← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

" المسألة الخامسة " ١١٠١ - وَالْفِعْلُ إِنْ وَافَقَ فِي الْوُقُوعِ … الْمَقْصِدَ الأصْلِيَّ فِي الْمَشْرُوعِ فوق ما يلزمهم لأنهم كانوا وكلاء للناس لا لأنفسهم فأين الحظ هنا بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم وإن جازت كالغش لغيرهم فلا شك أن هؤلاء لاحقون حكما بالقسم الأول بإلزامهم أنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداء ومنهم من لم يبلغ مبلغ هؤلاء بل أخذوا ما أذن لهم فيه من حيث الإذن وامتنعوا مما منعوا منه واقتصروا على الانفاق في كل ما لهم إليه حاجة فمثل هؤلاء بالاعتبار المتقدم أهل حظوظ لكن مأخوذة من حيث يصح أخذها فإن قيل في مثل هذا إنه تجرد عن الحظ فإنما يقال من جهة أنهم لم يأخذوها بمجرد أهوائهم تحرزا ممن يأخذها غير ملاحظ للأمر والنهي وهذا هو الحظ المذموم إذا لم يقف دون ما حد له بل تجرأ كالبهيمة لا تعرف غير المشى في شهواتها ولا كلام في هذا وإنما الكلام في الأول وهو لم يتصرف إلا لنفسه فلا يجعل في حكم الوالي على المصالح العامة على المسلمين بل هو وال على مصلحة نفسه وهو من هذا الوجه ليس بوال عام والولاية العامة هي المبرأة من الحظوظ فالصواب والله أعلم أن أهل هذا القسم معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين وهما من لا يأخذ بتسبب أو يأخذ به لكن على نسبة القسمة ونحوها (١). "المسألة الخامسة" في أن العمل إذا وقع على وفق المقاصد الشرعية فإنه إما أن يكون واقعا على وفق المقاصد الأصلية، أو المقاصد التابعة وكل قسم من هذين فيه نظر وتفريع. "والفعل إن" أتى به المكلف وقد وافق مقصده فيه المقصد الشرعي منه، فإنه إما أن يكون قد وافق فيه المقصد الشرعي الأصلي - كالنسل الذي هو المقصود الأصلي من النكاح - وإما أن يكون قد وافق فيه المقصد الشرعي التبعي منه - كالاستمتاع الذي هو المقصد التبعي من النكاح -. فإن يكن مقصد المكلف ذاك قد "وافق في الوقوع المقصد الأصلي في" ذلك الفعل "المشروع".

стр. 422

١١٠٢ - بِحَيْثُ رَاعَاهُ فَلَا إِشْكَالَ فِي … صِحَّةِ هَذَا الْفِعْلِ لِلْمُكَلَّفِ ١١٠٣ - هَبْ أُهْمِلَ الْحَظُّ بِهِ أَوْ رُوعِي … قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فِي التَّشْرِيعِ ١١٠٤ - وَالرَّعْيُ لِلْمَقَاصِدِ الأصْلِيَّهْ … تُبْنَى عَلَيْهِ نُكَتٌ فِقْهِيَّهْ ١١٠٥ - مِنْ ذَاكَ أَنْ يَصِيرَ فِعْلُ الْعَادَهْ … أَقْرَبَ لِلإِخْلَاصِ وَالْعِبَادَهْ وذلك "بحيث" استحضره في الاعتبار و"راعاه" في ذلك الفعل قصدا "فـ" إنه "لا إشكال في صحة هذا الفعل" بالنسبة "للمكلف" الآتي به، مطلقا "هب" أنه قد "أهمل الحظ "أي حظ المكلف "به" أي فيه - أي في ذلك الفعل - "أو روعي" واعتبر فيه، فإن ذلك غير قادح في صحته لأن ذلك المكلف في فعله هذا "قد حصّل المقصود" الشرعي "في التشريع" وهو إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبد الله وهذا كاف. وطريقة بناء القاعدة الاصطلاحية في ذلك أن يقال: مثلا رعي المقاصد الشرعية الأصلية تقرب للإخلاص، ورعي المقاصد الشرعية الأصلية في العادات تقربها من العبادة، وهكذا سائر ما يبنى على ذلك الرعي. "و" اعلم أن "الرعي" في الأعمال "للمقاصد" الشرعية "الأصلية" أمر "تبنى عليه نكت" - بضم النون وفتح الكاف - جمع نكتة، والنكتة ما يستخرج بالنظر الدقيق من المعاني وأثمار الأدلة، والمراد بالنكت هنا القواعد، يعني إن رعي المقاصد الشرعية الأصلية تبنى عليه قواعد "فقهية" وسميت قواعد باعتبار كونها قوانين وضوابط يجري حكمها على جزئيات كثيرة. "من ذاك" الذي يبنى من القواعد على هذا الرعي "أن يصير فعل العادة" وهو ما به يحصل كسب الحظوظ النفسية المشروعة ومصالح الدنيا عادة كالصنائع والحرف والمعاملات "أقرب للإخلاص" فيه "و" أقرب لأن يصير من "العبادة" لأنه - أي ذلك الرعي - يبعد ويجرد من سلطة الحظوظ التي تصرف عن محض العبودية، أو تمنع من صفائها. فإذا روعي ما ذكر في العمل انسحب عليه رداء كونه أقرب إلى الإخلاص وصيرورته عبادة - كما سبق ذكره -. وبيان هذا ووجهه وما بني عليه، انظره في الأصل (الموافقات).

стр. 423

١١٠٦ - بَلْ رُبَّمَا رَدُّ التَّصَرُّفَاتِ … عِبَادَةٌ فِي سَائِرِ الأوْقَاتِ فصل في قاعدة أخرى تبنى على ذلك وهو رعاية المقاصد الأصلية. "و" يظهر من هنا - أيضا - أن رعي المكلف المقاصد الشرعية المذكورة - المقاصد الأصلية - وتوخيه موافقتها "ربما رد التصرفات" يعني تصرفاته - أعماله - التي آتى بها راعيا ومتوخيا فيها ما ذكر "عبادة" سواء كانت من قبيل العبادات أو العادات، "في سائر الأوقات" التي يكون فيها على هذا الحال. ذلك لأن المكلف إذا فهم مراد الشارع من قيام أحوال الدنيا وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم فهو إنما يعمل من حيث طلب منه العمل ويترك إذا طلب منه الترك فهو أبدا في إعانة الخلق على ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب. أما باليد فظاهر في وجوه الإعانات، وأما باللسان فبالوعظ والتذكير بالله أن يكونوا فيما هم عليه مطيعين لا عاصين وتعليم ما يحتاجون إليه في ذلك من إصلاح المقاصد والأعمال وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالدعاء بالإحسان لمحسنهم والتجاوز عن مسيئهم وبالقلب لا يضمر لهم شرا بل يعتقد لهم الخير ويعرفهم بأحسن الأوصاف التي اتصفوا بها ولو بمجرد الإسلام ويعظمهم ويحتقر نفسه بالنسبة إليهم إلى غير ذلك من الأمور القلبية المتعلقة بالعباد بل لا يقتصر في هذا على جنس الإنسان ولكن تدخل عليه الشفقة على الحيوانات كلها حتى لا يعاملها إلا بالتي هي أحسن كما دل عليه قوله ﵊: (في كل ذي كبد رطبة أجر) وحديث تعذيب المرأة في هرة ربطتها وحديث "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" الحديث إلى أشباه ذلك فالعامل بالمقاصد الأصلية عامل في هذه الأمور في نفسه امتثالا لأمر ربه واقتداء بنبيه ﵊ فكيف لا تكون تصاريف من هذه سبيله عبادة كلها بخلاف من كان عاملا على حظه فإنه إنما يلتفت إلى حظه أو ما كان طريقا إلى حظه وهذا ليس بعبادة على الإطلاق بل هو عامل في مباح إن لم يخل بحق الله أو بحق غيره فيه والمباح لا يتعبد إلى الله به وإن فرضناه قام على حظه من حيث أمره الشارع فهو عبادة بالنسبة إليه خاصة وإن فرضته كذلك فهو خارج عن داعية حظه بتلك النسبة (١).

стр. 424

١١٠٧ - وَرُبَّمَا يَنْقُلُهَا فِي الْغَالِب … بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ لِحُكْمِ الْوَاجِبْ " فَصْلٌ" ١١٠٨ - كَذَا تَحَرِّيهَا لَدَى الْمَوَاقِعْ … تَضْمَنُ الْقَصْدَ لِقَصْدِ الشَّارعْ ١١٠٩ - فِي الْفِعْلِ مِنْ دَفْعٍ لِضُرٍّ مَفْسَدَهْ … وَالْجَلْبُ لِلْمَصلَحَةِ الْمُعْتَمَدَهْ فصل في قاعدة أخرى تبنى على ذلك "و" هي أنه "ربما" يرفع هذا الرعي للمقاصد المذكورة الأعمال العادية و"ينقلها" من أحكامها الأصلية - الإباحة أو الندب باعتبار الكل - "في الغالب" أي في غالب الأحوال، وذلك النقل يحصل "بمقتضى" أدلة "الشرع لحكم الواجب" إذ المقاصد الأصلية دائرة على حكم الوجوب من حيث كانت حفظا للأمور الضرورية في الدين المراعاة باتفاق وإذا كانت كذلك صارت الأعمال الخارجة عن الحظ دائرة على الأمور العامة وقد تقدم أن غير الواجب بالجزء يصير واجبا بالكل وهذا عامل بالكل فيما هو مندوب بالجزء أو مباح يختل النظام باختلاله فقد صار عاملا بالوجوب. فأما البناء على المقاصد التابعة فهو بناء على الحظ الجزئي والجزئي لا يستلزم الوجوب فالبناء على المقاصد التابعة لا يستلزم الوجوب فقد يكون العمل مباحا إما بالجزء وإما بالكل والجزء معا وإما مباحا بالجزء مكروها أو ممنوعا بالكل وبيان هذه الجملة في كتاب الأحكام (١). "فصل" في قاعدة أخرى مبنية على ذلك - أيضا - وهي: أن السعي إلى موافقة المقاصد الشرعية و"كذا تحريها لدى" أي في "المواقع" أي المواضع التي وقعت تلك المقاصد فيها، وهو عمل "تضمّن القصد لقصد الشارع في" ذلك "الفعل" الذي أتاه على تلك الحال. فالتحري المذكور من المكلف يتضمن القصد إلى كل ما قصده الشارع "من دفع لضر مفسدة و" كذلك "الجلب للمصلحة المعتمدة" وهي المصلحة الشرعية، وذلك لأن

стр. 425

١١١٥ - وَتَعْظُمُ الطَّاعَةُ مَهْمَا قُصِدَتْ … وَيَعْظُمُ الإِثْمُ إِذَا مَا خُولِفَتْ العامل مع هذا التحري إنما قصده تلبية أمر الشارع إما بعد فهم ما قصد وإما لمجرد امتثال الأمر وعلى كل تقدير فهو قاصد ما قصده الشارع وإذا ثبت أن قصد الشارع أعم المقاصد وأولها وأنه نور صرف لا يشوبه غرض ولا حظ كان المتلقي له على هذا الوجه آخذا له زكيا وافيا كاملا غير مشوب ولا قاصر عن مراد الشارع فهو حري أن يترتب الثواب فيه للمكلف على تلك النسبة (١). فصل في قاعدة أخرى تبنى على ذلك - رعاية المكلف للمقاصد الشرعية الأصلية في العمل - "و" تلك القاعدة هي: أن هذه المقاصد "تعظم الطاعة مهما" أي إن "قصدت" وتحريت من جهة المكلف الآتي بها - أي بتلك الطاعة - "و" كذلك "يعظم الإثم" والمعصية "إذا ما خولفت" بأن أُتِي بالعمل على خلافها. أما الأول: فلأن العامل على وفقه عامل على الإصلاح لجميع الخلق والدفع عنهم على الإطلاق لأنه إما قاصد لجميع ذلك بالفعل وإما قاصر نفسه على امتثال الأمر الذي يدخل تحت قصده كل ما قصده الشارع بذلك الأمر وإذا فعل جوزي على كل نفس أحياها وعلى كل مصلحة عامة قصدها ولا شك في عظم هذا العمل ولذلك كان من أحيا النفس فكأنما أحيا الناس جميعا وكان العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء بخلاف ما إذا لم يعمل على وفقه فإنما يبلغ ثوابه مبلغ قصده لأن الأعمال بالنيات فمتى كان قصده أعم كان أجره أعظم، ومتى لم يعم قصده لم يكن أجره إلا على وزان ذلك وهو ظاهر. وأما الثاني فإن العامل على مخالفتها عامل على الإفساد العام وهو مضاد للعامل على الإصلاح العام وقد مر أن قصد الإصلاح العام يعظم به الأجر فالعامل على ضده يعظم به وزره ولذلك كان على ابن آدم الأول كفل من وزر كل من قتل النفس المحترمة لأنه أول من سن القتل وكان من قتل النفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها (٢).

стр. 426

" فَصْل" ١١١١ - إِذَنْ فَأَصْلُ الطَّاعَةِ الْكُلِّيَّهْ … فِي اللَّحْظِ لِلْمَقَاصِدِ الأَصْلِيَّهْ ١١١٢ - وَالأصْلُ فِي كَبَائِرِ الآثَامِ … خِلَافُهَا بِالْقَصْدِ وَالإِقْدَامِ " المسألة السادسة " ١١١٣ - وَمَا أَتَى بِوَفْقِ تَابِعِيِّ … فَإنْ يَكُنْ مَعْ صُحْبَةِ الْأصْلِيِّ ١١١٤ - فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ أَنَّهُ امْتَثَلْ … وَإِنْ سَعَى لِلْحَظِّ فِي ذَاكَ الْعَمَلْ فصل: في قاعدة تبنى على ما تقدم وهي: أنه إذا علم هذا الذي تقرر فيما سبق ذكره "إذن فأصل الطاعة" المطلوبة شرعا "الكلية" الناظمة لكل ما يطلق عليه هذا اللفظ في التكاليف ومواقع الأحكام الشرعية إنما هو أمر محصور "في اللحظ" والاستحضار في أثناء كسب الأعمال، "لـ"هذه "المقاصد" الشرعية "الأصلية" والقصد إليها في مجاري الإتيان بها - بتلك الأعمال. "و" كذلك "الأصل في كبائر الآثام" أي الذنوب فإنه "خلافها" أي مخالفتها - مخالفة هذه المقاصد - "بالقصد" والتحري من المكلف "و" بـ"الإقدام" منه على تلك المخالفة. ويتبين لك بالنظر في الكبائر المنصوص عليها وما ألحق بها قياسا فإنك تجده مطردا إن شاء الله - تعالى - (١). "المسألة السادسة" "و" هي إن "ما أتى" ووقع من عمل "بوفق" يعني: على وفق مقصد شرعي "تابعي" فإنه لا يخلو إما أن يصاحبه القصد إلى المقاصد الأصلية وإما أن لا يصاحبه. "فإن يكن" ذلك العمل قد وقع "مع صحبة" المقصد الشرعي "الأصلي" من ذلك العمل - كأن يقصد من التزوج النسل والاستمتاع معا - "فذاك" عمل من أتاه فإنه "لا إشكال" حقيقي في "أنه" قد "امتثل" أمر الشارع فيه "وإن" كان قد "سعى للحظ" النفسي "في ذاك العمل" لعدم التنافي بين القصد لحظ النفس والامتثال في هذا المقام.

стр. 427

١١١٥ - وَحَيْثُ لَا يَصْحَبُهُ الأصْلِيُّ … فَالْحَظُّ بِالْهَوَى هُوَ الْمَعْنِيُّ ١١١٦ - وَمَعْنَى الْإِخْلَاصِ لَدَى الْعَادِيَّهْ … تَجَنُّبُ الْمَقَاصِدِ الرَّدِيَّهْ ١١١٧ - كَالْقَصْدِ فِي الأفْعَالِ وَالشُّؤُونِ … تَشَبُّهًا بِغَيْرِ أَهْلِ الدِّينِ ١١١٨ - أَوْ ارْتكَابِ عَمَلٍ شَيْطَانِي … أَوْ سابِقٍ لِعابِدِي الأوْثَانِ " و" أما "حيث" وقع ذلك العمل الموافق للمقصد التبعي وهو "لا يصحبه" في القصد المقصد "الأصلي" في ذلك العمل "فـ" انه عمل برعاية "الحظ" وحده وبذلك يكون العمل "بالهوى هو "الأمر "المعني" أي المقصود في ذلك العمل. "و" رب قائل يقول: كيف يتأتى قصد الشارع للإخلاص في الأعمال العادية وعدم التشريك فيها؟ الجواب هو أن "معنى الإخلاص لدى" أي في الأعمال "العادية" هو "تجنب" واتقاء "المقاصد الردية" المحرمة شرعا. وذلك "كالقصد في هذه الأفعال" العادية "والشوون" - عطف على ما قبله عطف مرادف المعنى - "تشبها بغير أهل" هذا "الدين" من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم كشرب الماء أو العسل في صورة شرب الخمر - وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود والنصارى وإن صنعه المسلم "أو" كان كالقصد إلى "ارتكاب عمل شيطاني" من كل ما فيه شرك بالله ونحو ذلك. "أو" أمر "سابق" كان عملا "لعابدي الأوثان" والأصنام كذبحهم لغير الله، والتصرفات في الأنعام التي يقصدون بها التقرب إلى أصنامهم، وغيره مما فيه مضاهاة أهل الشرك. كما روى ابن حبيب عن ابن شهاب أنه ذكر له أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أجرى عينا فقال له المهندسون عند ظهور الماء لو أهرقت عليها دما كان أحرى أن لا تغيض ولا تهور فتقتل من يعمل فيها فنحر جزائر حين أرسل الماء فجرى مختلطا بالدم وأمر فصنع له ولأصحابه منها طعام فأكل وأكلوا وقسم سائرها بين العمال فيها فقال ابن شهاب بئس والله ما صنع ما حل له نحرها ولا الأكل منها أما بلغه أن رسول الله ﷺ نهى أن يذبح للجن لأن مثل هذا وإن ذكر اسم الله عليه مضاه لما ذبح على النصب وسائر ما أهل لغير الله به وكذلك جاء النهي عن معاقرة الأعراب وهي أن يتبارى الرجلان فيعقر كل واحد منهما يجاود به صاحبه فأكثرهما عقرا أجودهما نهى عن أكله لأنه مما أهل لغير الله به قال الخطابي وفي معناه ما جرت

стр. 428

" فَصْلٌ" ١١١٩ - وَمَا بِهِ تَعَبُّدُ الْعِبَادِ … مِنْهُ عِبَادَاتٌ وَمِنْهُ عَادِي ١١٢٠ - فَالأوَّلُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الآخِرَهْ … حَقِيقَةُ الإِخْلَاصِ فِيهِ ظَاهِرَهْ ١١٢١ - وإنْ يَكُنْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْعَاجِلَهْ … فَفِيهِ حَالَاتٌ ثَلَاثٌ حَاصِلَهْ به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان وأوان حوادث يتجدد لهم وفي نحو ذلك من الأمور. وخرج أبو داود نهى ﵊ عن طعام المتباريين أن يؤكل وهما المتعارضان ليرى أيهما يغلب صاحبه فهذا وما كان نحوه إنما شرع على جهة أن يذبح على المشروع بقصد مجرد الأكل فإذا زيد فيه هذا القصد كان تشريكا في المشروع ولحظا لغير أمر الله تعالى وعلى هذا وقعت الفتيا من ابن عتاب بنهيه عن أكل اللحوم في النيروز وقوله فيها إنها مما أهل لغير الله به وهو باب واسع (١). فصل: في بيان أن العباد متعبدون لله تعالى بشيئين: أحدهما: العبادات. وثانيهما: العادات. وفي بيان حكم الأمر الأول وأحواله "وما به" يحصل شرعا "تعبد العباد" لله تعالى وخضوعهم وطاعتهم له "منه" ما هو "عبادات" كالصلاة والزكاة والصوم والحج "ومنه" ما هو "عادي" كالمعاملات كالبيع والنكاح والإجارة. "فـ" أما "الأول" الذي هو العبادات فإنه يصرف لكسب الزاد في المعاد "المطلوب منه "أي من فعله وإتيانه هو أجر "الآخرة" وبذلك فإنه يجب أن تكون "حقيقة الإخلاص" لرب العالمين - سبحانه - "فيه" أي في فعله وكسبه "ظاهرة" جلية قائمة به، هذا إن طلب به هذا الذي شرع له في الأصل، وهو أجر الآخرة. "و" أما "إن يكن يطلب منه" أي من فعله والإتيان به تحصيل وكسب "العاجلة" أي الدنيا وما فيها من الحظوظ النفسية العاجلة، "فـ" ذاك شأن تعرض "فيه حالات ثلاث حاصلة" أي ثابتة في واقع الأمر وهي مختلفة باختلاف ما عليه المكلف الآتي بذلك الفعل من قصد

стр. 429

١١٢٢ - فَفِعْلُ مَا عَنْهُ يُرَى تَحْسِينُ … هَيْئَتِهِ أَنْ تَحْسُنَ الظُّنُونُ ١١٢٣ - إِنْ يَكُنِ الْقَصْدُ لَهُ مَتْبُوعَا … كانَ رِيَاءً فِعْلُهُ مَمْنُوعَا ١١٢٤ - وَحَيْثُ كانَ الْقَصْدُ تَابِعًا فَذَا … بِهِ لِأهْلِ الْعِلْمِ خُلْفٌ يُحْتَذَا ونية. "فـ" أما الحالة الأولى فهي "فعل" المكلف وإتيانه "ما" أي فعلا تعبديا وهو يقصد منه الذي يترتب "عنه" من الحظ - حسبما "يرى" ويعتقد - وهو "تحسين هيئته" وصورته وشارته. و"أن تحسن" به "الظنون" أي ظنون الناس حتى يرى أنه ذو فضيلة ومنزلة. هذه الحالة حكمها مختلف باختلاف موضع هذا القصد من حيث كونه تابعا أو متبوعا. فـ "ان يكن" هذا "القصد له" أي لهذا الحظ "متبوعا" بحيث يكون ذلك القصد هو الداعي لهذا الفعل - العمل - والمتبع في الكسب، فلا إشكال في أن ذلك "كان رياء"، وهو إظهار العمل لأجل كسب السمعة وثناء الناس عليه وطلب المنزلة في قلوبهم، ولا ريب أن ذلك معصية "فـ" كان "فعله" لذاك "ممنوعا" محرما. هذا إذا كان ذلك القصد متبوعا "و" أما "حيث كان القصد" له عني لنيل ذلك الحظ "تابعا" للمقصد الشرعي الأصلي الذي شرعت له تلك العبادة "فذا" الموضع قد ثبت "به" - الباء بمعنى في - يعني فيه - أي في حكمه - "لأهل العلم خلف يحتذى" يتبع لأنه خلف معتبر، لبناء المختلفين فيه ما ذهبوا إليه في شأنه من حكم على اعتبارات صحيحة في ذاتها. قال الشاطبي: واختلف العلماء في هذا الأصل فوقع في "العتبية" في الرجل الذي يصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم ويحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق غيره فكره ربيعة هذا وعده مالك من قبيل الوسوسة العارضة للإنسان أي أن الشيطان يأتي للإنسان إذ سره مرأى الناس له على الخير فيقول له إنك لمراء وليس كذلك وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يملك وقد قال تعالى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقال عن إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشُّعَرَاء: ٨٤] وفي حديث ابن عمر وقع في نفسي أنها النخلة فأردت أن أقولها فقال عمر لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا وطلب العلم عبادة قال ابن العربي سألت شيخنا الإمام أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البَقَرَة: ١٦٠] ما بينوا قال أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات قلت ويلزم ذلك قال نعم لتثبت أمانته وتصح إمامته وتقبل شهادته قال ابن العربي ويقتدى به غيره فهذه الأمور وما كان مثلها تجري هذا

стр. 430

١١٢٥ - وَيفعْلُ مَا يَخْتَصُّ بِالإِنْسَانِ … فِي نَفْسِهِ فِي كُلِّ شأْنٍ شَانِ ١١٢٦ - مَعْ غَفْلَةٍ عَنِ الْمُرَاءَاةِ بِمَا … يُفْعَلُ كَالصِّيَامِ قَصْدًا لِلنَّمَا ١١٢٧ - فِيهِ مَجَالٌ لاجْتِهَادٍ وَنَظَرْ … وَالأظْهَرُ التَّصْحِيحُ عِنْدَ مَنْ نَظَرْ المجرى والغزالي يجعل مثل هذا مما لا تتخلص فيه العبادة هذا شأن الحالة الأولى (١). هذا شأن الحالة الأولى "و" أما الثانية فهي "فعل ما يختص بالإنسان في نفسه" من حظوظ ورغبات "في كل شأن شأن" كيفما كان "مع غفلة" منه وانقطاع "عن المراءاة" للناس "بما" أي فيما "يفعل" وذلك "كالصيام قصدا" لتوفير المال "لـ" تحصيل "النما" فيه - أي الزيادة -، وكالصلاة في المسجد للأنس بالجيران أو الصلاة بالليل لمراقبة أو مراصدة مطالع النجوم. وكالصدقة للذة السخاء والتفضل على الناس، والحج لرؤية البلاد، والاستراحة من الأنكاد، أو التجارة، أو لتبرمه بأهله وولده أو إلحاح الفقر. وكالهجرة مخافة الضرر في النفس أو الأهل أو المال. وكتعليم العلم ليحتمي به من الظلم أو كالوضوء تبردا أو الاعتكاف فرارا من الكراء أو عيادة المرضى والصلاة على الجنائز ليفعل به ذلك، وتعليم العلم ليتخلص من كرب الصمت وليتفرج بلذة الحديث. وكالحج ماشيا ليتوفر له الكراء وما جرى مجرى ذلك مما مداره على الحظوظ النفسية الراجعة إلى ما يخص الإنسان في نفسه من غير التفات إلى ما سواها. وما كان من الأفعال على هذه الحالة فـ "فيه" يعني في حكمه اختلاف بين أهل العلم، قد تعارض فيه الخلو من الرياء المقتضي للفساد، والخلو من الإخلاص الصرف الموجب للصحة، فثبت لذلك أنه "مجال" ومسرح لـ"اجتهاد ونظر" فقهي. وقد التزم الغزالي في هذا وما شابهه أنه خارج عن الإخلاص، لكن بشرط أن يصير العمل عليه أخف بسب هذه الأغراض. "و" لكن الأمر "الأظهر" والأوضح في هذا الشأن هو "التصحيح" لهذا العمل أي الحكم بصحته "عند من نظر" في هذه المسألة النظرة الفقهية التي مبتناها على الأدلة النقلية، وأمر انفكاك القصدين. والى هذا ذهب ابن العربي إذ يرى في حكم هذه المسألة خلاف هذا الذي ذهب إليه الغزالي. قال الشاطبي - بعدما أورد هذا الذي ذهب إليه

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الغزالي وابن العربي في هذه المسألة -: وكأن مجال النظر في المسألة يلتفت إلى انفكاك القصدين أو عدم انفكاكهما فابن العربي يلتفت إلى وجه الانفكاك فيصحح العبادات وظاهر الغزالي الالتفات إلى مجرد الاجتماع وجودا كان القصدان مما يصح انفكاكهما أولا وذلك بناء على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة والخلاف فيها واقع ورأي أصبغ فيها البطلان فإذا كان كذلك اتجه النظران وظهر مغزى المذهبين. على أن القول بصحة الانفكاك فيما يصح فيه الانفكاك أوجه لما جاء من الأدلة على ذلك، ففي القرآن الكريم ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يعني في مواسم الحج وقال ابن العربي في الفرار من الأنكاد بالحج أو الهجرة إنه دأب المرسلين فقد قال الخليل ﵇ ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وقال الكليم ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ وقد كان رسول الله ﷺ جعلت قرة عينه في الصلاة فكان يستريح إليها من تعب الدنيا وكان فيها نعيمه ولذته أفيقال إن دخوله فيها على هذا الوجه قادح فيها كلا بل هو كمال فيها وباعث على الإخلاص فيها وفي الصحيح "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ذكر ابن بشكوال عن أبي علي الحداد قال حضرت القاضي أبا بكر بن زرب شكا إلى الترجيلي المتطبب ضعف معدته وضعف هضمه على ما لم يكن يعهد من نفسه وسأله عن الدواء فقال اسرد الصوم تصلح معدتك فقال له يا أبا عبد الله على غير هذا دلني ما كنت لأعذب نفسي بالصوم إلا لوجهه خالصا ولي عادة في الصوم الإثنين والخميس لا أنقل نفسي عنها قال أبو علي وذكرت في ذلك المجلس حديث الرسول ﵊ يعني هذا الحديث وجبنت عن إيراد ذلك عليه في ذلك المجلس وأحسبني ذاكرته في ذلك في غير هذا المجلس فسلم للحديث. وقد بعث ﵊ رجلا ليكون رصدا في شعب فقام يصلي ولم يكن قصده بالإقامة في الشعب إلا الحراسة والرصد والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ويكفي من ذلك ما يراعيه الإمام في صلاته من أمر الجماعة كانتظار الداخل ليدرك الركوع معه على ما جاء في الحديث وما لم يعمل به مالك فقد عمل به غيره وكالتخفيف لأجل الشيخ والضعيف وذي الحاجة وقوله ﵊ إني لأسمع بكاء الصبي الحديث وكرد السلام في الصلاة وحكاية المؤذن وما أشبه ذلك مما هو عمل خارج عن

стр. 432

١١٢٨ - وَمَا بِهِ يُقْصَدُ نَيْلُ الْمَالِ … وَالْجَاهِ مَذْمُومٌ بِكُلِّ حَالِ " فَصْلٌ" ١١٢٩ - وَالثَّانِ مَا يَرْجِعُ لِلْعَادَاتِ … فَالشَّرْعُ فِيهِ بِالْحُظُوظِ آتِ حقيقة الصلاة مفعول فيها مقصود يشرك قصد الصلاة ومع ذلك فلا يقدح في حقيقة إخلاصها بل لو كان شأن العبادة أن يقدح في قصدها قصد شيء آخر سواه لقدح فيها مشاركة القصد إلى عبادة أخرى كما إذا جاء المسجد قاصدا للتنفل فيه وانتظار الصلاة والكف عن إذاية الناس واستغفار الملائكة له فإن كل قصد منها شاب غيره وأخرجه عن إخلاصه عن غيره وهذا غير صحيح باتفاق بل كل قصد منها صحيح في نفسه وإن كان العمل واحدا لأن الجميع محمود شرعا فكذلك ما كان غير عبادة من المأذون فيه لاشتراكهما في الإذن الشرعي فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات إلا ما كان بوضعه منافيا لها كالحديث والأكل والشرب والنوم والرياء وما أشبه ذلك أما ما لا منافاة فيه فكيف يقدح القصد إليه في العبادة هذا لا ينبغي أن يقال غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدنيوية أولى ولذلك إذا غلب قصد الدنيا على قصد العبادة كان الحكم للغالب فلم يعتد بالعبادة فإن غلب قصد العبادة فالحكم له ويقع الترجيح في المسائل بحسب ما يظهر للمجتهد (١). هذا بيان الحالة الثانية وحكمها "و" أما الثالثة فهي فعل "ما" من الأعمال العبادية "به يقصد" ويطلب "نيل" وكسب "المال والجاه" وعلو القدر عند الخلق، وهذا أمر "مذموم" شرعا "بكل حال" سواء قصد المكلف الفاعل لذلك دفع الضرر والأذى عنه - كما يفعل المنافقون، حكم حالهم أشد إثما -، أو لم يقصده. هذا بإيجاز - حكم القسم الأول - وهو طلب الحظ بالعبادة - وما فيه من تفاصيل -. فصل في بيان تحصيل الحظ من الجهة الثانية وهي جهة العادة المتعبد بها وحكم ذلك. "و" أما القسم "الثان" فإنه "ما يرجح" العمل فيه "لـ" إصلاح "العادات" الجارية بين العباد، كالنكاح، والبيع، والإجارة، وما أشبه ذلك من الأمور التي علم قصد الشارع إلى القيام بها لمصالح العباد في العاجلة "فـ" هذا القسم "الشرع فيه بالحظوظ" النفسية الدنيوية "آت"

стр. 433

١١٣٠ - بِالْإِذْنِ وَالأمْرِ مَعًا وَالنَّهْيِ … فَالْحَظُّ أَخْذُهُ بِحُكْمِ السَّعِي ١١٣١ - وَكَوْنُهُ لِنِيَّةٍ لَا يَفْتَقِرْ … يَدُلُّ أَنَّ الْقَصْدَ لِلْحَظِّ اعْتُبِرْ ١١٣٢ - وَمَا أَتَى بِقَصْدِ الامْتِنَانِ … مُصَحِّحٍ ذَلِكَ لِلإِنْسَان وقاض، وذلك "بالإذن" في كسبها كما في الآيات والأحاديث الواردة بذلك - وقد تقدم ذكر طرف منها في مجاري الكلام على المباح - "والأمر معا" بذلك أيضا كما في النصوص الشرعية الواردة في الأمر بالنكاح والسعي في الأرض لطلب الرزق "و" كذلك "النهي" فإنه ورد في هذا الشأن لحفظ هذه الحظوظ وتصفيتها مما يكدرها، ولتحصيل ما قصد منها من مصلحة، ودرء ما قد يذهب بها أو ينقصها من مفسدة وذلك كالنهي عن الأمور المفسدة للعقود والمعاملات. وإذا علم أن هذه الحظوظ إنما شرعت من جهة هذا الخطاب الشرعي واعتبر ذلك "فالحظ" يكون "أخذه بحكم" العمل و"السعي" وهو التابع للقصد الذي هو القصد إلى امتثال هذا الذي أمر به الشارع في هذا الشأن، أو نهى عنه، وإن كان أخذ الحظ أمرا معتبرا شرعا في هذا الموضع، كما تقدم إيراد الأدلة الدالة على ذلك. "و" يزاد على هذا أن "كونه" أي ما ذكر من العادات "لنية" التقرب بها وامتثال الأمر الوارد فيها "لا يفتقر" لا تحتاج لتكون صحيحة "يدل" على "أن القصد" من الشارع "للحظ" يعني لكسبه أمر "اعتبر" عنده "و" كذلك "ما أتى" من ذلك وهو إباحة تحصيل الحظ في النصوص الشرعية "بقصد الامتنان" على الخلق بذلك وتذكيرهم بفضله - تعالى - عليهم في ذلك، هو دليل "مصحح" حاكم بصحة "ذلك" وهو كون طلب الحظ من هذه الجهة أمرا سائغا "للإنسان" على الوجه التي وردت به الأدلة الشرعية في ذلك. ومن النصوص الشرعية الواردة في أمر الامتنان هذا قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٢١] وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يُونس: ٦٧] وقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢] وقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القَصَص: ٧٣] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النّبَأ: ١٠ - ١١] إلى آخر الآيات إلى غير

стр. 434

١١٣٣ - وَقَصْدُهُ وَهْوَ مِنَ الْحَظِّ بَرِي … مِنْ جِهَةِ الإِذْنِ بِصِحَّةٍ حَرِي " المسألة السابعة " ١١٣٤ - تَجُوزُ فِي الْعَادَاتِ بِاتِّفَاقِ … نِيَابَةُ الْغَيْرِ عَلَى الإِطْلَاقِ ١١٣٥ - لِكَيْ يَقُومَ عَنْهُ فِي الْمَقَاصِدِ … بِجَلْبِ نَافِعٍ وَدَرْء فَاسِدِ ١١٣٦ - مَا لَمْ يَكُنْ لِحِكْمَةٍ مَشْرُوعَا … مَقْصُورَةٍ عَادَةً أَوْ تَشْرِيعَا ذلك مما لا يحصى (١). "و" إما "قصده" أي المكلف إتيان الفعل "وهو من الحظ بَرِى" أي متجرد بحيث يكون قصده إتيانه "من جهة الإذن" الشرعي فقط فذاك قصد - أو فعل - "بصحة" شرعية تسري فيه "حرى" أي جدير، لأنه مؤسس على الاستجابة والامتثال للأمر الشرعي في ذلك، فكانت له بذلك المزية والمنزلة على من قصد الحظ في ذلك وإن كان عمله صحيحا في واقع الأمر (٢). "المسألة السابعة" في أنه: تصح و"تجوز في العادات" الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر الأمور الدنيوية التى هي طرق الخير العاجلة كالعقود على اختلافها والتصاريف المالية على تنوعها "نيابة الغير على الإطلاق" سواء كان ذلك في الأخذ والإعطاء، وذلك سوغ "لكي يقوم" ذلك النائب مقام المنوب "عنه" وينزل منزلته "في"تحصيل "المقاصد" الشرعية من تلك العادات وذلك "بجلب نافع" له يكتسب منها "ودرء" أي دفع "فاسد" عنه يكون عنها. فيجوز أن ينوب منابه في استجلاب المصالح له ودرء المفاسد عنه بالإعانة والوكالة، ونحو ذلك مما هو في معناه، لأن الحكمة التي يطلب بها المكلف في ذلك كله صالحة أن يأتي بها سواه: كالبيع والشراء والأخذ والإعطاء والإجارة والاستئجار والخدمة والقبض والدفع وما أشبه ذلك. وهذا يصح في كل أمر عادي "ما لم يكن" أمر "الحكمة" خاصة بالمكلف "مشروعا" فهي "مقصورة" عليه "عادة". فالعادة تجعل النيابة فيه أمرا مستحيلا "أو" مقصورة عليه "تشريعا" فالشرع مانع من جريان النيابة فيه.

стр. 435

١١٣٧ - كَالأَكْلِ وَالْعِقَابِ فِي الْأبْدَانِ … فَالْمَنْعُ مِنْهَا وَاضِحُ الْبَيَانِ ١١٣٨ - فَإِنْ يَكُنْ مَرْجِعُهُ لِلْمَالِ … فَهْيَ صَحِيحَةٌ بِكُلِّ حَالِ ١١٣٩ - وَكلُّ مَالِي وَلَاكِن يُّعْتَبَرْ … فِيهِ سِوَى الْمَالِ مَجَالٌ لِلنَّظَرْ ١١٤٠ - وَلَا يَجُوزُ فِي التَّعَبُّدَاتِ … نِيَابَةٌ كَالطُّهْرِ وَالصَّلَاةِ مثال ما لا يقبل النيابة عادة ما لم يمكن تعدي مصلحته إلى غير فاعله وذلك "كالأكل" والشرب واللبس والسكنى، والنكاح، وأحكامه التابعة له من وجوه الاستمتاع التي لا تصح النيابة فيها "و" مثال ما لا يقبل النيابة شرعا لكون المصلحة الشرعية المقصودة منه لا تتعدى المكلف به وجوه "العقاب" الواقع "في الأبدان" وذلك كإيقاع الحدود، لا تجري النيابة فيها، لأن الازدجار المقصود من ذلك لا يتعدى صاحب الجناية وبذلك "فالمنع منها" أي النيابة فيها أي في هذه المذكورات وما شابهها أمر "واضح" ظاهر "البيان" فلا يحتاج إلى كثرة الاستدلالات عليه، ما لم يكن الحكم الشرعي الوارد في ذلك يرجع إلى المال كالدية ورد المغصوب وغرم المتلفات "فإن يكن مرجعه للمال" لا للأبدان "فهي" أي النيابة "صحيحة" وسائغة "بكل" أي في كل "حال" من أحوال المكلف سواء كان في حالة الإذن في ذلك أو لا، سواء كان على علم بذلك أو لا. "وكل" مطلوب شرعي "مالى" ليس ببدني "ولكن" لم يتمحض لذلك - أي وهو المالية - إذ "يعتبر فيه" ويلاحظ شيء آخر "سوى المال" فإنه "مجال" أي موضع "للنظر" والاجتهاد في معرفة حكمه. وذلك كالحج، والكفارات، وكل ما قد تعتبر فيه جهة التعبد مع كونه يتوقف الإتيان بها على بذل المال. قال الشاطبي: "فالحج بناء على أن المغلب فيه التعبد فلا تصح النيابة فيه أو المال فتصح والكفارة بناء على أنها زجر فتختص أو جبر فلا تختص وكالتضحية في الذبح بناء على ما بني عليه في الحج" (١) وما أشبه ذلك فالحاصل أن حكمة العاديات إن اختصت بالمكلف فلا نيابة وإلا صحت النيابة (٢). هذا شأن النيابة في الأمور العادية "ولا يجوز في "الضرب الثاني من المطلوب الشرعي وهو "التعبدات نيابة" أحد عن أحد ولا قيام شخص فيها مقام آخر على الإطلاق. وذلك "كالطهر والصلاة" والصوم وكل ما هو عبادة.

стр. 436

١١٤١ - دَلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَا الْمَنْقُولُ … مَا لِذِي الْمَعْنَى بِهَا مَعْقُولُ " دل على صحة ذا" أي هذا الحكم الدليل "المنقول" أي النصوص الشرعية الواردة في إثباته كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فَاطِر: ١٨]- وقوله - سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجْم: ٣٩] وفي القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعَام: ١٦٤] في مواضع وفي بعضها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فَاطِر: ١٨] ثم قال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فَاطِر: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾ [العَنكبوت: ١٢] وقال: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآية وأيضا ما يدل على أن أمور الآخرة لا يملك فيها أحد عن أحد شيئا كقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفِطار: ١٩] فهذا عام في نقل الأجور أو حمل الأوزار ونحوها وقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] وقال ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] الآية إلى كثير من هذا المعنى وفي الحديث حين أنذر ﵊ عشيرته الأقربين يا بني فلان إني لا أملك لكم من الله شيئا (١). "و" كذلك دل عليه "ما" يقضي به "لـ" الدليل "ذي" أي صاحب "المعنى" الذي هو "بها" أي العبادة يعني فيها "معقول" أي مدرك بالعقل بمقتضى ماهيتها وذلك الدليل هو أن مقصود العبادة الخضوع لله والتوجه إليه والتذلل بين يديه والانقياد تحت حكمه وعمارة القلب بذكره حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرا مع الله ومراقبا له غير غافل عنه وأن يكون ساعيا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده لأن معنى ذلك أن لا يكون العبد عبدا ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعا ولا متوجها إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا قام غيره في ذلك مقامه فذلك الغير هو الخاضع المتوجه والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية والاتصاف لا يعدو المتصف به ولا ينتقل عنه إلى غيره والنيابة إنما معناها أن يكون المنوب عنه بمنزلة النائب حتى يعد المنوب عنه متصفا بما اتصف به النائب وذلك لا يصح في العبادات كما يصح في التصرفات فإن النائب في أداء الدين مثلا لما قام مقام المديان صار المديان متصفا بأنه مؤد لدينه فلا مطالبة للغريم بعد ذلك به وهذا في التعبد لا يتصور ما لم يتصف المنوب عنه بمثل

стр. 437

١١٤٢ - وَمَعَ ذَا لَوْ صَحَّ فِي الْحِسِّيهْ … جَوَازُهَا لَعَمَّ فِي الْقَلْبِيَّهْ ١١٤٣ - وَمَا أَتَى يُوهِمُ غَيْرَ مَا ذُكِرْ … فَخَارجٌ عَنْ حُكْمِهِ إِذَا اعْتُبِرْ ما اتصف به النائب ولا نيابة إذ ذاك على حال (١). "و" يزاد "مع ذا" أي هذا الذي ذكر دليل آخر وهو أنه "لو صح" شرعا "في" الأفعال "الجسمية" أي البدنية "جوازها" أي النيابة "لعم" هذا الجواز الأفعال "القلبية" - أيضا - كالإيمان وغيره من الصبر والشكر، والرضى والتوكل والخوف، والرجاء وما أشبه ذلك، ولم تكن التكاليف محتومة على المكلف عينا لجواز النيابة فكان يجوز أمره ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة ولصح مثل ذلك في المصالح المختصة بالأعيان من العاديات كالأكل والشرب والوقاع واللباس وما أشبه ذلك وفي الحدود والقصاص والتعزيرات وأشباهها من أنواع الزجر وكل ذلك باطل بلا خلاف من جهة أن حكم هذه الأحكام مختصة فكذلك سائر التعبدات" (٢). "و" أما "ما أتى" من النصوص الشرعية وهو "يوهم" أي يوقع في الوهم "غير ما ذكر" في هذا الشأن - وذلك كقوله ﷺ : "إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه" وكقوله ﵊: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" - وقوله ﷺ : "إن الرجل إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث" - وأنه ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها وفي القرآن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّور: ٢١] وفسر بأن الأبناء يرفعون إلى منازل الآباء وإن لم يبلغوا ذلك بأعمالهم وفي الحديث: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وفي رواية أفرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئه قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى. ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه. وقيل يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه قال: "فقضه عنها" وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث كبراء وعلماء وجماعة ممن لم يذهبوا إلى ذلك قالوا بجواز هبة العمل وأن ذلك ينفع الموهوب له عند الله تعالى فهذه جملة تدل على ما لم يذكر من نوعها وتبين أن ما تقدم في الكلية المذكورة ليست على العموم فلا تكون صحيحة (٣). وغير ذلك من الأدلة الدالة على هذا الحكم كالصدقة عن الغير، وحمل العاقلة الدية والجهاد. ثم إن المرء قد يجازى بنيته وإن لم يعمل ما نوى لمانع كما يجازي عن المصائب، وغير ذلك مما لم يعمل. "فـ" الجواب عنه هو ان هذا كله "خارج عن حكمه" أي عن حكم النيابة في العبادات الذي كلامنا فيه "إذا اعتبر" وتأمل أمره

стр. 438

١١٤٤ - لِجهَةِ التَّوْكيلِ وَالشَّفَاعَةِ … وَالْقَصْدِ وَالْوصَاةِ وَالْغَرَامَةِ ١١٤٥ - وَلِلتَّسَبُّبَاتِ وَالْمَصَائِبِ … وَللتَّصَدُّقَاتِ بِالْمَكَاسِبِ وبذلك فهذه المسائل ليست من هذا الباب لأنها اعتبرت فيها جهات أخرى كانت من الموجبات لهذه الأحكام التي تترتب في تلك المواضع. أما إخراج الزكاة فإن جريان النيابة فيها مرجعه "لجهة التوكيل" الذي يصح فيه. "و" أما قاعدة الدعاء فظاهر أنه ليس في الدعاء نيابة، لأن مرده إلى "الشفاعة" للغير فليس من هذا الباب "و" أما الجهاد فهو وإن كان من الأعمال المعدودة في العبادات، فهو معقول المعنى، كسائر فروض الكفايات التي هي مصالح الدنيا، لكن لا يحصل لصاحبها الأجر الأخروي إلا من جهة "القصد" لوجه الله - تعالى - وإعلاء كلمته بذلك. "و" أما الحج فإنه يحمل جريان النيابة فيه وجوازها فيه على ما إذا أمر به، أو وقع "الوصاة" أي الوصية به وأما كون حسنات الظالم تعطى للمظلوم، أو سيئات المظلوم تطرح على الظالم فإن ذلك من باب "الغرامة" والمعاوضة لأن الأعواض الأخروية إنما تكون في الأجور والأوزار إذ لا دينار هناك ولا درهم وقد فات القضاء في الدنيا. "و" أما سن السنن حسنة كانت أو سيئة وبقاء جريان ثمرات الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع وترتب إثم القتل على ابن آدم الأول وما أشبه ذلك فإنه راجع "للتسببات"، فالجزاء في ذلك كله مرجعه إلى عمل المأجور والمأزور لأنه هو الذي تسبب فيه أولا. فعلى جريان سببه تجري المسببات، والكفل الراجع إلى المتسبب - وهو ابن آدم - ناشئ عن عمله، لا عن عمل المتسبب الثاني وإلى هذا المعنى يرجع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطّور: ٢١] لأن ولده كسب من كسبه. فما جرى عليه من خير، فكأنه منسوب إلى الأب. وبذلك فسر قوله - تعالى -: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المَسَد: ٢] أن ولده من كسبه، فلا غرو أن يرجع إلى منزلته وتقر عينه به، كما تقر عينه بسائر أعماله الصالحة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّور: ٢١]. وهبة الثواب في ذا تدخل إذ رده من كسبنا التفضل وغير ما يقبل تأويلا وقد عارض قطعيا فمثله يرد "و" أما مسألة الكسب مما يؤكل من الغرس والزرع فإنه من باب "المصائب" في المال، والمصائب ليست من باب النيابة في العبادة. "و" أما مسألة الصيام عن الولي والحج عنه فإن ذلك محمول على أنه راجع "للتصدقات بالمكاسب" أي فيما يصح أن تكسبه لغيرك، والصدقة تصح فيها النيابة لأنها تكون في المال، وهو يصح أن تكسبه لغيرك وذلك أن القضاء تارة يكون بمثل المقضي، وتارة يكون بما يقوم مقامه عند تعذره، وذلك في الصيام الإطعام، وفي الحج النفقة عمن يحج عنه، أو ما أشبه ذلك.

стр. 439

" فصل" ١١٤٦ - وَهِبَةُ الثَّوَابِ فِي ذَا تَدْخُلُ … إِذْ رَدُّهُ مِنْ كَسْبِنَا التَّفَضُّلُ ١١٤٧ - وَغَيْرُ مَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا وَقَدْ … عَارَضَ قَطْعِيًّا فَمِثْلُهُ يُرَدْ " المسألة الثامنة " ١١٤٨ - وَالْقَصْدُ لِلشَّارعْ فِي الأعْمَالِ … دَوَامُهَا وَذَا بِالاسْتِدْلَالِ فصل: في بيان حكم مسألة هبة المكلف ثواب الأعمال وجزاءها لغيره " وهبة الثواب" وثمرات الأعمال الصالحة للغير "في ذا" الوجه الذي تقدم ذكره "تدخل" فتحمل على أنها من باب التصدق بما صح اكتسابه، وهو المتمولات، وأما ثواب الأعمال فإنه لا يكتسب للمكلف، "إذ رده" من الدخول تحت "كسبنا" وحق التصرف فيه "التفضل" من رب العالمين به على خلقه. فالجزاء ليس للعامل فيه نظر، ولا اختيار، ولا في يده منه شيء لأنه مجرد تفضل من الله - تعالى - على العامل. فإذا لا يصح فيه تصرف، لأن التصرف من توابع الملك الاختياري، وليس في الجزاء ذلك فلا يصح للعامل تصرف فيما لا يملك، كما لا يصح لغيره. وبذلك يحمل جميع ما تقدم ذكره من المسائل - ومنها مسألة هبة الثواب هذه - على ما تصح فيه النيابة، وبهذا يؤول، إن كان يقبل ذلك. "وغير ما يقبل تأويلا" من ذلك فإنه "وقد عارض" أصلا "قطعيا" مقطوعا به يرد "فمثله" أي هذا الذي عارض أصلا قطعيا "يرد" فلا يقبل. وقد تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي. وهو أصل مالك وأبي حنيفة. "المسألة الثامنة" في أن المراد "والقصد للشارع" الذي شرعه من "في الأعمال" هو "دوامها" يعني دوام المكلف عليها "وذا" القصد للشارع فيها ثابت "بالاستدلال" أي بورود الأدلة الشرعية به. قال الشاطبي: والدليل على ذلك واضح كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعَارج: ٢٢ - ٢٣] وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المَائدة: ٥٥] وإقام الصلاة بمعنى الدوام عليها بهذا فسرت الإقامة حيث ذكرت مضافة إلى الصلاة وجاء هذا كله في معرض المدح وهو دليل على قصد الشارع إليه وجاء الأمر به صريحا

стр. 440

١١٤٩ - وَحُكْمُ مَا الْتُزِمَ فِي التَّصَوُّفِ … بِحَسَبِ الأوْقَاتِ مِنْ هُنَا اقْتُفِي " المسألة التاسعة " ١١٥٠ - هَاذِي الشَّرِيعَةُ عَلَى الْعُمُومِ … بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ وَاللُّزُومِ في مواضع كثيرة كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النُّور: ٥٦] وفي الحديث أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل وقال خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا وكان ﵊ إذا عمل عملا أثبته وكان عمله ديمة وأيضا فإن في توقيت الشارع وظائف العبادات من مفروضات ومسنونات ومستحبات في أوقات معلومة لأسباب ظاهرة ولغير أسباب ما يكفي في حصول القطع بقصد الشارع إلى إدامة الأعمال وقد قيل في قوله تعالى في الذين ترهبوا: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحَديد: ٢٧] إن عدم مراعاتهم لها هو تركها بعد الدخول فيها والاستمرار (١). "و" هذا وهو أن الدوام على الأعمال مقصد شرعي يؤخذ منه "حكم ما التزم به" في مذهب أهل "التصوف" من الأوراد التي يأتونها "بحسب الأوقات" التي حددوها لذلك، فذاك "من هنا اقتفي" هذا السبيل عندهم، وأمروا بالمحافظة على تلك الأوراد في أوقاتها بإطلاق. "المسألة التاسعة" في أن "هاذي" أي هذه "الشريعة" بحسب المكلفين جارية "على العموم" فهي كلية عامة بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكما من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة. وهذا أصل ثابت "بـ" أمور أحدها "النص" الشرعي كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سَبَإ: ٢٨] وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعرَاف: ١٥٨] وقوله ﵊ بعثت إلى الأحمر والأسود وأشباه هذه النصوص مما يدل على أن البعثة عامة لا خاصة ولو كان بعض الناس مختصا بما لم يخص به غيره لم يكن مرسلا للناس جميعا إذ يصدق على من لم يكلف بذلك الحكم الخاص أنه لم يرسل إليه به فلا

стр. 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكون مرسلا بذلك الحكم الخاص إلى الناس جميعا وذلك باطل فما أدى إليه مثله بخلاف الصبيان والمجانين ونحوهم ممن ليس بمكلف فإنه لم يرسل إليه بإطلاق ولا هو داخل تحت الناس المذكورين في القرآن فلا اعتراض به وما تعلق بأفعالهم من الأحكام المنسوبة إلى خطاب الوضع فظاهر الأمر فيه (١). "و" ثانيها: "الإجماع" أي إجماع علماء الأمة المتقدمين على ذلك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ولذلك صيروا أفعال رسول الله ﷺ حجة للجميع في أمثالها وحاولوا فيما وقع من الأحكام على قضايا معينة وليس لها صيغ عامة أن تجري على العموم إما بالقياس أو بالرد إلى الصيغة أن تجري على العموم المعنوي أو غير ذلك من المحاولات بحيث لا يكون الحكم على الخصوص في النازلة الأولى مختصا به وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية فقرر الحكم في مخصوص ليكون عاما في الناس وتقرر صحة الإجماع لا يحتاج إلى مزيد لوضوحه عند من زاول أحكام الشريعة (٢). "و" ثالثها: دليل "اللزوم" وذلك أنه لو جاز خطاب البعض ببعض الأحكام حتى يخص بالخروج عنه بعض الناس لجاز مثل ذلك في قواعد الإسلام أن لا يخاطب بها بعض من كملت فيه شروط التكليف بها وكذلك في الإيمان الذي هو رأس الأمر وهذا باطل فما لزم عنه مثله ولا أعني بذلك ما كان نحو الولايات وأشباهها من القضاء والإمامة والشهادة والفتيا في النوازل والعرافة والنقابة والكتابة والتعليم للعلوم وغيرها فإن هذه الأشياء راجعة إلى النظر في شرط التكليف بها وجامع الشروط في التكليف القدرة على المكلف به فالقادر على القيام بهذه الوظائف مكلف بها على الإطلاق والعموم ومن لا يقدر على ذلك سقط التكليف عنه بإطلاق كالأطفال والمجانين بالنسبة إلى الطهارة والصلاة ونحوها فالتكليف عام لا خاص من جهة القدرة أو عدمها لا من جهة أخرى بناء على منع التكليف بما لا يطاق وكذلك الأمر في كل ما كان موهما للخطاب الخاص كمراتب الإيغال في الأعمال ومراتب الاحتياط على الدين وغير ذلك (٣).

стр. 442

١١٥١ - وَهَذَا الْأَصْلُ يُثْبِتُ الْقِيَاسَا … عَلَى الذِي يُنْكِرُهُ اقْتِبَاسَا " فَصْلٌ " ١١٥٢ - وَمُثْبِتٌ لِمَذْهَبِ الصُّوفِيَّهْ … جَرْيًا عَلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّهْ " المسألة العاشرة " ١١٥٣ - كمَا التَّكَالِيفُ جَمِيعًا قَدْ أَتَتْ … وَالْحُكْمُ بِالْعُمُومِ فِيهَا قَدْ ثَبَتْ " وهذا الأصل" وهو كون هذه الشريعة كلية عامة، يتضمن فوائد منها: أنه "يثبت القياسا" يعني شرعيته وكونه أصلا فقهيا "على الذي ينكره" أي ينكر كونه حجة شرعية كالظاهرية "اقتباسا" يعني أن هذا الأصل يثبت حجية القياس اقتباسا وأخذا من مضمونه الذي هو عموم هذه الشريعة، وشمولها. ووجه ذلك الخطاب الخاص ببعض الناس، والحكم الخاص كان واقعا في زمن الرسول ﷺ كثيرا ولم يؤت فيه بدليل عام يعم أمثالها من الوقائع فلا يصح مع العلم بأن الشريعة موضوعة على العموم والإطلاق إلا أن يكون الخصوص الواقع غير مراد وليس في القضية لفظ يستند إليه في إلحاق غير المذكور بالمذكور فأرشدنا ذلك إلى أنه لا بد في كل واقعة وقعت إذ ذاك أن يلحق بها ما في معناها وهو معنى القياس وتأيد بعمل الصحابة ﵃ فانشرح الصدر لقبوله (١). "فصل" "و" منها أي تلك الفوائد: أن هذا الأصل "مثبت لـ" كون "مذهب الصوفية" يمضي فيه "جريا على المقاصد الشرعية" وأن مخالفة ذلك ذهاب في سبيل الزندقة، وتنكب عن سبيل الرشد، وما يهذي به بعض الناس من أن الصوفية المخلصين قد ترقوا على ظواهر الشريعة هو من كلام المارقين وأرباب الخواطر الشيطانية. "المسألة العاشرة" في أنه "كما التكاليف" الشرعية "جميعا قد أتت" "و" كذلك "الحكم" - اللام للجنس - أي الأحكام الشرعية، أيضا "بـ" صفة "العموم" والشمول "فيها" أي في تلك التكاليف "قد ثبت"

стр. 443

١١٥٤ - بِنِسْبَةِ الأمَّةِ وَالرَّسُولِ … فِي غَيْرِ مَا قَدْ خُصَّ بِالدَّلِيلِ ١١٥٥ - كَذَا الْمَزَايَا نَيْلُهَا قَدْ عَمَّا … وَهْوَ بِالاسْتِقْرَاءِ أَمْرٌ تَمَّا ١١٥٦ - فَفِي الذِي أُعْطِيَهُ الرَّسُولُ … مِنْ غَيْرِ مَا اخْتُصَّ لَهُمْ شُمُولُ ١١٥٧ - أَوَّلُهَا اسْتِخْلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ … عَلَى اقْتِبَاسِ مُوجِبَاتِ الْحُكْمِ ١١٥٨ - إِذْ كَانَ مِمَّا أُعْطِيَ الحُكْمُ بِمَا … يُرَى فَقَدْ أُعْطِيَ ذَاكَ الْعُلَمَا وذلك "بنسبة" يعني بالنسبة و "الأمة". "و" كذلك "الرسول" ﷺ على السواء في غير ما قد خص الرسول ﵊ به، وانفرد به عمن سواه بالدليل المقتضي لذلك. "و" كذا شأن وحكم "المزايا" والمناقب فـ "نيلها" وإدراكها "قد عما" جميع المكلفين ومنهم الرسول ﵊ فما من مزية أعطيها ﵊ إلا وقد أعطيت أمته منها أنموذجا سوى ما خص ﷺ به وبذلك فهي عامة كعموم التكاليف. بل قد زعم ابن العربي أن سنة الله جرت أنه إذا أعطى الله نبيا شيئا أعطى أمته منه وأشركهم معه فيه، ثم ذكر من ذلك أمثلة. "و" هذا الذي ذكره "هو بالاستقراء" والنظر في الأدلة الشرعية "أمر تم" يعني أنه كامل ثبوته، وحاصل "ففي الذي أعطيه" ﵊ من المزايا والمكارم والمناقب "من غير ما اختص" به - كحرمة رفع الصوت عليه، وندائه من وراء الحجرات، ومنع ندائه باسمه وغير ذلك مما خص به "لهم" أي لأمته "شمول" وعموم، فهم لهم اشتراك فيها معه وإن بوجه ما. "اولها" أي هذه المزايا "استخلاف" الشارع "أهل العلم على اقتباس" واستخراج الأدلة التي هي "موجبات" ومقتضيات "الحكم" الشرعي "إذ كان مما أعطي" ﵊ "الحكم بما يراه". قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النِّسَاء: ١٠٥]، وهذا تشاركه فيه بعض أمته "فقد أعطي ذاك" أيضا "العلماء". قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٨٣] وهذا واضح بين فلا يطول به (١).

стр. 444

١١٥٩ - وَالحُبُّ وَالْعِلْمُ مَعَ الأُمِّيَّهْ … وَرِفْعَةُ الْقَدْرِ عَلَى الْبَرِيَّهْ ١١٦٠ - وَالاجْتِبَاءُ وَوُجُوبُ الطَّاعَهْ … وَالسَّبْقُ لِلْجَنَّةِ وَالشَّفَاعَهْ ١١٦١ - وَالشَّرْعُ لِلسَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ … عَلَيْهِمُ إذْ فِيهِ ذَاكَ آتِ " و" ثانيها: "الحب" فإنه ﵊ حبيب الله ثبت ذلك في الحديث (إذ خرج ﵊ ونفر من أصحابه … ) وفي الأمة ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المَائدة: ٥٤]. "و" ثالثها: "العلم مع الأمية" قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعرَاف: ١٥٨]. وفي الحديث نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. "و" رابعها: "رفعة القدر" والمقام "على البرية" أي الخلق. فإنه أكرم الأولين والآخرين وفي أمته قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠]. "و" خامسها: "الاجتباء" أي الاصطفاء والاختيار، قال - تعالى - في الأنبياء ﵈: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعَام: ٨٧] وفي الحديث أنه ﷺ "مصطفى من الخلق". وقال تعالى في هذه الأمة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. "و" سادسها: "وجوب الطاعة" قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النِّسَاء: ٨٠] وقال سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] وهم الأمراء والعلماء وفي الحديث "من أطاع أميري فقد أطاعني". "و" سابعها: "السبق للجنة". فقد جاء في الحديث أنه ﷺ أول من يدخل الجنة، وأن أمته كذلك. "و" ثامنها: "الشفاعة" قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسرَاء: ٧٩] قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. وقد ثبتت شفاعة هذه الأمة، كقوله ﵊ في أويس القرني: "يشفع في مثل ربيعة ومضر". وقال ﷺ : "أئمتكم شفعاؤكم" وغير ذلك. "و" تاسعها: "الشرع للسلام" في الصلاة عليهم، أي على هذه الأمة "إذ فيه" أي في ذلك السلام "ذاك" وهو الشرع له حكم "آت" إذ يقال في التشهد: السلام عليك أيها

стр. 445

١١٦٢ - وَالْوَصْفُ بِالْحَمْدِ وَرَفْعُ الذِّكْرِ … وَالْوَحْيُ بِالرُّؤْيَا وَشَرْحُ الصَّدْرِ ١١٦٣ - وَمُقْتَضَى التَّثْبِيتِ وَالْغُفْرَانِ … لِلذَّنْبِ وَالتَّيْسِيرِ لِلْقُرْآنِ النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. "و" عاشرها: "الوصف بالحمد" في الكتب السالفة، وبغيره من الفضائل ففي القرآن ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصَّف: ٦] وسميت أمته الحمادين. "و" الحادي عشر: "رفع الذكر". قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشَّرح: ٤] وذكر أن معناه قرن اسمه باسمه في عقد الإيمان، وفي كلمة الإيمان فصار ذكره ﵊ مرفوعا منوها به. وقد جاء في ذكر الأمة ومدحهم والثناء عليهم في القرآن وفي الكتب السالفة كثير. وجاء في بعض الأحاديث عن موسى ﵊ أنه قال "اللهم اجعلني من أمة أحمد لما وجد في التوراة من الإشادة بذكرهم والثناء عليهم". "و" الثاني عشر: "الوحي بالرؤيا" قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النِّسَاء: ١٦٣] وسائر ما في هذا المعنى، ولا يحتاج إلى شاهد. وفي الأمة "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". "و" الثالث عشر: "شرح الصدر" قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشَّرح: ١] الآية. وقال في الأمة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمر: ٢٢]. "و" الرابع عشر: "مقتضى" وحكم "التثبيت" عند توقع التفلت البشري قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسرَاء: ٧٤] وفي الأمة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. "و" الخامس عشر: "الغفران للذنب" ما تقدم منه وما تأخر. قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي الأمة ما روي أن الآية لما نزلت قال الصحابة: هنيئا مريئا، فما لنا؟ فنزل ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: ٥] فعم ما تقدم وما تأخر. وفي الآية الأولى إتمام النعمة في قوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] وقال في الأمة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية. "و" السادس عشر: "التيسير" والتسهيل لتلاوة "القرآن" الكريم "عليهم" قال تعالى:

стр. 446

١١٦٤ - ثُمَّ نُزُولُهُ عَلَى وَفْقِ الْغَرَضْ … وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْعَتْبِ فِي أَمْرٍ عَرَضْ ١١٦٥ - وَمَا أَتَى مِنِ انْخِرَاقِ الْعَادَهْ … لِأوْليَاءِ اللهِ وَالشَّهَادَهْ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القِيَامَة: ١٧ - ١٩] قال ابن عباس: علينا أن نجمعه في صدرك [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القِيَامَة: ١٩] علينا أن نبينه على لسانك. وفي الأمة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القَمَر: ١٧]. "ثم" السابع عشر: وهو "نزوله على وفق الغرض" أي المراد. قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فقد كان ﵊ يحب أن يرد إلى الكعبة. وقال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزَاب: ٥١] لما كان قد حبب إليه النساء، فلم يوقف فيهن على عدد معلوم. وفي الأمة قال عمر وافقت ربي في ثلاث. قلت: يا رسول الله: لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت إن انتهيتن، أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن، فانزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التّحْريم: ٥]. وحديث التي ظاهر منها زوجها فسألت النبي ﷺ : إن زوجي ظاهر مني، وقد طالت صحبتي معه، وقد ولدت له أولادا. قال ﵊: قد حرمت، فرفعت رأسها إلى السماء، فقالت: إلى الله أشكو حاجتي إليه، ثم عادت، فأجابها، ثم ذهبت لتعيد الثالثة، فأنزل الله - تعالى - ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] الآية. ومن هذا كثير لمن تتبع. والثامن عشر: "العفو قبل العتب" أي اللوم "في أمر" ذي مخالفة شرعية "عرض" في التصرفات. قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التّوبَة: ٤٣] وفي الأمة ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٢]. "و" التاسع عشر: "ما أتى" وورد "من انخراق العادة لأولياء الله" تعالى وثبوت الكرامات لهم. كما ثبتت له ﵊ المعجزات. "و" العشرون: "الشهادة" على الأمة اختص بذلك دون الأنبياء ﵈ -

стр. 447

١١٦٦ - وَمِنْ صَلَاةِ اللهِ وَالتَّسْلِيمِ … وَوِجْهَةِ الْمَلَكِ بِالتَّكْلِيمِ ١١٦٧ - وَوَصْفِهِمْ كَمِثْلِ مَالَهُ وَصَفْ … بِبَعْضِ الأوْصَافِ التِي بِهَا اتَّصَفْ ١١٦٨ - وَمِنْ مُوَالَاةٍ لِمَنْ وَالاهُمْ … وَمِنْ مُعَادَاةِ لِمَنْ عَادَاهُمْ وفي القرآن الكريم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. "و" الحادي والعشرون: هو ما ثبت "من" تشريع "صلاة" من "الله" تعالى. قال سبحانه في النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزَاب: ٥٦]. وقال في الأمة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزَاب: ٤٣] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. "و" الثاني والعشرون: "التسليم" منه سبحانه ففي أحاديث إقراء السلام من الله سبحانه على نبيه ﵊ وقال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النَّمل: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال جبريل للنبي ﵊ في خديجة اقرأ ﵍ من ربها ومني. "و" الثالث والعشرون: جعل النبي ﷺ والأمة "وجهة الملك" وموضع "التكليم" والخطاب مباشرة. إما في النبي ﵊ فهذا أمر ظاهر. وأما في الأمة فقد روي في بعض الصحابة أنه كان يكلمه الملك - كعمران بن حصين - ونقل عن الأولياء من هذا. "و" الرابع والعشرون: "وصفهم" أي أفراد هذه الأمة من الله تعالى "كمثل ماله" ﵊ "وصف" سبحانه "ببعض الأوصاف التي بها اتصف" سبحانه فإنه تعالى سمى نبيه ﵊ بجملة من أسمائه كالرؤوف، الرحيم. وكذلك الأمة نحو: المؤمن والخبير والعليم والحكيم. ولله تعالى المثل الأعلى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ومثل هذا يجب أن يقرر على وفق ما تقتضيه قواعد العقيدة الإسلامية الصحيحة، المبينة في كتب هذا الشأن. "و" الخامس والعشرون: هو ما ثبت "من موالاة" ونصرة من الله تعالى "لمن والاهم" ونصرهم "ومن معاداة" منه - سبحانه - ومحاربة "لمن عاداهم" فمعاداة

стр. 448

١١٦٩ - وَمِنْ خِطَابٍ وَاضِحِ الإِتْيَانِ … فِي مَعْرِضِ الرَّأْفَةِ وَالْحَنَانِ ١١٧٠ - وَمِنْ إمَامَةٍ لِلأنْبِيَاءِ … وَنِعْمَةِ الإِعْطَاء لِلإِرْضَاءِ المؤمنين - هذه الأمة - والرسول ﵊ معاداة لله تعالى، وموالاتهم موالاة له - سبحانه - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وفي الحديث "من آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة". "و" السادس والعشرون: ما ورد "من خطاب واضح" بين "الإتيان" والمجيء "في معرض" أي مورد "الرأفة" أي الرحمة "والحنان" أي الشفقة كقوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ١ - ٢]. وقوله سبحانه: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢]. وقوله : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. في الأمة قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]. وقال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]. وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النِّسَاء: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩]. "و" السابع والعشرون: هو ما ورد "من إمامة للأنبياء" - عليهم الصلاة والسلام - ففي حديث الإسراء أنه ﵊ أمّ الأنبياء، قال: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فحانت الصلاة فأممتهم". وفي حديث نزول عيسى عليه الصلاة إلى الأرض: "إمام هذه الأمة منها". "و" الثامن والعشرون: "نعمة الإعطاء للإرضاء" قال تعالى في النبي: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضّحى: ٥]. وقال في الأمة: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجّ: ٥٩] وقال رضي الله عنهم ورضوا عنه.

стр. 449

١١٧١ - وَالأَجْرُ دُونَ مِنَّةٍ وَالْعِصْمَهْ … مِنَ الضَّلالِ وَتَمَامُ النِّعْمَهْ " فَصْلٌ" ١١٧٢ - ثُمَّ الْمُكَاشَفَاتُ وَالْكَرَامَهْ … مَنْشَأُهَا الدِّينُ وَالاسْتِقَامَهْ ١١٧٣ - فَكُلُّ مَا مِنْهَا بَدَا فِي أُمَّتِهْ … مُقْتَبَسٌ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهْ ١١٧٤ - إِذِ النَّبِيُّ الْمَنْبَعُ الْكُلِّيُّ … وَالأوْليَاءُ مَنْبَعٌ جُزْئِيُّ " و" التاسع والعشرون: "الأجر دون منّة" كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ [القلم: ٣]، وقال في الأمة ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٦]. "و" الثلاثون: "العصمة" أي الحفظ "من الضلال" بعد الهدى وغير ذلك من وجوه الحفظ العامة فالنبي ﷺ قد عصمه الله تعالى من ذلك كله وجاء في الأمة "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وجاء في الحديث: "احفظ الله يحفظك" وفي القرآن: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] تفسيره في قوله: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وفي قوله "وأنا والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها". وأما الحادي والثلاثون: فهو "تمام النعمة" وإكمالها. قال تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] وقال سبحانه في الأمة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فصل: في بيان أن هذا الأصل وهو اشتراك الأمة والرسول ﷺ في هذه المزايا وما شابهها تنبني عليه فوائد. أحدها: أن الرسول ﵊ هو الواسطة في ذلك كله ثم إن "المكاشفات والكرامة" وغيرها من الفضائل التي يمنحها صالحو هذه الأمة "منشؤها" ومنبعها إنما هو العمل بمقتضى ما جاء في هذا "الدين" من أوامر ونواه "والاستقامة" على سبيله وصراطه. "فكل ما" ظهر"منها وبدا في أمته" من ذلك فإنه "مقتبس" ومأخوذ "من اتباع سنته" ﷺ ويتفاوت ذلك بتفاوت درجة الاتباع وقدره، فبقدر الاتباع يكون الانتفاع وهذا واضح، "إذ النبي" ﵊ هو "المنبع" - بالباء الموحدة بينهما نون ساكنة - محل النبع، وموضعه "الكلي" الشامل الذي يستقي منه الجميع، وهو السراج المنير الذي يستضيء به كل الخلق والعلم الأعلى الذي يهتدى به في سلوك الطريق. "و" أما "الأولياء" فإن حالهم يصدق عليه أنه "منبع جزئي" عن ذاك

стр. 450

١١٧٣ - فَمَا يُرَى فِي الْمُعْجِزَاتِ أَصْلُهُ … فَفِي الْكَرَامَاتِ يَصِحُّ نَقْلُهُ " فَصْلٌ " ١١٧٦ - وَمَا عَلَى خِلَافِ هَذَا قَدْ وَرَدْ … فَإِنَّهُ فِي ذَاكَ غَيْرُ مُعْتَمَدْ ١١٧٧ - كَذَاكَ مَا يَصْدُرُ مَعْ مُخَالَفَهْ … لَيْسَ كَرَامَةٍ وَلَا مُكَاشَفَهْ المنبع الكلي تفرع ومنه سال، وجرى، "فـ" كل "ما يرى" أي يبصر أو يعتقد من خوارق العادات "في المعجزات" النبوية "أصله" الذي ورد فيه "فـ" إنه "في الكرامات" التي تمنح للأولياء "يصح نقله" ووروده في الحكاية عن هؤلاء الفضلاء. وأما اختصاص بعض صالحي هذه الأمة بكرامات لم ينقل أنها ظهرت بذاتها على يد النبي ﷺ كهروب الشيطان من عمر والنور الذي ظهر بين يدي أسيد بن حضير، وعباد بن بشر في ليلة خرجا فيها من عنده ﵊ وما أشبه هذا، فإن ذلك كله في حقيقة الأمر راجع إلى إتباعه ﵊ والاقتداء بهديه ولولا ذلك ما كان لهم شيء مما ذكر فهو على كل حال مصدر هذا الفضل والخير كله. وهذا جلي بين لا يحتاج إلى إطالة الكلام في تقريره. "فصل" في الفائدة الثانية التي تبنى على ما تقدم من أصل "و" هي أن كل "ما" قد جاء "على خلاف هذا" الأصل "قد ورد فإنه" يرد إذ هو "في ذاك" وهو كونه كرامة أمر "غير معتمد" وغير صحيح، وبذلك ينظر إلى كل خارقة صدرت على يد أحد، فإن كان لها أصل في كرامات الرسول ﵊ ومعجزاته فهي صحيحة، وإن لم يكن لها أصل فغير صحيحة، وإن ظهر ببادئ الرأي أنها كرامة. "كذاك" حكم "ما يصدر" عن شخص ما "مع" وجود "مخالفة" شرعية في ذلك، أو في الطريق الموصل إليه فإنه - في حقيقة الأمر - "ليس كرامة ولا مكاشفة" وإنما هو من تلبيس إبليس (١).

стр. 451

١١٧٨ - وَكُلُّ مَنْ خُصَّ بِنَيْلِ مَأْثَرَهْ … مِنْ هَذِهِ الْمَآثِرِ المُعْتَبَرَهْ ١١٧٩ - فَكَانَ فِيهَا بِالرَّسُولِ يَقْتَدِي … فِي هَدْيِ مُسْتَهْدٍ وَرَدْعِ مُعْتَدِ ١١٨٠ - لَيْسَ بِخَارجٍ عَنِ الْمَشْرُوعِ … دَلِيلُهُ مِنْ جِهَةِ الْوُقُوعِ فصل في بيان الفائدة الثالثة المبنية على ما ذكر "و" هي أنه لما ثبت أن النبي ﷺ حذر وبشر، وأنذر وتصرف في ذلك بمقتضى الخوارق من الفراسة الصادقة والإلهام الصحيح، والكشف الواضح، والرؤيا الصالحة فإن "كل من خص بنيل" وإدراك مأثرة - بضم الثاء المثلثة - وهي لغة المكرمة المذكورة المتوارثة. والمراد بها هنا الكرامة الخارقة "من هذه المآثر" المذكورة - الخوارق - "معتبرة" شرعا وقوله المعتبرة هو وصف لبيان الوقع وليس للاحتراز "فكان" ذلك المخصوص بهذه المأثرة "فيها" يعني في العمل بها يهتدي "بالرسول" ﷺ و"يقتدي" به "في" التحذير والتبشير للناس، وندبهم إلى الخير بها، وذلك "في"سبيل "هدى" أي إرشاد "مستهد" أي طالب هداية "وردع" أي زجر وقمع "معتد" ظالم فهو شخص "ليس بخارج عن" الحكم "المشروع" بل هو على سبيل الهدى ماض فإظهاره ذلك لتلك الغاية ليس من باب العجب والتباهي، وإظهار الصلاح، وإنما هو مسلك شرعي تجلب به المصلحة المذكورة "دليله" أي دليل صحة هذا الذي ذكر يؤخذ "من جهة الوقوع" أي وقوع ذلك من الصحابة. فإنهم عملوا بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحي النومي كقول أبي بكر: وإنما هما أخواك أو أختاك. وقول عمر: يا سارية الجبل، فاعمل بالنصيحة التي أنبأ بها الكشف ونهيه لمن أراد أن يقص على الناس، وقال أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا. وقوله لمن قص عليه رؤياه: أن الشمس والقمر رآهما يقتتلان فقال مع أيهما كنت؟ قال مع القمر قال كنت مع الآية الممحوة لا تلي عملا أبدا. ويكثر نقل هذا عن السلف الصالح ومن بعدهم من العلماء والأولياء نفع الله بهم.

стр. 452

" المسألة الحادية عشرة " ١١٨١ - لَاكِنْ لِهَذَا الْحُكْمِ شَرْطٌ مَرْعِي … عَدَمُ الإخْلَالِ بِأَصْلٍ شَرْعِي " فَصْلٌ " ١١٨٢ - إِذَنْ فَالاسْتِعْمَالُ لِلْخَوَارِقِ … لَيْسَ عَلَى الإِطْلَاقِ فِي الْطَّوَارِقِ ولكن يبقى هذا النظر شرط العمل على مقتضى هذه الأمور، والكلام فيه يحتمل بسطا، فلنفرده بالكلام عليه. وهو ما سيورده في المسألة الموالية: "المسألة الحادية عشرة" وذلك أن الحكم الجاري في هذا الشأن هو انه مطلوب شرعا كما تقدم ذكره. "لكن لهذا الحكم شرط" معتبر و"مرعي" كما تقدم ذكره وذلك الشرط هو "عدم الاخلال بأصل شرعي" أي قاعدة دينية - عقدية أو غيرها - أو حكم شرعي، فإن ما يخدم شيئا مما ذكر ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم وإما من إلقاء الشيطان، وقد يخالطه ما هو حق، وقد لا يخالطه، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت، مشروع وذلك أن التشريع الذي أتى به الرسول ﷺ خاص - كما تقدم - في المسألة قبل هذه. وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر له اطراد، ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلف وإذا كان كذلك فكل من جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضاد لما تمهد في الشريعة فهو فاسد باطل (١). "فصل" إذا تقرر اعتبار هذا الشرط وجريان مقتضاه، "إذن فالاستعمال للخوارق" وإظهارها "ليس" أمرا مطلوبا شرعا "على الإطلاق" بدون قيد "في" جميع الأمور "الطوارق" النازلة بالمكلف - سواء كانت أقضية أو فتاوى أو غير ذلك.

стр. 453

١١٨٣ - بَلْ فِي الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْأُمُورِ … وَمَوْضِعِ التَّبْشِيرِ وَالتَّحْذِيرِ " فَصْلٌ " ١١٨٤ - وَحَيْثُمَا السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ … فَذَاكَ مِمَّا لَا امْتِرَاءَ فِيهِ " بل" إنما يسوغ ذلك الظهار والاستعمال "في المباحات من الأمور" وذلك كأن يرى المكاشف أن فلانا يقصده في الوقت الفلاني أو يعرف ما قصد إليه في إتيانه من موافقة أو مخالفة أو يطلع على ما في قلبه من حديث أو اعتقاد حق أو باطل وما أشبه ذلك فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده الشر فهذا من الجائز له كما لو رأى رؤيا تقتضي ذلك لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع كما تقدم. "و" في "موضع التبشير" إيصال البشارة وتبليغها "والتحذير" أي التخويف والتهديد وذلك بأن يكون في هذا الإظهار والاستعمال تحذيرا وتبشيرا ليستعد لكل عدته فهذا أيضا جائز كالإخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا أو لا يكون إن فعل كذا فيعمل على وفق ذلك على وزان الرؤيا الصالحة فله أن يجري بها مجرى الرؤيا كما روى عن أبي جعفر بن تركان قال كنت أجالس الفقراء ففتح علي بدينار فأردت أن أدفعه إليهم ثم قلت في نفسي لعلي أحتاج إليه فهاج بي وجع الضرس فقلعت سنا فوجعت الأخرى حتى قلعتها فهتف بي هاتف إن لم تدفع إليهم الدينار لا يبقى في فيك سن واحدة وعن الروذباري قال في استقصاء في أمر الطهارة فضاق صدري ليلة لكثرة ما صببت من الماء ولم يسكن قلبي فقلت يا رب عفوك فسمعت هاتفا يقول العفو في العلم فزال عني ذلك (١). وكذلك يسوغ "حيثما" يوجد "السبب" الذي "يقتضيه" أي يقتضي ما ذكر من الاستعمال والإظهار "فذاك" موضع "مما لا امتراء" أي لا شك "فيه" يعني في جواز هذا الحكم فيه. وذلك بأن يكون العمل عليها - أي هذه الخوارق - لفائدة يرجو نجاحها فإن العاقل لا يدخل على نفسه ما لعله يخاف عاقبته فقد يلحقه بسبب الالتفات إليها عجب أو غيره والكرامة كما أنها خصوصية كذلك هي فتنة واختبار لينظر كيف تعملون وقد تقدم ذكره فإذا عرضت حاجة أو كان لذلك سبب يقتضيه فلا بأس وقد كان رسول الله ﷺ يخبر بالمغيبات للحاجة إلى ذلك، ومعلوم أنه ﵊ لم يخبر بكل مغيب اطلع عليه بل كان ذلك في بعض الأوقات وعلى مقتضى الحاجات وقد أخبر ﵊ المصلين خلفه أنه يراهم من وراء ظهره، لما لهم في ذلك من

стр. 454

" المسألة الثانية عشرة " ١١٨٥ - ثُمَّ الشَّرِيعَةُ لِهَذْيِ الأُمَّةِ … فِي ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ قَدْ عَمَّتِ ١١٨٦ - لِأَنَّهَا عَلَى سِوَاهَا حَاكِمَةْ … فَحَالَةُ الْعُمُومِ فِيهَا لَازِمَةْ الفائدة المذكورة في الحديث وكان يمكن أن يأمرهم وينهاهم من غير إخبار بذلك وهكذا سائر كراماته ومعجزاته فعمل أمته بمثل ذلك في هذا المكان أولى منه في الوجه الأول ولكنه مع ذلك في حكم الجواز لما تقدم من خوف العوارض كالعجب ونحوه والإخبار في حق النبي ﵊ مسلّم ولا يخلو إخباره من فوائد ومنها تقوية إيمان كل من رأى ذلك أو سمع به هي فائدة لا تنقطع مع بقاء الدنيا (١). وعلى الجملة فالشرط المتقدم لا محيص من اعتباره في العمل بمقتضى الخوارق وهو المطلوب. ولما ذكرت هذه الأوجه الثلاثة لتكون مثلا يحتذي حذوه وينظر في هذا المجال إلى جهته (٢). ومن هنا يخلص إلى ذكر أصل آخر، وهو ما سيورد في المسألة الموالية وهي: "المسألة الثانية عشرة" في أنه قد تقرر أن الأحكام الشرعية عامة لا خاصة، كما تقدم بيانه، وعلى مقتضى ذلك بني ما تقدم ذكره من حكم استعمال الخوارق وإظهارها. "ثم" يعتضد هذا بإيراد الأصل الذي عقدت له هذه المسألة وهو أن أحكام "الشريعة" كما هي عامة "لـ" جميع أفراد "هذي" أي هذه "الأمة" فهي كذلك "في ظاهر" أحوالهم "وباطن" ها. فأحكام ذلك كله "قد عمتـ" ـه فإليها - أي الشريعة - يرد كل ما جاء من جهة الباطن، كما يرد إليها كل ما جاء من الظاهر "لأنها" أي هذه الشريعة "على" كل ما "سواها" من مصادر العلم والمعرفة ومدارك الأحكام "حاكمة" وقاضية "فحالة العموم" في أحكامها جارية و"لازمة" لا تنفك عنها. وبذلك فإن الخوارق لا يعتد بوقوعها إلا إذا كانت موافقة للشريعة. إن الشريعة - كما تقدم - حاكمة لا محكوم عليها، فلو كان يقع من الخوارق والأمور الغيبية حاكم عليها بتخصيص عموم، أو تقييد إطلاق، أو تأويل ظاهر أو ما أشبه ذلك، لكان غيرها حاكما عليها، وصارت هي محكوما عليها بغيرها. وذلك باطل باتفاق فكذلك ما يلزم عنه. ثم أن مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات وليست كذلك، بل أعمالا من أعمال الشيطان.

стр. 455

" فَصْلٌ " ١١٨٧ - فَالشَّرْغ مِيزَانٌ يُري الْكَرَامَهْ … عَلَى اعْوِجَاجٍ أَوْ عَلَى اسْتِقَامَهْ ١١٨٨ - فَمَا اسْتَقَامَ فَهُوَ الْمَقْبُولُ … وَغَيْرُهُ لَيْسَ لَهُ قَبُولُ " المسألة الثالثة عشرة " ١١٨٩ - مُجْرَى عَوَائِدِ الْوُجُودِ قَطْعِي … وَكَمْ مِنْ أَخْبَارٍ بِذَاكَ شَرْعِي " فصل" إذا علم هذا وتقرر أمره "فالشرع ميزان" يعرف به الحق من الباطل، والباطل من الحق، وبذلك فإنه الذي يجب أن تعرض عليه كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، فلا يصح ردها، ولا قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة، إذ هو أي القرآن الذي "يري" ويبين حال ما يظهر أنه "الكرامة" سواء كان "على اعوجاج" وضلال "أو "كان "على استقامة" وسبيل هدى ورشاد "فما استقام" من ذلك على سبيل الشريعة وكان وفق الأحكام الشرعية فهو "المقبول" المعد كرامة في حقيقة الأمر، وأما "غيره" وهو ما كان على خلاف الأحكام الشرعية، فإنه "ليس له قبول" ولا اعتبار، ولا مبالاة به عند أهل العلم والإيمان، قال بعض الفضلاء: ذا رأيت رجلا يسير … فوق مياه البحر أو يطير ولم يقف عند حدود الشرع … فإنه مستدرج وبدعي "المسألة الثالثة عشرة" في بيان أحكام العوائد "مجرى" واطراد "عوائد الوجود" سواء كانت تلك العوائد نفسية أو خارجية، أمر "قطعي" أي معلوم لا مظنون يعني في الكليات لا في خصوص الجزئيات إذ قد تتخلف بعض العوائد في حق أفراد، أو أحوال، بحكم خرق العادة، كما عليه أمور الأنبياء والأولياء، إلا أن ذلك ليس بمقصود هنا وإنما المقصود العوائد الكليات التي عليها قيام الحياة والوجود وجريان عيش الخلق، وذاك أمر مطرد معلوم فيه ارتباط السبب بالمسبب على ما اقتضته إرادة الله في سننه الكونية، وهذا بين ثابت و"كم من إخبار" وإنباء قد ورد "بذاك شرعي" وذلك كالإخبار بأحوال هذا الوجود

стр. 456

١١٩٠ - وَمَعَ ذَا لَوْلَا اطِّرَادُ الْعَادَهْ … لَمْ تَظْهَرِ المُعْجِزَةُ الْمُرَادَهْ ١١٩١ - لِصِدْقِ مَنْ أُرْسِلَ بِالتَّشْرِيعِ … وَذَاكَ غَيْرُ مُقْتَضَى الْوُقُوعِ على أنها دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة كالإخبار عن السماوات والأرض وما بينهما، وما فيهما من المنافع، والتصاريف، والأحوال، وإن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله، كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوزان أيضا. "و" يزاد "مع ذا" أي هذا الدليل دليل آخر وهو أنه "لولا" أن "اطراد العادة" وجريانها على سنتها التي خلقت عليها، أمر معلوم لما عرف الدين من أصله، فضلا عن أن تعرف فروعه وبذلك "لم تظهر" ولم تحصل "المعجزة المرادة" أي المقصودة "لـ" أجل إثبات "صدق" من أرسل "بالتشريع" ومن اتصف بالنبوة وبأنه يوحى إليه "وذاك" وهو عدم اطراد العوائد وما يبنى عليه، أمر "غير مقتضى" وموجب "الوقوع" بل ما يقتضيه الواقع ويدل عليه هو اطراد العادات وجريانها، وثبوت المعجزة بإنخراقها وهذا معلوم بالحس والتجربة والنصوص الشرعية. فإن قيل هذا معارض بما يدل على أن اطراد العوائد غير معلوم بل إن كان فمظنون والدليل على ذلك أمران: أحدهما أن استمرار أمر في العالم مساو لابتداء وجوده لأن الاستمرار إنما هو بالإمداد المستمر والإمداد ممكن أن لا يوجد كما أن استمرار العدم على الموجود في الزمن الأول كان ممكنا فلما حصل أحد طرفي الإمكان مع جواز بقائه على أصل العدم فكذلك وجوده في الزمان الثاني ممكن وعدمه كذلك فإذا كان كذلك فكيف يصح مع إمكان عدم استمرار وجوده العلم باستمرار وجوده هل هذا إلا عين المحال. والثاني أن خوارق العادات في الوجود غير قليل بل ذلك كثير ولا سيما ما جرى على أيدي الأنبياء ﵈ من ذلك وكذلك ما انخرق للأولياء من هذه الأمة وفي الأمم قبلها من العادات والوقوع زائد على مجرد الإمكان فهو أقوى في الدلالة فإذا لا يصح أن يكون مجارى العادات معلومة البتة (١).

стр. 457

١١٩٢ - وَإِنَّمَا أَعْنِي بِهَا الْكُلِّيَّهْ … مَا لَا تُرَى تَخْرِمُهَا الْجُزْئِيَّهْ ١١٩٣ - كَالشَّأْنِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ … مِنْ ذَاكَ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمَقْبُولِ ١١٩٤ - أَوْ الْقِيَاسِ أَصْلُهُ قَطْعِي … وَفِي الْفُرُوعِ حُكْمُهُ ظَنِّي " المسألة الرابعة عشرة " ١١٩٥ - ثُمَّ الْعَوَائِدُ التِي اسْتَمَرَّتْ … شَرْعِيَّة أَحْكَامُهَا استَقَرَّتْ فالجواب هو أني لا أقصد بالعوائد الجزئيات "وإنما أعني بها" أي بالعوائد العوائد "الكلية" الجارية في الوجود على اطراد كما رأينا عادة جرت في جزئية من هذا العالم في الماضي والحال غلب على ظنوننا - أيضا - استمراره في الاستقبال، وجاز عندنا خرقها بدليل انخراق ما انخرق منها، ولا يقدح ذلك في علمنا باستمرار العادات الكلية وهي "ما" أي التي "لا ترى" تبصر"تخرمها" يعني تخرم العلم باطرادها الحوادث "الجزئية" كالمعجزات والكرامات. فالشأن والأمر في هذه العوائد من حيث أنها لا ينخرم حكمها ومقتضاها بما كان على خلافها من جزئيات "كالشأن في "سائر "مسائل الأصول ومن ذاك حكم الخبر المقبول" فإن العمل به في الجملة قطعي "أو" بمعنى الواو يعني و"القياس" فإن "أصله" - أيضا - والعمل به "قطعي" - إن كان العمل به وبما قبله - "و" هو خبر الآحاد "في الفروع حكمه" ليس قطعيا، وإنما هو "ظني" فإذا جئت إلى قياس معين لتعمل به كان العمل ظنيا وكذلك إذا أخذت في العمل بخبر واحد معين وجدته ظنيا، لا قطعيا، وكذلك سائر المسائل ولم يكن ذلك قادحا في أصل المسألة الكلية. وهذا كله ظاهر. "المسألة الرابعة عشرة" في أن العوائد المستمرة على ضربين: أحدهما: العوائد الشرعية. ثانيهما: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي. "ثم" إن "العوائد التي استمرت" أي المستمرة على ضربين: أحدهما عوائد "شرعية" وهي التي "أحكامها استقرت".

стр. 458

١١٩٦ - بِالإِذْنِ أَوْ بِالنَّهْيِ أَوْ بِالأَمْرِ … فَذَاكَ ثَابِتٌ بِطُولِ الدَّهْرِ ١١٩٧ - كَالسَّتْرِ لِلْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَهْ … مِمَّا أَرَادَ الشَّارعُ اسْتِمْرَارَهْ ١١٩٨ - وَهْوَ لَدَى الشَّرْعِ قَبِيحٌ أَوْ حَسَنْ … فَمَا لَهُ تَبَدُّلٌ مَدَى الزَّمَنْ ١١٩٩ - وَضَرْبُهَا الثَّانِي فِي الاسْتِمْرَارِ … مَا هُوَ فِي الْعَادَاتِ أَمْرٌ جَارِ ١٢٠٠ - فَمِنْهُ ثَابِتٌ عَلَى الدَّوَامِ … كَالْمَشْيِ وَالْبَطْشِ وَكَالْقِيَامِ وحصلت "بالأذن" الشرعي في إتيانها - فيجري فيها التخيير بين الفعل والترك كالمعاملات المباحة "أو بالنهي" عن إتيانها - ككشف العورة "أو بالأمر" بها وأمثلتها تأتي، وكل ما كان من هذا الضرب "فذاك" حكمه لا يتغير، بل هو "ثابت" مستقر "بطول" أي مع طول "الدهر" والزمان، وذلك "كالستر للعورة والطهارة" وما أشبه ذلك "مما أراد الشارع استمراره" يعني استمرار العمل بحكمه فيه والامتثال لأمره في شأنه. "وهو" أي هذا الضرب "لدى" عند "الشرع" أما "قبيح" وبذلك لا يتأتى فيه أن ينقلب حسنا "أو حسن" وبذلك - أيضا - لا يمكن أن ينقلب قبيحا على الإطلاق، وهذا الأمر ثابت "فما له تبدل" أو تغير على "مدى" مر "الزمان" ومداه على الاطلاق. فالعوائد الشرعية حسنها وقبحها شرعي فلا مطمع في تغيير حالها، ولا سبيل إليه. قال الشاطبي: "فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا حتى يقال مثلا إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه أو إن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه أو غير ذلك إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي ﷺ باطل فرفع العوائد الشرعية باطل (١). "و" أما "ضربها الثاني" المنتظم "في" سلك "الاستمرار" فذاك "ما" أي الذي "هو في العادات أمر جار" أي ماض العمل به فيما بين الخلق ويتميز بأنه ليس في نفيه ولا في إثباته دليل شرعي. وهو على صنفين "فـ" المصنف الأول "منه" هو الذي يتصف بأنه "ثابت" مستقر "على الدوام" وتوالي الأزمنة والأحقاب وذلك "كالمشي والبطش" بالأيدي والأكل والشرب و"كالقيام" والقعود وأشباه ذلك.

стр. 459

١٢٠١ - فَذَا إِذْ تُلْفَى الْمُسَبَّبَاتِ … عَنْهُ فَفِي الشَّرْعِ لَهَا ثَبَاتُ ١٢٠٢ - وَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِهَا إِشْكَالُ … وَحُكْمُهَا لَيْسَ لَهُ اسْتِبْدَالُ ١٢٠٣ - وَمِنْهُ ذُو تَبَدُّلٍ فِي الْحَالِ … لِعَكْسِهِ فَالشَّرْعُ ذَاكَ تَالِ ١٢٠٤ - أَوْ بِاخْتِلَافِ أَوْجُهِ التَّعْبِيرِ … بِنِسْبَةِ الْخُصُوص وَالْجُمْهُورِ ١٢٠٥ - أَوْ نِسْبَةِ اللُّغَاتِ فِي الْمَقَالِ … أَوْ مُقْتَضَى غَالِبِ الاسْتِعْمَالِ " فذا" أي هذا الضرب "إذا" كانت "تلفى" أي توجد وتترتب "المسببات عنه" وكانت مسببات تتعلق بها الأحكام الشرعية "فـ" إنها عوائد "في الشرع لها ثبات" من حيث اعتبارها والبناء عليها، والحكم على وفقها، "وليس في اعتبارها" والاعتماد على مقتضاها "إشكال" لأنها ثابتة، "و" اما "حكمها" الشرعي من إباحة أو غيرها فهو حكم مستقر ثابت "ليس له استبدال" أو تغيير. "و" أما المصنف الثاني من هذا الضرب فهو الذي "منه ذو تبدل" وتغير "في الحال" الذي هو عليه في مجرى العادة "لعكسه" إذ يتبدل من حسن إلى قبيح أو من قبح إلى حسن، وذلك مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع والأمكنة في الواقع فهو لذي المروءات قبيح في البلاد المشرقية وغير قبيح في البلاد المغربية. والحكم الشرعي في هذا يختلف بحسب رأي الناس ونظرهم العرفي في ذلك. فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح، والحكم الشرعي جار على وفاق ذلك "فالشرع" أي حكمه "ذاك" الذي عليه عرف الناس في ذلك "قال" تابع، إذ عليه يبنى. ومنه أي هذا المصنف ما لا يتبدل على هذا الوجه ولكنه يختلف في طرق الكلام. "أو باختلاف أوجه" وأساليب "التعبير" عن المقاصد وذلك "بنسبة" اصطلاح ذوي "الخصوص" يعني ذوي الاختصاص فيما اختصوا به - كأرباب الصنائع في صنائعهم - "و" اصطلاح "الجمهور" في ذلك. كما يكون ذلك الاختلاف أيضا بحسب "أو نسبة" اختلاف "اللغات في المقال" وإن كانت المعاني واحدة، وهذا يجري في اللغات المختلفة كالعربية مع غيرها. "أو "بمعنى الواو ويكون الاختلاف أيضا في ذلك بالنسبة لـ "مقتضى" و"غالب الاستعمال" في بعض المعاني، حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق منه إلى الفهم معنى،

стр. 460

١٢٠٦ - فَالْحُكْمُ فِي هَذَا لَهُ تَنَزُّلُ … عَلَى مَنِ اعْتَادَ فَلَا يُبَدَّلُ ١٢٠٧ - وَذَا فِي الأَيْمَانِ كَثِيرًا يَجْرِي … وَفِي الْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ يَسْرِي ١٢٠٨ - أَوْ بِأُمُورٍ صَحَّ أَنْ تَكُونَا … خَارِجَةً عَنِ الْمُكَلَّفِينَا ١٢٠٩ - مِثْلَ الْبُلُوغِ فَلَهُ اعْتِبَارُ … بِعَادَةِ النَّاسِ الَّتِي تُخْتَارُ ١٢١٠ - مِنِ احْتِلَامٍ أَوْ مَحِيضٍ حُقِّقَا … أَوْ مِنْ بُلُوغِ سِنِّ ذَاكَ مُطْلَقَا ١٢١١ - وَمِثْلَ ذَاكَ الْحَيْضِ بَعْدَمَا ظَهَرْ … إِمَّا بِعَادَاتِ النِّسَاءِ يُعْتَبَرْ وقد كان يفهم منه قبل ذلك شيء آخر أو كان مشتركا فاختص وما أشبه ذلك. هذا ولما كان العرف الجاري هنا هو المعلمة المهتدى بها في هذا الشأن فإن "الحكم" الشرعي "في" الذي "هذا" حاله من الكلام "له تنزل" وتخريج "على" وفق ما اعتيد فيه بالنسبة إلى "من اعتاد" استعماله في معنى معين هو عرفه الغالب عنده وهذا الحكم الشرعي ماض مستقر في هذا المقام "فلا يبدل" أو يغير. "وذا" أي هذا الأمر والمعنى تجده "في الأيمان" جمع يمين وهي الحلف "كثيرا يجري" ويقع "و" كذلك يمضي "في العقود" كالبيوع والأنكحة "والطلاق" كناية وتصريحا "يسري" فيها. وتفاصيل ذلك في كتب الفقه. "أو "يكون "بأمور صح أن تكون" أمورا "خارجة عن" تصرفات "المكلفينا" إذ مرجعها إلى اختلاف طبائع الأشياء والخلق وذلك "مثل البلوغ" الذي هو شرط من شروط التكليف فإنه "له اعتبار بـ" حسب "عادة الناس التي تختار" عندهم في ذلك "من" حصول "احتلام" أو بلوغ سنه "أو "حصول "محيض" أي حيض "حققا" أي ثابت في واقع الأمر "أو من بلوغ سن ذاك" الاحتلام والحيض "مطلقا" سواء تعلق الأمر بالحيض أو بالاحتلام. فرب قوم لا يثبت عندهم البلوغ إلا بحصول ما ذكر من الاحتلام والحيض وآخرين يثبت ذلك في عرفهم بالسن الذي يحصل فيه ذلك عندهم عادة سواء حصل أولم يحصل. "ومثل ذاك" الذي ذكر من البلوغ "الحيض بعد ما" يكون قد "ظهر" فإنه "إما بعادات النساء يعتبر" أمره ثبوتا وعدما مطلقا من غير اعتبار السن أو القربى.
следующие страницы →