← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]- وجاء فيه مشروعية الرخص. ولكن صاحب هذا إن عمل بالرخصة فذاك؛ ويمكن أن يكون عاملا لمجرد حظ نفسه، وأن يكون قبل الرخصة من ربه تلبية لإذنه. وإن لم يعمل بالرخصة فعلى وجهين: أحدهما: أن يعلم أو يظن أنه يدخل في نفسه أو جسمه أو عقله أو عادته فساد يتحرج به ويعنت، ويكره بسببه العمل، فهذا أمر ليس له، وكذلك إن لم يعلم بذلك ولا ظن، ولكنه لما دخل في العمل دخل عليه ذلك، فحكمه الإمساك عما ادخل عليه المشوش، وفي مثل هذا جاء: ليس من البر الصيام في السفر وفي نحوه نهي عن الصلاة وهو بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان. وقال: لا يقضي القاضي وهو غضبان وفي القرآن ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاء: ٤٣] إلى أشباه ذلك مما نهي عنه بسبب عدم استيفاء العمل المأذون فيه على كماله؛ فإن قصد الشارع المحافظة على عمل العبد ليكون خالصا من الشوائب، والإبقاء عليه حتى يكون في ترفه وسعة حال دخوله في ربقة التكليف. والثاني: أن يعلم أو يظن انه لا يدخل عليه ذلك الفساد، ولكن في العمل مشقة غير معتادة، فهذا أيضا موضع لمشروعية الرخصة على الجملة، ويتفصل الأمر فيه في كتاب الأحكام والعلة في ذلك أن زيادة المشقة مما ينشأ عنها العنت، بل المشقة في نفسها هي العنت والحرج، وإن قدر على الصبر فهي مما لا يقدر على الصبر عليه عادة. إلا أن هنا وجها ثالثا وهو أن تكون المشقة غير معتادة لكنها صارت بالنسبة إلى بعض الناس كالمعتادة ورب شيء هكذا؛ فإن أرباب الأحوال من العباد والمنقطعين غالى الله تعالى المعانين على بذل المجهود في التكاليف، قد خصوا بهذه الخاصية، وصاروا معانين على ما انقطعوا عليه. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] فجعلها كبيرة على المكلف، واستثنى الخاشعين الذين كان إمامهم رسول الله ﷺ فهو الذي كانت قرة عينه في الصلاة، حتى كان يستريح إليها من تعب الدنيا، وقام حتى تفطرت قدماه، فإذا كان كذلك فمن خص بوراثته في هذا النحو نال من بركة هذه الخاصية.

стр. 387

" فَصْلٌ " ١٠٠٢ - وَبَعْدُ فَالْحَرَجُ ذُو ارْتفَاعِ … خَشْيَةَ تَقْصِيرٍ أَوِ انْقِطَاعِ ١٠٠٣ - وَكَمْ دَلِيلٍ فِيهِمَا قَدْ جَاءَ … وَالنَّاسُ لَيْسُوا هَاهُنَا سَوَاءَ " فصل" في بيان أن الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين. "وبعد" يعني وبعد هذا الذي تقدم من بيان حكم المشقة في الشريعة، "فـ" إنه من أجل مزيد بيان له - أي لهذا الذي تقدم - يجب أن يقرر على بسط أن "الحرج" عن الكلف "ذو ارتفاع" أي مرتفع - مرفوع - شرعا، وذلك لوجهين: أحدهما: "خشية تقصير" من جهة المكلف عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع مثل قيامه على أهله، وولده إلى تكاليف أخرى تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلا عنها، وقاطعا بالمكلف دونها. وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنها. وثانيهما: أورده الناظم قائلا "أو انقطاع" يعني أو خوف انقطاع عن العبادة، ونشوء البغض لها، وكراهية التكليف. وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه، أو عقله، أو ماله، أو حاله. "وكم" من "دليل" شرعي في بيان الذي تقرر "فيهما" أي في هذين الوجهين من حكم "قد جاء" من الكتاب والسنة، ففي شأن خوف الانقطاع المذكور قال الشاطبي: أن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفة سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها لهم بذلك، فلو عملوا خلاف السماح والسهولة، لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحُجرَات: ٧] إلى آخرها. فقد أخبرت الآية أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله، وزينه في قلوبنا بذلك، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه، وفي الحديث "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" وفي حديث قيام رمضان: "أما بعد: فإنه لم يخف علي شأنكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها" وفي حديث الحولاء بنت تويت حين قالت له عائشة ﵂: هذه الحولاء بنت تويت، زعموا أنها لا تنام الليل، فقال ﵊: "لا تنام الليل؟ خذوا من العمل

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا" وحديث أنس دخل رسول الله ﵊ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا؟ قالوا حبل لزينب، تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: "حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد" وحديث معاذ حين قال له رسول الله ﵊ "أفتان أنت يا معاذ" حين أطال الصلاة بالناس، وقال: "إن منكم منفّرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة" ونهى عن الوصال رحمة لهم، ونهى عن النذر وقال: "إن الله يستخرج به من البخيل، وإنه لا يغني من قدر الله شيئا" أو كما قال لكن هذا معلل معقول المعنى بما دل عليه ما تقدم: من السآمة والملل والعجز، وبغض الطاعة وكراهيتها. وقد جاء عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله؟ فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" وقالت عائشة ﵂: نهاهم ﷺ عن الوصال رحمة لهم، قالوا: إنك تواصل. فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربى ويسقيني. وحاصل هذا كله: أن النهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع وإذا كان كذلك فالنهي دائر مع العلة وجودا وعدما، فإذا وجد ما علل به الرسول ﷺ ، كان النهي متوجها ومتجها، وإذا لم توجد فالنهي مفقود (١). "والناس ليسوا هاهنا " أي في هذا الشأن "سواء" بل هم في ذلك على ضربين: ضرب يحصل له بسبب إدخال نفسه في العمل تلك المشقة الزائدة على المعتاد، فيؤثر فيه أو في غيره فسادا، أو تحدث له ضجرا ومللا، وقعود عن النشاط إلى ذلك العمل، كما هو الغالب في المكلفين، فمثل هذا لا ينبغي أن يرتكب من الأعمال ما فيه ذلك، بل يترخص فيه بحسب ما شرع له في الترخص، إن كان مما لا يجوز تركه، أو يتركه إن كان مما له تركه وهو مقتضى التعليل. "إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا" وهو الذي أشار به ﵊ على عبد الله بن عمرو بن العاص حين بلغه أنه يسرد الصوم وقد قال بعد الكبر: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .

стр. 389

" فَصْلٌ " ١٠٠٤ - وَمَا عَلَى مُكَلَّفٍ مِنْهَا دَخَلْ … دونَ تَسَبُّبٍ لَه فِيهَا حَصَلْ ١٠٠٥ - فَلَيْسَ لِلشَّارعِ قَصْدٌ فِي بَقَا … مَا يُتَّذَى مِنْ وَقْعِهِ أَوْ يُتَّقَا والضرب الثاني شأنه أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل، لوازع هو أشد من المشقة، أو حاد يسهل به الصعب، أو لما له في العمل من المحبة، ولما حصل له فيه من اللذة، حتى خف عليه ما ثقل على غيره وصارت تلك المشقة في حقه غير مشقة، بل يزيده كثرة العمل وكثرة العناء فيه نورا وراحة، أو يحفظ عن تأثير ذلك المشوش في العمل بالنسبة إليه أو إلى غيره؛ كما جاء في الحديث: "أرحنا بها يا بلال" وفي الحديث: "حبب إلي من دنياكم ثلاث؟ قال وجعلت قرة عيني الصلاة" وقال لما قام حتى تورمت أو تفطرت قدماه: "أفلا أكون عبدا شكورا" وقيل له ﵊: أنأخذ عنك في الغضب والرضى؟ قال: نعم وهو القائل في حقنا: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وهذا وإن كان خاصا به فالدليل صحيح. وجاء في هذا المعنى من احتمال المشقة في الأعمال والصبر عليها دائما كثير. ويكفيك من ذلك ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن يليهم ﵃، ممن اشتهر بالعلم وحمل الحديث والاقتداء بعد الاجتهاد (١). وهذا الذي تقرر في هذا الوجه - وجه خوف الانقطاع هو نفسه المتقرر في الوجه الثاني وهو خوف التقصير. "فصل" في أن المشقة التي لم تكن ناشئة عن العمل ولا عن تسبب العبد في حصولها أمر غير مقصود للشارع بقاؤه. "وما على مكلف منها" أي من المشقة "دخل" من خارج فحصلت "دون تسبب له" للمكلف "فيها" يعني في وقوعها "حصل" وإنما كانت من خارج العمل ومن خارج الكسب "فـ" إن، حكمها هو أنه "ليس للشارع قصد في بقاء ما يتذى" أي ما يحصل الأذى "من وقعه" أي نزوله على المكلف "أو يتقى" أي يخشى ضرره وأذاه وذلك كألم الجوع، والعطش، والحر، والبرد فهذا لا قصد للشارع في

стр. 390

١٠٠٦ - كمِثْلِ مَا لَا يَقْصِدُ التَّسَبُّبَا … فِي جَلْبِ مَا مِنْ ذَاكَ قَدْ تَجَنَّبَا ١٠٠٧ - وَكُلُّ مُؤْلمٍ بِهَاذِي الدَّارِ … فَهْوَ مِنَ الْبَلْوَى لِلاخْتِبَارِ ١٠٠٨ - وَفُهِمَ الْإِذْنُ مِنَ الْمَشْرُوعِ … فِي دَفْعِهِ إِنْ كَانَ ذَا وُقُوعِ ١٠٠٩ - وَفِي التَّوَقِّي بَعْدُ مِمَّا يُتَّقَى … مِنْهُ أَذىً أَوِ اِعْتِدَاءٌ مُطْلَقَا ١٠١٠ - وَمُقْتَضَى التَّكْلِيفِ عَنْهُ تَحْصُلُ … مَصَالِحُ الْأُخْرَى إِذَا مَا يَعْمَلُ ١٠١١ - بِكَوْنِهِ لِلْمُؤلِمَاتِ دَافِعَا … وَجَلْبُهُ لِمَا يَكُونُ نَافِعَا بقائه، والصبر عليه "كمثل ما لا يقصد" ولا يريد إرادة تشريع "التسببا" والسعي في "جلب ما من ذاك" الذي ذكره من المشقة "قد تجنبا" يعني - بالبناء للمجهول - من تجنب الشيء إذ اتقاه وتفاداه لكونه مما يؤذي، أو مما يتقى أذاه. غير أن الله - تعالى - قد خلق المؤلمات والمؤذيات لابتلاء عباده واختبارهم "و" بذلك "كل مؤلم" أي موجع "بهاذي الدار" الفانية - دار الدنيا - "فهو من البلوى" أي الاختبار للعباد والتمحيص لهم، يسلط ما شاء على من شاء لما شاء، "للاختبار" الذي له سبحانه في التصرف في ملكه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]. "و" أما حكم هذا الذي ذكر من المؤلمات فإنه قد "فهم" ثبوت "الأذن من" مجموع "المشروع" أي الشريعة "في دفعه" وإزالته رفعا للمشقة، وحفظا للحظوظ المشروعة "إن كان" ذلك المؤلم "ذا وقوع" أي واقعا "و" كذلك وقع ثبوت الإذن من الشارع - أيضا - "في التوقي" توقي الشيء إذا تحرز منه - أي التحرز مما لم يقع "بعد" وهو "مما يتقى" أي يخاف ويخشى "منه أذى" أي ضرر وألم "أو اعتداء مطلقا" سواء كان ذلك الدفع منحتما أم لا إلا أنه إن كان منحتما فإنه لا إشكال في علمنا أن الشارع قصد رفع تلك المشقة، كما أوجب علينا دفع المحاربين والساعين على الإسلام والمسلمين بالفساد، وجهاد الكفار القاصدين لهدم الإسلام، وأهله. "و مقتضى التكليف" بذلك أنه "عنه تحصل" وتترتب "مصالح" الدار "الأخرى" الباقية "إذا ما يعمل" به، ويمتثل الأمر الوارد به، وذلك "بـ" سبب "كونه لـ" أمور "المؤلمات" للأبدان والنفوس "دافعا" ومزيلا، "و" بسبب "جلبه لما يكون نافعا" للأبدان والنفوس وأما إن لم يكن منحتمًا دفعه فإنه يمكن اعتبار جهة التسلط والابتلاء وأن ذلك الشاق مرسل من المسلّط

стр. 391

" فَصْلٌ " ١٠١٢ - وَغَيْرُ مَا الْإِذْنُ بِهِ قَدْ وَقَعَا … أَظْهَرُ فِي الْمَنْعِ لِمَنْ فِيهِ سَعَا " الْمَسْأَلةُ الثَّامِنَة " ١٠١٣ - وَثَالِثٌ يُلْفَى لِذَاكَ ضَاهَا … مَا يُخْرِجُ النُّفُوسَ عَنْ هَوَاهَا المُبْلى، فيستسلم العبد للقضاء، ولذلك لما لم يكن التداوي محتمًا تركه كثير من السلف الصالح، وأذن ﵊ في البقاء على حكم المرض؛ كما في حديث السوداء المجنونة التي سألت النبي ﷺ أن يدعو لها فخيرها في الأجر مع البقاء على حالتها، أو زوال ذلك. وكما في الحديث: "ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون". ويمكن اعتبار جهة الحظ بمقتضى الإذن ويتأيد بالندب؛ كما في التداوي حيث قال ﵊: "تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء" وأما إن ثبتت الإباحة فالأمر أظهر (١). "فصل" في أن ما ذكر إنما فيما كان من الأعمال تتسبب عنه مشقة وهو من المأذون فيه "و" أما "غير ما الأذن به" أي فيه "قد وقعا" وورد فإنه "أظهر في "جريان "المنع" الشرعي "لمن فيه" أي في كسبه "سعا" لأنه زاد على ارتكاب النهي إدخال العنت والحرج على نفسه. "المسألة الثامنة" في بيان الضرب الثالث مما يعد شاقا من جهة مخالفة الهوى وفي بيان حكمه. "وثالث" من تلك الضروب هو الذي "يلفى" أي يوجد "لذاك" الضرب المتقدم - الضرب الثاني - "ضاها" أي وافق من جهة أنه ليس فيه من المشقة ما هو خارج عن المعتاد، إلا أن فيه من المشقة "ما يخرج النفوس عن" سلطان "هواها" وقهره. وذلك أن مخالفة ما تهوى النفس شاق عليها وصعب خروجها عنه، وأحوال أهل الكفر، والعشاق والغارقين في بحار اللهو تشهد بقطع على هذا الأمر.

стр. 392

١٠١٤ - فَذَاكَ لِلشَّارعِ غَيْرُ مُعْتَبَرْ … فِيمَا يَشُقُّ أَمْر عَلَى الْبَشَرْ ١٠١٥ - إِذْ قَصْدُهُ الْإِخْرَاجُ بِالتَّكْلِيفِ … عَنْ دَاعِيَاتِ النَّفْسِ فِي التَّصْريفِ " الْمَسْأَلةُ التَّاسِعَة " ١٠١٦ - ثُمَّ الْمَشَقَّاتُ لِدُنْيَوِيَّةْ … تَقَسَّمَتْ بَعْدُ وَأُخْرَوِيَّةْ ١٠١٧ - فَحَيْثُ أَدَّى عَمَلٌ لِتَرْكِ مَا … أَوْجَبَ أَوْ فِعْلِ الَّذِي قَدْ حَرُمَا ١٠١٨ - فَهْوَ أَشَدُّ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ … لِشَأْنِهِ فَاشْتَدَّ حَالَ الْمَنْعِ وكل ما كانت مشقته من هذا الوجه "فذاك" ملغى "للشارع غير معتبر" أمره وذلك "في" كل "ما يشق أمره" أي فعله "على البشر" لأن مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة للشارع في التكليف - كما تقدم ذكره - "إذ قصده" أي الشارع هو "الإخراج بالتكليف" للمكلفين "عن داعيات" ورغبات "النفس" مما هو هوى، وشطط في "التصريف" للأشياء فيما تقع عليه من صرف الشيء إذا أعمله في غير وجه، كأنه يصرفه من وجه إلى وجه، وهذا الأمر - وهو إخراج المكلف من دواعي الهوى - مقصد شرعي أساسي في وضع الشريعة، فلو كانت المشقة الناشئة عن السعي إلى درك هذا المقصد معتبرة في بناء الأحكام لكان ذلك نقضا لما وضعت الشريعة له وذلك باطل، فما أدى إليه فهو مثله. "المسألة التاسعة" في بيان أن المشقة تكون دنيوية، وأخروية، وأن اعتبار الأخروية أشد وأعظم في الشريعة. "ثم المشقات" المعتبرة شرعا "لـ" مشقات "دنيوية" وقد تقدم بيان المراد بها. "تقسمت" يعني انقسمت "بعد" أي بعد ثبوت اعتبار الشارع لما هو معتبر منها عنده "و" مشقات "أخروية" وهي تكون ناشئة عن الإخلال بالدين "فحيث أدى" وأفضى "عمل" يعني الدخول في عمل ما "لترك" وتعطيل "ما" أي أمر قد "أوجب" أي فرض شرعا "أو" أدى إلى "فعل الذي قد حرما" بفتح الحاء وضم الراء ويصح قراءته مبنيا للمفعول "فهو" أي ما ذكر من الترك والفعل "أشد" وأقوى "في اعتبار الشرع لشأنه" وأمره من المشقة الدنيوية "فاشتد" بناء على ذلك "حال المنع" الشرعي لهذه المشقة

стр. 393

١٠١٩ - إِذِ اِعْتِبَارُ الدِّينِ دُونَ لَبْسِ … مُقَدَّمٌ عَلَى اعْتِبَاِر النَّفْسِ " الْمَسْأَلةُ الْعَاشِرَةُ " ١٠٢٠ - وَمَا يَشُقُّ تَارَةً يَخُصُّ … وَتَارَةً يَعُمُّ لَا يَخْتَصُّ ١٠٢١ - وَتَارَةً يَكُونُ دَاخِلًا عَلَا … غَيْرِ الَّذِي لَابَسَ ذَاكَ الْعَمَلَا ١٠٢٢ - فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ لِلشَّرْعِ طَلَبُ … وَلَا الَّذِي أَدَّى إِلَيْهِ مَطْلَبُ " إذ اعتبار الدين دون لبس" أي إشكال "مقدم على اعتبار النفس" شرعا فحفظ الدين تبذل فيه النفوس وغيرها مما يجب شرعا حفظه. "المسألة العاشرة" في بيان أن المشقة الناشئة من التكليف قد تكون خاصة بالفرد المكلف وحده وتكون عامة له ولغيره وقد تكون داخلة على غيره بسببه. "وما يشق" فإنه "تارة يخص" الشخص المكلف وحده كالمسائل المتقدمة "وتارة يعم" ترك ما يرتفع به المكلف وغيره، وبذلك فهو "لا يختص" بمن كلف برفعه. مثال ذلك الوالي المفتقر إليه لكونه ذا كفاية في ما أسند إليه. إلا أن الولاية تشغله عن الانقطاع إلى عبادة الله والأنس بمناجاته. فإذا لم يقم بذلك عم الفساد والضرر، ولحقه من ذلك ما يلحق غيره. "وتارة يكون" ذلك الأمر الشاق "داخلا" واقعا "على غير" الشخص "الذي لابس" وأتى "ذاك العمل" الذي نشأت عنه تلك المشقة. مثال ذلك القاضي والعالم المفتقر إليهما، إلا أن الدخول في الفتيا والقضاء يجرهما إلى ما لا يجوز أو يشغلهما عن مهام ديني أو دنيوي وهما إذا لم يقوما بذلك عم الضرر غيرهما من الناس فقد نشأ هنا عن طلبهما لمصالحهما المأذون فيها والمطلوبة منهما فساد عام. وعلى كل تقدير "فليس في" تحصيل "ذلك" الأمر الشاق "للشرع طلب" وقصد "ولا" له إلى العمل "الذي أدى إليه مطلب" بصيغة اسم المفعول وهو هنا مصدر ميمي اطَّلبَ الشيء إذا طَلَبَه هذا هو الأصل.

стр. 394

١٠٢٣ - وَمَا لَهُ تَعَارُضٌ فِي مَسْأَلَةْ … قَاعِدَةُ التَّرْجِيحِ فِيهِ مُعْمَلَةْ " الْمَسْأَلةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَة " ١٠٢٤ - وَإِنْ يَكُنْ مَا شَقَّ فِي التَّكْلِيفِ … يُجَاوِزُ الْمُعْتَادَ فِي التَّصْرِيفِ ١٠٢٥ - حَتَّى يُرَى عَنْهُ فَسَاد مُطْلَقَا … فَالرَّفْعُ قَصْدُ الشَّرْعِ فِيهِ لَا الْبَقَا " و" أما "ما" هو من المشاق "له تعارض في مسألة" ما بحيث يكون المكلف إن اشتغل بنفسه لزم من ذلك فساد ومشقة لغيره، وإن اشتغل بغيره لزم من ذلك - أيضا - فساد ومشقة له هو نفسه، فإنه يصار في أمره إلى النظر فيتصدى لطلب الجمع بين المصلحتين ودرء المفسدتين، إن أمكن ذلك، وإلا يمكن فـ "قاعدة الترجيح فيه" أي في هذا الموضع "مُعْمَلة" - بصيغة اسم المفعول - فيحتكم إليهما فإذا كانت المشقة العامة أعظم اعتبر جانبها، وأهمل جانب الخاصة. وإن كانت المشقة الخاصة أعظم فإنها المعتبرة فتهمل العامة وإن لم يظهر ترجيح لأي منهما فالمصير إليه هو التوقف. "المسألة الحادية عشرة" في بيان أن المشقة الواقعة بالمكلف في التكليف إذا كانت خارجة عن المعتاد، حتى يحصل منها فساد ديني أو دنيوي فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة. وأما إن لم تكن خارجة عن المعتاد وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية فإن الشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها أيضا. "وإن يكن ما شق" يعني العمل الشادتى الواقع "في التكليف يجاوز" باعتبار حال مكلف ما "المعتاد" أي ما هو جار على العادة "في التصريف" يعني في الإتيان بذلك العمل "حتى يرى" أي يبصر ويعلم أنه ينشأ "عنه فساد مطلقا" سواء كان دينيا أو دنيويا "فـ" حكمه هو "الرفع" فذاك هو "قصد الشرع فيه" على الجملة، وعلى ذلك دلت الأدلة المتقدمة - في مجرى الحديث عن المشقة الخارجة عن المعتاد - ولذلك شرعت فيه الرخص، ومقتضاها أن الشارع قاصد إلى هذا الرفع "لا البقاء" لهذا

стр. 395

١٠٢٦ - وَغَيْرُ خَارجٍ عَنِ الْمُعْتَادِ … بَلْ مِثْلُهُ يُرَى فِي الْأَمْرِ الْعَادِي ١٠٢٧ - فَلَيْسَ لِلشَّارعِ فِي الْإِيقَاعِ … لِذَاكَ قَصْدٌ وَلَا الارْتفَاعِ " الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَة " ١٠٢٨ - الشَّرْعُ فِي التَّكْلِيفِ بِالْأَعْمَالِ … جَارٍ عَلَى سَبِيلِ الاعْتِدَالِ العمل الشاق الخارج عن معتاد المشقات في الأعمال العادية. "و" أما ما هو "غير خارج عن المعتاد" في الأعمال "بل" هو "مثله يرى في "جريان "الأمر العادي" في الأعمال التكليفية، والدنيوية التي يتوسل بها إلى المعاش "فـ" إنه "ليس للشارع في الإيقاع لذاك" العمل الشاق والإتيان به "قصد" من حيث كونه شاقًا "ولا" له - كذلك قصد "في الارتفاع" - يعني في ارتفاعه وزواله. قال الشاطبي: وأما إذ لم تكن خارجة عن المعتاد، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية، فالشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها أيضا، والدليل على ذلك أنه لو كان قاصدا لرفعها لم يكن بقاء التكليف معها؛ لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعبا وتكليفا على قدره قل أو جل؛ إما في نفس العمل المكلف به وإما في خروج المكلف عما كان فيه إلى الدخول في عمل التكليف وإما فيهما معا، فإذا اقتضى الشرع رفع ذلك التعب كان ذلك اقتضاء لرفع العمل المكلف به من أصله، وذلك غير صحيح، فكان ما يستلزمه غير صحيح (١). "المسألة الثانية عشرة" في بيان أن الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل. "الشرع في "شأن "التكليف بالأعمال جار" على الطريق الأوسط الواقع بين طرفي السرف: الإفراط، والتفريط وهكذا مضى "على سبيل الاعتدال" المقتضى لدرء الانحلال من ربقة التكاليف الشرعية، ودفع طلب إسقاط الحظوظ المشروعة.

стр. 396

١٠٢٩ - فِي جُمْلَةِ الشُّؤُونِ وَالْأَحْوَالِ … مِنْ غَيْرِ إِعْنَاتٍ وَلَا انْحِلَالِ ١٠٣٠ - فَإِنْ أَصَابَ ذَا انْحِرَافٌ مُفْرِطْ … فِي الطَّرَفَيْنِ رَدَّهُ لِلْوَسَطْ ١٠٣١ - وَانْظُرْ إِلَى التَّدْرِيجِ فِي الْخِطَابِ … بِحَسَبِ الْعِتَابِ وَالْإِعْتَابِ وهذا أصل بني عليه هذا الشرع "في جملة" أي في كل "الشؤون" أي الأمور سواء كانت عبادات أو معاملات أو غيرها كأمور الدعوة والتبليغ، وفي كل "الأحوال" التي تعرض للمكلفين - من مرض وصحة وقوة فهم، وضعفه وغير ذلك - فكُلٌّ مكلف بما جاء في الشرع على قدر وسعه "من غير إعنات" أي إدخال للمشقة عليه "ولا انحلال" من ربقة التكليف وتوابعه، فجاء - أي الشرع - جاريا على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال، كتكاليف الصلاة، والصيام والحج، والزكاة وغير ذلك مما شرع ابتداء من غير سبب ظاهر اقتضى ذلك، أو لسبب يرجع إلى عدم العلم بطريق العمل، كقوله - تعالى -: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١٥] وقوله - سبحانه -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٩]، وأشباه ذلك. "فإن أصاب" - أي هذا الشرع - ووجد في مجرى تهذيبه للنفوس وتبليغه لما به قيام الخلق على الهدى والاستقامة شخصا "ذا انحراف" أي ميل "مفرط" مسرف متجاوز للحد في ترك الاعتدال "في الطرفين" وهما الأخذ بالحظوظ الدنيوية، والأخذ بمقتضيات التكليف، بأن مال عن الاعتدال المأمور به شرعا في أي من الطرفين "رده" الشرع "للوسط" الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه. "وانظر" على سبيل المثال "إلى" شأن "التدريج" الذي "في الخطاب" الشرعي فإنه ماض على مقتضى هذا الأمر - وهو الرد إلى الطريق الأوسط الأعدل - إذ جاء فيه تذكير الخلق بنعم الله - تعالى - وإقامة الحجج والبراهين القاطعة بصدق ما جاء فيه وصحته، وبيان شأن الدنيا وأمر الآخرة كل ذلك كان بالتدرج ثم لما آمن الناس خوطبوا "بحسب" ما يقتضيه إصلاح أحوالهم من "العتاب" وهو اللوم لمن ظهر عليه منهم الخروج عن الاعتدال إلى طرفي السرف، "والإعتاب" وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب. ويكون ذلك في خطاب الشرع لمن رجع عن الغي إلى الهدى.

стр. 397

١٠٣٢ - فَإِنْ رَأَيْتَ مَيْلَهُ لِجَانِبِ … فَهْوَ مُقَابِل لِأَمْرٍ غَالِبِ ١٠٣٣ - فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِمَّا قَدْ وَقَعْ … أَوْ مَا لَهُ تَرَقُّبٌ أَنْ سَيَقَعْ ١٠٣٤ - مِثْلُ الطَّبِيبِ قَابَلَ الْمُنْحَرِفَا … بِضِدِّهِ حَتَّى يُرَى مُنْعَطِفَا ١٠٣٥ - مِنْ طَرَفِ مَا إِلَى الاعْتِدَالِ … وَيُرْتَجَى لَهُ صلَاحُ الْحَالِ " فَصْلٌ " " فإن رأيت ميله" أي ميل الخطاب الشرعي "لجانب" من الجانبين اللذين يكون بتوازنهما الاعتدال - وهما الأخذ بمقتضيات التكليف والأخذ بالحظوظ المشروعة في هذه الدنيا - وذلك بأن ورد فيه طلب الاهتمام بأحدهما، والعناية به، أو ورد فيه التحذير من حال من أحوالهما "فـ" اعلم أن حصول ذلك إنما "هو مقابل لـ" ما في واقع الأمر من "أمر غالب في الطرف الآخر" سواء كان امرأ دينيا، أو دنيويا وهذا الأمر قد يكون "مما قد وقع" ووجد "أو" يكون غير واقع لكنه من "ما له ترقب" أي انتظار: "أن سيقع" في الزمان الآتي. وبذلك فالشرع "مثل الطبيب" الرفيق فإنه يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته، وقوة مرضه وضعفه، حتى إذ استقلت صحته هيأ له طريقا في التدبير وسطا لإبقائه في جميع أحواله. وهكذا الشرع فإنه إن عالج انحرافا ما "قابل" الشخص المكلف "المنحرفا" المتلبس بما يخرج به عن سبيل الاعتدال "بـ" طلب اعتبار "ضده" يعني ضد ما هو عليه من الوصف الذي صار به منحرفا، وما زال يقابله بذلك "حتى يرى" أي يبصر ذلك المنحرف "منعطفا" مائلا "من طرف ما" من طرفي السرف "إلى الاعتدال" الذي يعرف بما وضعه الشارع من حدود وضوابط في أمور الدين، والدنيا، والتي تدل عليها الأوامر والنواهي الشرعية "و" بذلك الرد "يرتجى له صلاح الحال" أي حاله في الدنيا والآخرة. "فصل" وهذا الانحراف قد يحصل بتغليب الحظوظ المشروعة المباحة على مقتضى التكليف وواجباته، وقد يكون بترك المباحات الشرعية على وجه يخل بالاعتدال،

стр. 398

١٠٣٦ - فَمَنْ عَلَيْهِ الانْحِلَالُ قَدْ غَلَبْ … قُوبِلَ بِالزَّجْرِ وَمَا فِيهِ الرَّهَبْ ١٠٣٧ - وَإِنْ يَكُ الْخَوْفُ لَهُ تَغْلِيبُ … قَابَلَهُ التَّيْسِيرُ وَالتَّرْغِيبُ والشارع في الرد إلى الاعتدال أو الإبقاء عليه يكون خطابه بحسب حال المخاطب "فمن عليه الانحلال" والانسلال من ربقة التكليف "قد غلب" واستحوذ "قوبل" من الشارع "بالزجر" والردع "وما" يحصل "فيه" أي به "الرهب" أي الخوف من النصوص المحذرة من الميل إلى الحظوظ والشهوات ميلا يخرج عن الاعتدال المطلوب شرعا، كقوله ﷺ "إن مما أخاف عليكم ما يفتح لكم من زهرات الدنيا". وقوله - تعالى - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محَمَّد: ٣٦]. وقوله - سبحانه - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقوله - تعالى - ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [القمَان: ٣٣] وغير ذلك من الأدلة الواردة في هذا الشأن. "و" أما "إن يك الخوف" هو الذي "له تغليب" واستحواذ "قابله" من الشارع "التيسير والترغيب" في رحمة الله - تعالى - وفضله. ومن أمثلة ذلك أن الرسول ﷺ لما قال: "آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" شق ذلك على الصحابة، إذ لا يسلم أحد من شيء منه ففسره ﵊ لهم حين أخبروه، بكذب وإخلاف وخيانة مختصة بأهل الكفر. وكذلك لما نزل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٤] الآية، شق عليهم، فنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] وقارف بعضهم بارتداد أو غيره وخاف أن لا يغفر له، فسئل في ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾ [الزُّمَر: ٥٣] الآية، ولما ذم الدنيا ومتاعها همّ جماعة من الصحابة أن يتبتلوا ويتركوا النساء واللذة والدنيا وينقطعوا إلى العبادة، فرد ذلك عليهم رسول الله ﷺ وقال: "من رغب عن سنتى فليس مني" ودعا لأناس بكثرة المال والولد بعدما أنزل الله ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التّغَابُن: ١٥] والمال والولد هي الدنيا: وأقرّ الصحابة على جمع الدنيا والتمتع بالحلال منها، ولم يزهّدهم ولا أمرهم بتركها، إلا عند ظهور

стр. 399

١٠٣٨ - وَحَيْثُ ذَا وَذَاكَ لَيْسَ لَائِحَا … تَرَى سَبِيلَ الاعْتِدَالِ وَاضِحَا ١٠٣٩ - كَذَاكَ مَنْ مَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ … لِجَانِبٍ قَاضٍ بِهَذَا الْحُكْمِ ١٠٤٠ - ثُمَّ التَّوَسُّطَاتُ فِي الْمَقَاصِدِ … تُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَبِالْعَوَائِدِ ١٠٤١ - وَمِنْ هُنَا يُنْظَرُ فِي الزُّهْدِ وَمَا … أَشبَهَهُ أَوْ مَا بِعَكْسٍ عُلِمَا حرص أو وجود منع من حقه، وحيث تظهر مظنة مخالفة التوسط بسبب ذلك وما سواه فلا (١). "و" أما "حيث" يكون "ذا" وهو تغليب الخوف "وذاك" وهو الانحلال "ليس لائحا" أي ظاهرًا أي منهما، فإنك "ترى سبيل الاعتدال" سبيلًا "واضحًا" والتوسط لائحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه. "كذاك" منهج أهل النظر المعتبرين في الدين، فإنه مسنون على هذا الذي تقدم تقريره في شأن الخطاب الشرعي من حيث رعاية أحوال المكلفين الغالبة عليهم، فـ "من مال من أهل العلم" عن التوسط "لجانب" التشديد أو التخفيف فإنه لم يكن ذلك منه إلا لأمر "قاض بهذا الحكم" وموجب له، وقد تقدم ذكر ما يقتضي الميل لأحد الجانبين - "ثم" هنا للترتيب الذكرى - "التوسطات" المعتبرة "في المقاصد" الشرعية في الأمور الدينية والدنيوية إنما "تعرف بالشرع" الذي وردت فيه المعالم والأمارات الدالة عليها، "و" كذلك "بالعوائد" المقبولة شرعا، وما يشهد به معظم العقلاء، كما في الإسراف والإقتار في النفقات. "ومن هنا" في هذا المقام "ينظر في "شأن "الزهد" فإنه يغلب جانبه في الاعتبار إذا وقع الميل إلى الحظوظ الدنيوية "و" كذا "ما أشبهه" كالورع فإنه يغلب اعتباره إذا اقتضى الحال اعتباره كالزهد. "أو" بمعنى الواو يعني وكذلك ينظر في هذا المقام شأن "ما" من الأحوال العارضة "بعكس" لما ذكر من الزهد والورع "علما" وما هو عكس الزهد والورع هو الاشتغال بما تقدم ذكره من الحظوظ الدنيوية. وهو يعتبر ويراعي التنبيه على شأنه إذا وقع الميل الشديد إلى الزهد والورع والانقطاع عن ملذات الحياة الدنيا على وجه يخل بأمر الاعتدال الذي بنيت عليه الشريعة.

стр. 400

النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي دُخُولِ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: " المَسْأَلَةُ الْأُؤلَى " ١٠٤٢ - إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمُقْتَضَاهَا … أَنْ تَخْرُجَ النُّفُوسُ عَنْ هَوَاهَا ١٠٤٣ - حَتَّى يُرَى الْمُكَلَّفُ اخْتِيَارَا … عَبْدًا لِمَنْ يَمْلِكُهُ اضْطِرَارَا ١٠٤٤ - دَلِيلُهُ النَّصُّ الصَّرِيحُ الْآتِي … فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَالآيَاتِ النوع الرابع من المقاصد الشرعية الأربعة المعقودة في بيان قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة وفيه مسائل: "المسألة الأولى" في بيان أن المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبد الله اختيارا كما هو عبد الله اضطرارا. "أن الشريعة لمقتضاها" - اللام لام الابتداء - أي حكمها والمقصد الشرعي من إنزالها هو "أن تَخرُجَ" بفتح التاء والفاعل النفوس، أو بضمها وكسر الراء، والفاعل الشريعة أو بالبناء للمفعول "النفوس عن" سلطان "هواها" وغلبة الشهوات عليها "حتى يرى" يعني يصير "المكلف اختيارا" أي عن اختيار منه "عبدا لمن يملكه" وهو الخالق "اضطرارا" وقهرا بمقتضى العدل. "دليله" أي دليل وبرهان كون الشريعة وضعت لهذا المقصد متعدد منه "النص الصريح". "الآتي" أي الوارد "في الخبر الصحيح" الدال على أن الخلق خلقوا للتعبد لله والدخول تحت أمره ونهيه كما في قوله ﷺ كما في الصحيح (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا). "و" كذلك ما ورد في "الآيات" من كتابه كقوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذّاريَات: ٥٦ - ٥٧] وقوله - تعالى -: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] ثم شرح هذه العبادة في تفاصيل السورة كقوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ إلى قوله

стр. 401

١٠٤٥ - وَمَا أَتَى فِي ذَمِّ كلِّ مُتَّبِعْ … هَوَاهُ إِذْ ذَاكَ بِضِدِّ مَا شُرعْ تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وهكذا إلى تمام ما ذكر في السورة من الأحكام. وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦] إلى غير من ذلك من الآيات الآمرة بالعبادة على الإطلاق وبتفاصيلها على العموم، فذلك كله راجع إلى الرجوع إلى الله في جميع الأحوال والانقياد إلى أحكامه على كل حال. وهو معنى التعبد لله. "و" كذلك من دليل ما ذكر "ما أتى" من النصوص الشرعية "في ذم كل متبع هواه" منقاد له، وهو "إذ" أي حين حصل له "ذاك" الإتباع متلبس "بضد ما" قد "شرع" من الأفعال. ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وقوله - سبحانه -: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النَّازعَات: ٣٧ - ٣٩] وقال في قسيمه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النَّازعَات: ٤٠ - ٤١] وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النّجْم: ٣ - ٤] فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي، وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما، وإذا كان كذلك فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده، فاتّباع الهوى مضاد للحق، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقال: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] ١٠٨] وقال. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾ [محمد: ١٤] وتأمل فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتّبعيه، وقد روي هذا المعنى عن ابن عبّاس أنّه قال: ما ذكر الله الهوى في كتابه إلّا ذمه، فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى. والثالث: ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة، ولذلك اتفقوا على ذم من اتبع شهواته، وسار حيث سارت به؛ حتى

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إن من تقدم ممن لا شريعة له يتبعها، أو كان له شريعة درست، كانوا يقتضون المصالح الدنيوية بكف كل من اتبع هواه في النظر العقلي، وما اتفقوا عليه إلّا لصحته عنده، واطراد العوائد باقتضائه ما أرادوا، من إقامة صلاح الدنيا، وهي التي يسمونها السياسة المدنية، فهذا أمر قد توارد النقل والعقل على صحته في الجملة، وهو أظهر من أن يستدل عليه. وإذا كان كذلك لم يصح لأحد أن يدعي على الشريعة أنها وضعت على مقتضى تشهي العباد وأغراضهم؛ إذ لا تخلو أحكام الشرع من الخمسة، أما الوجوب والتحريم فظاهر مصادمتهما لمقتضى الاسترسال الداخل تحت الاختيار، إذ يقال له "افعل كذا" كان لك فيه غرض أم لا، و"لا تفعل كذا" كان لك فيه غرض أم لا، فإن اتفق للمكلف فيه غرض موافق، وهوىً باعث على مقتضى الأمر والنهى، فبالعرض لا بالأصل، وأما سائر الأقسام - وإن كان ظاهرها الدخول تحت خيرة المكلف - فإنما دخلت بإدخال الشارع لها تحت اختياره، فهي راجعة إلى إخراجها عن اختياره ألا ترى أن المباح قد يكون له فيه اختيار وغرض وقد لا يكون، فعلى تقدير أن ليس له فيه اختيار، بل في رفعه مثلا، كيف يقال: إنه داخل تحت اختياره؟ فكم من صاحب هوى يود لو كان المباح الفلاني ممنوعا؛ حتى إنّه لو وكل إليه تشريعه - مثلا - لحرمه، كما يطرأ للمتنازعين في حق، وعلى تقدير أن اختياره وهواه في تحصيله يود لو كان مطلوب الحصول حتى لو فرض جعل ذلك إليه لأوجبه ثم قد يصير الأمر في ذلك المباح بعينه على العكس، فيحب الآن ما يكره غدًا، وبالعكس؛ فلا يستتب في قضية حكم على الإطلاق، وعند ذلك تتوارد الأغراض على الشيء الواحد، فينخرم النظام بسبب فرض اتباع الأغراض والهوى، فسبحان الذي أنزل في كتابه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] فإذا إباحة المباح مثلا لا توجب دخوله بإطلاق تحت اختيار المكلف، إلا من حيث كان قضاءً من الشارع، وإذ ذاك يكون اختياره تابعًا لوضع الشارع، وغرضه مأخوذًا من تحت الإذن الشرعي لا بالاسترسال الطبيعي، وهذا هو عين إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله (١).

стр. 403

" فَصْلٌ " ١٠٤٦ - وَكلُّ فِعْلٍ بِالْهَوَى قَدْ وَقَعَا … دُونَ اعْتِبَارِ الْأمْرِ وَالنَّهْيِ مَعَا ١٠٤٧ - أَوِ الْتِفَاتِ الإذْنِ فَهْوَ بَاطِلُ … إذْ غَيْرُ قَصْدِ الشَّرْعِ فِيهِ حَاصِلُ ١٠٤٨ - وَصَحَّ مَا الأمْرُ أَوِ النَّهْيُ اتُّبِعْ … فِيهِ أَوِ الْإذْنُ بِقَصْدِ الْمُتَّبِعْ " فصل" فإذا تقرر هذا انبنى عليه قواعد: "و" منها أن "كل فعل" أصله الهوى بحيث يكون "بـ" سبب "الهوى قد وقعا" - الألف للإطلاق - وفُعل "دون اعتبار" أي التفات إلى ما يطلب شرعا الالتفات إليه في ذلك من "الأمر" الشرعي إن كان ما ورد في شأنه أمرا "والنهي" الشرعي إن كان هو ما ورد فيه نهيا فالالتفات يجب أن يكون للأمر والنهي "معا" في هذا الشأن على الوجه المشروع وذلك في كل موضوع بحسبه "أو "كان من غير "التفات" إلى "الاذن" أي التخيير إن كان حكمه الشرعي، "فهو "عمل "باطل" بإطلاق "إذ" هو عمل "غير قصد الشرع فيه حاصل" وثابت وكل ما هو كذلك فإنه ليس إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو ساقط الاعتبار لأنه خلاف الحق بإطلاق. وتأمل حديث ابن مسعود ﵁ في الموطأ: "إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة ويقصرون فيه الخطبة، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة، يبدأون فيه أهواءهم قبل أعمالهم". فأما العبادات فكونها باطلة ظاهر، وأما العادات فذلك من حيث عدم ترتب الثواب على مقتضى الأمر والنهي، فوجودها في ذلك وعدمها سواء، وكذلك الإذن في عدم أخذ المأذون فيه من جهة المنعم به، كما تقدم في كتاب الأحكام وفي هذا الكتاب (١). "وصح" شرعا "ما" من الأعمال "الأمر" الشرعي "أو النهي" الشرعى هو الذي "اتبع" مقتضاه "فيه" يعني في الإتيان به "أو" كان المتبع فيه هو "الاذن" الشرعي، وكان ذلك كله حاصلا "بقصد المتبع" - بكسر الباء - الآتي بذلك العمل.

стр. 404

١٠٤٩ - وَمَا بِهِ يَمْتَزِجُ الْأَمْرَانِ … فَهَاهُنَا لِلْفِعْلِ مَقْصِدَانِ ١٠٥٠ - فَإنْ يَكُ السَّابِقُ أَمْرَ الشَّارعْ … وَمَقْصِدُ الْهَوَى لَهُ كَالتَّابِعْ ١٠٥١ - فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ فِي لِحَاقِهِ … بِالثَّانِ إِذْ جَرَى عَلَى وِفَاقِهِ ١٠٥٢ - لَاكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا تُبِعْ … لِنَيْلِ مِثْلِ ذَلِكَ الْقَصْدِ شُرِعْ لموافقة الشارع في ذلك وإنما كان هذا العمل صحيحا وحقا لأنه قد أتى به من طريقه الموضوع له ووافق فيه صاحبه قصد الشارع. فكان كله صوابا وهو ظاهر. "و" أما "ما" من الأعمال "به" يعني فيه "يمتزج" يختلط "الأمران" وَهما اعتبار الجهة الشرعية والجهة الأخرى - جهة الهوى - معا، بحيث يصير معمولا بهما فيه "فها هنا" في هذا الموضع قد حصل "لـ" هذا "الفعل مقصدان" متعارضان، وهما المقصد لموافقة الشرع، والمقصد إلى إتباع الهوى. وبذلك فإنه قد يصار في هذا المقام إلى الترجيح بين هذين المقصدين. والمعتصم به في ذلك هو أن الحكم للغالب منهما الأقوى في الدفع إلى ذلك الفعل، والسابق منهما للآخر. "فإن يك السابق" منهما في نية العامل هو "أمر الشارع" بحيث يكون قصده نيل غرضه من الطريق المشروع، "و" بذلك يكون "مقصد الهوى له كالتابع" الملغى اعتباره "فذاك" العمل الذي على هذه الصورة عمل صحيح، "لا إشكال في لحاقه بـ" القسم "الثاني" وهو ما كان المتبع فيه مقتضى الشرع خاصة، وإنما كان ملحقا به "إذ جرى على وفاقه" وذلك لأن طلب الحظوظ والأغراض لا ينافي وضع الشريعة من هذه الجهة، لأن الشريعة موضوعة - أيضا - لمصالح العباد، فإذا جعل الحظ تابعا، فلا بأس على العامل. "لاكن" إنما يصح ذلك "بشرط أن يكون ما تبع" أي ذلك القصد التابع "لنيل" وتحصيل "مثل ذلك القصد" يعني ذلك الأمر المقصود، وهو ذلك الحظ قد "شرع" وذلك بأن يكون ذلك الوجه الذي حصل أو يحصل به غرضه مما تبين أن الشارع شرعه لتحصيل ذلك الغرض، وإلا فليس السابق فيه أمر الشارع، وبيان هذا الشرط مذكور في المسألة الثانية من القسم الثاني من قسمي الأحكام.

стр. 405

١٠٥٣ - وَإِنْ يَكُ الْهَوَى لِشَرْعٍ سَابِقَا … فَذَاكَ بِالأوَّلِ يُلْفَى لَاحِقَا " فَصْلٌ " ١٠٥٤ - وَظَاهِرٌ أَنَّ الْهَوَى إِنِ اتُّبِعْ … نَهْجٌ لِمَا قَدْ ذُمَّ شَرْعًا وَمُنِعْ ١٠٥٥ - وَإِنْ يَكُنْ يَبْرُزُ فِي الْوُجُودِ … فِي ضِمْنِ مَا يُلْفَى مِنَ الْمَحْمُودِ " و" أما "إن يك" إتباع "الهوى" غالبا "لشرع" يعني لما شرع في محل ذلك العمل من حكم و"سابقا" عليه في قصد ونية العامل، وصار أمر الشارع كالتبع "فـ" أن "ذاك بـ" القسم "الأول" وهو ما كان الهوى هو المتبع فيه صرفا من غير أي التفات إلى الجهة الشرعية "يلفى" أي يوجد "لاحقا" لأنه مثله من حيث أن الهوى هو المحكم فيهما في واقع الأمر. وعلامة الفرق بين ما سبق فيه الهوى أمر الشارع وغلب، هو تحري قصد الشارع وعدم ذلك. فكل عمل شارك العامل فيه هواه، فانظر فإن كف هواه ومقتضى شهوته عند نهي الشارع فالغالب والسابق لمثل هذا أمر الشارع وهواه تبع. وإن لم يكف عند ورود النهي عليه، فالغالب والسابق له الهوى والشهوة، وإذن الشارع تبع لا حكم له عنده، فواطئ زوجته وهي طاهر، محتمل أن يكون فيه تابعا لهواه، أو لإذن الشارع، فإن حاضت فانكف دل على أن هواه تبع، وإلا دل على أنه السابق (١). "فصل" ومما ينبني على ذلك - أيضا - أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم وإن جاء في ضمن المحمود. "وظاهر" من واقع الحال - حال المكلف وشهواته - "أن الهوى إن اتبع" وحكّم سلطانه، لكان مفضيًا إلى التهلكة، لأن اتباعه "نهج" سبيل موصل "لما قد ذم" - بالبناء للمفعول - "شرعا ومنع" أي حرّم "وإن يكن" ذلك الإتباع "يبرز" ويظهر "في الوجود" وواقع الأمر، وهو "في ضمن ما يلفى" أي يوجد "من" العمل "المحمود" لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفا.

стр. 406

١٠٣٦ - وَهْوَ فِي الْأحْكَامِ إِذَا مَا أُعْمِلَا … مَظِنَّةٌ لِفِعْلِهَا تُحُيِّلَا أما أولا: فإنه سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي لأنه مضاد لها. وأما ثانيا فإنه إذا اتبع واعتيد، ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسا به، حتى يسري معها في أعمالها، ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها في الأمشاج، فقد يكون مسبوقا بالامتثال الشرعي فيصير سابقا له، وإذا صار سابقا له، صار العمل الامتثالي تبعا له وفي حكمه، فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة، ودليل التجربة حاكم هنا. وأما ثالثا فإن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم، وربما أكرم ببعض الكرامات، أو وضع له القبول في الأرض، فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا به، وأمّوه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طرق الأعمال الصالحة من الصلاة والصوم وطلب العلم، والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطرق الخير، فإذا دخل عليه ذلك كان للنفس به بهجة وأنس، وغنى ولذة، ونعيم بحيث تصغر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظة من ذلك، كما قال بعضهم: لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف. أو كما قال، وإذا كان كذلك فلعل النفس تنزع إلى مقدمات تلك النتائج، فتكون سابقة للأعمال، وهو باب السقوط عن تلك الرتبة والعياذ بالله، هذا وإن كان الهوى في المحمود ليس بمذموم على الجملة، فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق، ودليل هذا المعنى مأخوذ من استقراء أحوال السالكين، وأخبار الفضلاء والصالحين، فلا حاجة إلى تقريره هنا (١). وينبني على ذلك - أيضا - من الضوابط - القوا عد - ضابط آخر "وهو" أن إتباع الهوى "في الأحكام" الشرعية كالحل والحرمة "إذا ما أعملا" - الألف للإطلاق - وأخذ بمقتضاه فيها فإنه "مظنة" موطن ظن "لفعلها" أي إتيانها "تحيلا" منه للوصول إلى أغراضه بها بحيث يأتيها قصدا لهذا الأمر، فتصير كالآلة المعدة لاقتناص أغراضه لا لتحكيم مقتضاها والعمل به. فيأتي الحلال على قصد غرضه. وربما جرت اختياراته الفقهية على ذلك السنن. كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة سلما لما في أيدي الناس. وبيان هذا ظاهر. ومن تتبع مآلات اتباع الهوى في الشرعيات وجد من المفاسد كثيرا، وقد تقدم

стр. 407

" المسألة الثانية " ١٠٥٧ - مَقَاصِدُ الْمَشْرُوعِ مِنْهَا أَصْلِي … وَتَابِعٌ لَهُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ ١٠٥٨ - فَأَوَّلٌ قِسْمُ الضَّرُورِيَّاتِ … وَحُكْمُهَا عَلَى الْعُمُومِ ءَاتِ ١٠٥٩ - وَمِنْ هُنَا لَا حَظَّ لِلْمُكَلَّفِ … فِيهَا لِأنْ كَانَتْ لِذَاكَ تَقْتَفِي ١٠٦٠ - لَاكِنَّهَا بَعْدُ عَلَى قِسْمَيْنِ … مِنْهَا كِفَائِيٌّ وَمِنْهَا عَيْنِي في كتاب الأحكام من هذا المعنى جملة عند الكلام على الالتفات إلى المسببات في أسبابها، ولعل الفرق الضالة المذكورة في الحديث أصل ابتداعها اتباع أهوائها، دون توخي مقاصد الشرع (١). "المسألة الثانية" اعلم أن "مقاصد المشروع" يعني أن مقاصد الشريعة - المقاصد الشرعية - ضربان، الضرب الأول "منها أصلي" وسيأتي بيان المراد به، والضرب الثاني "تابع له" أي لذلك الأصلي "بحكم" كونه هو "الأصل". "فـ" أما هذا الذي هو "أول" من هذين القسمين فإنه "قسم الضروريات" المعتبرة في كل ملة، "وحكمها" جار "على العموم" و"آت" على وفق ذلك، لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة، لا تختص بحال دون حال، ولا بصورة دون صورة، ولا بوقت دون وقت "ومن هنا" أي هذا الموضع يقال أنه "لا حظ للمكلف فيها" وذلك "لـ" أجل "أن كانت لذاك" وهو كونها ضرورية وعامة "تقتفي "أي تتبع ما هو ضروري وعام على الوجه المذكور الذي يجب حفظه على كل حال، ولا اختيار للمكلف في أمره. فهذه الضروريات يجب حفظها على الوجه العام المتقدم ذكره، ولا ينظر إلى حظ المكلف في ذلك ولا عدمه. "لاكنها بعد" يعني بعد أن ثبت هذا الأمر فيها ليست قسما واحدا، وإنما هي "على قسمين" إذ "منها" ما هو "كفائي" - وهو أحد القسمين - "ومنها" ما هو "عيني" وهو القسم الآخر.

стр. 408

١٠٦١ - فَكَوْنُهَا لِلْعَيْنِ حَيْثُ أُمِرَا … كلُّ امْرِئٍ بِعَيْنِه مِنَ الْوَرَا ١٠٦٢ - بِحِفْظِ دِينِهِ وَحِفْظِ عَقْلِهْ … وَنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَنَسْلِهِ ١٠٦٣ - وَكَوْنُهَا كِفَايَةٌ مِنْ حَيْثُ مَا … هُوَ لِكُلِّ الْخَلْقِ أَمْرٌ لَزِمَا ١٠٦٤ - فَبِالْجَمِيعِ قَامَتِ الْمَصَالِحْ … بِحِكْمَةِ اللهِ وَهَذَا وَاضِحْ " فـ" أما "كونها للعين" فإن ذلك من "حيث أُمِرَا" - الألف للإطلاق - وخوطب "كل امرئ" أي شخص مكلف "من الورى" ذكرا كان أو أنثى "بحفظ " - متعلق بأُمِرا - "دينه" اعتقادا وعملا، بما يحفظ به من امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، "و" كذلك" أمر بـ "حفظ عقله" مما يُضُّر به أو يفسده، أو يخل بما خلق له من وظائف، "و" كذلك أمر بحفظ "نفسه" ودرء ما يفسدها أو يذهب بها، أو يضرها، "و" بحفظ "ماله" كذلك بما يحفظ به من الضياع والتلف، "و" بحفظ "نسله" مما يفسده من اختلاط الأنساب وعدم صحة نسبته إليه. قال الشاطبي: فأما كونها عينية على كل مكلف في نفسه، فهو مأمور بحفظ دينه اعتقادا وعملا، وبحفظ نفسه قياما بضرورة حياته، وبحفظ عقله حفظا لمورد الخطاب من ربه إليه، وبحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار، ورعيا له عن وضعه في مضيعة اختلاط الأنساب العاطفة بالرحمة على المخلوق من مائه، وبحفظ ما له استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة، ويدل على ذلك أنه لو فرض اختيار العبد خلاف هذه الأمور لحجر عليه، ولحيل بينه وبين اختياره، فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ، محكوما عليه في نفسه، وإن صار له فيها حظ فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي (١). "و" أما "كونها" - أي المقا صد الأصلية المذكورة - شرعت "كفاية" يعني على سبيل الكفاية "من حيث ما هو "أي من جهة كونها "لكل الخلق" أجمعين "أمر لزما" - الألف للاطلاق - يجب عليهم القيام به، وذلك لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها، "في" تضافر وتعاون "الجميع" جميع الخلق. "قامت المصالح" أي مصالحهم العامة والخاصة، لأن الواحد لا يقدر على إصلاح نفسه والقيام بجميع أهله، فضلا عن أن يقوم بقبيلة، فضلا ان يقوم بمصالح أهل الأرض. وبذلك انيط هذا الأمر بالخلق مجتمعين على تحصيله، وذلك كله حاصل "بحكمة الله" تعالى الجارية في أحكامه، وخلقه "وهذا" أمر "واضح" بين. قال الشاطبي: "ويدلك على أن هذا المطلوب الكفائي مُعرّى من الحظ

стр. 409

١٠٦٥ - وَالتَّابِعُ الذِي بِهِ قَدْ رُوعِيَ … حَظُّ مُكَلِّفٍ لَدَى الْمَشْرُوعِ ١٠٦٦ - فَهْوَ بِهِ مُحَصِّلٌ لِمَا جُبِلْ … عَلَيْهِ مِمَّا النَّفْعُ فِيهِ قَدْ شَمِلْ ١٠٦٧ - لِأجْلِ مَا رُكِّبَ فِي الطِّبَاعِ … لِلاكتِسَابَاتِ مِنَ الدَّوَاعِي ١٠٦٨ - فَهْوَ بِمَا جُبِلْ لَّهُ يَسْتَدْعِي … مَصَالِحَ الدُّنْيَا بِحُكْمِ الطَّبْعِ شرعا أن القائمين به في ظاهر الأمر ممنوعون من استجلاب الحظوظ لأنفسهم بما قاموا به من ذلك، فلا يجوز لوال أن يأخذ أجرة ممن تولاهم على ولايته عليهم، ولا لقاض أن يأخذ من المقضى عليه أوله أجرة على قضائه، ولا لحاكم على حكمه، ولا لمفت على فتواه، ولا لمحسن على إحسانه، ولا لمقرض على قرضه، ولا ما أشبه ذلك من الأمور العامة التي للناس فيها مصلحة عامة، ولذلك امتنعت الرشا والهدايا المقصود بها نفس الولاية؛ لأن استجلاب المصلحة هنا مؤد إلى مفسدة عامة تضاد حكمة الشريعة في نصب هذه الولايات، وعلى هذا المسلك يجرى العدل في جميع الأنام، ويصلح النظام، وعلى خلافه يجري الجور في الأحكام، وهدم قواعد الإسلام، وبالنظر فيه يتبين أن العبادات العينية لا تصح الإجارة عليها، ولا قصد المعاوضة فيها، ولا نيل مطلوب دنيوي بها، وأن تركها سبب للعقاب والأدب، وكذلك النظر في المصالح العامة موجب تركها للعقوبة، لأن في تركها أي مفسدة في العالم" (١). هذا شأن المقاصد الأصلية. "و" أما المقصد "التابع" - المعبر عنه بالمقاصد التبعية فيما تقدم - فإنه "الذي به" أي فيه "قد روعي" تحصيل "حظ مكلف" - التنوين للتنويع - "لدى" شَرْع "المشروع" من الأحكام والتكليف به. "فهو" أي المكلف "به" أي بالقصد التابع "محصل" وكاسب "لما جبل" أي فطر وخلق "عليه من "كل "ما" أي الذي "النفع فيه قد شمل" أي غشي - جاء -، وإنما شرع هذا الضرب من المقاصد "لأجل ما ركب" وركز "في الطباع" أي طباع الخلق من الرغبة في نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات وسد الخلات فكان ذلك موجبا "للاكتسابات" التي تلزم وتجب "من" جهة هذه "الدواعي" المركوزة في طباع الخلق. وبذلك "فهو بـ" سبب "ما جبل لَّهُ" - بإدغام اللام في اللام - يعني عليه "يستدعي" يطلب "مصالح الدنيا" التي بها قيام وجود الإنسان وبقاؤه "بحكم" ومقتضى "الطبع" الذي خلق عليه. "وذلك أن حكمة الحكيم الخبير حكمت أن قيام مصالح الدين والدنيا

стр. 410

١٠٦٩ - وَالشَّرْعُ يَسْتَدْعِي لَهُ فِي الْخَلْقِ … مَصَالِحَ الْأُخْرَى بِحُكْمِ الرِّفْقِ ١٠٧٠ - فَحَدَّ لاكْتِسَابِهِ حُدُودَا … وَحِفْظُهَا بِنَيْلِهِ الْمَقْصُودَا إنما يصلح ويستمر بدواع من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو وغيره، فخلق له شهوة الطعام والشراب إذا مسه الجوع والعطش، ليحركه ذلك الباعث إلى التسبب في سد هذه الخلة بما أمكنه، وكذلك خلق له الشهوة إلى النساء، لتحركه إلى اكتساب الأسباب الموصلة إليها، وكذلك خلق له الاستضرار بالحر والبرد والطوارق العارضة، فكان ذلك داعية إلى اكتساب اللباس والمسكن .. " (١). هذا شأن مصالح المكلف في الدنيا المرعية شرعا، وشأن كيفية تحصيلها "و" أما مصالحه غير الدنيوية فإن "الشرع يستدعي" يطلب "له" أي للمكلف "في الخلق" قد يكون "في"- هنا بمعنى الباء فيكون المعنى بالخلق - أي بمعنى أن المكلف يطلب له الشارع بما خلقه من الجنة والنار، وبمن أرسله من الرسل مبشرين ومنذرين. وقد تكون - أي "في" - بمعناها المجازي، فيكون المعنى: في جملة الخلق مشتركين مجتمعين "مصالح" الدار "الأخرى" وذلك كله إنما حصل "بحكم" ومقتضى "الرفق" واللطف الإلهي بالخلق، ولو شاء - سبحانه - لكلف بما ذكر مع الإعراض عن الحظوظ، أو لكلف مع سلب الدواعي المجبول عليها، لكن امتن على عباده بما جعله وسيلة إلى ما أراده من عمارة الدنيا للآخرة، وجعل الاكتساب لهذه الحظوظ مباحا، لا ممنوعا، لكن على قوانين شرعية هي أبلغ في المصلحة، واجري على الدوام مما يعده العبد مصلحة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وبذلك "فـ" إنه قد "حدّ لاكتسابه" أي اكتساب المكلف أسباب ما ذكر من المصالح والحظوظ "حدودا" تتبين بأوامره ونواهيه، وهذه الحدود هي التي إليها المرجع إلى اكتساب تلك الأسباب التزاما وعدمه. فأسباب المصالح الأخروية إنما تعرف بما ورد عنه - أي الشارع - وبما حدها به من حدود. وكذلك أسباب الشقاء فإنها أنما تعرف من هذه الجهة - جهة ما حدّه الشارع فيها - فمن التزم أسباب السعادة على ما حدّه الشارع سعد ومن خالف ذلك أتى بأسباب الشقاء. "وحفظها" أي تلك الحدود "بنيله" أي المكلف، ويمنحه "المقصودا" الذي به

стр. 411

١٠٧١ - فَإِنَّ هَاذِي الدَّارَ مَوْضِعُ الْعَمَلْ … وَيلْكَ لِلْفَوزِ أَوْ لِلْخُسْرِ مَحَلُّ ١٠٧٢ - وَحِينَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ … بِمَا بِهِ النَّفْعُ عَلَى التَّمَامِ ١٠٧٣ - اِحْتَاجَ أَنْ يُعِينَهُ سِوَاهُ … لِنَيْلِ مَا رَءَاهُ مُبْتَغَاهُ ١٠٧٤ - فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ لَنْ يَسْعَا … إِلَّا لِمَا جَرَّ إِلَيْهِ نَفْعَا ١٠٧٥ - وَصَحَّ الانْتِفَاعُ لِلْجَمِيعِ … فِي قَصْدِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْمَجْمُوعِ صلاحه في الدارين وفي الجملة فإن هذه الدار ليست بدار القرار، وإن الاستقرار هناك في دار البقاء. "فإن هاذي" أي هذه "الدار" التي نحن فيها - دار الدنيا - "موضع العمل" والكسب "وتلك" أي الدار الآخرة "للفوز" والفلاح "أو الخسر" - بضم الخاء وسكون السين - أي العقاب "محل" موضع ودار. والمكلف ليست له القدرة على كسب منافعه هذه كلها وحده "وحين" ثبت أنه "لم يقدر على القيام بما" ذكر وهو تحصيل كل ما "به" يكون "النفع" له في الدارين "على التمام" والكمال لضعفه عن ذلك وعدم قدرته عليه "احتاج أن يعينه سواه" من الخلق، وذلك "لنيل ما رءاه" وعلم أنه "مبتغاه" وهو كسب تلك المنافع والمصالح كلها، "فـ" لذلك "صار كل أحد" أي واحد "لن" يعني لا "يسعى إلا لما جر" يعني لما يجر ويجلب من الأمور "إليه نفعا" ومصلحة ونفعه غيره وإن كان ساعيا فيه، فإن ذلك ما كان منه إلا لما يجنيه من منفعة ترجع إليه، فصار يسعى في نفع نفسه واستقامة حاله بنفع غيره. وبهذا حصل التعاون بين الخلق "وصح الانتفاع للجميع" أي لجميعهم "في قصدهم" هذا - وهو كسب النفع لأنفسهم من نفع غيرهم - وذلك ليس من جهة نفع الجميع للجميع وانتفاع الجميع بالجميع، لأن ذلك مستحيل ولا يحتاج إليه بالضرورة، وإنما "من جهة" انتفاع "المجموع" بالمجموع، وهذا لا يشترط فيه الشمول للخلق كلهم، ولا التعيين، إذ يصدق على تعاون بعض من الناس مع آخرين فقط وإن كان كل واحد منهم في حقيقة الأمر إنما يسعى إلى نفع نفسه. فإذا تقرر هذا وعلم علم أن هذه المقاصد التبعية الفرعية - روعي فيها حظ المكلف ليستقيم حاله في أمور دينه ودنياه، وأن حكمة الحكيم الخبير حكمت بأن قيام الدين والدنيا إنما يصلح ويستمر بهذا، وأدرك على بينة أن المقاصد التي يقتضيها محض العبودية وهي لا حظ للمكلف فيها هي المقاصد الشرعية الأصلية وأدرك أيضا على

стр. 412

١٠٧٦ - وَصَارَت المَقَاصِد الفَرْعِيَّة … مِنْ أَجْلِ ذَا خَادِمَة الأصْلِيَّة " المسألة الثالثة " ١٠٧٧ - وَحَاصِل أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ … ضَرْبَانِ ضَرْبٌ لِلْعِبَادِ آتِ ١٠٧٨ - وَالْحَظُّ فِيهِ عَاجِلٌ مَقصُودُ … وَالآخَرُ الْعَكْسُ بِهِ مَوْجُودُ ١٠٧٩ - فَأَوَّلٌ لِمَا تَقَوَّى الدَّاعِي … لِجَلْبِهِ مِنْ جِهَةِ الطِّبَاعِ وضوح أنه "صارت المقاصد الفرعية" هذه "من أجل ذا" الحال التي هي عليه "خادمة" للمقاصد "الأصلية" المذكورة. وهذا ظاهر لأن المقاصد الفرعية التبعية هذه وسيلة لإدراك المقاصد الأصلية المذكورة المقصودة للشارع بالذات، وآلة معدة لاقتناصها. "المسألة الثالثة" "المسألة الثالثة" في بيان أن الضروريات ضربان: "و" وبيان ذلك أن ما هو "حاصل" من جملة ما تقدم هو "أن الضروريات ضربان": أحدهما "ضرب للعباد" أي الخلق "آت" أي جاء بيانه أو جاء في الشريعة لأجل حظوظ الخلق في الدنيا "و" هذا الضرب "الحظ" ورغبة النفوس "فيه عاجل" يتمتع به في هذه الدنيا "مقصود" شرعا ذلك فيه - كما تقدم ذكره - وذلك كقيام الإنسان بمصالح نفسه، وعياله في الاقتيات واتخاذ السكن، والمسكن واللباس، وما يلحق بها من المتممات، كالبيوع والإجارات، والأنكحة وغيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانية (١). "و" أما الضرب "الآخر" وهو الثاني فإنه على خلاف الأول إذ "العكس" لما تقدم "به" أي فيه "موجود" وذلك أنه ليس فيه حظ عاجل مقصود، سواء كان من فروض الأعيان كالعبادات البدنية والمالية: من الطهارة، والصلاة والصيام، والزكاة، والحج وما أشبه ذلك أو كان من فروض الكفايات كالولايات العامة: من الخلافة، والوزارة، والنقابة، والعرافة، والقضاء، وإمامة الصلوات، والجهاد، والتعليم، وغير ذلك من الأمور التي شرعت عامة لمصالح عامة إذ لو فرض عدمها أو ترك الناس لها انخرم النظام. "فـ" أما الذي هو ضرب "أول" من هذين الضربين فإنه "لما تقوى الداعي" النفسي "لجلبه" وكسبه، وكان داعيا قاهرا للمكلف، من جهة سلطان ما جبل عليه الناس "من جهة الطباع"

стр. 413

١٠٨٠ - كَانَ مِنَ الشَّرْعِ بِإِذْنٍ أَوْ طَلَبْ … نَدْبٍ فَإنْ يَعْرَ عَنِ الدَّاعِي وَجَبْ ١٠٨١ - إِمَّا عَلَى الْعَيْنِ أَوِ الْكِفَايَهْ … وَصَارَ حَظُّ الْغَيْرِ بَادِي الآيَهْ ١٠٨٢ - مُقَدَّمًا عَلَى سِوَاهُ فِي الطَّلَبْ … وَأُكِّدَ الْكَفُّ مِنْ أَجْلِ ذَا السَّبَبْ التي لا تنفك مرغمة لهم على تلبية ما يبعث عليه وتطلبه. "كان" طلبه "من" جهة "الشرع بإذن" أي إباحة - تخيير بين الفعل والترك - "أو طلب ندب" واستحباب وذلك كالاحتراف والتكسب والنكاح فكل ذلك مطلوب في الجملة طلب الندب، لا طلب الوجوب بل كثيرا ما يأتي طلب ذلك في معرض الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥] وقوله سبحانه ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ١٠] وغير ذلك من النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن. وهذا الحكم إنما يجري فيما يسوق إليه الداعي النفسي "فإن يعر" كسب وطلب هذا الضروري من الضروريات "عن الداعي" المذكور فإنه لا يجري فيه الحكم المتقدم - الإباحة أو الندب - وإنما يصير مما قد "وجب" وفرض ويكون ذلك الوجوب "اما على عين" غير صاحب الحظ، وذلك كوجوب القيام بوظائف الزوجات والأولاد على الزوج، والأب "أو" على "الكفاية" كوجوب غسل الميت وكفنه ودفنه والصلاة عليه. وغير ذلك مما هو واجب على الكفاية لخلوه من داع نفسي ونازع طبعي. فإن لم يكن خاليا منه فإنه يطلب على الكفاية طلب إباحة أو ندب، كما في شأن تولي الولايات والرئاسة، وما شابهها وذلك لما جبلت عليه النفوس من حب ذلك والرغبة فيه كما سيأتي بيانه وهذا بين جلي. وأما ما فيه حظ الغير، فإنه مقدم طلبه على طلب حظ النفس المباشر المنزوع إليه من جهة النفس. "وصار حظ الغير" حال كونه "بادي الآية" أي ظاهر العلامة (١). "مقدما على سواه" وهو - كما تقدم ذكره الحظ المباشر الذي تدفع إليه النفس وبيان ذلك أن ما تدفع إليه رغبات النفوس ودواعيها لم يطلب من جهة الشرع إلا طلب إباحة، أو ندب - كما سبق ذكره - لأن الإتيان به محال على هذه الدواعي والرغبات، فهي تلزم بالإتيان به، لما لها من سلطان على النفوس وقهر لها. فإذا تعارض هذا الحظ مع حظ الغير، فإنه يقدم حظ الغير شرعا بالكف عن طلب ذلك الحظ المنزوع إليه، لكونه غلابا قهارا. ويكون ذلك التقديم بالطلب الشرعي "وأكد" أي قوى "الكف" وذلك "من أجل ذا السبب" وهو - كما تقدم ذكره - أن الطبع النازع إلى طلب مصلحة

стр. 414

١٠٨٣ - بِالزَّجْرِ فِي الدُّنْيَا وبِالإيعَادِ … بِلَاحِقِ الْعَذَابِ فِي الْمِعَادِ ١٠٨٤ - وَضَرْبُهَا الثَّانِي بِذِي الْمَثَابَةِ … مَا قَدْ أَتَى فِيهِ عَلَى الْكِفَايَةِ ١٠٨٥ - وَمَا عَلَى الْأعْيَانِ مِنْهُ قَدْ أَتَى … فَالْقَصْدُ لِلشَّارعِ فِيهِ ثَبَتَا الإنسان ودرء مفسدته يغرى ويشلى المكلف بقوة على الإقدام على ذلك - على كل حال - فكان كفه عن ذلك فيما فيه يقدم حظ غيره بما ذكر من الكف و"بالزجر في الدنيا" بما ينزجر به كالتعزيرات والحدود والتأديبات "وبالإيعاد" والتهديد "بلاحق العذاب" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي بالعذاب اللاحق "في المعاد" - بفتح الميم - أي يوم القيامة لكل من لم يكف نفسه عما نهي عنه من ذلك. وذلك كقتل النفس التي حرم الله، والزنا، والخمر، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى وغيرهم من الناس بالباطل، والسرقة، وغير ذلك. "و" هكذا حال "ضربها" أي الضروريات "الثان بذي المثابة" فإنه جار على هذا السبيل أعني "ما" كان "قد أتى فيه على الكفاية" أو أكثر أنواعه. فما كان منه في النفس نوازع إليه فإنه يطلب طلب إباحة أو ندب وذلك كالولايات ونحوها مما ترغب فيه النفوس وتجمح إليه. قال الشاطبي: فإن عز السلطان وشرف الولايات ونخوة الرياسة، وتعظيم المأمورين للآمر مما جبل الإنسان على حبه، فكان الأمر بها جاريا مجرى الندب لا الإيجاب، بل جاء ذلك مقيدا بالشروط المتوقع خلافها، وأكد النظر في مخالفة الداعي، فجاء كثير من الآيات والأحاديث في النهي عما تنزع إليه النفس فيها كقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] إلى آخرها، وفي الحديث: "لا تطلب الإمارة فإنك إن طلبتها باستشراف نفس وكلت إليها" أو كما قال، وجاء النهي عن غلول الأمراء وعن عدم النصح في الإمارة لما كان هذا كله على خلاف الداعي من النفس ولم يكن هذا كله دليلا على عدم الوجوب في الأصل بل الشريعة كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات (١). هذا شأن ما كان على الكفاية. "و" أما "ما على الأعيان" الاشخاص "منه" أي هذا القسم "قد أتى" مفروضا "فالقصد للشارع فيه" يعني في الإتيان به أمر "ثبتا" فكان الطلب

стр. 415

١٠٨٦ - مُؤَكَّدًا فِي الْفِعْلِ بِالْإِيجَابِ … وَالتَّرْكِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْعِقَابِ " فَصْلٌ " ١٠٨٧ - وَذُو كِفَايَةٍ بِحُكْمِ الْقَصْدِ … إِن اعْتَبَرْتَ فِيهِ حَظَّ الْعَبْدِ ١٠٨٨ - وَجَدْتَهُ يَصْلُحُ لِلتَّقْسِيمِ … بِحَسَبِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ الشرعى له "موكدا" الامتثال "في" شأن "الفعل" الوارد فيه - أي في هذا القسم "بالإيجاب" والإلزام - إذ يكون بالإتيان به أمرا جازما. "و" كذلك شأن "الترك" الوارد فيه فإنه يكون مؤكدا الأمر فيه "بالتحريم" والمنع للمأمور بتركه "العقاب" على المخالفة في ذلك بالعقوبات. وإنما كان هذا القسم على هذا الوجه من جريان الجزم فيه في الأفعال والتروك لخلوه من حظ المكلف العاجل خلاف ما عليه القسم الأول من جهة كونه وضع الشارع الأسباب فيه لنيل الحظوظ العاجلة على الوجه الذي تقدم ذكره. وأما هذا القسم - القسم الثاني - فإنا نعلم كما قال الشاطبي: ((أن الشارع شرع الصلاة وغيرها من العبادات لا لنحمد عليها ولا لننال بها في الدنيا شرفا وعزا أو شيئا من حطامها فإن هذا ضد ما وضعت له العبادات بل هي خالصة لله رب العالمين ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمَر: ٣] (١). وهكذا كل ما شرع عبادة وخوطب به الأعيان على وجه الوجوب، فإنه مقصور أمره على أنه أمر يجب صرفه لله رب العالمين. "فصل" في أن ما كان مطلوبا من جهة الشارع طلب كفاية إذا اعتبر فيه حظوظ المكلف من حيث كونها مقصودة على وجه الخصوص أو على وجه العموم، فإنه يلفى فيه واردا على اضرب ثلاثة سيأتي بيانها. "وذو كفاية" من الضروريات "بحكم" ومقتضى "القصد" الشرعي منه أن "اعتبرت فيه" شأن وأمر "حظ العبد" المكلف بفعله "وجدته يصلح للتقسيم" إلى ثلاثة أقسام، وذلك "بحسب" كون ذلك الحظ ثابتا للمكلف على وجه "الخصوص" فيكون مقصودا من ذلك الفعل على وجه الخصوص بالقصد الأول، وذلك يكون حظ غيره إن حصل منه تبعا له، "و" بحسب "العموم" بحيث يكون غير مقصود بالقصد الأول ولكنه يرد لما قصد بالقصد الأول وهو المصلحة العامة فيكون اعتباره من

стр. 416

١٠٨٩ - فَمِنْهُ مَا الْحَظُّ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ … بِالْقَصْدِ الأوَّلِ بِحَيْثُ مَا ظَهَرْ ١٠٩٠ - مِثْلَ الْوِلَايَاتِ التِي قَدْ عَمَّتِ … مَصَالِحُ الدُّنْيَا بِهَا لِلأمَّةِ جهة العموم كما سيأتي ذكره. وبذلك "فمنه" أي ما ذكر من القصد الشرعي إلى حظ المكلف في الضروري الكفائي "ما الحظ" أي حظ المكلف "به" أي فيه "لم يعتبر" فلم يشرع فيه "بالقصد الأول" الذي هو القصد الشرعي من تشريع ذلك الضروري الكفائي "بحيث ما" أي في أي موضع من المواضع وأبواب الفقه "ظهر" وذلك "مثل الولايات التي" لأمور المسلمين "قد عمت" أي وشملت "مصالح الدنيا بها" بسببها "للأمة" وذلك كالخلافة والوزارة والنقابة، والقضاء، وإمامة الصلاة والجهاد والتعليم وغير ذلك من الأمور التي شرعت مصالحها لعامة الخلق، وهذه المصالح المذكورة هي المقصودة منها بالقصد الأول. وأما حظ المكلف من ذلك فإنه إنما يحصل تبعا، فيكون مقصودا للشارع من ذلك بالقصد الثاني، وبذلك لا يصح القصد إليه فيما ذكر من جهة المكلف به. فهذه الولايات وما جرى مجراها ما شرعت لينال بها عز السلطان ونخوة الولاية وشرف الأمر والنهي عن المنكر وغير ذلك من الحظوظ النفسية، وإن كان قد يحصل ذلك بالتبع فإن عِزّ المتقي لله في الدنيا وشرفه على غيره لا ينكر وكذلك ظهور العزة في الولايات موجود معلوم ثابت شرعا من حيث يأتي تبعا للعمل المكلف به، وهكذا القيام بمصالح الولاة من حيث لا يقدح في عدالتهم حسبما حده الشارع غير منكر ولا ممنوع بل هو مطلوب متأكد فكما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة، فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك وقد قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] الآية وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطّلَاق: ٢ - ٣] وفي الحديث: "من طلب العلم تكفل الله برزقه" إلى غير ذلك مما يدل على أن قيام المكلف بحقوق الله سبب لإنجاز ما عند الله من الرزق (١). هذا هو القسم الأول، وحظ المكلف - كما ترى غير مقصود للشارع بالأصالة - القصد الأول وإنما هو آت في عموم مصالح الخلق فيه، ولم يكن إلا من طريق التبع للمصالح المذكورة. كما تقدم ذكره.

стр. 417

١٠٩١ - وَمِنْهُ مَا الْحَظُّ لَدَيْهِ يُقْتَضَا … وَذَاكَ مَا مَصْلَحَةَ الْغَيْرِ اقْتَضَا ١٠٩٢ - فِي ضِمْنِ مَا الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ اقْتَرَفْ … مِثْلَ الصِّنَاعَاتِ وَأَنْوَاعِ الْحِرَفْ ١٠٩٣ - فَهْوَ خُصُوصٌ وَالْعُمُوم بِالْعَرَضْ … وَمِنْهُ قِسْمُ ذَا وَذَا فِيهِ عَرَضْ ١٠٩٤ - بِالْقَصْدِ لِلْحَظِّ وَلَحْظِ الأمْرِ … فَهْوَ خُصُوصْ فِي عُمُومِ يَجْرِي وأما القسم الثاني فقد أورده الناظم بقوله: "ومنه" أي ما ذكر من القصد الشرعي إلى حظ المكلف في الضروري الكفائي "ما" أي الذي اعتبر فيه حظ المكلف بالقصد الأول، وبذلك فـ "الحظ" المذكور "لديه" أي فيه "يقتضى" أي يؤخذ ويستجلب "وذاك" الذي هو على هذا الحال هو "ما" استجلب "مصلحة الغير" أي غير المكلف و"اقتضا"ها بحكم العرض والتبعية، وذلك يحصل "في ضمن" أي في طي ومحتوى "ما" من الحظوظ اقترف "المرء" خاصة "لنفسه اقترف" أي اكتسب، وذلك "مثل الصناعات" كالخياطة والدباغة والحياكة والحدادة "وأنواع الحرف" كالتجارة، والميرة، وغير ذلك مما يعد حرفة عادية. وكل ما كان من هذا الصنف من الضروري الكفائي "فهو" من جهة قصد الشارع إليه "خصوص" أي ذو خصوص بالمكلف "والعموم" أي عموم المصلحة المترتبة عنه لغير المكلف، إنما يكون "بالعرض" وبالتبعية. فالمكتسب لرزقه من حرفة أو صناعة يترتب عن عمله في ذلك مصلحة عامة، إلا أنها لم تكن من ذلك بالأصالة، وإنما بالعرض - كما تقدم بيانه -. هذا - بإيجاز - حال هذا القسم - القسم الثاني - "و" أما الثالث "منه" أي مما ذكر من القصد الشرعي إلى حظ المكلف في الضروري المذكور - فهو "قسم" لم يتمحض حاله، إذ هو متردد بين القسم الأول والقسم الثاني، فمقتضى وحكم "ذا" القسم الأول "وذا" القسم الثاني، كل واحد منهما فيه "عرض" وظهر إمكان جريانه فيه. وذلك حاصل .... "بـ" اعتبار "القصد للحظ" أي حظ المكلف الذي يظهر أنه يحتمل اعتباره والقصد إليه فيه. وثانيهما: "لحظ" أي اعتبار"الأمر" الشرعي الوارد فيه، والذي لا حظ للمكلف فيه، وكونه ولاية. وبذلك "فهو" أي هذا القسم "خصوص" في القصد إلى حظ المكلف فيه باعتبار أنه ليس له ولاية عامة خالصة. "في" بمعنى مع "عموم" ذي عموم باعتبار أنها ولاية بغض النظر عن كونها خاصة. فهذان الأمران الخصوص والعموم كلاهما أمره "يجري" في هذا القسم. وهذا يتجلى في الأمور التى لم تتمحض في كونها عامة، كما أنها ليست

стр. 418

١٠٩٥ - وَتَحْتَ ذَا تَدْخُلُ فِي الْأحْكَامِ … وِلَايَةُ الأوْقَافِ وَالأيْتَامِ " المسألة الرابعة " ١٠٩٦ - مَا فِيهِ حَظُّ الْعَبْدِ مَحْضًا وَإِذَنْ … فِيهِ بِتَخْلِيصٍ مِن الْحَظِّ قَمِنْ ١٠٩٧ - لِمَنْ تَلَقَّى بِالْقَبُولِ الإِذْنَا … فَصَارَ قُرْبَةً بِهَذَا المَعْنَا خاصة خالصة. "وتحت ذا" أي هذا الذي ذكر "تدخل في" شأن ما يقرر من "الأحكام" الفقهية فيها "ولاية الأوقاف" أي الاحباس، "و" ولاية "الأيتام" والصدقات، والأذان وما أشبه ذلك. "فإنها من حيث العموم يصح فيها التجرد من الحظ ومن حيث الخصوص وأنها كسائر الصنائع الخاصة بالإنسان في الاكتساب يدخلها الحظ ولا تناقض في هذا فإن جهة الأمر بلاحظ غير وجه الحظ فيؤمر انتدابا أن يقوم به لحظ ثم يبذل له الحظ في موطن ضرورة أو غير ضرورة حين لا يكون ثم قائم بالانتداب وأصل ذلك في والي مال اليتيم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ٦] وانظر ما قاله العلماء في أجرة القسام والناظر في الأحباس والصدقات الجارية وتعليم العلوم على تنوعها ففي ذلك ما يوضح هذا القسم" (١). "المسألة الرابعة" في بيان أن ما فيه حظ المكلف محضا - من المأذون فيه - يتأتى تخليصه من الحظ، فيكون العمل فيه لله تعالى خالصا فإنه من قبيل ما أذن فيه أو أمر به. وإذا كان كذلك فهل يلحق بالقسم الأول الماضي ذكره في المسألة السابقة وهو القسم الذي لا حظ للمكلف فيه أم لا؟ "ما" من عمل قد ثبت "فيه حظ العبد محضا" خالصا، بحيث يكون قد قصده الشارع منه "وأذن فيه" يعني في كسبه واقتناصه منه فإنه أي هذا العمل إلا وهو جدير "بتخليص" له "من الحظ" المذكور و"قمن "به، إذ يتأتى فيه ذلك، فيكون العمل فيه لله خالصا وذلك يحصل "لمن تلقى بالقبول" والرضى وانشراح الصدر "الإذنا" - الألف للإطلاق - الشرعي معتبرا المأذون فيه هدية من الله تعالى "فـ" من أتى العمل المأذون فيه المذكور متصفا بهذا الوصف فإن عمله ذاك قد "صار قربة" - بضم القاف - أي عملا يتقرب به إلى الله - تعالى - وإنما كان كذلك "بـ" سبب "هذا المعنى" المذكور.

стр. 419

١٠٩٨ - كَمِثْلِ مَنْ لَبَّى بِالامْتِثَالِ … مَا طَلَبَ الشَّرْعُ وَلَا يُبَالِي ١٠٩٩ - وَهَلْ بِمَا لَا حَظَّ فِيهِ يُعْتَبَرْ … تَلْحَقُه فِي الْحُكْمِ فِي هَذَا نَظَرْ ١١٠٠ - مَرْجِعُهُ إِلَى اعْتِبَارِ الرُّتَبِ … فِي الأخْذِ لِلْحَظِّ مِنَ التَّسَبُّبِ و"كمثل" المتلقي المذكور في هذا الشأن "من لبى" أي استجاب "بالامتثال" يعني بامتثاله "ما طلبـ"ـه "الشرع" منه "ولا يبالي" بما سوى ذلك، فلم يستحضر في الاعتبار شيئا سوى الاستجابة للطلب الشرعي في ذلك، فكان ذلك سائقه وحده. فالحظ الذي له في ذلك لم يحضره في البال، ولم يعتبره، فهذا مثل المتلقي للإذن بالقبول المذكور في كون عمله هذا قربة وعملا يتقرب به لله رب العالمين. "و" إذا تقرر هذا وثبت أمره في هذا العمل فـ "هل" هو "بما" أي بالعمل الذي "لا حظ" عاجل للمكلف "فيه يعتبر" ويوزن، وبذلك "تلحقه" به "في الحكم" إذ صار ملحقا به في القصد؟ أو لا يلحق به نظرا لكونه في الأصل مما ثبت فيه القصد إلى الحظ؟ "في هذا " الأمر"نظر" وبحث "مرجعه إلى اعتبار" عدم تساوي "الرتب" يعني مراتب الناس "في" شأن "الأخذ للحظ من التسبب" والتكسب. قال الشاطبي: الناس في أخذ حظوظهم على مراتب: منهم من لا يأخذها إلا بغير تسببه (يعني إلا مع اعتقاد أنه غير متسبب فيها، وإن الفضل في ذلك كله لله - تعالى وحده -) فيعمل العمل أو يكتسب الشيء فيكون فيه وكيلا على التفرقة على خلق الله بحسب ما قدر ولا يدخر لنفسه من ذلك شيئا بل لا يجعل من ذلك حظا لنفسه من الحظوظ إما لعدم تذكره لنفسه لاطراح حظها حتى يصير عنده من قبيل ما ينسى وإما قوة يقين بالله لأنه عالم به وبيده ملكوت السموات والأرض وهو حسبه فلا يخيبه أو عدم التفات إلى حظه يقينا بأن رزقه على الله فهو الناظر له بأحسن مما ينظر لنفسه أو أنفة من الالتفات إلى حظه مع حق الله تعالى أو لغير ذلك من المقاصد الواردة على أصحاب الأحوال وفي مثل هؤلاء جاء ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحَشر: ٩]. وقد نقل عن عائشة ﵂ أن ابن الزبير بعث لها بمال في غرارتين قال الرواي أراه ثمانين ومائة ألف فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فجعلت تقسمه بين الناس فأمست وما عندها من ذلك درهم فلما أمست قالت يا جارية هلمي أفطري فجاءتها

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بخبز وزيت فقيل لها أما استطعت فيما قسمت أن تشتري بدرهم لحما .... تفطرين عليه فقالت لا تعنيني لو كنت ذكرتني لفعلت وخرج مالك أن مسكينا سأل عائشة وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاة لها أعطيه إياه فقالت ليس لك ما تفطرين عليه فقالت أعطيه إياه قالت ففعلت فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما يهدى لنا شاة وكفنها فدعتني عائشة فقالت كلي من هذا هذا خير من قرصك وروى عنها أنها قسمت سبعين ألفا وهي ترقع ثوبها وباعت ما لها بمائة ألف وقسمته ثم أفطرت على خبز الشعير وهذا يشبه الوالي على بعض المملكة فلا يأخذ إلا من الملك لأنه قام له اليقين بقسم الله وتدبيره مقام تدبيره لنفسه ولا اعتراض على هذا المقام بما تقدم فإن صاحبه يرى تدبير الله له خيرا من تدبيره لنفسه فإذ دبر لنفسه انحط عن رتبته إلى ما هو دونها وهؤلاء هم أرباب الأحوال ومنهم من يعد نفسه كالوكيل على مال اليتيم إن استغنى استعف وإن احتاج أكل بالمعروف وما عدا ذلك صرفه كما يصرف مال اليتيم في منافعه فقد يكون في الحال غنيا عنه فينفقه حيث يجب الإنفاق ويمسكه حيث يجب الإمساك وإن احتاج أخذ منه مقدار كفايته بحسب ما أذن له من غير إسراف ولا إقتار وهذا أيضا براءة من الحظوظ في ذلك الاكتساب فإنه لو أخذ بحظه لحابى نفسه دون غيره وهو لم يفعل بل جعل نفسه كآحاد الخلق فكأنه قسام في الخلق يعد نفسه واحدا منهم. وفي الصحيح عن أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم وفي حديث المواخاة بين المهاجرين والأنصار هذا وقد كان ﵊ يفعل في مغازيه من هذا ما هو مشهور فالإيثار بالحظوظ محمود غير مضاد لقوله ﵊ ابدأ بنفسك ثم بمن تعول بل يحمل على الاستقامة في حالتين فهؤلاء والذين قبلهم لم يقيدوا أنفسهم بالحظوظ العاجلة وما أخذوا لأنفسهم لا يعد سعيا في حظ إذ للقصد إليه أثر ظاهر وهو أن يؤثر الإنسان نفسه على غيره ولم يفعل هنا ذلك بل آثر غيره على نفسه أو سوى نفسه مع غيره. وإذا ثبت ذلك كان هؤلاء برآء من الحظوظ كأنهم عدوا أنفسهم بمنزلة من لم يجعل له حظ وتجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسبا لغيره لا له ولذلك بالغوا في النصيحة

стр. 421

" المسألة الخامسة " ١١٠١ - وَالْفِعْلُ إِنْ وَافَقَ فِي الْوُقُوعِ … الْمَقْصِدَ الأصْلِيَّ فِي الْمَشْرُوعِ فوق ما يلزمهم لأنهم كانوا وكلاء للناس لا لأنفسهم فأين الحظ هنا بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم وإن جازت كالغش لغيرهم فلا شك أن هؤلاء لاحقون حكما بالقسم الأول بإلزامهم أنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداء ومنهم من لم يبلغ مبلغ هؤلاء بل أخذوا ما أذن لهم فيه من حيث الإذن وامتنعوا مما منعوا منه واقتصروا على الانفاق في كل ما لهم إليه حاجة فمثل هؤلاء بالاعتبار المتقدم أهل حظوظ لكن مأخوذة من حيث يصح أخذها فإن قيل في مثل هذا إنه تجرد عن الحظ فإنما يقال من جهة أنهم لم يأخذوها بمجرد أهوائهم تحرزا ممن يأخذها غير ملاحظ للأمر والنهي وهذا هو الحظ المذموم إذا لم يقف دون ما حد له بل تجرأ كالبهيمة لا تعرف غير المشى في شهواتها ولا كلام في هذا وإنما الكلام في الأول وهو لم يتصرف إلا لنفسه فلا يجعل في حكم الوالي على المصالح العامة على المسلمين بل هو وال على مصلحة نفسه وهو من هذا الوجه ليس بوال عام والولاية العامة هي المبرأة من الحظوظ فالصواب والله أعلم أن أهل هذا القسم معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين وهما من لا يأخذ بتسبب أو يأخذ به لكن على نسبة القسمة ونحوها (١). "المسألة الخامسة" في أن العمل إذا وقع على وفق المقاصد الشرعية فإنه إما أن يكون واقعا على وفق المقاصد الأصلية، أو المقاصد التابعة وكل قسم من هذين فيه نظر وتفريع. "والفعل إن" أتى به المكلف وقد وافق مقصده فيه المقصد الشرعي منه، فإنه إما أن يكون قد وافق فيه المقصد الشرعي الأصلي - كالنسل الذي هو المقصود الأصلي من النكاح - وإما أن يكون قد وافق فيه المقصد الشرعي التبعي منه - كالاستمتاع الذي هو المقصد التبعي من النكاح -. فإن يكن مقصد المكلف ذاك قد "وافق في الوقوع المقصد الأصلي في" ذلك الفعل "المشروع".

стр. 422

١١٠٢ - بِحَيْثُ رَاعَاهُ فَلَا إِشْكَالَ فِي … صِحَّةِ هَذَا الْفِعْلِ لِلْمُكَلَّفِ ١١٠٣ - هَبْ أُهْمِلَ الْحَظُّ بِهِ أَوْ رُوعِي … قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فِي التَّشْرِيعِ ١١٠٤ - وَالرَّعْيُ لِلْمَقَاصِدِ الأصْلِيَّهْ … تُبْنَى عَلَيْهِ نُكَتٌ فِقْهِيَّهْ ١١٠٥ - مِنْ ذَاكَ أَنْ يَصِيرَ فِعْلُ الْعَادَهْ … أَقْرَبَ لِلإِخْلَاصِ وَالْعِبَادَهْ وذلك "بحيث" استحضره في الاعتبار و"راعاه" في ذلك الفعل قصدا "فـ" إنه "لا إشكال في صحة هذا الفعل" بالنسبة "للمكلف" الآتي به، مطلقا "هب" أنه قد "أهمل الحظ "أي حظ المكلف "به" أي فيه - أي في ذلك الفعل - "أو روعي" واعتبر فيه، فإن ذلك غير قادح في صحته لأن ذلك المكلف في فعله هذا "قد حصّل المقصود" الشرعي "في التشريع" وهو إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبد الله وهذا كاف. وطريقة بناء القاعدة الاصطلاحية في ذلك أن يقال: مثلا رعي المقاصد الشرعية الأصلية تقرب للإخلاص، ورعي المقاصد الشرعية الأصلية في العادات تقربها من العبادة، وهكذا سائر ما يبنى على ذلك الرعي. "و" اعلم أن "الرعي" في الأعمال "للمقاصد" الشرعية "الأصلية" أمر "تبنى عليه نكت" - بضم النون وفتح الكاف - جمع نكتة، والنكتة ما يستخرج بالنظر الدقيق من المعاني وأثمار الأدلة، والمراد بالنكت هنا القواعد، يعني إن رعي المقاصد الشرعية الأصلية تبنى عليه قواعد "فقهية" وسميت قواعد باعتبار كونها قوانين وضوابط يجري حكمها على جزئيات كثيرة. "من ذاك" الذي يبنى من القواعد على هذا الرعي "أن يصير فعل العادة" وهو ما به يحصل كسب الحظوظ النفسية المشروعة ومصالح الدنيا عادة كالصنائع والحرف والمعاملات "أقرب للإخلاص" فيه "و" أقرب لأن يصير من "العبادة" لأنه - أي ذلك الرعي - يبعد ويجرد من سلطة الحظوظ التي تصرف عن محض العبودية، أو تمنع من صفائها. فإذا روعي ما ذكر في العمل انسحب عليه رداء كونه أقرب إلى الإخلاص وصيرورته عبادة - كما سبق ذكره -. وبيان هذا ووجهه وما بني عليه، انظره في الأصل (الموافقات).

стр. 423

١١٠٦ - بَلْ رُبَّمَا رَدُّ التَّصَرُّفَاتِ … عِبَادَةٌ فِي سَائِرِ الأوْقَاتِ فصل في قاعدة أخرى تبنى على ذلك وهو رعاية المقاصد الأصلية. "و" يظهر من هنا - أيضا - أن رعي المكلف المقاصد الشرعية المذكورة - المقاصد الأصلية - وتوخيه موافقتها "ربما رد التصرفات" يعني تصرفاته - أعماله - التي آتى بها راعيا ومتوخيا فيها ما ذكر "عبادة" سواء كانت من قبيل العبادات أو العادات، "في سائر الأوقات" التي يكون فيها على هذا الحال. ذلك لأن المكلف إذا فهم مراد الشارع من قيام أحوال الدنيا وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم فهو إنما يعمل من حيث طلب منه العمل ويترك إذا طلب منه الترك فهو أبدا في إعانة الخلق على ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب. أما باليد فظاهر في وجوه الإعانات، وأما باللسان فبالوعظ والتذكير بالله أن يكونوا فيما هم عليه مطيعين لا عاصين وتعليم ما يحتاجون إليه في ذلك من إصلاح المقاصد والأعمال وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالدعاء بالإحسان لمحسنهم والتجاوز عن مسيئهم وبالقلب لا يضمر لهم شرا بل يعتقد لهم الخير ويعرفهم بأحسن الأوصاف التي اتصفوا بها ولو بمجرد الإسلام ويعظمهم ويحتقر نفسه بالنسبة إليهم إلى غير ذلك من الأمور القلبية المتعلقة بالعباد بل لا يقتصر في هذا على جنس الإنسان ولكن تدخل عليه الشفقة على الحيوانات كلها حتى لا يعاملها إلا بالتي هي أحسن كما دل عليه قوله ﵊: (في كل ذي كبد رطبة أجر) وحديث تعذيب المرأة في هرة ربطتها وحديث "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" الحديث إلى أشباه ذلك فالعامل بالمقاصد الأصلية عامل في هذه الأمور في نفسه امتثالا لأمر ربه واقتداء بنبيه ﵊ فكيف لا تكون تصاريف من هذه سبيله عبادة كلها بخلاف من كان عاملا على حظه فإنه إنما يلتفت إلى حظه أو ما كان طريقا إلى حظه وهذا ليس بعبادة على الإطلاق بل هو عامل في مباح إن لم يخل بحق الله أو بحق غيره فيه والمباح لا يتعبد إلى الله به وإن فرضناه قام على حظه من حيث أمره الشارع فهو عبادة بالنسبة إليه خاصة وإن فرضته كذلك فهو خارج عن داعية حظه بتلك النسبة (١).

стр. 424

١١٠٧ - وَرُبَّمَا يَنْقُلُهَا فِي الْغَالِب … بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ لِحُكْمِ الْوَاجِبْ " فَصْلٌ" ١١٠٨ - كَذَا تَحَرِّيهَا لَدَى الْمَوَاقِعْ … تَضْمَنُ الْقَصْدَ لِقَصْدِ الشَّارعْ ١١٠٩ - فِي الْفِعْلِ مِنْ دَفْعٍ لِضُرٍّ مَفْسَدَهْ … وَالْجَلْبُ لِلْمَصلَحَةِ الْمُعْتَمَدَهْ فصل في قاعدة أخرى تبنى على ذلك "و" هي أنه "ربما" يرفع هذا الرعي للمقاصد المذكورة الأعمال العادية و"ينقلها" من أحكامها الأصلية - الإباحة أو الندب باعتبار الكل - "في الغالب" أي في غالب الأحوال، وذلك النقل يحصل "بمقتضى" أدلة "الشرع لحكم الواجب" إذ المقاصد الأصلية دائرة على حكم الوجوب من حيث كانت حفظا للأمور الضرورية في الدين المراعاة باتفاق وإذا كانت كذلك صارت الأعمال الخارجة عن الحظ دائرة على الأمور العامة وقد تقدم أن غير الواجب بالجزء يصير واجبا بالكل وهذا عامل بالكل فيما هو مندوب بالجزء أو مباح يختل النظام باختلاله فقد صار عاملا بالوجوب. فأما البناء على المقاصد التابعة فهو بناء على الحظ الجزئي والجزئي لا يستلزم الوجوب فالبناء على المقاصد التابعة لا يستلزم الوجوب فقد يكون العمل مباحا إما بالجزء وإما بالكل والجزء معا وإما مباحا بالجزء مكروها أو ممنوعا بالكل وبيان هذه الجملة في كتاب الأحكام (١). "فصل" في قاعدة أخرى مبنية على ذلك - أيضا - وهي: أن السعي إلى موافقة المقاصد الشرعية و"كذا تحريها لدى" أي في "المواقع" أي المواضع التي وقعت تلك المقاصد فيها، وهو عمل "تضمّن القصد لقصد الشارع في" ذلك "الفعل" الذي أتاه على تلك الحال. فالتحري المذكور من المكلف يتضمن القصد إلى كل ما قصده الشارع "من دفع لضر مفسدة و" كذلك "الجلب للمصلحة المعتمدة" وهي المصلحة الشرعية، وذلك لأن

стр. 425

١١١٥ - وَتَعْظُمُ الطَّاعَةُ مَهْمَا قُصِدَتْ … وَيَعْظُمُ الإِثْمُ إِذَا مَا خُولِفَتْ العامل مع هذا التحري إنما قصده تلبية أمر الشارع إما بعد فهم ما قصد وإما لمجرد امتثال الأمر وعلى كل تقدير فهو قاصد ما قصده الشارع وإذا ثبت أن قصد الشارع أعم المقاصد وأولها وأنه نور صرف لا يشوبه غرض ولا حظ كان المتلقي له على هذا الوجه آخذا له زكيا وافيا كاملا غير مشوب ولا قاصر عن مراد الشارع فهو حري أن يترتب الثواب فيه للمكلف على تلك النسبة (١). فصل في قاعدة أخرى تبنى على ذلك - رعاية المكلف للمقاصد الشرعية الأصلية في العمل - "و" تلك القاعدة هي: أن هذه المقاصد "تعظم الطاعة مهما" أي إن "قصدت" وتحريت من جهة المكلف الآتي بها - أي بتلك الطاعة - "و" كذلك "يعظم الإثم" والمعصية "إذا ما خولفت" بأن أُتِي بالعمل على خلافها. أما الأول: فلأن العامل على وفقه عامل على الإصلاح لجميع الخلق والدفع عنهم على الإطلاق لأنه إما قاصد لجميع ذلك بالفعل وإما قاصر نفسه على امتثال الأمر الذي يدخل تحت قصده كل ما قصده الشارع بذلك الأمر وإذا فعل جوزي على كل نفس أحياها وعلى كل مصلحة عامة قصدها ولا شك في عظم هذا العمل ولذلك كان من أحيا النفس فكأنما أحيا الناس جميعا وكان العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء بخلاف ما إذا لم يعمل على وفقه فإنما يبلغ ثوابه مبلغ قصده لأن الأعمال بالنيات فمتى كان قصده أعم كان أجره أعظم، ومتى لم يعم قصده لم يكن أجره إلا على وزان ذلك وهو ظاهر. وأما الثاني فإن العامل على مخالفتها عامل على الإفساد العام وهو مضاد للعامل على الإصلاح العام وقد مر أن قصد الإصلاح العام يعظم به الأجر فالعامل على ضده يعظم به وزره ولذلك كان على ابن آدم الأول كفل من وزر كل من قتل النفس المحترمة لأنه أول من سن القتل وكان من قتل النفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها (٢).
следующие страницы →