١٥٦٤ - لَكِنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلِّفِينَا … مِنْ جِهَتَيْنِ اعْتُبِرَتْ يَقِينَا
١٥٦٥ - مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ الذِّهْنِيِّ … مُجَرَّدًا مِنْ لَاحِقٍ وَضْعِيِّ
١٥٦٦ - وَجِهَةِ الْوَاقِعِ فِي الْوُجُودِي … بِمَا لَهُ مِنْ لَاحِقٍ تَقْيِيدِي
" لكن" يعرض في هذا الشأن أمر ينبهم به القصد بهذا الفعل على وجه التعيين وذلك الأمر هو أن "أفعال المكلفينا" - الألف للإطلاق - بمقتضى ماهياتها "من جهتين اعتبرت" وهذا الاعتبار أمر قد ثبت في شأنها "يقينا" لا ظنا، فقد اعتبرت من جهة معقوليتها أي "من جهة التصور الذهني" لها "مجردا من "استحضار أي وصف "لاحق" لها "وضعي" أي خارجي قد يوضع لها بحكم اعتبار الهيئات الخارجية الممكن وقوعها عليها، أو التي قد وقعت عليها، فأنت قد تتصور فعلا ما، كالسفر - مثلا - باعتبار هيئته الذهنية وهو الانتقال والارتحال من مكان إلى آخر مجردا من أي وصف أو حال قد يكون عليه، ككونه شاقا، أو سهلا، أو واقعا على مركوب، أو بالمشي، أو غير ذلك من الأوصاف والأحوال التي قد تلحقه، فإذا تصورته هذا التصور الذهني المجرد فقد تصورته من جهة معقوليته. هذه هي الجهة الأولى.
"و" أما الثانية فهي "جهة الواقع في الوجودي" الخارجي "بما" - الباء بمعنى مع - أي مع ما قد يكون مصاحبا "له من "وصف "لاحق" له زائد عليه "تقييدي" يقيده بصورة وهيئة مخصوصة، بعد أن كان في صورته الذهنية مطلقا، ومما يعد من الضروريات في مجاري النظر العقلي ومقتضى العوائد أن الفعل لا يقع في الخارج إلا على هيئة مخصوصة، لأن ذلك من ضروريات وقوعه، ثم إن من ذلك ما هو لازم له على كل حاك، ومنه ما هو غير لازم له.
هذه هي الجهة الثانية.
قال الشاطبي في شأن هاتين الجهتين:
وبيان ذلك أن الفعل المكلف به أو المخير فيه يعتبر من جهة ماهيته مجردا عن الأوصاف الزائدة عليها واللاحقة لها، كانت تلك الأوصاف لازمة أو غير لازمة.
وهذا هو الاعتبار العقلي.
стр. 632
١٥٦٧ - هُمَا مَجَالَانِ لِبَحْثٍ وَنَظَرْ … مَنْشَأُ خُلْفٍ فِي فُرُوعٍ تُعْتَبَرْ
ويعتبر من جهة ماهيته بقيد الاتصاف بالأوصاف الزائدة اللاحقة في الخارج لازمة.
وهذا هو الاعتبار الخارجي.
فالصلاة المأمور بها - مثلا - يتصور فيها هذان الاعتباران، وكذلك الطهارة، والزكاة، والحج، وسائر العبادات والعادات من الأنكحة والبيوع والإجارات وغيرها.
ويظهر الفرق بين الاعتبارين فيما إذا نظر إلى الصلاة في الدار المغصوبة أو الصلاة التي تعلق بها شيء من المكروهات والأوصاف التي تنقص من كمالها.
وكذلك سائر الأفعال فإذا صح الاعتباران عقلا فمنصرف الأدلة إلى أي الجهتين هو؟
ألجهة المعقولية أم لجهة الحصول في الخارج؟
"هما مجالان" كلاهما صالح ليكون منصرف الأدلة والموضع الذي تجري عليه مقتضياتها وما تدل عليه من أحكام، وبذلك فهما قد استوجبا أن يكونا موضعين "لبحث ونظر" يفضيان في شأنهما إلى معرفة الذي يكون منهما منصرفا لما ذكر، بطريق الترجيح.
وهذا الذي عليه هذان الاعتباران من التعارض في هذا الشأن، هو "منشأ" وأساس "خلف" وقع بين الفقهاء "في" أحكام "فروع" فقهية "تعتبر" أي معتبرة ومهمة، ومنها الصلاة في المكان المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب والحج بالمال الحرام، وما أشبه ذلك، من فعل مشروع تعلق به منهي عنه.
وفي كتب الأصول بحث وبيان أحوال هذه الفروع وأحكامها، وما لأهل العلم في ذلك من مذاهب وما سيق من الأدلة للاحتجاج على صحتها، فكل صاحب مذهب منها يسوق من الأدلة ما يراه حجة على صحة ما ذهب إليه في ذلك.
قال الشاطبي: وأدلة - المذاهب - يعني المذاهب المذكورة - منصوص عليها مبينة في علم الأصول، ولكن نذكر من ذلك طرفا يتحرى منه مقصد الشارع في أحد الاعتبارين:
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فمما يدل على الأول أمور:
أحدها أن المأمور به أو المنهي عنه أو المخير فيه إنما هو حقائق الأفعال التي تنطلق عليها تلك الأسماء وهذا أمر ذهني في الاعتبار لأنا إذا أوقعنا الفعل عرضناه على ذلك المعقول الذهني فإن صدق عليه صح وإلا فلا، ولصاحب الثاني أن يقول إن المقصود من الأمر والنهي والتخيير إنما هو أن يقوم المكلف بمقتضاها حتَّى تكون له أفعالا خارجية لا أمور ذهنية بل الأمور الذهنية هي مفهومات الخطاب ومقصود الخطاب ليس نفس التعقل بل الانقياد.
وذلك الأفعال الخارجية سواء علينا أكانت عملية أم اعتقادية وعند ذلك فلا بد أن تقع موصوفة فيكون الحكم عليها كذلك.
والثاني أنا لو لم نعتبر المعقول الذهني في الأفعال لزمت شناعة مذهب الكعبي المقررة في كتاب الأحكام لأن كل فعل أو قول فمن لوازمه في الخارج أن يكون ترك الحرام ويلقى فيه جميع ما تقدم وقد مر بطلانه.
ولصاحب الثاني أن يقول لو اعتبرنا المعقول الذهني مجردا عن الأوصاف الخارجية لزم أن لا تعتبر الأوصاف الخارجية بإطلاق وذلك باطل باتفاق فإن سد الذرائع معلوم في الشريعة وهو من هذا النمط كذلك كل فعل سائغ في نفسه وفيه تعاون على البر والتقوى أو على الإثم والعدوان إلى ما أشبه ذلك.
ولم يصح النهي عن صيام يوم العيد ولا عن الصلاة عند طلوع الشمس أو عند غروبها وهذا الباب واسع جدا.
والثالث أنا لو اعتبرنا الأفعال من حيث هي خارجية فقط لم يصح للمكلف عمل إلا في النادر إذ كانت الأفعال والتروك مرتبطا بعضها ببعض وقد فرضوا مسألة من صلى وعليه دين حان وقته وألزموا المخالفين أن يقولوا ببطلان تلك الصلاة لأنَّهُ ترك بها واجبا وهكذا كل من خلط عملا صالحا وآخر سيئا فإنه يلزم أن يبطل عليه العمل الصالح إذا تلازما في الخارج وهو على خلاف قول الله تعالى ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] لأنهما إذا تلازما في الخارج فكان أحدهما للوصف الثاني لم يكن العمل الصالح صالحا فلم يكن ثم خلط عملين بل صار عملا واحدا إما صالحا وإما سيئا ونص الآية يبطل هذا.
وكذلك جريان العوائد في المكلفين فدل ذلك على أن المقصود هو ما يصدق عليه عمل في الذهن لا في الخارج.
ولصاحب الثاني أن يقول أن الأمور الذهنية مجردة من الأمور الخارجية لا تفعل وما لا يفعل لا يكلف به أما أن ما لا يفعل لا يكلف به فواضح. وأما أن الأمور الذهنية لا تفعل مجردة فهو ظاهر أيضًا أما في المحسوسات فكالإنسان مثلا، فإن ماهيته المعقولة المركبة من الحيوانية والنطقية لا تثبت في الخارج. لأنها كلية حتَّى تتخصص، ولا تتخصص حتَّى تتشخص، ولا تتشخص حتَّى تمتاز عن سواها من المتشخصات بأمور أخر. فنوع الإنسان يلزمه خواص كلية هي له أوصاف كالضحك، وانتصاب القامة، وعرض الأظفار، ونحوها، وخواص شخصية وهي التي امتاز بها كل واحد من أشخاص الإنسان عن الآخَر، ولولا ذلك لم يظهر الإنسان في الخارج البتة.
فقد صارت إذا الأمور الخارجة العارضة لازمة لوجود حقيقة الإنسان في الخارج وأما في الشرعيات فكالصلاة مثلا فإن حقيقتها المركبة من القيام والركوع والسجود والقراءة وغير ذلك لا تثبت في الخارج إلا على كيفيات وأحوال وهيئات شتى. وتلك الهيئات محكمة في حقيقة الماهية حتَّى يحكم عليها بالكمال أو النقصان، والصحة والبطلان وهى متشخصات وإلا لم يصح الحكم على صاحبها بشيء من ذلك، إذ هي في الذهن كالمعدوم. وإذا كان كذلك فالاعتبار فيها بما وقع في الخارج، وليس إلا أفعالا موصوفة بأمور خاصة لازمة، وأمور على خلاف ذلك. وكل مكلف مخاطب في خاصة نفسه بها فهو إذا مخاطب بما يصح له أن يحصله في الخارج، فلا يمكن ذلك إلا باللوازم الخارجية فهو إذا مخاطب بها لا بغيرها. وهو المطلوب. فإن حصلت بزيادة وصف أو نقصانه فلم تحصل إذا على حقيقتها بل على حقيقة أخرى. والتي خوطب بها لم تحصل بعد فإن قيل فيشكل معنى الآية إذا وهو قوله ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] وأيضا فإن الصلاة قد تحصل بزيادة أو نقصان وتصح مع
стр. 635
" فصل "
١٥٦٨ - ثُمَّ مِنَ الأفْعَالِ مَا يَصِيرُ … وَصْفًا لَهُ فِي غَيْرِهِ تَأْثِيرُ
ذلك، وهو دليل على أن المعتبر ما يصدق عليه صلاة في الجملة وهو الاعتبار الذهني.
قيل أما الآية فإن الأعمال المتعارضة الأحكام ليست بمئلازمة لحصولها في زمنين وفى حالين وفى مثله نزلت الآية. وإذا تلازمت حتَّى صار أحدها كالوصف للآخر فإن كان كالوصف السلبي فلا إشكال في عدم التلازم لأن الوصف السلبي اعتباري للموصوف به ليس صفة وجودية وأما إن كانت صفة وجودية أو كالصفة الوجودية فحينئذ يرجع ذلك إلى الحاصل في الخارج، ولا يدخل مثله تحت الآية وأما الزيادة غير المبطلة أو النقصان فالاعتبار فيه بما حصل في الخارج جاريا مجرى المخاطب به، فالصلاة الناقصة أشبهت في الخارج الصلاة الكاملة، فعوملت معاملتها لا أنه اعتبر فيها الاعتبار الذهني في الجملة والبحث في هذه المسألة يتشعب وينبني عليه مسائل فقهية (١).
"فصل"
"ثم" بعد تقرير ما تقدم يرد على الأذهان هنا استفسار، وهو أن المرء قد يجمع بين وصفين سلبيين كانا أو وجوديين أو مختلطين متلازمين فيحدث منهما فعل واحد موصوف فهل كل وصفين اجتمعا في الشخص يتزاحمان بحيث يكون أحدهما وصفا للآخر كما تقدم في شأن الجمع بين الصلاة والغصب، إذا وصفت فيه الصلاة بأنها فعل موصوف بوصف منهي عنه وهو الغصب، أم أن ذلك ليس على الإطلاق فيكون المصير في شأنه إلى التفصيل هو الصواب؟
نعم، الحق في ذلك هو التفصيل، والذي بيانه هو أن "من الأفعال ما" إذا اجتمع مع غيره فإنه "يصير وصفا له" وبذلك فله "في غيره" ذاك "تأثير" معتبر شرعا - كالجمع سن الصلاة وما لا يشرع فيها من فحل، وهذا التأثير لا يحصل ولا يتصور إذا لاحظنا جهة معقولية ذلك الفعل، لأنَّهُ لا ينظر فيها إلى ما يكون عليه في الخارج من حال،
стр. 636
١٥٦٩ - بِنِسْبَةِ الْخَارجِ بِالتَّزَاحُمِ … فَفِيهِ يَجْرِيَانِ لِلتَّلَازُمِ
١٥٧٠ - وَلَيْسَتِ الترُوكُ كَالأَفْعَالِ … إِذْ لَا تَلَازُمَ لَهَا بِحَالِ
١٥٧١ - إِذِ التُّرُوكُ كُلُّهَا سَلْبِيَّهْ … لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةُ الْوَصْفِيَّهْ
١٥٧٢ - فَلَوْ تَرَكْنَا مَا عَسَى أَنْ نَتْرُكَا … لَمْ يَتَزَاحَمْ مِنْهُ شَيْءٌ تُرِكَا
١٥٧٣ - كَذَا اجْتِمَاعُهَا مَعَ الأَفْعَالِ مَا … لَمْ يَكُ لِلشَّرْعِ التَّلَازمُ انْتَمَا
١٥٧٤ - فَإِنَّهُ يُعَدُّ فِي الأوْصَافِ … كالتَّرْكِ لِلصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ
وإنما يحصل ذلك ويتصور "بـ"ـا لـ"نسبة" إلى ما يكون عليه الفعل في "الخارج" وذلك "بـ" سبب "التزاحم" بين الفعلين الذي يقع المكلف "ففيه" أي الخارج، الفعلان المؤثر أحدهما في الآخَر "يجريان" أي يقعان، "لـ" ما بينهما من "التلازم" فيه. "وليست التروك" في هذا الشأن "كالأفعال" فاجتماعها لا يقتضي أن يصير بعضها كالوصف للبعض اللآخر ولا أن يوثر بعضها في بعض من جهة الأحكام الشرعية "إذ" بينها انفصال في واقع الأمر وفي نظر الشارع فـ"لا تلازم" ثابت "لها" فيما بين بعضها والبعض الآخَر "بـ" أي "حال" من الأحوال العقلية أو الشرعية، أو العادية "إذ" هي أي "التروك كلها" أوصاف "سلبية" عدمية اعتبارية، وبذلك فهي "ليس" يثبت "لها حقيقة" الصفة "الوصفية" أي الحقيقة التي تدل على أوصاف خارجية ثابتة زائدة على ماهية الموصوف.
"فلو تركنا ما عسى" وأمكن "أن نتركا" - الألف للإطلاق - أي نتركه من الأفعال في زمان واحد كأن نترك شرب الخمر والزنا والغيبة وفعل الصلاة، والزكاة فإن ذلك كله "لم" - يعني لا - أي لا "يتزاحم منه شيء تركا" - الألف للإطلاق - مع غيره الآخَر المتروك.
"كذا" حكم "اجتماعها" أي التروك "مع الأفعال" فإنها كذلك لا تزاحم بين تلك التروك وتلك الأفعال وذلك كمثل ترك قضاء الدين مع فعل الصلاة، فيمن فر من قضائه إلى الصلاة، فإن الصلاة وإن وصفت بأنها فرار من واجب فليس ذلك بوصف لها إلا اعتباريا مقدرا، فهو ليس وصفا حقيقيا، إذ لا حقيقة له في الخارج.
هذا كله "ما لم يك" قد انتسب "للشرع" ثبوت "التلازم" بين فعل وترك ما "انتمى" له ذلك الفعل، وأما إن كان كذلك "فإنه" أي ذلك الترك "يعد" ويعتبر "في الأوصاف" الثابتة الحقيقية شرعا -، وذلك"كالترك للصوم في الاعتكاف"، فيقال فيه اعتكاف متروك
стр. 637
" المسألة الخامسة "
١٥٧٥ - ثُمَّ دَلِيلُ الشَّرْعِ مِنْهُ نَقْلُ … مَحْضٌ وَرَأْيٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ
١٥٧٦ - لَكِنْ بِنِسْبَةِ الأُصُولِ ذَا اعْتُبِرْ … إِذْ كُلُّ ضَرْبٍ لِسِوَاهُ مُفْتَقِرْ
فيه الصوم، وهذا يؤثر في حكمه إذ يترتب عليه البطلان عند من يشترطون الصوم في الاعتكاف كالمالكية والحنفية وبعض الصحابة والتابعين.
ومثله ترك الطهارة في الصلاة وترك الاستقبال.
وذلك في واقع الأمر إنما اعتبر من جهة فقد وصف وجودي للفعل الموجود كالطهارة للصلاة.
خلاصة القول - كما قال الشاطبي -: إن التروك من حيث هي تروك لا تتلازم في الخارج وكذلك الأفعال مع التروك إلا أن يثبت تلازمها شرعا ويرجع ذلك في الحقيقة إلى أن الترك إنما اعتبر من جهة فقد وصف وجودي للفعل الوجودي كالطهارة للصلاة وأما الأفعال مع الأفعال فهي التي تتلازم إذا قرنت في الخارج فيحدث منها فعل واحد موصوف فينظر فيه وفي وصفه كما تقدم والله أعلم.
ولهذه المسألة تعلق بباب الأوامر والنواهي (١).
"المسألة الخامسة"
"ثم" بعد بيان أحوال المسألة المتقدمة وجني ثمرتها المعرفية ننتقل إلى هذه المسألة - المسألة الخامسة - لبيانها وفي ذلك نقول: إن "دليل الشرع" الذي تؤخذ منه الأحكام الشرعية وتبنى عليه ضربان فـ"ـمنه" ما هو "نقل" أي منقول عن الشارع "محض" أي خالص، "و" منه ما هو "رأي" محض "يقتضيه" ويوجبه "العقل" وذلك من جهة أن ما يبنى عليه من حكم مرده إلى ظن المحجتهد، فما أدَّاه إليه اجتهاده في ذلك فهو الذي يصير إليه فاكم في ذلك - إذن - هو مقتضى نظره، "لكن" إنما هو "بـ"ـا لـ"نسبة" إلى "الأصول" يعني أصول الأدلة "ذا اعتبر" ولوحظ، لا بالنسبة للاستقلال والتفرد بإفادة الأحكام، فإن ذلك أمر لا يتأتى في حق أي منها "إذ كل ضرب" من هذين الضربين "لسواه" منها "مفتقر"
стр. 638
١٥٧٧ - فَمَا إِلَى النَّقْلِ لَهُ انْتِسَابُ … فَذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْكِتَابُ
١٥٧٨ - وَمَا مِنَ الْعَقْلِ لَهُ اقْتِبَاسُ … فَذَاكَ الاِستِدْلَالُ وَالْقِيَاسُ
١٥٧٩ - وَشَرْعُ مَنْ مَضَى وَالإِجْمَاعُ وَمَا … رَأْيُ صَحَابِيِّ لِلأَوَّلِ انْتَمَا
١٥٨٠ - وَأُلْحِقَتْ كنَوْعِ الاسْتِحْسَانِ … مَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ بِالثَّانِي
١٥٨١ - أَوْ أَوَّلٍ إِنْ رُدَّ مَعْنَاهَا إِلَى … حُكْمِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ مَثَلَا
ومحتاج في شأن بناء الأحكام، وذلك أمر واضح، لأن الدليل النقلي تستخرج منه الأحكام بالنظر، وإعمال الذهن، والعقل لا يأخذ الأحكام الشرعية إلا مما نصبه الشارع دليلا عليها، فالرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل.
"فـ"ـأما الضرب الأول وهو "ما" من الأدلة "إلى النقل له انتساب" فيقال فيه نقلي، وقد يقال فيه منقول "فذلك" هو "السنة" النبوية "والكتاب" أي القرآن الكريم.
"و" أما الضرب الثاني وهو "ما من "الأدلة "العقل له اقتباس" وأخذ على الوجه المتقدم "فذاك" هو "الاستدلال والقياس" الآتي بيانهما ببسط.
"و" أما "شرع من مضى" قبلنا "والإجماع وما" هو "رأي صحابي" فإنه إما باتفاق وإما باختلاف "لـ" ـلضّرب "الأول" وهو الدليل النقلي "انتمى" وانتسب لأن ذلك كله وما فيه من معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد.
"وألحقت" أصول فرعية أخرى "كنوع الاستحسان" وما هو "مصلحة مرسلة بـ" النوع "الثاني" وهو الضرب الذي مستنده الرأي على الوجه المتقدم ذكره، هذا إذا قلنا: إنها راجعة إلى أمر نظري.
"أو "بالنوع الذي هو "أول" هنا وهو النقلي، وذلك "إن رُدّ معناها" أي معنى هذه الأصول "إلى" جريان "حكم العموم المعنوي" عليها "مثلا" ذلك والعموم هو الذي تفيده الأدلة النقلية من جهة علل الأحكام الواردة فيها، والمقاصد الشرعية من تلك الأحكام.
وهذا سيأتي بيانه في المسألة العاشرة من كتاب الاجتهاد.
стр. 639
" فصل "
١٥٨٢ - ثُمَّ نَقُولُ جُمْلَةُ الأَدِلَّهْ … فِي ضَرْبِهَا الأوَّلِ مُسْتَقِلَّهْ
١٥٨٣ - إِذْ ضَرْبُهَا الثَّانِي اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ … وَمَا اسْتَبَدَّ فِيهِ لَوْلَا النَّقْلُ
" فصل"
"ثم" بعد تقرير هذا قد يظن أن الأحكام الشرعية لها مدرك آخر غير الدليل النقلي - وهو ما تقدم تسميته بالرأي - وهذا غير صحيح فإنا "نقول جملة" أي كل "الأدلة" الشرعية "في ضربها الأول" وهو الدليل النقلي "مستقلة" يعني محصورة، فلا دليل شرعي حقيقي آخر سواه.
"إذ ضربها" أي الأدلة الشرعية "الثاني" المذكور "اقتضاه العقل" يعني اقتضاه وأثمره إعمال العقل في الأدلة الشرعية وتسريحه فيها "و" لكنه ما ثبت اعتباره إلا بالنقل إذ العقل "ما" كان له أن يكون معتمدا عليه في هذا الشأن ولا "استبدّ فيه" بالنظر، وقبل ما يثمره فيه من ثمر "لولا النقل" الذي قضى بكونه - أي العقل أو الرأي - حجة مقبولة في ذلك، فالدليل النقلي هو الذي حكم بأنه دليل شرعي في ذلك، فلو فرض أن الدليل النقلي لم يحكم بذلك فإنه - لا محالة - سيسقط اعتباره في هذا الشأن.
وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة، وقد صار إذ ذاك الضرب الأول مستند الأحكام التكليفية من جهتين:
إحداهما جهة دلالته على الأحكام الجزئية الفرعية.
والأخرى جهة دلالته على القواعد التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية فالأولى كدلالته على أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد والصيد والذبائح والبيوع والحدود وأشباه ذلك والثانية كدلالته على أن الإجماع حجة وعلى أن القياس حجة وأن قول الصحابي حجة وشرع من قبلنا حجة وما كان نحو ذلك (١).
стр. 640
" فصل "
١٥٨٤ - ثُمَّ نَقُولُ فِي الْكِتَابِ إِنَّهْ … رَاجِعَة لِمُقْتَضَاهُ السُّنَّهْ
١٥٨٥ - فَهْوَ دَلِيلُ صِدْقِهَا إِذْ بَيَّنهْ … وَهِيَ لِكُلِّيَاتِهِ مُبَيِّنَهْ
" فصل"
"ثم" بعد هذا نرد كل الأدلة الشرعية إلى القرآن الكريم إذ "نقول في" حق هذا "الكتاب" العزيز "إنه راجعة لمقتضاه" وما يدل عليه من معان ومقاصد وأحكام وفوائد جميع ما تفيده وتدل عليه "السنة" النبوية الشريفة من أحكام ومقاصد ومعان، وذلك من وجهين:
"فـ"ـأحدها: أنه "هو دليل" وبرهان ثبوت "صدقها إذ" هو الذي قد "بينه" وأوجبه، وذلك أن الدليل على صدق الرسول ﷺ هو المعجزة، وقد حصر ﵊ معجزته في القرآن بقوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ" هذا: وإن كان له من المعجزات كثير جدا بعضه يؤمن على مثله البشر ولكن معجزة القرآن أعظم من ذلك كله وأيضا فإن الله قد قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣] في مواضع كثيرة وتكراره يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما في الكتاب ومما ليس فيه مما هو من سنته وقال ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] إلى ما أشبه ذلك (١).
"و" الثاني أنها "هي لكلياته" أي القرآن "مبينة" وموضحة ومفصلة، وذلك أن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه. ولذلك قال - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقال - سبحانه -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وذلك التبليغ من وجهين: تبليغ الرسالة وهو الكتاب. وبيان معانيه. وكذلك فعله ﷺ . فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا
стр. 641
١٥٨٦ - فَحَاصِلٌ أَنَّ كِتَابَ اللهِ … أَصْلُ الأُصُولِ غَايَةُ التَّنَاهِي
" المسألة السادسة "
١٥٨٧ - كُلُّ دَلِيلٍ فَلَهُ مُقَدِّمَهْ … تَأْتِي بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ مُعْلِمَهْ
١٥٨٨ - ثُمَّ لَهُ أُخْرَى لِنَفْسِ الْحُكْمِ … مَرْجِعُهَا فِي كُلِّ حُكْمٍ حُكْمِ
للكتاب، وهذا هو الأمر العام فيها.
وبذلك "فحاصل" القول هو "أن كتاب الله" تعالى هو الذي إليه يستند كل ما يعتبر دليلا شرعيا، إذ هو "أصل الأصول" و"غاية" ما إليه "التناهي" في كل شأن شرعي أصلا كان أو فرعا، ومنتهى أنظار النظار ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى، لأنَّهُ كلام الله القديم وقد قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢] وقد قال - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] وقال - سبحانه -: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وفي المسألة الثانية من الدليل الثاني - السنة - سيأتي مزيد بيان لمسألة رجوع جميع ما في السنة إلى الكتاب.
"المسألة السادسة"
في بيان بنية الدليل الشرعى، وبيان ذلك هو أنه قد تقرر أن "كل دليل" شرعي لا يمكن أن يفيد الحكم ويبين الموضع الذي يصح تنزيله عليه معينا وحده، وبذلك "فله" (١) أي لهذا الدليل من حيث بنيته مقدمتان: أحدهما "مقدمة تأتي" وتجيء وهي "بتحقيق المناط" - بفتح الميم - وهو ما تعلق به الحكم من وصف، أو ذات "معلمه" أي مخبرة لدلالتها عليه "ثم له" مقدمة "أخرى" هي "لنفس الحكم" الشرعي "مرجعها" فمتضمنها هو ذلك الحكم، وهذا يجري "في كل حكم حكم" بلا فرق ولا تفصيل،
стр. 642
١٥٨٩ - فَتُنْسَبُ الأُولَى بِهِ إِلَى النَّظَرْ … وَنِسْبَةُ الأُخْرَى إِلَى النَّقْلِ اسْتَقَرْ
" المسألة السابعة "
وبذلك "فـ" إنه "تنسب" المقدمة "الأولى به" يعني فيه - أي في الدليل "إلى النظر" فتوصف بأنها نظرية وأعني بالنظرية هنا ما سوى النقلية، سواء علينا أثبتت بالضرورة أم بالفكر، والتدبر، ولا أعني بالنظرية مقابل الضرورية (١).
"و" أما "نسبة" المقدمة "الأخرى" فإنه "إلى النقل" قد حصل و "استقر" وبيان ذلك ظاهر في كل مطلب شرعي بل هذا جار في كل مطلب عقلي أو نقلي فيصح أن نقول الأولى راجعة إلى تحقيق المناط والثانية راجعة إلى الحكم ولكن المقصود هنا بيان المطالب الشرعية فإذا قلت إن كل مسكر حرام فلا يتم القضاء عليه حتَّى يكون بحيث يشار إلى المقصود منه ليستعمل أو لا يستعمل لأن الشرائع إنما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون فإذا شرع المكلف في تناول خمر مثلا قيل له أهذا خمر أم لا فلا بد من النظر في كونه خمرا أو غير خمر وهو معنى تحقيق المناط فإذا وجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظر معتبر قال نعم هذا خمر فيقال له كل خمر حرام الاستعمال فيجتنبه وكذلك إذا أراد أن يتوضأ بماء فلا بد من النظر إليه هل هو مطلق أم لا وذلك برؤية اللون وبذوق الطعم وشم الرائحة فإذا تبين أنه على أصل خلقته فقد تحقق مناطه عنده وأنه مطلق وهي المقدمة النظرية ثم يضيف إلى هذه المقدمة ثانية نقلية وهي أن كل ماء مطلق فالوضوء به جائز وكذلك إذا نظر: هل هو مخاطب بالوضوء أم لا؟ فينظر هل هو محدث أم لا؟ فإن تحقق الحدث فقد حقق مناط الحكم، فيرد عليه أنه مطلوب بالوضوء، وإن تحقق فقده فكذلك، فيرد عليه أنه غير مطلوب الوضوء وهى المقدمة النقلية. فالحاصل أن الشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة، وذلك مقتضى إحدى المقدمتين وهي النقلية ولا ينزل الحكم بها إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد، وهو مقتضى المقدمة النظرية والمسألة ظاهرة في الشرعيات.
نعم، وفي اللغويات والعقليات … (٢).
"المسألة السابعة"
وهي في بيان ما يرجع إليه الدليل المطلق، والدليل المقيد من معنى يتبين به
стр. 643
١٥٩٠ - وَمَا مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّهْ … يَثْبُتُ كُلِّيًا لَدَى الْمَكِّيَّهْ
١٥٩١ - مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلْ لَّهُ قَانُونُ … أَوْ ضَابِطٌ لَهُ بِهِ تَعْيينُ
١٥٩٢ - فَذَاكَ رَاجِعٌ لِمَعْنىً قَدْ عُقِلْ … وَللْمُكَلَّفِينَ أَمْرُهُ وُكِلْ
١٥٩٣ - وَقِسْمُ ذَا أَكْثَرُهُ فِي الْعَادِي … كَالْعَدْلِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْعِبَادِ
١٥٩٤ - وَمَا أَتَى فِيهَا بِقَيْدٍ وَضُبِطْ … حُكْمًا بِقَانُونٍ إِلَيْهِ يَرْتَبِطْ
١٥٩٥ - فَرَاجِعٌ مَعْنَاهُ لِلتَّعَبُّدِ … مِمَّا مُكَلَّفٌ لَهُ لَا يَهْتَدِي
حاله وحكمه.
"و" بيان ذلك أن كل "ما من الأدلة الشرعية يثبت" يعني ثبت في النص الشرعي حالة كونه "كليا" يعني مطلقا غير مقيد - وهذا يرد "لدى" أي في الآيات "المكية" - و"من غير أن يجعل" ويوضع "له قانون" أي أصل يعرف به حده وماهيته "أو ضابط" مخصوص ينضبط به معناه، وهو "له" أي لذلك الدليل "به" أي بذلك الضابط "تعيين" أي بيان لعينه وذاته، وما قصد به معينا، "فذاك" الدليل"راجع" في فهمه وإدراك المعنى المراد به "لمعنى قد عقل" أي معقول مدرك بالعقل.
"و" بذلك لم يضبط شرعا، وإنما "لـ"ـنظر "المكلفين أمره" يعني أمر ضبطه وإدراك المعنى المراد به "وكل" وأسند واعتمد فيه.
"و" الـ"قسم ذا" يعني: وهذا القسم من الأدلة "ـكثره" يرد "في"الأمر "العادي" المعقول المعنى، الذي يدرك حسنه إن كان حسنا وقبحه إن كان قبيحا بمقتضيات الطباع، وذلك "كالعدل والعفو عن العباد" وغير ذلك مما وردت أدلته وهي مطلقة في شأنه، كالصبر والشكر في المأمورات، والظلم والفحشاء والمنكر، والبغي ونقض العهد في المنهيات.
"و" أما "مما أتى فيها" - في بمعنى من - يعني منها أي من الأدلة الشرعية وهو "بقيد" يحجزه عن الإطلاق "وضبط حكما" يعني من جهة ما يفيد من حكم "بقانون" وضابط "إليه يرتبط" فهو مشدود إليه لا ينفك عن مقتضاه. "فـ"ـذاك "راجع معناه" ومبتناه الشرعي "للتعبد" وهو "مما مكلف" - التنوين للتنويع - لا يصل "له" بنظره و"لا" له "يهتدي"
стр. 644
١٥٩٦ - لَوْ كَانَ مَوْكُولًا إِلَيْهِ أَمْرُهُ … وَفِي الْعِبَادِيَاتِ بَانَ كُثْرُهُ
١٥٩٧ - كَكُثْرِهِ فِيمَا مِنَ الأُصُولِ … يُعْزَى إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ
١٥٩٨ - إِذْ هِيَ فِي الْغَالِبِ تَقْيِيدَاتُ … مُقْتَضَيَاتٍ هُنَّ مُطْلَقَاتُ
١٥٩٩ - أَوْ هِيَ إِنْشَاءٌ لِأَحْكَامٍ يَرَى … أَسْبَابَهَا جُزْئِيَّةً مَنْ نَظَرَا
" المسألة الثامنة "
١٦٠٠ - أَدِلَّةُ الْمَدِينَةِ الْكُلِّيَّهْ … تُلْفَى إِذَا تُؤُمِّلَتْ جُزْئِيَّهْ
١٦٠١ - بِنِسْبَةِ الأَعَمِّ مِنْهَا أَوْتُرَا … مُكَمِّلَاتِ حُكْمٍ كُلِّيِّ جَرَا
١٦٠٢ - بَيَانُهُ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ … أَحْكَامُهَا تُوجَدُ مَكِّيَاتِ
" لو كان موكولا إليه أمره" يعنى أمر شأن النظر فيه، لأن تعقل أصله لا سبيل إليه، بله كيفيته وما ورد عليه من هيئة، وكذلك العوارض الطارئة عليه، لأنها من جنسه.
"و" هذا الضرب "في العباديات بأن" أي ظهر ووجد "كثره" - بضم الكاف وسكون الثاء - أي كثرته وأغلبه، وكثر في العبادات "ككثره فيما من الأصول" الشرعية "يعزى" من حيث نزوله "إلى مدنية الرسول" ﷺ "إذ هي" أي تلك الأصول المدنية "في الغالب تقييدات مقتضيات" ومدلولات "هن" من قبل تقدم ورودها "مطلقات أو هي إنشاء" وإيجاد "لأحكام يرى" ويبصر أو يوجد "أسبابها جزئية" لا عامة "من نظرا" - الألف للإطلاق - في أحوالها، وبصُربها. وبيان ذلك بسط يأتي في المسألة الموالية.
"المسألة الثامنة"
في أن الأدلة المدنية لا تكون كلية. وبيان ذلك أن "أدلة" الأحكام النازلة بـ"المدينة" المنورة "الكلية" كأدلة الجهاد - الذي تقدم أنه جزئي بالنسبة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فإنها في واقع الأمر ليست إلا جزئية، وبذلك فإنها "تلفى إذا تؤملت جزئية" وذلك "بنسبة" أي اعتبار "الأعم منها أو ترى" وتوجد "مكملات حكم" دليل "كلي" قد "جرى" وتقدم وروده. وتوضيح هذا و"بيانه" هو "أن الضروريات" التي يجب حفظها، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل - العرض - والمال، "أحكامها" الشرعية التي وردت فيها "توجد مكيات".
стр. 645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما الدين فهو أصل ما دعا إليه القرآن والسنة وما نشأ عنهما وهو أول ما نزل بمكة.
وأما النفس فظاهر إنزال حفظها بمكة كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩] ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وأشباه ذلك.
وأما العقل فهو وإن لم يرد تحريم ما يفسده وهو الخمر إلا بالمدينة فقد ورد في المكيات مجملا إذ هو داخل في حرمة حفظ النفس كسائر الأعضاء ومنافعها من السمع والبصر وغيرهما وكذلك منافعها فالعقل محفوظ شرعا في الأصول المكية عما يزيله رأسا كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة ثم يعود كأنه غطي ثم كشف عنه، وأيضا: فإن حفظه على هذا الوجه من المكملات، لأن شرب الخمر قد بين الله مثالها في القرآن حيث قال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] إلى آخر الآية فظهر أنها من العون على الإثم والعدوان.
وأما النسل فقد ورد المكي من القرآن بتحريم الزنا والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين. وأما المال فورد فيه تحريم الظلم وأكل مال اليتيم والإسراف والبغي ونقص المكيال أو الميزان والفساد في الأرض، وما دار بهذا المعنى.
وأما العرض الملحق بها فداخل تحت النهي عن إذاية النفوس، ولم ترد هذه الأمور في الحفظ من جانب العدم وحفظها من جانب الوجود حاصل، ففي الأربعة الأواخر ظاهر وأما الدين فراجع إلى التصديق بالقلب والانقياد بالجوارح؛ والتصديق بالقلب آت بالمقصود في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخَر، ليفرع عن ذلك كل ما جاء مفصلا في المدني، فالأصل وارد في المكي، والانقياد بالجوارح حاصل بوجه واحد ويكون ما زاد على ذلك تكميلا، وقد جاء في المكي من ذلك النطق بالشهادتين والصلاة والزكاة، وذلك يحصل به معنى الانقياد، وأما الصوم والحج فمدنيان من باب التكميل على أن الحج كان من فعل العرب أولا وراثة عن أبيهم إبراهيم فجاء الإسلام فأصلح منه ما أفسدوا وردهم فيه إلى مشارعهم، وكذلك الصيام أيضًا، فقد كانت الجاهلية تصوم يوم عاشوراء وكان النَّبِيّ ﷺ يصومه أيضًا حين قدم المدينة صامه وأمر بصيامه حتَّى نسخه رمضان، وانظر في حديث عائشة في صيام يوم عاشوراء
стр. 646
" المسألة التاسعة "
١٩٠٣ - وَجُمْلَةُ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّهْ … يُمْكِنُ فِيهَا أَخْذُهَا مَكِّيَهْ
١٩٠٤ - وَهَبْهُ جُزْئِيًّا وَمَا الدَّلِيلُ … قَدْ خَصَّهُ بِمَا لَهُ شُمُولُ
١٩٠٥ - وَذَاكَ بَيِّن مِنَ التَّشْرِيعِ … إِذْ حُكْمُهُ التَّعْمِيمُ فِي الْمَشْرُوعِ
فأحكمهما التشريع المدني وأقرهما على ما أقر الله تعالى من التمام الذي بينه في اليوم الذي هو أعظم أيامه حين قال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] الآية فلهما أصل في المكي على الجملة والجهاد الذي شرع بالمدينة فرع من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مقرر بمكة؛ كقوله - تعالى -: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمَان: ١٧] وما أشبه ذلك (١).
"المسألة التاسعة"
في أن الأدلة الشرعية قد تؤخذ كلها على أنها كلية من جهة الاستغراق والشمول للمكلفين إلا ما خصص الدليل.
"و" بيان ذلك أن "جملة" أي كل "الأدلة الشرعية" يتأتى و"يمكن فيها" باعتبار الجهة المذكورة "أخذها مكية" - هكذا بالنسخة التي بأيدينا ويحتمل أن تكون تصفحت من كلية. كما يحتمل أن تكون كذلك، وإنما هي في الأصل مكية وبذدك يكون مراده بها أن الأدلة كلها ترجع إلى الأدلة المكية باعتبار أنها الأدلة الكلية في الشريعة، فعبر بالمكية بدل الكلية لما بينهما من التلازم. ولكن ظاهر كلام الشاطبي في الأصل لا يساعد على هذا.
خلاصة القول أن الأدلة الشرعية كلها يحق أخذها كلية، فكل دليل شرعي هو كلي باعتبار الجهة المذكورة "وهبه" دليلا "جزئيا" من جهة دلالة اللفظ الدال عليه "وما" أي وليس مما "الدليل قد خصه بما" - الباء بمعنى في - أي فيما "له" فيه استغراق و"شمول" وهو الجهة المذكورة، فإنه كلي فيه، لأنه وإن كان جزئيا فإن ذلك إنما هو بحسب النازلة، لا بحسب التشريع في الأصل "وذاك" أمر "بين" واضح "من" حال "التشريع" ووضعه "إذ حكمه" هو "التعميم" والإجراء على المكلفين "في" الحكم "المشروع" سواء
стр. 647
" المسألة العاشرة "
كان في الأمور العادية أو في العبادات. وهذا مقرر وثابت بأدلة: منها: عموم التشريع في الأصل كقوله - تعالى -: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعرَاف: ١٥٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سَبَأ: ٢٨] ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النّحل: ٤٤] وهذا معنى مقطوع به لا يخرم القطع به ما جاء من شهادة خزيمة وعناق أبي بردة وقد جاء في الحديث "بعثت للأحمر والأسود".
ومنها: أصل شرعية القياس؛ إذ لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى، وهو معنى متفق عليه، ولو لم يكن أخذ الدليل كليا بإطلاق لما ساغ ذلك.
ومنها: أن الله تعالى قال ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧] الآية فإن نفس التزويج لا صيغة له تقتضي عموما أو غيره، ولكن الله تعالى بين أنه أمر به نبيه لأجل التأسي فقال ﴿لِكَيْلَا﴾ [الأحزَاب: ٥٠] ولذلك قال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزَاب: ٢١] هذا: ورسول الله ﷺ قد خصه الله بأشياء كهبة المرأة نفسها له وتحريم نكاح أزواجه من بعده والزيادة على أربع فلذلك لم يخرجه عن شمول الأدلة فيما سوى ذلك المستثنى فغيره أحق أن تكون الأدلة بالنسبة إليه مقصودة العموم، وإن لم يكن لها صيغ عموم وهكذا الصيغ المطلقة تجري في الحكم مجرى العامة.
ومنها: أن النبي ﷺ بين ذلك بقوله وفعله، فالقول كقوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" وقوله: في قضايا خاصة سئل فيها أهي لنا خاصة أم للناس عامة، "بل للناس عامة" كما في قضية الذي نزلت فيه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هُود: ١١٤] وأشباهها، وقد جعل نفسه ﵊ قدوة للناس، كما ظهر في حديث الإصباح جنبًا وهو يريد أن يصوم والغسل من التقاء الختانين، وقوله: "إني لأَنْسَى أو أُنَسَى لأسُنَّ " وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" "وخذوا عنى مناسككم" وهو كثير (١).
"المسألة العاشرة"
في أن الأدلة الشرعية على ضربين:
стр. 648
١٦٠٦ - وَهْيَ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ ضَرْبَانِ … ضَرْبٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْبُرْهَانِ
١٦٠٧ - وَيُسْتَدَلُّ مُطْلَقًا بِهِ عَلَى … حُكْمٍ لَهُ ذَاكَ دَلِيلًا جُعِلَا
١٦٠٨ - وَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلاسْتِدْلَالِ … عَلَى مُخَالِفٍ فِي الانْتِحَالِ
١٦٠٩ - وَجُمْلَةُ الْبَرَاهِنِ الْعَقْلِيَّهْ … وَشبْهِهَما بِنَوْعِهِ حَفِيَّهْ
١٦١٠ - وَقَدْ أَتَى مِنْ ذَاكَ فِي الْقُرْآنِ … أَدِلَّةُ قَاطِعَةُ الْبُرْهَانِ
أحدهما: ما كان على طريقة البرهان العقلي.
ثانيهما: ما كان مبنيا على الموافقة في النحلة، فيكون لذلك مسلما مقتضاه.
"و" بيان ذلك أن الأدلة "هي وإن تعددت" من جهة ما دلت عليه من أحكام ومعان "ضربان" أي على نوعين: "ضرب" منهما هو: ما كان مبنيا "على طريقة البرهان" وهو القياس المركب من اليقينيات، "و" هذا الضرب "يستدل مطلقا" به سواء كان من يستدل عليه "به" مؤالفا أو مخالفا "على" كل "حكم" وضع "له ذاك دليلا" و"جعلا" - الألف للإطلاق - لأنه أمر معلوم عند كل من له عقل فلا يقتصر به على الموافق في النحلة، "و" قد كان "أصل وضعه" إنما هو "للاستدلال" والاحتجاج به "على" من هو "مخالف في" الذي عليه من "الانتحال" وهو التلبيس بنحلة ما - والنحلة - بكسر النون - المذهب العقدي أو الدين.
"و" تدخل"جملة" أي كل "البراهن العقلية" الثابتة بالضرورة العقلية "وشبهها" من كل ما هو قائم على أمر يقيني مدرك بالحس والتجربة "بنوعه " - الباء بمعنى في - في نوعه ظاهره أن فيه إضافة الشيء إلى نفسه، وهو واضح، وهذا يوجب التأويل له، وذلك بتخريجه على أنه من باب إضافة العام إلى الخاص، فيكون معنى الكلام حينئذ وتدخل كل البراهين وشبهها في نوع هذا الذي هو مبني على طريقة البرهان لأنها بذلك "حفية".
"وقد أتى من ذاك" الضرب المذكور القائم على اليقينيات "في القرآن أدلة قاطعة البرهان" - فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني أدلة برهانها قاطع للجدال، والشك، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]
стр. 649
١٦١١ - وَضَرْبُهَا الآخَرُ مَبْنِيٌّ عَلَى … تَوَافُقِ النحْلَةُ حَيْثُ أَقْبَلَا
١٦١٢ - مِثْلُ دَلِيلِ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ … وَسَائِر التَّكْلِيفِ بِالأحْكَامِ
١٦١٣ - وَهْيَ وإِنْ دَلَّتْ فِي الاسْتِعْمَالِ … لَمْ تَأْتِ فِي مَحلِّ الاسْتِدْلَالِ
١٦١٤ - فَهِيَ قَضَايَا وَرَدَتْ مُسَلَّمَهْ … بِمَا مِنَ الْحُكْمِ اقْتَضَتْهُ مُعْلِمَهْ
وقوله - سبحانه -: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فُصّلَت: ٤٤] وقوله - سبحانه -: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وقوله - وهو أصدق القائلين - ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٨] وقوله - سبحانه -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ إلى قوله - تعالى -: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الرُّوم: ٤٠]. وغير ذلك من الآيات من صنف ما ذكر. هذا هو الضرب الأول وبيانه، وهو - كما تاقدم - يستدل به على المخالف والموافق لأنه دليل عقلي.
"و" أما "ضربها" أي الأدلة الشرعية "الآخر" فإنه "مبني على" ثبوت "توافق" في "النحلة" أي الدين فلا يستدل به إلا على الموافق فيها "حيث أقبلا" - الألف للإطلاق أي جاء هذا الضرب في الكتاب والسنة.
وذلك "مثل دليل" وجوب "الحج". وهو قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عِمرَان: ٩٧] وما في معناه من النصوص الشرعية الآخرى "و" دليل "الصيام" كقوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] "و" كذلك "سائر" ما ورد من أدلة "التكليف بالأحكام" الشرعية، فإنها كلها من هذا الضرب "وهي وإن دلت في الاستعمال" فإنها "لم تأت في محل" ومعرض "الاستدلال" وإقامة الحجج على المخاطب "فهي قضايا" - جمع قضية - وهي قول يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب "وردت" وجاءت "مسلمة" من مدعيها ومن المستدل عليه بها، وهي "بما" دلت عليه "من الحكم" و"اقتضته مُعلمة" - بضم الميم - اسم فاعل أعلم إذا
стр. 650
١٦١٥ - جَاءَتْ لِأنْ تُوخَذَ بِالْقَبُولِ … بُرْهَانُهَا مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ
١٦١٦ - فَمَنْ يَكُنْ بِالأوَّلِ اسْتِدْلَالُهُ … كَانَ كأَنْ بِوَضْعِهِ اسْتِقْلَالُهُ
١٦١٧ - وَمَنْ بِثَانٍ يَسْتَدِلُّ إِنَّمَا … أَخَذَهُ مَعْنىً أَتَى مُسَلَّمَا
١٦١٨ - لِفَهْمِ مُقْتَضَاهُ بِالإِلْزَامِ … لِشَأْنِهِ شَرْعًا وَالالْتِزَامِ
١٦١٩ - لِذَاكَ إِطْلَاقُ الدَّلِيلِ فِيهِمَا … نَوْعًا مِنْ اشْتِرَاكِ لَفْظٍ يُمِّمَا
أخبر "جاءت" - أي أتت - "لأن تؤخذ" وهي متلقاة "بالقبول" - بفتح القاف - أي الرضى وبذلك يعلم بها من هي مسلمة عنده "برهانها" الذي قامت عليه حجتها وكونها دليلا معتبرا في الحقيقة إنما هو "معجزة الرسول" ﷺ الدالة على صدقه في كل ما أتى به، فإذا ثبت برهان المعجزة ثبت الصدق وثبت التكليف على المكلف.
"فمن يكن" من أهل العلم والنظر "بـ"ـالضرب "الأول" من هذين الضربين "استدلاله" واحتجاجه فإنه يعد ويعتبر منشأ له و"كان كأنـ"ـه قد ثبت له انفراد" بوضعه" و "استقلاله" به باعتبار أنه من ثمرات العقل والعقل يعطي ما يثمره لصاحبه بذاته مستقبلا.
"و" أما "من" "بـ"ـالضرب الذي هو "ثان" من الضربين "يستدل" ويحتج فإنه "إنما أخذه معنى" وأمرا "أتى مسلما لـ"ـأجل حصول "فهم مقتضاه" وما دل عليه من معنى "بالإلزام" الثابت على الخصم "لشأنه" وأمره "شرعا والالتزام" الذي يلحق به - أي الخصم -، وذلك كان يقول المدعي للخصم إذا سلمت تلك القضية لزمك تسليم المدعى، وسقط اعتراضك، وذلك كأن يدعي الفقيه وجوب الزكاة في حلي البالغة، ويقيم على ذلك دليلا، وهو قوله ﵊ "في الحلي زكاة" فيقول الخصم: هذا لا يدل لك، لأنه خبر آحاد، وخبر الآحاد لا يكون حجة. فيقول المدعي: خبر الآحاد حجة، لأنه قد ثبت في علم أصول الفقه حجيته، وكلما هو حجة، فيكفي الاستدلال به، ينتج خبر الآحاد يكفي الاستدلال به، وإذا تقرر هذا ثبت اختلاف حال هذين الضربين على الوجه الذي تقدم ذكره فإنه "لذاك إطلاق" لفظ "الدليل فيهما" يعني عليهما إنما يصح باعتبار أن بينهما "نوعا من اشتراك" الـ"ـلفظ" وهو الذي قد "يمما" - الألف للإطلاق - أي قصد في هذا الإطلاق، لأن الدليل بالمعنى الأول خلافه بالمعنى الثاني، فهو بالمعني الأول جار على الاصطلاح المشهور عند العلماء وبالمعنى الثاني نتيجة أنتجتها المعجزة فصار قولا مقبولا فقط.
стр. 651
" المسألة الحادية عشرة "
١٦٢٠ - وَإِن يَّكُ الدَّلِيلُ وَارِدًا لِمَا … هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِذْ فُهِمَا
١٦٢١ - لَمْ يُسْتَدَلَّ مَعَ ذَا بِهِ عَلَا … مَعْنىً مَجَازِي عَلَيْهِ اشْتَمَلَا
١٦٢٢ - إِلَّا لَدَى مَنْ قَالَ بِالتَّعْمِيمِ فِي … لَفْظٍ بِهِ مَعْنَى اشْتِرَاكٍ اقْتفِي
١٦٢٣ - إِنْ كَانَ لِلْعَرَبِ ذَاكَ الْمَعْنَا … مِمَّا بِمِثْلِ اللَّفْظِ قَصْدًا يُعْنَا
١٦٢٤ - كيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيْتِ وَمَا … أَشْبَهَهُ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَا
" المسألة الحادية عشرة"
في أن الدليل لا يستدل به على معناه المجازي إذا بقي على حقيقته إلا عند من يرى جواز استعماله في حقيقته ومجازه.
"و" بيان ذلك أنه "إن يك الدليل" يعني اللفظ "واردا لما هو له" من المعنى "حقيقة" ويعرف ذلك بفقدان القرينة الصارفة له عن ذلك، و "إذ فهما" في معناه الحقيقي فإنه "لم" يعنِ لا "يستدل مع" ثبوت "ذا" الحال فيه ووجوده "به على معنى مجازي عليه اشتملا" - الألف للاطلاق - واحتوى عليه باعتبار الصلاحية والاحتمال، "إلا لدى" أي عند "من قال بـ "ـالحمل على "التعميم في" كل "لفظ به معنى اشتراك اقتفي" أي اتبع مقتضاه وقبل، وذلك إذا كان خلوا من التناقض، أما المشترك المتناقض فإنه لا يذهب فيه إلى التعميم على الإطلاق لاستحالته. وهذا القول بالتعميم هنا إنما يصح الذهاب إليه "إن كان للعرب" يعني عند العرب "ذاك المعنى" مستعملا في كلامهم، وكان ذاك المعنى "مما" يعبر "بمثل" ذلك "اللفظ" عنه "قصدا" و"يعنى" به أي يراد به، وذلك "كيخرج الحي من الميت" أراد قوله - تعالى -: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعَام: ٩٥] الذي ذهبت جماعة إلى أن المراد بالموت والحياة فيه ما هو حقيقي، كإخراج الإنسان الحي من النطفة الميتة، وبالعكس، وأشباه ذلك مما يرجع إلى معناه. وذهب قوم إلى تفسير الآية بالموت والحياة المجازيين المستعملين في قوله - تعالى - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعَام: ١٢٢]. "و" هذا الذي يجري في قوله - تعالى -: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعَام: ٩٥] يجري في كل "ما أشبهه" فيحمل على المعنى الحقيقي "في قول بعض العلماء"
стр. 652
١٦٢٣ - فَإِنْ يَكُ الْمُجَازُ حَيْث مَا ظَهَرْ … لَا عَهْدَ لِلْغرْبِ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ
وعلى هذا المجاز في قول آخرين عند من ينكر حمل اللفظ على مجازه وحقيقته على سبيل الشمول والاستغراق.
وادعى قوم ومنهم الشافعي أن الجميع مراد في اللفظ الذي يحتمل الدلالة على الحقيقة والمجاز بناء على القول بتعميم اللفظ المشترك، واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه هذا إذا كان قد قام به الشرط المذكور.
"فإن يك" هذا الشرط قد عدم فإن "المجاز حيث ما ظهر" في الكلام إذا كان "لا عهد للعرب به" في تصاريف كلامهم واستعمالاتهم فيه فإنه لا يلتفت إليه إذ هو لم يعنِ و"لم يعتبر" لما تقدم من أنه لا مبالاة بما هو خارج عن معهود اللسان العربي مثال الذي تخلف فيه ذلك الشرط قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] فالمفسرون هنا على أن المراد بالسكر ما هو الحقيقة أو سكر النوم وهو مجاز فيه مستعمل وأن الجنابة والغسل منها على حقيقته فلو فسر على أن السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار التقوى كما منع سكر الشراب من الجواز في صلب الفقه، وإن الجنابة المراد بها التضمخ بدنس الذنوب والاغتسال هو التوبة لكان هذا التفسير غير معتبر، لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع ولا عهد لها به، لأنها لا تفهم من الجنابة والاغتسال إلا الحقيقة، ومثله قول من زعم أن النعلين في قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] إشارة إلى خلع الكونين فهذا على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعملة ولا في مجازاتها وربما نقل في قوله ﷺ : "تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء" أن فيه إشارة إلى التداوي بالتوبة من أمراض الذنوب وكل ذلك غير معتبر فلا يصح استعمال الأدلة الشرعية في مثله وأول قاطع فيه أن القرآن أنزل عربيا وبلسان العرب وكذلك السنة إنما جاءت على ما هو معهود لهم وهذا الاستعمال خارج عنه ولهذا المعنى تقرير في موضعه من هذا الكتاب والحمد لله فإن نقل في التفسير نحوه عن رجل يعتد به في أهل العلم فالقول فيه مبسوط بعد هذا بحول الله (١).
стр. 653
" المسألة الثانية عشرة "
١٦٢٦ - ثُمَّ دَلِيلُ الشَّرْعِ لِلْمُكَلَّفِ … إِنْ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي السَّلَفِ
١٦٢٧ - إِمَّا عَلَى الدَّوَامِ أَوْ فِي الأَكثَرِ … فَهْوَ بِالاسْتِدْلَالِ وَالْفِعْلِ حَرِ
١٦٢٨ - أَوْ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ قَلِيلًا … فِي حَالَةٍ مَا يَقْتَضِي تَأْوِيلًا
١٦٢٩ - وَكَانَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ … مُدَاوَمًا أَوْ أَكْثَرِيًا يَحْصُلُ
" المسألة الثانية عشرة"
"ثم" ننتقل بعد ما نجز لنا ما تقدم ذكره إلى بيان أن "دليل الشرع" بالنسبة "لـ" عمل "المكلف" بمقتضاه واستدلاله به أحواله مختلفة بحسب ما عليه السلف في شأنه. وذلك أن كل دليل شرعي لا يخلو إما أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين، و "إن كان معمولا به في السلف" المتقدمين، فإنه "إما" أن يكون معمولا به "على الدوام" والاستمرار "أو" يكون معمولا به "في الأكثر" والغالب - وهذا هو الضرب الأول والقسم الأول - فإن كان كذلك "فهو بالاستدلال" به "والفعل" والعمل بمقتضاه وعلى وفقه "حري" أي جدير، وحقيق، وهذا لا إشكال فيه لأن ذلك هو السنة المتبعة والصراط المستقيم كان الدليل مما يقتضي إيجابا أو ندبا أو غير ذلك من الأحكام كفعل النبي ﷺ مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نفل والزكاة بشروطها والضحايا والعقيقة والنكاح والطلاق والبيوع وسواها من الأحكام التي جاءت في الشريعة وبينها ﵊ بقوله أو فعله أو إقراره ووقع فعله أو فعل صحابته معه أو بعده على وفق ذلك دائما أو أكثريا وبالجملة ساوى القول الفعل ولم يخالفه بوجه فلا إشكال في صحة الاستدلال وصحة العمل من سائر الأمة بذلك على الإطلاق (١).
هذا إن كان عمل السلف أكثريا أو على سبيل الدوام، وأما إن وقع "أو كان معمولا بلى" عندهم "قليلا" ونادرا، بأن يكون معمولا به "في حالة" دون حالة، أو وقت دون وقت من "ما يقتضي" ويستوجب …
"تأويلا" لعملهم به "وكان غيره" المخالف له من الأدلة هو الذي جرى "عليه العمل" في حالة كونه "مداوما" عليه "أو أكثريا يحصل" ويقع.
стр. 654
١٦٣٠ - فَالسُّنَّةُ اتِّبَاعُ حُكْمِ الأَكثَرِ … وَمَا يَقِلُّ فِي مَحَلِّ النَّظَرِ
١٦٣١ - وَإِنْ فَرَضْنَا فِيهِ أَنْ قَدْ صَدَرَا … مُخَيَّرًا فِيهِ وَمِمَّا كَثُرَا
١٦٣٢ - مَا عَمَّ أَوْلَى وَهْوَ ذُو اتِّضَاحِ … كَالشَّأْنِ فِي الْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ
١٦٣٣ - ثُمَّ قَضَايَا الْعَيْنِ فِي الْحُصُولِ … لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لَدَى الأُصُولِ
١٦٣٤ - لَكِنْ لِهَذَا الْقِسْمِ فِي الْبَيَانِ … أَمْثِلَة لَكِنَّهَا ضَرْبَانِ
" فـ" إن "السنة" هي "اتباع حكم" الدليل الذي يكون العمل به هو "الأكثر و "أما "ما" أي الذي من الأدلة "يقل" العمل به فإنه "في محل النظر" والبحث في شأنه، من أجل التثبت فيه وفي العمل على وفقه. لكن تجب المثابرة على ما هو الأعم والأكثر فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل، إما أن يكون لمعنى شرعي أو لغير معنى شرعي، وباطل أن يكون لغير معنى شرعي فلا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به، وإن كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل كالمعارض للمعنى الذي تحروا العمل على وفقه، وإن لم يكن معارضا في الحقيقة، فلا بد من تحري ما تحروا وموافقة ما داوموا عليه. "و" أيضا "إن فرضنا فيه" أي في هذا المنقول الذي قل العمل به "أنـ "ـه "قد صدرا" وجاء "مخيرا فيه" يعني في العمل به "و" فيما يعني العمل "مما" قد "كثرا" العمل به فإن "ما عم" العمل به يعني غلب "أولى" وأجدر بأن يعمل على وفقه "و" ثبوت هذه الأولوية هنا "هو" أمر "ذو اتضاح" وبيان وجهه، لأن عملهم - إذا حقق النظر فيه لا يقتضى مطلقا التخيير، بل اقتضى أن ما داوموا عليه هو الأولى في الجملة. وإن كان العمل الواقع على وفق الآخر - العمل القليل - لا حرج فيه، "كالشأن" والأمر "في المندوب والمباح" فإن وضعهما بحسب فعل المكلف يشبه المخير فيه، إذ لا حرج في ترك المندوب على الجملة، فصار المكلف كالمخير فيهما، لكنه في الحقيقة ليس كذلك، بل المندوب أولى أن يعمل به من المباح في الجملة، فكذلك ما نحن فيه.
"ثم" إن "قضايا" الأعيان، مفردها قضية "العين"، ومعناها: الحكم المخصوص بالشخص الذي شرع له ذلك الحكم بحيث لا يتعداه إلى ما سواه، ويعبر عن هذا بعبارات أخرى، - "في الحصول" والوقوع لما دلت عليه "ليست بحجة" بمجردها "لدى" أي عند أهل "الأصول" ما لم يعضدها دليل آخر يكون حجة في محلها.
"لكن لهذا القسم" الذي قل العمل به "في" حالة التثبت من حاله والإيضاح و"البيان" له "أمثلة" كثيرة "لكنها" محصورة إذ هي "ضربان":
стр. 655
١٦٣٥ - ضَرْبٌ يَدُلُّ أَنَّ قِلَّةَ الْعَمَلْ … بِهِ اقْتَضَاهُ سبَبٌ بِهِ اتَّصَلْ
١٦٣٦ - حَتَّى إِذَا يُعْدَمُ ذَاكَ السَّبَبُ … يُعْدَمُ بِانْعِدَامِهِ الْمُسَبَّبُ
١٦٣٧ - أَوْ كَوْنُهُ جَاءَ لِتَبْيِينٍ وَجَبْ … وَحُكْمُ ذَا الضَّرْبِ اقْتِفَاءُ مَا غَلَبْ
أحدهما "ضرب يدل" حاله وواقع أمره "أن قلة العمل به اقتضاه" وأوحبه "سبب به اتصل حتى إذا يعدم ذاك السبب" يزول و"يعدم بانعدامه" وزواله "المسبب" كما جاء في قيام رسول الله ﷺ في رمضان في المسجد ثم ترك ذلك مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، ولم يعد إلى ذلك هو ولا أبو بكر، حتى جاءت خلافة عمر، فعمل بذلك لزوال علة الإيجاب، ثم نبه على أن القيام في آخر الليل أفضل من ذلك، فلأجل ذلك كان كبار السلف من الصحابة والتابعين ينصرفون بعد صلاة العشاء إلى بيوتهم، ولا يقومون مع الإمام واستحبه مالك لمن قدر عليه. "أو كونه" أي هذا الدليل الذي قل العمل به "جاء لتبيين" أمر قد "وجب" توضيحه، وهذا له مواضع، كوقوعه بيانا لحدود حدت، وأوقات عينت كما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ يومين، وبيان رسول الله ﷺ لمن سأله عن وقت الصلاة فقال: صل معنا هذين اليومين فصلاته في اليوم في أواخر الأوقات وقع موقع البيان لآخر وقت الاختياري الذي لا يتعدى ثم لم يزل مثابرا على أوائل الأوقات إلا عند عارض كالإبراد في شدة الحر والجمع بين الصلاتين في السفر وأشباه ذلك. وكذلك قوله من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح الخ. بيان لأوقات الأعذار لا مطلقا فلذلك لم يقع العمل عليه في حال الاختيار ومن أجل ذلك يفهم أن قوله ﵊: أسفروا بالفجر مرجوح بالنسبة إلى العمل على وفقه وإن لم يصح فالأمر أوضح، وبه أيضا يفهم وجه إنكار أبي مسعود الأنصاري على المغيرة بن شعبة تأخير الصلاة إلى آخر وقتها وإنكار عروة بن الزبير على عمر بن عبد العزيز كذلك واحتجاج عروة بحديث عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر ولفظ كان فعل يقتضي الكثرة بحسب العرف فكأنه احتج عليه في مخالفة ما داوم عليه النبي ﷺ كما احتج أيضا أبو مسعود على المغيرة بأن جبريل نزل فصلى إلى أن قال بهذا أمرت وكذلك قول عمر بن الخطاب للداخل للمسجد يوم الجمعة وهو على المنبر أية ساعة هذه وأشباهه (١). وغير ذلك من الأمثلة من هذا الصنف "وحكم ذا الضرب" الذي ينبغي فيه هو "اقتفاء" واتباع "ما غلب" كائنا ما
стр. 656
١٦٣٨ - وَتَرْكُ مَا قَدْ قَلَّ أَوْ تَقْلِيلُهُ … حَسَبَمَا كَانَ لَهُمْ تَحْصِيلُهُ
١٦٣٩ - وَضَرْبُهُ الثَّانِي عَلَى خِلَافِ … مَا مَرَّ فِي الأَوَّلِ مِنْ أَوْصَافِ
١٦٤٠ - لَكِنَّهُ يَأْتِي عَلَى وُجُوهِ … يُذْكَرُ مِنْهَا الْبَعْضُ لِلتَّنْبِيهِ
١٦٤١ - كَأَنْ يُرَى فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلَا … أَوْ أَصْلُهُ مِمَّا بِهِ الْخُلْفُ انْجَلَا
١٦٤٢ - مِثْلُ سُجُودِ الشُّكْرِ وَالْقِيَامِ … لِدَاخِلٍ بِنِيَّةِ الإِكْرَامِ
كان "وترك ما قد قل" بالكلية "أو تقليله" وذلك "حسبما كان لهم" أي للسلف الصالح "تحصيله" - فيه إضافة المصدر إلى المفعول - والأصل تحصيلهم إياه أي فعلهم له، فإن كانوا يأتونه على قلة، فإنه يؤتى علة قلة، وإن كانوا قد تركوه بالكلية فإنه يصار إلى تركه كذلك وتفاصيل هذا الموضوع تراجع في الأصل - الموافقات -. هذا بيان الضرب الأول من هذا القسم وحكمه. "و" أما "ضربه الثاني" فإنه "على خلاف ما" أي الذي قد "مر في" الضرب "الأول من أوصاف" فهذا الضرب الثاني لا يتبين فيه وجه يكون سببا للقلة فيه "لكنه يأتي على وجوه" وصور "يذكر منها البعض" أي بعضها "للتنبيه" والتمثيل، وذلك "كأن يرى" ذلك العمل المؤتى به على قلة "في نفسه" وبمقتضى دلالته ومعناه "محتملا" - بكسر الميم - لمعنيين مختلفين، فيختلف فيه أهل العلم لذلك، ويذهب كل مجتهد في شأنه إلى ما ظهر له فيه أنه الصواب، "أو" كان "أصله" غير ثابت بأن كان "مما به" أي فيه - يعني ثبوته "الخلف" بين أهل العلم "انجلا" وظهر، وذلك "مثل سجود الشكر" فإن كونه أمرا ثابتا في الشريعة مختلف فيه، وقد جنح جمع من أهل الحديث والآثار إلى نصرة كونه من الشريعة، وأنه سنة ثابتة وأنكر مالك ذلك كما سيأتي ذكره، وهذا المثال راجع لقوله: "أصله مما به الخلف انجلا".
"و" كذلك "القيام لـ"ـشخص ما "داخل" وذلك "بنية الإكرام" والتعظيم، فإن العمل المتصل تركه، فقد كانوا لا يقومون لرسول الله ﷺ إذا أقبل عليهم وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس ولم ينقل عن الصحابة عمل مستمر ولو كان لنقل حتى روى عن عمر بن عبد العزيز أنه لما استخلف قاموا له في المجلس فقال إن تقوموا نقم وإن تقعدوا نقعد وإنما يقوم الناس لرب العالمين فقيامه ﷺ لجعفر ابن عمه وقوله "قوموا لسيدكم" إن حملناه على ظاهره
стр. 657
١٦٤٣ - فَمِثْلُ هَذَا تَرْكُهُ أَهَمُّ … وَيُقْتَفَى الأَغْلَبُ وَالأَعَمُّ
١٦٤٤ - وَمِنْ هُنَا يَبْدُوا لِمَنْ تَأَمَّلَا … مَا مَالِكٌ رَءَاهُ أَصْلًا مُعْمَلَا
١٦٤٥ - حَيْثُ يُرَى مُقَدِّمًا عَلَى الْخَبَرْ … عَمَلَ أَهْلِ طَيْبَةٍ إِذَا اسْتَمَرّ
فالأولى خلافه لما تقدم وإن نظرنا فيه وجدناه محتملا أن يكون القيام على وجه الاحترام والتعظيم، أو على وجه آخر من المبادرة إلى اللقاء لشوق يجده القائم للمقوم له أو ليفسح له في المجلس حتى يجد موضعا للقعود أو للإعانة على معنى من المعاني أو لغير ذلك مما يحتمل (١).
ومثل ذلك قصة مالك مع سفيان في المعانقة فإن مالكا قال له كان ذلك خاصا بجعفر فقال سفيان ما يخصه يخصنا وما يعمه يعمنا إذا كنا صالحين. فيمكن أن يكون مالك عمل في المعانقة بناء على هذا الأصل فجعل معانقة النبي ﵊ أمرا خاصا أي ليس عليه العمل فالذي ينبغي وقفه على ما جرى فيه، وكذلك تقبيل اليد أن فرضنا أو سلمنا صحة ما روى فيه فإنه لم يقع تقبيل يد رسول الله ﷺ إلا نادرا ثم لم يستمر فيه عمل إلا الترك من الصحابة والتابعين فدل على مرجوحيته (٢).
وهذا مثال راجع لقوله "كأن يرى في نفسه محتملا" "فمثل هذا" العمل القليل "تركه" يعني ترك العمل على وفقه "أهم" وأقوى "ويقتفى" ويتبع مقابلا له العمل الذي هو "الأغلب والأعم" لأن ذلك أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط.
"ومن هنا" أي هذا المكان "يبدوا" أي يظهر "لمن تأمَّلا" - الألف للإطلاق - شأن هذا الأصل المقرر فيه وتدبره وجه "ما" أي الذي الإمام "مالك" ﵀ تعالى - "رءاه أصلا" فقهيا "معملا" في بناء الأحكام الفقهية، وذلك "حيث يرى" - بضم الياء - مبنيا للمفعول - متخذا من أصوله أن يكون "مقدّما" في الترجيح "على الخبر عمل أهل طيبة" أي المدينة المنورة فيما سبيله النقل، "إذا استمر" ذاك العمل وكان فيه خلفهم تابعا لسلفهم، إذ ما كان مستمرا فيهم إلا وهو مستمر في عمل رسول الله ﷺ أو في قوة المستمر.
стр. 658
١٦٤٦ - وَانْظُرْ إِلَى مَا جَاءَ فِي الْعُتْبِيَّهْ … عَنْهُ تَجدْهُ فَاصِلَ الْقَضِيَّهْ
وقد قيل لمالك أن قوما يقولون أن التشهد فرض فقال أما كان أحد يعرف التشهد فأشار إلى الإنكار عليه بأن مذهبهم كالمبتدع الذي جاء بخلاف ما عليه من تقدم وسأله أبو يوسف عن الآذان فقال مالك وما حاجتك إلى ذلك فعجبا من فقيه يسأل عن الآذان ثم قال له مالك وكيف الآذان عندكم فذكر مذهبهم فيه فقال من أين لكم هذا فذكر له أن بلالا لما قدم الشام سألوه أن يؤذن لهم فأذن لهم كما ذكر عنهم فقال له مالك ما أدري ما آذان يوم وما صلاة يوم هذا مؤذن رسول الله ﷺ وولده من بعده يؤذنون في حياته وعند قبره وبحضرة الخلفاء الراشدين بعده فأشار مالك إلى أن ما جرى عليه العمل وثبت مستمرا أثبت في الإتباع وأولى أن يرجع إليه (١).
"وانظر إلى ما جاء في" كتاب "العُتْبِية" - للفقيه المالكي محمد بن أحمد بن عبد العزيز، العتبي الأموي القرطبي الأندلسي أبي عبد الله، وهو كتاب في الفقه المالكي - وورد فيه "عنه" أي عن الإمام مالك "تجده" قولا متضمنا أصلا يجل موقعه عند من نظر إلى مغزاه، إذ يعتبر "فاصل" ومبين هذه "القضية" - وهي قضية تعارض العمل والأثر - وذلك: أنه سئل عن الرجل يأتي إليه الأمر يحبه، فيسجد لله شكرا. فقال: لا يفعل ليس مما مضى من أمر الناس قيل له إن أبا بكر الصديق فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا أفسمعت ذلك قال ما سمعت ذلك وأرى أن كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول هذا شيء لم نسمع له خلافا ثم قال قد فتح على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين بعده أفسمعت أن أحدا منهم سجد إذا جاءك مثل هذا مما كان في الناس وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد فهذا إجماع إذا جاءك الأمر لا تعرفه فدعه هذا ما قال وهو واضح في أن العمل العام هو المعتمد على أي وجه كان وفي أي محل وقع ولا يلتفت إلى قلائل ما نقل ولا نوادر الأفعال إذا عارضها الأمر العام والكثير (٢).
стр. 659
١٦٤٧ - أَوْ أَنْ يُرَى اخْتَصَّ بِشَخْصٍ أَوْ زَمَنْ … أَوْ فَلْتَةٍ خَارِجَةٍ عَنِ السَّنَنْ
هذا هو الوجه الأول.
"أو أن يرى" أي يعتقد كون ذلك الدليل الذي قل العمل به قد "اختص بشخص" معين من أصحابه، كما هو شأن قضايا الأعيان "أو" يرى ويعتقد أنه مختص بـ "زمن" في حياته، كما في نهيه ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث، بناء على أن إذنه - بعد ذلك لم يك نسخا -، وهو قوله: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادَّخروا.
أو هو مختص بحال من الأحوال، كما قالوا في مسحه ﵊ على ناصية العمامة إنه كان به مرض.
فهذا كله لا تكون فيه حجة على العمل به في غير ما تقيد به.
وهذا هو الوجه الثاني.
"أو" يكون مما فعل "فلتة خارجة" "عن السنن" المستقيم، فسكت عنه النبي ﷺ مع علمه به ثم بعد ذلك لا يفعله ذلك الصحابي ولا غيره ولا يشرعه النبي ﷺ ولا يأذن فيه ابتداء لأحد فلا يجب أن يكون تقريره عليه إذنا له ولغيره كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي ﵊ في أمر فعمل فيه ثم رأى أن قد خان الله ورسوله فربط نفسه بسارية من سوارى المسجد وحلف أن لا يحله إلا رسول الله ﷺ فقال ﵊: "أما إنه لو جاءني لاستغفرت له" وتركه كذلك حتى حكم الله فيه فهذا وأمثاله لا يقتضي أصل المشروعية ابتداء ولا دواما أما الابتداء فلم يكن فعله ذلك بإذن رسول ﷺ وأما دواما فإنه إنما تركه حتى يحكم الله فيه وهذا خاص بزمانه إذ لا وصول إلى ذلك إلا بالوحي وقد انقطع بعده فلا يصح الإبقاء على ذلك لغيره حتى ينظر الحكم فيه وأيضا فإنه لم يؤثر عن ذلك الرجل ولا عن غيره أنه فعل مثل فعله لا في زمان رسول الله ﷺ ولا فيما بعده فإذا العمل بمثله أشد غررا إذ لم يكن قبله تشريع يشهد له ولو كان قبله تشريع لكان استمرار العمل بخلافه كافيا في مرجوحيته (١).
وهذا هو الوجه الثالث.
стр. 660
١٦٤٨ - أَوْ كَانَ رَأْيًا لِصَاحِبِيٍّ صَدَرْ … عَنْهُ وَلَمْ يَتْلُهُ فِيهِ مَنْ غَبَرْ
١٦٤٩ - أَوْ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ ثُمَّ ارْتَفَعْ … وَصَارَ مَا شَاعَ السَّبِيلَ الْمُتَّبَعْ
" أو كان" ذلك العمل الذي قل "رأيا لصاحبي صدر عنه" وفعله "ولم يتله" أي يتابعه "فيه" أحد مـ "ـمن غبر" أي ذهب من الصحابة إذا كان في زمانه ﵊ ولم يعلم به فيجيزه أو يمنعه لأنه من الأمور التعبدية البعيدة عن الاجتهاد كما روي عن أبي طلحة الأنصاري أنه أكل بردا وهو صائم في رمضان فقيل له أتأكل البرد وأنت صائم فقال إنما هو برد نزل من السماء نطهر به بطوننا وإنه ليس بطعام ولا شراب قال الطحاوي ولعل ذلك من فعله لم يقف النبي ﵊ عليه فيعلمه الواجب عليه فيه (١).
وهذا هو الوجه الرابع.
"أو كان" ذلك العمل الذي قل "معمولا به ثم ارتفع" ونسخ فترك العمل به جملة "وصار ما شاع" وانتشر ومشى عليه عمل الناس كثيرا هو "السبيل المتبع" والطريق المسلوك، فكان من الواجب في مثله الوقوف على الأمر العام.
ومثاله حديث الصيام عن الميت فإنه لم ينقل استمرار عمل به، ولا كثرة، فإن غالب الرواية فيه دائرة على عائشة وابن عباس، وهما أول من خالفاه. فروى عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، فقالت: أطعموا عنها وعن ابن عباس قال: لا يصوم أحد عن أحد. قال مالك: ولم أسمع أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من التابعين بالمدينة أمروا أحدا أن يصوم عن أحد، ولا أن يصلي أحد عن أحد، وإنما يفعل ذلك كل أحد عن نفسه فهذا إخبار بترك العمل دائما في معظم الصحابة ومن يليهم.
وهو الذي عول - مالك - عليه في المسألة، كما أنه عول عليه في جملة عمله (٢).
ولما أخذ مالك بما عليه الناس وطرح ما سواه، انضبط له الناسخ من المنسوخ على يسر والحمد لله.
стр. 661
١٦٥٠ - وَثَمَّ أَقْسَامٌ بِذَا الضَّرْبِ أُخَرْ … بِحُكْمِ مَا قُرِّرَ مِنْهُ تُعْتَبَرْ
١٦٥١ - وَيَنْبَغِي فِيهِ تَحَرِّي الْعَمَلِ … بِوَفْقِ مَا اسْتَمَرَّ عِنْدَ الأوَّلِ
١٦٥٢ - وَمَا يَقِلُّ فَاقْصُرَا انتهاجه … عَلَى ضَرُورَةِ وَمَسِّ حَاجَهْ
١٦٥٣ - إِنْ اقْتَضَى التَّخْيِيرَ فِيهِ وَاسْتَقَلْ … وَكَانَ مَأْمُونًا بِهِ نَسْخُ الْعَمَل
" وثم أقسام " يعني وجوها غير ما ذكر "بذا" أي بهذا "الضرب" الثاني الذي نحن فيه "أخر" كأن يكون الصحابي جاهلا بحكم المسألة، فيعمل ما يوجب عليه الفعل كالمرأة التي نذرت أن تضرب الدف على رأس رسول الله - صلى الله ﷺ إن رجع سالما من غزوة تبوك، فرحا، وابتهاجا، فأذن لها في ذلك، وهذا ما نقل أن أحدا أتاه سواها. وغير ذلك من الأقسام التي يمكن أن تكون وجوها لهذه القلة - قلة العمل، وكل ذلك يقرر فيه الحكم ويبنى "بحكم" ومقتضى "ما قرر" في الوجوه المتقدمة، فإن ذلك الذي قرر "منه" أي من ذلك الحكم هو الذي به "تعتبر" ويعرف حكمها. ويصح قوله "منه" بمعنى فيه، ويكون الضمير للضرب - أي في هذا الضرب من الحكم هو الذي يجري عليه فيما لم يذكر من تلك الأقسام.
"و" بسبب ذلك فإنه "ينبغي" للعامل "فيه" أي في هذا الضرب، كما في الذي قبله "تحري" وقصد "العمل" الذي "بوفق" ومطابقة "ما استمر" أو كان أكثريا "عند" الرعيل "الأول" من المؤمنين وهم الصحابة والتابعون.
"و" أما "ما" أي الذي "يقل" من العمل إتيانه "فاقصر" - الألف بدل نون التوكيد الخفيفة - أي احصر "انتهاجه" أي العمل على وفقه، أو اتباعه، أي اقصر العمل على وفقه أو اتباعه "على ضرورة" كما تقدم في المسح على الناصية والعمامة في الوضوء "ومس حاجة" كما تقدم في شأن ترك ادخار لحوم الأضاحي.
وذلك "إن" كان حاله "اقتضى التخيير فيه" أي في العمل به بحيث يكون قد ثبت "واستقل" دليلا يصح الاستدلال به والاحتجاج "وكان مأمونا" بأن لم يخف من جهة المكلف "به" يعني بفعله "نسخ العمل" به، فإن كان المكلف على خوف من أنه قد نسخ العمل به، فإنه يجب عليه تركه بالكلية.
стр. 662
١٦٥٤ - وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ احْتِمَالٌ يَمْنَعُ … مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً تُتَّبَعُ
١٦٥٥ - وَإِنْ يَكُ الدَّلِيلُ لَيْس لِلأُوَلْ … أَخْذٌ بِهِ، وَلَا لَهُمْ بِهِ عَمَلْ
١٦٥٦ - فَإِنَّهُ أَشَدُّ مِمَّا قَدْ مَضَى … وَالشَّرْعُ بِاطِّرَاحِهِ لَنَا قَضَى
١٦٥٧ - لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْتَمِدْهُ السَّلَفُ … دَلِيلَ حُكْمٍ يَقْتَفِيهِ الْخَلَفُ
١٦٥٨ - لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكَ لَعُمِلْ … بِهِ وَلَا اسْتَفَاضَ عَنْهُمْ وَنُقِلْ
١٦٥٩ - فَإِنَّهُمْ مَظَاهِرُ الأَدِلَّهْ … الْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الْمِلَّهْ
" و" كذلك يعمل به على الوجه المتقدم إن "لم يكن فيه احتمال يمنع" ويصد "من أن يكون حجه" يعمل بها و"تتبع" وذلك بأن يكون - مثلا - رأيا لصحابي لم يتبع عليه، وما أشبه ذلك مما يقتضي أنه لا ينهض دليلا فقهيا مقبولا.
هذا شأن وبيان الضرب الأول أو القسم الأول في هذه المسألة - وهو كون الدليل قد جرى عمل السلف به على وجه الدوام أو الكثرة - والضرب الثاني أو القسم الثاني فيها - وهو كون الدليل قليلا عملهم به -. وما يتعلق بهما من تفصيل في الأقسام والأحكام.
"و" أما الثالث فهو "إن يك الدليل ليس لـ" لرعيل "الأول" وهو السلف الصالح "أخذ به، ولا لهم به عمل" على حال، وهذا تركه لازم "فإنَّه أشدُّ" من جهة وجوب تركه "مما قد مضى" قبله من الضرب الثاني "والشرع بـ" وجوب "اطرحه" وإسقاط اعتباره "لنا" يعني علينا قد "قضى" وحكم، وهذا حكم ثابت فيه "لكونه لم يعتمده السلف" أي لم يتخذه "دليل حكم يقتفيه" أي يتبعه "الخلف" الآتي من بعدهم.
"لأنه" أي هذا الدليل المهجور "لو كان ذاك" هو الدليل المعتمد الذي يصح العمل به "لعمل به" في خير القرون "ولاستفاض" وانتشر "عنهم" أي عن السلف "ونقل" إلينا عنهم "فإنهم" يعنى فإن أعمالهم وتصرفاتهم "مظاهر" - جمع مظهر - أي محال ظهور "الأدلة" ومتجلياتها، ثم إنهم ﵃ "الحافظون لحدود" هذه "الملة" العظيمة. وما توهمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البتة إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له ولو كان ترك العمل فما عمل به
стр. 663
" المسألة الثالثة عشرة "
المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى وليس ثم إلا صواب أو خطأ فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ وهذا كاف والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جار هذا المجرى.
ومن هنالك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي ﷺ نص على علي أنه الخليفة بعده لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ وكثيرا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونهما مذاهبهم ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة ويظنون أنهم على شيء.
ولذلك أمثلة كثيرة كالاستدلالات الباطنية على سوء مذاهبهم بما هو شهير في النقل عنهم وسيأتي منه أشياء في دليل الكتاب إن شاء الله واستدلال التناسخية على صحة ما زعموا بقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨] وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه مما لم يجر له ذكر ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين وحاشا لله من ذلك ومنه أيضا استدلال من أجاز قراءة القرآن بالإدارة وذكر الله برفع الأصوات وبهيئة الاجتماع بقوله ﵊" ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم" الحديث، والحديث الآخر "ما اجتمع قوم يذكرون الله" الخ، وبسائر ما جاء في فضل مجالس الذكر وكذلك استدلال من استدل على جواز دعاء المؤذنين بالليل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعَام: ٥٢] الآية وقوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعرَاف: ٥٥] وبجهر قوام الليل بالقرآن واستدلالهم على الرقص في المساجد وغيرها بحديث لعب الحبشة في المسجد بالدرق والحراب وقوله ﵊ لهم "دونكم يا بني أرفدة" (١).
"المسألة الثالثة عشرة"
في أن أخذ الأدلة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين:
стр. 664
١٦٦٠ - أَخْذُ الأَدِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ يَقَعْ … بِمَلْحَظَيْنِ مُتَّقىً وَمُتّبَعْ
١٦٦١ - فَأَخْذُ مَأْخَذَ الافْتِقَارِ … إِلَيْهِ شَأْنُ السَّلَفِ الأبْرَارِ
١٦٦٢ - تَحَرِّيًا مِنْهُمْ لِقَصْدِ الشَّارعْ … فِي كلِّ فِعْلٍ فِي الْوُجُودِ وَاقِعْ
١٦٦٣ - كَي مَا يُرَى مُوَافِقًا إِذَا وَقَعْ … فِي حُكْمِهِ حُكْمَ الدَّلِيلِ الْمُتَّبَعْ
١٦٦٤ - أَوْ يَتَلَافَى أَمْرُهُ إِذَا أَتَى … مُخَالِفًا حُكْمَ دَلِيلٍ ثَبَتَا
١٦٦٥ - فَهُمْ مُحَكِّمُونَ لِلدَّلِيلِ … عَلَى الْهَوَى هَادُونَ لِلسَّبِيلِ
١٦٦٦ - وَأَخْذُهُ مَأْخَذَ الَاسْتِظْهَارِ … عَلَى هَوَى النُّفُوسِ فِي الأَنْظَارِ
أحدهما: أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار.
ثانيهما: أن يؤخذ مأخذ الاستظهار. وبيان ذلك أن "أخذ الأدلة على الحكم يقع" من المستدل "بمَلْحظَين" أي اعتبارين أحدهما "مُتَّقًى" - بضم الميم - أي مجتنب مذموم عند أهل الفضل والخير، "و" ثانيهما: "متبع" محمود عندهم، وأما هذا المحمود المتبع "فـ" إنه "أخذه" أي الدليل "مأخذ الافتقار" والحاجة "إليه" وهذا الوجه هو "شأن" اقتباس وأخذ "السلف الأبرار" الأحكام من الأدلة "تحريا" وقصدا "منهم لـ"موافقة "قصد الشارع في كل فعل" هو "في الوجود واقع" وحادث، ذلك "كي ما" - ما زائدة - "يرى" ويقع "موافقا إذا" أي متى "وقع في حكمه" الذي يجري عليه "حكم الدليل المتبع" في شأنه، هذا إن كان لم يقع بعد. "أو يتلافى" ويتدارك "أمره" وشأنه "إذا" وقع و"أتى مخالفا حكم دليل ثبتا" من جهة صحته، ومن جهة أنه جار مقتضاه فيه، "فهم" أي السلف الصالح "محكِّمون للدليل" مقدِّمون له "على الهوى" وهم - كذلك "همادون" أي مرشدون بتصرفاتهم وأقوالهم "للسبيل" المستقيم، ومتجلى ذلك في شأن أنهم يقفون عن بث الحكم في الأمر، حتى يرشدهم الدليل الشرعي إليه، فينصرفون إلى العمل بمقتضاه وما دل عليه. هذا هو الملحظ - الوجه أو الاعتبار - الأول، وحكمه.
"و" الثاني "أخذه" أي الدليل "مأخذ الاستظهار" والاستعانة به "على" موافقة ومعاضدة "هوى النفوس في" مجاري "الأنظار" وبناء الأحكام.
стр. 665
١٦٦٧ - دُونَ تَحَرٍّ عِنْدَهُ وَلَا نَظَرْ … لِمَقْصِدِ الشَّارعِ وَهْوَ الْمُعْتَبَرْ
١٦٦٨ - كمَا اسْتَدَلَّ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَا … تَثْلِيثِهِمْ بِمِثْلِ نَحْنُ مَثَلَا
١٦٦٩ - فَحَكَّمُوا الْهَوَى عَلَى الأَدِلَّهْ … وَاتَّبَعُوا سَبِيلَهُ الْمُضِلَّهْ
" دون تحر" يحصل "عنده" أي عند أخذه "ولا نظر" ولا اعتبار "لمقصد الشارع" في ذلك "وهو" الأمر "المعتبر" الذي يجب أن يكون مدار النظر عليه في هذا الشأن.
والاستدلال بالدليل على هذا الوجه مسلك الزائغين في اقتباس الأحكام من الأدلة.
وذلك "كما استدل" يعني كاستدلال "أهل نجران" المتقدم ذكرهم "على تثليثهم" الذي بنيت عليه عقيدتهم المسيحية - كما هو معلوم - "بـ" - ما ورد فيه التعبير بصيغة الجمع من أفعاله - سبحانه - "مثل نحن" خلقناهم "مثلا" وهم في هذا أثبتوا عقيدتهم أولا، ثم بحثوا بعد ذلك عما قد يكون موافقا لها من الأدلة وإن كان ذلك على سبيل التحريف للمعنى المقصود، وبذلك "فـ" إنهم قد "حكموا الهوى على الأدلة" وجعلوه زماما عليها "واتبعوا سبيله" أي الهوى وطريقته "المضلة" المفضية إلى الضلالة. وظهر هذا المعنى من الآية الكريمة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عِمرَان: ٧] فليس مقصودهم الاقتباس منها وإنما مرادهم الفتنة بها بهواهم إذ هو السابق المعتبر وأخذ الأدلة فيه بالتبع لتكون لهم حجة في زيغهم ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عِمرَان: ٧] ليس لهم هوى يقدمونه على أحكام الأدلة فلذلك ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عِمرَان: ٧] ويقولون ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَ﴾ [آل عِمران: ٨] فيتبرؤون إلى الله مما ارتكبه أولئك الزائغون فلذلك صار أهل الوجه الأول محكمين للدليل على أهوائهم وهو أصل الشريعة لأنها إنما جاءت لتخرج المكلف عن هواه حتى يكون عبدا لله وأهل الوجه الثاني يحكمون أهواءهم على الأدلة حتى تكون الأدلة في أخذهم لها تبعا وتفصيل هذه الجملة قد مر منه في كتاب المقاصد وسيأتى تمامه في كتاب الاجتهاد بحول الله تعالى (١).
стр. 666
" المسألة الرابعة عشرة "
١٦٧٠ - ثُمَّ اقْتِضَا الدَّلِيلِ حُكْمًا قُصِدا … بِحَسَبِ الْمَحَلِّ نَوْعَيْنِ بَدَا
١٦٧١ - فَمِنْهُمَا الأصْلِيُّ وَهْوَّ الْوَاقِعُ … عَلَى الْمَحَلِّ قَبْلَ مَا يُتَابِعُ
١٦٧٢ - وَذَاكَ مِثْلُ الْحُكْمِ بِالإِبَاحَهْ … لِلصَّيْدِ وَالْبَيْعِ بِمَا أَبَاحَهْ
١٦٧٣ - وَالتَّبَعِيُّ الآتِي فِي الْمَوَاقِعِ … مُعْتَبَرًا فِي الْحُكْمِ بِالتَّوَابِعِ
١٦٧٤ - وَبِالإِضَافَاتِ كَحُكْمِ الصَّيْدِ فِي … كَرَاهَةٍ إِنْ كانَ لِلَّهْوِ اصْطُفِي
" المسألة الرابعة عشرة"
"ثم" بعد ما نجز ما تقدم ذكره ننتقل إلى ما ذكر متضمن ما عقدت له هذه المسألة وهو أن اقتضاء الأدلة الأحكام وإفادتها إياها بالنسبة لمحالها على وجهين:
أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروِّ العوارض.
ثانيهما: الاقتضاء التبعي. وبيان ذلك هو أن "اقتضا الدليل حكما قصدا" - الألف للإطلاق - وقوله "قصدا" زائد لصحة الاستغناء عنه. والمعنى حكما قصد أخذه منه أي من الدليل - من جهة الآخذ، أو قصد من جهة الشارع اقتضاء الدليل له ظهر "بحسب المحل" الذي يجري عليه ذلك الحكم "نوعين" و"بدا" كذلك، كما يدل عليه واقع الحال.
"فـ"ـأ ما الأول "منهما" فهو الاقتضاء "الأصلي وهو "الاقتضاء "الواقع على المحل" مجردا، أي "قبل" طُرُوِّ "ما يتابع" ذلك المحل من الأحوال ومعنى كونها تابعة له أنها تعرض فيه باعتبار أحوال المكلفين. "وذاك" الاقتضاء الأصلي هو "مثل الحكم بالإباحة للصيدو" الحكم بالإباحة لـ"ـلبيع" والإجارة وما أشبه ذلك "بما" من الأدلة الشرعية "أباحه" وأحله باعتبار ماهيته المجردة من أي طارئ يصرف الحكم إلى اعتباره له في ذلك المحل.
"و" أما الثاني فهو الاقتضاء "التبعي" وهو "الآتي" منزلا "في المواقع" - أي مواقع الكلام ومحالها "معتبَرا" - بفتح الباء - ومعتدا "في" بناء "الحكم" أي الذي اقتضاه "بـ" اعتبار "التوابع وبالإضافات" اللاحقة بتلك المواقع والمحال، وذلك "كحكم الصيد" الموصوف "في كراهة" - في بمعنى الباء - أي بكراهة الشارع له "إن كان لـ" أجل "اللهو "واللعب "اصطفى" إتيانه وفعله أي اختير وقصد، ومثله الحكم بإباحة النكاح
стр. 667
١٦٧٥ - وَكُلُّ مَا الأَصْلِيُّ حُكْمُهُ اخْتَلَفْ … لِأَنْ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ اتَّصَفْ
١٦٧٦ - فَهَلْ يَصِحُّ بَعْدَ أَنْ يُقْتَصَرَا … عَلَى الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي حُكْمًا يُرَا
١٦٧٧ - مِنْ جُمْلَةِ الأَصْلِيِّ أَوْ لَا يُقْتَصَرْ … أَعْنِي فِي الاستِدْلَالِ فِي هَذَا نَظَرْ
١٦٧٨ - وَأَخْذُهُ يَصِحُّ فِي حُكْمٍ بَدَا … عَنِ اِعْتِبَارِ وَاقِعٍ مُجَرَّدَا
لمن لا أرب له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وبالجملة: كل ما اختلف حكمه الأصلي بسبب اقتران محله بأمر خارجي طارئ.
"و" إذ تقرر وجود هذين الوجهين في شأن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها، فإنه يرد عليه استفهام وهو ما الحكم الذي يصار إليه في "كل ما" هو موضع يكون الاقتضاء "الأصلي" فيه "حكمه" قد "اختلف لـ" أجل "أن" كان "بأمر خارجي" طارئ قد "اتصف" وتحلى "فهل يصح" في مجاري الاستدلال وبناء الحكم الفقهي في ذلك المحل "بعد" ما تبين هذا الاختلاف في شأنه "أن يقتصرا" - الألف للإطلاق - "على" إيراد "الدليل المقتضي" والطالب "حكما يرى" أنه "من جملة" ما يفيده ويدل عليه الاقتضاء "الأصلي" فلا يعرج على اعتبار العوارض والإضافات الطارئة على محل ذلك الحكم، فإذا سئل عن الصيد - مثلا - فإنه يؤتى في الجواب عنه بأنه مباح، بلا مزيد على ذلك "أو" لا يصح هذا وبذلك فإنه "لا يقتصر" على ذلك بل يصار إلى التفصيل والبيان الذي يتم باعتبار التوابع والإضافات "أعني في" مجرى "الاستدلال" والاحتجاج على حكم ذلك المحل أن يقال - مئلا -: الصيد مباح إلا إذا كان للهو فإنه مكروه. "في هذا" الأمر "نظر" وتفصيل استوجبه تعارض استحقاق الوجهين كلاهما للاعتبار في هذا المقام.
"و" الذي يظهر فيه أن ما عليه المدار في الترجيح هنا هو الصفة التي أخذ بها المستدل ذلك الدليل على الحكم فهو لا يخلو أن يأخذه على الحكم مفردا ومجردا عن اعتبار الواقع أم لا فإن حصل "أخذه" له - أي للدليل - مقتصرا به على الاستدلال على الحكم الأصلي فإن ذلك الاستدلال "يصح" لكن إن كان ذلك قد جرى "في" شأن "حكم بدا" وطهر أنه صار "عن اعتبار" أي أمر "واقع " على المحل "مجردا" بحيث اعتبرت وماهية الحكم من حيث هي من غير استحضار للصور التي قد تكون عليها في الخارج.
стр. 668
١٦٧٩ - وَحَيْثُمَا الْوُقُوعُ قَيْدُ الْحُكْمِ لَا … يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِالذِي خَلَا
١٦٨٠ - فَمُقْتَضَى قَيْدِ الْوُقُوعِ بُيِّنَا … تَنْزِيلُهُ عَلَى مَنَاطٍ عُيِّنَا
١٦٨١ - وَلَازِمُ الْمُعَيَّنِ الْمَوَاقِعِ … أَخْدُ الدَّلِيلِ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ
" و" أما إن كان أخذه له "حيثما" - ما زائدة - يعني في الموضع الذي فيه "الوقوع" مستحضر في الاعتبار وهو "قيد الحكم" فيه فإنه "لا يصح الاستدلال بـ" الدليل "الذي خلا" الاستدلال به في الصورة المتقدمة، وهو الدليل المقتضي للحكم الأصلي، بل يجب اعتبار مقتضى صورة ذلك الوقوع حتى يتقيد دليل الإطلاق بالأدلة المقتضية لاعتبارها وذلك بأن يقال مثلا النكاح مباح إلا لمن خشي العنت فإنه واجب عليه، وذلك بموجب الأدلة القاضية بذلك كأدلة تحريم الزنا، وأدلة رفع المشقة، والضرر.
"فمقتضى قيد الوقوع" الذي يجب حصول الفعل على صورة مخصوصة هو الذي "بينا" - الألف للإطلاق - أنه يجب "تنزيله" أي الدليل "على مناط" بفتح الميم - أي وصف يتعلق به الحكم "عينا" أي معين كاللهو في الصيد، ومخافة العنت في ترك النكاح، وتمليك المسلم - للكافر في البيع، وما أشبه ذلك من العوارض التي تطرأ على المحل، فتوجب تنزيل الحكم فيه على وفق مقتضاها، "و" بذلك يكون "لازم" المناط "المعيّن المواقع" يعني موقعه - أي مواضعه التي وقع فيها وجوده -، هو "أخذ الدليل بـ" أي مع "اعتبار" واستحضار مقتضى "الواقع" بالنسبة لكل نازل.
فقول الله - تعالى -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النسَاء: ٩٥] الآية، لما نزلت أولا كانت مقررة لحكم أصلي منزل على مناط أصلي من القدرة وإمكان الامتثال وهو السابق فلم ينزل حكم أولى الضرر ولما اشتبه ذو الضرر ظن أن عموم نفي الاستواء يستوي فيه ذو الضرر وغيره، فخاف من ذلك وسأل الرخصة، فنزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النِّسَاء: ٩٥] ولما قال ﵊: "من نوقش الحساب عذب" بناء على تأصيل قاعدة أخروية، سألت عائشة عن معنى قول الله ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] لأنه يشكل دخوله تحت عموم الحديث فبين ﵊ أن ذلك العرض لا الحساب المناقش فيه، وقال ﵊: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" إلخ، فسألته عائشة عن هذه الكراهية هل هي الطبيعية أم لا فأخبرها أن لا وتبين مناط الكراهية المرادة وقال الله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨] تنزيلا على
стр. 669
" فصل "
١٦٨٢ - وَلتَعَيُّنِ الْمَنَاطِ جُمْلَهْ … مَوَاضِعٌ فِي الشَّأْنِ مُسْتَقِلَّهْ
١٦٨٣ - فَمِنْهَا الأَسْبَابُ التِي تَرَتَّبَتْ … عَلَيْهَا الأحْكَامُ بِحَيْثُ مَا أَتَتْ
المناط المعتاد فلما عرض مناط آخر خارج عن المعتاد وهو المرض بينه ﵊ بقوله وفعله حين جحش شقه وقال ﵊ "أنا وكافل اليتيم كهاتين" ثم لما تعيّن مناط فيه نظر قال ﵊ لأبي "ذر لا تولين مال يتيم" والأمثلة في هذا المعنى لا تحصى واستقراؤها من الشريعة يفيد العلم بصحة هذا التفصيل فلو فرض نزول حكم عام ثم أتى كل من سمعه يتثبت في مقتضى ذلك العام بالنسبة إليه لكان الجواب على وفق هذه القاعدة نظير وصيته ﵊ لبعض أصحابه بشيء ووصيته لبعض بأمر آخر كما قال "قل ربي الله ثم استقم" وقال لآخر "لا تغضب" وكما قبل من بعضهم جميع ماله ومن بعضهم شطره، ورد على بعضهم ما أتى به بعد تحريفه على الإنفاق في سبيل الله إلى سائر الأمثال (١).
"فصل"
في ذكر مواضع بيان عين المناط الخاص المعلق به الحكم "ولتعين" أي بيان عين "المناط" المعلق به الحكم ورعايته "جملة مواضع" معينة هي "في" هذا "الشأن مستقلة" ومنفردة بهذا الوصف "فمنها" أي هذه المواضع "الأسباب التي ترتبت عليها" يعني على وجودها "الأحكام" الشرعية "بحيث ما" أي في أي موضع "أتت" سواء كان ذلك الموضع من العبادات أو من المعاملات أو من العقائد وذلك كما إذا نزلت آية أو جاء حديث على سبب فإن الدليل يأتي بحسبه، وعلى وفاق البيان التام فيه وإن كان حكم المناط العام لا يخالف فيه حكم المناط الخاص المراعي مقتضاه فيه، فقد قال - تعالى -: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] إذ كان ناس يختانون أنفسهم، فجاءت الآية تبيح لهم ما كان ممنوعا قبل، حتى لا يكون فعلهم ذلك الوقت خيانة منهم لأنفسهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣] الآية، إذ نزلت عند وجود مظنة خوف أن لا يقسطوا
стр. 670
١٦٨٤ - وَحَيْثُمَا ظُنَّ مَنَاطٌ دَاخِلَا … فِي حُكْمِ مَا عَمَّ وَجَاءَ شَامِلَا
١٦٨٥ - أَوْ خَارِجًا عَنْهُ وَلَيْسَ الأَمْرُ … كذَاكَ فِي الْحَالَيْنِ يَسْتَقِرُّ
١٦٨٦ - كَذَا إِذَا الْخِطَابُ مُجْمَلًا يَرِدْ … بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قُصِدْ
١٦٨٧ - فِي الابْتِدَاءِ فَيَرَى مَنْ كلِّفَا … مُفْتَقِرًا إِلَى بَيَانٍ يُقْتَفَا
وما أشبه ذلك وفي الحديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" الحديث، أتى فيه بتمثيل الهجرة لما كان هو السبب وقال: "ويل للأعقاب من النار" مع أن غير الأعقاب يساويها حكما، لكنه كان السبب في الحديث التقصير في الاستيعاب في غسل الرجلين، ومن ذلك كثير (١).
"و" منها أي - تلك المواضع - "حيثما" أي الموضع الذي "ظن" وتوهم "مناط" ما - أي وصف ما معلق به الحكم في نظر الظان أو المتوهم - فيه "داخلا" ومندرجا "في" الجزئيات المنطوية تحت "حكم ما عم" باعتبار اللفظ الدال عليه "وجاء شاملا" لذلك "أو" ظن أو توهم أن ذلك المناط كان "خارجا عنه" يعني عن مقتضى ذلك الحكم ومدلوله "وليس الأمر" في الواقع يثبت "كذاك في الحالين" كليهما و"يستقر" وبذلك فإن الشارع يبين ما هو الحق في ذلك على التمام.
مثال الأول ما تقدم في قوله ﵊: "من نوقش الحساب عذب" وقوله: "من كره لقاء الله كره الله لقاءه" ومثال الثاني قوله ﵊ للمصلي: "ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك وقد جاء فيما نزل عليّ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفَال: ٢٤] " الآية؛ أو كما قال ﵊؛ إذ كان إنما ثبت على صلاته لاعتقاده أن نازلته المعينة لا يتناولها معنى الآية (٢).
و "كذا" من تلك المواضع "إذا الخطاب" الشرعي "مجملا" مبهم المعنى محتاجا في فهمه إلى البيان "يرد" يعني ورد "بحيث" - حيث هنا تقييدية - "لا يفهم منه ما قصد" به من معنى "في الابتداء" أي في ابتداء تلقي ذلك الخطاب ووقوع المخاطبة به "فيرى" أي يبصر ويعلم "من كلفا" بفهم ذلك الخطاب "مفتقرا" - بكسر القاف - أي محتاجا "إلى بيان" يرشد إلى المعني المراد منه - أي من ذلك الخطاب - فيتبع و"يقتفى" في ذلك،