١٣٢٠ - وَمِثْلُهُ مِمَّا بِهِ الفِعْلُ وَقَعْ … عَلَى خِلَافِ قَصْدِ مَنْ مِنْهُ وَقَعْ
١٣٢١ - إِذْ قَصْدُهُ مُعْتَمَدٌ فِي الظَّاهِرْ … وَرَبُّنَا الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرْ
" المسألة الثانية "
١٣٢٢ - الْقَصْدُ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي وَاقِعِ … وفاقُ قَصْدِهِ لِقَصْدِ الشَّارعِ
١٣٢٣ - وَذَاكَ لِلدَّلِيلِ لَا يَسْتَدْعِي … لِأَنَّهُ بَادٍ مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ
" و" كذلك لا اعتراض "مثله" - أي ما ذكر من الأعمال المكره عليها - "من" كل "ما" يكون "به" يعني فيه "الفعل" قد "وقع" ويقع ما يطلب ان يقصد منه شرعا هو "على خلاف قصد" ونية "من منه وقع" من المكلفين.
وإنما لا يصح الاعتراض بما ذكر، ولا يجري "إذ قصده" أي المكلف فيما ذكر وإن لم يكن في القلب فإنه "معتمد في الظاهر" أي ظاهر الأمر.
"وربنا" هو وحده "العالم بالسرائر" وما في ضمائر خلقه.
وانظر في الأصل مزيد بسيط وبيان لهذه المسألة.
"المسألة الثانية"
في بيان أن "القصد" الشرعي المطلوب "من" كل "مكلف في واقع" الأمر هو "وفاق" أي موافقة "قصده" فيما يأتي من عمل "لقصد الشارع" الحكيم - سبحانه - فيه. "وذاك" أمر إثباته "للدليل لا يستدعي" ولا يحتاج، "لأنه" أمر "باد" أي ظاهر "من أصل" يعني وضع "الشرع" إذ قد مر أن الشريعة موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع. ولأن المكلف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة - هذا محصول العبادة - فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة. وأيضا فقد مر أن قصد الشارع المحافظة، على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات، وهو عين ما كلف به العبد، فلا يكون مطلوبا بالقصد إلى ذلك، وإلا لم يكن عاملا على المحافظة، لأن الأعمال بالنيات. وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه. وأقل ذلك خلافته على
стр. 492
١٣٢٤ - وَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ تَفْصِيلُ … فِي بَابِ الأسْبَابِ لَهُ تَحْصِيلُ
" المسألة الثالثة "
١٣٢٥ - مَنْ كَانَ في التَّكْلِيفِ بِالشَّرْعِ سَعَى … لِغَيْرِ مَا مِنْهُ لَدَيْهِ شَرَعَا
نفسه، ثم على أهله، ثم على كل من تعلقت به مصلحة، ولذلك قال ﵊: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وفي القرآن الكريم: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وإليه يرجع قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث حيث قال: "الأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام غير مختص، فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية، عامة كانت أو خاصة. فإذا كان كذلك فالمطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه، يجري أحكامه ومقاصده مجاريها. وهذا بين (١).
فصل في التذكير "و" التنبيه على أن هـ "ـذا وإن كان" الموضوع - موضوع المقاصد الشرعية بالنسبة للمكلف - "له" يعني فيه "تفصيل" فإنه لا يحتاج إلى ذكره هنا لأنه قد تقدم ذكره وبيانه في كتاب الأحكام، "و" ذلك "في باب الأسباب" وبالتحديد في مسألة: دخول المكلف في الأسباب فهنالك "له تحصيل" إذ قد مر فيه ذكر خمسة أوجه في هذا الشأن، منها يؤخد القصد الموافق والمخالف.
فعلى الناظر - هنا - مراجعة ذلك الموضع حتى يتبين له ما أراد إن شاء الله - تعالى -.
"المسألة الثالثة"
وهي في بيان بطلان العمل الخالي من الموافقة المذكورة، وبذلك فـ "من كان" في أمر من أمور "التكليف" الحاصل "بالشرع سعى لـ" تحصيل "غير ما" أي الذي من المقاصد "منه" قصد شرعا والذي "لديه" فيه يعني في حال وجوده "شرعا" - الألف
стр. 493
١٣٢٦ - فَإِنَّهُ مُنَاقِضٌ لِلشَّرْعِ … وَكَمْ دَلِيلٍ مُقْتَضٍ لِلْمَنْعِ
للإطلاق - تحصيله وإدراكه "فإنه مناقض للشرع" وكل من ناقضه فعمله في المناقضة باطل فمن ابتغى في التكاليف الشرعية ما لم تشرع له فعمله باطل "وكم" من "دليل" شرعي وهو "مقتض" وموجب "للمنع" من ذلك الابتغاء المناقض للشريعة.
والدليل على هذا الوجه:
أحدها: أن الأفعال والتروك من حيث هي أفعال أو تروك متماثلة عقلا بالنسبة إلى ما يقصد بها، إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة فقد بين الوجه الذي منه تحصل المصلحة فأمر به أو أذن فيه، وبين الوجه الذي به تحصل المفسدة فنهي عنه رحمة بالعباد. فإذا قصد المكلف عين ما قصده الشارع بالإذن فقد قصد وجه المصلحة على أتم وجوهه، فهو جدير بأن تحصل له. وإن قصد غير ما قصده الشارع، وذلك إنما يكون في الغالب لتوهم أن المصلحة فيما قصد، لأن العاقل لا يقصد وجه المفسدة كفاحا فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار وما أهمل الشارع مقصودا معتبرا وذلك مضادة للشريعة ظاهرة.
والثانى: أن حاصل هذا القصد يرجع إلى أن ما رآه الشارع حسنا فهو عند هذا القاصد ليس بحسن وما لم يره الشارع حسنا فهو عنده حسن وهذه مضادة أيضا.
والثالث: أن الله تعالى يقول ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] الآية وقال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصير والأخذ في خلاف مآخذ الشارع من حيث القصد إلى تحصيل المصلحة أو درء المفسدة مشاقة ظاهرة.
والرابع: أن الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقة لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم فلم يأت بذلك المشروع أصلا وإذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به والتارك لما أمر به.
стр. 494
١٣٢٧ - وَمُوهِمُ الْجَوَازِ فِي مَوَاقِعِ … شَهَادَةٍ فِيهِ بِقَصْدِ الشَّارْعِ
والخامس: أن الملكف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي فإذا قصد بها غير ذلك كانت بفرض القاصد وسائل لما قصد لا مقاصد إذ لم يقصد بها قصد الشارع فتكون مقصودة بل قصد قصد آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له فصار ما هو عند الشارع مقصود وسيلة عنده وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع وهدم لما بناه.
والسادس: أن هذا القاصد مستهزئ بآيات الله لأن من آياته أحكامه التي شرعها وقد قال بعد ذكر أحكام شرعها ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] والمراد أن لا يقصد بها غير ما شرعها لأجله ولذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] والاستهزاء بما وضع على الجد مضادة لحكم ظاهرة والأدلة على هذا المعنى كثيرة وللمسألة أمثلة كثيرة كإظهار كلمة التوحيد قصدا لإحراز الدم والمال لا لإقرار الواحد الحق بالوحدانية والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح والذبح لغير الله والهجرة لينال دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها والجهاد للعصبية أو لينال شرف الذكر في الدنيا والسلف ليجربه نفعا والوصية بقصد المضارة للورثة ونكاح المرأة ليحلها لمطلقها وما أشبه ذلك (١).
"و" أما ما ورد وهو "موهم الجواز" والصحة لما تجرد من هذه المطابقة "في مواقع" ومواضع، منها: نكاح الهازل وطلاقه، وعتقه، والمكره بالباطل فإنه عند الحنفية تنعقد تصرفاته شرعا فيما لا يحتمل الفسخ بالإقامة، كما تنعقد حالة الاختيار كالنكاح والطلاف والعتق واليمين، والنذر. وما يحتمل الاقالة ينعقد كذلك، لكن موقوفا على اختيار المكره، ورضاه إلى مسائل من هذا النحو. ومنها: أن الحيل في رفع وجوب الزكاة وتحليل المرأة لمطلقها ثلاثا مقصود به خلاف ما قصده الشارع في ذلك مع أنها عند القائل بها صحيحة، ومن تتبع الأحكام الشرعية ألفى منها ما لا ينحصر، وجميعه يدل على أن العمل المشروع إذا قصد به غير ما قصده الشارع فلا يلزم أن يكون باطلا.
فالجواب عنه هو أن ذلك التصحيح "شهادة" أهل العلم المصححين "فيه بـ" جريان "قصد الشارع" إليه، ولذلك ذهبوا إليه - أي التصحيح - فيه. وبسط الشاطبي الجواب
стр. 495
" المسألة الرابعة "
١٣٢٨ - وَفِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ مَعَ الْوِفَاقِ … لِلشَّرْعِ قَصْدًا صَحَّ بِاتِّفَاقِ
عن ذلك فقال: "والجواب أن مسائل الإكراه إنما قيل بانعقادها شرعا بناء على أنها مقصودة للشارع، بأدلة قررها الحنفية. ولا يصح أن يقر أحد بكون العمل غير مقصود للشارع على ذلك الوجه ثم يصححه، لأن تصحيحه إنما هو بالدليل الشرعي، والأدلة الشرعية أقرب إلى تفهيم مقصود الشارع من كل شيء، فكيف يقال إن العمل صحيح شرعا مع أنه غير مشروع؛ هل هذا إلا عين المحال؟ وكذلك القول في الحيل عند من قال بها مطلقا، فإنما قال بها بناء على أن للشارع قصد في استجلاب المصالح ودرء المفاسد، بل الشريعة لهذا وضعت، فإذا صحح مثلا نكاح المحلل فإنما صححه على فرض أنه غلب عليه ظنه من قصد الشارع الإذن في استجلاب مصلحة الزوجين فيه، وكذلك سائر المسائل، بدليل صحته في النطق بكلمة الكفر خوف القتل أو التعذيب، في سائر المصالح العامة والخاصة، إذ لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة. كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة. فإنما يبطل منها ما كان مضادا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة (١).
"المسألة الرابعة"
في بيان أن فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أو تركه موافقا أو مخالفا، وعلى كلا التقديرين، إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته، فالجميع أربعة أقسام.
"و" أولها أن يكون "فعل" ما "أو ترك" ما موقعا "مع" حصول "الوفاق" أي الموافقة فيه "للشرع" وكان حصول ذلك "قصدا" أي مقصودا من المكلف إليه، وذلك كالعبادات مما يقصد المكلف به امتثال أمر الله - تعالى - وأداء ما وجب عليه، أو ندب إليه، وكذلك ترك الزنى والخمر وسائر المنكرات - يقصد بذلك الامتثال - فهذا عمل "صح" شرعا "باتفاق" بين أهل العلم.
стр. 496
١٣٢٩ - وَعَكْسُ ذَا مُخَالِفُ الْقَصْدَ أَنْ … يُخَالِفُ الشَّرْعَ بِهِ الْعَكْسُ بِه اقْتَرَنْ
١٣٣٠ - فَأَوَّلٌ حَقِيقَةُ الطَّاعَاتِ … وَالثَّانِ أَنْوَاعُ الْمُخَالَفَاتِ
١٣٣١ - وَثَالِثٌ مُوَافِقٌ فِي الْعَمَلِ … وَقَصْدُهُ الْخِلَافُ مِنْهُ مُنْجَلِ
١٣٣٢ - فَإِنْ يَكُنْ لَا يَعْلَمُ الْوِفَاقَا … فَإِنَّهُ أَثِمٌ اتِّفَاقَا
١٣٣٣ - مِنْ حَيْثُ مَا الْخِلَافُ بِالْقَصْدِ حَصَلْ … وَلَيْسَ بِالآثمِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلْ
١٣٣٤ - لِذَاكَ لَا يَلْحَقُهُ مَا لَحِقَا … مَنْ مِنْهُ يَصْدُرُ الْخِلَافُ مُطْلَقَا
" و" ثانيها "عكس ذا" أي هذا الذي ذكر، إذ يتصف من أتى به بأنه "مخالف" للشرع وذلك كترك الواجبات وفعل المحرمات وكان "القصد" منه في ذلك "أن يخالف الشرع به". يعني فيه، فهذا حكمه "العكس" لما تقرر في القسم الأول، وهذا حكم "به اقترن" لا ينفك عنه، وعكس حكم الأول هو البطلان، وهو حكم ظاهر فيه.
"فـ" الذي هو "أول" من هذه الأقسام متضمنه "حقيقة الطاعات" لشموله على الموافقة للشرع، والقصد إلى ذلك.
"و الثان" متضمنه "أنواع المخالفات" والمعاصي لاحتوائه على مخالفة الشرع والقصد إلى ذلك.
"وثالث" هذه الاقسام هو الذي العامل فيه "موافق في "الذي أتى به من "العمل و" لكنه لم يكن القصد منه موافقة الشرع، بل "قصده الخلاف منه" للشرع في ذلك، وهذا القصد أمر "منجل" فيه أي ظاهر.
وهذا القسم ضربان:
أحدهما: أن لا يعلم العامل المذكور بكون الفعل أو الترك موافقا.
والثاني: أن يعلم بذلك. "فإن يكن" ذلك العامل "لا يعلم" أنه قد حصل "الوفاقا" في عمله ذاك "فإنه آثم اتفاقا" وعاص "من حيث" أي من جهة "ما" - زائدة - "الخلاف" للشرع الذي "بالقصد" منه "حصل" ووقع "و" بذلك فإنه "ليس بالآثم" العاصي "من حيث" أي من جهة "العمل" الصادر منه، لأنه عمل موافق للشرع، و"لذاك" وهو حصول المخالفة في هذا من جهة واحدة "لا يلحقه" من الأحكام "ما لحقا من "أي الذي "منه" يصدر ويقع "الخلاف مطلقا".
стр. 497
١٣٣٥ - كَشَارِبِ الْجُلَّابِ أَوْ لِلسُّكَّرِ … مُعْتَقِدًا فِيهِ لِشُرْبِ الْمُسْكِرِ
١٣٣٦ - وَإِنْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِالْوِفَاقِ … فَذَا الذِي يُلْحَقُ بِالنِّفَاقِ
١٣٣٧ - لِجَعْلِهِ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَهْ … لِغَيْرِ مَقْصُودٍ لَهَا ذَرِيعَهْ
يعني الخلاف للشرع العامَّ الذي يشتمل الخلاف في القصد والخلاف في العمل.
مثاله هذا الذي فيه مخالفة في القصد دون العمل واطئ زوجته ظانا أنها أجنبية، و"كشارب الجلاب" - بضم الجيم -: ماء الورد "أو "شارب "للسَّكَر" - بفتح السين والكاف -: شراب يتخذ من التمر والكشوت "معتقدا" أي قاصدا وناويا "فيه" أي من شربه "لشرب المسكر" وإن لم يكن هو في حقيقة الأمر مسكرا. وقوله "للسَّكر" - بفتح السين - من زياداته، وفي التمثيل به نظر، إذا فسر بالخمر، وهو المعنى المشهور فيه المعلوم، لكنه فسر بالعصير قبل أن يتخمر - ومن أمثلة هذا الضرب - كذلك تارك الصلاة يعتقد أنها باقية في ذمته، وكان قد أوقعها وبرئ منها في نفس الأمر. ويحكي الأصوليون في هذا النحو الاتفاق على العصيان في مسألة من أخر الصلاة مع ظن الموت قبل الفعل. وهذا الضرب يمتاز عن هذا الضرب الثاني الآتي بعده بأنه لم تحصل فيه مفسدة النهي، لأنه إنما نهي عن ذلك كله لأجل ما ينشأ عنه من المفاسد، فإذا لم يوجد هذا لم يكن مثل من فعله فصحت المفسدة، فشارب الجلاب لم يذهب عقله، وواطئ زوجته المذكور لم يختلط نسب من خلق من مائه، ولا تلحق المرأة بسبب هذا الوطء معرة.
و تارك الصلاة لم تفته مصلحة الصلاة، وكذلك سائر المسائل المندرجة تحت هذا الأصل. هذا - بايجاز - شأن هذا الضرب.
"و" أما الضرب الثاني وهو ما جاء على عكس ما تقدم ويحصل ذلك "أن يكن" ذلك العامل "يعلم بالوفاق" الحاصل بينه وبين الشارع في ذلك، إلا أنه يقصد المخالفة له "فذا" الشخص هو "الذي" في هذا الشأن "يلحق بـ" أرباب "النفاق" وذلك "لجعله مقاصد الشريعة" أي موضوعاتها من أمور عبادية وغيرها "لـ" تحصيل وإدراك أمر "غير مقصود لها" يعني غير مقصود بها، إدراكه وتحصيل "ذريعة" ووسيلة. مثاله أن يصلي رياء لينال دنيا، أو تعظيما عند الناس، وما أشبه ذلك من الأمور الشرعية مقاصد لها، فيدخل تحت ذلك النفاق والرياء والحيل على أحكام الله - تعالى - وذلك كله باطل، لأن القصد مخالف لقصد الشارع عينا، فلا يصح جملة. وقد قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي
стр. 498
١٣٣٨ - وَرَابِعٌ مُخَالِفٌ وَالْقَصْدُ … بِحَالَةِ الْوِفَاقِ لَيْسَ يَعْدُو
١٣٣٩ - فَإِنْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِالْمُخَالَفَهْ … كمُنْشِئٍ لِطَاعَةٍ مُسْتَأْنَفَهْ
١٣٤٠ - فَذَاكَ مَذْمُومٌ لِلاجْتِنَابِ … بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ
١٣٤١ - وَتَحْتَ ذَا يَدْخُلُ الابْتِدَاعُ … وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَنْوَاعُ
١٣٤٢ - رَاجِعَةٌ لِمُقْتَضَى الأَحْكَامِ … وَالذَّمِّ لِلْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ
الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
"ورابع" تلك الأقسام الفعل الذي هو "مخالف" للشريعة، لكن "القصد" أي قصد المكلف به هو "بحالة الوفاق" لها فهو - أي قصد ذاك - "ليس يعدو" أي يتجاوز ذلك. وهذا القسم ضربان: أحدها: أن يكون ذلك القصد مع العلم بالمخالفة.
ثانيها: أن يكون مع الجهل بذلك - المخالفة - وحكم هذين الضربين مختلف، وبذلك "فـ" إنه "إن يكن" فاعل ذلك "يعلم بـ" ثبوت "المخالفة" المذكورة فإنه مبتدع، إذ هو "كمنشئ" أي محدث "لطاعة" أي عبادة "مستأنفة" يعني محدثة زائدة على ما شرع.
وما كان على هذه الصورة "فذاك" فعل "مذموم" شرعا، وذلك "للاجتناب" المأمور به شرعا في شأنه، وهو حكم ثابت "بمقتضى" ما ورد في "السنة والكتاب" من الأدلة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] وقوله - سبحانه -: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. قوله ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد". وغير ذلك من الأدلة الدالة على هذا الأمر، وهي كثيرة. "وتحت ذا" الضرب "يدخل الابتداع" في الدين وبذلك فهو مذموم لعموم الأدلة الواردة في ذلك كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقوله - سبحانه -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي حديث: "كل بدعة ضلالة". "ولا" يصح أن "يقال إنه" أي الابتداع المذكور "أنواع" هي في واقع أمرها "راجعة لمقتضى الأحكام" الخمسة "و" بذلك فـ "الذم" الشرعي المطلق إنما هو "للمكروه والحرام" منها فقط وأما الواجب منها والمندوب فإنه حسن بإطلاق، ففاعل ذلك ممدوح وكذلك
стр. 499
١٣٤٣ - لِأَنَّنَا نَقُولُ إِنَّ الْبِدْعَهْ … لَيْسَتْ سِوَى مَا الشَّرْعُ يُبْدِي مَنعَهْ
١٣٤٤ - وَمَا عَلَى النَّدْبِ أَو الْوُجُوبِ … فَلَيْسَ فِي الْبِدْعَةِ بِالْمَحْسُوبِ
مستنبطه، والمباح حسن باعتبار. فعلى الجملة من استحسن من البدع ما استحسنه الأولون لا يقول إنها مذمومة ولا مخالفة لقصد الشارع، بل هي موافقة أي موافقة. كجمع الناس على المصحف العثماني، والتجميع في قيام رمضان في المسجد، وغير ذلك من المحدثات الحسنة التي اتفق الناس على حسنها، أعني السلف الصالح والمجتهدين من الأمة، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. فجميع هذه الأشياء داخلة تحت ترجمة المسألة إذ هي أفعال مخالفة للشرع لأنه لم يضعها، مقترنة بقصد موافق لأنهم لم يقصدوا إلَّا الصلاح، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون البدع كلها مذمومة خلاف المدعي (١).
والجواب عن هذا كله أنه لا يصح - كما تقدم ذكره - إيراده هنا "لـ" أنه ليس مما وقعت عليه الترجمة، وبذلك فـ "اننا نقول إن البدعة" المفروض فيها الكلام هنا والمقصود فيه "ليس سوى ما" من الافعال "الشرع يبدي" أي يظهر "منعه" لأنه مخالف لما وضع عليه هذا الشرع. "و" أما "ما" جاء وقد انسحب "على" حاله "الندب أو الوجوب" الشرعيان "فـ" إنه "ليس في البدعة" المحظورة في الدين "بالمحسوب" أي المعدود، فما تقدم ذكره مما أحدثه السلف وأجمع عليه العلماء لم يقع فيه مخالفة لما وضعه الشارع بحال. بيان ذلك أن جمع المصحف مثلا لم يكن في زمان رسول الله ﷺ للاستغناء عنه بالحفظ في الصدور، ولأنه لم يقع في القرآن اختلاف يخاف بسببه الاختلاف في الدين، وإنما وقعت فيه نازلتان أو ثلاثة، كحديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم ﵄، وقصة أبيِّ بن كعب مع عبد الله بن مسعود ﵄، وفيه قال ﵊: "لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر" فحاصل الأمر أن جمع المصحف كان مسكوتا عنه في زمانه ﵊، ثم لما وقع الاختلاف في القرآن وكثر حتى صار أحدهم يقول لصاحبه: أنا كافر بما تقرأ به، صار جمع المصحف واجبًا ورأيًا رشيدًا في واقعة لم يتقدم بها عهد، فلم يكن فيها مخالفة، وإلَّا لزم أن يكون النظر في كل واقعة لم تحدث في زمان المتقدم بدعة، وهو باطل باتفاق، لكن مثل هذا النظر من باب الاجتهاد الملائم
стр. 500
١٣٤٥ - وَإِنْ يَكُنْ يَجْهَلُ مَا عَنْهُ صَدَرْ … فَهَاهُنَا وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرْ
لقواعد الشريعة وإن لم يشهد له أصل معين وهو الذي يسمى المصالح المرسلة. وكل ما أحدثه السلف الصالح من هذا القبيل، لا يختلف عنه بوجه، ليس من المخالف لمقصد الشارع أصلا. كيف وهو يقول: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) (ولا تجتمع أمتي على ضلالة) فثبت أن هذا المجتمع عليه موافق لقصد الشارع، فقد خرج هذا الضرب عن ان يكون فيه الفعل أو الترك مخالفا للشارع. وأما البدعة المذمومة فهي التي خالفت ما وضع الشارع من الأفعال أو التروك (١).
هذا هو حال هذا الضرب وحكمه.
"و" أما الثاني فهو "إن يكن" الفاعل لما ذكر "يجهل" حال "ما عنه صدر" ووقع من ذلك، ومن جهة مخالفته للشرع "فهاهنا" في هذا الضرب "وجهان" يدركان "من حيث" أي من جهة "النظر" والبحث في شأنه.
أحد هذين الوجهين: كون القصد موافقا، وبهذا فذلك الفعل ليس مخالفا من هذا الوجه.
ثانيها: كون الفعل مخالفا لما ورد في الشريعة في شأن ذلك الفعل.
وهذان وجهان يتعارض ما يقتضيانه من حكم وذلك أنك إذا رجحت جهة القصد الموافق بأن العامل ما قصد قط إلَّا الامتثال والموافقة، ولم ينتهك حرمة للشارع بذلك القصد، عارضك أن قصد الموافقة مقيد بالامتثال المشروع لا بمخالفته، وإن كان مقيدا فقصد المكلف لم يصادف محلا فهو كالعبث. وأيضا إذا لم يصادف محلا صار غير موافق، لأن القصد في الأعمال ليس بمشروع على الافراد.
فإن قلت: إن القصد قد ثبت اعتباره قبل الشرائع، كما ذكر عمن آمن من الفترات وأدرك التوحيد، وتمسك بأعمال يعبد الله بها وهى غير معتبرة، إذ لم تثبت في شرع بعد قيل لك: إن فرض أولئك في زمان فترة لم يتمسكوا بشريعة متقدمة، فالمقاصد الموجودة لهم منازع في اعتبارها بإطلاق، فإنها كأعمالهم المقصود بها التعبد: فإن قلت باعتبار القصد كيف كان، لزم ذلك في الاعمال، وإن قلت بعدم اعتبار الأعمال لزم ذلك في القصد. وأيضا فكلامنا فيما بعد الشرائع لا فيما قبلها، والمتقدمة فذلك واضح.
стр. 501
١٣٤٦ - فَنَاظِرٌ لِلْقَصْدِ بِالْوِفَاقِ … يُصَحِّحُ الْحُكْمَ عَلَى الإِطْلَاقِ
١٣٤٧ - فِي رَاجِعٍ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ … مَعَ التَّلَافِي فِي التَّعَبُّدَاتِ
١٣٤٨ - لِأنَّهُ قَصْدٌ إِلَى الطَّاعَاتِ … وَإِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ
فإن قيل: قوله ﵊: "وإنما الأعمال بالنيات" يبين أن هذه الأعمال وإن خالفت قد تعتبر، فإن المقاصد أرواح الأعمال، فقد صار العمل ذا روح على الجملة، وإذا كان كذلك اعتبر. بخلاف ما إذا خالف القصد ووافق العمل، أو خالفا معًا، فإنه جسد بلا روح، فلا يصدق عليه مقتضى قوله الأعمال بالنيات لعدم النية في العمل.
قيل: إن سلِّم فمعارض بقوله ﵊ كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌ وهذا العمل ليس بموافق لأمره ﵊، فلم يكن معتبرًا بل كان مردودًا.
وأيضا فإذا لم ينتفع بجسد بلا روح، كذلك لا ينتفع بروح في غير جسد، لأن الأعمال هنا قد فرضت مخالفة، فهي في حكم العدم، فبقيت النية منفردة في حكم عملي فلا اعتبار بها، وتكثر المعارضات في هذا من الجانبين، فكانت المسألة مشكلة جدا (١).
ولهذا التعارض الثابت في ذلك اختلف أهل العلماء في المرجح اعتباره من هذين الوجهين، والذي عليه يبنى الحكم في هذا الضرب "فـ" أهل العلم هؤلاء من هو "ناظر" ومعتبر "لـ" جهة، وجهة "لقصد" المتصف "بالوفاق" للشرع، وبناء على ذلك فإنه "يصحح الحكم" المنسحب على هذا الموضوع "على الإطلاق" من غير تفصيل "في" كل جزئي "راجع إلى المعاملات" كالبيوع والأنكحة، "مع" الحكم بـ "التلافي" والاستدراك لما يجب تلافيه واستدراكه "في التعبدات" أي العبادات وإنما كان هذا الحكم جاريا هنا على رأي من يذهب إلى القول به "لأنه" يعني لأن الآتي بهذا الفعل "قصد إلى" تحصيل "الطاعات" "و" إن كان في واقع الأمر مخالفا للشرع فإن ذلك لا يضر، إذ المقرر هو "إنما الأعمال بالنيات".
стр. 502
١٣٤٩ - وَنَاظِرٌ لِمَا بَدَا فِي الْوَاقِعْ … يَمْنَعُ أَنْ خَالَفَ مَا لِلشَّارعْ
١٣٥٠ - وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّحْظَيْنِ … يُعَارِضُ الآخَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ
١٣٥١ - من جِهَةِ الأَصْلِ أَوِ التَّرْجِيحِ … فَاحْتِيجَ لِلْبَحْثِ وَللتَّصْحِيحِ
١٣٥٢ - فَكَانَ فَيهِ الْمَيْلُ لِلْجُمْهُورِ … لِمُقْتَضَى التَّوَسُّطِ الْمَأْثُورِ
١٣٥٣ - فَأَعْمَلُوا الْوَجْهَيْنِ فِي ذَاكَ مَعَا … لِيَتَلَافُوا حُكْمَ مَا قَدْ وَقَعَا
١٣٥٤ - فَعَمِلُوا بِالْقَصْدِ فِي وَجْهِ وَفِي … وَجْه بِمَا لِلْفِعْلِ فِي التَّخَلُّفِ
وبينة هذا العمل على الموافقة لكن الجهل اوقعه في المخالفة، ومن لا يقصد مخالفة الشارع كفاحا لا يجري مجرى المخالف بالقصد والعمل معا. "و" منهم من هو "ناظر" ومعتبر "لما بدا" أي ظهر "في الواقع" وحقيقة الأمر من المخالف للشرع من جهة العمل، ومن كان على هذا النظر والاعتبار فإنه "يمنع" صحة هذا العمل ويحكم بأنه عمل باطل، وذلك "إن خالف ما" ثبت من حكم "للشارع" في شأنه. "و" لا ريب أن "كل واحد من اللحظين" أي الاعتبارين المذكورين "يعارض الآخر" وذلك "من وجهين" أعني "من جهة الأصل" إذ قد تعارضت فيه قاعدة "إنما الاعمال بالنيات" وقاعدة عدم صحة العمل شرعا "لـ" إذا كان موافقا للماهية الشرعية المطلوبة به. "أو "- بمعنى الواو - يعني ومن جهة "الترجيح" بين الأمرين المتعارضين المذكورين "فاحتيج" بسبب ذلك "للبحث" في هذا الموضوع "وللتصحيح" لما يبدو أنه صحيح من ذلك.
"فكان" إن حصل "فيه" أي من الضرب من الأفعال "الميل للجمهور" من أهل العلم "لمقتضى" وحكم "التوسط" بين الإبطال والتصحيح المطلقين، ذلك التوسط "المأثور" يعني المنقول العمل به عن السلف. "فـ" حصل بمقتضى ذلك أن "اعملوا" أي الجمهور "الوجهين" المذكورين - وهما صحة القصد، وفساد العمل في واقع الأمر - "في"بناء حكم "ذاك" الفعل "معا" وذلك "ليتلافوا" ويتداركوا ما يرون أنه "حكم ما قد وقعا" - الألف للإطلاق - من هذا الضرب "فعملوا بـ" مقتضى "القصد" المذكور "في وجه" رأوا بأن العمل فيه بذلك راجح "و" عملوا "في وجه" آخر "بـ" مقتضى "ما" ثبت "للفعل" المذكور "في"- يعني من - "التخلف" عن موافقة الشرع.
فالفعل قد يكون له وجهان، فيعمل بأحد الاعتبارين في أحد الوجهين، وبالاعتبار
стр. 503
١٣٥٥ - وَالسَّهْوُ بَابُهُ عَلَيْهِ يَجْرِي … كَذَا النِّكَاحُ إِنْ فَسَادٌ يَسْرِي
الآخر في الوجه الآخر. قال الشاطبي: والذي يدل على إعمال الجانبين أمورًا أحدها: ان متناول المحرم غير عالم بالتحريم قد اجتمع فيه موافقة القصد إذ لم يتلبس إلَّا بما اعتقد إباحته ومخالفة الفعل لأنه فاعل لما نهي عنه فأعمل مقتضى الموافقة في إسقاط الحد والعقوبة وأعمل مقتضى المخالفة في عدم البناء على ذلك الفعل وعدم الاعتماد عليه حتى صحح ما يجب أن يصحح مما فيه تلاف ميلًا فيه إلى جهة القصد أيضًا وأهمل ما يجب أن يهمل مما لا تلافي فيه فقد اجتمع في هذه المسألة اعتبار الطرفين بما يليق بكل واحد منهما كالمرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره إلَّا بعد بنائه بها فقد فاتت بمقتضى فتوى عمر ومعاوية والحسن وروى مثله عن علي ﵃، ونظيرها في مسألة المفقود إذا تزوجت امرأته ثم قدم فالأول أولى بها قبل نكاحها والثاني أولى بعد دخوله بها وفيما بعد العقد وقبل البناء قولان وفي الحديث: "إيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن دخل بها فلها المهر بما أصاب منها". "والسهو "في الصلاة "بابه" السهو، يعني أن مجرى النظر الفقهي في باب السهو "عليه" أي على ما تقدم تقريره من العمل بالوجه الراجح من الوجهين المتعارضين في محل الحكم "يجري" ويمضي "كذا" باب "النكاح" فإنه مثل باب السهو في ذلك "ان فساد" فيه - أي النكاح - "يسري" بسبب خلل في ماهيته.
والثاني - من تلك الأمور -: أن عمدة مذهب مالك، بل عمدة الصحابة اعتبار الجهل في العبادات اعتبار النسيان على الجملة فعدوا من خالف في الأفعال أو الأقوال جهلا على حكم الناسي ولو كان المخالف في الأفعال دون القصد مخالفا على الإطلاق لعاملوه معاملة العامد كما يقوله ابن حبيب ومن وافقه وليس الأمر كذلك فهذا واضح في أن للقصد الموافق أثرا وهو بين في الطهارات والصلاة والصيام والحج وغير ذلك من العبادات وكذلك في كثير من العادات كالنكاح والطلاق والأطعمة والأشربة وغيرها ولا يقال إن هذا ينكسر في الأمور المالية فإنها تضمن في الجهل والعمد لأنا نقول الحكم في التضمين في الأموال آخر لأن الخطأ فيها مساو للعمد في ترتب الغرم في إتلافها.
والثالث الأدلة الدالة على رفع الخطأ عن هذه الأمة ففي الكتاب: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفي الحديث: "قال قد فعلت" وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ
стр. 504
" المسألة الخامسة "
١٣٥٦ - جَلْبُ الْمَصَالِحِ وَدَفْعُ الْمَفْسَدَهْ … بِالإذْنِ فِيهِ أَضْرُبٌ مُعَدَّدَهْ
١٣٥٧ - فَقَصدُ ذَاكَ دُونَ قَصْدٍ لِلضَّرَرْ … بِغَيْرِهِ يَصِحُّ مَا فِيهِ نَظَرْ
١٣٥٨ - وَفَاعِلٌ مَعْ قَصْدِهِ الإِضْرَارَ … يَمْنَعُ قَصْدَهُ بِلَا ضِرَارَا
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفي الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو معنى متفق عليه في الجملة لا مخالف فيه وإن اختلفوا فيما تعلق به رفع المؤاخذة هل ذلك مختص بالمؤاخذة الأخروية خاصة أم لا فلم يختلفوا أيضًا أن رفع المؤاخذة بإطلاق لا يصح فإذا كان كذلك ظهر أن كل واحد من الطرفين معتبر على الجملة ما لم يدل دليل من خارج على خلاف ذلك والله أعلم.
"المسألة الخامسة"
في أن "جلب المصالح ودفع المفسدة" أن كان قد ثبت حكمه شرعا "بالإذن" الشرعي "فيه" فإنه على "أضرب" أي أنواع "معدّده" يعني محصورة في عدد معين وهو ثمانية في الجملة، بعضها متفرع عن بعض.
أحدها: أن لا يلزم من ذلك الجلب أو الدفع إضرار بالغير. وهذا حكمه هو أنه باق على أصله من الإذن، ولا إشكال فيه، وبذلك "فقصد" المكلف وفعله "ذاك" الجلب، أو الدفع "دون قصد" منه "للضرر بغيره" ودون لزومه منه "يصح" شرعا، ذلك الفعل ما زال - كما تقدم ذكره - باقيا على أصله من الإذن "ما فيه" بحث ولا "نظر" يقتضيه حاله فجريان هذا الحكم فيه لا إشكال فيه ولا حاجة إلى الاستدلال عليه لثبوت الدليل على الإذن فيه ابتداء.
وثانيهما: أن يلزم عنه ذلك - الإضرار - وهذا الضرب قسمان: أحدهما: أن يكون من هو آت بذلك الجلب أو الدفع "و" من هو "فاعل" له آتيا بذلك وفاعلا له "مع قصده" به "الإضرار" بغيره كالمرخص في سلعته قصد الطلب معاشه، وصحبه - أي ذلك القصد - قصد آخر وهو القصد إلى الإضرار بغيره بذلك. وهذا حكمه انه "يمنع" عليه "قصده" المذكور، إذ المطلوب شرعا هو رفع ما فيه الضرر والإضرار "بـ" قوله ﷺ في الحديث النبوي "لا" ضرر ولا "ضرارا" " - بكسر الضاد والالف للإطلاق -
стр. 505
١٣٥٩ - وَالْفِعْلُ هَلْ يَكُونُ مِنْهُ يَمْنعُ … هَذَا مَحَلٌّ لاجْتِهَادٍ يَقَعُ
١٣٦٠ - فَحَيْثُ كَانَ دُونَ ضُرٍّ يُمْكِنُ … حُصُولُهُ فَالْمَنْعُ مِنْهُ بَيِّنُ
١٣٦١ - وَحَيْثُ لَا مَحِيدَ لَيْسَ يَمْنَعُ … وَقَصْدُ الإضْرَارِ هُوَ الْمُمْتَنِعُ
١٣٦٢ - وَهْوَ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ … فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ حُكْمًا يَأتِي
فالضرر في الإسلام محظور خاصا كان أو عاما.
"و" لكن يبقى النظر جاريا في حكم هذا "الفعل هل يكون" المكلف "منه" يعني من إتيانه "يمنع" ويصد، إذ هو فعل غير مأذون فيه شرعا.
أو يكون غير ممنوع من الإتيان به لأنه فعل ما زال باقيا على حكمه الأصلي من الإذن، ويكون عليه إثم ما قصد؟ "هذا محل" وموضع "لاجتهاد يقع" ونظر يتوصل به إلى معرفة الحكم الراجح فيه.
والظاهر من حاله أن يصار في بيان حكمه إلى التفصيل، وهو انه إما أن يكون المكلف حيث إذا رفع ذلك العمل وانتقل إلى وجه آخر في استجلاب تلك المصلحة ودرء تلك المفسدة حصل له ما أراد أو لا.
"فحيث كان" ذلك الاستجلاب أو الدفع يتأتى إدراكه "دون ضر" و "يمكن حصوله" به "فـ" إن الحكم الجاري في ذلك الوجه الذي فيه الإضرار بالغير هو "المنع منه" وهذا حكم "بين" لا إشكال فيه لأنه لم يقصد ذلك الوجه إلَّا لأجل الإضرار فلينقل عنه ولا ضرر عليه كما يمنع من ذلك الفعل إذا لم يقصد به غير الإضرار.
"و" أما إن كان "حيث لا محيد" أي لا معدل له ولا محيص عن ذلك الوجه الذي يحصل به هذا الإضرار فحكمه أنه "ليس يمنع" منه لأن حق الجالب أو الدافع مقدم "وقصد الإضرار" بذلك "هو الممتنع" المحرم، ومقتضى ذلك أنه يلزمه رفع هذا القصد فقط، لأنه هو المحرم أما من فعل ذلك الجلب أو الدفع في هذا المقام فإنه مباح.
"وهو" أي حكم هذا الموضع جار تخريجه "على" الطريقة الجارية في "مسألة الصلاة في الموضع المغصوب" فيكون هذا الحكم "حكما يأتي" على وفق ما تقرر في هذه المسألة - مسألة الصلاة في المكان المغصوب - من جهة جريان انفكاك الجهتين فيه
стр. 506
١٣٦٣ - وَإِنْ يَكُنْ لَا يَقْصِدُ الإِضْرَارَا … لَكِنَّهُ يُسْتَصْحَبُ اضْطِرَارَا
١٣٦٤ - فَمَا يُرَى بِالْمَنْعِ مِنْهُ الضَّرَرُ … يَلْحَقُهُ بِحَيثُ لَا يَنْجَبِرُ
١٣٦٥ - قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الإِطلَاقِ … وَكَادَ أَنْ يَكُونَ بِاتِّفَاقِ
١٣٦٦ - وَإِنْ يَكُنْ مُنْجَبِرًا فَتُعْتَبَرْ … الْجِهَةْ الَّتِي بِهَا عَمَّ الضَّرَرْ
- جهة الفعل وجهة القصد - ومقتضى ذلك جريان الخلاف فيه على الوجه الذي عليه الخلاف في مسألة هذه الصلاة.
"و" الثاني من الضررين - وهو الثالث في الجملة - وهو "إن يكن" الجالب للمصلحة أو الدافع للمفسدة "لا يقصد" بذلك "الاضرار" بغيره "لكنه" يعني لكن ذلك الفعل "يستصحب" بمقتضى حاله "اضطرارًا" وحاجة إليه.
وهذا قسمان أحدهما أن يكون الإضرار عاما كتلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، والامتناع من بيع داره، أو فدانه وقد اضطر الناس لمسجد جامع.
وحكم هذا القسم يورد بالتفصيل "فما يرى" من ذلك أي يعلم أن المكلف يصيبه "بالمنع منه الضرر" و "يلحقه" وهو لازم له "بحيث لا ينجبر" ذلك الضرر ولا يرتفع، "قدم" فيه "حقه" أي المكلف "على الاطلاق" من غير تفصيل في ذلك بين أنواع الضرر وصوره "وكاد" هذا الحكم "أن يكون" حاصلا "باتفاق" أهل العلم عليه.
"و" أما "إن يكن" ضررا "منجبرا" كالضرر المالي "فـ" إنه يلغى فيه حق ذلك المكلف وجهته "تعتبر" فيه - هذا شأن وحكم هذا القسم - وهو ما في فعله إضرار عام.
"الجهة التي بها عم الضرر" وشمل فيمنع الجالب أو الدافع مما هم به لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، بدليل النهي عن تلقي السلع وعن بيع الحاضر للبادي، واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة، وقد زادوا في مسجد رسول الله ﷺ من غيره، مما رضي أهله ومما لم يرضوا.
وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص لكن بحيث لا يلحق الخصوص.
стр. 507
١٣٦٧ - وَفِي الذِي فِي فِعْلِهِ إِضْرَارُ … خُصَّ وَفِي الْمَنْعِ لَهُ اسْتِضْرَارُ
١٣٦٨ - تَقْدِيمُهُ إِنْ يُعْتَبَرْ لِلْحَظِّ … أَوْ لَا فَفِيهِ غَيْرُ هَذَا اللَّحْظِ
" و" أما القسم الثاني - وهو الرابع "في" الجملة - فهو "الذي في فعله إضرار خصّ" أي خاص، وهذا القسم نوعان أحدهما: أن يلحق الجالب بمنعه من ذلك ضرر، فهو محتاج إلى فعله، كالدافع عن نفسه مظلمة يعلم انها تقع بغيره، أو يسبق إلى شراء طعام أو ما يحتاج إليه أو إلى صيد أو حطب أو ماء أو غيره عالما انه إذا حازه استضر غيره بعدمه "و" لو أخذ من يده أستضر هو فـ "فـ "المنع" أي لذلك الجلب له يعني عليه لحوق "استضرار" به - ففي هذا - الحكم الشرعي:
هو "تقديمه" يعني تقديم حق ذلك الجالب لكن ذاك "أن يعتبر" أي ينظر "لـ" جهة "الحظ" الذي هو حق شرعي له فله تحصيله وإن استضر غيره بذلك لأن جلب المنفعة أو دفع المضرة مطلوب للشارع مقصود ولذلك أبيحت الميتة وغيرها من المحرمات الأكل وأبيح الدرهم بالدرهم إلى أجل للحاجة الماسة للمقرض والتوسعة على العباد والرطب باليابس في العرية للحاجة الماسة في طريق المواساة إلى أشياء من ذلك كثيرة دلت الأدلة على قصد الشارع إليها.
وإذا ثبت هذا فما سبق إليه الإنسان من ذلك قد ثبت حقه فيه شرعا بجوازه له دون غيره وسبقه إليه لا مخالفة فيه للشارع فصح وبذلك ظهر أن تقديم حق المسبوق على حق السابق ليس بمقصود شرعا إلَّا مع إسقاط السابق لحقه وذلك لا يلزمه بل قد يتعين عليه حق نفسه في الضروريات فلا يكون له خيرة في إسقاط حقه لأنه من حقه على بينة ومن حق غيره على ظن أو شك وذلك في دفع الضرر واضح وكذلك في جلب المصلحة إن كان عدمها يضر به.
وقد سئل الداودي هل ترى لمن قدر أن يتخلص من غرم هذا الذي يسمى بالخراج إلى السلطان أن يفعل قال نعم ولا يحل له إلَّا ذلك قيل له فإن وضعه السلطان على أهل بلدة وأخذهم بمال معلوم يردونه على أموالهم هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم قال ذلك له.
قال: ويدل على ذلك قول مالك ﵁ في الساعي: يأخذ من غنم أحد
стр. 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخلطاء شاة وليس في جميعها نصاب إنه مظلمة دخلت على من أخذت منه لا يرجع من أخذت منه على أصحابه بشيء قال ولست آخذ في هذا بما روي عن سحنون لأن الظلم لا أسوة فيه ولا يلزم أحدا أن يولج نفسه في ظلم مخافة أن يوضع الظلم على غيره والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
هذا ما قال ورأيت في بعض المنقولات نحو هذا عن يحيى بن عمر أنه لا بأس أن يطرحه عن نفسه مع العلم بأنه يطرحه على غيره إذا كان المطروح جورا بينا وذكر عبد الغني في المؤتلف والمختلف عن حماد بن أبي أيوب.
قال: قلت لحماد بن أبي سليمان إني أتكلم فترفع عني النوبة فإذا رفعت عني وضعت على غيري فقال إنما عليك أن تكلم في نفسك فإذا رفعت عنك فلا تبالي على من وضعت.
ومن ذلك الرشوة على دفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلَّا بذلك وإعطاء المال للمحاربين وللكفار في فداء الأسارى ولما نعى الحاج حتى يؤدوا خراجا كل ذلك انتفاع أو دفع ضرر بتمكين من المعصية ومن ذلك طلب فضيلة الجهاد مع أنه تعرض لموت الكافر على الكفر أو قتل الكافر المسلم بل قال ﵊ "وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل" الحديث ولازم ذلك دخول قاتله النار وقول أحد ابني آدم ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] بل العقوبات كلها جلب مصلحة أو درء مفسدة يلزم عنها إضرار الغير إلَّا أن ذلك كله إلغاء لجانب المفسدة لأنها غير مقصودة للشارع في شرع هذه الأحكام ولأن جانب الجالب والدافع أولى وقد تقدم الكلام على هذا قبل (١).
هذا إن اعتبرت جهة الحظ، فإن كانت ملغاة "أو لا" تعتبر "فـ" إنه يصار إلى أن موضعها - حينئذ - موضع "فيه غير هذا اللحظ" وهذا الاعتبار، إذ يصار فيه إلى ترك الحظ.
стр. 509
١٣٦٩ - وَالتَّرْكُ لِلْحَظِّ لَهُ حَالَانِ … أُولَاهُمَا حَقِيقَةُ الإِيمَانِ
١٣٧٠ - وَذَاكَ بِالتَّرْكِ لِلاسْتِبْدَادِ … وَبِالْمُوَاسَاةِ فِي الاعْتِيادِ
١٣٧١ - وَمِنْ هُنَا شَرْعِيَّةُ الزَّكاةِ … وَمَا يُوَالِيهَا مِنَ الصِّلَاتِ
" والترك للحظ" وإلغاء اعتباره - صاحبه يثبت "له حالان" حالتان جليلتان: "أولاهما": مدركه ومنبعه ومثمره "حقيقة الإيمان" بالله تعالى - وما أوجب الإيمان به "وذاك" الوصف يحصل "بالترك" والإسقاط "للاستبداد" أي الانفراد - الانفراد بالمصلحة دون الخلق - "وبـ" الدخول في "المواساة" للخلق، وهو إشراكهم في الرزق، وإعانتهم على درك المعاش، ودفع كرب المصاب عنهم على سواء "في" ما هو من الأمور جار على وفق "الاعتياد" أي العادة في ذلك، وهذا أمر محمود جدا. وقد فعل ذلك في زمان النبي ﷺ وقال ﵊: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وأنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك واحد منهم فإذا صار كذلك لم يقدر على الاحتجان لنفسه دون غيره ممن هو مثله بل ممن أمر بالقيام عليه كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده، فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون ﵃ فقال ﵊ فهم مني وأنا منهم لأنه ﵊ كان في هذا المعنى الإمام الأعظم وفي الشفقة الأب الأكبر إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته وفي مسلم عن أبي سعيد قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له قال فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله ﷺ من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. (١)
"ومن هنا" أي هذا الموضع - وهو الإيثار على النفس والمواساة - أتى "شرعية" أي مشروعية "الزكاة" وإيجابها "و" كذلك مشروعية "ما يواليها" يدانيها - يشبهها - من جهة كونه "من الصّلات" وهي بكسر الصاد جمع صلة وهي العطية، وهي كالمنحة والعارية والإقراض
стр. 510
١٣٧٢ - ثَانِيَةُ الْحَالَيْنِ فِي الْإيثَارِ … بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ بِالاخْتِيَارِ
١٣٧٣ - وَذَاكَ مَعْنَى الْجُودِ وَالتَّوَكُّلِ … وَانْظُرْ لِمَا قَدْ جَاءَ فِيهِ عَنْ عَلِي
١٣٧٤ - بَلْ لِلَّذِي جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ … فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ
والهبة، والصدقة وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى وجميعه جار على أصل مكارم الأخلاق وهو لا يقتضى استبدادا، وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضرر إلَّا بمقدار ما يلحق الجميع أو أقل ولا يكون موقعا على نفسه ضررا ناجزا وإنما هو متوقع أو قليل يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئًا واحدا على مقتضى قوله ﵊: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا) وقوله: (المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وقوله: (المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه) وسائر ما في المعنى من الأحاديث إذ لا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلَّا بهذا المعنى وأسبابه وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلَّا إذا كان النفع واردا عليهم على السواء كل أحد بما يليق به كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من الغذاء بمقداره قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر مما يحتاج إليه أو أقل لخرج عن اعتداله وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والأخوة وترك الفرقة وهو كثير إذ لا يستقيم ذلك إلَّا بهذه الأشياء وأشباهها مما يرجع إليها (١).
هذه هي الحالة الأولى. "ثانية الحالين" تظهر "في الإيثار" أي التقديم والتفضيل للغير "بالمال والنفس" ويكون حصول ذلك "بالاختيار" والرضى "وذاك" الإيثار هو "معنى الجود" والسخاء، بل هو عمل لا يصدر إلَّا عمن كان معتمدا على صحة اليقين، "و" مصيبا لعين "التوكلِ" على الله - تعالى - "وانظر " لتكون على بصيرة بما عليه السلف في هذ الشأن "لما قد جاء فيه" أي في هذ الشأن والأمر "عن" أمير المؤمنين "علي" بن أبي طالب ﵁ وهو مبيته على فراش رسول الله ﷺ إذ عزم الكفار على قتله ﵊ وهو أمر مشهور، وخبر مأثور. "بل" انظر "للذي جاء" مرويا "عن الرسول" ﵊ "فيه" أي في هذا الشأن - الإيثار على النفس - "على" سبيل "الجملة" ككونه أجود الناس وما أشبه ذلك من الأخبار العامة الواردة في هذا الشأن "و" ما جاء في ذلك على سبيل "التفصيل" ومن ذلك ما روي أنه ﵊
стр. 511
١٣٧٥ - وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ اسْتِضْرَارُ … فِي الْمَنْعِ وَالْغَيْرُ لَهَ إِضْرَارُ
١٣٧٦ - فَإِنْ يَكُنْ يَحْصُلُ قَطْعًا عَادَهْ … فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مَا أَرَادَهْ
١٣٧٧ - كحَفْرِ بِئْرٍ خَلْفَ بَابِ الدَّارِ … وَرُبَّمَا ضُمِّنَ فِي الإِضْرَارِ
١٣٧٨ - وَالأَصْلُ فِي مَسْأَلَةِ الذَّكَاةِ … بِمُدْيَةِ الْغَصْبِ عَلَيْهِ يَاتِي
حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلا حتى فرغ منه، وجاءه رجل فسأله - فقال "ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه. فكره النبي ﷺ ذلك فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا. فتبسم النبي ﷺ وعرف البشر في وجهه، وقال: "به أمرت" ذكره الترمذي. وعلى هذا السبيل مضى الصحابة - رضوان الله عليهم - وأخبارهم في ذلك معروفة مشهورة.
"و" أما القسم الخامس فهو الذي فيه "كل من "هو جلب المصلحة أو دافع المفسدة ضرر وبذلك فهو "ليس له" أي عليه في ذلك "استضرار في "حالة "المنع" أي منعه ذلك "و" لكن "الغير" أي غيره من الناس يثبت "له" أي عليه "إضرار" بذلك الجلب أو الدفع إن فعله وهذا على ثلاثة أنواع وأقسام:
أحدها: ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعيا: أعني القطع العادي، "فإن يكن" الأمر كذلك وهو أن الإضرار على الغير يقع و "يحصل" بذلك "قطعا عاده" وجزما "فإنه" أي فإن ذلك الجالب أو الدافع "يمنع" ويحرم "ما أراده" من هذا وذلك "كحفر بئر خلف" أي وراء "باب الدار" في الظلام بحيث يقع فيه الداخل بلا شك، فإن فعل ذلك فإنه يعدّ متعديا بفعله ذاك "وربما ضمّن" ألزم بالضمان - ويكون ذلك بحسب النفوس والأموال على ما يليق بكل نازلة - ان كان ثم ما يضمن "في"ذلك "الإضرار" يعني بسبب ذلك الإضرار، لأن ذلك الفعل وإن كان مأذونا فيه باعتبار الأصل فإنه يلزم عنه الإضرار بالغير. "والأصل" الذي يجري عليه بناء الحكم "في مسألة الذكاة" أي الذبح "بمدية الغصب" يعني بمدية غصبت كذلك في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وما لحق بها من المسائل "عليه" أي على الوجه الذي تقدم ذكره وهو أن الفعل مأذون فيه باعتبار الأصل الشرعي فيه لكنه يترتب "عليه" إلحاق الضر "يأتي" - خبر قوله "والأصل" - يعني أن الأصل المذكور على هذا الوجه وهو ما يعبر عنه في عرف الأصوليين باجتماع
стр. 512
١٣٧٩ - فَإِنْ يَكُ الإِضْرَارُ فِيهِ يَنْدُرُ … فَإِنَّ حَقَّهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ
١٣٨٠ - لِأنَّ فِي التَّحْصِيلِ لِلْمَنَافِعِ … إِنْ غَلَبَتْ هُوَ اعْتِبَارُ الشَّارعِ
جهتين منفكتين، كل واحدة منهما تستقل بحكمها ولأجل ذلك تكون هذه العبادة - الصلاة في الدار المغصوبة - وما شابهها صحيحة مجزئة. والعمل الأصلي صحيحا لأنه مأذون فيه، ويكون فاعل ذلك عاصيا بالطرف الآخر وضامنا إن كان ثم ضمان. ولا تضاد في الأحكام - هنا -، لتعدد جهاتها.
هذا بيان حال هذا النوع، الذي يكون لحوق الضرر فيه بالغير مقطوعا به - وحكمه.
"فإن يك" حصول "الإضرار فيه يندر" - وهو النوع الثاني، والقسم السادس في الجملة - وذلك كحفر بئر بموضع لا يؤدي غالبا إلى وقوع أحد فيه، وأكل الأغذية التي لا تضر غالبا "فإن" حكمه هو أن "حقه" أي الجالب أو الدافع في هذا المقام "هو المعتبر" إذ ذلك الفعل ما زال على أصله من الإذن الشرعي فيه.
و"لأن في التحصيل" والإدراك "للمنافع ان غلبت" ما به يترجح مقتضاه وحكمه، و "هو اعتبار الشارع" في الأحكام للغالب، عدم اعتباره للنادر. قال الشاطبي "لأن المصلحة إذا كانت غالبة فلا اعتبار بالندور في انخرامها إذ لا توجد في العادة مصلحة عرية عن المفسدة جملة إلَّا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة ولم يعتبر ندور المفسدة إجراء للشرعيات مجرى العاديات في الوجود ولا يعد هنا قصد القاصد إلى جلب المصلحة أو دفع المفسدة مع معرفته بندور المضرة عن ذلك تقصيرا في النظر ولا قصدا إلى وقوع الضرر، فالعمل إذا باق على أصل المشروعية، والدليل على ذلك أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها كالقضاء بالشهادة في الدماء والأموال والفروج مع إمكان الكذب والوهم والغلط وإباحة القصر في المسافة المحدودة مع إمكان عدم المشقة كالملك المترف ومنعه في الحضر بالنسبة إلى ذوي الصنائع الشاقة وكذلك إعمال خبر الواحد والأقيسة الجزئية في التكاليف مع إمكان إخلافها والخطأ فيها من وجوه لكن ذلك نادر فلم يعتبر واعتبرت المصلحة الغالبة" (١).
стр. 513
١٣٨١ - وَإِنْ يَكُ الإِضْرَارُ ظَنًّا يَحْصُلُ … وَغَالبا فَالْحَظُّ فِيهِ مُعْمَلُ
١٣٨٢ - لَكِنَّ الأرْجَحَ اعْتِبَارُ الظَّنِّ … إِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الأمُورِ يُغْنِي
١٣٨٣ - مَعْ أَنَّ بَابَ السَّدِّ لِلذَّرَائِعِ … يَدْخُلُ فِي ذَا الْقِسْمِ فِي مَوَاضِعِ
١٣٨٤ - وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ بِغَالِبٍ وَلَا … بِنَادِرٍ فَالْخُلْفُ هَاهُنَا انْجَلَا
" و" أما القسم السابع فهو الذي يتحقق "إن يك الإضرار" بالغير لا يجزم بوقوعه وإنما يظن وقوعه به "ظنا" فإن إدراكه على ذلك - الظن - "يحصل و" هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون وقوع ذلك الأمر المظنون غالبا. ثانيهما: أن يكون كثيرا كمسائل بيوع الآجال. فما كان "غالبا فالحظ" أي حظ الجالب أو الدافع هو الذي "فيه" أي في هذا الموضع "معمل" ومعتبر، على ما يظهر من مقتضى بقاء الفعل المؤتى به فيه على أصله من الإباحة والإذن الشرعي فيه.
"لكن الأرجح" فيه - أي في هذا الموضع هو "اعتبار" ذلك "الظن" والعمل بمقتضاه - وذلك "إن كان" الظن "في بعض الأمور" وهي العمليات - كالعبادات - "يغني" في إثبات أحكامها إذ يجري في ذلك مجرى العلم، وبذلك فالظاهر جريان مقتضاه - أي الظن هنا - يزاد "مع" هذا الأمر أمر آخر وهو "أن باب السد" أي المنع "للذرائع" والوسائل المؤدية إلى المفاسد "يدخل في ذا القسم" وهو ظن وقوع الضرر "في مواضع" منصوص عليها كقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فإنهم قالوا: لتكفنّ عن سب آلهتنا، أو لنسبنّ إلهك. فنزلت (١). واعتبار هذا الأمر جار في جميع المواطن التي بنيت الاحكام فيها على هذه القاعدة - سد الذرائع - فاعتباره لا يختص بما نص عليه من ذلك. وهذا الذي تقرر هنا وفي القسم الذي قبله إنما يجري حكمه ويمضي فيما إذا كان وقوع الفعل يؤدي إلى المفسدة - أي الضرر - نادرا أو غالبا، كما تقدم التنصيص عليه.
"و" أما "ان يكن" ايصاله وتبليغه إلى المفسدة "ليس بغالب ولا بنادر" وإنما هو كثير فهذا موضع نظر واجتهاد ولذلك "فالخلف" بين أهل العلم في حكم هذا المحل ثابت "ها هنا" وهو خلف ليس خافيا بل هو أمر قد "انجلا" وظهر في هذا المقام.
стр. 514
١٣٨٥ - لِلأخْذِ بِالإِذْنِ يَمِيلُ الشَّافِعِي … وَمَالِكٌ لِلسَّدِّ لِلذَّرَائِعِ
والأصل فيه - أي في هذا الموطن - الحمل على الأصل وهو صحة الإذن الشرعى وجريان حكمه فيه.
إلَّا أنه يعارضه جانب الظن المثار بوقوع تلك المفسدة بكثرة، فجرى الخلاف في هذا الشأن لذلك، كما تقدم ذكره.
"للأخذ" والعمل "بـ" مقتضى "الإذن" الشرعي المذكور "يميل" الإمام محمد بن إدريس "الشافعي" - رحمه الله تعالى -، ومن وافقه في هذا، وذلك لأن العلم والظن منتفيان بوقوع المفسدة، إذ ليس هنا إلَّا احتمال مجرد بين الوقوع وعدمه، ولا قرينة ترجح أحد الجانبين على الآخر، واحتمال القصد للمفسدة والإضرار لا يقوم مقام نفس القصد ولا يقتضيه لوجود العوارض من الغفلة وغيرها عن كونها موجودة أو غير موجودة. وأيضا فإنه لا يصح أن يعد الجالب أو الدافع هنا مقصرا، ولا قاصدا كما في العلم والظن، لأنه ليس حمله على القصد إليهما أولى من حمله على عدم القصد لواحد منهما.
"و" خالف الإمام "مالك" ﵀ هذا الذي ذهب إليه الشافعي ومن وافقه هنا، فرأى إلغاء جهة الإذن الشرعي المذكور في هذا المقام وإسقاطه، وذهب "لـ" ترجيح العمل بقاعدة "السد للذرائع" بناء على كثرة القصد وقوعا ولذلك القصد لا ينضبط في نفسه لأنه من الأمور الباطنة لكن له مجال هنا وهو كثرة الوقوع في الوجود أو هو مظنة ذلك فكما اعتبرت المظنة وإن صح التخلف كذلك تعتبر الكثرة لأنها مجال القصد ولهذا أصل وهو حديث أم ولد زيد بن أرقم وأيضا فقد يشرع الحكم لعلة مع كون فواتها كثيرا كحد الخمر فإنه مشروع للزجر والازدجار به كثير لا غالب فاعتبرنا الكثرة في الحكم بما هو على خلاف الأصل فالأصل عصمة الإنسان عن الإضرار به وإيلامه كما أن الأصل في مسألتنا الإذن فخرج عن الأصل هنالك لحكمة الزجر وخرج على الأصل هنا من الإباحة لحكمة سد الذريعة إلى الممنوع وأيضا فإن هذا القسم مشارك لما قبله في وقوع المفسدة بكثرة فكما اعتبرت في المنع هناك فلتعتبر هنا كذلك (١).
стр. 515
١٣٨٦ - وَالنَّهْيُ عَنْهُ جَاءَ فِي مَسَالِكِ … مِمَّا بِهِ يَعْضُدُ قَوْلَ مَالِكِ
" الْمَسْأَلةُ السَّادِسَةُ "
١٣٨٧ - كُلُّ مُكَلَّفٍ وَمَا مِنْ مَانِعْ … بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْمَنَافِعْ
" و" أيضًا فقد ورد "النهي" الشرعي "عنه" أي عن هذا الذي يؤدي إلى المفسدة كثيرا، و "جاء" حكما "في مسالك" من هذا الصنف، وهو ما يؤدي إلى المفسدة كثير ومن ذلك ما جاء على ما ذكره الشاطبي عنه ﷺ من النهي عن الخليطين وعن شرب النبيذ بعد ثلاث وعن الإنتباذ في الأوعية التي لا يعلم بتخمير النبيذ فيها وبين ﵊ أنه إنما نهى عن بعض ذلك لئلا يتخذ ذريعة فقال لو رخصت في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه يعني أن النفوس لا تقف عند الحد المباح في مثل هذا ووقوع المفسدة في هذه الأمور ليست بغالبة في العادة وإن كثر وقوعها وحرم ﵊ الخلوة بالمرأة الأجنبية وأن تسافر مع غير ذي محرم ونهى عن بناء المساجد على القبور وعن الصلاة إليها وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.
وقال إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم وحرم نكاح ما فوق الأربع لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] وحرمت خطبة المعتدة تصريحا ونكاحها وحرم على المرأة في عدة الوفاة الطيب والزينة وسائر دواعي النكاح وكذلك الطيب وعقد النكاح للمحرم ونهى عن البيع والسلف وعن هدية المديان وعن ميراث القاتل وعن تقدم شهر رمضان بصوم يوم أو يومين وحرم صوم يوم عيد الفطر وندب إلى تعجيل الفطر وتأخير السحور إلى غير ذلك مما هو ذريعة وفي القصد إلى الإضرار والمفسدة فيه كثرة وليس بغالب ولا أكثري (١).
وهذا كلّه "مما به يعضد" ويقوى "قول مالك" المذكور في هذه المسألة (١).
"المسألة السَّادسة"
في بيان أن "كلّ" شخص "مكلف وما" أي ليس به "من مانع" كاضطرار أو عجز هو من يطلب بالقيام "بما يخصه من المنافع" والمصالح.
стр. 516
١٣٨٨ - لَيْسَ عَلَى الْغَيْرِ بِهَا قِيَامُ … لَاكِنْ إِنْ اضْطُرَّ فَذَا إِلْزَامُ
١٣٨٩ - وَمِنْ هُنَا شَرْعِيَّةُ الإِقْرَاضِ … وَمَا بِمَعْنَاهُ مِنَ الأَغْرَاضِ
وبذلك فإنه "ليس على الغير" أي غيره الإتيان "بها" أو "قيام" بتحصيلها.
والدليل على ذلك أوجه: أحدها أن المصالح إما دينية أخروية وإما دنيوية أما الدينية فلا سبيل إلى قيام الغير مقامه فيها حسبما تقدم وليس الكلام هنا فيها إذ لا ينوب فيها أحد عن أحد وإنما النظر في الدنيوية التي تصح النيابة فيها فإذا فرضنا أنه مكلف بها فقد تعينت عليه وإذا تعينت عليه سقطت عن الغير بحكم التعيين فلم يكن غيره مكلفا بها أصلا والثاني أنه لو كان الغير مكلفا بها أيضًا لما كانت متعينة على هذا الملكف ولا كان مطلوبا بها البتة لأن المقصود حصول المصلحة أو درء المفسدة وقد قام بها الغير بحكم التكليف فلزم أن لا يكون هو مكلفا بها وقد فرضناه مكلفا بها على التعيين هذا خلف لا يصح والثالث أنه لو كان الغير مكلفا بها فإما على التعيين وإما على الكفاية وعلى كل تقدير فغير صحيح أما كونه على التعيين فكما تقدم وأما على الكفاية فالفرض أنه على المكلف عينا لا كفاية فيلزم أن يكون واجبا عليه عينا غير واجب عليه عينا في حالة واحدة وهو محال (١).
"لكن" هذا الحكم إنما يسري على المكلف إن كان قادرا مختارا وأما "إن اضطر" إلى تلك المصالح وهو غير قادر على تحصيلها، "فـ" إنه في "ذا" أي هذا الحال يسقط عنه التكليف بتلك المصالح، فيقع على غيره "إلزام" ووجوب بتحصيلها له، "ومن هنا" أي هذا الموضع وهو انتقال وجوب تحصيل المكلف مصالحه إلى غيره عند الضرورة جاءت "شرعية" أي مشروعية "الإقراض وما" هو "بمعناه من الأغراض" أي في حكمه من جهة كونه مواساة وقياما بهذا الواجب كغسل الموتى ودفنهم والقيام على الأطفال والمجانين والنظر في مصالحهم وما أشبه ذلك من المصالح التي لا يقدر المحتاج إليها على استجلابها والمفاسد التي لا يقدر على استدفاعها فعلى هذا يقال كل من لم يكلف بمصالح نفسه فعلى غيره القيام بمصالحه بحيث لا يلحق ذلك الغير ضرر فالعبد لما استغرقت منافعه مصالح سيده كان سيده مطلوبا بالقيام بمصالحه والزوجة كذلك صيرها الشارع للزوج كالأسير تحت يده فهو قد ملك منافعها الباطنة من جهة الإستمتاع
стр. 517
" الْمَسْأَلةُ السَّابِعَةُ "
١٣٩٠ - وَكُلُّ مَنْ كُلِّفَ فِي الْعِبَادِ … صَلَاحُ غَيْرِهِ فِي الاعْتِيَادِ
١٣٩١ - إِنْ كانَ قَادِرًا بِلَا مَشَقَّهْ … عَلَى قِيَامِهِ بِمَا اسْتَحَقَّهْ
١٣٩٢ - فَمَا عَلَى سِوَاهُ مِنْ قِيَامِ … بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى الدَّوَامِ
١٣٩٣ - وَغَيْرُ قَادِرٍ وَمَنْ قَدْ يَقْدِرُ … لَاكِنْ عَلَى مَشَقَّةٍ تُعْتَبَرُ
والظاهرة من جهة القيام على ولده وبيته فكان مكلفا بالقيام عليها فقال الله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] الآية (١).
"المسألة السابعة"
"و" هي في بيان أن "كل من كلف في "- بمعنى من - يعني من "العباد" بتحصيل ما به يتحقق "صلاح" حال "غيره" واستقامة أموره المنظومة "في"سلك ما يجري عليه حكم "الاعتياد" والعادة لا يخلو من حالين:
أحدهما: أن يكون مع قيامه بمصالح ذلك الغير قادرا - كذلك - على القيام بمصالح نفسه الدنيوية.
ثانيهما: أن يكون غير قادر على ذلك.
فـ "إن كان قادرا بلا مشقة" تلحقه "على قيامه بما استحقه" من مصالحه الدنيوية مع ذلك الذي كلف به من تحصيل مصالح غيره.
"فـ" إنه "ما" أي ليس "على" أحد "سواه من قيام" أو إتيان "بما يخصه" من تلك المصالح وهذا حكم جار عليه وماض مقتضاه في شأنه "على الدوام". والدليل على ذلك أنه إذا كان قادرا على الجميع، وقد وقع عليه التكليف بذلك، فالمصالح المطلوبة من ذلك التكليف حاصلة من جهة هذا المكلف، فطلب تحصيلها من جهة غيره غير صحيح لأنه تحصيل الحاصل، وهو محال.
"و" أما من هو "غير قادر و "كذا "من قد يقدر" على ذلك "لاكن على مشقة تعتبر" ويعتد بها شرعا في إسقاط التكليف، فإنه لا يخلو حاله - حال من ذكر - من أن تكون
стр. 518
١٣٩٤ - إِنْ كَانَ مَا لِلْغَيْرِ لَا يَعُمُّ … فَمَا يَخُصُّهُ هُوَ الأَهَمُّ
١٣٩٥ - وَإِنْ يَكُنْ مَا لِسِوَاهُ عَمَّا … فَلَا سُقُوطَ عِنْد ذَاكَ ثَمَّا
١٣٩٦ - لَاكِنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومُوا بِالذِي … يُصْلِحُهُ عَلَى أَتَمِّ مَأْخَذِ
المصالح المتعلقة به من جهة الغير خاصة أو عامة.
فـ "إن كان ما" تعلق به من تلك المصالح الثابتة "للغير لا يعم"، يعني أنه ليس من المصالح العامة، وإنما هو خاص، فإنه يسقط عنه تعلقه به، وبذلك يقتصر على السعي لتحصيل مصالحه الخاصة، "فما يخصه" من ذلك "هو الأهم" والمقدم في هذه الحالة. وقد تقدم بيان ذلك في القسم الرابع من المسألة الخامسة، فما تقدم هناك جار هنا على استقامة. إلا إذا أسقط حظه، فإن ذلك وجه آخر وقد تقدم بيان حكمه أيضًا هناك. "و" أما "إن يكن ما" تعلق به من مصلحة ثابتة "لسواه عما" - الألف للإطلاق - يعني أنه مصلحة عامة، "فـ" إنه "لا سقوط" لتلك المصلحة عنه "عند ذاك" حصل و"ثما"، - الألف للإطلاق - يعني وقع، بل عليه تحصيل تلك المصلحة، "لاكن" مصالحه الخاصة به يجب أن تحصل، وبذلك فالذين يحصل لهم تلك المصلحة يجب "عليهم أن يقوموا بالذي يصلحه" من كل ما به قوام معاشه وجريان أحواله العادية على استقامة واستداد، وعليهم أن يكونوا في الأخذ في تحصيل ذلك "على أتم مأخذ" وأكمله. لكن على وجه لا يخل بأصل مصالحهم ولا يوقعهم في مفسدة تساوي تلك المصلحة أو تزيد عليها وذلك أنه إما أن يقال للمكلف لا بد لك من القيام بما يخصك وما يعم غيرك أو بما يخصك فقط أو بما يعم غيرك فقط والأول لا يصح فإنا قد فرضناه مما لا يطاق أو مما فيه مشقة تسقط التكليف فليس بمكلف بهما معا أصلا. والثاني أيضًا لا يصح لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة كما تقدم قبل هذا إلَّا إذا دخل على المكلف بها مفسدة في نفسه فإنه لا يكلف إلَّا بما يخصه على تنازع في المسألة وقد أمكن هنا قيام الغير بمصلحته الخاصة فذلك واجب عليهم وإلَّا لزم تقديم المصلحة الخاصة على العامة بإطلاق من غير ضرورة وهو باطل بما تقدم من الأدلة وإذا وجب عليهم تعين على هذا المكلف التجرد إلى القيام بالمصلحة العامة وهو الثالث من الأقسام المفروضة (١).
стр. 519
١٣٩٧ - بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُمْ إِضْرَارُ … بِهِ وَلَا يَطْرُقُهُ اسْتِضْرَارُ
١٣٩٨ - مِنْ مِنَّةٍ يُدْرِكُهُ أَذَاهَا … أَوْ تُهْمَةٍ مَنْصِبُهُ يَأبَاهَا
١٣٩٩ - وَمِنْ هُنَا يُمْنَعُ لِلْحُكَّامِ … أَخْذَ هَدِيَّاتِ أُولي الْخِصَامِ
إذا تقرر أن هذا القسم الثالث متعين على من كلف به، على ان يقوم الغير بمصالحه، فإن ذلك لا يجرى إلا إذا كان "بحيث لا يلحقهم إضرارُ به" أي بذلك القيام "ولا يطرقه" أي المكلف بذلك العمل القائم به "استضرار" أي ضرر. أما مضرة المكلف بذلك العمل العام مصلحته القائم به فإنها قد تكون "من" جهة لحاق "منة" به من القائمين على تحصيل مصالحه إذا تعينوا في القيام بأعيان تلك المصالح - أي بمصالح له معينة - والمنن يأباها أرباب العقول الآخذون بمحاسن العادات. وقد اعتبر الشارع هذا المعنى في مواضع كثيرة ولذلك شرطوا في صحة الهبة وانعقادها القبول وقالت جماعة إذا وهب الماء لعادم الماء للطهارة لم يلزمه قبوله وجاز له التيمم إلى غير ذلك وأصله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فجعل المن من جملة ما يبطل أجر الصدقة وما ذاك إلَّا لما في المن من إيذاء المتصدق عليه وهذا المعنى موجود على الجملة في كل ما فرض من هذا الباب (١).
وقد تكون تلك المضرة من جهة مظنة "أو تهمة" يرمي بها "منصبه" ومقامه "يأباها" لما فيها من الجرح له "ومن هنا" يؤخذ أنه "يمنع للحكام" أي عليهم "أخذ" وقبول "هديات" وصلات "أولي" أصحاب "الخصام" والتقاضي كما يمنع قبول هدايا الناس للعمال، إذ قد جعلها ﵊ الغلول الذي هو من كبائر الذنوب. وأما مضرة من يقوم بتحصيل مصالح ذلك القائم فإنها قد تكون من جهة كلفة القيام بالوظائف عند التعيين، وقد يتيسر له ذلك في وقت دون وقت أو في حال دون حال وبالنسبة إلى شخص دون شخص، ولا ضابط في ذلك يرجع إليه ولأنها تصير بالنسبة إلى المتكلف لها أخية الجزية التي ليس لها أصل مشروع إذا كانت موظفة على الرقاب أو على الأموال هذا إلى ما يلحق في ذلك من مضادة أصل المصلحة التي طلب ذلك المكلف بإقامتها إذ كان هذا الترتيب ذريعة إلى الميل لجهة المبالغ في القيام بالمصلحة فيكون سببا في إبطال الحق وإحقاق الباطل وذلك ضد المصلحة ولأجل الوجه الأول جاء في
стр. 520
١٤٠٠ - وَبَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يَرْفَعُ … كَالْوَقْفِ مَا يُبْدِي أَذىً وَيَدْفَعُ
" فَصْلٌ "
١٤٠١ - وَكُلُّ ذَا حَيْثُ يَكُونُ الضَّرَرُ … دُنْيَا وَمَا عَنْهُ سِوَاهُ يَقْصُرُ
١٤٠٢ - وَإِنْ يَكنْ سِوَاهُ لَا يَقُومُ … بِهِ فَفِيهِ خُلْفُهُمْ مَعْلُومُ
١٤٠٣ - وَأَصْلُهُ مَسْأَلَةُ التَّتَرُّسِ … بِوَاحِدٍ لِجُمْلَةٍ مِنْ أَنْفُسِ
القرآن نفي ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] إلى سائر ما في هذا المعنى وبالوجه الآخر علل إجماع العلماء على المنع من أخذ الأجرة من الخصمين (١).
"وبيت مال المسلمين" وجوده "يرفع" ويزيل "كالوقف" للأموال ونحوها على مصالح المسلمين هذه كل "ما يبدي" أي يظهر من تلك الجهات حصول أي "أذى" أي ضرر يلحق بمن ذكر جميعًا "ويدفع" ـه، فيحصل القيام بالمصالح من الجانبين، ولا يكون فيه ضرر على أحد الطرفين.
"فصل"
"وكل ذا" أي هذا الذي تقدم ذكره، إنما يصار إلى الحكم به "حيث يكون الضرر" اللاحق بذلك القائم بالمصلحة العامة ضررا ينشأ عن أمور الـ "دنيا و" ضررا "ما" أي ليس "عنه" يعني عن إدراكه وتحصيله "سواه" من الناس "يقصر" أي يعجز، وإنما يقوم به عن قدرة واستطاعة.
"و" أما "ان يكن سواه" عاجزا عن تحصيله له بحيث "لا" يستطيع أن "يقوم به فـ" إن هذا الموضع مما جرى "فيه" يعني في حكمه "خلفهم" أي خلف أهل العلم، وخلفهم فيه "معلوم" مشهور، "وأصله" أي الحكم هنا هو الأصل الذي يبنى عليه الحكم في "مسألة التترس" أي التوقي والتحصين من الأذى "بـ" شخص "واحد لجملة" أي جماعة "من أنفس" وما أشبهها من المسائل - المبني حكم وقوع التكليف فيها على اسقاط الحظوظ
стр. 521
١٤٠٤ - وَأَصْلُ مَا لَيْسَ يُطَاقُ يَشْهَدُ … أَنْ لَيْسَ تَكْلِيفٌ عَلَيْهِ يَرِدُ
١٤٠٥ - وَالأصْلُ فِي تَقْدِيمِ مَا قَدْ عَمَّا … مَصْلَحَةً يُلْزِمُ ذَاكَ الْحُكْمَا
١٤٠٦ - وَحَيْثُ إِسْقَاطُ الْحُظُوظِ رَجَحُ … مَصْلَحَةُ الْعُمُومُ وَهْيَ تُوضَحُ
١٤٠٧ - بِأَصْلِ الْإِيثَارِ الذِي تَقَدَّمَا … وَمَا أَتَى فِي ذَاكَ نَصًّا مُحْكَمَا
والاعتصام بمقتضى الإيثار.
"و" لكن "أصل" وقاعدة منع التكليف بـ "ما ليس يطاق يشهد" ويدل على "أن ليس تكليف عليه" أي على من هذا حاله، وهو عدم الاستطاعة لذلك "يرد" شرعا بذلك.
"و" يعارض هذا الأصل في هذا الموضع "الأصل" الجاري "في تقديم ما قد عما" - الألف للإطلاق - إذا كان "مصلحة" فهذا الأصل يقتضي و "يلزم ذاك الحكما" المتقدم وهو أي أن من هذا حاله مكلف بما ذكر. وتوارد هذين الأصلين المتعارضين من حيث المقتضى على هذا الموضع هو موجب الخلاف المذكور فيه. "و" الأخذ بمقتضى إسقاط الحظوظ يرجح مقتضى هذا الأصل الأخير، وبذلك فـ "حيث" يعتبر "إسقاط الحظوظ" ويعمل بموجبه فإنه "رجح" وتغلب جهة رعاية "مصلحة العموم" على جهة المصلحة الخاصة "وهي" أي مصلحة العموم - المصلحة العامة - المذكورة "توضح" أي تظهر راجحة بأمرين أحدهما: "بأصل الإيثار الذي تقدما" - الألف للإطلاق - ذكر في المسألة الخامسة، فمثل هذه المسألة داخلة تحت حكمه.
"و" ثانيهما: "ما أتى في ذاك" الإيثار حال كونه "نصا محكما" متقنا، ومعمولا به في الذي دل عليه من حكم. من ذلك قصة أبي طلحة الذي صير نفسه وقاية وترسا للنبي ﷺ يوم أحد، وكان ﵊ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. ووقى بيده رسول الله ﷺ فشلت. وهذا الإيثار معلوم من فعله ﵊ فلقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا، قد سبقهم إلى الصوت -، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه، وهو يقول: "لن تراعوا".
стр. 522
١٤٠٨ - وَحَيْثُ مَا تَكُونُ تِلْكَ الْمَفْسَدَهْ … مِنْ جِهَةِ الأْخْرَى لَهُ مُعْتَمَدَهْ
١٤٠٩ - فَكُلُّ مَا لُزُومُهُ عَيْنِيُّ … يَحْدُثُ فِيهِ خَلَلٌ قَطْعِيُّ
١٤١٠ - بِمُقْتَضَى قِيَامِهِ بِالْمَصْلَحَهْ … فَهَاهُنَا التَّرْكُ لَهُ مَا أَوْضَحَهْ
١٤١١ - إِذْ مَرَّ فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّهْ … أَنَّ لَهَا التَّقْدِيمُ بِالْكُلِّيَّهْ
وهذا إيثار راجع إلى تحمل أعظم المشقات عن الغير. ووجه عموم المصلحة هنا في مبادرته ﷺ بنفسه ظاهر لأنه كالجنة - الوقاية - للمسلمين.
وأما وجه عمومها في قصة أبي طلحة فإنه من حيث كان وقى بنفسه من يعم بقاؤه مصالح الدين - وأهله - وهو النبي ﷺ أما عدمه فتعم مفسدته الدين وأهله.
وإلى هذا النحو مال أبو الحسن النوري حين تقدم إلى السياف - وقال: "أوثر أصحابي بحياة ساعة". في القصة المشهورة. هذا كله إن كانت تلك المفسدة دنيوية، وهي يجري فيها حكم الإيثار وإسقاط الحظوظ.
"و" أما "حيث ما" - زائدة - "تكون تلك المفسدة" التي تلحق من يقوم بالمصلحة العامة آتية "من جهة" أمور الدار "الأخرى" أي الآخرة التي هي "له" أي للقائم المذكور "معتمدة" أي مقصودة يعني مقصود تحصيلها منه على وجه اللزوم، كالعبادات اللازمة عينا، ومن كان على هذا الحال فإنه لا يخلو أن يكون دخوله في القيام بهذه المصلحة مخلا بهذه الواجبات الدينية والنواهي الدينية قطعا، أو لا. فإن كان يخل بها "فـ" إن الحكم في ذلك هو ان "كل ما لزومه" ووجوبه "عيني" بحيث على كل شخص مكلف أن يأتي به، إذا كان "يحدث" ويقع "فيه" يعني في الإتيان به وتحصيله من ذلك لقائم "خلل قطعي" مجزوم به، وهو مذهب لماهية ذلك الواجب ومبطل له "بمقتضى" وسبب "قيامه بـ" تلك "المصلحة" العامة، فإنه لا يسوغ الدخول فيه وبذلك "فـ" أنه "هاهنا" يلزم "الترك له" أي القيام بتلك المصلحة، وهذا حكم ظاهر "ما أوضحه إذ" قد "مر" في شأن "المصالح الدينية أن لها التقديم" على المصالح الدنيوية "بالكلية" أي على الإطلاق، فكل مصلحة من مصالح الآخرة إذا عارضتها مصلحة دنيوية فإنها تقدم بدون استثناء.
стр. 523
١٤١٢ - فَإِنْ يَكُنْ يُخِلُّ بِالْكَمَالِ … فَذَاكَ مَغْفُورٌ بِكُلِّ حَالِ
١٤١٣ - مِنْ حَيْث إِنَّ جَانِبَ الْمَنْدُوبِ … غَيْرُ مُعَارِضٍ لِذِي الْوجُوبِ
١٤١٤ - وَحَيْثُ مَا الدُّخُولُ لَمْ يُبْدِ الْخَلَلْ … عَنْهُ وَلَا النَّقْصُ بِهِ أَيْضًا حَصَلْ
١٤١٥ - لَكِنَّهُ شَيْءٌ لَهُ تَوَقُّعُ … فَإنَّهُ لِلاجْتِهَادِ مَوْضُعُ
قال الشاطبي: "ولا أظن هذا القسم واقعا لأن الحرج وتكليف ما لا يطاق مرفوع، ومثل هذا التزاحم في العادات غير واقع (١).
"فإن يكن" غير مخل بتلك المصلحة - المصلحة الأخروية - ولكنه "يخل بالكمال" كمال هذه المصلحة "فـ" إن "ذاك" لا يقتضي ترك القيام بتلك المصلحة فإنه "مغفور". يعني مغتفرا ملغى اعتباره "بكل حال" وذلك "من حيث ان" هذا ليس إلَّا من باب إسقاط المندوبات و "جانب المندوب" في الحكم الشرعي "غير معارض" شرعا "لـ" - لأمر ولجانب - "ذي الوجوب" فالمندوبات لا تعارض الواجبات، لتقديم الواجبات على المندوبات في كل الأحوال، وعلى الإطلاق، كالخطرات الناشئة عن ذلك الشغل العام تخطر على قلبه وتعارضه وهو في العبادة، حتى يحكم فيها بقلبه، وينظر فيها، وذلك الحضور يحصل بالغلبة. وقد نقل عن عمر بن الخطاب ﵁ نحو هذا من تجهيز الجيش وهو في الصلاة ومن نحو هذا قوله ﵊: "أني لأسمع بكاء الصبي في الصلاة فأتجوز فيها".
"و" أما من "حيث ما" - زائدة - يكون "الدخول" في القيام بتلك المصلحة العامة والسعى في تحصيلها "لم يبد" ولم يظهر "الخلل" المذكور مترتبا "عنه ولا النقص" المذكور "به أيضًا" يعني بسببه "حصل" ووقع و "لكنه شيء" أي ولكن ذلك الخلل والنقص أمر "له توقع" وترقب، "فإنه" أي هذا الموضع "للاجتهاد" والنظر "موضع" ومحل لما تعارض فيه من جهة المصلحة العامة، وجهة المفسدة المذكورة المتوقعة التي قد تعتبر كالمفسدة المحقق وقوعها. مثال ذلك العالم يعتزل الناس خوفا من الرياء والعجب وحب الرياسة، وكذلك السلطان أو الوالي العدل الذي يصلح لإقامة تلك الوظائف والمجاهد إذا قعد عن الجهاد خوفا من قصده طلب الدنيا به أو
стр. 524
١٤١٦ - وَقَدْ يَكُونُ جَانِبُ الْعُمُومِ … أوْلَى مِنَ الْخُصُوصِ بِالتَّقْدِيمِ
١٤١٧ - وَمِثْلُ ذَا ضَابِطُهُ وِزَانُ … مَصْلَحَةٍ لِعَكْسِهَا اقْتِرَانُ
١٤١٨ - فَمَا لَهُ التَّرْجِيحُ يَبْدُو غَلَبَا … وَفِي التَّسَاوِي الْخُلْف مِمَّا رُتِّبَا
المحمدة، وكان ذلك الترك مخلا بهذه المصلحة العامة، فإن الذي يصار إليه هنا - "و" هو الظاهر - هو أنه "قد يكون جانب العموم" الذي هو أحد جانبي هذه المسألة هو الأقوى في مجاري النظر الفقهي، وبذلك فهو أمر "أولى" وأجدر "من" جانب "الخصوص بالتقديم" والترجيح، لأنه سبيل لتعطيل مصالح الخلق البتة، فإن اقامة الدين والدنيا لا تحصل إلَّا بذلك، وقد فرضنا هذا الخائف مطالبا به، فلا يمكن إلَّا القيام بها على وجه لا يدخله في تكليف ما لا يطيقه أو ما يشق عليه، والتعرض للفتن والمعاصي راجع إلى هوى النفس خاصة، لا سيما في المنهيات، لأنها مجرد ترك، والترك لا يزاحم الأفعال في تحصيله، والأفعال إنما يلزمه منها الواجب وهو يسير، فلا ينحل عن عنقه رباط الاحتياط لنفسه، وإن كان لا يقدر على ذلك إلَّا مع المعصية فليس بعذر، لأنه أمر قد تعين عليه، فلا يرفعه عنه مجرد اتباع الهوى، إذ ليس من المشقات، كما أنه إذا وجبت عليه الصلاة أو الجهاد عينا أو الزكاة فلا يرفع وجوبها عليه خوف الرياء والعجب وما أشبه ذلك، وإن فرض أنه يقع به، بل يؤمر بجهاد نفسه في الجميع. وأما إن فرض أن عدم اقامته لا يخل بالمصلحه العامة لوجود غيره مثلا ممن يقوم بها، فهذا موضع اجتهاد ونظر، وبذلك فإنه قد يرجح فيه جانب السلامة من العارض المخوف المتوقع وقد يرجح جانب المصلحة العامة، وقد يفرق بين من يكون وجوده وعدمه سواء، فلا ينحتم عليه طلب وبين من له قوة في إقامة المصلحة وغناء ليس لغيره - وإن كان لغيره غناء فيه - أيضًا - فينحتم أو يترجح الطلب "و" الذي يظهر أن حكم "مثل ذا" الموضع الذي تعارضت فيه هذه الاحتمالات "ضابطه" الذي على مداره، والذي به يحدد ويعين هو "وزان" أي مقارنة "مصلحة" موجودة فيه "لعكسها" يعني بعكسها وهو المفسدة التي لها بها "اقتران" واجتماع في ذلك الموضع "فما" ثبت "له الترجيح" منهما فيه فإنه الذي يصار إلى الحكم به لأنه الذي "يبدو "أنه قد "غلبا" جانبه "و" أما "في" حالة "التساوي" بين تلك المصلحة والمفسدة وعدم ظهور رجحان أي منهما على ضده فإن هذا موضع وقع "الخلف" بين أهل العلم في حكمه، وهو خلف يعدّ "مما رتّبا" وبني
стр. 525
١٤١٩ - عَلَى انْخِرَامٍ بَثَّ فِي الْمُنَاسَبَهْ … مَفْسَدَةً مِثْلِيَّةً أَوْ غَالِبَهْ
" فَصْلٌ "
١٤٢٠ - وَقَدْ تُرَى الْمَفْسَدَةُ الْمُسْتَوْضَحَهْ … تُلْغَى لِعُظْمِ مَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَهْ
" على" مسألة "انخرام" وانهدام "بَثّ" - بفتح الباء - أي نشر "في المناسبة" الرابطة بين الحكم وعلته "مفسدة مثلية" أي مساوية لتلك المصلحة "أو" مفسدة "غالبة" أي راجحة على تلك المصلحة. ففي "جمع الجوامع" لابن السبكي وشرحه للمحلى "المناسبة تنخرم" أي تبطل "بمفسدة تلزم" الحكم "راجحة" على مصلحته، "أو مساوية" لها "خلافا للإمام الرازي" في قوله ببقائها، مع موافقته على انتفاء الحكم.
فهو -[أي الحكم - منتف] عنده لوجود المانع.
وعلى الأول [الحكم منتف] لوجود المقتضى (١).
قال محشيه البناني "مثال ذلك مسافر سلك الطريق البعيد لا لغرض غير القصر، فإنه لا يقصر، لأن المناسب وهو السفر البعيد عورض بمفسدة، وهي العدول عن القريب الذي لا قصر فيه لا لغرض غير القصر، حتى أنه حصر قصده في ترك ركعتين من الرباعية، قاله شيخ الإسلام" (٢).
"فصل"
في بيان أنه قد يصار إلى إلغاء المفسدة إذا كانت مما يلغى مثلها في جانب عظم المصلحة "و" بذلك فإنه "قد ترى" وتبصر "المفسدة المستوضحة تلغى" في الاعتبار فلا يعتد بها وذلك "لعظم ما اقتضته" وتضمنته "المصلحة" المعارضة لها الواقعة في مقابلتها.
قال الشاطبي: "حكى عياض في المدارك أن عضد الدولة فناخسرو الديلمي بعث إلى أبي بكر بن مجاهد والقاضي ابن الطيب ليحضرا مجلسه لمناظرة المعتزلة فلما وصل كتابه إليهما قال الشيخ ابن مجاهد وبعض أصحابه هؤلاء قوم كفرة فسقة لأن الديلم كانوا روافض لا يحل لنا أن نطأ بساطهم وليس غرض الملك من هذا إلَّا أن يقال أن مجلسه
стр. 526
" المسألة الثامنة "
١٤٢١ - ثُمَّ التَّكَالِيفُ بِحَيْثُ مَا عُلِمْ … قَصْدُ الْمَصالِحِ لَدَيْهَا وَفُهِمْ
١٤٢٢ - فَلِلْمُكَلَّفِينَ فِي الدُّخُولِ … فِي ذَاكَ أَحْوَالٌ عَلَى التَّفْصِيلِ
١٤٢٣ - فَدَاخِلٌ يَقْصِدُ فِي الْقَضِيَّهْ … مَفْهُومَ قَصْدِ الشَّرْعِ بِالشَّرْعِيَّهْ
١٤٢٤ - فَذَاكَ وَاضِحٌ وَلَكِنْ يَنْبَغِي … قَصْدُ التَّعَبُّدَاتِ فِيمَا يَبْتَغِي
مشتمل على أصحاب المحابر كلهم ولو كان خالصا لله لنهضت قال القاضي ابن الطيب فقلت لهم كذا قال المحاسبي وفلان ومن في عصرهم إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس وجرى عليه ما عرف ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر وتبين له ما هم عليه بالحجة وأنت أيضًا أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على أحمد ويقولوا بخلق القرآن ونفي الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج فقال الشيخ إذ شرح الله صدرك لهذا فاخرج إلى آخر الحكاية فمثل هذا إذا اتفق يلغي في جانب المصلحة فيه ما يقع من جزئيات المفاسد فلا يكون لها اعتبار وهو نوع من أنواع الجزئيات التي يعود اعتبارها على الكلي بالإخلال والفساد" (١).
"المسألة الثامنة"
"ثم" نذكر المسألة الثامنة وهي في بيان أن "التكاليف" الشرعية "بحيث" يعني إذا "ما" - زائدة - "علم" ثبوت ووقوع "قصد" المكلف "المصالح" والمنافع الدنيوية "لديها" أي فيها - يعني في إتيانها والدخول تحتها "وفهم" ذلك وعرف حصوله - "فـ" إن "للمكلفين في الدخول في ذاك" الذي ذكر من التكاليف "أحوال" ثلاثة "على" سبيل "التفصيل". أما أولها: "فـ" هو حال من هو "داخل" تحت التكاليف وهو "يقصد في" هذه "القضية" وهي الدخول المذكور "مفهوم" أي ما فهم أنه "قصد" صاحب "الشرع بـ" تلك التكاليف "الشرعية" فمن كان حاله هكذا "فذاك" حكمه "واضح" بين لأنه ما قصد إلَّا ما علم أن الشارع قد قصده في ذلك "ولكن ينبغي" أن لا يقتصر على ذلك وإنما عليه أن يزيد له "قصد التعبدات" وامتثال الأمر بذلك الدخول "في"كل "ما يبتغي" في
стр. 527
١٤٢٥ - وَدَاخِلٌ لِمَقْصدٍ مُتَابِعْ … لِمَا عَسَى أَنْ هُوَ قَصْدُ الشَّارعْ
١٤٢٦ - مُطَّلِعًا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَطَّلِعْ … وَذَا عَنِ الأَوَّلِ شَيْئًا اِرْتَفعْ
ذلك. لأن مصالح العباد إنما جاءت من طريق التعبد إذ ليست بعقلية حسبما تقرر في موضعه وإنما هي تابعة لمقصود التعبد فإذا اعتبر صار أمكن في التحقق بالعبودية وأبعد عن أخذ العاديات للمكلف فكم ممن فهم المصلحة فلم يلو على غيرها فغاب عن أمر الأمر بها وهي غفلة تفوت خيرات كثيرة بخلاف ما إذا لم يهمل التعبد وأيضا فإن المصالح لا يقوم دليل على انحصارها فيما ظهر إلَّا دليل ناص على الحصر وما أقله إذا نظر في مسلك العلة النصي إذ يقل في كلام الشارع أن يقول مثلا لم أشرع هذا الحكم إلَّا لهذه الحكم فإذا لم يثبت الحصر أو ثبت في موضع ما ولم يطرد كان قصد تلك الحكمة ربما أسقط ما هو مقصود أيضًا من شرع الحكم فنقص عن كمال غيره (١).
"و" الثاني من تلك لأحوال حال من هو "داخل" وهو يقصد التحصيل "لمقصد متابع" للمقصد الأصلي وهو التعبد - العبادة - "لما عسى أن" يكون "هو قصد الشارع" في ذلك العمل سواء كان هو "مطلعا عليه" أي على ذلك القصد "أو" كان "لم يطلع" عليه. وصورة ذلك أن يقول في قرارة نفسه أقصد في هذا العمل كل ما قصده الشارع منه، "و" يأتي ذاك العمل على هذه النية فإن كان على "ذا" الحال فإنه "عن" صاحب الحال "الأول" ارتقى "شيئًا" و "ارتفع" لأن قصده أوسع من قصد ذاك، لأنه يشمل كل بنيته وقصده كل ما قصده الشارع من ذلك، بخلاف ذاك الأول فإنه لم يقصد إلَّا ما علم أن الشارع قد قصده من ذلك على وجه التمام. وبذاك يفضل عليه هذا الثاني لعموم قصده، إلا أنه ربما فاته النظر إلى جهة التعبد والقصد إليه في العمل، فإن الذي ينظر إلى جهة المصلحة في العمل قد يعمل العمل قاصدا لتلك الجهة غافلا عن امتثال الأمر فيها فيشبه من عملها من غير ورود أمر له بها. والعامل على هذا الوجه عمله عادي، فيفوت قصد التعبد، وقد يستفزه فيه الشيطان فيدخل عليه قصد التقرب إلى المخلوق، أو الوجاهة عنده، أو نيل شيء من الدنيا، أو غير ذلك من المقاصد المردية بالأجر، وقد يعمل هنالك لمجرد حظه فلا يكمل أجره كمال من يقصد التعبد (٢).
стр. 528
١٤٢٧ - وَدَاخِلٌ بِقَصْدِ الامْتِثَالِ … مُجَرَّدًا مِنْ كُلِّ قَصْدٍ تَالِ
١٤٢٨ - مَعْ فَهْمِهِ فِي ذَاكَ قَصْدَ الْمَصْلَحَهْ … أَوْ دُونَهُ فَحَالُهُ مُسْتَوْضَحَهْ
١٤٢٩ - فِي كَوْنِهِ أَكْمَلَ مِمَّا قَدْ مَضَا … وَأَنَّهَا أَسْلَمُ فِيمَا يُقْتَضَى
" و" ثالث هذه الأحوال من هو "داخل" في العمل متحليا قلبه "بقصد" ونية "الامتثال" للأمر الشرعي فقط، "مجردا من كل قصد" آخر "تال" تابع للقصد الأصلي - وهو العبادة - سواء حصل ذلك منه "مع فهمه" أن الشارع "في"شرع "ذاك" العمل والتكليف به قصد آخرا غير القصد.
للتعبد وهو الـ "قصد" إلى تحصيل "المصلحة" للمكلف "أو" حصل "دونه" أي دون ذلك الفهم فمن كان هكذا "فحاله مستوضحة" مستبانة "في كونه" - الضمير للحال وهو يذكر ويؤنث - "أكمل مما قد مضى" من الحالين الأول والثاني. "و" في "أنها أسلم فيما يقتضى" ويلزم من جهة العبودية. قال الشاطبي: "أما كونه أكمل فلأنه نصب نفسه عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبيا إذ لم يعتبر إلَّا مجرد الأمر وأيضا فإنه لما امتثل الأمر فقد وكل العلم بالمصلحة إلى العالم بها جملة وتفصيلا ولم يكن ليقصر العمل على بعض المصالح دون بعض وقد علم الله تعالى كل مصلحة تنشأ عن هذا العمل فصار مؤتمرا في تلبيته التي لم يقيدها ببعض المصالح دون بعض وأما كونه أسلم فلأن العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبودية واقف على مركز الخدمة فإن عرض له قصد غير الله رده قصد التعبد بل لا يدخل عليه في الأكثر إذا عمل على أنه عبد مملوك لا يملك شيئًا ولا يقدر على شيء بخلاف ما إذا عمل على جلب المصالح فإنه قد عد نفسه هنالك واسطة بين العباد ومصالحهم وإن كان واسطة لنفسه أيضًا فربما داخله شيء من اعتقاد المشاركة فتقوم لذلك نفسه وأيضا فإن حظه هنا ممحو من جهته بمقتضى وقوفه تحت الأمر والنهي والعمل على الحظوظ طريق إلى دخول الدواخل والعمل على إسقاطها طريق إلى البراءة منها ولهذا بسط في كتاب الأحكام وبالله التوفيق" (١).
يعني أنه قد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة في فصل الأسباب في كتاب الأحكام.
стр. 529
" المسألة التاسعة "
١٤٣٠ - وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِينَ الْخِيَرَهْ … فِيمَا يُرَى لِلَّهِ حَقًّا أَظْهَرَهْ
١٤٣١ - وَهْيَ لَهُمْ مَوْجُودَةٌ فِيمَا بَدَا … حَقًّا لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ مُجَرَّدَا
١٤٣٢ - وَذَاكَ كُلُّهُ بِالاسْتِقْرَاءِ فِي … مَوَارِدِ الشَّرْعِ بِلَا تَخَلُّفِ
" المسألة العاشرة "
١٤٣٣ - وَقَصْدُ قَلْبِ الْحُكْمِ أَوْ رَفْعِ الْعَمَلْ … بِسَبَبٍ يُنْحَى يُسَمَّى بِالْحِيَلْ
" المسألة التاسعة"
"و" هي معقودة في بيان أنه "ليس للمكلفين الخِيَرَة" - بكسر الخاء وفتح الياء - أي الاختيار بين الفعل والترك "في" كل "ما يرى" أي يعلم كونه "لله حقا" معلوما "أظهره" أي بينه - سبحانه - في الشريعة، وقوله "أظهره" لتتميم البيت لصحة الاستغناء عنه، "وهي" أي الخيرة - المذكورة - ثابتة "لهم موجودة في "كل "ما بدا" أي ظهر "حقا" ثابتا "لهم" في أنفسهم خالصا مميزا "من غيره" من الحقوق "مجردا" عن الامتزاج بها من جهة أنه مخير في طلبه وتركه "وذاك كله" ثابت "بالاستقراء في موارد الشرع" يعني في مواطن الأحكام الشرعية، التي دلت على جريان هذا الأصل فيها "بلا تخلف" له فيها.
قال الشاطبي: "أما حقوق الله - تعالى - فالدلائل على أنها غير ساقطة ولا ترجع لاختيار المكلف كثيرة وأعلاها الاستقراء التام في موارد الشريعة ومصادرها كالطهارة على أنواعها والصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أعلاه الجهاد وما يتعلق بذلك من الكفارات والمعاملات والأكل والشرب واللباس وغير ذلك من العبادات والعادات التي ثبت فيها حق الله تعالى أو حق الغير من العباد" (١).
"المسألة العاشرة"
"و" هي معقودة في بيان أن "قصد قلب الحكم" الشرعي إلى حكم آخر أو إسقاطه "بسبب" شرعي "ينحى" أي قصد بإتيانه وفعله ذلك القلب أو الإسقاط، هو ما "يسمى بالحيل"
стр. 530
١٤٣٤ - وَمُقْتَضَاهَا فِعْلُ شَيْءٍ اعْتُمِدْ … فِي ظَاهِرٍ وَاللَّغْوُ بَاطِنًا قُصِدْ
١٤٣٥ - كَمُنْشِئٍ فِي رَمَضَانَ السَّفَرَا … بِقَصْدِ أَنْ يَقْصُرَ أَوْ أَنْ يُفْطِرَا
- بكسر الحاء وفتح الياء - جمع حيلة "ومقتضاها" أي هذه الحيل ومضمونها هو "فعل شيء" اعتبر و"اعتمد" شرعا "في ظاهر" أمره لأنه سبب شرعي معتبر ومعتمد في ترتب أحكام شرعية معينة عليه "و" لكنه قد أخرج عن وضعه الشرعي "اللغو" وما لا يعتد به شرعا إن وجد "باطنا" يعني في باطن ونية المكلف هو الذي به "قصد" وبذلك فإنه يعتبر ذلك الفعل - السبب من جهة القصد - ملغى، فلا اعتداد به ومن أتى ذلك الفعل - السبب - على هذا الوجه فإنه يمنع من ثمراته الشرعية وقد يكون صحيحا باعتبار السبب المذكور وبذلك فهو محل نظر واجتهاد.
وذلك "كمنشئ في رمضان السفرا" - الألف للإطلاق - ومثله من أنشأه - أي السفر - وهو في الحضر "بقصد أن يقصرا" الصلاة إذ لو كان مقيما للزمه أن يصلي أربعا، "أو أن يفطرا" ويتخلص من مشقة الصوم.
فهل المعتبر في هذا المقام هو القصد أم هو السبب؟
قال الشاطبي في هذا الشأن: "هو محل يجب الاعتناء به، وقبل النظر في الصحة أو عدمها لا بد من شرح هذا الاحتيال.
وذلك أن الله تعالى أوجب أشياء وحرم أشياء إما مطلقا من غير قيد ولا ترتيب على سبب كما أوجب الصلاة والصيام والحج وأشباه ذلك وحرم الزنى والربا والقتل ونحوها وأوجب أيضًا أشياء مرتبة … على أسباب وحرم أخر كذلك كإيجاب الزكاة والكفارات والوفاء بالنذور والشفعة للشريك وكتحريم المطلقة والانتفاع بالمغصوب أو المسروق وما أشبه ذلك فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالا في الظاهر أيضًا فهذا التسبب يسمى حيلة وتحيلا كما لو دخل وقت الصلاة عليه في الحضر فإنها تجب عليه أربعا فأراد أن يتسبب في إسقاطها كلها بشرب خمر أو دواء مسبت حتى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه أو قصرها فأنشأ سفرا ليقصر الصلاة وكذلك من أظله شهر رمضان فسافر ليأكل أو كان له مال يقدر على الحج به فوهبه أو أتلفه بوجه من وجوه الإتلاف كي لا يجب عليه الحج وكما لو أراد وطء جارية الغير