← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

" المسألة الثامنة " ١٤٢١ - ثُمَّ التَّكَالِيفُ بِحَيْثُ مَا عُلِمْ … قَصْدُ الْمَصالِحِ لَدَيْهَا وَفُهِمْ ١٤٢٢ - فَلِلْمُكَلَّفِينَ فِي الدُّخُولِ … فِي ذَاكَ أَحْوَالٌ عَلَى التَّفْصِيلِ ١٤٢٣ - فَدَاخِلٌ يَقْصِدُ فِي الْقَضِيَّهْ … مَفْهُومَ قَصْدِ الشَّرْعِ بِالشَّرْعِيَّهْ ١٤٢٤ - فَذَاكَ وَاضِحٌ وَلَكِنْ يَنْبَغِي … قَصْدُ التَّعَبُّدَاتِ فِيمَا يَبْتَغِي مشتمل على أصحاب المحابر كلهم ولو كان خالصا لله لنهضت قال القاضي ابن الطيب فقلت لهم كذا قال المحاسبي وفلان ومن في عصرهم إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس وجرى عليه ما عرف ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر وتبين له ما هم عليه بالحجة وأنت أيضًا أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على أحمد ويقولوا بخلق القرآن ونفي الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج فقال الشيخ إذ شرح الله صدرك لهذا فاخرج إلى آخر الحكاية فمثل هذا إذا اتفق يلغي في جانب المصلحة فيه ما يقع من جزئيات المفاسد فلا يكون لها اعتبار وهو نوع من أنواع الجزئيات التي يعود اعتبارها على الكلي بالإخلال والفساد" (١). "المسألة الثامنة" "ثم" نذكر المسألة الثامنة وهي في بيان أن "التكاليف" الشرعية "بحيث" يعني إذا "ما" - زائدة - "علم" ثبوت ووقوع "قصد" المكلف "المصالح" والمنافع الدنيوية "لديها" أي فيها - يعني في إتيانها والدخول تحتها "وفهم" ذلك وعرف حصوله - "فـ" إن "للمكلفين في الدخول في ذاك" الذي ذكر من التكاليف "أحوال" ثلاثة "على" سبيل "التفصيل". أما أولها: "فـ" هو حال من هو "داخل" تحت التكاليف وهو "يقصد في" هذه "القضية" وهي الدخول المذكور "مفهوم" أي ما فهم أنه "قصد" صاحب "الشرع بـ" تلك التكاليف "الشرعية" فمن كان حاله هكذا "فذاك" حكمه "واضح" بين لأنه ما قصد إلَّا ما علم أن الشارع قد قصده في ذلك "ولكن ينبغي" أن لا يقتصر على ذلك وإنما عليه أن يزيد له "قصد التعبدات" وامتثال الأمر بذلك الدخول "في"كل "ما يبتغي" في

стр. 527

١٤٢٥ - وَدَاخِلٌ لِمَقْصدٍ مُتَابِعْ … لِمَا عَسَى أَنْ هُوَ قَصْدُ الشَّارعْ ١٤٢٦ - مُطَّلِعًا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَطَّلِعْ … وَذَا عَنِ الأَوَّلِ شَيْئًا اِرْتَفعْ ذلك. لأن مصالح العباد إنما جاءت من طريق التعبد إذ ليست بعقلية حسبما تقرر في موضعه وإنما هي تابعة لمقصود التعبد فإذا اعتبر صار أمكن في التحقق بالعبودية وأبعد عن أخذ العاديات للمكلف فكم ممن فهم المصلحة فلم يلو على غيرها فغاب عن أمر الأمر بها وهي غفلة تفوت خيرات كثيرة بخلاف ما إذا لم يهمل التعبد وأيضا فإن المصالح لا يقوم دليل على انحصارها فيما ظهر إلَّا دليل ناص على الحصر وما أقله إذا نظر في مسلك العلة النصي إذ يقل في كلام الشارع أن يقول مثلا لم أشرع هذا الحكم إلَّا لهذه الحكم فإذا لم يثبت الحصر أو ثبت في موضع ما ولم يطرد كان قصد تلك الحكمة ربما أسقط ما هو مقصود أيضًا من شرع الحكم فنقص عن كمال غيره (١). "و" الثاني من تلك لأحوال حال من هو "داخل" وهو يقصد التحصيل "لمقصد متابع" للمقصد الأصلي وهو التعبد - العبادة - "لما عسى أن" يكون "هو قصد الشارع" في ذلك العمل سواء كان هو "مطلعا عليه" أي على ذلك القصد "أو" كان "لم يطلع" عليه. وصورة ذلك أن يقول في قرارة نفسه أقصد في هذا العمل كل ما قصده الشارع منه، "و" يأتي ذاك العمل على هذه النية فإن كان على "ذا" الحال فإنه "عن" صاحب الحال "الأول" ارتقى "شيئًا" و "ارتفع" لأن قصده أوسع من قصد ذاك، لأنه يشمل كل بنيته وقصده كل ما قصده الشارع من ذلك، بخلاف ذاك الأول فإنه لم يقصد إلَّا ما علم أن الشارع قد قصده من ذلك على وجه التمام. وبذاك يفضل عليه هذا الثاني لعموم قصده، إلا أنه ربما فاته النظر إلى جهة التعبد والقصد إليه في العمل، فإن الذي ينظر إلى جهة المصلحة في العمل قد يعمل العمل قاصدا لتلك الجهة غافلا عن امتثال الأمر فيها فيشبه من عملها من غير ورود أمر له بها. والعامل على هذا الوجه عمله عادي، فيفوت قصد التعبد، وقد يستفزه فيه الشيطان فيدخل عليه قصد التقرب إلى المخلوق، أو الوجاهة عنده، أو نيل شيء من الدنيا، أو غير ذلك من المقاصد المردية بالأجر، وقد يعمل هنالك لمجرد حظه فلا يكمل أجره كمال من يقصد التعبد (٢).

стр. 528

١٤٢٧ - وَدَاخِلٌ بِقَصْدِ الامْتِثَالِ … مُجَرَّدًا مِنْ كُلِّ قَصْدٍ تَالِ ١٤٢٨ - مَعْ فَهْمِهِ فِي ذَاكَ قَصْدَ الْمَصْلَحَهْ … أَوْ دُونَهُ فَحَالُهُ مُسْتَوْضَحَهْ ١٤٢٩ - فِي كَوْنِهِ أَكْمَلَ مِمَّا قَدْ مَضَا … وَأَنَّهَا أَسْلَمُ فِيمَا يُقْتَضَى " و" ثالث هذه الأحوال من هو "داخل" في العمل متحليا قلبه "بقصد" ونية "الامتثال" للأمر الشرعي فقط، "مجردا من كل قصد" آخر "تال" تابع للقصد الأصلي - وهو العبادة - سواء حصل ذلك منه "مع فهمه" أن الشارع "في"شرع "ذاك" العمل والتكليف به قصد آخرا غير القصد. للتعبد وهو الـ "قصد" إلى تحصيل "المصلحة" للمكلف "أو" حصل "دونه" أي دون ذلك الفهم فمن كان هكذا "فحاله مستوضحة" مستبانة "في كونه" - الضمير للحال وهو يذكر ويؤنث - "أكمل مما قد مضى" من الحالين الأول والثاني. "و" في "أنها أسلم فيما يقتضى" ويلزم من جهة العبودية. قال الشاطبي: "أما كونه أكمل فلأنه نصب نفسه عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبيا إذ لم يعتبر إلَّا مجرد الأمر وأيضا فإنه لما امتثل الأمر فقد وكل العلم بالمصلحة إلى العالم بها جملة وتفصيلا ولم يكن ليقصر العمل على بعض المصالح دون بعض وقد علم الله تعالى كل مصلحة تنشأ عن هذا العمل فصار مؤتمرا في تلبيته التي لم يقيدها ببعض المصالح دون بعض وأما كونه أسلم فلأن العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبودية واقف على مركز الخدمة فإن عرض له قصد غير الله رده قصد التعبد بل لا يدخل عليه في الأكثر إذا عمل على أنه عبد مملوك لا يملك شيئًا ولا يقدر على شيء بخلاف ما إذا عمل على جلب المصالح فإنه قد عد نفسه هنالك واسطة بين العباد ومصالحهم وإن كان واسطة لنفسه أيضًا فربما داخله شيء من اعتقاد المشاركة فتقوم لذلك نفسه وأيضا فإن حظه هنا ممحو من جهته بمقتضى وقوفه تحت الأمر والنهي والعمل على الحظوظ طريق إلى دخول الدواخل والعمل على إسقاطها طريق إلى البراءة منها ولهذا بسط في كتاب الأحكام وبالله التوفيق" (١). يعني أنه قد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة في فصل الأسباب في كتاب الأحكام.

стр. 529

" المسألة التاسعة " ١٤٣٠ - وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِينَ الْخِيَرَهْ … فِيمَا يُرَى لِلَّهِ حَقًّا أَظْهَرَهْ ١٤٣١ - وَهْيَ لَهُمْ مَوْجُودَةٌ فِيمَا بَدَا … حَقًّا لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ مُجَرَّدَا ١٤٣٢ - وَذَاكَ كُلُّهُ بِالاسْتِقْرَاءِ فِي … مَوَارِدِ الشَّرْعِ بِلَا تَخَلُّفِ " المسألة العاشرة " ١٤٣٣ - وَقَصْدُ قَلْبِ الْحُكْمِ أَوْ رَفْعِ الْعَمَلْ … بِسَبَبٍ يُنْحَى يُسَمَّى بِالْحِيَلْ " المسألة التاسعة" "و" هي معقودة في بيان أنه "ليس للمكلفين الخِيَرَة" - بكسر الخاء وفتح الياء - أي الاختيار بين الفعل والترك "في" كل "ما يرى" أي يعلم كونه "لله حقا" معلوما "أظهره" أي بينه - سبحانه - في الشريعة، وقوله "أظهره" لتتميم البيت لصحة الاستغناء عنه، "وهي" أي الخيرة - المذكورة - ثابتة "لهم موجودة في "كل "ما بدا" أي ظهر "حقا" ثابتا "لهم" في أنفسهم خالصا مميزا "من غيره" من الحقوق "مجردا" عن الامتزاج بها من جهة أنه مخير في طلبه وتركه "وذاك كله" ثابت "بالاستقراء في موارد الشرع" يعني في مواطن الأحكام الشرعية، التي دلت على جريان هذا الأصل فيها "بلا تخلف" له فيها. قال الشاطبي: "أما حقوق الله - تعالى - فالدلائل على أنها غير ساقطة ولا ترجع لاختيار المكلف كثيرة وأعلاها الاستقراء التام في موارد الشريعة ومصادرها كالطهارة على أنواعها والصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أعلاه الجهاد وما يتعلق بذلك من الكفارات والمعاملات والأكل والشرب واللباس وغير ذلك من العبادات والعادات التي ثبت فيها حق الله تعالى أو حق الغير من العباد" (١). "المسألة العاشرة" "و" هي معقودة في بيان أن "قصد قلب الحكم" الشرعي إلى حكم آخر أو إسقاطه "بسبب" شرعي "ينحى" أي قصد بإتيانه وفعله ذلك القلب أو الإسقاط، هو ما "يسمى بالحيل"

стр. 530

١٤٣٤ - وَمُقْتَضَاهَا فِعْلُ شَيْءٍ اعْتُمِدْ … فِي ظَاهِرٍ وَاللَّغْوُ بَاطِنًا قُصِدْ ١٤٣٥ - كَمُنْشِئٍ فِي رَمَضَانَ السَّفَرَا … بِقَصْدِ أَنْ يَقْصُرَ أَوْ أَنْ يُفْطِرَا - بكسر الحاء وفتح الياء - جمع حيلة "ومقتضاها" أي هذه الحيل ومضمونها هو "فعل شيء" اعتبر و"اعتمد" شرعا "في ظاهر" أمره لأنه سبب شرعي معتبر ومعتمد في ترتب أحكام شرعية معينة عليه "و" لكنه قد أخرج عن وضعه الشرعي "اللغو" وما لا يعتد به شرعا إن وجد "باطنا" يعني في باطن ونية المكلف هو الذي به "قصد" وبذلك فإنه يعتبر ذلك الفعل - السبب من جهة القصد - ملغى، فلا اعتداد به ومن أتى ذلك الفعل - السبب - على هذا الوجه فإنه يمنع من ثمراته الشرعية وقد يكون صحيحا باعتبار السبب المذكور وبذلك فهو محل نظر واجتهاد. وذلك "كمنشئ في رمضان السفرا" - الألف للإطلاق - ومثله من أنشأه - أي السفر - وهو في الحضر "بقصد أن يقصرا" الصلاة إذ لو كان مقيما للزمه أن يصلي أربعا، "أو أن يفطرا" ويتخلص من مشقة الصوم. فهل المعتبر في هذا المقام هو القصد أم هو السبب؟ قال الشاطبي في هذا الشأن: "هو محل يجب الاعتناء به، وقبل النظر في الصحة أو عدمها لا بد من شرح هذا الاحتيال. وذلك أن الله تعالى أوجب أشياء وحرم أشياء إما مطلقا من غير قيد ولا ترتيب على سبب كما أوجب الصلاة والصيام والحج وأشباه ذلك وحرم الزنى والربا والقتل ونحوها وأوجب أيضًا أشياء مرتبة … على أسباب وحرم أخر كذلك كإيجاب الزكاة والكفارات والوفاء بالنذور والشفعة للشريك وكتحريم المطلقة والانتفاع بالمغصوب أو المسروق وما أشبه ذلك فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالا في الظاهر أيضًا فهذا التسبب يسمى حيلة وتحيلا كما لو دخل وقت الصلاة عليه في الحضر فإنها تجب عليه أربعا فأراد أن يتسبب في إسقاطها كلها بشرب خمر أو دواء مسبت حتى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه أو قصرها فأنشأ سفرا ليقصر الصلاة وكذلك من أظله شهر رمضان فسافر ليأكل أو كان له مال يقدر على الحج به فوهبه أو أتلفه بوجه من وجوه الإتلاف كي لا يجب عليه الحج وكما لو أراد وطء جارية الغير

стр. 531

" المسألة الحادية عشرة " ١٤٣٦ - لَيْسَ التَّحَيُّلُ مِنَ الْمَشْرُوعِ … فِي الدِّينِ بَلْ ذَاكَ مِنَ الْمَمْنُوعِ ١٤٣٧ - دَلِيلُهُ الذَّمُّ عَلَى الإِطْلَاقِ … لِفَاعِلِي الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ فغصبها وزعم أنها ماتت فقضى عليه بقيمتها فوطئها بذلك أو أقام شهود زور على تزويج بكر برضاها فقضى الحاكم بذلك ثم وطئها أو أراد بيع عشرة دراهم نقدا بعشرين إلى أجل فجعل العشرة ثمنا لثوب ثم باع الثوب من البائع الأول بعشرين إلى أجل أو أراد قتل فلان فوضع له في طريقه سببا مجهزا كإشراع الرمح وحفر البئر ونحو ذلك وكالفرار من وجوب الزكاة بهبة المال أو إتلافه أو جمع متفرقه أو تفريق مجتمعه وهكذا سائر الأمثلة في تحليل الحرام وإسقاط الواجب ومثله جار في تحريم الحلال كالزوجة ترضع جارية الزوج أو الضرة لتحرم عليه أو إثبات حق لا يثبت كالوصية للوارث في قالب الإقرار بالدين وعلى الجملة فهو تحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعا إلى أحكام أخر بفعل صحيح الظاهر لغو في الباطن كانت الأحكام من خطاب التكليف أو من خطاب الوضع" (١). "المسألة الحادية عشرة" في بيان أنه "ليس التحيل" بالمعنى المذكور "من" السبيل "المشروع" والطريق المقبول "في" هذا "الدين" - دين الإسلام - "بل ذاك" فيه "من الممنوع" المحرم، "دليله" أي دليل هذا التحريم والمنع ما جاء في النصوص الشرعية من "الذم على الإطلاق" والوعيد "لفاعلي" ومقترفي "الرياء والنفاق" كقوله - تعالى -: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] لدمائهم وأموالهم، لا لما قصد له ذلك الإظهار في الشرع من الدخول تحت طاعة الله عن اختيار، وتصديق قلبي. وبهذا المعنى كانوا في الدرك الأسفل من النار، وقيل فيهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، وقالوا عن أنفسهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] لأنهم تحيلوا بملابسة الدين وأهله إلى

стр. 532

١٤٣٨ - وَمَا أَتَى فِي شَأْنِ أَهْلِ السَّبْتِ … وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمُ مِنْ مَقْتِ أغراضهم الفاسدة. "و" مثل ذلك "ما أتى شأن أهل السبت" الذين قال الله - تعالى - فيهم: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦] وذلك أنهم احتالوا الاصطياد في السبت بصورة الاصطياد في غيره" (١). "و" كذلك ما جاء في شأن "من جرى مجراهم" أي مجرى هؤلاء المحتالين على انتهاك محارم بتعاطي الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام "من" كل من صار من أهل "مقت" الله - تعالى - وغضبه. وفي سياق الحديث في هذا الأصل أورد الشاطبي أمثلة أخرى من هذا الصنف فقال: "وقال تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١] إلى قوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وفسرت بأن الله حرم على الرجل أن يرتجع المرأة يقصد بذلك مضارّتها، بأن يطلقها ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يرتجعها ثم يطلقها حتى تشارف انقضاء العدة وهكذا لا يرتجعها لغرض له فيها سوى الإضرار بها وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إن الطلاق كان في أول الإسلام إلى غير عدد فكان الرجل يرتجع المرأة قبل أن تنقضي عدتها ثم يطلقها ثم يرتجعها كذلك قصد فنزلت ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونزل مع ذلك ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية فيمن كان يضار المرأة حتى تفتدى منه وهذه كلها حيل على بلوغ غرض لم يشرع ذلك الحكم لأجله وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] يعنى بالورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لوارث احتيالا على حرمان بعض الورثة وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] الآية إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. ومن الأحاديث قوله ﵊ "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة فهذا نهي عن الاحتيال لإسقاط الواجب أو تقليله وقال لا ترتكبوا ما ارتكبت

стр. 533

" المسألة الثانية عشرة " ١٤٣٩ - قَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّرْعَ لِلْأحْكَامِ … فِي ضِمْنِهِ مَصَالِحُ الْأَنَامِ ١٤٤٠ - لِذَاكَ كَانَ الْفِعْلُ مَعهَا يُعْتَبَرْ … لِمَا بِهَا مِنْ مَقْصَدِ الشَّرْعِ ظَهَرْ اليهود والنصارى يستحلون محارم الله بأدنى الحيل وقال من أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن تسبق فهو قمار وقال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها وقال ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير ويروى موقوفا على ابن عباس ومرفوعا يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنى بالنكاح والربا بالبيع وقال إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم وقال لعن الله المحلل والمحلل له وقال لعن الله الراشي والمرتشي ونهى عن هدية المديان فقال إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبلها إلَّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك وقال القاتل لا يرث وجعل هدايا الأمراء غلولا ونهى عن البيع والسلف وقالت عائشة أبلغني زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب والأحاديث في هذا المعنى كثيرة كلها دائرة على أن التحيل في قلب الأحكام ظاهرا غير جائز وعليه عامة الأمة من الصحابة والتابعين" (١). "المسألة الثانية عشرة" وهي في بيان أنه "قد" ثبت و"صح" على جزم "أن الشرع" والوضع "للأحكام" قد روعي وأودع "في ضمنه" واعتبر في صوغه "مصالح" ومنافع "الأنام". و"لـ" أجل "ذاك" الذي شرعت له هذه الأحكام من تلك المصالح "كان الفعل" الذي يأتي به المكلف "معها" أي مع تلك المصالح وجودا وعدما "يعتبر" وذلك "لـ" أجل "ما بها" أي بتلك المصالح "من مقصد الشرع ظهر".

стр. 534

١٤٤١ - فَحَيْثُ جَاءَ الْفِعْلُ بِالْوِفَاقِ … لِمُقْتَضَى الشَّرْعِ عَلَى الإِطْلَاقِ ١٤٤٢ - فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ فِيهِ وَالذِي … ظَاهِرُهُ مُوَافِقٌ فِي الْمَأْخَذِ ١٤٤٣ - وَخَالَفَتْ مَصْلَحَةَ الْحُكْمِ فَذَا … لَيْسَ بِمشْرُوعٍ وَمِمَّا نُبِذَا ١٤٤٤ - لأنَّ الأَعْمَالَ التِي قَدْ شُرِعَتْ … مَصَالِحُ الْخَلْقِ عَلَيْهَا وُضِعَتْ ١٤٤٥ - فَكُلُّ مَا خَالَفَ هَذَا الْوَضْعَا … فَلَيْسَ مِمَّا يَسْتَقِرُّ شَرْعَا يعني يظهر ويتجلى وبذلك "فحيث" أي في أي موضع أو في أي زمان "جاء الفعل" متصفا "بالوفاق لمقتضى" وحكم "الشرع" ومقصده المذكور "على الإطلاق" يعني في الظاهر والباطن "فذاك" فعل "لا إشكال فيه" ولا خفاء في حكمه، لأنه استجمع شرائط الصحة وتمام المطلوب به شرعا. "و" أما الفعل "الذي ظاهره" وهو ما يبدو منه للخلق "موافق" للشرع "في المأخذ" - بفتح الميم - محل الأخذ، يعني أنه موافق للشرع لأنه مأخوذ منه وذاك مطلوب شرعا فيكون موافقا للشرع من هذه الجهة. "و" لكنه "خالفتـ" ـه - أي الشرع - من جهة القصد "مصلحة الحكم" الشرعي في ذلك الفعل فالمصلحة المقصودة بهذا الحكم هنا مخالفة لما قصد شرعا بذلك الفعل من مصالح "فذا" أي هذا الفعل "ليس بمشروع و "إنما هو "مما نبذا" وطرح شرعا، والمعنى اعتباره من الأفعال وذلك "لأن الأعمال التي قد شرعت" في هذا الدين ليست مشروعة لأنفسها، وإنما "مصالح الخلق" ومنافعهم هي التي "عليها" يعني لها - أي لتحصيلها وإدراكها - قد "وضعت" شرعا تلك الأعمال، وبناء على هذا الأصل "فـ" إن "كل ما خالف هذا الوضعا" وجاء على وضع آخر مباين له "فـ" إنه "ليس" على وضع المشروعات، وبذلك فإنه "مما" لا "يستقر" أمره "شرعا" وإنما لا يستقر في الشرع أمره لأنه جاء على خلاف ما هو مقبول فيه، وما يسري عليه حكم الصحة فيه. مثال ذلك النطق بالشهادتين والصلاة وغيرها من العبادات التي شرعت للتقرب بها إلى الله - تعالى - والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد، فإذا عمل بذلك على قصد نيل حظ من حظوظ الدنيا من دفع، أو نفع كالناطق بالشهادتين قاصدا لإحراز دمه وماله، لا لغير ذلك أو المصلي رئاء الناس ليحمد على ذلك أو ينال به رتبة في الدنيا فهذا العمل ليس بمشروع في شيء لأن المصلحة التي شرع لها ذلك العمل لم تحصل، بل المقصود به ضد تلك المصلحة.

стр. 535

١٤٤٦ - وَأَصْلُ ذَاكَ الاتِّبَاعُ لِلْهَوَا … فَهْوَ مِنَ الأَمْرِ عَلَى غَيْرِ السَّوَا ١٤٤٧ - لِذَلِكَ الْمَقْصِدُ غَيْرُ الشَّرْعِي … يَهْدِمُ مُقْتَضَاهُ قَصْدَ الشَّرْعِ " وأصل ذاك" كله ومنبعه هو "الاتباع لـ" دواعي "الهوا" ورعونات النفس وبذلك "فهو من "جهة "الأمر" الشرعي ومقتضاه "على غير" سبيل "السوا" أصله السواء وهو العدل والحق وإنما كان على سبيل غير الحق لأنه مخالف للأمر الشرعي في ذلك، ولهدمه المصلحة الشرعية المقصودة به شرعا. وعلى هذا نقول في الزكاة مثلا: أن المقصود بمشروعيتها رفع رذيلة الشح ومصلحة إرفاق المساكين وإحياء النفوس المعرضة للتلف. فمن وهب في آخر الحول ما له هروبا من وجوب الزكاة عليه، ثم إذا كان في حول آخر، أو قبل ذلك استوهبه فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له ورفع لمصلحة إرفاق المساكين فمعلوم أن صورة هذه الهبة ليست هي الهبة التي ندب الشرع إليها لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له وتوسيع عليه غنيا كان أو فقيرا وجلب لمودته ومؤالفته وهذه الهبة على الضد من ذلك ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقا لمصلحة الإرفاق والتوسعة ورفعا لرذيلة الشح فلم يكن هروبا عن أداء الزكاة (١). و"لذلك" الذي تقدم ذكره وبيانه من أن أصل ذلك اتباع الهوى الموجب لمخالفة القصد الشرعي "المقصد غير الشرعي" ينقض و "يهدم مقتضاه" وما يترتب عليه من آثار "قصد الشرع" في الموضع الذي سير فيه على وفق ذلك، كما تقدم في شأن الاحتيال المذكور في إسقاط الزكاة. أما القصد المشروع فإنه لا يهدم قصدا شرعيا كما في مسألة الهبة المذكورة. ومثل ما تقدم والفدية المشروعة للزوجة هربا من أن لا يقيما حدود الله في زواجهما، فأبيح للمرأة أن تشتري عصمتها من الزوج عن طيب نفس منها خوفا من الوقوع في المحظور فهذه بذلت مالها طلبا لصلاح الحال بينها وبين زوجها وهو التسريح بإحسان وهو مقصد شرعي مطابق للمصلحة لا فساد فيه حالا ولا مالا فإذا أضر بها لتفتدي منه فقد عمل هو بغير المشروع حين أضر بها لغير موجب مع القدرة على الوصول إلى الفراق من غير إضرار فلم يكن التسريح إذا طلبته بالفداء تسريحا بإحسان ولا خوفا من أن لا يقيما

стр. 536

" فَصْلٌ " ١٤٤٨ - فَالْحِيَلُ التِي مَضَى إِبْطَالُهَا … وَذَمُّهَا وَلَمْ يَجُزْ إِعْمَالُهَا ١٤٤٩ - مَا نَاقَضَ الْمَصَالِحُ الشَّرْعِيَّهْ … أَوْ هَدَمَ الْقَوَاعِدَ الدِّينِيَّهْ ١٤٥٠ - وَكُلُّ مَا لَيْسَ كَذَاكَ لَا يُرَى … يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ الذِي تَقَرَّرَا حدود الله لأنه فداء مضطر وإن كان جائزا لها من جهة الاضطرار والخروج من الإضرار وصار غير جائز له إذ وضع على غير المشروع. وكذلك نقول إن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية في الجملة وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على الخصوص أما الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته وأما الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها حتى يرتاض بلجام الشرع وقد مر بيان هذا فيما تقدم فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربقة التقوى وتمادى في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه وأمثال ذلك كثيرة (١). "فصل" إذا ثبت هذا وتقرر فإنه يجب أن يعلم أن الحيل مختلفة الأحوال والأحكام، وبذلك يصار في شأنها إلى التفصيل في الأحكام "فالحيل التي مضى" الحكم عليها بأنها ساقطة فاسدة فتقرر بذلك "إبطالها وذمها" فلم يصح "ولم يجز إعمالها" والحكم بمقتضاها، هي "ما" كان قد "ناقض" أي أفسد "المصالح الشرعية" المقصودة للشارع في أحكامه "أو هدم القواعد" الأصول "الدينية" وقد تقدم التمثيل لذلك كله فيما سبق من الأمثلة المذكورة في شأن النطق بالشهادتين، وأمر الزكاة وغير ذلك مما تقدم إيراده وذكره. "و" أما "كل ما ليس كذاك" الذي تقدم ذكره من الحيل، بحيث لا يهدم أصلا شرعيا، ولا يناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فإنه "لا يرى" ولا يبصر بالنظر الفقهي الشرعي، وهو "يدخل في" الذي جرى عليه حكم "النهي الذي تقرر" وثبت في الحيل الممنوعة التي تقدم الحكم بإبطالها، وإيراد أمثلة لها.

стр. 537

١٤٥١ - وَعِنْدَ ذَا تُوجَدُ أَضْرُبُ الْحِيَلْ … ثَلَاثَة كُلٌّ عَلَيْهِ يُسْتَدَلْ ١٤٥٢ - ضَرْبٌ بِهِ الْبُطْلَانُ بِاتِّفَاقِ … كحِيلَةِ الرِّياءِ وَالنِّفَاقِ ١٤٥٣ - وَالثَّانِ مَا الْجَوَازُ فِيهِ ءَاتِ … كَحِيلَةِ الْمُكْرَهِ لِلْحَيَاةِ ١٤٥٤ - وَفِي كِلَا الْقِسْمَيْنِ حُكْمُ الْقَطْعِ قَدْ … وَافَتْ بِهِ النُّصُوصُ فَهْيَ تُعْتَمَدْ " وعند" ما تدرك "ذا" التفصيل والتفرقة في شأن الحيل فإنك تلفي أنه "توجد أضرب" أي أنواع من "الحيل" وهي "ثلاثة" على وجه المخصوص به شرعا التعيين و "كل" واحد منها "عليه" يعنى على ثبوت حكمه "يستدل" ويحتج ليتبصر بحقيقة أمره، والحكم الشرعي الجاري فيه. أحد هذه الضروب "ضرب به" أي فيه حكم "البطلان" والفساد يجري ثابتا "باتفاق" بين أهل العلم على ذلك، وذلك "كحيلة" المتعبد لأجل "الرياء و" كحيلة المتعبد المقيد بغل "النفاق" وما جرى مجرى ذلك من كل ما فيه التحيل بوجه سائغ مشروع في الظاهر أو غير سائغ على إسقاط حكم شرعي أو قلبه إلى حكم آخر. وهذا الضرب تقدم بسط الكلام في شأنه والاستدلال على حكمه المذكور على وجه مرضي فيه غنية وكفاية. "والثان" منها هو "ما" حكم "الجواز فيه آت" شرعا، وذلك "كحيلة المكره" على النطق بكلمة الكفر "لـ" أجل حفظ "الحياة" أي حياته ودرء قتله. "وفي كلا القسمين" أي الضربين المذكورين الحكم المذكور في كل واحد منهما هو "حكم" ثابت على "القطع" والجزم، هذا ما "قد وافت" أي أتت "به النصوص" الشرعية الواردة في شأن الإكراه وما جرى مجراه وكذلك ما ورد في شأن أهل الرياء والنفاق ومن على نهجهم، وبذلك "فـ" تلك النصوص "هي" التي "تعتمد" في هذا المقام، وتتخذ حججا وأدلة فيه. والدم وإن كان يحصن بنطق المنافق بكلمة الشهادتين كما يحصن بنطق المؤمن المكره بكلمة الكفر، وكانت نسبة التحيل بنطق المنافق بالشهادتين في إحراز الدم بالقصد الأول من غير اعتقاد لمعناها ومقتضاها كنسبة التحيل بكلمة الإسلام في إحراز الدم بالقصد الأول كذلك، فإن الفرق بينهما هو أن هذا التحيل الآخر - وهو نطق المؤمن المكره بكلمة الكفر - تحيل مأذون فيه لكونه مصلحة دنيوية لا مفسدة فيها بإطلاق، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بخلاف التحيل الأول - وهو نطق المنافق بالشهادتين - فإنه غير مأذون فيه لأنه مفسدة أخروية بإطلاق، والمصالح والمفاسد

стр. 538

١٤٥٥ - وَالثَّالِثُ الْغُمُوضُ فِيِه ثَبَتَا … لِذَلِكَ الْخِلَافُ فِيهِ قَدْ أَتَا ١٤٥٦ - إِذْ لَيْسَ فِيهِ قَاطِعٌ بُرْهَانِي … يُلُحِقُهُ بِأَوَّلٍ أَوْ ثَانِي ١٤٥٧ - فَصَارَ كُلٌّ يَتْبَعُ اجْتِهَادَهْ … فمَرْجِعُ الْخُلْفِ إِلَى الشَّهَادَهْ ١٤٥٨ - وَلَا يُقَالُ إِنَّ مَنْ أَجَازَا … خِلَافَ قَصْدِ الشَّارعِ اسْتَجَازَا ١٤٥٩ - فَمِثْلُ ذَا مَمْنُوعٌ أَنْ يُعْتَقَدَا … فِي عُلَمَاءِ الدِّينِ أَعْلَامِ الْهُدَا الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق، إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة. فمعلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلا. ومن هنا جاء في ذم النفاق وأهله ما جاء. وهكذا سائر ما يجري مجراه، وكلا القسمين - الضربين - بالغ حكمه المذكور فيه مبلغ القطع والجزم به. "و" أما الضرب "الثالث" وهو الذي يتردد بين كونه تحيلا مخالفا للمصلحة الشرعية وكونه غير مخالف لها، فإن "الغموض" هو الذي "فيه" قد "ثبتا" - الألف للإطلاق - واستقر و "لـ" أجل "ذلك" الغموض الجاري في شأن هذا الضرب جرى "الخلاف" بين أهل العلم "فيه" يعني في حكمه الشرعي وذاك الخلف هو ما "قد أتا" عنهم فيه. "إذ ليس فيه" أي في هذا الضرب دليل شرعي "قاطع برهاني" يبين حكمه على جزم، وبذلك "يلحقه بأول" من هذه الضروب فيسري فيه حكم البطلان "أو "يلحقه بـ "ثان" منهما فيكون حكمه الجواز، كما أنه لم يتضح أن فيه مقصدا للشارع متفقا على أنه مقصود له، كما لم يظهر كذلك أنه على خلاف المصلحة التي وضعت لها الشريعة بحسب المسألة المفروضة فيه، كالتحيل للزوجة الآتي ذكره، وبذلك اضطربت فيه أنظار أهل العلم وترددت "فصار كل" واحد منهم "يتبع" ما أداه إليه "اجتهاده" واستبان له أنه الراجح في ذلك "فمرجع الخلف" الجاري بينهم هنا ومرده في أنفسهم "إلى" اختلاف "الشهادة" التي تقررت مدركة لهم بمقتضى نظرهم فمن شهد منهم أن هذا الضرب من التحيل غير مخالف للمصلحة الشرعية في موضعه فإنه يذهب في حكمه إلى الجواز. ومن شهد منهم أنه مخالف لها في محله فإنه يحكم بمنعه وحظره. "ولا" يصح أن "يقال: إن من أجازا" هذا الضرب من الحيل قد أباح "خلاف قصد الشارع" ومراده في الأحكام و"استجاز" ـه "فمثل ذا" القول "ممنوع" قوله كما يمنع "أن يعتقد" مدلوله "في علماء الدين" الذين هم في الحقيقة "أعلام الهدا" ومصابيح الدجى

стр. 539

١٤٦٠ - وَعُدَّ مِنْ مَسَائِلِ التَّحَيُّلِ … إِجَازَةُ النِّكَاحِ لِلْمُحَلِّلِ - نفعنا الله بهم - وأنما يجب أن يقال أنه أجازه بناء على تحري قصد الشارع، وأن ذلك ملحق عنده بقسم التحيل الجائز الذي علم قصد الشارع إليه. "و" مما "عد من مسائل" هذا الضرب من "التحيل إجازة النكاح" وتصحيحه "للمحلل" - بكسر اللام - وهو الذي يتزوج المرأة لغرض تحليلها لمطلقها ثلاثا. فهذا التزوج تحيل إلى رجوع الزوجة إلى مطلقها الأول بحيلة توافق في الظاهر قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فقد نكحت المرأة هذا المحلل فكان رجوعها إلى الأول بعد تطليق الثاني موافقا ونصوص الشارع مفهمة لمقاصده بل هي أول ما يتلقى منه فهم المقاصد الشرعية وقوله ﵊ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ظاهر أن المقصود في النكاح الثاني ذوق العسيلة وقد حصل في المحلل ولو كان قصد التحليل معتبرا في فساد هذا النكاح لبينه ﵊ ولأن كونه حيلة لا يمنعها وإلا لزم ذلك في كل حيلة كالنطق بكلمة الكفر للإكراه وسائر ما يدخل تحت القسم الجائز باتفاق فإذا ثبت هذا وكان موافقا للمنقول دل على صحة موافقته لقصد الشارع وكذلك إذا اعتبرت جهة المصلحة فمصلحة هذا النكاح ظاهرة لأنه قد قصد فيه الإصلاح بين الزوجين إذ كان تسببا في التآلف بينهما على وجه صحيح ولأن النكاح لا يلزم فيه القصد إلى البقاء المؤبد لأن هذا هو التضييق الذي تأباه الشريعة ولأجله شرع الطلاق وهو كنكاح النصارى وقد أجاز العلماء النكاح بقصد حل اليمين من غير قصد إلى الرغبة في بقاء عصمة المنكوحة وأجازوا نكاح المسافر في بلدة لا قصد له إلَّا قضاء الوطر زمان الإقامة بها إلى غير ذلك. وأيضا لا يلزم إذا شرعت القاعدة الكلية لمصلحة أن توجد المصلحة في كل فرد من أفرادها عينا حسبما تقدم كما في نكاح حل اليمين والقائل إن تزوجت فلانة فهي طالق على رأي مالك فيهما وفي نكاح المسافر وغير ذلك. هذا تقرير بعض ما يستدل به من قال بجواز الاحتيال هنا وأما تقرير الدليل على المنع فأظهر فلا نطول بذكره وأقرب تقرير فيه ما ذكره عبد الوهاب في شرح الرسالة فإليك النظر فيه (١).

стр. 540

١٤٦١ - وَكَمْ بِهَذَا الْقِسْمِ مِنْ مَسَائِلْ … وَالْخُلْفُ فِيهَا وَاضِحُ الدَّلَائِلْ " وكم" يوجد "بهذا القسم" أي هذا الضرب الذي نحن فيه "من مسائل" فقهية منظومة فيه "والخلف" بين أهل العلم "فيها" يعني في أحكامها "واضح" بين "الدلائل" والحجج الدالة على جريانه وثبوته فيها. ومن ذلك مسائل بيوع الآجال فإن فيها التحيل إلى بيع درهم نقدا بدرهمين إلى أجل لكن بعقدين كل واحد منهما مقصود في نفسه وإن كان الأول ذريعة فالثاني غير مانع لأن الشارع إذا كان قد أباح لنا الانتفاع بجلب المصالح ودرء المفاسد على وجوه مخصوصة فتحري المكلف تلك الوجوه غير قادح وإلَّا كان قادحا في جميع الوجوه المشروعة وإذا فرض أن العقد الأول ليس بمقصود العاقد وإنما مقصوده الثاني فالأول إذا منزل منزلة الوسائل والوسائل مقصودة شرعا من حيث هي وسائل وهذا منها فإن جازت الوسائل من حيث هي وسائل فليجز ما نحن فيه وإن منع ما نحن فيه فلتمنع الوسائل على الإطلاق لكنها ليست على الإطلاق ممنوعة إلَّا بدليل فكذلك هنا لا يمنع إلَّا بدليل إذ لم يفصل النبي ﵊. وقول القائل إن هذا مبني على قاعدة القول بالذرائع غير مفيد هنا فإن الذرائع على ثلاثة أقسام منها ما يسد باتفاق كسب الأصنام مع العلم بأنه مؤد إلى سب الله تعالى وكسب أبوي الرجل إذا كان مؤديا إلى سب أبوي الساب فإنه عد في الحديث سبا من الساب لأبوي نفسه وحفر الآبار في طرق المسلمين مع العلم بوقوعهم فيها وإلقاء السم في الأطعمة والأشربة التي يعلم تناول المسلمين لها ومنها ما لا يسد باتفاق كما إذا أحب الإنسان أن يشتري بطعامه أفضل منه أو أدنى من جنسه فيتحيل ببيع متاعه ليتوصل بالثمن إلى مقصوده بل كسائر التجارات فإن مقصودها الذي أبيحت له إنما يرجع إلى التحيل في بذل دراهم في السلعة ليأخذ أكثر منها ومنها ما هو مختلف فيه ومسألتنا من هذا القسم فلم نخرج عن حكمه بعد والمنازعة باقية فيه، وهذه جملة مما يمكن أن يقال في الاستدلال على جواز التحيل في المسألة وأدلة الجهة الأخرى مقررة واضحة شهيرة فطالعها في مواضعها وإنما قصد هنا هذا التقرير الغريب لقلة الاطلاع عليه من كتب أهله إذ كتب الحنفية كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب وكذلك كتب الشافعية وغيرهم من أهل المذاهب ومع أن اعتياد الاستدلال لمذهب واحد ربما يكسب الطالب نفورا وإنكارا لمذهب غير مذهبه من غير إطلاع على مأخذه فيورث ذلك حزازة في الاعتقاد في الأئمة الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين واضطلاعهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه وقد وجد هذا كثيرا ولنكتف بهذين المثالين فهما من أشهر

стр. 541

" فَصْلٌ " ١٤٦٢ - إِنْ قِيلَ إِنَّ الْحُكْمَ فِي مَوَاضِعْ … يُبْنَى عَلَى الْعِلْمِ بِقَصْدِ الشَّارعْ ١٤٦٣ - فَمَا الذِي لِعِلْمِ ذَاكَ يُوصِلُ … قُلْت لَهُ قَاعِدَةٌ تُفَصَّلُ ١٤٦٤ - وَذَاكَ أنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا … هُنَا عَلَى مَذَاهِبٍ سَتُوصَفُ ١٤٦٥ - طَائِفَةٌ مَالُوا مَعَ الظَّوَاهِرِ … وَوَقَفُوا مَعْ كُلِّ لَفْظٍ صَادِرْ المسائل في باب الحيل ويقاس على النظر فيهما النظر فيما سواهما (١). "فصل" في بيان ما به يعرف ما هو مقصود للشارع مما ليس بمقصود له في أحكامه. وذلك أنه "إن قيل ان الحكم" الشرعي "في" ما يجري فيه من "مواضع" ومواطن "يبنى" العلم بصحته وعدم صحته شرعا "على العلم بقصد الشارع" منه - أي من ذلك الحكم - فإن وافق قصد الشارع قصد المكلف فيما أتاه من عمل صح حكمه، وإن كان على خلاف ذلك بطل وفسد. وبذلك فإنه لابد من معرفة قصد الشارع من الحكم لمعرفة ما يكون فيه من المواضع صحيحا أو فاسدا. "فما الذي" من الاعتبارات وطرق النظر المأثورة في هذا المقام "لعلم" المقصود الشرعي "ذاك" مما ليس بمقصود له "يوصل" ويبلغ؟ "قلت" مجيبا عن ذلك "له" أي لما يوصل إلى ذلك العلم "قاعدة" جامعة لما اقتضاه نظر أهل العلم ها هنا، ولما كانوا عليه من خلف في أمره وبذلك فهي قاعدة تبين ذلك و "تفصّل" في شأنه "وذاك أن العلماء" - رحمهم الله تعالى - "اختلفوا هنا" في هذه المسألة وهي مسألة ما يعرف به مقصد الشارع من الحكم - وصاروا "على مذاهب" وأقساما ثلاثة، "ستوصف" فمنهم وهذا هو القسم الأول "طائفة" رأوا أن مقصد الشارع في الحكم لا سبيل إلى العلم به إلَّا بورود نص شرعي يدل عليه بظاهره ووضعه اللغوي، فلا مطمع إلى العلم به إلَّا بهذا السبيل، كما في قوله - تعالى -: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] وقوله - سبحانه -: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وبذلك "مالوا" في سعيهم إلى استخراج الأحكام ومقاصد الشارع منها "إلى" اعتماد "الظواهر" أي ظواهر الألفاظ وما تدل عليه بمقتضى وضعها اللغوي فقط "ووقفوا" دائرين "مع" المدلول اللغوي لـ "كل لفظ صادر" من الشارع ويقولون: اللفظ لا يعطيك

стр. 542

١٤٦٦ - وَرَدُّ الالْتِفَاتِ لِلْمَعَانِي … فِي مُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْقُرْانِ ١٤٦٧ - وَهُمْ أُولُو الظَّاهِرِ فَالْقِيَاسُ … مُرَتَّبٌ لَهُمْ عَلَيْهِ الْبَاسُ ١٤٦٨ - فَمَقْصِدُ الشَّارعِ عِنْدَ هَؤُلَا … فِيمَا مِنَ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ يُجْتَلَا ١٤٦٩ - وَفِرْقَةٌ مَالُوا إِلَى الْمَعَانِي … تَتَبُّعًا لِكُلِّ شَانٍ شَانِ إلَّا ما دل عليه لغة، فلا يمنحك معنى في غيره. "و" كذلك وقفوا مع "ردّ" وإنكار "الالتفات" والاعتبار "للمعاني" الحكم والعلل ومقاصد الشارع في الأحكام وهذا يسري عندهم أمره "في مقتضى" ومدلول نصوص "السنة والقرآن" بلا فرق بينهما في ذلك عندهم "و" هؤلاء "هم أولو "أي أهل "الظاهر" سموا بذلك كما سموا بالظاهرية لأخذهم بظاهر الألفاظ والنصوص فقط "فالقياس" الفقهي في نظرهم ساقط الاعتبار فهو ليس أصلا شرعيا على الإطلاق بل هو "مرتب" فيما ظهر "لهم عليه" يعني على العمل به وجعله أصلا شرعيا الإثم و "الباس" أي العذاب لأن ذلك معصية وخروج عن شرع الله - تعالى - على ما رأوا، وبذلك "فمقصد الشارع" في أحكامه "عند هؤلاء" محصور سبيل العلم به "في" أمر واحد وهو "ما" يظهر بالدلالة اللغوية "من اللفظ الصريح" في الدلالة على ذلك المقصد وما "يجتلا" أي يكشف منه، ولا معول على شيء آخر في هذا المقام عندهم على الإطلاق. هذا بيان شأن هذه الطائفة ومذهبها، في هذه المسألة بإيجاز واختصار. "و" منهم - أي العلماء - وهذا هو القسم الثاني "فرقة" وهي الطائفة المتقدم ذكرها على طرفي نقيض إذ أفراد هذه الفرقة "مالوا إلى" اعتبار "المعاني" أي المقاصد والحِكم والعِلل، التي بنيت عليها الأحكام، فكان مصب نظرهم وبحثهم في مواطن الاحكام على المعاني المقصودة من تلك الاحكام شرعا، ففي كل جزئية عرضت لهم ينظرون إلى المعنى الذي يجري حكمه فيها وكذلك يفعلون في الألفاظ الشرعية "تَتَبُّعًا" منهم "لكل شان" يعني معنى هو "شان" أي معنى معتبر عندهم. وهؤلاء ضربان. أحدهما: من ادّعوا انّ مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر - ظواهر الألفاظ - ولا فيما يفهم منها، وإنما المقصود أمر آخر وراءه. ويطرد هذا في جميع الشريعة، حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن ان يلتمس منه معرفة مقاصد الشارع. وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة. وهم الباطنية،

стр. 543

١٤٧٠ - فَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُمْ بِالظَّاهِرْ … وَالنَّصُّ مَعْ مَعْنىً لَهُ مُنَافِرْ ١٤٧١ - وَهُمْ أُولُو الرَّأْيِ فَفِي الْقِيَاسِ … تَعَمَّقُوا مِنْ دُونِ جُلِّ النَّاسِ ١٤٧٢ - فَمَقْصِدُ الشَّارعَ عِنْدَهُمْ يُرَى … فِيمَا مِنَ الْمَعْنَى لَهُمْ تَصَوَّرَا فإنهم لما قالوا بالإمام المعصوم لم يمكنهم ذلك إلَّا بالقدح في النصوص والظواهر الشرعية لكي يفتقر إليه على زعمهم. ومال هذا الرأي الكفر - والعياذ بالله - تعالى - والأولى أن يهمل هذا الرأي وأن لا يلتفت إليه على الإطلاق. ثانيهما: من ذهبوا إلى أنه يجب الالتفات إلى المعاني - الحكم والمقاصد والعلل - وتحكيمها في بناء الاحكام الفقهية وبذلك "فـ" هؤلاء "لا اعتبار عندهم بالظاهر" يعني ظاهر الألفاظ وما تدل عليه بوضعها اللغوي أو العرفي "و" كذلك "النص" وهو ما لا يحتمل إلَّا معنى واحدا إذا كان ذلك الظاهر أو النص قد وقع تعارضه "مع معنى" نظري هو "له منافِر" - بكسر الفاء - أي معاند ومخالف، وبيان ذلك أنّ هؤلاء يحملون النص الشرعي على غير ظاهره إذا تبين لهم بمقتضى نظرهم أن هذا الظاهر غير مقصود، وإنما المقصود من ذلك النص معنى آخر يجب المصير إليه بالتأويل، وبذلك يغلبون القياس والقواعد العامة على ظواهر النصوص، وهذا يتبين لك على وضوح في التأويلات التي يذهب إليها الحنفية في جمع من الأحاديث. وقد أورد هذه التأويلات كثير من أهل العلم في كتبهم، منهم إمام الحرمين في كتابه "البرهان" والآمدي في كتابه "الإحكام". "و" هؤلاء الذين هم على هذا السبيل "هم أولو" أصحاب "الرأي" لقبوا بذلك تمييزا لهم عمن لم يكونوا على مذهبهم في هذا الشأن كأهل الحديث وغيرهم من الفقهاء الذين يجمعون بين رعاية الظاهر ورعاية المعنى مما لا يأخذون بالقياس إلَّا إذا عدموا النص في المحل الذي يبحثون عن حكمه، بخلاف أهل الرأي هؤلاء "فـ" إنهم "في القياس تعمقوا" وبالغوا في الأخذ به حتى اطرحوا النص وقدموا عليه المعنى النظري "من دون جل" أغلب "الناس" أهل العلم، وبذلك "فـ" إن هؤلاء - أهل البرأى - "مقصد الشارع" من الحكم "عندهم" وفي رأيهم أنما "يرى" ويعلم "فيما" ظهر "من" جهة "المعنى" الحكمة والمقصد والعلة "لهم" وما "تصورا" - الألف للإطلاق - لهم أي ظهرت لهم صورته - أي صفته - من معنى فقط. وقوله "تصورا" هو بفتح التاء المثناة فوق وفتح الصاد، من قولك: صورت الشيء فتصور. فالتاء فيه للمطاوعة وقد يكون هذا

стр. 544

١٤٧٣ - وَجُلُّهُمْ مَالُوا إِلَى التَّوَسُّطِ … عَنْ حَالَتَيْ مُفْرِطٍ أَوْ مُفَرِّطِ ١٤٧٤ - فَاعْتَبِرُوا فِي ذَلِكَ الأمْرَيْنِ … وَأَعْمِلُوا فِيهِ كِلَا الْوَجْهَيْنِ ١٤٧٥ - جَارِينَ فِي الأَمْرِ عَلَى نِظَامِ … بِهِ يُرَى الْمَشْرُوعُ ذَا الْتِئَامِ ١٤٧٦ - بِحَيْثُ لَا يُخِلُّ بِالْمَعَانِي … نَصٌّ وَلَا الْعَكْسُ بِذِي اقْتِرَانِ ١٤٧٧ - وَذَا الذِي قَدْ أَمَّهُ الأئِمَّهْ … وَأَوْضَحُوا سَبِيلَهُ لِلأمَّهْ الذي ذهب إليه أهل الرأي في هذا الشأن إما مبنيا على وجوب مراعاة المصالح على الإطلاق، أو على عدم الوجوب لكن مع تحكيم المعنى جدا حتى تكون الألفاظ الشرعية تابعة للمعاني النظرية. هذا بإيجاز بيان حال مذهب هذه الفرقة وما هي عليه من مسلك في هذا الموضوع. وأما أغلب العلماء - "وجلهم" - فإنهم ذهبوا إلى خلاف ما عليه الطائفتان المذكورتان في هذا الشأن وإلى إنكاره، فذهبوا و "مالوا إلى" اختيار "التوسط" في هذا الشأن ورغبوا "عن حالتي" من هو "مفرط" - بضم الميم وسكون الفاء من أفرط في الأمر إذا بالغ فيه وتجاوز الحد - في الأخذ بالمعنى "أو مُفرّط" في الأخذ بالظاهر أو من هو مُفرّط - بضم الميم وفتح الفاء - فرط في الشيء إذا ضيّعه. وبهذا الذي هم عليه هؤلاء العلماء من التوسط "فـ" أنهم قد "اعتبروا في ذلك" - وهو معرفة القصد الشرعي من الحكم - "الأمرين" اللذين هما ظاهر اللفظ، والمعنى الذي قد يكون هو ما بني عليه الحكم واعتبر فيه شرعا "و" لذلك "أعملوا فيه" تبعا لذلك "كلا الوجهين" وهما ظاهر اللفظ، والمعنى المذكوران، فجاوءا "جارين في الأمر" والشأن الشرعي "على نظام" واحد "به" بسببه، أو فيه "يرى" أي يبصر "المشروع" أي الشرع - الشريعة - "ذا التئام" واجتماع لا اختلاف فيما به تعرف أحكامه ومقاصده ولا تناقض فيه، بل جاء ذلك متناسقا "بحيث لا يخل" لا يجحف - يذهب - "بالمعاني" التي دلت الأدلة على أنها مقصودة للشارع "نص" شرعي "ولا العكس" وهو أن يخل المعنى بالنص فإنه كذلك ليس في هذه الشريعة بواقع، فدلالة النص على حكم ودلالة المعنى على حكم يناقضه أمر ليس "بذي اقتران" واجتماع في هذه الشريعة. "وذا" هو "الذي قد" اختاره و"أمّه" وذهب إليه أكثر "الأئمة" والراسخين في العلم، "و" هو الذي "أوضحوا" وبينوا "سبيله" الذي يوصل إلى معرفته وإلى أنه الحق "لـ" هذه "الأمة"

стр. 545

١٤٧٨ - وَأَنَّهُ الذِي عَلَيْهِ الْمُعْتَمَدْ … فِيمَا يُرَى الْعِلْمُ بِمَ الشَّرْعُ قَصَدْ ١٤٧٩ - وَقَصْدُهُ يُعْرَفُ مِنْ مَسَالِك … أَعْلَامُهَا وَاضِحَةٌ لِلسَّالِكْ ١٤٨٠ - أوَّلُهَا مُجَرَّدُ الْأَوَامِرْ … أَوْ النَّوَاهِي بِابْتِدَاءٍ ظَاهِرْ ١٤٨١ - وَمَعَ تَصْرِيحٍ بِذَاكَ مُغْنِ … وَتَحَرُّزٍ مِنْ تَابِعٍ وَضِمْنِي المسلمة "و" بذلك يعلم "أنه" المذهب "الذي عليه المعتمد" أي الاعتماد "فيما" يعني في معرفة الضابط الذي "يرى" - بضم الياء - من أراه الشيء إذا أبصره به ودله عليه -. "العلم بما" أي بالذي "الشرع" قد "قصد" ـه في أحكامه. ومعنى كون هذا المذهب هو العمدة في معرفة هذا الضابط أن المضي على مقتضاه - أي المذهب - والعمل به يرشد إلى هذا الضابط، ويبصر به، وهذا الضابط هو أن قصد الشارع قد يعرف من طريق اللفظ في مواضع كما أنه قد يُعرف من طريق المعنى في مواضع أخرى. "و" بذلك فإن "قصده" أي الشارع "يعرف" ويدرك "من مسالك" محددة مضبوطة "أعلامها" ومعالمها التى تدل على أنها موصلة لذلك - القصد الشرعي - "واضحة" بيّنة "للسالك" يعني لسالكها. وَسميت مسالك باعتبار أنها موصلة لذلك، وهي في حقيقة الأمر أدلة وأمارات شرعية تدل على ذلك القصد وتبينه بمضمونها ومقتضاها وهي - كما تقدّم - مسالك معينة مضبوطة: "أولها" أي هذه المسالك "مجرد الأوامر" فإن الأمر معلوم أنه إنما كان أمرا لاقتضائه الفعل، فوقوع الفعل عند وجود الأمر مقصود للشارع. "أو "بمعنى الواو يعني وكذلك مجرد "النواهي" إذ من المعلوم أن النهي مقتض لنفي الفعل أو الكف عنه، فعدم وقوعه مقصود للشارع، وإيقاعه مخالف لمقصوده، كما أن عدم إيقاع المأمور به مخالف لمقصوده. هذا كله إذا كانت تلك الأوامر أو النواهي قد حصلت "بابتداء" يعني مع وجود ابتداء في صفة تشريعها "ظاهر" أي بين، وذلك بأن يكون مقتضاها مقصودا لذاته ابتداءً. "و" كذلك "مع" وجود "تصريح بذاك" الأمر أو النهي "مغن" كاف في الدلالة على أنهما مصرح بهما. وقوله "مغن" أتى به لتتميم البيت إذ معناه مستغنى عنه بما تقدم. "و" إنما اشترط ما تقدم ذكره من الابتداء في ذلك "تحرزا من "أمر أو نهي "تابع" ومؤكد لحكم أمر أو نهي آخر، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾

стр. 546

١٤٨٢ - وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي اعْتِبَارُ الْعِلَلِ … فِي الأمْرِ وَالنَّهْيِ بِحَيْثُ يَنْجَلِي ١٤٨٣ - فَإِنْ تَكُ الْعِلَّةُ مِمَّا عُلِمَا … بِمَا لَدَى عِلْمِ الأُصُولِ يُمِّمَا ١٤٨٤ - اتُّبِعَتْ فَحَيْثُ مَا قَدْ وُجِدَتْ … فَمُقْتَضَى الأمْرِ أَوِ النَّهْيِ ثَبَتْ [الجُمُعَة: ٩] فإن النهي عن البيع ليس نهيا مبتدأ، بل هو تأكيد للأمر بالسعي، فهو من النهي المقصود بالقصد الثاني فالبيع ليس منهيا عنه بالقصد الأول كما نهي عن الربا - والزنى مثلا -، بل نهي عنه لتعطيل السعي عند الاشتغال به وما شأنه هذا ففي فهم قصد الشارع من مجرده نظر واختلاف منشؤه من أصل المسألة المترجمة "بالصلاة في الدار المغصوبة" "و" ما تقدم ذكره من التصريح في ذلك تحرزا من أمر أو نهي "ضمني" غير مصرح به كالنهي عن أضداد المأمور به الذي تضمنه الأمر والأمر الذي تضمنه النهي عن الشيء فإن النهي والأمر ههنا إن قيل بهما فهما بالقصد الثاني لا بالقصد الأول إذ مجراهما عند القائل بهما مجرى التأكيد للأمر أو النهي المصرح به، فأما إن قيل بالنفي فلأمر أوضح في عدم القصد وكذلك الأمر بما لا يتم المأمور إلَّا به المذكور في مسألة ما لا يتم الواجب إلَّا به فدلالة الأمر والنهي في هذا على مقصود الشارع متنازع فيه فليس داخلا فيما نحن فيه ولذلك قيد الأمر والنهي بالتصريحي (١). هذا هو المسلك الأول. "و" أما "المسلك الثاني" فهو "اعتبار العلل" الشرعية الفقهية "في الأمر والنهي" والبحث عن موجب الأمر والنهي، فيقال لماذا أمر بهذا ولماذا نهي عن هذا الآخر؟ وذلك "بحيث" أي في المواضع الذي "ينجلي" فيه ذلك ويظهر، وذلك أن العلة إما أن تكون معلومة أو لا، "فإن تك العلة مما علما" أي يعلم ويدرك ثبوت ووجودها "بـ" واسطة "ما لدى" يذكر ويورد في "علم الأصول" من مسالك، فإنه "يمما" يعني ييمم، أي يقصد ويصار إلى الأخذ به، فإذا ثبت به "اتبعت" وعمل بمقتضاها "فحيث ما" أي ففي أي موضع "قد وجدت" العلة فيه "فـ" إنه قد استقر فيه "مقتضى الأمر أو النهي" من القصد وعدمه و"ثبت"، كالنكاح لمصلحة التناسل، والبيع لمصلحة الانتفاع بالمعقود عليه، والحدود لمصلحة الازدجار. فهذه المواطن كلها قد علم فيها القصد الشرعي بمعرفة علل الأحكام فيها.

стр. 547

١٤٨٥ - وَحَيْثُمَا تَعَيَّنَتْ فَيُعْلَمُ … بِأَنَّ قَصْدَ الشَّرْعِ فِيمَا تُفْهَمُ ١٤٨٦ - مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَسَبُّبٍ مُطَّلَبِ … أَوْ عَدَمِ الْفِعْلِ أَوِ التَّسَبُّبِ ١٤٨٧ - وإنْ تَكُ الْعِلَّةُ لَمْ تُعْلَمْ فَفِي … ذَا الْحَالِ لَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ ١٤٨٨ - عَنْ أَنْ نَقُولَ إِنَّ قَصْدَ الشَّارعْ … فِيهِ كَذَا بِلَا دَلِيلٍ قَاطِعْ ١٤٨٩ - إمَّا بِتَرْكِ الْجَزْمِ فِي التَّعَدِّي … بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ قَصْدِ ١٤٩٠ - إِمَّا مَعَ الْجَزْمِ بِهِ وَالْقَطْعِ … بِأنَّهُ لَيْسَ مُرَادَ الشَّرْعِ " وحيثما" أي في أي موضع "تعينت" العلة أي علمت بعينها "فـ" إنه "يُعلم" ويدرك تبعا لذلك "بأن قصد الشارع" فيه هو "فيما تفهمـ" ـه تلك العلة وتدل عليه "من فعل" كما في الأمثلة السابقة "أو تسبب" كما في الأسباب المباحة "مطلب" أي المطلوبة "أو" ما تفهمه من "عدم الفعل" كما في المنهي عنه، "أو "من عدم "التسبب" كما في الأسباب الموجبة للحد، أو العذاب الأخروي. هذا إذا كانت علة الحكم معلومة معينة. "و" أما "إن تك العلة" أي علة حكم ما مجهولة بأن كانت "لم تعلم" لنا "فـ" إنه "في ذا الحال لا بد من التوقف" والانفكاك "عن أن تقول أن قصد الشارع فيه" أي في هذا الموضع هو "كذا بلا دليل" يدل على ذلك "قاطع" أي يفيد بذلك. إلَّا أن التوقف له وجهان هنا، لأنه يكون "إما بترك الجزم" والقطع "في"حصول ووقوع "التعدي" والتجاوز للمنصوص عليه في ذلك الحكم المعين، أو السبب المعين إلى ما سواه وذلك "بـ" سبب "أنه ليس" يعلم "له" أي للشارع فيه … "من قصد" وإنما لزم التوقف فيما هذا شأنه لأن تعدية الحكم المنصوص عليه إلى ما سواه مع الجهل بالعلة تحكّم من غير دليل، وضلال على غير سبيل، فلا يصح لحكم على زيد بما وضع حكما على عمرو، ونحن لا نعلم أن الشارع قصد الحكم به على زيد أو لا لأنّا إذا لم نعلم ذلك، أمكن أن لا يكون حكما عليه، فنكون قد أقدمنا على مخالفة الشارع عمدا. فالتوقف هنا إذن لعدم الدليل. هذا الوجه الأول. و "إما" أن يكون - وهذا هو الوجه الثاني - ذلك التوقف "مع الجزم به والقطع" بالنفي أي "بأنه" أي ذلك الفعل أو التسبب أو عدمهما أمر "ليس مراد" وقصد "الشرع"، وذلك الجزم والقطع يتوصل إليه بمقتضى كون الأصل في الأحكام

стр. 548

١٤٩١ - وَحَيْثُمَا تَعَارَضَا لِلْمُجْتَهِدْ … مِثْلُ الدَّلِيلَيْنِ التَّوَقُّفُ اعْتُمِدْ ١٤٩٢ - وَمَعَ ذَا فَالْفَرْقُ شَرْعًا ءَاتِ … بَيْنَ التَّعَبُّدَاتِ وَالْعَادَاتِ ١٤٩٣ - لِأَنَّهُ غَلَّبَ فِي الْعِبَادَهْ … تَعَبُّدًا وَعَكْسُهُ فِي الْعَادَهْ الشرعية أن لا يتعدى بها محالها حتى يعرف قصد الشارع لذلك التعدي لأن عدم نصبه دليلا على التعدي دليل على عدم التعدي إذ لو كان عند الشارع متعديا لنصب عليه دليلا ووضع له مسلكا ومسالك العلة معروفة وقد خبر بها محل الحكم فلم توجد له علة يشهد لها مسلك من المسالك فصح أن التعدي لغير المنصوص عليه غير مقصود للشارع فهذان مسلكان كلاهما متجه في الموضع إلَّا أن الأول يقتضي التوقف من غير جزم بأن التعدي المفروض غير مراد ويقتضي هذا إمكان أنه مراد فيبقى الناظر باحثا حتى يجد مخلصا إذ يمكن أن يكون مقصود الشارع ويمكن أن لا يكون مقصودا له والثاني يقتضي جزم القضية بأنه غير مراد فينبني عليه نفي التعدي من غير توقف ويحكم به علما أو ظنا بأنه غير مقصود له إذ لو كان مقصودا لنصب عليه دليلا ولما لم نجد ذلك دل على أنه غير مقصود فإن أتى ما يوضح خلاف المعتقد رجع إليه كالمجتهد يجزم القضية في الحكم ثم يطلع بعد على دليل ينسخ جزمه إلى خلافه (١). "وحيثما تعارضا" أي الوجهان المذكوران "للمجتهد" ولم يتبين له ما هو الراجح منهما من المرجوح فإنهما "مثل الدليلين" إذا تعارضا للمجتهد تعارضا لا يتخلص منه بالجمع ولا بالترجيح، فالحكم الذي يجب المصير إليه - هنا - هو "التوقف" عن القول بأي منهما لأنه الذي ظهر رجحانه فـ "اعتمد" فيه "ومع ذا" الذي ذكر "فـ" إنه يستضاء هنا بضابط وهو أن "الفرق شرعا" حاصل و"ءات بين التعبدات" أي العبادات "والعادات" كالمعاملات والعادات الجارية بين الناس بحكم طباعهم وأحوالهم، وذلك "لأنه غلب في العبادة" تشريعها "تعبدا" لا تعلم حكم وأسرار كونها على ما هي عليها من هيئات ومقادير وأعداد واختصاص بأزمنة معينة محددة. "و" غلب "عكسه" - وهو الالتفات إلى المعاني - "في العاده" المعاملات ونحوها مما به قيام معاش الناس وصلاح أمورهم في الدنيا.

стр. 549

١٤٩٤ - لِذَاكَ مَالِكٌ لَهُ تَوَسُّعٌ … فِيمَا إِلَى الْعَادَاتِ حُكْمًا يَرْجِعُ ١٤٩٥ - فَأَصْلُ الاِسْتِحْسَانِ فِيهَا أَعْمَلَهْ … مِثْلَ الْمَصَالِحِ وَأَعْنِي الْمُرْسَلَهْ ١٤٩٦ - وَذَا بِعَكْسِ مَالَهُ مَعْهُودُ … فِيمَا بِهِ تَعَبُّدٌ مَوْجُودُ و"لذلك" الذي ذكر من كون الأصل في العبادات هو التعبد والعادات هو الالتفات للمعاني الإمام "مالك" - رحمه الله تعالى - "له توسع في "كل ما هو من العادات وكذلك "ما إلى العادات حكما يرجع" ويؤول، وبذلك فإنه يلحق العادات غير المنصوص عليها بالعادات المنصوص عليها باعتبار أن الذي عليه المدار في أحكامه هو المعنى، فمتى وجد في موضع ما فإنه يدل على القصد الشرعي فيه فعلا كان أو تركا، فيجري الحكم الشرعي فيه على وفق ذلك أي "فـ" ذلك "أصل" من أصوله وهو "الاستحسان فيها" في العادات "أعمله" وجرى على مقتضاه فيها. كما بين ذلك المصنف، الشاطبي - رحمه الله تعالى - بتوسع في كتابه "الاعتصام" وتقدم ذكره في المسألة الثامنة عشرة السابقة. و"مثل" ما أعمل مالك الاستحسان في هذا الموضع أعمل فيه كذلك أصلا آخر وهو "المصالح وأعني" بها المصالح "المرسله" التي تعتبر في صحتها أمور: أحدها: الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من دلائله. ثانيها: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره والحج ونحو ذلك. ثالثها: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين، وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فهي إذن من الوسائل لا من المقاصد. ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد (١). "وذا" أي هذا الذي عليه مالك في شأن العادات هو "بعكس ما؛ أي الذي هو "له معهود" ومعلوم ومأثور عنه "فيما" من المشروعات يحصل "به تعبد" لله - تعالى - وما هو "موجود" به وواقع. فالعبادات عنده - رحمه الله تعالى - يغلب فيها جهة التعبد

стр. 550

١٤٩٧ - وَمَلْحَظُ النَّفْيِ لَدَى الْعِبَادَهْ … أَمْكَنُ وَالآخِرُ حَيْثُ الْعَادَهْ ١٤٩٨ - وَالْمَيْلُ لِلْمَعْنَى بِمَا التَّعَبُّدُ … مِنْ شَأْنِهِ لِلْحَنَفِيِّ يُسْنَدُ ١٤٩٩ - وَالظَّاهِرِيُّ مَيْلُهُ بِالْعَادِي … فِي كُلِّ حَالَةٍ إِلَى الْعِبَادِي مطلقا، ولذلك لم يلتفت في إزالة الأنجاس ورفع الأحداث إلى مجرد النظافة حتَّى اشترط الماء المطلق في رفع الأحداث النية وإن حصلت النظافة دون ذلك وامتنع من إقامة التكبير والتسليم مقامهما، ومنع من إخراج القيم في الزكاة. واقتصر على مجرد العدد في الكفارات إلى غير ذلك من المسائل التي تقتضي الاقتصار على عين المنصوص عليه أو ما ماثله. "و" إذا تقرر هذا - وهو الفرق بين العادات والعبادات في هذا الشأن - فإن "ملحظ" واعتبار "النفي "للتعدي المذكور "لدى" أي في "العبادة" أقوى و"أمكن" من الوجه "الآخر" وهو التوقف. "و" هذا "الأخر" أمكن وأقوى "حيث" يكون ما جهل فيه القصد الشرعي هو "العاده" لأنَّهُ الأليق به باعتبار أنه الموافق لما تقرر أن الأصل في العادات هو الالتفات إلى المعاني بخلاف العبادات كما تقدم تقريره وبيانه. هذا هو الذي عليه المالكية ومن وافقهم في هذه المسألة، فسبيلهم في هذا الشأن - كما ترى - هو التفصيل والتفرقة بين ما هو من العبادات وما هو من العادات. ويمكن أن تراعى المعاني في العبادات نظرا إلى ظهور شيء من ذلك فيها، وبذلك تجري هذه الرعاية في الباقي منها مما لم تظهر فيه، "و" على هذا بني المذهب الذي متضمنه "الميل" والذهاب "لـ" اعتبار "المعنى" وثبوت التعليل "بما"؛ أي فيما يكون "التعبد من شأنه" وحقيقة أمره - وهو المذهب الذي "للحنفي" يعني الحنفية - "يسند" لمضيهم عليه. كما يمكن أن تراعى التعبدات في العادات لأنَّهُ قد ظهر شيء من ذلك في بعضها، وبذلك يجري اعتبار ذلك في الباقي منهما مما لم يظهر فيه ذلك، "و" هذا ما بنى "الظاهري" - من على مذهب الظاهرية - عليه مذهبه في هذه المسألة فكان "ميله با" لمشروع "العادي في كل حالة" من الحالات التي قد تعرض فيه "إلى" سحب وإجراء حكم الفعل "العبادي" عليه. فالعادي الشرعي عند الظاهرية ينزل منزلة العبادة، فادعاء كونه معللا معلوما القصد

стр. 551

١٥٠٠ - وَالنَّفْيُ الأصْلِيُّ وَالاِسْتِصْحَابُ … مِنْ هَاهُنَا لِأصْلِهِ اسْتِجْلَابُ ١٥٠١ - وَالْمَسْلَكُ الثَّالِثُ مِنْ تَنْوِيعِ … مَقَاصِدِ الشَّارعِ فِي التَّشْرِيعِ ١٥٠٢ - فَالشَّرْعُ ذُو مَقَاصِدٍ أَصْلِيَّهْ … فِي مُقْتَضَى الْحُكْمِ وَتَابِعِيَّهْ الشرعي منه أمر ساقط الاعتبار عندهم. ولكن العمدة والقول المعتبر هنا هو ما تقدم ذكره من التفصيل في هذا الشأن. "و" قاعدة "النفي "العدم "الأصلي" التي يستدل بها على أن ما يكون فيه الأصل هو العدم أو الانتفاء فإنه يعمل به في شأنه "و" كذلك "الاسْتصحاب" الذي مفاده سحب ما كان عليه الشيء فيما مضى على ما هو عليه في الحاضر لعدم وجود ما يقتضي التغيير، كلاهما إذا استعمل بناء الحكم في العبادات أو العادات عليه فإنه "من هاهنا" يعني من هذه القاعدة التفصيلية في شأن العبادات والمعاملات وقع الأخذ "لأصله" ومنه له "استجلاب" ونزع. وقوله "لأصله" قد يكون - على ما يظهر - من باب إضافة الملغى إلى المعتبر، ويكون المعنى بناء على ذلك "والاستصحاب من هاهنا له استجلاب". وقد يكون من باب إضافة العام إلى الخاص. فيقرر كاملا حينئذ "للأصل" الذي "هو الاستصحاب". ووجه ذلك أنه لما غلب على العادات الالتفات إلى المعاني وعلى العبادات التعبد، وكان ذلك أمرا ثابتا فيهما وأصلا معلوما بالاستقراء كان إجراء قاعدتي الاستصحاب والعدم الأصلي فيهما مبنيا على هذا الأصل المقرر فيهما. هذا هو ما ظهر لي في هذا الموضوع والله أعلم بالصواب. هذا شأن هذا المسلك وبيان حاله "و" أما "المسلك الثالث" الذي يوصل استحضاره واعتباره إلى العلم بالقصد الشرعي في الأحكام فهو ما جاء "من" حصول ووقوع "تنويع مقاصد الشارع" - أي كونها أنواعا - "في التشريع" أي تشريعه للأحكام "فـ" من المقرر الثابت أن "الشرع" ليست مقاصده في أحكامه على درجة واحدة ومن نوع واحد وإنما هو "ذو "أي صاحب "مقاصد أصلية" له بذاتها "في مقتضى" ومدلول "الحكم" أي حكمه "و" كذلك له في ذلك مقاصد "تابعية" تكمل تلك المقاصد الأصلية.

стр. 552

١٥٠٣ - وَفِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الْعَادَاتِ … تَثْبُتُ بِالأَخْبَارِ وَالآيَاتِ ١٥٠٤ - فَتَابِعِيٌّ نَصَّ أَوْ أُشِيرَا … إِلَيْهِ أَوْ عَنْ ذَلِكَ اسْتُثِيرَا ١٥٠٥ - فَإِنَّهُ مُثَبِّتُ الأَصْلِيَّهْ … مُوَكِّدٌ حِكْمَتُهَا الْحُكْمِيَّهْ " و" تكون "في العبادات و" كذلك "في العادات" أما العبادات فإن المقصد الأصلي فيها التوجه إلى الواحد المعبود وإفراده بالقصد إليه على كل حال. ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة، أو ليكون من أولياء الله - تعالى -. وما أشبه ذلك. وأما العادات فمثال ذلك منها النكاح فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بمال المرأة أو قيامها عليه أو على أولاده منها، أو من غيرها، أو إخوته والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد وما أشبه ذلك فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح. وهذه المقاصد كلها "تثبت بالأخبار" أي الأحاديث "والآيات" الدالة عليها ومنها تعلم. "فـ" المقصد الذي هو "تابعي" في موطن ما قد يكون مما "نص" عليه كالدرجات العلى في الجنة ونكاح المرأة لجمالها أو لمالها أو لحسبها أو لدينها. "أو "يكون مما "اشير إليه" فقط على طريقة دلالة الإشارة المتقدم ذكرها وبيانها، "أو" يكون مما "عن ذلك" النص "استُثيرا" - الألف للإطلاق - أي استخرج بطريقة الاستقراء. وكل مقصد تابعي إن كان منصوصا عليه "فإنه مثبت" للمقاصد "الاصلية" التي هو تابع لها، كما أنه "موكد" ومقوّ "حكمتها الحكمية" التي يقتضيها الحكم الشرعي في محل جريانه. فالقصد الشرعي من النكاح التناسل - كما تقدم ذكره - والمقاصد المذكورة تابعة له، والحكمة في طلب الشارع لها إدامة ذلك النكاح واستجلاب التراحم، والتعاطف والتواصل بين من ارتبطوا به، وهذا كله يحصل تقوية المقصد الأصلي المذكور وإدراكه.

стр. 553

١٥٠٦ - وَمَا كَذَاكَ شَأْنُهُ وَلَمْ يَرِدْ … نَصٌّ بِهِ فَإِنَّهُ شَرْعًا قُصِدْ ١٥٠٧ - وَمَا يُرَى يُخَالِفُ الْجَمِيعَا … عَيْنًا فَلَيْسَ مَقْصَدًا مَشْرُوعَا " و" أما "ما" هو من المقاصد "كذاك شأنه" أي إنه تابع "و" لكنه "لم يرد نص" شرعي "به" بذكره كذلك وإنما علم أَنَّهُ تابع من جهة أَنَّهُ يقوي ويثبت المقصد الأصلي "فإنه" كذلك "شرعا قصد" فيكون مثل الأول من هذه الجهة كما روي من فعل عمر بن الخطاب في نكاح أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب طلبا لشرف النسب، ومواصلة أرفع البيوتات وما أشبه ذلك. ولا شكَّ أن النكاح لمثل هذه المقاصد سائغ وأن قصد التسبب له حسن. "و" إذا تقرر هذا يتبين أن "ما" من المقاصد "يرى يخالف" ويضاد "الجميعا" أي يعني فردا أو أكثر من جميع - ما تقدم ذكره - من المقاصد المذكورة أصلية كانت أو تبعية ويناقضها "عينا" أي بذاتها هو عمل فاسد وبذلك "فـ" إنه "ليس مقصدا مشروعا" بإطلاق، ففي العادات نورد المثال المتقدم وهو النكاح يتصور في شأنه ذلك في كل ما يؤدي إلى ضد المواصلة والسكن والموافقة. كما إذا نكحها ليحلها لمطلقها ثلاثا، فإنه عند القائل بمنعه مضاد لقصد المواصلة التي جعلها الشارع مستدامة إلى انقطاع الحياة من غير شرط إذ كان المقصود منه المقاطعة بالطلاق، وكذلك نكاح المتعة، وكل نكاح على هذا السبيل. وهكذا العبادات - كما تقدم ذكره - فإن المقصد الأصلي فيها التوجه إلى الواحد المعبود وإفراده - سبحانه - بالقصد إليه على كل حال، ويتجع ذلك قصد نيل الدرجات في الآخرة أو ليكون من أولياء الله تعالى وما أشبه ذلك. فإن هذه التوابع مؤكدة للمقصود الأول وباعثة عليه، ومقتضية للدوام فيه سرا وجهرا بخلاف ما إذا كان القصد إلى التابع لا يقمضي دوام المتبوع ولا تأكيده، كالتعبد بقصد حفظ الدم والمال، أو لينال من أوساخ الناس، أو من تعظيمهم كفعل المنافقين والمرائين، فإن القصد إلى هذه الأمور ليس بمؤكد ولا بباعث على الدوام، بل هو مقو للترك ومكسل عن الفعل، ولذلك لا يدوم عليه صاحبه إلا ريثما يترصد به مطلوبه، فإن بعد عليه تركه قال الله - تعالى - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١].

стр. 554

١٥٠٨ - وَغَيْرُ عَيْنٍ فِيهِ خُلْفٌ قَدْ ظَهَرْ … كَالْعَقْدِ لِلتَّحْلِيلِ أَوْ قَصْدِ الضَّرَرْ " فَصْلٌ " ١٥٠٩ - وَتَقْتَضِي الْمَقَاصِدَ الْفَرْعِيَّهْ … مِنَ التَّكَالِيفِ التَّعَبُّدِيَّهْ هذا إذا كان ذلك القصد يخالف ما تقدم عينا ويناقضه بذاته "و" أما أن كان قصدا يخالف ويناقض "غير عين" ما ذكر "فـ" أن حكمه "فيه" بين أهل العلم "خلف قد ظهر" وذلك "كالعقد" للنكاح "لـ" أجل "التحليل" أي تحليل المتزوج بها لمطلقها ثلاثا عند من يصححه، ويرى أنه من هذا الضرب الذي لا يناقض عين القصد الشرعي من النكاح "أو" النكاح "قصد" ايقاع "الضرر" بالمتزوج بها، أو أخذ مالها أو غير ذلك مما لا يقتضي استدامة جريان حكم النكاح ومواصلته، ولكنه مع ذلك لا يقتضي عين المقاطعة كالضرب المتقدم ذكره، إذ لا يلزم من قصد مضارة الزوجة وقوعها ولا من وقوع المضارة وقوع الطلاق ضربة لازب، لجواز الصلح، أو الحكم على الزوج أو زوال ذلك الخاطر السيئ، إلا أنه ليس الموافقة لقصد الشارع على كل حال وبذلك جرى الخلاف بين أهل العلم - كما سبق ذكره - في حكم هذا الضرب وهو خلاف مبني على وجهين من النظر أحدهما: عدم الموافقة للقصد الشرعي. ثانيهما: عدم المخالفة لعين القصد الشرعي. فإن القصد المذكور وإن كان غير موافق لم تظهر فيه عين المخالفة. فمن ترجح عنده جانب عدم الموافقة منع ذلك العقد وعده باطلا. ومن ترجح عنده جانب عدم تعين المخالفة لم يمنع. ويظهر ذلك في مثال نكاح المضارة فإنه من باب التعاون بالنكاح الجائز في نفسه على الإثم والممنوع، فالنكاح منفرد بالحكم في نفسه وهو في البقاء أو الفرقة ممكن إلا أن المضارة مظنة للتفرق، فمن اعتبر هذا المقدار منع ومن لم يعتبره أجاز (١). "فصل" وهذا الذي تقدم مبني على أن للشارع مقاصد تابعة في العبادات والعادات، أما في العادات فهو ظاهر وقد مر منه أمثلة. وقد ثبت ذلك في العبادات أيضًا فإنها تؤخذ "وتقتضى" أي تطلب "المقاصد الفرعية" أي التابعة "من التكاليف التعبدية". فالصلاة

стр. 555

١٥١٠ - بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إِذْنُ الشَّرْعِ … يُوذِن بِاقْتِضَائِهَا لِلنَّفْعِ مثلا أصل مشروعيتها الخضوع لله سبحانه بإخلاص التوجه إليه والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه وتذكير النفس بالذكر له قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وفي الحديث "إن المصلي يناجي ربه" ثم إن لها مقاصد تابعة كالنهي عن الفحشاء والمنكر والاستراحة إليها من أنكاد الدنيا وفي الخبر أرحنا بها يا بلال وفي الصحيح وجعلت قرة عيني في الصلاة وطلب الرزق بها قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] وفي الحديث تفسير هذا المعنى وإنجاح الحاجات كصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وطلب الفوز بالجنة والنجاة من النار وهي الفائدة العامة الخالصة وكون المصلي وفي خفارة الله وفي الحديث "من صلى الصبح لم يزل في ذمة الله" ونيل أشرف المنازل قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] فأعطى بقيام الليل المقام المحمود وفي الصيام سد مسالك الشيطان والدخول من باب الريان والاستعانة على التحصن في العزبة في الحديث من استطاع منكم الباءة فليتزوج ثم قال ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء وقال الصيام جنة وقال ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان وكذلك سائر العبادات فيها فوائد أخروية وهي العامة وفوائد دنيوية وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية وهي الانقياد والخضوع لله كما تقدم (١). لكن ليس كل ما يسوغ قصده هو مقصد تابع للعبادات ويصح السعي إلى تحصيه بها وإنما يصح ذلك ويسوغ "بشرط" أن تكون تلك المقاصد مما يقوي ويؤى المقصد الأصلي منها، وهو كما تقدم ذكره، الخضوع والانقياد لله أو "أن يكون اذن الشرع" في إتيانها "يوذن" أي يعلم "باقتضائها" وجلبها "للنفع" والمصلحة فقد روى النَّبِيّ ﷺ أنه كان إذا اضطر أهله إلى فضل الله ورزقه أمرهم بالصلاة. وعلى هذا المهيع جرى ابن العربي وشيخه فيمن أظهر عمله لتثبت عدالته وتصح إمامته، وليقتدى به إذا كان مأمورا شرعا بذلك لتوفر شروطه فيه وعدم من يقوم ذلك المقام، فلا بأس به عندهما، لأنَّهُ قائم بما أمر به، وتلك العبادة الظاهرة لا تقدح في

стр. 556

١٥١١ - وَلَيْسَ مِنْهُ الْقَصْدُ لِلتَّعَبُّدِ … بِقَصْدِ أَخْذِ النَّفْسِ بِالتَّجَرُّدِ ١٥١٢ - لِكَيْ يُرَى خَوَارِقُ الْعَادَاتِ … وَأَنْ يُشَاهِدَ الْمُغَيَّبَاتِ ١٥١٣ - فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ … إِذْنٌ بِهِ فَهْوَ حَرٍ بِالْمَنْعِ أصل مشروعية العبادة، بخلاف من يقصد ثبوت عدالته عند الناس أو الإمامة أو نحو ذلك، فإنه مخوف، ولا يقتضي ذلك العمل المداومة، لأن فيه ما في طلب الجاه والتعظيم. "وليس منه" أي مما يسوغ ويصح شرعا "القصد" يعني قصد المكلف إتيانه وفعله "للتعبد" أي العبادة "بقصد" أي مع "اخذ النفس" وتذليلها "بالتجرد" من الحظوظ والرعونات وبروضها على الطريقة المعروفة التي تكون بأكل النبات واجتناب ما فيه الروح وما خرج منه. "لكي يرى" ويبصر من "خوارق العادات" أو الملائكة أو أن يدرك الكرامات "وأن يشاهد" الأمور "المغيبات" أو أن يطلع على غرائب العلوم والعوالم الروحانية وما أشبه ذاك "فإن هذا" الضرب من القصود "لم يرد" أي لم يجئ "في الشرع" أي الشريعة "اذن به" ولا ما يدل على جواز طلبه وبذلك "فهو حرٍ" أي جدير "بالمنع" والحظر لأنَّهُ خارج عن نمط وطريق ما تقدم من المقاصد التابعة المتقدمة لأنَّهُ ليس مما يؤكد هذا المقصد الأصلي ولا مما يقويه، وإنما هو تخرص على علم الغيب، ويزيد بأنه جعل عبادة الله وسيلة إلى ذلك وهو اقرب إلى الانقطاع عن العبادة، لأن صاحب القصد داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] الآية كذلك، هذا إن وصل إلى ما طلب فرح به وصار هو قصده من التعبد، فقوي في نفسه مقصوده، وضعفت العبادة، وإن لم يصل رمى بالعبادة وربما كذب بنتائج الأعمال التي يهبها الله تعالى لعباده المخلصين وقد روى أن بعض الناس سمع بحديث من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فتعرض لذلك لينال الحكمة فلم يفتح له بابها فبلغت القصة بعض الفضلاء فقال هذا أخلص للحكمة ولم يخلص لله وهكذا يجري الحكم في سائر المعاني المذكورة ونحوها ولا أعلم دليلا يدل على طلب هذه الأمور بل ثَم ما يدل على خلاف ذلك فإن ما غيب عن الإنسان مما لا يتعلق بالتكليف لم يطلب بدركه ولا حض على الوصول إليه وفي كتب التفسير أن رجلا سأل النَّبِيّ ﷺ فقال ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم ينمو إلى أن يصير بدرا ثم يصير إلى حالته الأولى فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ

стр. 557

١٥١٤ - وَلَيْسَ مِمَّا فِيهِ مَطْلُوبُ النَّظَرْ … فِيمَا مِنَ المَصْنُوعِ فِيهِ مُعْتَبَرْ ١٥١٥ - فَمَا بَدَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَة … كَافٍ فَلَا يَحْتَاجُ لِلزِّيَادَهْ ١٥١٦ - فَإنْ يَكُنْ يُطْلَبُ ذَاكَ بِالدُّعَا … فَجَائِز لِمَنْ إِلَيْهِ قَدْ سَعَا تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية فجعل إتيان البيوت من ظهورها مثالا شاملا لمقتضى هذا السؤال لأنَّهُ تطلب لما لم يؤمر بتطلبه (١). "و" كذلك "ليس مما" يكون "فيه مطلوب النظر" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي النظر المطلوب للاطلاع على آيات الله - تعالى - عظيم قدرته وبالغ حكمته، إذ ليس "فيما" أي في الذي "من المصنوع" المخلوق أي يطلب "فيه" يعني في إدراكه وتحصيله "معتبر" - بضم الميم - أي الاعتبار، لعدم الحاجة إليه في إدراك ذلك والاطلاع عليه "فما بدا" أي ظهر "في عالم الشهادة" من العجائب والغرائب القريبة المأخذ السهلة الملتمس مغن و"كاف" في هذا الشأن "فلا يحتاج" في ذلك "للزياده" عليه بالاطلاع على عالم الغيب، فلو نظر العاقل في أقل الآيات وأذل المخلوقات وما أودع باريها فيها من الحكم والعجائب لقضى العجب وانتهى إلى العجز في إدراكه وعلى ذلك نبه الله تعالى في كتابه أن تنظر فيه كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ [الغاشية: ١٧، ١٨] إلى آخرها ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦] إلى تمام الآيات ومعلوم أنه لم يأمرهم بالنظر فيما حجب عنهم ولم يكن لهم الاطلاع عليه عادة إلا بخارقة فإنه إحالة على ما يندر التوصل إليه وإذا تأملت الآيات التي ذكر فيها الملائكة وعوالم الغيب لم تجدها مما أحيل على النظر فيه ولا مأمورا بتطلب الاطلاع عليها وعلى ذواتها وحقائقها فهذه التفرقة كافية في أن ذلك غير مطلوب النظر فيه شرعا وإذا لم يكن مطلوبا لم ينبغ أن يطلب (٢). هذا إذا كان المكلف يعبد الله تعالى من أجل تحصيل ذلك وإدراكه "فإن يكن يطلب" تحصيل "ذاك بالدعاء" فقط "فـ" إن ذلك "جائز" له مباح كما هو جائز مباح "لـ" كل "من إليه قد سعا" وأقدم على إتيانه، فالدعاء بابه مفتوح في الأمور الدنيوية والأخروية شرعا ما لم يدع بمعصية. هذا بإيجاز بيان هذا المسلك - المسلك الثالث -.

стр. 558

١٥١٧ - وَالرَّابِعُ السُّكُوتُ عَنْ شَرْعِ الْعَمَلْ … أَوْ شَرْعِ تَسْبِيبٍ بِهِ الْحُكْمُ حَصَلْ ١٥١٨ - إِمَّا لِأَنْ لَا شَيْء يَقْتَضِيهِ … وَلَا لَهُ دَاعٍ فَيَسْتَدْعِيهِ ١٥١٩ - وَتَحْتَ هَذَا تَدْخُلُ النَّوَازِلُ … بَعْدَ الرَّسُولِ وَهْوَ قِسْمٌ شَامِلُ ١٥٢٠ - لِكُلِّ مَا أَجْمَعَ بَعْدَهُ السَّلَفْ … عَلَيْهِ أَوْ أَجْمَعَ بَعْدَهُ الْخَلَفْ ١٥٢١ - كَالْكَتْبِ لِلْعِلْمِ وَجَمْعِ الْمُصْحَفِ … وَمَا يَرَى سَبِيلَ ذَاكَ يَقْتَفِي ١٥٢٢ - فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ فِي قَبُولهِ … إِذْ فَرْعُهُ جَارٍ عَلَى أُصُولِهِ ١٥٢٣ - وَالْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ عُرِفَا … بِمَا مِنَ الْجِهَاتِ قَبْلُ وُصِفَا " و" المسلك "الرابع" من تلك المسالك التي يعرف بها قصد الشارع هو "السكوت" من الشارع "عن شرع العمل" التعبدي وإحداثه مع قيام المعنى - السبب - المقتضي له "أو" السكوت عن "شرع تسبيب" يكون "به الحكم" الشرعي "حصل" ووجد - يعني - أو السكوت عنه وضع سبب لمسبب ما مع قيام المعنى المقتضي لذلك. وبيان ذلك الحكم قد يكون الشارع ساكتا عنه "إما لأن" ـه "لا شيء يقتضيه" أي يطلبه "ولا له داع" من سبب وحاجة "فيستدعيه" في زمان النَّبِيّ ﷺ وبذلك لم يشرع فيه حكم شرعي يخصه. "وتحت هذا" القسم "تدخل النوازل" التي حدثت" بعد الرسول" ﷺ "وهو قسم شامل" عام "لكل ما" حدث بعد الرسول ﵊ و"اجمع بعده السلف عليه" على حكمه "أو أجمع بعده الخلف" عليه أي على حكمه. وذلك "كالكتب للعلم" وتدوينه "وجمع" القرآن الكريم في "المصحف" وتنقيطه وضبطه "و" كل "ما يرى" أي يبصر أنه "سبيل ذاك يقتفى" يتبع بمقتضى أنه مما سكت عن حكمه الشارع لعدم وجود موجب ومقتض لذلك في زمانه ﵊ وهذا القسم مدرك حكمِه القواعد الكليات التي يندرج تحتها ويسري عليه مقتضاها، وما كان هكذا "فذاك لا إشكال في" جوازه و"قبوله" أمرا مباحا شرعا "إذ فرعه" - أفرده باعتبار الجنس - يعني فروعه كل واحد منها "جار على" مقتضى وحكم "أصوله" الكلية "والمقصد الشرعي فيه" في هذا القسم قد "عرفا" وأدرك "بما من الجهات" - التي عبر عنها فيما تقدم بالمساك "قبل وصفا" - الألف للإطلاق - وبين كجهة - مسلك - اعتبار العلل -، وجهة كون المقاصد

стр. 559

١٥٢٤ - وَإِنْ يَكُنْ يسُكُوتُهُ عَنْ ذَلِكَا … وَمُقْتَضِيهِ قَائِمٌ هُنَالِكَا ١٥٢٥ - وَلَمْ يُقَرَّرْ فِيهِ حُكْمٌ زَائِدُ … عَلَى الذِي كَانَ بِهِ يُعَاوِدُ ١٥٢٦ - فَذَا سُكُوتُ الشَّرْعِ كَالنَّصِّ عَلَا … أَنْ قَصْدَهُ فِي الأمْرِ أَنْ لَنْ يُبْدَلَا ١٥٢٧ - لَا بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانِ … وَذَاكَ أَمْرٌ وَاضِحُ الْبُرْهَانِ ١٥٢٨ - مِثْلُ سُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ مَالِكْ … لَوْ كَانَ لَمْ تُلْفِ لَهُ مِنْ تَارِكْ الشرعية منقسمة إلى مقاصد أصلية ومقاصد تابعة، فإن ذلك مما يعرف به المقصد الشرعي في هذا الضرب الذي نحن فيه. هذا إذا كان سكوت الشارع عن الحكم لهذا الموجب - وهو الضرب الأول - مما يكون فيه الشارع ساكتا عن الحكم "و" أما "إن يكن سكوته عن ذلكا" وهو الحكم العملي "ومقتضيه" وسببه "قائم هنالكا" في موضع سكوته. "و" زمانه فـ"لم يقرر" أي لم يثبت ولم ينقل عنه "فيه" أي في ذلك الموضع الذي سكت عنه "حكم زائد على" الحكم "الذي كان به" أي فيه "يعاود" ويمضي عليه فيه عادة فعلا كان أو تركا "فذا" الضرب "سكوت الشرع" فيه يعتبر "كالنص على أن قصده" في ذلك "الأمر" الذي لم يقرر فيه أي حكم زائد هو "أن لن يبدلا" - الألف بدل من نون التوكيد - أو يغير على ما هو معتاد له فيه "لا بزيادة" عليه "ولا نقصان" فيه "وذاك" هو أن القصد الشرعي في هذا الموطن هو ما ذكر "أمر واضح البرهان" يعني برهانه أي واضح برهانه. ودليله، لأنَّهُ لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودا ثم لم يشرع الحكم دلالة على اعتبار ذلك الموجب، كان ذلك صريحا في أن الزائد كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد هنالك، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه. والجزئيات التي يجري فيها هذا الحكم متعددة وذلك "مثل سجود الشكر عند" الإمام "مالك" بن أنس إمام دار الهجرة - رحمه الله تعالى - فإنه يراه فعلا غير مشروع وغير جائز إذ "لو كان" جائزا مشروعا فإنك "لم تلف" أي تجد "له من تارك" أو منكف عنه من السلف الصالح العالمين به، ثم إنه لو كان أمرا مشروعا لنقل وذكر.

стр. 560

١٥٢٩ - وَمِثْلُهُ تَوَفُّرُ الدَّوَاعِي … عَلَيْهِ مِنْ نَاقِلٍ أَوْ مِنْ وَاعِ ١٥٣٠ - وَأَنَّهُ أَصْلٌ مُفِيدٌ فِي النَّظَرْ … عَلَيْهِ إِسْقَاطُ الزَّكاةِ فِي الخَضَرْ ١٥٣١ - وَبَعْضُهُمْ رَدَّ عَلَى التَّفْصِيلِ … لِمُقْتَضَاهُ العَقْدَ لِلتَّحْلِيلِ " ومثله" ليس مما يخفى فإنه مما "توفر" أصله تتوفر، - وحذف إحدى التاءين تخفيفا - أي توجد وتكثر "الدواعي" أي الحاجات التكليفية - ومنها الأمر بالتبليغ - والمصالح الدينية "عليه" يعني على نقله وفعله "من ناقل" له عن النَّبِيّ ﷺ . "أومن واع" عالم به فقيه في شأنه سمعه ممن نقله. وهذا المعنى قد قرره مالك في العتبية من سماع أشهب وابن نافع قال فيها وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله شكرا فقال لا يفعل ليس هذا مما مضى من أمر الناس قيل له إن أبا بكر الصديق فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا لله أفسمعت ذلك قال ما سمعت ذلك وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول هذا شيء لم أسمع له خلافا فقيل له إنما نسألك لنعلم رأيك فنرد ذلك به فقال نأتيك بشيء آخر أيضًا لم تسمعه مني قد فتح على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين بعده أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا إذا جاءك مثل هذا مما قد كان في الناس وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم في شيء فعليك بذلك لأنَّهُ لو كان لذكر لأنَّهُ من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد فهذا إجماع إذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه (١). "و" هذا الضرب من السكوت - السكوت عن الحكم مع وجود مقتضيه - يجب ان يعلم بـ"أنه أصل مفيد في النظر" الفقهي في الجزئيات المنطوية تحته و"عليه" بني "إسقاط الزكاة في الخضر" والبقول عند المالكية ومن وافقهم في ذلك مع وجود الزكاة فيها بعموم قول النَّبِيّ ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر". قال ابن رشد: لأنا نزلنا ترك أخذ النَّبِيّ ﷺ الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها فكذلك ننزل ترك السجود عن النَّبِيّ ﷺ في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيه (٢). "وبعضهم" - أي العلماء - "رد" وأبطل بناء "على" هذا "التفصيل" المتقدم "لـ" أجل وجود "مقتضاه" وحكمه "العقد" - مفعول قوله "رد" - أي أبطل أي عقد النكاح الذي عقد "لـ" أجل "التحليل" أي تحليل المرأة لمطلقها ثلاثا.

стр. 561

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الأدلة الشرعية ١٥٣٢ - فِي طَرَفَيْنِ الْبَحْثُ فِي الدَّلِيلِ … بِحَسَبِ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ الطَّرَفُ الأَوَّلُ في الأَدِلَّةِ عَلَى الْجُمْلَة ١٥٣٣ - يُنْظَرُ فِي الأَدِلَّةِ الْجُمْلِيَّهْ … لِمُقْتَضَى أَحْوَالِهَا الْكُلِّيَّهْ ١٥٣٤ - أَوْ مُقْتَضَى الْعَوَارِضِ الْمُعْتَبَرَهْ … وَسَوْفَ تَأْتِي بَعْدَ ذَا مُفَسَّرَهْ (النَّظَرُ الأَوَّلُ في كُلِّيَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالأَدِلَّة) وفيه مسائل: " المسألة الأولى " ١٥٣٥ - لَمَّا انْبَنَى الشَّرْعُ عَلَى الْقَوَاعِدِ … أَعْنِي بِهَا ثَلَاثَةَ الْمَقَاصِدِ ١٥٣٦ - فَهُنَّ كلِّيَّاتُ كُلِّيَّاتِهِ … وَمُسْتَمَدُّ حُكْمِ جُزْئِيَّاتِهِ ١٥٣٧ - فَوَاجِبٌ رِعَايَةُ الْكُلِّيِّ … بِحَيْثُ الاِسْتِدْلَالِ لِلْجُزْئِيِّ ١٥٣٨ - وَوَاجِبُ الْجُزْئِيِّ أَنْ يُعْتَبَرَا … بِحَيْثُ مَا كُلِّيُّهُ تُصُوِّرَا ١٥٣٩ - وَمُظْهِرُ الْعِلْمِ هُوَ الْجُزْئِيُّ … إِذْ لَا يُرَى فِي الْخَارجِ الْكُلِّيُّ ١٥٤٠ - وَمَعَ ذَا فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ … إِلَّا بِجُزْئِيَّاتِهِ إِذْ يَحْصُلُ ١٥٤١ - وَآخِذٌ بِجِهَةٍ وَبُعْرِضُ … عَنْ جِهَةٍ يُخْطِئُ فِيمَا يَعْرِضُ " المسألة الثانية " ١٥٤٢ - إِذَا نَظَرْنَا لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِي … فَمِنْهُ ظَنِّيٌ وَمِنْهُ قَطْعِي ١٥٤٣ - فَمَا لَهُ بِقَطْعِهِ اسْتِقْلَالُ … فَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِهِ إِشْكَالُ ١٥٤٤ - مِثْلُ دَلِيلِ الطُّهْرِ وَالصَّلَاةِ … وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ

стр. 562

١٥٤٥ - كَذَلِكَ الظَّنِّيُّ أَيْضًا مَرْعِي … إِنْ كانَ رَاجِعًا لِأَصْلٍ قَطْعِي ١٥٤٦ - كَخَبَرِ الآحَادِ فِي أَبْوَابِ … أَتَى بِهَا مُبَيِّنُ الْكِتَابِ ١٥٤٧ - فَإِنْ يَكُنْ مُعَارِضًا لِلْقَطْعِي … وَغَيْرَ مَعْضُودٍ بِأَصْلٍ شَرْعِي ١٥٤٨ - فَذَاكَ مَرْدُودٌ بِلَا إِشْكَالِ … وَالْقَطْعُ مَتْبُوعٌ بِكُلِّ حَالِ ١٥٤٩ - وَمَثَّلُوا ذَاكَ بِذِي يَسَارِ … يُؤْمَرُ أَنْ يَصُومَ فِي الظِّهَارِ ١٥٥٠ - وَهَذِهِ مَسْأَلُةٌ قَوْلُ السَّلَفْ … أَصْلٌ لَهَا مُعْتَمَدٌ عِندَ الْخَلَفْ ١٥٥١ - وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ يُنَافِي قَاعِدَهْ … وَلَا أَتَتْ أُخْرَى عَلَيْهِ شَاهِدَهْ ١٥٥٢ - فَبَابُهُ الْمُنَاسِبُ الْغَرِيبُ … وَهْوَ مَجَالٌ لِلنُّهَى رَحِيبُ " المسألة الثالثة " ١٥٥٣ - أَدِلَّةُ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافِ … حُكْمَ قَضَايَا الْعَقْلِ لَا تُنَافِي ١٥٥٤ - أَوْ يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ فِي الذِي شُرعْ … بِغَيْرِ مَا يُطَاقُ وَهْوَ مُمْتَنِعْ ١٥٥٥ - وَلَمْ تَكُنْ أَدِلَّةً لَوْ نَافَتْ … لَكِنَّهَا بِعَكْسِ هَذَا وَافَتْ ١٥٥٦ - وَالْعَقْلُ لِلتَّكْلِيفِ أَيْضًا مَوْرِدُ … وَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ حَيْثُ يُفْقَدُ ١٥٥٧ - وَلَا اعْتِرَاضَ بِفَوَاتِحِ السُّوَرْ … مِنْ حَيْثُ لَا تَكْلِيفَ فِيهَا لِلْبَشَرْ ١٥٥٨ - وَلَوْ أَتَى مُبَيَّنًا مَعْنَاهَا … لَمْ تُنْكِرِ الْعُقُولُ مُقْتَضَاهَا ١٥٥٩ - وَلَا بِذِي تَشَابُهٍ حَيْثُ بَدا … وَقَالَ فِيهِ بِالْهَوَى مَنْ أَلْحَدَا ١٥٦٠ - كمِثْلِ مَا لِأَهْلِ نَجْرَانَ وَقَعَ … فِي نَحْوِ نَحْنُ وَكَتَبْنَا وَنَضَعْ ١٥٦١ - فَلَا يُعَارِضُ الْعُقُولَ ذَلِكَا … إِلَّا لِمَنْ زَاغَ هَوَى هُنَالِكَا ١٥٦٢ - حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَهْ … وَمُقْتَضَاهَا لَمْ يَاع مِنْ غَايَهْ " المسألة الرابعة " ١٥٦٣ - وَضْعُ الدَّلِيلِ الْقَصْدُ مِنْهُ أَنْ يُرَا … فِعْلُ مُكَلَّفٍ عَلَيْهِ قَدْ جَرَا

стр. 563

١٥٦٤ - لَكِنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلِّفِينَا … مِنْ جِهَتَيْنِ اعْتُبِرَتْ يَقِينَا ١٥٦٥ - مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ الذِّهْنِيِّ … مُجَرَّدًا مِنْ لَاحِقٍ وَضْعِيِّ ١٥٦٦ - وَجِهَةِ الْوَاقِعِ فِي الْوُجُودِي … بِمَا لَهُ مِنْ لَاحِقٍ تَقْيِيدِي ١٥٦٧ - هُمَا مَجَالَانِ لِبَحْثٍ وَنَظَرْ … مَنْشَأُ خُلْفٍ فِي فُرُوعٍ تُعْتَبَرْ " فصل " ١٥٦٨ - ثُمَّ مِنَ الأَفْعَالِ مَا يَصِيرُ … وَصْفًا لَهُ فِي غَيْرِهِ تَأْثِيرُ ١٥٦٩ - بِنِسْبَةِ الْخَارجِ بِالتَّزَاحُمِ … فَفِيهِ يَجْرِيَانِ لِلتَّلَازُمِ ١٥٧٠ - وَلَيْسَتِ التُّرُوكُ كَالأَفْعَالِ … إِذْ لَا تَلَازُمَ لَهَا بِحَالِ ١٥٧١ - إِذِ التُّرُوكُ كُلُّهَا سَلْبِيَّهْ … لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةُ الْوَصْفِيَّهْ ١٥٧٢ - فَلَوْ تَرَكْنَا مَا عَسَى أَنْ نَتْرُكَا … لَمْ يَتَزَاحَمْ مِنْهُ شَيْءٌ تُرِكَا ١٥٧٣ - كَذَا اجْتِمَاعُهَا مَعَ الأَفْعَالِ مَا … لَمْ يَكُ لِلشَّرْعِ التَّلَازُمُ انْتَمَا ١٥٧٤ - فَإِنَّهُ يُعَدُّ فِي الأَوْصَافِ … كَالتَّرْكِ لِلصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ " المسألة الخامسة " ١٥٧٥ - ثُمَّ دَلِيلُ الشَّرْعِ مِنْهُ نَقْلُ … مَحْضٌ وَرَأْيٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ ١٥٧٦ - لَكِنْ بِنِسْبَةِ الأُصُولِ ذَا اعْتُبِرْ … إِذْ كُلُّ ضَرْبٍ لِسِوَاهُ مُفْتَقِرْ ١٥٧٧ - فَمَا إِلَى النَّقْلِ لَهُ انْتِسَابُ … فَذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْكِتَابُ ١٥٧٨ - وَمَا مِنَ الْعَقْلِ لَهُ اقْتِبَاسُ … فَذَاكَ الاِسْتِدْلَالُ وَالْقِيَاسُ ١٥٧٩ - وَشَرْعُ مَنْ مَضَى وَالإِجْمَاعُ وَمَا … رَأْيُ صَحَابِيِّ لِلأَوَّلِ انْتَمَا ١٥٨٠ - وَأُلْحِقَتْ كَنَوْعِ الاسْتِحْسَانِ … مَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ بِالثَّانِي ١٥٨١ - أَوْ أَوَّلٍ إِنْ رُدَّ مَعْنَاهَا إِلَى … حُكْمِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ مَثَلَا

стр. 564

" فصل " ١٥٨٢ - ثُمَّ نَقُولُ جُمْلَةُ الأَدِلَّهْ … فِي ضَرْبِهَا الأوَّلِ مُسْتَقِلَّهْ ١٥٨٣ - إِذْ ضَرْبُهَا الثَّانِي اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ … وَمَا اسْتَبَدَّ فِيهِ لَوْلَا النَّقْلُ " فصل" ١٥٨٤ - ثُمَّ نَقُولُ فِي الْكِتَابِ إِنَّهْ … رَاجِعَةٌ لِمُقْتَضَاهُ السُّنَّهْ ١٥٨٥ - فَهْوَ دَلِيلُ صِدْقِهَا إِذْ بَيَّنهْ … وَهِيَ لِكُلِّيَاتِهِ مُبَيِّنَهْ ١٥٨٦ - فَحَاصِلٌ أَنَّ كتَابَ اللهِ … أَصْلُ الأُصُولِ غَايَةُ التَّنَاهِي " المسألة السادسة " ١٥٨٧ - كُلُّ دَلِيلٍ فَلَهُ مُقَدِّمَهْ … تَأْتِي بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ مُعْلِمَهْ ١٥٨٨ - ثُمَّ لَهُ أُخْرَى لِنَفْسِ الْحُكْمِ … مَرْجِعُهَا فِي كُلِّ حُكْمٍ حُكْمِ ١٥٨٩ - فَتُنْسَبُ الأُولَى بِهِ إِلَى النَّظَرْ … وَنِسْبَةُ الأُخْرَى إِلَى النَّقْلِ اسْتَقَرْ " المسألة السابعة " ١٥٩٠ - وَمَا مِنَ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّهْ … يَثْبُتُ كُلِّيًا لَدَى الْمَكِّيَّهْ ١٥٩١ - مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلْ لَّهُ قَانُونُ … أَوْ ضَابِظ لَهُ بِهِ تَعْيينُ ١٥٩٢ - فَذَاكَ رَاجِعٌ لِمَعْنىً قَدْ عُقِلْ … وَللْمُكَلَّفِينَ أَمْرُهُ وُكِلْ ١٥٩٣ - وَقِسْمُ ذَا أَكْثَرُهُ فِي الْعَادِي … كالْعَدْلِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْعِبَادِ ١٥٩٤ - وَمَا أَتَى فِيهَا بِقَيْدٍ وَضُبِطْ … حُكْمًا بِقَانُونٍ إِلَيْهِ يَرْتَبِطْ ١٥٩٥ - فَرَاجِعٌ مَعْنَاهُ لِلتَّعَبُّدِ … مِمَّا مُكَلَّفٌ لَهُ لَا يَهْتَدِي ١٥٩٦ - لَوْ كانَ مَوْكُولًا إِلَيْهِ أَمْرُهُ … وَفِي الْعِبَادِيَاتِ بَانَ كُثْرُهُ ١٥٩٧ - كَكُثْرِهِ فِيمَا مِنَ الأُصُولِ … يُعْزَى إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ١٥٩٨ - إِذْ هِيَ فِي الْغَالِبِ تَقْيِيدَاتُ … مُقْتَضَيَاتٍ هُنَّ مُطْلَقَاتُ

стр. 565

١٥٩٩ - أَوْ هِيَ إِنْشَاءٌ لِأَحْكَامٍ يَرَى … أَسْبَابَهَا جُزْئِيَّةً مَنْ نَظَرَا " المسألة الثامنة " ١٦٠٠ - أَدِلَّةُ الْمَدِينَةِ الْكُلِّيَّهْ … تُلْفَى إِذَا تُوُمِّلَتْ جُزْئِيَّهْ ١٦٠١ - بِنِسْبَةِ الأَعَمِّ مِنْهَا أَوْ تُرَا … مُكَمِّلَاتِ حُكْمٍ كُلّيٍّ جَرَا ١٦٠٢ - بَيَانُهُ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ … أَحْكَامُهَا تُوجَدُ مَكّيَاتِ " المسألة التاسعة " ١٦٠٣ - وَجُمْلَةُ الأَدَّلَةِ الشَّرْعِيَّهْ … يُمْكِنُ فِيهَا أَخْذُهَا مَكِّيَهْ ١٦٠٤ - وَهَبْهُ جُزْئِيًّا وَمَا الدَّلِيلُ … قَدْ خَصَّهُ بِمَا لَهُ شُمُولُ ١٦٠٥ - وَذَاكَ بَيِّنٌ مِنَ التَّشْرِيعِ … إِذْ حُكْمُهُ التَّعْمِيمُ فِي الْمَشْرُوعِ " المسألة العاشرة " ١٦٠٦ - وَهْيَ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ ضَرْبَانِ … ضَرْبٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْبُرْهَانِ ١٦٠٧ - وَيُسْتَدَلُّ مُطْلَقًا بِهِ عَلَى … حُكْمٍ لَهُ ذَاكَ دَلِيلًا جُعِلَا ١٦٠٨ - وَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلايسْتِدْلَالِ … عَلَى مُخَالِفٍ فِي الاِنْتِحَالِ ١٦٠٩ - وَجُمْلَةُ الْبَرَاهِنِ الْعَقْلِيَّهْ … وَشِبْهِهَا بِنَوْعِهِ حَفِيَّهْ ١٦١٠ - وَقَدْ أَتَى مِنْ ذَاكَ فِي الْقُرْآنِ … أَدِلَّةُ قَاطِعَةُ الْبُرْهَانِ ١٦١١ - وَضَرْبُهَا الآخَرُ مَبْنِيٌّ عَلَى … تَوَافُقِ النِّحْلَةُ حَيْثُ أَقْبَلَا ١٦١٢ - مِثْلُ دَلِيلِ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ … وَسَائِر التَّكْلِيفِ بِالأَحْكَامِ ١٦١٣ - وَهْيَ وَإِنْ دَلَّتْ فِي الاِسْتِعْمَالِ … لَمْ تَأْتِ فِي مَحلِّ الاسْتِدْلَالِ ١٦١٤ - فَهِيَ قَضَايَا وَرَدَتْ مُسَلَّمَهْ … بِمَا مِنَ الْحُكْمِ اقْتَضتْهُ مُعْلِمَهْ ١٦١٥ - جَاءَتْ لِأَنْ تُوخَذَ بِالْقَبُولِ … بُرْهَانُهَا مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ ١٦١٦ - فَمَنْ يَكُنْ بِالأَوَّلِ اسْتِدْلَالُهُ … كَانَ كَأَنْ بِوَضْعِهِ اسْتِقْلَالُهُ
следующие страницы →