. 367
٩٢٦ - وَمِنْهُ الالتفَاتُ فِي الْخِطَابِ … وَفِيهِ جُمْلَةٌ مِنَ الْآدابِ
٩٢٧ - كَمِثْلِ الْإِقْبَالِ وَكَالتَّنْبِيهِ … عَلَى عُلُوِّ الشَّأْنِ وَالتَّنْزِيهِ
٩٢٨ - وَمِنْهُ فِي النِّدَا بِفَرْقٍ بَادِ … بِنِسْبَةِ الْمَعْبُودِ وَالْعِبَادِ
٩٢٩ - فَحَيْثُ نَادَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا … عِبَادَهُ حَرْفُ النِّدَاءِ أُعْمِلَا
" ومنه" ما يمثل به في هذا الشأن كذلك - وهو المثال الثاني - "الالتفات" الوارد "في الخطاب القرآني" وهو يكون من الغيبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغيبة "وفيه" أي هذا الالتفات "جملة من الآداب" التي يجب التحلي بها، لأن هذا الالتفات لا يكون إلا لمقتضى أحوال تفيد هذه الآداب التي هي "كمثل الإقبال" من الغيبة إلى الحضور بالنسبة إلى العبد إذا كان مقتضى الحال يستدعيه، كقوله - تعالى - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفَاتِحَة: ٢ - ٤] ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفَاتِحَة: ٥].
وبالعكس إذا اقتضاه الحال أيضا؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يُونس: ٢٢] وتأمل في هذا المساق معنى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عَبَسَ: ١ - ٢] حتى عوتب النبي ﷺ بهذا المقدار من هذا العتاب، لكن على حال تقتضي الغيبة التي شأنها أخف بالنسبة إلى المعاتب، ثم رجع الكلام إلى الخطاب، إلا أنه بعتاب أخف من الأول، لذلك ختمت الآية بقوله تعالى ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عَبَسَ: ١١] (١).
"و" منه كذلك ما ورد في نصوص شرعية مما يلزم من الآداب مع الله "كالتنبيه على علو الشأن" والمقام و"التنزيه" لله - سبحانه - والتعظيم لذاته وقد ورد ذلك في مواطن من القرآن الكريم من هذه جهة "ومنه" - وهو المثال الثالث - ما جاء من الآيات "في النداء" فإنه قد جاء "بفرق باد" أي للعباد وذلك "بنسبة" نداء "المعبود" سبحانه للعباد "و" دعاء "العباد" الله تعالى فإنهما مختلفان "فحيث نادى الله جل وعلا عباده حرف النداء" وهو الياء "أعملا" وجيء به وذلك كقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ
стр. 368
٩٣٠ - وَمُقْتَضَاهُ مُشْعِرٌ بِالْعَبْدِ … وَأَصْلُهُ التَّنْبِيهُ قَبْلَ الْقَصْدِ
٩٣١ - وَفِي نِدَاءِ الْعَبْدِ لِلَّهِ فَلَا … يُوْتَى بِيَا وَلَفْظُ رَبٍّ أقْبَلَا
٩٣٢ - فَالْحَذْفُ مُشْعِرٌ بِقُرْبِ مَنْ دُعِي … وَالرَّبُّ مُوذِنٌ بِنَيْلِ الطَّمَعِ
٩٣٣ - وَمِنْهُ بِالتَّرْكِ لِمَا يُنَزَّهُ … عَنْهُ الَّذِي لَهُ بِهِ التَّوَجُّهُ
آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العَنكبوت: ٥٦] وقوله - سبحانه -: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الزمَر: ٥٣] وقوله : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعرَاف: ١٥٨].
"و" هذا "مقتضاه" وموجبه "مشعر بالعبد" لأن العبد الأصل فيه الغفلة فهو يحتاج على كل حال إلى التنبيه "وأصله" أي حرف النداء "التنبيه قبل" ذكر "القصد" أي الكلام المقصود تبليغه للمخاطب.
"و" أما "في نداء العبد لله" يعني في دعاء العبد لله تعالى"فـ" إنه "لا يوتي بيا" بل تحذف "ولفظ رب" بالتنوين المشعر بالتنوع في الصيغة، نحو "ربنا" "ورب "اقبلا" - الألف للتوكيد - واعتمده سبيلا في هذا الشأن فإنه الوارد شرعا كما في قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٥] وقوله سبحانه: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القَصَص: ١٦] "فالحذف" لياء النداء في هذا المقام "مشعر بقرب من ادعى" وهو الله وقد اختير لفظ "الرب" في هذا الموضع، لأنه "موذن" أي معلم من أذانه إذا أعلمه "بنيل" أي إدراك ما تعلق به "الطمع" والرجاء.
قال الشاطبي: "إن نداء العبد للرب نداء رغبة وطلب لما يصلح شأنه فأتى في النداء القرآني بلفظ الرب في عامة الأمر، تنبيها وتعليما لأن يأتي العبد في دعائه بالاسم المقتضى للحال المدعو بها. وذلك أن الرب في اللغة هو القائم بما يصلح المربوب" (١).
"ومنه " أي ما يتمثل به في الشأن هذا - وهو المثال الرابع - ما يكون تحصيل الآداب الشرعية فيه "بالترك لما ينزه" أي يبعد ويتعالى "عنه الذي له" سبحانه "به" بذلك "التوجه" والقصد.
стр. 369
٩٣٠ - وَانْظُرْ إِلَى قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرْ … وَفِي مَرِضْتُ ذَاكَ أَيْضًا اعْتَبِرْ
٩٣١ - وَمِنْهُ تَرْكُ الرَّدِّ بِالْمُكَافَحَة … وَالْأَخْذُ بِالإِغْضَاءِ وَالْمُسَامَحَة
٩٣٢ - فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ … وَذَاكَ مَأْثُورٌ مِنَ التَّنْزِيلِ
" وانظر" على سبيل المثال "إلى قصة موسى والخضر" التي ورد فيها ما يقتضي هذا الأمر، ويدل عليه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ [الكهف: ٨١ - ٨٠] فأسند الإرهاق إلى الغلام، وأسند تبديل الغلام بمن هو خير منه إلى الخالق - سبحانه - "و" كذلك الحال "في" قول إبراهيم ﵇ كما في القرآن الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشُّعَرَاء: ٨٢ - ٧٨] "ذاك" الأمر وهو ترك نسبة الشر إلى الخالق - تعالى - "أيضا اعتبر" إذ نسب فيه الخلق، والهداية والإطعام، والسقي والشفاء والأمانة والإحياء وغفران الخطيئة، دون ما جاء في أثناء ذلك من المرض، فإنه سكت عن نسبته إليه.
"ومنه" أي ما يجري مثالا في هذا الشأن أيضا - وهو المثال الخامس "ترك الرد" على الخصم فيها "بالمكافحة" أي المواجهة والمدافعة، إذ المطلوب هو التحلي بالمكارمة "والأخذ بالإغضاء" أي التجاوز عن الخطأ "والمسامحة" أي المساهلة وهذا هو الأسلوب المختار "فإنه" أي ما ذكر من التحلي بهذه الخصال في أسلوب الخطاب والتبليغ "ادعى" يعني أبلغ في الدعوة "إلى القبول" والاستجابة، وترك العناد وإطفاء نار العصبية "وذاك" الذي ذكر في هذا الشأن - التحلي بما ذكر - "مأثور" أي منقول "من التنزيل" أي القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأ: ٢٤] وقوله - سبحانه -: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]: وقوله : ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هُود: ٣٥]- وقوله تعالى - ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٣] وقوله - سبحانه -: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٧٠] وغير ذلك من الآيات الواردة على هذا النسق.
стр. 370
٩٣٣ - مِنْهُ بِإِجْرَاءٍ عَلَى الْعَادَاتِ … فِي الاعْتِنَاءِ بِالتَّسَبُّبَاتِ
٩٣٤ - وَالْعِلْمُ آتٍ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَا … بِمَا يُرَى مُسَبَّبًا هُنَالِكَا
٩٣٥ - وَمُقْتَضَى عَسَى بِذَاكَ ثَبَتَا … وَمِثْلُهُ لَعَلَّكُمْ حَيْثُ أَتَا
٩٣٦ - وَذَاكَ كَانَ لِلرَّسُولِ الشَّانُ … مَعَ الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ كَانُوا
و"منه" وهذا هو المثال السادس، الأدب "بإجراء" أي في إجراء الأمور "على العادات" وذلك "في" حال "الاعتناء" والأخذ "بالتسببات" وتلقى الأسباب منها، يصار على هذا "و" إن كان "العلم" قد حصل، وهو ثابت و"آت من وراء ذلكا" الإتيان بالأسباب "بما يرى" أي يعلم أنه سيكون "مسببا هنالكا" في ذلك التسبب، فالأخذ بالأسباب العادية والأمر بها في مجاري الكسب وإن حصل العلم بما يكون عليه مئال الأمر في الإتيان بها هو من الآداب الشرعية، فالله - تعالى - علمه محيط بكل شيء إلا أنه - سبحانه - قد ساق ما يكون عن الأسباب مساق الترجيات العادية "ومقتضى" قوله - تعالى -: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسرَاء: ٧٩] وقوله - سبحانه -: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المَائدة: ٥٢] "بـ" سبب "ذاك" وهو التنبيه على هذه الآداب "ثبتا" في هذه النصوص "و مثله" في الدلالة على الآداب، "لعلكم حيث" في أي موضع "أتى" في القرآن الكريم - تعالى - ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النّحل: ٩٥] وقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١] وما أشبه ذلك.
قال الشاطبي: - رحمه الله تعالى -: "فإن الترجي والإشفاق ونحوهما إنما تقع حقيقة ممن لا يعلم عواقب الأمور، والله تعالى عليم بما كان وما يكون، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون. ولكن جاءت هذه الأمور على المجرى المعتاد في أمثالنا. فكذلك ينبغي لمن كان غالبا بعاقبة أمر - بوجه من وجوه العلم الذي هو خارج عن معتاد الجمهور - أن يحكم فيه عند العبارة عنه بحكم غير العالم، دخولا في غمار العامة، وإن بان عنهم بخاصية يمتاز بها، وهو من التنزلات الفائقة الحسن في محاسن العادات" "وذاك" المسلك هو الذي "كان للرسول" ﷺ "لشأن" أي الطريق والسبيل المتبع "مع المنافقين حيث" في أي موضع "كانوا" فقد كان ﵊ يعلم بإخبار كثير منهم، ويطلعه ربه على أسرار كثيرة منهم، ولكنه كان يعاملهم في الظاهر معاملة يشترك معهم فيها المؤمنون لاجتماعهم في عدم انخرام
стр. 371
النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلتَّخلِيفِ بِمُقْتَضَاهَا وَفِيهِ مَسَائِلُ:
" الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى "
٩٤١ - تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ يُطَاقُ لَمْ يَقَعْ … شَرْعا وَإِنْ كَانَ لَدَى الْعَقْلِ يَسَعْ
٩٤٢ - فَإِنْ يَكُ الْقَصْدُ لِتَكْلِيفٍ ظَهَرْ … بِغَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ لِلْبَشَرْ
الظاهر، فما نحن فيه نوع من هذا الجنس، والأمثلة كثيرة (١).
النوع الثالث في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للتحليف بمقتضاها وفيه مسائل
من القصود الأربعة الراجحة إلى قصد الشارع وهو "بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها" والعمل بموجبها. "وفيه" يعني في بيان هذا القصد تورد "مسائل" وهو اثنتا عشرة مسألة.
"المسألة الأولى"
في بيان أن شرط التكليف هو القدرة على فعل المكلف به فـ "تكليف ما ليس يطاق" أي ما لا يقدر عليه - وهو ما يعبر عنه بالتكليف المحال - "لم يقع شرعا" فلم يرد في الشريعة تكليف العباد بما لا يطاق لهم به إلا ما كان من التكليف بالإيمان وما ثبت أن بعض المكلفين لن يأتوا به من التكاليف الشرعية وهو ما يعبر عنه بالتكليف بالمحال، وليست هذا من تكليف محال. "وإن كان" هذا الضرب من التكليف وهو التكليف بما لا يطاق "لدى" يعني في مقتضى "العقل" وحكمه ليس يمتنع بل "يسع" أي يجوز وقوعه ووروده، عقلا بل ذهب بعض الأصوليين إلى صحته شرعا بناء على أن فائدته هو الابتلاء والاختيار للمكلفين به هل يأخذون في المقدمات، فيرتب عليها الثواب، أو لا يأخذون فيها فيترتب عليها العقاب. ومن ذهب إلى المنع يرى أن الشريعة لم يرد فيها هذا الضرب من التكليف "فإن يكن القصد" من الشارع "التكليف بـ "فعل قد "ظهر غير مقدور عليه" وغير مستطاع "للبشر" الإتيان به.
стр. 372
٩٤٣ - فذَاكَ رَاجِعٌ لِمَا يُلَازِمُ … كَمِثْلِ لَا تَمُتْ وَأَنْتَ ظَالِمُ
" الْمَسْألةُ الثَّانِيَةُ "
٩٤٤ - وَالْوَصْفُ لِلإنْسَانِ إِنْ يَكُنْ طُبِعْ … عَلَيْهِ لَمْ يُطْلَبْ بِهِ أَنْ يَرْتَفِعْ
٩٤٣ - لِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ الاكْتِسَابِ … كَشَهْوَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
" فذاك" لا يدل على أن الشارع قد قصد التكليف بما لا يطاق وإنما هو في حقيقة الأمر "راجع لـ" لتكليف بـ "ما يلازم" ذلك الأمر المكلف به وهو ما يلازمه وقد يكون من السوابق عليه، أو من اللواحق له، أو من القرائن المصاحبة له.
وذلك "كمثل لا تمت وأنت ظالم" وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٢] وما كان نحو ذلك. قال الشاطبي في هذا الشأن ليس المطلوب منه - أي المكلف - إلا ما يدخل تحت القدرة وهو الإسلام، وترك الظلم، والكف عن القتل والتسليم لأمر الله. وكذا سائر ما كان من هذا القبيل. ومنه ما جاء في حديث أبي طلحة حيث ترّس - على رسول الله ﷺ يوم أحد، وكان ﵊ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله لا يصيبوك فقوله: لا يصيبوك من هذا القبيل (١).
خلاصة القول أن ورود التكليف بما لا يطاق يصار في شأنه إلى التكليف بما يمكن منه من الأسباب، أي يصرف ما صاحبه أو تقدم عليه أو تأخر عنه من الأمور المقدورة للمكلف.
"المسألة الثانية"
في أنه إذا ثبت هذا - وهو أنه لا تكليف شرعي بما لا يطاق - "و" تقرر حكمه فـ "الوصف" الثابت "للإنسان إن يكن طبع عليه" وذلك بأن يكون مما قامت عليه بنيته الطبيعية بحيث لا يمكن له الانفكاك عنه فإنه "لم" بمعنى لا، أي لا "يطلب به" من جهة الشرع "أن يرتفع" ويزول بحيث يتجرد منه، وإنما كان حكمه كذلك "لكونه" مضطرا إليه، فهو يرد من "غير" جهة "الاكتساب" له والتسبب فيه وإنما يأتي من جهة الجبلة والطبيعة التي فطر عليها، فهو لا يستطيع التخلص منه بحال فالجملة، وذلك "كشهوة الطعام والشراب"
стр. 373
٩٤٦ - وَإِنَّمَا يُطْلَبُ قَهْرُ النَّفْسِ عَنْ … مَيْلٍ إِلَى الْمَمْنُوعِ فِي غَيْرِ سَنَنْ
٩٤٧ - وَأَنْ يَكُونَ حَالَةَ الْإِرْسَالِ … لِمَا يَحِلُّ عَلَى الاعْتِدَالِ
٩٤٨ - وَذَاكَ رَاجِعٌ لِلأفْعَالِ الَّتِي … تَنْشَأُ عَنْهَا بِاكْتِسَابٍ مُثْبَتِ
" الْمَسْألةُ الثَّالِثَةُ "
٩٤٩ - وَمَا مِنَ الْأَوْصَافِ لِلإِنْسَانِ … مُرَكَّبًا فِي طَبْعِهِ ضَرْبَانِ
٩٥٠ - مُشَاهَدٌ يُحَسُّ بِالْعِيَانِ … وَمُخْتَفٍ يَثْبُتُ بِالْبُرْهَانِ
ونحوهما من كل ما ليس في استطاعة البشر رفعه والتخلص منه. فكل ذلك لا يطلب شرعا الإتيان به ولا رفعه "وإنما يطلب" شرعا ما هو مقدور عليه وهو "قهر النفس" وضدها "عن الميل" إلى إتيان الفعل "الممنوع" المحرم الجاري "في غير سنن" أي سبيل شرعي ما. "و" كذلك يطلب شرعا "أن يكون" المكلف "حالة الإرسال" يعني إرساله النفس "لما" يعني فيما "يحل" ويباح "على الاعتدال" وهو ترك طرفي السرف: الإفراط، والتفريط. "و" إذا علم هذا وتقرر فإن "ذاك" التكليف بالأمور التي لا تطاق "راجع" أمره "لـ" لتكليف بـ "الأفعال التي تنشأ" وتترتب "عنها" والتي تحصل "باكتساب" وتسبب "مثبت" بقدرة البشر. فالغضب - مثلا - ونحوه مما نهى عنه وهو من الغرائز، يصرف النهي فيه إلى ما ينشأ عنه من أفعال منكرة أو إلى ما ينشأ هو عنه من أسباب، وهكذا الحكم في ما يشبهه. وسيأتي مزيدا على هذه المسألة.
"المسألة الثالثة"
في بيان أن الأوصاف التي لا قدرة للإنسان على جلبها ولا دفعها بأنفسها على ضربين: "وما" هو "من الأوصاف" اللازمة "للإنسان" مغروزا و"مركبا في طبعه" وخلقته "ضربان" أي نوعان.
أحدهما: "مشاهد" أي مدرك بالمشاهدة أي "يحس" أي يدرك "بالعيان" والرؤيا. كما يدرك بالحواس الأخرى، "و" الثاني "مختف" أي خفي باطني، لا يحكم بوجوده حتى "يثبت" ذلك الوجود "بالبرهان" والدليل القاضي بذلك. مثال الأول: ما تقدم ذكره من شهوة الطعام والشراب، وما عليه الخلقة من طول وقصر ونحوهما.
ومثال الثاني: العجلة فإن ظاهر القرآن أنها مما طبع الإنسان عليه، لقوله تعالى:
стр. 374
٩٥١ - إِذًا فَمَا بِهِ تَعُلُّقُ الطَّلَبْ … أَضْرُبٌ الْأَوَّلُ مَا لَا يُكْتَسَبْ
٩٥٢ - قَطْعًا وَذَاكَ مَا مَضَى وَالثَّانِ … مُكْتَسَبٌ بِالْقَطْعِ لِلْإِنْسَانِ
٩٥٣ - فَذَا بِهِ التَّكْلِيفُ حَتْمًا مُطْلَقَا … وَالطَّلَبُ الْوَارِدُ ذَاكَ حَقَّقَا
٩٥٤ - كَانَ مِنَ الْمَقْصُودِ مُقْتَضَاهُ … فِي نَفْسِهِ أَوْ كَانَ فِي سِوَاهُ
٩٥٥ - وَثَالِثٌ مُشْتَبِةٌ فِي الْأَمْرِ … كَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَمِثْلُ الْكُفْرِ
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبيَاء: ٣٧] وفي الصحيح: "أن إبليس لما رأى آدم أجوف علم أنه خلق خلقا لا يتمالك". وقد جاء أن الشجاعة والجبن غرائز وجبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها. إلى أشياء من هذا القبيل. وقد جعل منها الغضب وهو معدود عند الزهاد من المهلكات. وجاء "يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة، والكذب" (١).
فإذا تقرر هذا "إذا" - بالتنوين - "فما" أي فالذي "به تعلق الطلب" الشرعي ظاهرا من الإنسان "أضرب" ثلاثة، الضرب - النوع - "الأول" منها هو "ما لا يكتسب" أي لا يدخل تحت كسب العبد "قطعا" وجزما "وذاك" هو "ما" أي الذي "مضى" ذكره. وهو قليل في الخطاب الشرعي، كقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٢] وحكمه - كما تقدم بيانه - أن الطلب به مصروف إلى ما تعلق به "و" الضرب "الثان" منها "مكتسب" أي داخل تحت المقدور "بالقطع" أي بالجزم "للإنسان" باعتبار أنه يدرك - عادة - بالتسبب "فذا" أي هذا الضرب يقع "به التكليف حتما" أي وجوبا "مطلقا" أي سواء أكان مطلوبا لنفسه، أو لغيره "والطلب" المتعلق به و "الوارد" في شأنه "ذاك" وهو ثبوت التكليف به "حققا" وثبت، - كما سبق ذكره - سواء "كان" هذا الضرب "من" الصنف "المقصود مقتضاه" أي حكمه "في نفسه" كالصلاة، وغيرها من العبادات فإنها مطلوبة بنفسها "أو كان" مطلوبا "في" صحة ووجود "سواه" أي غيره شرعا، وذلك كالطهارة ونحوها من الوسائل والشروط في العبادات والمعاملات. وهذا الضرب الثاني هو الغالب الأكثري في الشريعة من حيث تعلق الطلب الشرعي به. "و" أما الذي هو ضرب "ثالث" من هذه الأضرب فهو "مشتبه في "هذا "الأمر" وهو التكليف به وعدمه، وذلك "كالحب والبغض ومثل الكفر"
стр. 375
٩٥٦ - فَيَنْظُرُ النَّاظِرُ فِي الْحَقَائِقِ … وَالْحُكْمُ فِيهَا الْحُكْمُ فِي الْمُوَافِقِ
٩٥٧ - أَعْنِي مِنَ الْقِسْمَيْنِ ثُمَّ ظَاهِرُه … إِلْحَاقُهُ بِأَوَّلٍ يُنَاظِرُه
٩٥٨ - إِمَّا لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ … وَدَاخِل تَحْتَ صِفَاتِ الْفِطْرَةِ
٩٥٩ - فَالطَّلَبُ الْوَارِدُ إِنَّمَا وَقَعْ … عَلَى التَّوَابِعِ الَّتِي فِيهِ تَقَعْ
٩٦٠ - لِأَنَّ الأوْصَافَ بِلَا ارْتيَابِ … تَتْبَعُهَا أَفْعَالُ الاكْتِسَابِ
٩٦١ - إمَّا لِأنَّهُ لَهُ بَوَاعِثُ … مِنْ غَيْرِهِ لَيْسَتْ لَهُ تَنَاكُثُ
والجبن والشجاعة والغضب، والخوف ونحوها، فهذا كله متردد حاله بين أن يكون من القسم الأول وأن يكون من القسم الثاني، فكان محل اشتباه.
"فـ" يكون المصير إليه في ذلك هو أن "ينظر الناظر" وهو - هنا - الفقيه المجتهد "في الحقائق" أي حقائق جزيئات هذا الضرب، فينظر في كل جزئية منها على حدة حتى يظهر له حكمها "والحكم" الذي يذهب إليه في "فيها" أي في شأنها هو "الحكم" الذي ثبت "في الموافق" لها "أعنى" الموافق لها "من القسمين" يعني الضربين المتقدمين - الأول والثاني - فحيث ثبت لها حكم بمقتضى ذلك فإنه يصار إليه في شأنها. والمدار في ذلك على ما يقتضيه النظر الفقهي والاجتهاد. "ثم" - بمعنى الواو، فتفيد الترتيب اللفظي - يعني و"ظاهره" أي هذا الضرب عند الشاطبي هو أنه مما يدخل على الإنسان اضطرارا، وبذلك فحكمه هو "إلحاقه بأول" من هذه الضروب الذي "يناظره" في المكلف به في شأنه، وهو كذلك "إما لأنه من أصل الخلقة" والجبلة "وداخل تحت" اسم "صفات الفطرة" التي لا يتعلق بها لذاتها تكليف، وإذا تقرر ذلك في شأنه "فالطلب الوارد" بالتكليف به "إنما وقع" حكمه ومقتضاه "على التوابع" له "التي فيه" يعني في حالة التلبس به، "تقع" وذلك كتوابع الغضب، والطيرة، والحسد وغيرها من الأوصاف التي لا قدرة للمكلف على رفعها، فيصرف حكم النهي الوارد فيها إلى توابعها "لأن الأوصاف بلا ارتياب" أي شك "تتبعها أفعال" وتدعو لها تلك الأوصاف، وهي أفعال تحصل عن طريق "الاكتساب" والتسبب، وبهذه الأفعال يتعلق التكليف في هذا المقام - كما تقدم ذكره -.
و"أما" يعني أن الضرب ملحق بالضرب الأول إما لأنه من أصل الخلقة - كما تقدم - وإما "لأنه له" لهذا الضرب بواعث وأسباب "من غيره" أي المكلف "ليست له تناكث"
стр. 376
٩٦٢ - فَإِنْ تَكُنْ تَدْخُلُ تَحْتَ الْكَسْبِ … فَالسَّابِقُ الْمَطْلُوبُ فِي ذَا الضَّرْبِ
٩٦٣ - وَإِنْ تَكُنْ لَيْسَتْ مِنَ الْمَقْدُورِ … فَيُطْلَبُ اللَّاحِقُ لِلْأمُورِ
" فَصْلٌ "
٩٦٤ - وَفِقْهُ الأوْصَافِ بِهَذَا النَّهْجِ … مُسْتَوْضِحٌ مِنْ مُهْلِكٍ وَمُنْجٍ
وفي هذه الحالة ينظر في تلك البواعث "فإن تكن تدخل تحت الكسب" وقدرة العبد فعلا، أو تركا "فـ" الباعث لها المقدور عليه "السابق" هو "المطلوب" شرعا "في ذا" أي هذا "الضرب" وذلك كالحب والبغض، فالمثير لهما هو ما تعلق به الخطاب. كقوله ﷺ : "تهادوا تحابوا، وتصافحوا يذهب الغل عنكم". فيكون كقوله: "أحبوا الله لما أسدى إليكم من نعمة" مراد به التوجه إلى النظر في نعم الله - تعالى - على العبد وكثرة إحسانه إليه، وكنهيه ﷺ عن النظر المثير للشهوة الداعية لما لا يحل. وعين الشهوة لم ينه عنه.
هذا إذا كانت تلك البواعث داخلة تحت الكسب، ومقدورة للبشر "و" أما "إن تكن ليست من المقدور" عليه ولا مما يدخل تحت الكسب فإن الطلب لا يتعلق بها هي وبذلك "فـ" الذي "يطلب" ويتعلق به الخطاب هو "اللاحق لـ" تلك "الأمور" والمنهي عنها، وذلك كالغضب المثير لشهوة الانتقام، فإن الخطاب متعلق بهذه الشهوة التابعة للغضب، فهي التي يجب أن تكف. وكذلك حكم النظر المثير لشهوة الوقاع المحرم، فالتابع هنا وهو الشهوة هو الذي يجب أن يكف.
" فصل"
في أن فقه الأوصاف الباطنة يؤخذ من هذا الذي ظهر تقريره في هذه المسألة.
"وفقه الأوصاف" الباطنة يقرر ويصار إلى إدراكه "بهذا النهج" المتقدم إيراده - فهو أي الفقه المذكور - إدراكه بهذا المنهج "مستوضح" يعني واضحا مستبانا - والمعروف أن التاء والسين في استوضح للطلب - سواء كانت الأوصاف "من" ما هو "مهلك" أي موقع في الهلاك، - وذلك كالكبر، والحسد، وحب الدنيا، والجاه أو كانت مما هو حافظ "ومنج" - بضم الميم وسكون النون: اسم فاعل من انجاه فهو منج - وذلك
стр. 377
" الْمَسْأَلةُ الرَّابِعَة "
٩٦٥ - وَمَا مِنَ الْأَوْصَافِ لَيْسَ يَقْدِرُ … جَلْبًا لَهَا وَلَا سِوَاهُ الْبَشَرُ
٩٦٦ - بِذَاتِهَا ضَرْبَانِ مَا عَنْ عَمَلِ … يَنْشَأُ كَالْعِلْمِ وَضَرْبٍ أَوَّلِي
٩٦٧ - فَمَا يُرَى نَتِيجَةً عَنِ الْعَمَلْ … فَذَا عَلَى الْجَزَاءِ نَوْعُهُ اشْتَمَلْ
٩٦٨ - مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ عَنِ الْأسْبَابِ … مُسَبَّبٌ بَادٍ بِالاكْتِسَابِ
كالصفات الحميدة كالعلم، والتفكر، والاعتبار، واليقين، وغير ذلك مما هو نتيجة عمل. فذلك كله يخرج حكم التكليف به - لأنه من الأوصاف القلبية، وهو مما لا قدرة للإنسان على إثباته ولا نفيه - على أنه سواء كان أمرا أو نهيا - متعلق بما سبقه من الأعمال المفضية إليه. وإذا كان الأمر فيه على هذا الحال لا يصح التكليف به نفسه. وإن جاء في الظاهر ما يدل على ذلك فإنه مصروف إلى غير ذلك مما يتقدمه، أو يتأخر عنه، أو يقارنه. والله أعلم (١).
"المسألة الرابعة"
في أن الأوصاف التي لا تدخل تحت كسب العبد على ضربين:
"وما" هو "من الأوصاف" خارج عن الكسب، وهو الذي "ليس يقدر جلبا لها" يعني ليست يقدر جلبا ذكر ليس باعتبار لفظ "ما" باعتبار جهة الإفراد، وأنث الضمير في "لها" باعتبار جهة الجمع فيه - أي في ما - "ولا سواه" وهو دفعها "البشر" هي "بذاتها ضربان" أي نوعان: "ما" يحصل "عن عمل" و"ينشأ" عنه "كالعلم" فإنه ينشأ عن النظر وهذا هو الضرب الأول "وضرب أولى" أي فطري وهو الثاني. "فـ" - تفريعية - "ما يرى" أي يعلم ويدرك أنه "نتيجة" وثمرة مترتبة "عن العمل" المقدور عليه، "فـ" إنه ليس من جنس ما لا يتعلق به جزاء بل "ذا" أي هذا "على الجزاء" أي الثواب، والعقاب "نوعه اشتمل" فالجزاء مترتب عليه، وذلك "من حيث أنه" وصف مترتب "عن الأسباب" و"مسبب" عنها، وبذلك فهو "باد بالاكتساب" أي ظاهر لذلك ليس من الصفات الفطرية، والخلقية.
стр. 378
٩٦٩ - وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ بِهِ تَعَلَّقَا … مِنْ حَيْثُ مَا الْجَزَاءُ فِيهِ حَقَّقَا
٩٧٠ - وَغَيْرُهُ الْفِطْرِيُّ فِيهِ النَّظَرُ … مِنْ مَلْحَظَيْنِ عِنْدَمَا يُعْتَبَرُ
٩٧١ - مِنْ كَوْنُهِ مِمَّا يُحِبُّ الشَّارعْ … أَوْ لَا وَهَلْ فِيهِ الْجَزَاءُ وَاقِعْ
٩٧٢ - فَالْأوَّلُ النَّصُّ الْجَلِيُّ يَقْتَضِي … تَعَلُّقُ الْحُبِّ بِهِ وَالْبُغْضِ
وكذلك "الحب والبغض" الشرعيين فإنهما "به" أي بهذا الضرب قد "تعلقا" - أيضا - في الجملة وذلك "من حيث" أي من جهة "ما" أي الذي "الجزاء فيه حققا" أي ثبتا، يعني أن الحب والبغض متعلقان بهذا الضرب من جهة كون الجزاء ثابتا فيه. أو أن الحب والبغض متعلقان بهذا الضرب ويعلم المتعلق منها بالجزئي منه بمقتضى نوع الجزاء المتعلق به، نعيما كان أو عذابا.
فما جزاؤه النعيم فهو محبوب شرعا، وما جزاؤه العذاب فهو مبغض شرعا هذا هو شأن الضرب الأول.
"و" أما "غيره " - وهو الضرب الثاني - فهو الوصف "الفطري" وهو الذي يكون المرء مفطورا عليه - مخلوقا عليه - مركبا في أصل خلقته، وهذا الضرب يكون "فيه النظر" الفقهي "من ملحظين" أي جهتين موصوفتين بأنهما محل اللحظ - أي الاعتبار - "عندما يعتبر" حاله وأحدهما - أي الملحظين - "من" جهة "كونه مما يحب الشارع أولا و" ثانيهما من جهة كونه "هل فيه الجزاء" الثواب والعقاب "واقع" أو لا؟
"فـ" أما ما يتعلق بالملحظ "الأول النص" الشرعي "الجلي" أي الظاهر "يقتضي" ثبوت "تعلق الحب به والبغض" ألا ترى إلى قوله ﷺ لأشج عبد القيس:
"أن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة" - كقوله ﵊ "وجبت محبتي في المتحابين في، وللمتجالسين في وللمتزاورين في" - وعنه ﷺ : "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" وغير ذلك من النصوص الشرعية الدالة على هذا التعلق.
стр. 379
" فَصْلٌ "
٩٧٣ - ثُمَّ إِذَا يَثْبُتُ ذَا تَعَلَّقَا … كَذَاكَ بِالْأفْعَالِ أَيْضًا مُطْلَقَا
٩٧٤ - وَالثَّانِ هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْجَزَا … بِغَيْرِ مَقْدُورٍ إِذَا تَمَيَّزَا
٩٧٥ - أَوْ لَا يَصِحُّ ذَا مَجَالٌ لِلنَّظَرْ … وَالْقَوْلُ بِالتَّعْلِيقِ مِمَّا قَدْ ظَهَرْ
" فصل"
"ثم إذا يثبت ذا" أي هذا وهو ثبوت كون تلك الأوصاف قد تعلق بها الحب والبغض "تعلقا" ثابتا فإنهما "كذاك" يتعلقان "بالأفعال أيضا" كقوله تعالى -: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التّوبَة: ٤٦] وقوله ﵊: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
وكما يتعلقان - الحب والبغض الشرعيان - بالأفعال، كذلك يتعلقان بالذوات الموصوفة بما من الصفات يتعلقان به، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عِمرَان: ١٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفَال: ٦٦]. وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عِمرَان: ٥٧] وغير ذلك من الأدلة الواردة في هذا الشأن فإذا تقرر هذا علم أن ثبوت هذا التعلق كان "مطلقا" ثابتا في الذوات والصفات، والأفعال فتعلقهما أي البغض والحب الشرعيين بها تعلق بالماهية من حيث أنها ذات، أو صفة، أو فعل. هذا شأن بيان الملحظ الأول، وبيان حكمه. "و" أما الملحظ "الثان" وهو "هل يصح" شرعا "تعليق" يعني تعلق وتعبيره بالتعليق من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم - "الجزا" أي الثواب والعقاب. "بـ" أمر "غير مقدور" على دفعه ولا على جلبه "إذا تميزا" بذلك واتصف به "أو لا يصح" ذلك؟ "ذا" أي هذا المحل "مجال" أي محل جولان هاعمال "للنظر" الفقهي لوجود موجبه فيه وتقابل الاحتمالين فيه، وتعارضهما بمقتضى حاله في شأن حكمه.
والنظر فيه يتصور من أوجه ثلاثة أحدها: أن لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. ثانيها: أن يتعلقا معًا به. ثالثها: أن يتعلق به أحدهما فقط. في الأصل - الموافقات إيراد كل واحد من هذه الأوجه وما سيق من الأدلة على نصرة كل واحد منها. فلينظر ذلك كله هناك (١). "والقول بالتعليق" أي بتعلقهما به هو "مما قد ظهر" رجحانه، لتعلق الحب والبغض
стр. 380
" الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَة "
٩٧٦ - وَمَا مِنَ الْمَقْدُورِ شَقَّ أَمْرُهُ … فَاضْرِبْ كُلٌّ سَيَأتِي ذِكْرُهُ
٩٧٧ - أَوَّلُهَا الْخَارجُ عَنْ مُعْتَادِ … تَصَرُّفَاتِ سَائِرِ الْعِبَادِ
٩٧٨ - فَإِنْ يَكُنْ مَا قَدْ يَشُقُّ فِيهِ خَصّ … أَعْيَانَ الأفْعَالِ فَذَا بَابُ الرُّخَصْ
٩٧٩ - وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ لَهُ اخْتِصَاصُ … لَاكِنْ لِلأعْمَالِ بِهِ انْتِقَاصُ
الشرعيين به، وهما يقتضيان ترتب الجزاء على ما تعلقا به.
"المسألة الخامسة"
في حكم ما يدخل تحت قدرة المكلف لكنه شاق عليه "و" أما "ما" أي الذي هو "من" النوع "المقدور" عليه للمكلف، ولكنه "شق أمره" أي أمر الإتيان به "فـ" هو - أي هذا الذي يشق - أمره ليس ضربا واحدا حتى يتحد حكمه، وإنما هو "أضرب" أي أنواع أربعة في الجملة "كل" منها "سيأتي ذكره" وحكمه بالتفصيل في هذه المسألة وفي المسائل الواردة بعدها "أولها" أي أول هذه الأنواع هو الشاق الخاص بالمقدور عليه "الخارج عن معتاد تصرفات" أعمال "سائر" جميع "العباد" وذلك لأنه يشوش على النفوس في تصرفها ويقلقها في القيام بما فيه تلك المشقة. وهذا النوع على صنفين أحدهما: أن يكون أمر المشقة فيه مختصا بأعيان الأفعال المكلف بها بحيث لو وقعت مرة واحدة لوجدت فيه.
ثانيهما: ألا يكون مختصا، ولكن إذا نظر إلى كليات الأعمال والدوام عليها صارت شاقة. "فإن يكن" الأمر المكلف الشاق من الصنف الأول وهو "ما قد يشق" لكن ثبوت المشقة فيه ما عم بل هو "فيه" قد "خص أعيان" ذوات "الأفعال" المكلف بها كالصوم في السفر والمرض وإتمام الصلاة في السفر "فذا" الضرب حكمه مقرر في "باب الرخص" فكان القصر والفطر الحكم فيما ذكر. "و" إما "إن يكن" من الصنف الثاني وهو ما "ليس له اختصاص" بأعيان الأفعال المكلف بها، ثم هو لو فعل مرة واحدة ما وجدت فيه المشقة "لاكن" يحصل "لـ" كليات "الأعمال به" بسببه "انتقاص" لأنها تصير شاقة ليس من جهة فعلها مرة واحدة بل
стр. 381
٩٨٠ - مِنَ الدَّوَامِ أَوْ مِنَ التَّكْثِيرِ … فَذَا مَحَلُّ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ
" الْمَسْألةُ السَّادِسَة "
٩٨١ - وَكُلُّهُ الشَّرْعُ رَءَاهُ أَنَّهْ … مَشَقَّة غَالِبَةٌ لِلْمُنَّهْ
٩٨٢ - فَهْوَ لِهَذَا فِيهِ لَمْ يَقْصِدْ لِأَنْ … يُكَلِّفَ الْخَلْقَ بِمَا فَوْقَ الْمُنَنْ
٩٨٣ - دَلِيلُهُ مِنَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةْ … فَهْيَ عَلَى صِحَّةِ ذَاكَ شَاهِدَةْ
" من" جهة "الدوام" عليها "أومن" جهة "التكثير" منها. ويوجد هذا في النوافل وحدها إذا تحمل الإنسان منها فوق ما يحتمله على وجه ما، إلا أنه في الدوام يتعبه، حتى يحصل للنفس بسببه ما يحصل لها بالعمل مرة واحدة في الضرب الأول "فذا" الموضع - الضرب - "محل الرفق" ترك التكلف والعنف "والتيسير" أي الأخذ بما تيسر عمله ولا يشق، وهو الأخذ بما لا يحصل مللا حسبما نبه عليه نهيه ﵊ عن الوصال، وعن التنطع، والتكلف، وقال: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا". وقال: "القصد القصد تبلغوا". والأخبار هنا كثيرة. فهذا الضرب المشقة فيه ناشئة من أمر كلي وفي الضرب الأول ناشئة عن أمر جزئي (١).
"المسألة السادسة"
في تأصيل ما تقدم ذكره من حكم هذا الضرب. "و" هذا الضرب "كله" - مفعول مقدم برءاه - صاحب "الشرع" قد "رءاه" يعني رأى التكليف به "أنه" تكليف بما فيه "مشقة" قاهرة "غالبة للمنة" - بضم الميم - أي القدرة قدرة المكلف - المعتادة - "فهو" أي صاحب الشرع "لـ "أجل "هذا" أي هذا الأمر الثابت "فيه" أي في هذا الضرب "لم يقصد لأن يكلف الخلق" به، لأنه لم يقصد إلى التكليف "بما" هو "فوق المنن" أي قدرات المكلفين.
"دليله" أي دليل هذا الذي ذكر "من النصوص" الشرعية "الواردة" في هذا الشأن "فهي على صحة ذاك" - الذي تقدم من أن الشارع لا يقصد التكليف بالشاق والإعنات به - دالة و"شاهدة". ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ
стр. 382
٩٨٤ - كَذَا مِنْ أَصْلِ الرُّخَصِ الْمَشْرُوعِ … قَطْعًا وَمِنْ مُمْتَنِعِ الْوُقُوعِ
" الْمَسْأَلةُ السَّابِعَة "
٩٨٥ - وَالثَّان مَا يَجْرِي عَلَى الْعَادَاتِ … مِنْ حَيْثُ مَعْهُودِ التَّصَرُّفَاتِ
٩٨٦ - لَاكنَّهُ شَقَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ … مِنْ حَيْثُ الارْتبَاطُ لِلتَّكَلُّفِ
٩٨٧ - فَمِثْلُ ذَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ … مَشَقَّةً إِلَى ارْتفَاعٍ تَدْعُو
٩٨٨ - بَلْ عَدَّهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّصَرُّفِ … كطَلَبِ الْمَعَاشِ بِالتَّحَرُّفِ
عَلَيْهِمْ﴾ [الأعرَاف: ١٥٧] وقوله - سبحانه -: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] الآية وفي الحديث وقال الله تعالى: "قد فعلت" وجاء ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] وقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]- وقوله تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] وغير ذلك من النصوص الشرعية الدالة على هذا الحكم. "كذا" يدل على هذا ما شرع "من أصل الرخص المشروع" الثابت "قطعا و" كذلك ما ثبت "من" التكليف بما لا يطاق "ممتنع الوقوع" شرعا.
"المسألة السابعة"
في بيان الضرب الثاني وهو أن يكون خاصا بالمقدور عليه، وليس فيه من التأثير في تعب النفس خروج عن المعتاد - وفي حكمه. "و" الضرب "الثان" وهو "ما يجري على" وفق "العادات من حيث" جهة "معهود" أي ما هو معهود ومعروف في "التصرفات" أي الأعمال، فليس فيه من التأثير في تعب النفس ما هو خروج عن المعتاد "لاكنه شق" وصعب "على المكلف" الإتيان به، وذلك "من حيث الارتباط للتكلف" به. "فمثل ذا" أي هذا الضرب، ما فيه من المشقة "لم يعتبره الشرع مشقة" لديه "إلى ارتفاع" للتكليف بما هي فيه "تدعو" لأنها مقصودة شرعا في التكليف، إذ لا ينازع في أن الشارع قاصد للتكليف بما يلزم منه كلفة ومشقة ما، لكن هذا ما حكم صاحب الشرع - كما تقدم ذكره - بأنه يرتفع التكليف بما هو فيه "بل عده" واعتبره "من جملة التصرف" أي العمل العادي المنطوي على هذا الصنف من المشقة "كطلب المعاش بالتحرف" وهو اتخاذ
стр. 383
٩٨٩ - وَمِثْلُ ذَا لَيْسَ يُسَمَّى عَادَةْ … مَشَقَّةً بَلْ كُلْفَةً مُعْتَادَةْ
٩٩٠ - فَقَصَدَ التَّكْلِيفَ لِلْعِبادِ … بِمَا يَرَى يَجْرِي عَلَى الْمُعْتَادِ
" فَصْلٌ "
٩٩١ - وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِينَ قَصْدُ … مَا قَدْ غَدَا مَشَقَّةً تُعَدُّ
٩٩٢ - مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَعْظُمُ … فَالشَّرْعُ لِلْقَصْدِ لَهُ لَا يُفْهَمُ
حرفة - كالخياطة، والنجارة، والتجارة، ونحو ذلك. "ومثل ذا" أي هذا كله "ليس يسمى عادة" أي في مجاري العادات "مشقة بل" يسمى "كلفة معتادة" لأنه لا يقطع ما هو فيه عن العمل في الغالب المعتاد بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك. فكذلك المعتاد في التكاليف. وإلى هذا المعنى يرجع الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة، والتي تعد مشقة، وهو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه أو إلى وقوع خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، أو حال من أحواله، فالمشقة هنا مشقة خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة، وإن سميت كلفة، فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، في أكله وشربه وسائر تصرفاته، ولكن جعل له قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره، لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات. فكذلك التكاليف، فعلى هذا ينبغي أن يفهم التكليف وما تضمن من المشقة "فـ" أن الشارع قد "قصد التكليف للعباد بما يرى يجري على" وفق "المعتاد" في تحمل الكلفة.
"فصل"
في ذكر أصل ينبني على ما ذكر وهو أن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها نظرا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته. "وليس" يسوغ شرعا "للمكلفين قصد ما قد غدا" أي صار "مشقة تعد" وذلك "من حيث أن الأجر فيه" في هذا الذي هو مشقة "يعظم" ويكثر، وإنما لم يحق له القصد إلى ذلك، لأنه قصد غير صحيح "فالشرع" لا يرشد "للقصد له" و"لا يفهم" أنه يشرع القصد إليه.
стр. 384
" فَصْلٌ "
٩٩٣ - لَاكنْ لَهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا مِنَ الْعَمَلْ … مَا يَعْظُم الثَّوَابُ فِيهِ بِالثِّقَلْ
" فَصْلٌ"
٩٩٤ - مَا شَقَّ أَنْ يَنْشَأَ عَن أمْرٍ مُتَّبَعْ … بِالإِذْن مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَقَعْ
٩٩٥ - إِمَّا عَلَى مَا اعْتِيدَ فِي مِثْلِ الْعَمَلْ … وَهْوَ الَّذِي بَيَانُهُ قَبْلُ حَصَلْ
٩٩٦ - وَأَنَّهُ لَا قَصْدَ لِلشَّارعِ فِي … جَلْبِ الْمَشَقَّاتِ إِلَى الْمُكَلَّفِ
٩٩٧ - أَوْ غَيْرَ مَا اعْتِيدَ فَهَذَا أَدْعَا … إِلَى ارْتفَاعِ الْقَصْدِ فِيهِ شَرْعَا
٩٩٨ - وَعِنْدَ ذَا إِنْ حَصَلَتْ مِنْ سَبَبِ … مُكَلَّفٍ بِالْقَصْدِ فِي التَّسَبُّبِ
" فصل"
"لاكن" يحق وينبغي "لهم" أي للمكلفين "أن يقصدوا من العمل ما يعظم الثواب فيه بـ" سبب "الثقل" أي المشقة التي فيه من حيث هو عمل.
"فصل"
في ذكر أصل آخر ينبني على ما تقدم وهو: أن "ما شق إن ينشأ" أي يتسبب ويترتب "عن أمر" يعني عن فعل "متبع" ثبت حكمه شرعا "بالإذن" الشرعي فيه "مطلقا" سواء كان ذلك المأذون فيه واجبا أو مندوبا، أو مباحا، "فإنه يقع إما على ما اعتيد" وقوعه وحصوله "في مثل" ذلك "العمل" من المشقة "و" حكم هذا "هو الذي بيانه" وإيضاحه "قبل حصل" في المسألة السابقة - المسألة السادسة - الواقعة قبل هذه. "و" ذلك الحكم هو "أنه لا قصد للشارع" بالتكليف "في جلب المشقات" والإعنات "إلى المكلف" من جهة ما في ذلك من مشقة. "أو" يعني وإما أن يكون واقعا شاقا "غير ما اعتيد" في ذلك الفعل "فهذا" النوع من المشقة "أدعى إلى ارتفاع القصد فيه شرعا" هو أولى بأن يكون كذلك. "و" لا يخلو "عند ذا" وهو حصول المشقة أن يكون سبب ذلك اختيار المكلف وتصرفه أولا فـ "إن حصلت" المشقة "من" جهة "سبب" واختيار "مكلف" ما "بالقصد" إليها "في التسبب" الذي توسل به إلى كسب عمل ما فإن ذلك لا يخلو من أمرين:
стр. 385
"فَصْلٌ"
٩٩٩ - فَإِنْ يَكُنْ بِمُقْتَضَى التَّأَمُّلِ … لَا يَقْتَضِيهَا أَصْلُ ذَاكَ الْعَمَلِ
١٠٠٠ - فَذَاكَ مَمْنُوعٌ وَعَنْهُ قَدْ نُهِي … وَهَذَا أَنَّ الْأَصْلَ مَأْمُورٌ بِهِ
١٠٠١ - وَإِنْ تَكُنْ تَابِعَةً لِلْعَمَلِ … فَهَاهُنَا مَا جَاءَ فِي الْيُسْرِ جَلِي
أحدهما: أن يكون ذلك العمل لا يقتضيها بأصله، لأنه يحصل بدونها.
"فصل"
ثانيهما: أن تكون تابعة للعمل. "فإن يكن بمقتضى" النظر و"التأمل" قد ظهر أنه "لا يقتضيها" أي تلك المشقة "أصل ذاك العمل" ولا يوجبها الإتيان بماهيته الشرعية "فذاك" أمر "ممنوع" إتيانه "و" ذلك لأنه "عنه قد نهى" شرعا، فغير صحيح التعبد به "وهذا" يصار إلى الحكم به "إن" كان "الأصل" أي أصل ذلك العمل قد ثبت أنه "مأمور به" شرعا - وإنما لم يصح هذا في التعبد، لأن الشارع لم يقصد الحرج فيما أذن فيه. ومثال هذا" حديث الناذر للصيام قائما في الشمس غير مستظل، ولا متكلم ولا مفطر. فرآه النبي ﷺ قائما في الشمس، فسأل عنه، فأخبر بحاله، فقال ﵊ "مروه فليستظل، وليتكلم، وليتم صومه". ولذلك قال ما لك - في أمر النبي ﷺ له بإتمام الصوم، وأمره له بالقعود والاستظلال - أمره أن يتم ما كان لله طاعة، ونهاه عما كان لله معصية. لأن الله لم يضع تعذيب النفوس سببا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده. وهو ظاهر. إلا أن هذا النهي مشروط بأن تكون المشقة التي أدخلها المكلف على نفسه مباشرة - كما في المثال - وليس بسبب الدخول في العمل.
"و" أما "إن تكن" المشقة "تابعة للعمل" المأذون فيه واجبا كان أو غيره، وكانت مشقة خارجة عن المعتاد في مثل ذلك العمل - كما تقدم تقريره - "فها هنا" أي في هذا الحال يجري ويسري حكم "ما جاء في" شأن كون هذا الدين مبنيا على "اليسر" من الأدلة، "جلي" أي واضح بين. وذلك كالمريض الغير القادر على الصوم، وعلى الصلاة قائما، وكالذي لا يقدر على الحج ماشيا، أو راكبا إلا بمشقة خارجة عن المعتاد في مثل ذلك العمل. فهذا هو الذي جاء في بيان حكمه قوله - تعالى - ﴿يُرِيدُ
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]- وجاء فيه مشروعية الرخص.
ولكن صاحب هذا إن عمل بالرخصة فذاك؛ ويمكن أن يكون عاملا لمجرد حظ نفسه، وأن يكون قبل الرخصة من ربه تلبية لإذنه. وإن لم يعمل بالرخصة فعلى وجهين: أحدهما: أن يعلم أو يظن أنه يدخل في نفسه أو جسمه أو عقله أو عادته فساد يتحرج به ويعنت، ويكره بسببه العمل، فهذا أمر ليس له، وكذلك إن لم يعلم بذلك ولا ظن، ولكنه لما دخل في العمل دخل عليه ذلك، فحكمه الإمساك عما ادخل عليه المشوش، وفي مثل هذا جاء: ليس من البر الصيام في السفر وفي نحوه نهي عن الصلاة وهو بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان.
وقال: لا يقضي القاضي وهو غضبان وفي القرآن ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاء: ٤٣] إلى أشباه ذلك مما نهي عنه بسبب عدم استيفاء العمل المأذون فيه على كماله؛ فإن قصد الشارع المحافظة على عمل العبد ليكون خالصا من الشوائب، والإبقاء عليه حتى يكون في ترفه وسعة حال دخوله في ربقة التكليف.
والثاني: أن يعلم أو يظن انه لا يدخل عليه ذلك الفساد، ولكن في العمل مشقة غير معتادة، فهذا أيضا موضع لمشروعية الرخصة على الجملة، ويتفصل الأمر فيه في كتاب الأحكام والعلة في ذلك أن زيادة المشقة مما ينشأ عنها العنت، بل المشقة في نفسها هي العنت والحرج، وإن قدر على الصبر فهي مما لا يقدر على الصبر عليه عادة. إلا أن هنا وجها ثالثا وهو أن تكون المشقة غير معتادة لكنها صارت بالنسبة إلى بعض الناس كالمعتادة ورب شيء هكذا؛ فإن أرباب الأحوال من العباد والمنقطعين غالى الله تعالى المعانين على بذل المجهود في التكاليف، قد خصوا بهذه الخاصية، وصاروا معانين على ما انقطعوا عليه. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] فجعلها كبيرة على المكلف، واستثنى الخاشعين الذين كان إمامهم رسول الله ﷺ فهو الذي كانت قرة عينه في الصلاة، حتى كان يستريح إليها من تعب الدنيا، وقام حتى تفطرت قدماه، فإذا كان كذلك فمن خص بوراثته في هذا النحو نال من بركة هذه الخاصية.
стр. 387
" فَصْلٌ "
١٠٠٢ - وَبَعْدُ فَالْحَرَجُ ذُو ارْتفَاعِ … خَشْيَةَ تَقْصِيرٍ أَوِ انْقِطَاعِ
١٠٠٣ - وَكَمْ دَلِيلٍ فِيهِمَا قَدْ جَاءَ … وَالنَّاسُ لَيْسُوا هَاهُنَا سَوَاءَ
" فصل"
في بيان أن الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين. "وبعد" يعني وبعد هذا الذي تقدم من بيان حكم المشقة في الشريعة، "فـ" إنه من أجل مزيد بيان له - أي لهذا الذي تقدم - يجب أن يقرر على بسط أن "الحرج" عن الكلف "ذو ارتفاع" أي مرتفع - مرفوع - شرعا، وذلك لوجهين:
أحدهما: "خشية تقصير" من جهة المكلف عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع مثل قيامه على أهله، وولده إلى تكاليف أخرى تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلا عنها، وقاطعا بالمكلف دونها. وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنها.
وثانيهما: أورده الناظم قائلا "أو انقطاع" يعني أو خوف انقطاع عن العبادة، ونشوء البغض لها، وكراهية التكليف. وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه، أو عقله، أو ماله، أو حاله. "وكم" من "دليل" شرعي في بيان الذي تقرر "فيهما" أي في هذين الوجهين من حكم "قد جاء" من الكتاب والسنة، ففي شأن خوف الانقطاع المذكور قال الشاطبي: أن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفة سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها لهم بذلك، فلو عملوا خلاف السماح والسهولة، لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحُجرَات: ٧] إلى آخرها. فقد أخبرت الآية أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله، وزينه في قلوبنا بذلك، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه، وفي الحديث "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" وفي حديث قيام رمضان: "أما بعد: فإنه لم يخف علي شأنكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها" وفي حديث الحولاء بنت تويت حين قالت له عائشة ﵂: هذه الحولاء بنت تويت، زعموا أنها لا تنام الليل، فقال ﵊: "لا تنام الليل؟ خذوا من العمل
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا" وحديث أنس دخل رسول الله ﵊ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا؟ قالوا حبل لزينب، تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: "حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد" وحديث معاذ حين قال له رسول الله ﵊ "أفتان أنت يا معاذ" حين أطال الصلاة بالناس، وقال: "إن منكم منفّرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة" ونهى عن الوصال رحمة لهم، ونهى عن النذر وقال: "إن الله يستخرج به من البخيل، وإنه لا يغني من قدر الله شيئا" أو كما قال لكن هذا معلل معقول المعنى بما دل عليه ما تقدم: من السآمة والملل والعجز، وبغض الطاعة وكراهيتها. وقد جاء عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله؟ فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" وقالت عائشة ﵂: نهاهم ﷺ عن الوصال رحمة لهم، قالوا: إنك تواصل. فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربى ويسقيني. وحاصل هذا كله: أن النهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع وإذا كان كذلك فالنهي دائر مع العلة وجودا وعدما، فإذا وجد ما علل به الرسول ﷺ ، كان النهي متوجها ومتجها، وإذا لم توجد فالنهي مفقود (١).
"والناس ليسوا هاهنا " أي في هذا الشأن "سواء" بل هم في ذلك على ضربين: ضرب يحصل له بسبب إدخال نفسه في العمل تلك المشقة الزائدة على المعتاد، فيؤثر فيه أو في غيره فسادا، أو تحدث له ضجرا ومللا، وقعود عن النشاط إلى ذلك العمل، كما هو الغالب في المكلفين، فمثل هذا لا ينبغي أن يرتكب من الأعمال ما فيه ذلك، بل يترخص فيه بحسب ما شرع له في الترخص، إن كان مما لا يجوز تركه، أو يتركه إن كان مما له تركه وهو مقتضى التعليل. "إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا" وهو الذي أشار به ﵊ على عبد الله بن عمرو بن العاص حين بلغه أنه يسرد الصوم وقد قال بعد الكبر: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
стр. 389
" فَصْلٌ "
١٠٠٤ - وَمَا عَلَى مُكَلَّفٍ مِنْهَا دَخَلْ … دونَ تَسَبُّبٍ لَه فِيهَا حَصَلْ
١٠٠٥ - فَلَيْسَ لِلشَّارعِ قَصْدٌ فِي بَقَا … مَا يُتَّذَى مِنْ وَقْعِهِ أَوْ يُتَّقَا
والضرب الثاني شأنه أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل، لوازع هو أشد من المشقة، أو حاد يسهل به الصعب، أو لما له في العمل من المحبة، ولما حصل له فيه من اللذة، حتى خف عليه ما ثقل على غيره وصارت تلك المشقة في حقه غير مشقة، بل يزيده كثرة العمل وكثرة العناء فيه نورا وراحة، أو يحفظ عن تأثير ذلك المشوش في العمل بالنسبة إليه أو إلى غيره؛ كما جاء في الحديث: "أرحنا بها يا بلال" وفي الحديث: "حبب إلي من دنياكم ثلاث؟ قال وجعلت قرة عيني الصلاة" وقال لما قام حتى تورمت أو تفطرت قدماه: "أفلا أكون عبدا شكورا" وقيل له ﵊: أنأخذ عنك في الغضب والرضى؟ قال: نعم وهو القائل في حقنا: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وهذا وإن كان خاصا به فالدليل صحيح. وجاء في هذا المعنى من احتمال المشقة في الأعمال والصبر عليها دائما كثير. ويكفيك من ذلك ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن يليهم ﵃، ممن اشتهر بالعلم وحمل الحديث والاقتداء بعد الاجتهاد (١).
وهذا الذي تقرر في هذا الوجه - وجه خوف الانقطاع هو نفسه المتقرر في الوجه الثاني وهو خوف التقصير.
"فصل"
في أن المشقة التي لم تكن ناشئة عن العمل ولا عن تسبب العبد في حصولها أمر غير مقصود للشارع بقاؤه. "وما على مكلف منها" أي من المشقة "دخل" من خارج فحصلت "دون تسبب له" للمكلف "فيها" يعني في وقوعها "حصل" وإنما كانت من خارج العمل ومن خارج الكسب "فـ" إن، حكمها هو أنه "ليس للشارع قصد في بقاء ما يتذى" أي ما يحصل الأذى "من وقعه" أي نزوله على المكلف "أو يتقى" أي يخشى ضرره وأذاه وذلك كألم الجوع، والعطش، والحر، والبرد فهذا لا قصد للشارع في
стр. 390
١٠٠٦ - كمِثْلِ مَا لَا يَقْصِدُ التَّسَبُّبَا … فِي جَلْبِ مَا مِنْ ذَاكَ قَدْ تَجَنَّبَا
١٠٠٧ - وَكُلُّ مُؤْلمٍ بِهَاذِي الدَّارِ … فَهْوَ مِنَ الْبَلْوَى لِلاخْتِبَارِ
١٠٠٨ - وَفُهِمَ الْإِذْنُ مِنَ الْمَشْرُوعِ … فِي دَفْعِهِ إِنْ كَانَ ذَا وُقُوعِ
١٠٠٩ - وَفِي التَّوَقِّي بَعْدُ مِمَّا يُتَّقَى … مِنْهُ أَذىً أَوِ اِعْتِدَاءٌ مُطْلَقَا
١٠١٠ - وَمُقْتَضَى التَّكْلِيفِ عَنْهُ تَحْصُلُ … مَصَالِحُ الْأُخْرَى إِذَا مَا يَعْمَلُ
١٠١١ - بِكَوْنِهِ لِلْمُؤلِمَاتِ دَافِعَا … وَجَلْبُهُ لِمَا يَكُونُ نَافِعَا
بقائه، والصبر عليه "كمثل ما لا يقصد" ولا يريد إرادة تشريع "التسببا" والسعي في "جلب ما من ذاك" الذي ذكره من المشقة "قد تجنبا" يعني - بالبناء للمجهول - من تجنب الشيء إذ اتقاه وتفاداه لكونه مما يؤذي، أو مما يتقى أذاه. غير أن الله - تعالى - قد خلق المؤلمات والمؤذيات لابتلاء عباده واختبارهم "و" بذلك "كل مؤلم" أي موجع "بهاذي الدار" الفانية - دار الدنيا - "فهو من البلوى" أي الاختبار للعباد والتمحيص لهم، يسلط ما شاء على من شاء لما شاء، "للاختبار" الذي له سبحانه في التصرف في ملكه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
"و" أما حكم هذا الذي ذكر من المؤلمات فإنه قد "فهم" ثبوت "الأذن من" مجموع "المشروع" أي الشريعة "في دفعه" وإزالته رفعا للمشقة، وحفظا للحظوظ المشروعة "إن كان" ذلك المؤلم "ذا وقوع" أي واقعا "و" كذلك وقع ثبوت الإذن من الشارع - أيضا - "في التوقي" توقي الشيء إذا تحرز منه - أي التحرز مما لم يقع "بعد" وهو "مما يتقى" أي يخاف ويخشى "منه أذى" أي ضرر وألم "أو اعتداء مطلقا" سواء كان ذلك الدفع منحتما أم لا إلا أنه إن كان منحتما فإنه لا إشكال في علمنا أن الشارع قصد رفع تلك المشقة، كما أوجب علينا دفع المحاربين والساعين على الإسلام والمسلمين بالفساد، وجهاد الكفار القاصدين لهدم الإسلام، وأهله. "و مقتضى التكليف" بذلك أنه "عنه تحصل" وتترتب "مصالح" الدار "الأخرى" الباقية "إذا ما يعمل" به، ويمتثل الأمر الوارد به، وذلك "بـ" سبب "كونه لـ" أمور "المؤلمات" للأبدان والنفوس "دافعا" ومزيلا، "و" بسبب "جلبه لما يكون نافعا" للأبدان والنفوس وأما إن لم يكن منحتمًا دفعه فإنه يمكن اعتبار جهة التسلط والابتلاء وأن ذلك الشاق مرسل من المسلّط