١١٩٠ - وَمَعَ ذَا لَوْلَا اطِّرَادُ الْعَادَهْ … لَمْ تَظْهَرِ المُعْجِزَةُ الْمُرَادَهْ
١١٩١ - لِصِدْقِ مَنْ أُرْسِلَ بِالتَّشْرِيعِ … وَذَاكَ غَيْرُ مُقْتَضَى الْوُقُوعِ
على أنها دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة كالإخبار عن السماوات والأرض وما بينهما، وما فيهما من المنافع، والتصاريف، والأحوال، وإن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله، كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوزان أيضا.
"و" يزاد "مع ذا" أي هذا الدليل دليل آخر وهو أنه "لولا" أن "اطراد العادة" وجريانها على سنتها التي خلقت عليها، أمر معلوم لما عرف الدين من أصله، فضلا عن أن تعرف فروعه وبذلك "لم تظهر" ولم تحصل "المعجزة المرادة" أي المقصودة "لـ" أجل إثبات "صدق" من أرسل "بالتشريع" ومن اتصف بالنبوة وبأنه يوحى إليه "وذاك" وهو عدم اطراد العوائد وما يبنى عليه، أمر "غير مقتضى" وموجب "الوقوع" بل ما يقتضيه الواقع ويدل عليه هو اطراد العادات وجريانها، وثبوت المعجزة بإنخراقها وهذا معلوم بالحس والتجربة والنصوص الشرعية.
فإن قيل هذا معارض بما يدل على أن اطراد العوائد غير معلوم بل إن كان فمظنون والدليل على ذلك أمران:
أحدهما أن استمرار أمر في العالم مساو لابتداء وجوده لأن الاستمرار إنما هو بالإمداد المستمر والإمداد ممكن أن لا يوجد كما أن استمرار العدم على الموجود في الزمن الأول كان ممكنا فلما حصل أحد طرفي الإمكان مع جواز بقائه على أصل العدم فكذلك وجوده في الزمان الثاني ممكن وعدمه كذلك فإذا كان كذلك فكيف يصح مع إمكان عدم استمرار وجوده العلم باستمرار وجوده هل هذا إلا عين المحال.
والثاني أن خوارق العادات في الوجود غير قليل بل ذلك كثير ولا سيما ما جرى على أيدي الأنبياء ﵈ من ذلك وكذلك ما انخرق للأولياء من هذه الأمة وفي الأمم قبلها من العادات والوقوع زائد على مجرد الإمكان فهو أقوى في الدلالة فإذا لا يصح أن يكون مجارى العادات معلومة البتة (١).
стр. 457
١١٩٢ - وَإِنَّمَا أَعْنِي بِهَا الْكُلِّيَّهْ … مَا لَا تُرَى تَخْرِمُهَا الْجُزْئِيَّهْ
١١٩٣ - كَالشَّأْنِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ … مِنْ ذَاكَ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمَقْبُولِ
١١٩٤ - أَوْ الْقِيَاسِ أَصْلُهُ قَطْعِي … وَفِي الْفُرُوعِ حُكْمُهُ ظَنِّي
" المسألة الرابعة عشرة "
١١٩٥ - ثُمَّ الْعَوَائِدُ التِي اسْتَمَرَّتْ … شَرْعِيَّة أَحْكَامُهَا استَقَرَّتْ
فالجواب هو أني لا أقصد بالعوائد الجزئيات "وإنما أعني بها" أي بالعوائد العوائد "الكلية" الجارية في الوجود على اطراد كما رأينا عادة جرت في جزئية من هذا العالم في الماضي والحال غلب على ظنوننا - أيضا - استمراره في الاستقبال، وجاز عندنا خرقها بدليل انخراق ما انخرق منها، ولا يقدح ذلك في علمنا باستمرار العادات الكلية وهي "ما" أي التي "لا ترى" تبصر"تخرمها" يعني تخرم العلم باطرادها الحوادث "الجزئية" كالمعجزات والكرامات.
فالشأن والأمر في هذه العوائد من حيث أنها لا ينخرم حكمها ومقتضاها بما كان على خلافها من جزئيات "كالشأن في "سائر "مسائل الأصول ومن ذاك حكم الخبر المقبول" فإن العمل به في الجملة قطعي "أو" بمعنى الواو يعني و"القياس" فإن "أصله" - أيضا - والعمل به "قطعي" - إن كان العمل به وبما قبله - "و" هو خبر الآحاد "في الفروع حكمه" ليس قطعيا، وإنما هو "ظني" فإذا جئت إلى قياس معين لتعمل به كان العمل ظنيا وكذلك إذا أخذت في العمل بخبر واحد معين وجدته ظنيا، لا قطعيا، وكذلك سائر المسائل ولم يكن ذلك قادحا في أصل المسألة الكلية. وهذا كله ظاهر.
"المسألة الرابعة عشرة"
في أن العوائد المستمرة على ضربين:
أحدهما: العوائد الشرعية.
ثانيهما: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي. "ثم" إن "العوائد التي استمرت" أي المستمرة على ضربين: أحدهما عوائد "شرعية" وهي التي "أحكامها استقرت".
стр. 458
١١٩٦ - بِالإِذْنِ أَوْ بِالنَّهْيِ أَوْ بِالأَمْرِ … فَذَاكَ ثَابِتٌ بِطُولِ الدَّهْرِ
١١٩٧ - كَالسَّتْرِ لِلْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَهْ … مِمَّا أَرَادَ الشَّارعُ اسْتِمْرَارَهْ
١١٩٨ - وَهْوَ لَدَى الشَّرْعِ قَبِيحٌ أَوْ حَسَنْ … فَمَا لَهُ تَبَدُّلٌ مَدَى الزَّمَنْ
١١٩٩ - وَضَرْبُهَا الثَّانِي فِي الاسْتِمْرَارِ … مَا هُوَ فِي الْعَادَاتِ أَمْرٌ جَارِ
١٢٠٠ - فَمِنْهُ ثَابِتٌ عَلَى الدَّوَامِ … كَالْمَشْيِ وَالْبَطْشِ وَكَالْقِيَامِ
وحصلت "بالأذن" الشرعي في إتيانها - فيجري فيها التخيير بين الفعل والترك كالمعاملات المباحة "أو بالنهي" عن إتيانها - ككشف العورة "أو بالأمر" بها وأمثلتها تأتي، وكل ما كان من هذا الضرب "فذاك" حكمه لا يتغير، بل هو "ثابت" مستقر "بطول" أي مع طول "الدهر" والزمان، وذلك "كالستر للعورة والطهارة" وما أشبه ذلك "مما أراد الشارع استمراره" يعني استمرار العمل بحكمه فيه والامتثال لأمره في شأنه. "وهو" أي هذا الضرب "لدى" عند "الشرع" أما "قبيح" وبذلك لا يتأتى فيه أن ينقلب حسنا "أو حسن" وبذلك - أيضا - لا يمكن أن ينقلب قبيحا على الإطلاق، وهذا الأمر ثابت "فما له تبدل" أو تغير على "مدى" مر "الزمان" ومداه على الاطلاق. فالعوائد الشرعية حسنها وقبحها شرعي فلا مطمع في تغيير حالها، ولا سبيل إليه. قال الشاطبي: "فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا حتى يقال مثلا إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه أو إن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه أو غير ذلك إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي ﷺ باطل فرفع العوائد الشرعية باطل (١).
"و" أما "ضربها الثاني" المنتظم "في" سلك "الاستمرار" فذاك "ما" أي الذي "هو في العادات أمر جار" أي ماض العمل به فيما بين الخلق ويتميز بأنه ليس في نفيه ولا في إثباته دليل شرعي. وهو على صنفين "فـ" المصنف الأول "منه" هو الذي يتصف بأنه "ثابت" مستقر "على الدوام" وتوالي الأزمنة والأحقاب وذلك "كالمشي والبطش" بالأيدي والأكل والشرب و"كالقيام" والقعود وأشباه ذلك.
стр. 459
١٢٠١ - فَذَا إِذْ تُلْفَى الْمُسَبَّبَاتِ … عَنْهُ فَفِي الشَّرْعِ لَهَا ثَبَاتُ
١٢٠٢ - وَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِهَا إِشْكَالُ … وَحُكْمُهَا لَيْسَ لَهُ اسْتِبْدَالُ
١٢٠٣ - وَمِنْهُ ذُو تَبَدُّلٍ فِي الْحَالِ … لِعَكْسِهِ فَالشَّرْعُ ذَاكَ تَالِ
١٢٠٤ - أَوْ بِاخْتِلَافِ أَوْجُهِ التَّعْبِيرِ … بِنِسْبَةِ الْخُصُوص وَالْجُمْهُورِ
١٢٠٥ - أَوْ نِسْبَةِ اللُّغَاتِ فِي الْمَقَالِ … أَوْ مُقْتَضَى غَالِبِ الاسْتِعْمَالِ
" فذا" أي هذا الضرب "إذا" كانت "تلفى" أي توجد وتترتب "المسببات عنه" وكانت مسببات تتعلق بها الأحكام الشرعية "فـ" إنها عوائد "في الشرع لها ثبات" من حيث اعتبارها والبناء عليها، والحكم على وفقها، "وليس في اعتبارها" والاعتماد على مقتضاها "إشكال" لأنها ثابتة، "و" اما "حكمها" الشرعي من إباحة أو غيرها فهو حكم مستقر ثابت "ليس له استبدال" أو تغيير. "و" أما المصنف الثاني من هذا الضرب فهو الذي "منه ذو تبدل" وتغير "في الحال" الذي هو عليه في مجرى العادة "لعكسه" إذ يتبدل من حسن إلى قبيح أو من قبح إلى حسن، وذلك مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع والأمكنة في الواقع فهو لذي المروءات قبيح في البلاد المشرقية وغير قبيح في البلاد المغربية. والحكم الشرعي في هذا يختلف بحسب رأي الناس ونظرهم العرفي في ذلك. فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح، والحكم الشرعي جار على وفاق ذلك "فالشرع" أي حكمه "ذاك" الذي عليه عرف الناس في ذلك "قال" تابع، إذ عليه يبنى. ومنه أي هذا المصنف ما لا يتبدل على هذا الوجه ولكنه يختلف في طرق الكلام.
"أو باختلاف أوجه" وأساليب "التعبير" عن المقاصد وذلك "بنسبة" اصطلاح ذوي "الخصوص" يعني ذوي الاختصاص فيما اختصوا به - كأرباب الصنائع في صنائعهم - "و" اصطلاح "الجمهور" في ذلك.
كما يكون ذلك الاختلاف أيضا بحسب "أو نسبة" اختلاف "اللغات في المقال" وإن كانت المعاني واحدة، وهذا يجري في اللغات المختلفة كالعربية مع غيرها.
"أو "بمعنى الواو ويكون الاختلاف أيضا في ذلك بالنسبة لـ "مقتضى" و"غالب الاستعمال" في بعض المعاني، حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق منه إلى الفهم معنى،
стр. 460
١٢٠٦ - فَالْحُكْمُ فِي هَذَا لَهُ تَنَزُّلُ … عَلَى مَنِ اعْتَادَ فَلَا يُبَدَّلُ
١٢٠٧ - وَذَا فِي الأَيْمَانِ كَثِيرًا يَجْرِي … وَفِي الْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ يَسْرِي
١٢٠٨ - أَوْ بِأُمُورٍ صَحَّ أَنْ تَكُونَا … خَارِجَةً عَنِ الْمُكَلَّفِينَا
١٢٠٩ - مِثْلَ الْبُلُوغِ فَلَهُ اعْتِبَارُ … بِعَادَةِ النَّاسِ الَّتِي تُخْتَارُ
١٢١٠ - مِنِ احْتِلَامٍ أَوْ مَحِيضٍ حُقِّقَا … أَوْ مِنْ بُلُوغِ سِنِّ ذَاكَ مُطْلَقَا
١٢١١ - وَمِثْلَ ذَاكَ الْحَيْضِ بَعْدَمَا ظَهَرْ … إِمَّا بِعَادَاتِ النِّسَاءِ يُعْتَبَرْ
وقد كان يفهم منه قبل ذلك شيء آخر أو كان مشتركا فاختص وما أشبه ذلك. هذا ولما كان العرف الجاري هنا هو المعلمة المهتدى بها في هذا الشأن فإن "الحكم" الشرعي "في" الذي "هذا" حاله من الكلام "له تنزل" وتخريج "على" وفق ما اعتيد فيه بالنسبة إلى "من اعتاد" استعماله في معنى معين هو عرفه الغالب عنده وهذا الحكم الشرعي ماض مستقر في هذا المقام "فلا يبدل" أو يغير.
"وذا" أي هذا الأمر والمعنى تجده "في الأيمان" جمع يمين وهي الحلف "كثيرا يجري" ويقع "و" كذلك يمضي "في العقود" كالبيوع والأنكحة "والطلاق" كناية وتصريحا "يسري" فيها.
وتفاصيل ذلك في كتب الفقه.
"أو "يكون "بأمور صح أن تكون" أمورا "خارجة عن" تصرفات "المكلفينا" إذ مرجعها إلى اختلاف طبائع الأشياء والخلق وذلك "مثل البلوغ" الذي هو شرط من شروط التكليف فإنه "له اعتبار بـ" حسب "عادة الناس التي تختار" عندهم في ذلك "من" حصول "احتلام" أو بلوغ سنه "أو "حصول "محيض" أي حيض "حققا" أي ثابت في واقع الأمر "أو من بلوغ سن ذاك" الاحتلام والحيض "مطلقا" سواء تعلق الأمر بالحيض أو بالاحتلام. فرب قوم لا يثبت عندهم البلوغ إلا بحصول ما ذكر من الاحتلام والحيض وآخرين يثبت ذلك في عرفهم بالسن الذي يحصل فيه ذلك عندهم عادة سواء حصل أولم يحصل.
"ومثل ذاك" الذي ذكر من البلوغ "الحيض بعد ما" يكون قد "ظهر" فإنه "إما بعادات النساء يعتبر" أمره ثبوتا وعدما مطلقا من غير اعتبار السن أو القربى.
стр. 461
١٢١٢ - أَوْ عَادَةِ اللِّداتِ أَوْ عَادَاتِ … ذَوَاتِ قُرْبَى أَوِ الأُمَّهَاتِ
١٢١٣ - فَالشَّرْعُ فِي ذَلِكَ الانْتِقَالِ … لِمُقْتَضى الْعَادَةِ فِيهِمْ تَالِ
١٢١٤ - أَوْ بِأُمُورٍ تَخْرِقُ الْعَادَاتِ … فَالْحُكْمُ فِي الْشَّرْعِ عَلَيْهَا يَاتِي
١٢١٣ - بِشَرْطِ أَنْ تَصِيرَ تِلْكَ الزَّائِلَهْ … مَعْدُومَةً مِن أَجْلِ هَاذِي الْحَاصِلَهْ
" أو عادة اللِّداتِ" - جمع لِدة - بكسر اللام وبالدال المهملة، وهي الترب المساوية في السن يقال هذا أو هذه لدة إذا كانت ولدت معها أو معه والتساوي في السن قد يكون موجبا للتساوي في عادة الحيض وقدره، فاعتبر ذلك في هذا الشأن عند من يعتبره.
وليس الاعتبار بذلك كله أمرا لازما فإنه يعتبر به "أو" يعتبر بما عليه "عادات ذوات قربى" أي قرابة من هذه الفتاة والمرأة التي يراد معرفة ما يكون عليه جريان حالها في هذا لشأن "أو" بعادات "الأمهات" أي أمهاتها أمها وجداتها فإنه قد ينظر في عادتهن لمعرفة حالها المذكور. فإذا تقرر هذا وحصل "فالشرع" يعني فالحكم الشرعي "في" حال "ذلك الانتقال" المذكور وهو الانتقال إلى حالة البلوغ، هو حكم غير ثابت لأنه "لمقتضى العادة" الجاري أمرها "فيهم" أي في هؤلاء المتقدم ذكرهم من أصحاب العادة المذكورة "قال" أي تابع فيحكم لهم شرعا بمقتضى العادة في ذلك الانتقال. وهذا كله مما يعد اختلاف العادة به أمرا يشترك فيه الناس، وبذلك يكون أمرا عاديا.
وقد يكون تغيير العادات بالكرامات، "أو بأمور تخرق العادات" كما يحدث لبعض الناس الذين تصير لهم خوارق العادات عادة فمن كان على هذا الحال فإن الحكم يتنزل عليه في الشرع عليها أي على مقتضى هذه العادة الجارية له المطردة الدائمة و"يأتي" وعلى وفقه ويمضي، لكن "بشرط أن تصير تلك" العادة الأولى "الزائلة معدومة من أجل" يعني بسبب هذي العادة الخارقة "الحاصلة" له بحيث لا ترجع - تلك العادة الأولى - إلا بخارقة بالنسبة إليه، وبذلك يكون كالبائل أو المتغوط من جرح حدث له حتى صار المخرج المعتاد في الناس بالنسبة إليه في حكم العدم، فإنه إن لم يصر كذلك فالحكم للعادة العامة.
وقد يكون الاختلاف من أوجه غير هذه، ومع هذا فالمعتبر فيها من جهة الشرع نفس تلك العادات، وعليها تتنزل أحكامه.
стр. 462
" فَصْلٌ "
١٢١٦ - وَلَيْسَ فِي أَصْلِ الْخِطَابِ مَا ذُكِرْ … مِنِ اخْتِلَافِ حُكْمِ مَا قَدِ اعْتُبِرْ
١٢١٧ - وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَادَهْ … إِنْ فَارَقَتْ حَالَتَهَا الْمُعْتَادَهْ
١٢١٨ - كَانَ رُجُوعُهَا لِأصْلٍ شَرْعِي … يَقْضِي عَلَيْهَا بِقَضَاءِ الشَّرْعِ
" فصل"
"و" اعلم بأن الخطاب الشرعي لا يختلف ولا يتبدل بل هو أزلي دائم، وبذلك فإنه "ليس في أصل الخطاب" الشرعي "ما ذكر من اختلاف حكم ما قد اعتبر" من هذه العوائد فليس معنى جريان الحكم الشرعي على وفق هذه العوائد أنها هي التي أوجبت هذا الحكم وجلبته بذاتها "وإنما معناه" هو "أن العادة إن فارقت حالتها" الأولى "المعتادة" الواقعة تحت حكم شرعي معين "كان رجوعها لأصل" شرعي آخر ناسب حالها جريان حكمه عليها فصار "يقضي عليها بـ" ما دل عليه من "قضاء الشرع" وحكمه. كما في البلوغ مثلا فإن الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو القرائن - الشواهد - وكذلك الحكم بعد الدخول بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناء على العادة وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضا بناء على نسخ تلك العادة ليس باختلاف في الحكم، بل الحكم أن الذي ترجح جانبه بمعهود أو أصل فالقول قوله بإطلاق، لأنه مدعى عليه، وهكذا سائر الأمثلة فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق والله أعلم (١).
خلاصة القول: أن الأحكام الشرعية ثابتة قديمة أزلية.
وأفعال المكلفين تقع تحتها، فتجري تحتها مقتضياتها، وتقع تحتها بحسب أحوالها وصفاتها فأي صفة جرت عليها تلك الأفعال فإنها تجري الأحكام الشرعية المناسبة لها عليها.
стр. 463
" المسألة الخامسة عشرة "
١٢١٩ - وَمَا مِنَ الْعَادَاتِ جَارٍ يُعْتَبَرْ … شَرْعًا ضَرُورَةٍ بِحَيْث مَا صَدَرْ
١٢٢٠ - أَمَّا الذِي قُرِّرَ بِالدَّلِيلِ … شَرْعًا فَظَاهِرٌ عَلَى التَّفْصِيلِ
١٢٢١ - وَغَيْر يَلْزَمُ فِيهِ مَا ذكِرْ … لِيَسْتَقِيمَ حُكْمُ مَا فِيهِ اعْتَبْر
" المسألة الخامسة عشرة"
في بيان أن العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعا، كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية. "و" هكذا فكل "ما" هو "من العادات جار" ماض أمره ومقتضاه في أحوال الناس وتصرفاتهم فإنه "يعتبر شرعا" على الوجه الذي تقدم بيانه في المسألة السابقة "ضرورة" لتوقف انتظام أمور الدين والدنيا على ذلك الاعتبار "بحيث ما" أي في كل محل "صدر" يعني وقع ذلك الأمر العادي الجاري سواء ولمحع في الأمور العبادية أو غيرها.
سواء كان شرعيا أو غير شرعي أي سواء كان مقررا بالدليل الشرعي أمرا كان أو نهيا، أو إذنا أم لا. فكل ذلك يعتبر شرعا "أما" الشرعي وهو "الذي قرر" وثبت "بالدليل شرعا فـ" أمره "ظاهر" وقد تقدم بيان ذلك "على التفصيل" في المسألة السابقة.
"و" أما الأمر العادي "غيره" أي غير الشرعي فإنه "يلزم" ويجب "فيه ما ذكر" من الاعتبار الشرعي له، وذلك "لـ" أجل أن "يستقيم" أي يحصل ويجري على اطراد "حكم" ومقتضى "ما" قصد "فيه" و"اعتبر" شرعا. فالعادة جرت بأن الزجر سبب الانكفاف عن المخالفة كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فلو لم تعتبر العادة شرعا لم يتحتم القصاص ولم يشرع إذ قد يكون شرع لغير فائدة، وذلك مردود بقوله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وكذلك البذر سبب لنبات الزرع والنكاح سبب للنسل، والتجارة سبب لنماء المال عادة كقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وما أشبه ذلك مما يدل على وقوع المسببات عن أسبابها دائما فلو لم تكن المسببات مقصودة للشارع في مشروعية الأسباب لكان خلافا للدليل القاطع فكان ما أدى إليه باطلا ووجه ثان وهو ما تقدم في مسألة العلم بالعاديات فإنه جار هاهنا ووجه ثالث وهو أنه لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح لزم القطع
стр. 464
" فَصْلٌ "
١٢٢٢ - وَخَرْقُ عَادَةٍ عَلَى اسْتِقْرَارِهَا … لَيْسَ مِنَ الْقَادِحِ فِي اعْتِبَارِهَا
١٢٢٣ - فَمَا يُرَى مُنْخَرِقًا لِعُذْرِ … فَالْحُكْمُ لِلرُّخْصَةِ فِيهِ يَجْرِي
١٢٢٤ - وَمَا يُرَى مُنْخَرِقًا لِعَادَهْ … دَائِمَةً فَالْحُكْمُ كالْمُعْتَادَهْ
بأنه لا بد من اعتباره العوائد لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دل على جريان المصالح على ذلك لأن أصل التشريع سبب المصالح والتشريع دائم كما تقدم فالمصالح كذلك وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع ووجه رابع وهو أن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق وهو غير جائز أو غير واقع وذلك أن الخطاب إما أن يعتبر فيه العلم والقدرة على المكلف به وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجه التكليف أو لا فإن اعتبر فهو ما أردنا وإن لم يعتبر فمعنى ذلك أن التكليف متوجه على العالم والقادر وعلى غحِر العالم والقادر وعلى من له مانع ومن لا مانع له وذلك عين تكليف ما لا يطاق والأدلة على هذا المعنى واضحة كثيرة (١).
"فصل"
في أن العوائد إذا كانت معتبرة شرعا فإنه لا يقدح في اعتبارها انخراقها "و" بذلك فإنه إذا حصل "خرق عادة" ما ووقع بذلك خروجها "على استقرارها" وجريانها فإن ذلك "ليس من القادح في اعتبارها" والعمل بمقتضاها، وإنما ينظر في شأن انخراقها وصورته ليعلم بذلك حكمها ذلك أن معنى انخراقها أنها تزول بالنسبة لأمر جزئي فيخلفها في الموضع إما حالة من حالات الأعذار المعتادة في الناس وأما سواها وبذلك الحكم الشرعي الجاري فيها مختلف باختلاف ذلك فما "للرخصة" إذ هي حكمه الذي "فيه يجري" شرعا وقد تقدم بيان ذلك في المسألة السابعة من النوع الثالث.
"و" أما "ما يرى" ويبصر "منخرقا" لغير عذر من الأعذار المذكورة بل "لعادة" أخرى "دائمة" - وقد تقدم التمثيل لذلك بانسداد مسلكي البول والغائط وحلول مسلكين آخرين محلهما وما كان كذلك - "فالحكم" فيه هو أن تلك العادة الطارئة "كالمعتادة" فتنزل
стр. 465
١٢٢٣ - أَوْ عَادَةٍ لَا تَخْرِمُ الأُولَى فَذَا … إِلَى التَّرَخُّصَاتِ يُبْدِي مَأْخَذَا
١٢٢٦ - أَوْ غَيْرِ مُعْتَادٍ فَهَذَا إِنْ وَقَعْ … يُخَالِفُ الشَّرْعَ فَغَيْرُ مُتَّبَعْ
١٢٢٧ - لَكِنَّهُ مَهْمَا أَتَى عَنْ مُعْتَبِرْ … لَمْ يَطَّرِحْ رَأْسًا وَأَمْعِنِ النَّظَرْ
منزلتها في الاعتبار الشرعي لها.
هذا إن انخرقت لعادة دائمة مزيلة للأولى، وأما إن انخرقت لحالة "أو عادة لا تخرم" العادة "الأولى" ولا تزيلها "فذا" أي هذا المصنف الظاهر فيه عدم اعتباره اعتبار الحالة المتقدمة وبذلك فرده "إلى" ما يجري فيه حكم "الترخصات" هو الذي "يبدي" ـه حاله "مأخذا" فقهيا ويتصور ذلك فيمن يجمع بين العادة الأصلية والعادة الطارئة في البول ونحوه. وأما إن انخرقت العادة الأصلية وتركت لأمر مخالف لمقتضيات طبيعة الناس "أو" لأمر "غير معتاد" كما في قصة ربعي بن حراش حين طلب الحجاج ابنه ليقتله، فسأله الحجاج عن ابنه فأخبره والأب عارف بما يراد من ابنه.
وقصة أبي حمزة الخراساني حين وقع في البئر ثم سد رأسها ولم يستغث. وحديث أبي زيد مع خديمه لما حضرهما شقيق البلخي وأبو تراب النخشبي فقالا للخديم كل معنا فقال أنا صائم فقال أبو تراب كل ولك أجر صوم شهر فأبى فقال شقيق كل ولك أجر صوم سنة فأبى فقال أبو زيد دعوا من سقط من عين الله فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة وقطعت يده ومنه دخول البرية بلا رائد ودخول الأرض المسبعة وكلاهما من الإلقاء باليد إلى التهلكة (١).
وما أشبه ذلك "فهذا" حكمه أنه "إن وقع" فإنه "يخالف" أحكام "الشرع" وبذلك "فـ" هو سبيل "غير متبع" لأنه على خلاف ما ثبت بناء الشريعة عليه من العمل بالعادات الشرعية والعادية على الوجه الذي تقدم بيانه "لكنه" لا يصار في هذا الحكم إلى الإطلاق والشمول بل "مهما" أي إن "أتى" مثل ذاك "عن" شخص "معتبر" لعلمه ودينه وورعه وفضله وصلاحه فإنه "لم يطرح" ويسقط من الاعتبار "رأسا" - جملة وتفصيلا - فلا يعتد به على كل حال، وإنما ينظر فيه على أنه جار على ما يسوغ شرعا، وهذا يحتاج في توجهه إلى إمعان النظر، فتأمل "وأمعن النظر" وعندما ينظر في هذا الأمر بهذا الاعتبار.
стр. 466
١٢٢٨ - فَإِنْ يَكُ الْمَبْنَى لِذَاكَ الآتِي … لَهُ غَرَابَة لَدَى الْعَادَاتِ
١٢٢٩ - أُلْحِقَ حُكْمُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ … بِحُكْمِهَا بِمُقْتَضَى التَّأْوِيلِ
١٢٣٠ - كَالْمُتَحَرِّي الْصِّدْقَ فِي الإِخْبَارِ … مَعْ ضَرَرٍ وَالأمْرِ بِالإِفْطَارِ
فإنه لا يخلو أن يكون ما بني عليه غريبا من جنس الأمر العادي أو لا يكون من جنسه "فإن يك المبنى" أي الأساس "لذاك الآتي" الأمر غير العادي الذي انخرق به الأمر العادي هو أمر "له غرابة لدى" أي في مجاري "العادات" لكنه من جنسها المعتبر شرعا، "ألحق حكمه" - جواب أن - "على التفصيل" والبيان السابق ذكره "بحكمها" يعني بجنس حكمها - أي بجنس أحكام العادات الأصلية، ويحصل ذلك "بمقتضى" وحكم "التأويل" المفضي إلى ظهور كون تلك الأمور غير العادية مثل الأمور العادية في واقع الحال وحقيقة الأمر، ويتجلى ذلك في قصة ربعي بن حراش "كالمتحري" المتوخي القاصد "الصدق في" الذي ينطق به من "الإخبار" وإن كان ذلك يحصل "مع ضرر" وأذى له. قال الشاطبي: "فإنه حكي عنه أنه لم يكذب قط فلذلك سأله الحجاج عن ابنه والصدق من عزائم العلم وإنما جواز الكذب رخصة يجوز أن لا يعمل بمقتضاها بل هو أعظم أجرا كما في النطق بكلمة الكفر وهي رأس الكذب وقد قال الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] بعدما أخبر به من قصة الثلاثة الذين خلفوا فمدحهم الله بالتزام الصدق في موطن هو مظنة للرخصة ولكن أحمدوا أمرهم في طريق الصدق بناء على أن الأمن في طريق المخافة مرجو وقد قيل عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وهو أصل صحيح" (١).
"و" كذلك شأن "الأمر" الصادر من يزيد البسطامي لخادمه "بالإفطار" المتقدم ذكره فإنه يمكن أن يكون مبنيا على رأي من يرى المتطوع أمير نفسه وهم الأكثر فتصير إباية التلميذ عن الإجابة عنادا واتباعا للهوى ومثل هذا مخوف العاقبة لا سيما بالنسبة إلى موافقة من شهر فضله وولايته وكذلك أمر عمر بترك مانع الزكاة لعله كان نوعا من الاجتهاد إذ عامله معاملة المغفلين المطرحين في قواعد الدين ليزدجر بنفسه وينتهي عما
стр. 467
" فَصْلٌ "
١٢٣١ - وَإِنْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَادَهْ … مِثْلُ الْمُكَاشَفَاتِ بِالشَّهَادَهْ
١٢٣٢ - فَظَاهِرٌ رَدُّهُمُ لِلظَّاهِرِ … الْمُقْتَضَى بِالنَّهْيِ وَالأَوَامِرِ
هم به وكذلك وقع فإنه راجع نفسه وأدى الزكاة الواجبة عليه لا أنه أراد تركه جملة بل ليزجره بذلك أو يختبر حاله حتى إذا أصر على الامتناع أقام عليه ما يقام على الممتنعين (١).
"فصل"
هذا كله إذا كان ذلك الأمر من جنس العادات على الوجه المتقدم ذكره.
"و" أما "إن يكن" ما انخرقت به هذه العادة الأصلية "من غير جنس العادة" المعتبرة وذلك "مثل المكاشفات" فإنها أمر غير معدود من جنس العادات، وهو إن حصل "بالشهادة" على أمر أو شخص ما، فهل يعمل به بناء على أنه صار لصاحبه بمثابة العادة الجارية الأصلية المعتبرة، وإن خالف ما هو أصلي من العادات، لأنه في واقع الأمر صحيح، موافق للواقع؟
أو لا يعمل به بناء على أن ذلك مخالف لما بنيت عليه الشريعة من العمل بالعوائد الاصلية ورعاية المصالح المتقدم بيانها؟
الذي يطرد - بحسب ما ثبت في المسألة الثانية عشرة وما قبلها - أن لا يكون حكم من هم على هذا الحال مختصًا، بحيث يقضى لهم بأنه يسوغ لهم بناء الأقضية والفتاوى على هذا الذي هم عليه من الكشف، ولا تركهم العمل بمقتضى عوائد الناس وبذلك "فـ" الحكم الذي هو "ظاهر" هو "ردهم لـ" لعمل با"لظاهر" العادي "المقتضى" والموجب "بالنهي" الشرعي "والأوامر" الشرعية، فما اقتضاه ذلك من العوائد الشرعية عمل به، وما لم يقتضه ترك وأهمل.
وبذلك يجب المصير إلى العمل بالبينات العادية في الأقضية والفتاوى، والاطلاع بالكشف على المغيبات في هذا الشأن أمر ملغي اعتباره، وإن حصل، ووقع فإنه لا
стр. 468
١٢٣٣ - وَمَا الْوُصُولُ لِلْمُغَيَّبَاتِ … بِمَانِعِ الْجَرْى مَعَ الْعَادَاتِ
١٢٣٤ - وَفِي رَسُولِ اللهِ وَهْوَ الْقُدْوَهْ … وَصَحْبِهِ لِلْمُهْتَدِينَ أُسْوَهْ
١٢٣٥ - إِذْ لَبِسَ الْمِغْفَرَ لِلتَّوَقِّي … مَعْ كَوْنِهِ الْمَعْصُومَ بَيْنَ الْخَلْقِ
١٢٣٦ - وَمُقْتَضَى حُكْمِ قَضِيَّةِ الْخَضِرْ .... أَنْ غَيْرُ شَرْعِنَا بِهِ قَدِ اعْتُبِرْ
يحكم بمقتضاه، بل يحكم بالبينات المذكورة، وإن عارضت ما حصل على سبيل المكاشفة، "وما" أي ليس "الوصول" والإدراك "للمغيبات بمانع الجري" والمضي "مع" مقتضيات "العادات" وموجباتها، لأن هذا السبيل - وهو العمل بمقتضى العادات - هو الذي بنيت عليه الشريعة ولم يستثن من ذلك صاحب كشف، ولا غيره.
"وفي رسول الله" ﷺ "وهو القدوة" والعلم المهتدى به على كل حال، "و" كذلك في "صحبه للمهتدين" بهديه المقتفين لأثره "أسوة" - بضم الهمزة وكسرها - أي قدوة في هذا الشأن، فإنه ﵊ كان مجريا أمره على مقتضى العوائد، "إذ" كان يأتي الأسباب العادية ومن ذلك أنه "لبس المِغفر" - بكسر الميم وسكون الغين وفتح الفاء بعدها راء - وهو زرد من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة في الحرب، - لبسه ﷺ ، في الحرب "للتوقّي" وللحفظ ولدرء ضرر ما قد يصيبه "مع كونه" ﵊ "المعصوم" المحفوظ من الأذى والضرر "بين الخلق" لقوله - تعالى -: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ولا غاية وراء هذا ومع ذلك فإنه كان - عليه الصلاة - يتحصن ويتوقى بما به التحصن والتوقي عادة كالمغفر والدرع ولم يكن ذلك نزولا عن رتبته العليا إلى ما دونها، بل ما أتاه هو الأعلى.
"و" أما "مقتضى حكم" ومفاد "قضية" وقصة "الخضر" وهو الحكم بالعلم بالمغيبات فإنه يقرر على "أنْ" - بفتح الهمزة وسكون النون - "غير شرعنا به" يعنى فيه "قد اعتبر" ذلك وعمل به، وأما في شرعنا، فإنه غير معتبر، ولا معتد به، والدليل على ذلك أنه لا يجوز في هذه الملة لولي، ولا لغيره ممن ليس بنبي أن يقتل صبيا ما لم يبلغ الحلم، وإن علم أنه طبع كافرا، وإنه لا يؤمن أبدا، وإنه إن عاش أرهق أبويه طغيانا وكفرا، وإن أذن له من عالم الغيب في ذلك، لأن الشريعة قد قررت الأمر والنهي، وإنما الظاهر في تلك القصة أنها وقعت على مقتضى شريعة أخرى،
стр. 469
" فَصْلٌ "
١٢٣٧ - فَصحَّ فِي مُغَيَّبٍ إِن احْتَمَلْ … وَجْهًا مِنَ الشَّرْعِ فَقَدْ سَاغَ الْعَمَلْ
١٢٣٨ - وَمَا يُرَى مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ … بِكُلِّ وَجْهٍ فَحَرٍ بِالْمَنْعِ
" المسألة السادسة عشرة "
١٢٣٩ - عَوَائِدُ الأَنَامِ فِي الْمَعْهُودِ … بِحَسَبِ الْوُقُوعِ فِي الْوُجُودِ
وعلى مقتضى عتاب موسى ﵇ وإعلامه أن ثم علما آخر وقضايا أخرى لا يعلمها هو.
وبذلك يعلم أن قصة موسى لا تجرى حجة في العمل بغير ظواهر الشريعة، وأن الذي يجب المصير إليه العمل بهذه الظواهر في هذا الشأن.
"فصل"
"فصح" وتقرر "في" شأن كل أمر "مغيب" - بفتح الياء على وزن اسم المفعول - أنه على ضربين:
أحدهما أن يكون موافقا لوجه مشروع ثابت في الشرع.
ثانيهما: أن يكون مخالفا للشرع فلم يوافق أحكامه بحال. فالحكم في أمر مغيب أدرك بالمكاشفة أو نحوها أنه "إن احتمل" بالنظر الصحيح إليه "وجها من الشرع" أن يعمل به "فـ" إنه "قد ساغ" وجاز "العمل" به وقد تقدم بيانه في مجاري الحديث عن قصه ربعي بن حراش وما ذكر معها من قصص.
"و" أما "ما يرى" أي يبصر "مخالفا لـ" أحكام "الشرع بكل وجه" بحيث لا يتأتى تخريجه على أي وجه شرعي ثابت "فـ" هذا "حرٍ" أي جدير "بالمنع" من العمل به وترك الالتفات إليه.
"المسألة السادسة عشرة"
في بيان أن "عوائد الأنام" أي الخلق "في المعهود" المعروف بينهم "بحسب" واعتبار جهة "الوقوع" والحدوث "في الوجود" الخارجي والنفسي.
стр. 470
١٢٤٠ - ضَرْبَانِ مَا اسْتَمَرَّ فِي الأَنَامِ … وَالدَّهْرِ وَالأَمْصَارِ كَالْقِيَامِ
١٢٤١ - فَذَاكَ مَحْكُومٌ بِمَا فِي الْحَالِ … مِنْهُ عَلَى الْمَاضِي وَالاسْتِقْبَالِ
١٢٤٢ - ثَانِيهِمَا مَا بِاخْتِلَافٍ يَأتِي … بِحَسَبِ الْجِهَاتِ وَالأوْقَاتِ
١٢٤٣ - كَهَيْئَةِ الْمَلْبُوسِ وَالْمَسْكُونِ … وَمَا كمِثْلِ شِدَّةٍ أَوْ لِينِ
١٢٤٤ - فَذَاكَ لَا يُقْضَى بِهِ لِمَنْ مَضَى … إِلَّا إِذَا الدَّلِيلُ ذَلِكَ اقْتَضَا
" ضربان" احدهما: "ما استمر" جريانه وعمّ "في الأنام" جميعهم فهو لا يختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، فهو لا ينفك الناس عنه على مدى الزمان "والدهر" كما أنه لا يختلف باختلاف البلدان "والأمصار" - جمع مِصر - الكورة - وذلك "كالقيام"، والأكل والشرب، والفرح والحزن، والنوم واليقظة، والميل إلى الملائم، والنفور عن المنافر، وتناول الطيبات والمستلذات واجتناب المؤلمات والخبائث وما أشبه ذلك.
وما كان على هذه الصورة "فذاك محكوم بما" استقر "في" الزمان "الحال منه" من وصف "على" الزمان "الماضي" "و" على الزمان المتصف بـ "الاستقبال" أي الزمان الآتي وذلك للقطع بأن مجاري سنة الله - تعالى - في خلقه على هذا السبيل وعلى سننه عموما كما تقدم، فيكون ما جرى منها في الزمان الحاضر محكوما به على الزمان الماضي والمستقبل مطلقا، فكانت العادة وجودية أو شرعية.
"ثانيهما" أي الضربين هو "ما" أي الذي "باختلاف" وتغاير "يأتي" وذلك الاختلاف يحصل "بحسب الجهات" والبلدان "والأوقات" والأزمنة وبحسب الأحوال، وذلك "كهيئة الملبوس" فإن اللباس يختلف باختلاف البلدان والجهات والأوقات "و" كذلك "المسكون" من الديار والخيام وغيرها.
وكذلك ما يختلف باختلاف الطبائع التي عليها الناس كالبطء والسرعة في الأمور"وما" أشبه ذلك "كمثل شدّة" وحِدّة في الطباع "أو لِين" ويُسر فيها.
وهذا الضرب حكمه ليس كحكم الضرب الأول "فذاك" أي هذا الضرب "لا يقضى" أي لا يحكم "به" يعني بجريان ما هو عليه من حال "لمن مضى" من الخلق على وجه اللزوم والثبوت فلا يحكم بثبوت ذلك لأي شخص معين "إلا إذا" أفاد "الدليل" الخارجي "ذلك" و"اقتضا" ثبوته له. وكما لا يقضى به لمن مضى إذا قام الدليل على
стр. 471
١٢٤٣ - كَذَاكَ لَا يُقْضَى بِهِ فِي الْآتِي … وَالْحُكْمُ لِلدَّلِيلِ لَا الْعَادَاتِ
١٢٤٦ - وَتَسْتَوِي الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّهْ … فِي مُقْتَضَى الضَّرْبَيْنِ وَالْعَادِيَّهْ
١٢٤٧ - وَرُبَّمَا بَدَا قِسْمُ الْمُشْكِلِ … يَجْذِبُهُ الثَّانِي كَجَذْبِ الأَوَّلِ
" المسألة السابعة عشرة "
١٢٤٨ - تَعْظمُ طَاعَةٌ بِعُظْمِ الْمَصْلَحَهْ … وَالْإِثْمُ بِالْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَوْضَحَهْ
ذلك "كذاك لا يقضى به" على الناس على سبيل التعيين واللزوم "في" ذا الزمان "الآتي" المستقبل إلا إذا قام الدليل على ذلك "و" بناء على هذا فإن "الحكم" في هذا الشأن إنما هو "للدليل" المقتضى لذاك "لا للعادات" لما يعتريها من عدم الاستقرار والانضباط "وتستوي العوائد الشرعية" وقد تقدم بيان المراد بها "في مقتضى" وحكم هذين "الضربين و "العادات الوجودية "والعادية" الجاري أمرها بين الخلق وقد تقدم بيان المقصود بها. "وربما بدا" أي ظهر بمقتضى واقع الحال والنظر العقلي قسم ثالث وهو "قسم" العادي "المشكل" حاله إذ "يجذبه" باعتبار حاله القسم "الثاني" جذبا "كجذب" القسم "الأول" له ويتصور ذلك في استصحاب عوائد الماضين وإجراء مقتضاه على الآخرين. وذلك كجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول أو غيره وضرب الدابة المستأجرة إذا حرنت في السير وغسل القميص الذي أستأجره للبسه مدة يحتاج فيه إلى ذلك. وذبح شاة الغير حفظا لماليتها على صاحبها. وغير ذلك من صنف هذه الأمثلة والله أعلم (١).
"المسألة السابعة عشرة"
في بيان أن المفهوم من حال وضع الشريعة هو أن الطاعة ليست على درجة واحدة، بل انها تتفاوت درجتها، إذ قد "تعظم طاعة" ما - "بـ" اعتبار "عظم المصلحة" الناشئة عنها.
"و" كذا شأن "الإثم" فإنه يعظم "بـ" حسب عظم "المفسدة" الناشئة عنه "المستوضحة" - بفتح الضاد - لعله يعني بها الواضحة البينة. وهي لتتميم البيت لظهور
стр. 472
١٢٤٩ - إِذْ أَعْظَمُ الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّهْ … فِي الْحِفْظِ لِلْمَقَاصِدِ الأَصْلِيَّهْ
١٢٣٠ - وَأَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ الْإِخْلَالُ … بِحُكْمِهَا وَالنَّقْصُ وَالإِبْطَالُ
١٢٣١ - لَكِنْ كِلَا الضَّرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يُرَى … أَصْلُ صَلَاحٍ أَوْ فَسَادٍ لِلْوَرَى
١٢٣٢ - وَمَا بِهِ الْكَمَالُ لِلْفَسَادِ … أَوِ الْكَمَالُ لِلصَّلَاحِ الْبَادِ
المعنى مع سقوطها.
وبذلك فإن أعظم الطاعات هو ما حفظ به ما جعل الشارع حفظه ضروريا "إذ أعظم المصالح الشرعية" إنما هو "في الحفظ للمقاصد" الشرعية "الأصلية" التي بنيت الشريعة على حفظها في الخلق، وهي المقاصد المتعلقة بحفظ الضروريات الخمس. "و" أما "أعظم المفاسد" فهو "الإخلال بحكمها" أي هذه الضروريات، وبمقتضاها، وحكمها الشرعي هو حفظها. والدليل على أن أعظم المفاسد هو ما ذكر وما جاء من الوعيد على الإخلال به كما في الكفر وقتل النفس، وما يرجع إليه، والزنى وشرب الخمر، وما يرجع إلى ذلك مما وضع له حد أو وعيد. "و" كذلك "النقص" لهذا الحفظ وتمامه على الوجه الشرعي المطلوب.
"و" كذالك "الإبطال" لها، وهو تأكيد لقول "الإخلال" لأن هذا يستلزم ذاك، فيكون من باب عطف العام على الخاص. "لاكن" يجب أن يعلم أن "كلا الضربين" المذكورين، وهما المصالح، والمفاسد، ليس على درجة واحدة، إذ "منه ما يرى" أي يبصر ويعلم أنه "أصل صلاح" للخلق "أو "يرى أنه أصل "فساد للورى" أي الناس بل للخلق. وذاك كإحياء النفس في المصالح، وقتلها في المفاسد.
"و" منه ما ليس كذلك لكنه هو "مما" أي الذي يحصل "به" أي بسبب فعله "الكمال للفساد" كالوسائل المفضية إلى الوقوع في الأفعال المخلة بحفظ تلك الضروريات - كالنظر إلى الاجنبية - "أو" يحصل به "الكمال للصلاح الباد" أي الظاهر قصد الشارع إليه وهو صلاح الخلق، ومن ذلك التماتل في القصاص، فإنه لا تدعو إليه ضرورة، ولا تظهر فيه شدة حاجة ولكنه تكميلي، وشكله في هذا الشأن الصلاة في الجماعة في الفرائض، والسنن، وصلاة الجمعة، وما أشبه، وقد تقدم أمثلة ذلك وبحث شأنه.
стр. 473
١٢٥٣ - وَكلُّهَا مُخْتَلَفُ الْمَرَاتِبِ … فَجَانِبٌ مُطَّرِحٌ لِجَانِبِ
١٢٥٤ - فَمَا مِنَ الطَّاعَاتِ فِي الْمَنَافِعْ … مُنْتِجَةٌ كُلِّيٌّ أَمْرٌ رَاجِعْ
١٢٥٥ - إِلَى الضَّرُورِيِّ مِنَ الْمَقَاصِدِ … عُدَّ مِنَ الأَرْكَانِ وَالْقَوَاعِدِ
١٢٥٦ - وَانْ تَكُنْ مُنْتِجَةُ الْجُزْئِيِّ … عُدَّتْ مِنَ التَّقَرُّبِ النَّفْلِيِّ
١٢٥٧ - وَجِهَةُ الْعِصْيَانِ فِي الْمَفَاسِدِ … يُنْتِجُ مَا يُخِلُّ بِالْمَقَاصدِ
١٢٥٨ - وَعُدَّ بِالْكُلِّيِّ فِي الْكَبَائِرِ … وَعُدَّ بِالْجُزْئِيِّ فِي الصَّغَائِرِ
" وكلها" يعنى وكل هذه الضروب "مختلفـ" ـة "المراتب" والدرجات فالضرب الأول الذي تقرر أنه الأصل في الصلاح أو الفساد على مراتب فإنا إذ نظرنا إليه وجدنا الدين أعظم الأشياء، ولذلك يهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما. ثم النفس ولذلك يهمل في جانبها اعتبار قوام النسل والعقل، والمال. فيجوز عند طائفة من العلماء لمن أكره بالقتل على الزنى أن يقي نفسه به، وللمرأة إذ خافت الموت ولم تجد من يطعمها إلا بذل بضعها جاز لها ذلك. وهكذا سائرها وبذلك "فـ" رعاية واعتبار "جانب" من هذه الضروريات "مطرح لـ" رعاية واعتبار "جانب" آخر على هذا الوجه الذي تقدم بيانه وهكذا الشأن في موجبات الفساد، فإنا إذ نظرنا إلى بيع الغرر مثلا وجدنا المفسدة في العمل به على مراتب فليست مفسدة بيع المصالح في التوقي عن هذه الأمور وبناء على هذا "فـ" إنه يقرر ان "ما" أي الذي "من الطاعات" في شأن "المنافع منتجة" ومثمرة "كليا" وهو "امر راجع إلى" حفظ "الضروري من المقاصد" الشرعية "عد من الأركان والقواعد" التي بنيت عليها الشريعة، وذلك كالفرائض والواجبات، والمحرمات التي بها حفظ الضروريات الخمس. "و" أما "إن تكن" الطاعة "منتجة" ومثمر حفظ المقصد "الجزئي" كالمكملات التي تقدم بيانها في صدر هذا الكتاب كتاب المقاصد "عدت من التقرب النفلي" الذي هو في حقيقة الأمر مكمل للضروري الفرائض والواجبات.
"و" هذا التفصيل أيضا جار على "جهة العصيان في "شأن "المفاسد" والمضار فالذي "ينتج ما يخل" أي يخل ويذهب "بالمقاصد" الشرعية يجري فيه هذا الحكم "و" بذلك "عد" أي أخل "بـ" المقصد الشرعي "الكلي" كحفظ الدين، أو النفس من الذنوب و"في الكبائر" كالقتل والكفر "وعد" أي أخل "بـ" المقصد الشرعي "الجزئي" المكمل للكلي كتقبيل أجنبية أو النظر إليها "في" الذنوب "الصغائر" وفي تحديد الكبيرة
стр. 474
" المسألة الثامنة عشرة "
١٢٥٩ - الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ التَّعَبُّدُ … دُونَ الْتِفَاتٍ لِلْمَعَانِي يُقْصَدُ
١٢٦٠ - وَالأَصْلُ فِي الْعَادَاتِ أَنْ يُلْتَفَتَا … إِلَى الْمَعَانِي حَيْثُ مَا ذَاكَ أَتَى
١٢٦١ - دَلِيلُهُ مَا جَاءَ فِي الْعِبَادَهْ … مِنْ أَوْجُهِ التَّحْدِيدِ لَا فِي الْعَادَهْ
١٢٦٢ - مَعْ أَنَّ الاسْتِقْرَاءَ ذَلِكَ اقْتَضَا … فِي الْجِهَتَيْنِ وَهْوَ أَمْر مُرْتَضَا
والصغيرة من الذنوب خلاف بين أهل العلم، وفي هذا يرجع إلى كتب الأصول - كجمع الجوامع - للإمام ابن السبكي ﵀ ثم إن الكبيرة ليست في نفسها مع كل ما يعد كبيرة على وزان واحد، ولا كل ركن مع ما يعد ركنا على وزان واحد أيضا.
كما أن الجزيئيات في الطاعة والمخالفة ليست على وزان واحد، بل لكل منها مرتبة تليق بها (١).
"المسألة الثامنة عشرة"
في بيان أن "الأصل في العبادة" هو "التعبد" وهو الالتزام بالمأمور به والوقوف عنده "دون التفات للمعاني" والعلل التي اقتضت كونها على ما هي عليها من هيئات، وأحوال "يقصد" بالنظر، والبحث. "والأصل في العادات" الشرعية كإزالة النجاسة وستر العورة والطواف بالبيت على العرى وما أشبه ذلك، وكذلك العادات الوجودية فإن الأصل "أن يلتفتا" وينظر "إلى المعاني" والعلل الشرعية فيها "حيث ما" أي في أي موضع "ذاك أتى" وورد. "دليله" أي دليل هذا الذي ذكر هو "ما جاء في العبادة من أوجه" وضروب "التحديد" والتقييد بأعداد معينة، - كعدد الركعات - وبأزمنة مخصوصة - كأوقات الصلوات، والحج، والصوم، - وبهيئات مخصوصة معينة وهذا كله "لا" يوجد مشروعا "في العادة" ومن تأمل الأمثلة المتقدم ذكرها أدرك ذلك. "مع أن الاستقراء" ويعتضد هذا الدليل بدليل أخر وهو أن الإستقراء قد دل على" ذلك" و"اقتضى" ثبوته "في الجهتين" جهة العبادة وجهة العادة "وهو" ما اقتضاه الإستقراء ودل عليه "أمر مرتضا" لإنه دليل قوي. ووجه دلالة الاستقراء على ذلك أنا وجدنا الطهارة - طهارة الحدث -
стр. 475
" فَصْلٌ"
١٢٦٣ - فَإِنْ أَتَى فِي الْعَادَةِ التَّعَبُّدُ … فَالنَّصُّ مَتْبُوعٌ بِحَيْثُ يُوجَدُ
١٢٦٤ - وَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلْعُقُولِ … فَمَا الْقِيَاسُ فِيهِ بِالْمَقْبُولِ
تتعدى محل موجبها، وكذلك الصلوات خصت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات ووجدنا الموجبات فيها تتحد مع اختلاف الموجبات وأن الذكر المخصوص في هيئة ما مطلوب وفي هيئة أخرى غير مطلوب وأن طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطهور وإن أمكنت النظافة بغيره وأن التيمم وليست فيه نظافة حسية يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر وهكذا سائر العبادات كالصوم والحج وغيرهما وإنما فهمنا من حكمة التعبد العامة الانقياد لأوامر الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه وهذا المقدار لا يعطى علة خاصة يفهم منها حكم خاص إذ لو كان كذلك لم يحد لنا أمر مخصوص بل كنا نؤمر بمجرد التعظيم بما حد وما لم يحد ولكان المخالف لما حد غير ملوم إذ كان التعظيم بفعل العبد المطابق لنيته حاصلا وليس كذلك باتفاق فعلمنا قطعا أن المقصود الشرعي الأول التعبد لله بذلك المحدود وأن غيره غير مقصود شرعا (١).
وفي الأصل بسط في أدلة هذه المسألة وتوسع فليرجع إليه للاطلاع على ذلك.
فصل: في بيان أن هذا الحكم في العوائد، إنما هو في العوائد التي لم يجر فيها التعبد، "فإن أتى" أي جاء شرعا "في" شأن "العادة" جريان "التعبد" ووقع حكمه فيها "فـ" إن المحكم في ذلك هو "النص" الشرعي، إذ هو الـ "متبوع" مقتضاه في ذلك "بحيث" أي في كل محل "يوجد" وذلك كطلب الصداق في النكاح، والذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروض المقدرة في المواريث، وعدد الأشهر في العدة الطلاقية والوفوية "و" ما أشبه ذلك مما "لا مجال فيه للعقول" في فهم مصالحها الجزئية - عللها الفقهية - حتى يقاس عليها غيرها، وبذلك لا يجري فيها القياس، "فما القياس فيه" أي في هذه العوائد المتعبد بها "بالمقبول" والصحيح.
стр. 476
١٢٦٥ - وَعِلَّة التَّعَبُّدِ الْمَطْلُوبَهْ … حَاصِلُ الانْقِيَادِ لِلْمَثُوبَهْ
١٢٦٦ - وَلكَثِيرٍ مِنْهُ مَعْنىً بَادِ … لِلْفَهْمِ ضَاهَى مُقْتَضَاهُ الْعَادِي
قال الشاطبي: "فإنا نعلم أن الشروط المعتبرة في النكاح من الولي والصداق وشبه ذلك لتمييز النكاح عن السفاح وأن فروض المواريث ترتبت على ترتيب القربى من الميت وأن العدد والاستبراءات المراد بها استبراء الرحم خوفا من اختلاط المياه ولكنها أمور جملية كما أن الخضوع والتعظيم والإجلال علة شرع العبادات وهذا المقدار لا يقضى بصحة القياس على الأصل فيها بحيث يقال إذا حصل الفرق بين النكاح والسفاح بأمور أخر مثلا لم تشترط تلك الشروط ومتى علم براءة الرحم لم تشرع العدة بالأقراء ولا بالأشهر ولا ما أشبه ذلك فإن قيل وهل توجد لهذه الأمور التعبديات علة يفهم منها مقصد الشارع على الخصوص أم لا" (١).
فالجواب عن ذلك أن يقال: أن موجب "وعلة التعبد المطلوبة" من ذلك محددة في أمر، وهو ما يترتب على ذلك من "حاصل الانقياد" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي الانقياد الحاصل من ذلك "لـ" أجل تحصيل وإدراك "للمثوبة" أي الجزاء والثواب.
هذا - الانقياد - هو الأصل في الأمور المتعبد بها، من غير زيادة ولا نقصان. ولذلك لما سئلت عائشة ﵂ عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة قالت للسائلة: "أحرورية أنت" إنكارا عليها أن يسئل عن مثل هذا، إذ لم يوضع التعبد أن تفهم علته الخاصة.
ثم قالت: "كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، وهذا يرجح التعبد على التعليل بالمشقة. ويجري في هذا السنن قول ابن المسيب في مسألة تسوية الشارع بين دية الأصابع: "هي السنة يا ابن أخي" وهو كثير، ومعنى هذا أن لا علة "و" لكن "لكثير منه" أي مما ذكر من الأمور العاديات والعبادات "معنى" ومفهوم عام، وإن لم تجر في ذلك العلل والمعاني الخاصة، كما هو شأن العادات في الأصل، وهو معني ومفهوم "باد" ظاهر "للفهم" وقد "ضاهى مقتضاه" أي شابه الأمر "العادي" يجري أمره على التعليل.
стр. 477
١٢٦٧ - وَذَاكَ ضَبْطُ أَوْجُهِ الْمَصَالِحِ … يُعَدُّ أَصْلًا بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ
١٢٦٨ - وَمَا يُرَى بِالانْضِبَاطِ لَا يَفِي … رُدَّ إِلَى أَمَانَةِ الْمُكَلَّفِ
١٢٦٩ - وَعَنْهُ قَدْ عُبِّرَ بِالسَّرَائِرْ … إِنْ كَانَ لَمْ يَرْجِعْ لِأَصْلٍ ظَاهِرْ
" وذاك" المعنى هو "ضبط أوجه" وسبل "المصالح" أي مصالح الخلق، إذ لو ترك الناس والنظر في هذا الشأن لانتشر ذلك النظر، ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل فجعل الشارع للحدود مقادير معلومة، وأسباب معلومة لا تتعدى، كالثمانين في القذف، والمائة وتغريب العام في الزنا على غير إحصان، وخص قطع اليد بالكوع في السرقة وفي النصاب المعين، وجعل مغيب الحشفة حدا في أحكام كثيرة، وكذلك الأشهر والقروء في العدد، والنصاب والحول في الزكوات.
وهذا - الأمر - وهو القصد الشرعي إلى ضبط مصالح الخلق "يعد أصلا" ثابثا حكمه "بالدليل الواضح" البين وهو الاستقراء لأحوال هذه العوائد، وما يقتضيه كونها على هذه الحال من مصلحة، والواقع يشهد على هذا على وضوح.
هذا شأن ما يتأتى جريان هذا الأصل - وهو الضبط المذكور فيه.
"و" أما "ما يرى" أي يبصر ويعلم أنه "بـ" جريان "الانضباط" فيه "لا يفي" يعني لا يليق، وذلك لتعلقه بأسباب وموجبات وأحوال مختلفة أحكامها وشروط لا يطلع على ثبوتها في حقيقة الأمر إلا المكلف بها، فإنه قد "ردّ" أمره "إلى أمانة المكلف" فعليها الاعتماد في ذلك.
"و" هذا الذي يسمى بالأمانة هو الذي "عنه قد عبر بالسرائر" جمع سريرة، وهو في اللغة عمل السر من خير أو شر، - والمراد بها هنا - ما كُنّ وستر في ضمائر الخلق من مقاصد، ومعلومات.
وإنما كان هذا المصنف من التكاليف على هذه الصورة "إن كان" يعني لأجل كونه "لم يرجع" بناؤه "لأصل" شرعي، كسبب عام أو مقدار معلوم "ظاهر" كظهور الأسباب والمقادير السابق ذكرها فيما هو منضبط.
стр. 478
١٢٧٠ - مُعَيَّنٍ كَالصَّوْمِ وَالطَّهَارَهْ … فَقَدْ يَظُنُّ الشّرعُ ذَا إِشارَهْ
١٢٧١ - لَهُ وَذَا الْمَعْنَى لَهُ مُشِيرَهْ … قَاعِدَةُ الذَّرَائِعِ الشَّهِيرَهْ
١٢٧٢ - لَكِنِ إِنْ مَضَى بِهِ أَنْظَارُ … وَكُلُّ مَلْحَظٍ لَهُ اعْتِبَارُ
١٢٧٣ - فَنَاظِرٌ لِكَوْنِهِ مُنْتَشِرَهْ … وُجُوهُهُ فَبِالنُّصُوصِ اعْتَبَرَهْ
" معين" معلوم بعينه في الخارج. وذلك الذي لا يجري فيه الانضباط المذكور "كالصوم" فإن الإتيان به موكول إلى أمانة المكلف، "و" كذلك "الطهارة" فإنه لا علامة ظاهرة تدل على ثبوتها حقيقة في واقع الأمر، وإنما علم ذلك عند المكلف بها، فهو وحده المطلع على ثبوتها، فهي ليست كالأمور التي عليها علامة تدل على ثبوت حكمها كالإحصان في الرجم وحلول الحول وملك النصاب في الزكاة. ومثل الصوم والطهارة في هذا الحيض والطهر وما أشبه ذلك.
"فـ" هذا المعنى - وهو ضبط وجوه المصالح بما ذكر خشية الانتشار على الوجه المذكور - مما "قد يظن" كون "الشرع ذا" صاحب "إشارة" يعني إلتفاتا للقصد "له" أخذا من واقع حال هذه الأمور العادية والعبادة التي ضبطت فيها مصالح الخلق على الوجه المذكور. "وذا" أي هذا "المعنى" المذكور وهو ضبط مصالح الخلق على سبيل يدرء به انتشار الانظار، هو الذي تكون "له مشيرة قاعدة" سد "الذرائع الشهيرة" في علم الفقه، والقواعد الفقهية. ومدار هذه القاعدة على منع الوسائل التي قد تؤدي وتفضي إلى الوقوع فيما نهي عنه شرعا. ووجه إشارة أصل هذه القاعدة إلى ما ذكر هو أنه جار باعتبار حاله على هذا الضبط للمصالح، ومنع انتشار النظر في البحث عن طرق تحصيلها من غير اهتداء بمعلمة شرعية ترشد إليها.
وقاعدة سد الذرائع قاعدة - أصل - متفق على العمل بها في الجملة. "لكن إن مضى" وجرى "به" يعني فيه أي - في هذا الأصل "أنظار" أهل العلم "وكل ملحظ" أي نظر من أنظار هؤلاء العلماء "له اعتبار" في الميزان الفقهي، وبه اعتداد فيه. وقوله: "وكل ملحظ له اعتبار" جملة معترضة بين جملة الشرط وجوابه، تقديره فإن أهل العلم يختلفون في شأنه "فـ" إن من أهل العلم من هو "ناظر" ومعتبر"لكونه" أصلا "منتشرة وجوهه" وما يجري فيه من جزئيات، إذا عمل به، مع أن كثيرا من التكليفات ثبت كونها موكولة إلى أمانة المكلف، وبذلك "فـ" إنه لا يعتبر منه إلا ما ورد به النص الشرعي، فما ثبت منه "بالنصوص" الشرعية "اعتبره" كمنع
стр. 479
١٢٧٤ - وَنَاظِرٌ لِكَوْنِهِ مُنْضَبِطَا … لِمُقْتَضَى كلِّيَّةٍ مُرْتَبِطَا
١٢٧٥ - فَيَجْرِي الالْتِفَاتُ لِلْمَعَانِي … فِي شَأْنِه بِحَسَبِ الإِمْكَانِ
١٢٧٦ - وَثَالِث لَهُ تَوَسُّطُ النَّظَرْ … فَسَدَّ بِالْحُكَّامِ كُلَّ مَا ظَهَرْ
١٢٧٧ - وَرَدَّ مِنْهُ غَيْرِ مَا اسْتُبِينَا … إِلَى أَمَانَاتِ المُكَلَّفِينَا
سب الصنم، وسب والدي الخصم، وما سواه، لا يلتفت إليه.
"و" منهم من هو "ناظر" ومعتبر "لكونه" أصلا ثابتا شرعا "منضبطا" أي له ضوابط قريبة المأخذ والإدراك، ولكونه "لمقتضى" يعني بمقتضى وحكم "كلية" الملتفت إليه شرعا "مرتبطا" فعليه مستنده. وبذلك "فـ" إنه "يجري الالتفات" والاعتبار "للمعاني" الجارية "في شأنه" بحيث يعمل به في مجاريها المظنونة "بحسب" وقدر "الإمكان". وقد ثبت أن الشارع منع من أشياء من جهة جرها إلى منهى عنه، والتوسل بها إليه، وهو أصل مقطوع به على الجملة، وقد اعتبره السلف الصالح، فلا بد من اعتباره.
وعلى هذا المالكية، فإن هذا الأصل من أصولهم المعتبرة، كما هو معلوم.
"و" من أهل العلم طرف "ثالث" في هذا الشأن، فلم يكن مقتصرا في شأنه على ما وردت به النصوص، كما لم يكن آخذا به على هذا الذي عليه المالكية في الأخذ به، بل "له" في شأنه "توسط" بين المذهبين المذكورين في "النظر" يعني في نظره إليه واعتباره إياه، فأعمل هذا الأصل في الأمور الظاهرة التي تدل عليها العوائد، "فسد" وأغلق "بـ" تسليط "الحكام" على العمل بذلك "كل ما ظهر" من الوسائل أنه يفضي إلى الوقوع في المنهي عنه، ويعلم ذلك بالأعراف والعوائد الخاصة، والعامة الظاهرة كما تقدم في سب الصنم ونحوه.
"ورد" وألغي "منه" من ذلك الذي قد يتوسل به إلى منهى عنه "غير" أي الذي "ما استبينا" أي ما عرف حاله لأنه أمر باطني، وقصد خفي "إلى أمانات المكلفينا" وما في قلبه من الخير، وسريرته. وبذلك فهذه المقاصد وإن كانت مما نهي عنه فإنه لا يسعى إلى سدها، وإنما يوكل فيها المكلف إلى دينه. وهذا المصنف يجري فيه المالكية حكم هذا الأصل.
ومن أمثلة ذلك منع بيوع الأجلال، لأنه قد يقصد بها الجمع بين السلف والبيع.
стр. 480
" المسألة التاسعة عشرة "
١٢٧٨ - ثمَّ الذِي يُعْتَبَرُ التَّعَبُّد … فِيهِ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ يُوجَدُ
١٢٧٩ - وَمَا بِهِ الْقَصْدُ إِلَى الْمَعْنَى ظَهَرْ … لَا بُدَّ مِنْ تَعَبُّدٍ أنْ يُعْتَبَرْ
" المسألة التاسعة عشرة"
في بيان أن كل ما ثبت فيه اعتبار التعبد فإنه لا تفريع فيه، وكل ما ثبت فيه من اعتبار المعاني دون التعبد، فإنه لا بد فيه من اعتبار التعبد بوجه لا يسقط فيه اعتبار المعاني. وفي ذلك وبيانه يقول المصنف:
"ثم" إن "الذي" من الأمور المشروعة "يعتبر التعبد" وهو تمحضه للعبادة من غير علم بموجب ما هو عليه من هيئة أو حال "فيه" يجب إجراء النظر فيه بمقتضى هذا الأمر المعتبر فيه، وبذلك "فـ" إنه "لا تفريع" يعني لا قياس "فيه" يعني عليه "يوجد" شرعا فالأمور التعبدية توقيفية، فهي لا مجال فيها للأقيسة وإنشاء أمور أخرى تلحق بها، كإنشاء عبادة على هيئة معينة بقياسها على عبادة أخرى مشروعة.
"و" أما "ما" يكون "به القصد إلى المعنى" والعلة المعينة أمر قد "ظهر" وبان فإنه "لا بد" أن يلحظ فيه "من تعبد" و"أن يعتبر"، فإن كل حكم شرعي فيه حق لله - تعالى - وإن كان جاريا في العوائد.
ويدل على ذلك أوجه منها: أحدها: أن معنى الاقتضاء أو التخيير لازم للمكلف عرف المعنى الذي لأجله شرع الحكم أولم يعرفه بخلاف اعتبار المصالح فإنه غير لازم فإنه عبد مكلف فإذا أمره سيده لزمه امتثال أمره باتفاق العقلاء بخلاف المصلحة فإن اعتبارها غير لازم له من حيث هو عبد مكلف على رأي المحققين وإذا كان كذلك فالتعبد لازم لا خيرة فيه واعتبار المصلحة فيه الخيرة وما فيه الخيرة يصح تخلفه عقلا وإذا وقع الأمر والنهي شرعا لم يصح تخلفهما عقلا فإنه محال فالتعبد بالاقتضاء أو التخيير لازم بإطلاق واعتبار المصالح غير لازم بإطلاق خلافا لمن ألزم اللطف والأصلح وأيضا فإنه لازم على رأي من ألزم الأصلح وقال بالحسن والقبح العقليين فإن السيد إذا أمر عبده لأجل مصلحة هي علة الأمر بالعقل يلزم الامتثال من حيث مجرد الأمر لأن مخالفته قبيحة ومن جهة اعتبار المصلحة أيضا فإن تحصيلها واجب عقلا
стр. 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالفرض فالأمران على مذهبهم لازمان ولا يقول أحد منهم إن مخالفة العبد أمر سيده مع قطع النظر عن المصلحة غير قبيح بل هو قبيح على رأيهم وهو معنى لزوم التعبد. والثاني: أنا إذا فهمنا بالاقتضاء أو التخيير حكمة مستقلة في شرع الحكم فلا يلزم من ذلك أن لا يكون ثم حكمة أخرى ومصلحة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك وغايتنا أنا فهمنا مصلحة دنيوية تصلح أن تستقل بشرعية الحكم فاعتبرناها بحكم الإذن الشرعي ولم نعلم حصر المصلحة والحكم بمقتضاها في ذلك الذي ظهر وإذا لم يحصل لنا بذلك علم ولا ظن لم يصح لنا القطع بأن لا مصلحة للحكم إلا ما ظهر لنا إذ هو قطع على غيب بلا دليل وذلك غير جائز فقد بقي لنا إمكان حكمة أخرى شرع لها الحكم فصرنا من تلك الجهة واقفين مع التعبد (١). والوجه الثالث: أن المصالح في التكليف ظهر لنا من الشارع أنها على ضربين أحدهما ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإجماع والنص والإشارة والسبر والمناسبة وغيرها وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به ونقول إن شرعية الأحكام لأجله والثاني ما لا يمكن الوصول إلى معرفته بتلك المسالك المعهودة ولا يطلع عليه إلا بالوحي كالأحكام التي أخبر الشارع فيها أنها أسباب للخصب والسعة وقيام أبهة الإسلام وكذلك التي أخبر في مخالفتها أنها أسباب العقوبات وتسليط العدو وقذف الرعب والقحط وسائر أنواع العذاب الدنيوي والأخروي (٢).
الرابع: أن السائل إذا قال للحاكم لما لم تحكم بين الناس وأنت غضبان؟ فأجاب بأني نهيت عن ذلك كان مصيبا كما أنه إذا قال لأن الغضب يشوش عقلي وهو مظنة عدم التثبت في الحكم كان مصيبا أيضا والأول جواب التعبد المحض والثاني جواب الالتفات إلى المعنى وإذا جاز اجتماعهما وعدم تنافيهما جاز القصد إلى التعبد وإذا جاز القصد إلى التعبد دل على أن هنالك تعبدا وإلا لم يصح توجه القصد إلى ما لا يصح القصد إليه من معدوم أو ممكن أن يوجد أو لا يوجد فلما صح القصد مطلقا صح المقصود له مطلقا وذلك جهة التعبد وهو المطلوب (٣).
стр. 482
١٢٨٠ - وَكُلُّ مَا مَعْنَاهُ لَيْسَ يُعْقَلُ … فَهْوَ التَّعَبُّدُ الذِي يُسْتَعْمَلُ
١٢٨١ - وَحَيْثُ صَحَّ هَذَا الأَصْلُ الْمَرْعِي … إِنِ اعْتَبَرْتَ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِي
١٢٨٢ - وَجَدْتَ أَنَّ فِيهِ حَقَّ اللهِ … مِنِ امْتِثَالِ الأمْرِ وَالنَّوَاهِي
١٢٨٣ - وَفِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ إِمَّا عَاجِلَا … فِي هَذِهِ الدَّارِ وَإِمَّا آجِلَا
والخامس: أن تكون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم والمفسدة مفسدة كذلك مما يختص بالشارع لا مجال للعقل فيه بناء على قاعدة نفي التحسين والتقبيح فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما فهو الواضع لها مصلحة وإلا فكان يمكن عقلا أن لا تكون كذلك إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح فإذا كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع بحيث يصدقه العقل وتطمئن إليه النفس فالمصالح من حيث هي مصالح قد آل النظر فيها إلى أنها تعبديات وما انبنى على التعبدي لا يكون إلا تعبديا (*).
"و كل ما" فعل مشروع و"معناه" المقصود منه شرعا "ليس يعقل" أي ليس يدرك من جهة العقل وإنما يؤتى ويفعل امتثالا للخطاب الشرعي الوارد فيه "فـ" ذاك "هو التعبد" المقصود هنا، و"الذي يستعمل" ويعبر به في كتب الفقه، والأصول. "وحيث صح" في "هذ الأصل المرعى" المعتبر هنا، وتقرر ثبوته وذلك الأصل هو أن التعبد جار في جميع مواطن الأحكام الشرعية فإنه تتبين به أمور، منها: أنك "ان اعتبرت كل" يعني "حكم شرعي" سواء كان في العبادات أو غيرها" وجدت أن فيه حق الله" تعالى وهو جهة التعبد، فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وعبادته تحصل بما تتحقق به هذه العبادة "من امتثال الأمر" أي أمره - سبحانه - "و" باجتناب ما وقع تحت "النواهي" الآتية منه . فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردا، فإن ذلك ليس بإطلاق، بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية. "و" كما أن في كل حكم شرعي حق لله - تعالى - كذلك "فيه حق العبد" وهو "إما" أن يكون حقا "عاجلا في هذه الدار" الدنيا "وإما" أن يكون حقا "آجلا" في الدار الآخرة بناء على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد ولذلك قال ﵊ في الحديث: "حق
стр. 483
١٢٨٤ - وَالأصْلُ حَقُّ اللهِ فِي الْعِبَادَهْ … وَأَنَّ حَقَّ عَبْدِهِ فِي الْعَادَهْ
" فَصْلٌ "
١٢٨٥ - تَنْقَسِمُ الأفْعَالُ فِي الْحُقُوقِ … بِنِسْبَةِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ
١٢٨٦ - مَا هُوَ حَقُّ اللهِ خَالِصًا يُرَى … مِثْلَ الْعِبَادَاتِ فَذَا فِيهِ انْظرَا
١٢٨٧ - إِنْ طَابَقَ الْفِعْلُ بِهِ الأمْرَ يَصِحُّ … أَوْ لَا فَبُطْلَان بِذَاكَ يَتَّضِح
العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا" وعادتهم في تفسير حق الله: أنه ما فهم من الشرع أنه لا خيرة فيه للمكلف، كان له معنى معقول، أو غير معقول وحق العبد ما كان راجعا إلى مصالحه في الدنيا، فإن كان من المصالح الأخروية فهو من جملة ما يطلق عليه أنه حق الله.
"والأصل حق الله في العبادة" فحق العبد فيها تبعي "وأن حق عبده" إنما هو "في العادة" فهي محل مصالحه الدنيوية.
"فصل"
في بيان أمر آخر في هذا الشأن يستتم به النظر في هذا المقام، وهو أن الأفعال فيما يتعلق بحق الله - تعالى - وحق المكلفين ليست قسما واحدا وإنما "تنقسم الأفعال في" أمر "الحقوق" باعتبار و"بنسبة الخالق" يعني بالنسبة للخالق - سبحانه - "والمخلوق" إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: "ما هو حق لله" "خالصا يرى" أي يعلم، وذلك "مثل العبادات" وأصله التعبد، وبناء على ذلك "فذا" القسم "فيه انظرا" - الألف بدل عن نون التوكيد الخفيفة - وتأمل لمعرفة كونه باطلا، أو صحيحا، فإنه "إن طابق" ووافق "الفعل" أي فعل المكلف "الأمر به" يعني فيه - أي في هذا القسم فإنه "يصح" شرعا، واما إن كان لا يطابقه "أو لا" يوافقه "فبطلان" وفساد هو حكمه وهو حكم "بذاك" أي في ذاك "يتضح" ويظهر. والدليل على ذلك أن التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى لا بفعل غير مطابق لقصد الشارع إما بأصله كزيادة صلاة سادسة أو ترك الصلاة وإما بوصفه كقراءة القرآن في الركوع والسجود والصلاة في الأوقات المكروهة إذ لو كان مقصودا لم ينه عنه
стр. 484
١٢٨٨ - فَإِنْ رَأَيْتَ مَنْ لَهُ قَدْ صَحَّحَا … بَعْدَ الْوُقُوعِ فَلِأمْرٍ رَجَحَا
١٢٨٩ - وَمِثْلُ الْأمْرِ النَّهْيُ فِي ذَا الشَّانِ … هُمَا مَعًا فِي حُكْمِهِ سِيَّانِ
١٢٩٠ - إِمَّا لِأَنَّ ذَاكَ غَيْرُ حَتْمِ … أَوْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فِي الْحُكْمِ
١٢٩١ - أَوْ لِرُجُوعِ جِهَةِ الْمُخَالَفَهْ … لِوَصْفِهِ الْمُنْفَكِّ حِينَ خَالَفَهْ
ولأمر به أو أذن فيه فإن الإذن هو المعروف أولا بقصد الشارع فلا تتعداه (١).
"فـ" على هذا "إن رأيت من "أهل العلم "له" أي لما ذكر من المنهي عنه والفعل الغير المطابق "قد صححا" - الألف للاطلاق - "بعد الوقوع" أي بعد وقوع ذلك المنهي عنه، "فـ" إن ذلك إنما حصل "لأمر" أي دليل "رجحا" - الألف للاطلاق - عنده اعتباره، والاعتداد به في ذلك. "ومثل الأمر" المتقدم بيان حكمه "النهي في ذا الشأن" وهو أن النهي يقتضي عدم صحة الفعل المنهي عنه اما بناء على أن النهي يقتضي الفساد، فـ "هما معا" أي المنهي عنه والفعل غير المطابق للأمر "في"جريان "حكمه" أي الفساد فيها "سيان" فلا فرق بينهما في هذا الشأن. ويحصل ذلك للعالم المجتهد "إما لأن ذاك" الأمر والنهي عنده "غير" ذي "حتم" أي وجوب "أو "لأن ذلك "لم يصح" ولم يثبت "عنده في الحكم" عليه "أو لرجوع جهة المخالفة" في ذلك الأمر والنهي "لوصفه" أي الفعل "المنفك" أي المنفصل "حين خالفه" أي حين خالف ذلك الفعل ذلك الأمر أو النهي، فيكون حاله كحال الصلاة في الأرض المغصوبة، بناء على القول بصحة الانفكاك بين جهة الصلاة وجهة الغصب، فإن الأمر بالصلاة منفك عنه النهي عن الغصب، فلم يرد النهي عن الجمع بينهما نصا، كالصوم يوم العيد، فإن جمع المكلف بينهما - أي بين الغصب والصلاة - فإن الذي عليه الجمهور هو أن كل واحد منهما لا تأثير له في الأخر، لأن الغصب لم ينه عنه من أجل أن لا يؤتى بالصلاة في المغصوب من الأرض، كما أن الصلاة مأمور بها مطلقا، ولم يعتبر في الأمر بها عدم إيقاعها في الأرض المغصوبة، فالجهتان لا ارتباط في الاعتبار الشرعي لهما، وجمع المكلف بينهما لا يجعلهما متحدي الجهة، كصورة الصوم يوم العيد، فإن النهي عن الصوم فيها معتبر فيه يوم العيد، فكانت الجهة واحدة فيها.
стр. 485
١٢٩٢ - إِمَّا لِعَدِّ الْحُكْمِ فِي الْمُعَلَّلِ … وَهْوَ قَلِيل لَيْسَ مِثْلَ الأوَّلِ
١٢٩٣ - وَمَا يُرَى مُشْتَرَكًا وَغَلَبَا … لَدَيْهِ حَقُّ اللهِ لَمَّا وَجَبَا
١٢٩٤ - فَإِنَّ هَذَا حُكْمُهُ كَالأَوَّلِ … إِذْ صَارَ حَقُّ الْعَبْدِ غَيْرَ مُعْمَلِ
١٢٩٥ - وَغَيْرُ مَا طَابَقَ صُحِّحَ الْعَمَلْ … بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الأوَلْ
١٢٩٦ - وَرَابِعٍ شَهَادَةُ الْمُصَحِّحِ … أَنَّ لِحَقِّ الْعَبْدِ تَغْلِيبًا نُحِي
١٢٩٧ - وَعَكْسُ ذَا إِنْ طَابَقَ الأمْرَ فَلَا … إِشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ فِيمَا فَعَلَا
و"إما" أن يكون تصحيح الفقيه لما ذكر "لعد" هـ "الحكم" أي حكم النازلة "في المعلل" بالمصالح وبذلك يجري فيه ذلك الحكم "وهو" أي هذا الوجه "قليل" اعتباره فهو "ليس مثل" المذكور "الأول" من الأوجه لأن التعبد هو العمدة.
"و" ثانيها أي تلك الأقسام هو "ما يرى" أي يبصر أو يعلم "مشتركا" بين حق الله وحق العبد بحيث يصير مشتملا عليهما معا "و" لكن قد "غلبا" - الألف للاطلاق - "لديه" أي فيه "حق الله" - تعالى - "لما وجبا" - الألف للإطلاق - وثبت فيه من أمر. وما يرى هكذا "فإن هذا حكمه" الشرعي "كـ" حكم القسم "الأول" وهو أنه يصح إن طابق الأمر، ويبطل ان كان على خلاف ذلك، وإنما هو كذلك "إذ صار حق العبد" فيه ملغى "غير معمل" به لغلبة حق الله - تعالى - فيه، فصار مطرحا شرعا، فهو كغير المعتبر، إذ لو اعتبر لكان هو المعتبر، والفرض خلافه، كقتل النفس، إذ ليس للإنسان خيرة في اسلام نفسه للقتل لغير ضرورة شرعية كالفتن، ونحوها. فالمطابقة شرط الصحة في ذلك.
"و" أما "غير ما طابق" الأمر فإنه إن "صحح العمل بعد الوقوع فيه" فإن ذلك إنما هو من جهة اعتبار "من تلك" الاعتبارات "الأول" التى تقدم أنها مرتكزات من يصحح المنهي عنه، والفعل الذي لا يطابق الأمر. وقد يكون ذلك لأمر "رابع" وهو "شهادة" وإدراك العالم "المصحح" لذلك "أن لحق العبد" في ذلك "تغليبا" على حق الخالق - سبحانه - "نحى" أي قصد من جهة الشارع.
"و" أما القسم الثالث فهو "عكس ذا" أي هذا القسم - القسم الثاني المذكور - وبذلك فهو الذي اشترك فيه الحقان، وحق العبد هو المغلب فيه، وهذا حكمه أنه "إن طابق الأمر" الشرعي فيه "فـ" إنه "لا إشكال في "جريان حكم "الصحة فيما فعلا"
стр. 486
١٢٩٨ - وَمِثْلُهُ النَّهْيُ وَإِنْ عَكْسٌ صَدَرْ … فَذَاكَ مِمَّا فِيهِ بَحْثٌ وَنَظَرْ
١٢٩٩ - فَإِنْ يَكُنْ يَحْصُلُ حَقُّ الْعَبْدِ مَعْ … ذَاكَ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ إِنْ وَقَعْ
١٣٠٠ - عَنْ سَبَبٍ آخَرَ ذِي مُوَافَقَهْ … كمِثْلِ مَا يَحْصُلُ فِي الْمُطَابَقَهْ
١٣٠١ - صَحَّ وَزَالَ مُقْتَضَى نَهْي وقَعْ … فِيهِ وَحَيْثُ لَيْسَ يَحْصُلُ امْتَنَعْ
١٣٠٢ - كَبَيْعِ مَنْ دُبِّرَ ثُمَّ أُعْتِقَا … فَمَالِكٌ فِيهِ الْجَوَازُ أُطْلِقَا
- الألف للإطلاق - فيه من فعل لحصول مصلحة العبد بذلك عاجلا أو آجلا حسبما يتهيأ له. "ومثله" أي الأمر في ذلك "النهي" فإنه إن ترك به المنهي عنه، فذلك هو المطلوب. "و" أما "إن" أتى من المكلف "عكس" ـه وهو عدم المطابقة للأمر وعدم ترك المنهي عنه و"صدر" عنه "فذاك" موضع "مما" يعني من النوع الذي يجري "فيه بحث" لمعرفة حكمه "ونظر" مثيره هو أصل المحافظة على تحصيل مصلحة العبد "فإن يكن يحصل حق العبد مع ذاك" وهو ثبوت المخالفة المذكورة "ولو "كان ذلك يحصل "بعد الوقوع" لذلك الفعل وإنما كان كذلك "ان وقع" وحصل "عن سبب آخر ذي" صاحب "موافقة" للأمر الشرعي الوارد في ذلك، وبذلك يحصل عنه من مصلحة العبد "كمثل ما يحصل في" حال "المطابقة" المذكورة أو أبلغ منه فإن ذلك الفعل يحكم عليه بأنه "صح" شرعا، "وزال" بذلك "مقتضى" وحكم " نهي" للشارع الذي "وقع" وورد "ليه" بالنسبة لحق العبد "و" أما "حيث ليس يحصل" فيه ما ذكر من مصلحة العبد فإنه قد "امتنع" يعني قد بطل، وفسد.
مثال ما صح عند مالك - رحمه الله تعالى - لأنه حصلت فيه مصلحة العبد بسبب آخر العقد فيما تعلق به حق الغير إذا أسقط حقه، لأن النهي عن بيع ذلك قد فرضناه لحق العبد، فإذا رضي بإسقاطه، فله ذلك، و"كبيع من دُبِر" - بضم الدال وكسر الباء - يعني كبيع المدبر وهو الذي قال له سيده: أنت حر عن دبر مني، - أي بعد وفاتي - "ثم اعتقا" - الألف للإطلاق - أي أعتقه مشتريه "فمالك" رحمه الله تعالى "فيه" أي في ذلك البيع "الجواز اطلقا" أي حكم فيه بالجواز، وقال به فيه، وذلك لأن النهي عن بيع المدبر إنما هو لأجل فوت العتق بذلك فإذا حصل - أي العتق - فلا معنى للفسخ عنده - أي عند مالك - بالنسبة إلى حق المملوك.
стр. 487
١٣٠٣ - وَمَنْ رَأَى بَعْدَ وُقُوعِهِ الْعَمَلْ … صَحَّ فَمِنْ بَعْضِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلْ
" المسألة العشرون "
١٣٠٤ - الشَّرْعُ قَدْ بَيَّنَ وَجْهَ الشُّكْرِ … فِي كُلِّ نِعْمَةٍ عَلَيْنَا تَجْرِي
١٣٠٥ - وَبَيَّنَ الْوَجْهَ فِي الاسْتِمْتاعِ … بِكُلِّ مَا أَسْدَى لِلانْتِفَاعِ
١٣٠٦ - وَمُقْتَضَى الْقَصْدَيْنِ لِلشَّرْعِ اتَّضَحْ … وَكمْ عَلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ قَدْ وَضَحْ
وأما إثم المخالفة في ذلك فإنه باق، فلا يرتفع بما ذكر. هذا هو الأصل في ذلك.
"و" أما "من رأى" من أهل العلم "بعد وقوعه" حصوله "العمل" - مفعول رأى مقدم عليه ضميره - المخالف بأنه عمل "صح" لم يبطل "فـ" إن ذلك إنما يحصل "من" جهة "بعض" الأوجه "الثلاثة الأول" التي تقدم أنه يقع التصحيح للمنهي عنه وللفعل غير المطابق باعتبارها، أو باعتبار بعضها.
"المسألة العشرون"
في بيان أن "الشرع قد" وضح و"بين وجه" وطريق "الشكر" لله "في كل نعمة" التي "علينا تجري" تفضلا ومنا منه علينا.
"وبين" كذلك "الوجه" الذي يمضي عليه "في الاستمتاع بكل ما أسدى" أي أعطى وأولى من النعم لخلقه "للانتفاع" به. "ومقتضى القصدين" وهما القصد إلى بيان وجه الشكر على النعم، والقصد إلى بيان وجه الاستمتاع بتلك النعم الثابتين "للشرع" يعني في الشرع - الشريعة - والقصد إلى بيان أمر "اتضح" وظهر ثبوته فيه. "و" هذا أظهر فيه - أي في الشرع - من أن يستدل عليه، إذ "كم عليه" يعني على ثبوته "من دليل" شرعي "قد وضح" وظهر أنه يقضي بذلك ويحكم به. ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨] وقوله : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ [الملك: ٢٣] وقوله سبحانه، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢] وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل:
стр. 488
١٣٠٧ - وَالشُّكْرُ أَنْ يَكُونَ صَرْفُ النِّعَمِ … فِيمَا بِهِ رِضَا الْكَرِيمِ الْمُنْعِمِ
١٣٠٨ - وَذَاكَ الانْصِرَافُ بِالْكُلِّيَّهْ … إِلَيْه بِالإِخْلَاصِ لِلطَّوِيَّهْ
١٣٠٩ - وَيَسْتَوِي فِي ذَاكَ مَا لِلْعَادَهْ … مَعَ الذِي رَجَعَ لِلْعِبَادَهْ
١٣١٠ - أَمَّا الْعِبَادَاتُ فَأَمْرُهَا ظَهَرْ … لِأنَّ حَقَّ اللهِ فِيهَا الْمُعْتَبَرْ
١٣١١ - كَذَاكَ فِي الْعَادَاتِ حَيْثُ مَا هِي … بِالنَّظَرِ الْكُلِّيِّ حَقُّ اللهِ
١٣١٢ - لِذَاكَ لَا يَجُوزُ لِلْعِبَادِ … تَحْرِيمُ طَيِّبَاتِ رِزْقِ العِبَادِ
١١٤] وقوله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
"والشكر" هو "أن يكون" من المكلف "صرف النعم فيما" من الأعمال "به" أي فيه "رضا" ربنا "الكريم المنعم" سبحانه "وذاك" راجع إلى "الانصراف"، والتوجه "بالكلية إليه" تعالى، ويكون ذلك "بإخلاص للطوية" أي الضمير والقصد.
قال الشاطبي: ومعنى بالكلية أن يكون جاريا على مقتضى مرضاته بحسب الاستطاعة في كل حال، وهو معنى قوله ﵊ "حق الله على العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا" (١).
"ويستوي في ذاك" الحق من حيث جريان حكمه "ما" من الأفعال والأمور ينسب "للعادة" ويعد منها "مع الذي" من الأعمال قد "رجع للعبادة" فجريان ذلك الحكم واقع فيهما معا "أما العبادات فأمرها" في ذلك أمر قد "ظهر" وبان حاله فيه، وذلك "لأن حق الله" تعالى "فيها" هو أساسها "المعتبر" في تشريعها، فهي حقه - تعالى - الذي لا يحتمل الشركة، فهي مصروفة إليه.
"كذاك" الأمر أيضا "في العادات" من "حيث ما" زائدة يعني من حيث "هي بـ" اعتبار "النظر الكلي" إليهما "حق الله".
و"لذاك" الذي تقرر هنا "لا يجوز للعباد" من عند أنفسهم "تحريم" ما أحل الله - تعالى - لهم من "طيبات رزق العباد" به صلاح أحوالهم المعيشية، وقيام وجودهم.
стр. 489
الْقِسْم الثَّانيِ مِنْ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ فِي مَا يَرْجِعُ إِلى مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ في التَّكْلِيفِ وَفِيهِ مَسَائِلُ
" المسألة الأولى "
١٣١٣ - وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ … مِنَ الْعِبَادِيَّاتِ وَالعَادَاتِ
١٣١٤ - وَكمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ دَلِيلِ … آتٍ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ
١٣١٥ - يَكْفِيكَ مِنْهَا الْفَرْقُ فِي الْمَقَاصِدْ … بَيْنَ التَّعَبُّدَاتِ وَالْعَوَائِدْ
١٣١٦ - وَبَيْنَ وَاجِبٍ مِنَ الأَحْكَامِ … أَوْ نَدْبٍ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ حَرَامِ
القسم الثاني من كتاب المقاصد في ما يرجع إلى مقاصد المكلف في التكليف
وفيه مسائل: "المسألة الأولى"
وهو معقود "في" بيان "ما" من الأحكام والمسائل "يرجع إلى مقاصد المكلف في التكليف" الشرعي "وفيه" أي هذا القسم تذكر وتورد "مسائل" وهي اثنتا عشرة مسألة.
"المسألة الأولى" منها في تقرير "و" بيان الأصل المعروف الوارد في قوله ﵊ "إنما الأعمال بالنيات" سواء منها ما هو "من العباديات" كالصلاة، والصوم "و" ما هو من "العادات" كالمعاملات، ووسائل كسب المعاش فالمقاصد معتبرة في التصرفات "وكم" ورد على ثبوت "ذلك" وكونه أصلا شرعيا "من دليل" شرعي، من ذلك ما هو "آت" أي وارد "على" سبيل "الجملة" والشمول، كقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) "و" منه ما هو آت على "التفصيل" بأن يكون مقتضاه وحكمه متعلقا بجزئية كالصلاة، والصوم والحج.
و"يكفيك منها" أي من الأدلة الواردة في ذلك "الفرق" الثابت والحاصل "في المقاصد" والذي "بين" ما هو من "التعبدات" أي العبادات "و" ما هو من "العوائد". "و" كذلك الفرق الحاصل "بين" ما هو "واجب" وفرص "من الأحكام" الشرعية "أو" - بمعنى الواو - يعني وما حكمه "ندب" أي استحباب "أو "- بمعنى الواو - يعني وما هو "مباح أو حرام" أو غير ذلك كالصحيح والفاسد.
стр. 490
١٣١٧ - وَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ بِالْقَصْدِ يُرَى … طَاعَةً أَوْ مُصِيبَةً قَدْ حَظَرَا
١٣١٨ - لِذَلِكَ الأَحْكَامُ لَنْ تُعَلَّقَا … بِغَيْرِ قَاصِدٍ إِلَيْهَا مُطْلَقَا
١٣١٩ - كَمِثْلِ مَجْنُونٍ وَمِثْلِ سَاهِ … وَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ بِالإِكْرَاهِ
" والعمل الواحد بـ" حسب "القصد" والنية "يرى" ويبصر "طاعة" لله وعبادة له - سبحانه - "أو معصية" له "قد حظرا" فعلها وإتيانها أي منع، بل يقصد بالفعل الواحد شيء فيكون إيمانا، ويقصد به شيء آخر فيكون كفرا كالسجود لله - تعالى - أو للصنم و"لـ" أجل "ذلك" الذي تقدم ذكره من أن الأعمال بالنيات وإن المقاصد معتبرة في التصرفات "الأحكام" الشرعية "لن تعلقا" - الألف للإطلاق - يعني: لا تتعلق "بـ" شخص "غير قاصد إليها" أي الأحكام المذكورة "مطلقا" من غير تفصيل وذلك.
"كمثل" تصرفات شخص "مجنون" وهو لا يعقل "ومثل ساه" أي غافل قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقال ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤] ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] بعد قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي الحديث: "إنما الأعمال بالنيات". "وإنما لكل امرئ ما نوى" إلى آخره وقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وفيه: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك معي فيه شريكا تركت نصيبي لشريكي" وتصديقه قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وأباح ﵊ للمحرم أكل لحم الصيد ما لم يصده أو يصد له. وهذا المكان أوضح في نفسه من أن يستدل عليه (١).
"ولا اعتراض" صحيح "فيه" أي في هذا الموضع "بـ" أمر الإعمال التي يجب فيها العمل بوسيلة "الإكراه" عليها، كإخراج الزكاة وفعل الصلاة، وغير ذلك مما يجري فيه الإكراه.
стр. 491
١٣٢٠ - وَمِثْلُهُ مِمَّا بِهِ الفِعْلُ وَقَعْ … عَلَى خِلَافِ قَصْدِ مَنْ مِنْهُ وَقَعْ
١٣٢١ - إِذْ قَصْدُهُ مُعْتَمَدٌ فِي الظَّاهِرْ … وَرَبُّنَا الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرْ
" المسألة الثانية "
١٣٢٢ - الْقَصْدُ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي وَاقِعِ … وفاقُ قَصْدِهِ لِقَصْدِ الشَّارعِ
١٣٢٣ - وَذَاكَ لِلدَّلِيلِ لَا يَسْتَدْعِي … لِأَنَّهُ بَادٍ مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ
" و" كذلك لا اعتراض "مثله" - أي ما ذكر من الأعمال المكره عليها - "من" كل "ما" يكون "به" يعني فيه "الفعل" قد "وقع" ويقع ما يطلب ان يقصد منه شرعا هو "على خلاف قصد" ونية "من منه وقع" من المكلفين.
وإنما لا يصح الاعتراض بما ذكر، ولا يجري "إذ قصده" أي المكلف فيما ذكر وإن لم يكن في القلب فإنه "معتمد في الظاهر" أي ظاهر الأمر.
"وربنا" هو وحده "العالم بالسرائر" وما في ضمائر خلقه.
وانظر في الأصل مزيد بسيط وبيان لهذه المسألة.
"المسألة الثانية"
في بيان أن "القصد" الشرعي المطلوب "من" كل "مكلف في واقع" الأمر هو "وفاق" أي موافقة "قصده" فيما يأتي من عمل "لقصد الشارع" الحكيم - سبحانه - فيه. "وذاك" أمر إثباته "للدليل لا يستدعي" ولا يحتاج، "لأنه" أمر "باد" أي ظاهر "من أصل" يعني وضع "الشرع" إذ قد مر أن الشريعة موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع. ولأن المكلف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة - هذا محصول العبادة - فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة. وأيضا فقد مر أن قصد الشارع المحافظة، على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات، وهو عين ما كلف به العبد، فلا يكون مطلوبا بالقصد إلى ذلك، وإلا لم يكن عاملا على المحافظة، لأن الأعمال بالنيات. وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه. وأقل ذلك خلافته على
стр. 492
١٣٢٤ - وَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ تَفْصِيلُ … فِي بَابِ الأسْبَابِ لَهُ تَحْصِيلُ
" المسألة الثالثة "
١٣٢٥ - مَنْ كَانَ في التَّكْلِيفِ بِالشَّرْعِ سَعَى … لِغَيْرِ مَا مِنْهُ لَدَيْهِ شَرَعَا
نفسه، ثم على أهله، ثم على كل من تعلقت به مصلحة، ولذلك قال ﵊: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وفي القرآن الكريم: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وإليه يرجع قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث حيث قال: "الأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام غير مختص، فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية، عامة كانت أو خاصة. فإذا كان كذلك فالمطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه، يجري أحكامه ومقاصده مجاريها. وهذا بين (١).
فصل في التذكير "و" التنبيه على أن هـ "ـذا وإن كان" الموضوع - موضوع المقاصد الشرعية بالنسبة للمكلف - "له" يعني فيه "تفصيل" فإنه لا يحتاج إلى ذكره هنا لأنه قد تقدم ذكره وبيانه في كتاب الأحكام، "و" ذلك "في باب الأسباب" وبالتحديد في مسألة: دخول المكلف في الأسباب فهنالك "له تحصيل" إذ قد مر فيه ذكر خمسة أوجه في هذا الشأن، منها يؤخد القصد الموافق والمخالف.
فعلى الناظر - هنا - مراجعة ذلك الموضع حتى يتبين له ما أراد إن شاء الله - تعالى -.
"المسألة الثالثة"
وهي في بيان بطلان العمل الخالي من الموافقة المذكورة، وبذلك فـ "من كان" في أمر من أمور "التكليف" الحاصل "بالشرع سعى لـ" تحصيل "غير ما" أي الذي من المقاصد "منه" قصد شرعا والذي "لديه" فيه يعني في حال وجوده "شرعا" - الألف
стр. 493
١٣٢٦ - فَإِنَّهُ مُنَاقِضٌ لِلشَّرْعِ … وَكَمْ دَلِيلٍ مُقْتَضٍ لِلْمَنْعِ
للإطلاق - تحصيله وإدراكه "فإنه مناقض للشرع" وكل من ناقضه فعمله في المناقضة باطل فمن ابتغى في التكاليف الشرعية ما لم تشرع له فعمله باطل "وكم" من "دليل" شرعي وهو "مقتض" وموجب "للمنع" من ذلك الابتغاء المناقض للشريعة.
والدليل على هذا الوجه:
أحدها: أن الأفعال والتروك من حيث هي أفعال أو تروك متماثلة عقلا بالنسبة إلى ما يقصد بها، إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة فقد بين الوجه الذي منه تحصل المصلحة فأمر به أو أذن فيه، وبين الوجه الذي به تحصل المفسدة فنهي عنه رحمة بالعباد. فإذا قصد المكلف عين ما قصده الشارع بالإذن فقد قصد وجه المصلحة على أتم وجوهه، فهو جدير بأن تحصل له. وإن قصد غير ما قصده الشارع، وذلك إنما يكون في الغالب لتوهم أن المصلحة فيما قصد، لأن العاقل لا يقصد وجه المفسدة كفاحا فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار وما أهمل الشارع مقصودا معتبرا وذلك مضادة للشريعة ظاهرة.
والثانى: أن حاصل هذا القصد يرجع إلى أن ما رآه الشارع حسنا فهو عند هذا القاصد ليس بحسن وما لم يره الشارع حسنا فهو عنده حسن وهذه مضادة أيضا.
والثالث: أن الله تعالى يقول ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] الآية وقال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصير والأخذ في خلاف مآخذ الشارع من حيث القصد إلى تحصيل المصلحة أو درء المفسدة مشاقة ظاهرة.
والرابع: أن الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقة لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم فلم يأت بذلك المشروع أصلا وإذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به والتارك لما أمر به.
стр. 494
١٣٢٧ - وَمُوهِمُ الْجَوَازِ فِي مَوَاقِعِ … شَهَادَةٍ فِيهِ بِقَصْدِ الشَّارْعِ
والخامس: أن الملكف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي فإذا قصد بها غير ذلك كانت بفرض القاصد وسائل لما قصد لا مقاصد إذ لم يقصد بها قصد الشارع فتكون مقصودة بل قصد قصد آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له فصار ما هو عند الشارع مقصود وسيلة عنده وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع وهدم لما بناه.
والسادس: أن هذا القاصد مستهزئ بآيات الله لأن من آياته أحكامه التي شرعها وقد قال بعد ذكر أحكام شرعها ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] والمراد أن لا يقصد بها غير ما شرعها لأجله ولذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] والاستهزاء بما وضع على الجد مضادة لحكم ظاهرة والأدلة على هذا المعنى كثيرة وللمسألة أمثلة كثيرة كإظهار كلمة التوحيد قصدا لإحراز الدم والمال لا لإقرار الواحد الحق بالوحدانية والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح والذبح لغير الله والهجرة لينال دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها والجهاد للعصبية أو لينال شرف الذكر في الدنيا والسلف ليجربه نفعا والوصية بقصد المضارة للورثة ونكاح المرأة ليحلها لمطلقها وما أشبه ذلك (١).
"و" أما ما ورد وهو "موهم الجواز" والصحة لما تجرد من هذه المطابقة "في مواقع" ومواضع، منها: نكاح الهازل وطلاقه، وعتقه، والمكره بالباطل فإنه عند الحنفية تنعقد تصرفاته شرعا فيما لا يحتمل الفسخ بالإقامة، كما تنعقد حالة الاختيار كالنكاح والطلاف والعتق واليمين، والنذر. وما يحتمل الاقالة ينعقد كذلك، لكن موقوفا على اختيار المكره، ورضاه إلى مسائل من هذا النحو. ومنها: أن الحيل في رفع وجوب الزكاة وتحليل المرأة لمطلقها ثلاثا مقصود به خلاف ما قصده الشارع في ذلك مع أنها عند القائل بها صحيحة، ومن تتبع الأحكام الشرعية ألفى منها ما لا ينحصر، وجميعه يدل على أن العمل المشروع إذا قصد به غير ما قصده الشارع فلا يلزم أن يكون باطلا.
فالجواب عنه هو أن ذلك التصحيح "شهادة" أهل العلم المصححين "فيه بـ" جريان "قصد الشارع" إليه، ولذلك ذهبوا إليه - أي التصحيح - فيه. وبسط الشاطبي الجواب
стр. 495
" المسألة الرابعة "
١٣٢٨ - وَفِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ مَعَ الْوِفَاقِ … لِلشَّرْعِ قَصْدًا صَحَّ بِاتِّفَاقِ
عن ذلك فقال: "والجواب أن مسائل الإكراه إنما قيل بانعقادها شرعا بناء على أنها مقصودة للشارع، بأدلة قررها الحنفية. ولا يصح أن يقر أحد بكون العمل غير مقصود للشارع على ذلك الوجه ثم يصححه، لأن تصحيحه إنما هو بالدليل الشرعي، والأدلة الشرعية أقرب إلى تفهيم مقصود الشارع من كل شيء، فكيف يقال إن العمل صحيح شرعا مع أنه غير مشروع؛ هل هذا إلا عين المحال؟ وكذلك القول في الحيل عند من قال بها مطلقا، فإنما قال بها بناء على أن للشارع قصد في استجلاب المصالح ودرء المفاسد، بل الشريعة لهذا وضعت، فإذا صحح مثلا نكاح المحلل فإنما صححه على فرض أنه غلب عليه ظنه من قصد الشارع الإذن في استجلاب مصلحة الزوجين فيه، وكذلك سائر المسائل، بدليل صحته في النطق بكلمة الكفر خوف القتل أو التعذيب، في سائر المصالح العامة والخاصة، إذ لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة. كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة. فإنما يبطل منها ما كان مضادا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة (١).
"المسألة الرابعة"
في بيان أن فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أو تركه موافقا أو مخالفا، وعلى كلا التقديرين، إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته، فالجميع أربعة أقسام.
"و" أولها أن يكون "فعل" ما "أو ترك" ما موقعا "مع" حصول "الوفاق" أي الموافقة فيه "للشرع" وكان حصول ذلك "قصدا" أي مقصودا من المكلف إليه، وذلك كالعبادات مما يقصد المكلف به امتثال أمر الله - تعالى - وأداء ما وجب عليه، أو ندب إليه، وكذلك ترك الزنى والخمر وسائر المنكرات - يقصد بذلك الامتثال - فهذا عمل "صح" شرعا "باتفاق" بين أهل العلم.