← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

" المسألة الرابعة عشرة " ١٦٧٠ - ثُمَّ اقْتِضَا الدَّلِيلِ حُكْمًا قُصِدا … بِحَسَبِ الْمَحَلِّ نَوْعَيْنِ بَدَا ١٦٧١ - فَمِنْهُمَا الأصْلِيُّ وَهْوَّ الْوَاقِعُ … عَلَى الْمَحَلِّ قَبْلَ مَا يُتَابِعُ ١٦٧٢ - وَذَاكَ مِثْلُ الْحُكْمِ بِالإِبَاحَهْ … لِلصَّيْدِ وَالْبَيْعِ بِمَا أَبَاحَهْ ١٦٧٣ - وَالتَّبَعِيُّ الآتِي فِي الْمَوَاقِعِ … مُعْتَبَرًا فِي الْحُكْمِ بِالتَّوَابِعِ ١٦٧٤ - وَبِالإِضَافَاتِ كَحُكْمِ الصَّيْدِ فِي … كَرَاهَةٍ إِنْ كانَ لِلَّهْوِ اصْطُفِي " المسألة الرابعة عشرة" "ثم" بعد ما نجز ما تقدم ذكره ننتقل إلى ما ذكر متضمن ما عقدت له هذه المسألة وهو أن اقتضاء الأدلة الأحكام وإفادتها إياها بالنسبة لمحالها على وجهين: أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروِّ العوارض. ثانيهما: الاقتضاء التبعي. وبيان ذلك هو أن "اقتضا الدليل حكما قصدا" - الألف للإطلاق - وقوله "قصدا" زائد لصحة الاستغناء عنه. والمعنى حكما قصد أخذه منه أي من الدليل - من جهة الآخذ، أو قصد من جهة الشارع اقتضاء الدليل له ظهر "بحسب المحل" الذي يجري عليه ذلك الحكم "نوعين" و"بدا" كذلك، كما يدل عليه واقع الحال. "فـ"ـأ ما الأول "منهما" فهو الاقتضاء "الأصلي وهو "الاقتضاء "الواقع على المحل" مجردا، أي "قبل" طُرُوِّ "ما يتابع" ذلك المحل من الأحوال ومعنى كونها تابعة له أنها تعرض فيه باعتبار أحوال المكلفين. "وذاك" الاقتضاء الأصلي هو "مثل الحكم بالإباحة للصيدو" الحكم بالإباحة لـ"ـلبيع" والإجارة وما أشبه ذلك "بما" من الأدلة الشرعية "أباحه" وأحله باعتبار ماهيته المجردة من أي طارئ يصرف الحكم إلى اعتباره له في ذلك المحل. "و" أما الثاني فهو الاقتضاء "التبعي" وهو "الآتي" منزلا "في المواقع" - أي مواقع الكلام ومحالها "معتبَرا" - بفتح الباء - ومعتدا "في" بناء "الحكم" أي الذي اقتضاه "بـ" اعتبار "التوابع وبالإضافات" اللاحقة بتلك المواقع والمحال، وذلك "كحكم الصيد" الموصوف "في كراهة" - في بمعنى الباء - أي بكراهة الشارع له "إن كان لـ" أجل "اللهو "واللعب "اصطفى" إتيانه وفعله أي اختير وقصد، ومثله الحكم بإباحة النكاح

стр. 667

١٦٧٥ - وَكُلُّ مَا الأَصْلِيُّ حُكْمُهُ اخْتَلَفْ … لِأَنْ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ اتَّصَفْ ١٦٧٦ - فَهَلْ يَصِحُّ بَعْدَ أَنْ يُقْتَصَرَا … عَلَى الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي حُكْمًا يُرَا ١٦٧٧ - مِنْ جُمْلَةِ الأَصْلِيِّ أَوْ لَا يُقْتَصَرْ … أَعْنِي فِي الاستِدْلَالِ فِي هَذَا نَظَرْ ١٦٧٨ - وَأَخْذُهُ يَصِحُّ فِي حُكْمٍ بَدَا … عَنِ اِعْتِبَارِ وَاقِعٍ مُجَرَّدَا لمن لا أرب له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وبالجملة: كل ما اختلف حكمه الأصلي بسبب اقتران محله بأمر خارجي طارئ. "و" إذ تقرر وجود هذين الوجهين في شأن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها، فإنه يرد عليه استفهام وهو ما الحكم الذي يصار إليه في "كل ما" هو موضع يكون الاقتضاء "الأصلي" فيه "حكمه" قد "اختلف لـ" أجل "أن" كان "بأمر خارجي" طارئ قد "اتصف" وتحلى "فهل يصح" في مجاري الاستدلال وبناء الحكم الفقهي في ذلك المحل "بعد" ما تبين هذا الاختلاف في شأنه "أن يقتصرا" - الألف للإطلاق - "على" إيراد "الدليل المقتضي" والطالب "حكما يرى" أنه "من جملة" ما يفيده ويدل عليه الاقتضاء "الأصلي" فلا يعرج على اعتبار العوارض والإضافات الطارئة على محل ذلك الحكم، فإذا سئل عن الصيد - مثلا - فإنه يؤتى في الجواب عنه بأنه مباح، بلا مزيد على ذلك "أو" لا يصح هذا وبذلك فإنه "لا يقتصر" على ذلك بل يصار إلى التفصيل والبيان الذي يتم باعتبار التوابع والإضافات "أعني في" مجرى "الاستدلال" والاحتجاج على حكم ذلك المحل أن يقال - مئلا -: الصيد مباح إلا إذا كان للهو فإنه مكروه. "في هذا" الأمر "نظر" وتفصيل استوجبه تعارض استحقاق الوجهين كلاهما للاعتبار في هذا المقام. "و" الذي يظهر فيه أن ما عليه المدار في الترجيح هنا هو الصفة التي أخذ بها المستدل ذلك الدليل على الحكم فهو لا يخلو أن يأخذه على الحكم مفردا ومجردا عن اعتبار الواقع أم لا فإن حصل "أخذه" له - أي للدليل - مقتصرا به على الاستدلال على الحكم الأصلي فإن ذلك الاستدلال "يصح" لكن إن كان ذلك قد جرى "في" شأن "حكم بدا" وطهر أنه صار "عن اعتبار" أي أمر "واقع " على المحل "مجردا" بحيث اعتبرت وماهية الحكم من حيث هي من غير استحضار للصور التي قد تكون عليها في الخارج.

стр. 668

١٦٧٩ - وَحَيْثُمَا الْوُقُوعُ قَيْدُ الْحُكْمِ لَا … يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِالذِي خَلَا ١٦٨٠ - فَمُقْتَضَى قَيْدِ الْوُقُوعِ بُيِّنَا … تَنْزِيلُهُ عَلَى مَنَاطٍ عُيِّنَا ١٦٨١ - وَلَازِمُ الْمُعَيَّنِ الْمَوَاقِعِ … أَخْدُ الدَّلِيلِ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ " و" أما إن كان أخذه له "حيثما" - ما زائدة - يعني في الموضع الذي فيه "الوقوع" مستحضر في الاعتبار وهو "قيد الحكم" فيه فإنه "لا يصح الاستدلال بـ" الدليل "الذي خلا" الاستدلال به في الصورة المتقدمة، وهو الدليل المقتضي للحكم الأصلي، بل يجب اعتبار مقتضى صورة ذلك الوقوع حتى يتقيد دليل الإطلاق بالأدلة المقتضية لاعتبارها وذلك بأن يقال مثلا النكاح مباح إلا لمن خشي العنت فإنه واجب عليه، وذلك بموجب الأدلة القاضية بذلك كأدلة تحريم الزنا، وأدلة رفع المشقة، والضرر. "فمقتضى قيد الوقوع" الذي يجب حصول الفعل على صورة مخصوصة هو الذي "بينا" - الألف للإطلاق - أنه يجب "تنزيله" أي الدليل "على مناط" بفتح الميم - أي وصف يتعلق به الحكم "عينا" أي معين كاللهو في الصيد، ومخافة العنت في ترك النكاح، وتمليك المسلم - للكافر في البيع، وما أشبه ذلك من العوارض التي تطرأ على المحل، فتوجب تنزيل الحكم فيه على وفق مقتضاها، "و" بذلك يكون "لازم" المناط "المعيّن المواقع" يعني موقعه - أي مواضعه التي وقع فيها وجوده -، هو "أخذ الدليل بـ" أي مع "اعتبار" واستحضار مقتضى "الواقع" بالنسبة لكل نازل. فقول الله - تعالى -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النسَاء: ٩٥] الآية، لما نزلت أولا كانت مقررة لحكم أصلي منزل على مناط أصلي من القدرة وإمكان الامتثال وهو السابق فلم ينزل حكم أولى الضرر ولما اشتبه ذو الضرر ظن أن عموم نفي الاستواء يستوي فيه ذو الضرر وغيره، فخاف من ذلك وسأل الرخصة، فنزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النِّسَاء: ٩٥] ولما قال ﵊: "من نوقش الحساب عذب" بناء على تأصيل قاعدة أخروية، سألت عائشة عن معنى قول الله ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] لأنه يشكل دخوله تحت عموم الحديث فبين ﵊ أن ذلك العرض لا الحساب المناقش فيه، وقال ﵊: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" إلخ، فسألته عائشة عن هذه الكراهية هل هي الطبيعية أم لا فأخبرها أن لا وتبين مناط الكراهية المرادة وقال الله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨] تنزيلا على

стр. 669

" فصل " ١٦٨٢ - وَلتَعَيُّنِ الْمَنَاطِ جُمْلَهْ … مَوَاضِعٌ فِي الشَّأْنِ مُسْتَقِلَّهْ ١٦٨٣ - فَمِنْهَا الأَسْبَابُ التِي تَرَتَّبَتْ … عَلَيْهَا الأحْكَامُ بِحَيْثُ مَا أَتَتْ المناط المعتاد فلما عرض مناط آخر خارج عن المعتاد وهو المرض بينه ﵊ بقوله وفعله حين جحش شقه وقال ﵊ "أنا وكافل اليتيم كهاتين" ثم لما تعيّن مناط فيه نظر قال ﵊ لأبي "ذر لا تولين مال يتيم" والأمثلة في هذا المعنى لا تحصى واستقراؤها من الشريعة يفيد العلم بصحة هذا التفصيل فلو فرض نزول حكم عام ثم أتى كل من سمعه يتثبت في مقتضى ذلك العام بالنسبة إليه لكان الجواب على وفق هذه القاعدة نظير وصيته ﵊ لبعض أصحابه بشيء ووصيته لبعض بأمر آخر كما قال "قل ربي الله ثم استقم" وقال لآخر "لا تغضب" وكما قبل من بعضهم جميع ماله ومن بعضهم شطره، ورد على بعضهم ما أتى به بعد تحريفه على الإنفاق في سبيل الله إلى سائر الأمثال (١). "فصل" في ذكر مواضع بيان عين المناط الخاص المعلق به الحكم "ولتعين" أي بيان عين "المناط" المعلق به الحكم ورعايته "جملة مواضع" معينة هي "في" هذا "الشأن مستقلة" ومنفردة بهذا الوصف "فمنها" أي هذه المواضع "الأسباب التي ترتبت عليها" يعني على وجودها "الأحكام" الشرعية "بحيث ما" أي في أي موضع "أتت" سواء كان ذلك الموضع من العبادات أو من المعاملات أو من العقائد وذلك كما إذا نزلت آية أو جاء حديث على سبب فإن الدليل يأتي بحسبه، وعلى وفاق البيان التام فيه وإن كان حكم المناط العام لا يخالف فيه حكم المناط الخاص المراعي مقتضاه فيه، فقد قال - تعالى -: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] إذ كان ناس يختانون أنفسهم، فجاءت الآية تبيح لهم ما كان ممنوعا قبل، حتى لا يكون فعلهم ذلك الوقت خيانة منهم لأنفسهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣] الآية، إذ نزلت عند وجود مظنة خوف أن لا يقسطوا

стр. 670

١٦٨٤ - وَحَيْثُمَا ظُنَّ مَنَاطٌ دَاخِلَا … فِي حُكْمِ مَا عَمَّ وَجَاءَ شَامِلَا ١٦٨٥ - أَوْ خَارِجًا عَنْهُ وَلَيْسَ الأَمْرُ … كذَاكَ فِي الْحَالَيْنِ يَسْتَقِرُّ ١٦٨٦ - كَذَا إِذَا الْخِطَابُ مُجْمَلًا يَرِدْ … بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قُصِدْ ١٦٨٧ - فِي الابْتِدَاءِ فَيَرَى مَنْ كلِّفَا … مُفْتَقِرًا إِلَى بَيَانٍ يُقْتَفَا وما أشبه ذلك وفي الحديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" الحديث، أتى فيه بتمثيل الهجرة لما كان هو السبب وقال: "ويل للأعقاب من النار" مع أن غير الأعقاب يساويها حكما، لكنه كان السبب في الحديث التقصير في الاستيعاب في غسل الرجلين، ومن ذلك كثير (١). "و" منها أي - تلك المواضع - "حيثما" أي الموضع الذي "ظن" وتوهم "مناط" ما - أي وصف ما معلق به الحكم في نظر الظان أو المتوهم - فيه "داخلا" ومندرجا "في" الجزئيات المنطوية تحت "حكم ما عم" باعتبار اللفظ الدال عليه "وجاء شاملا" لذلك "أو" ظن أو توهم أن ذلك المناط كان "خارجا عنه" يعني عن مقتضى ذلك الحكم ومدلوله "وليس الأمر" في الواقع يثبت "كذاك في الحالين" كليهما و"يستقر" وبذلك فإن الشارع يبين ما هو الحق في ذلك على التمام. مثال الأول ما تقدم في قوله ﵊: "من نوقش الحساب عذب" وقوله: "من كره لقاء الله كره الله لقاءه" ومثال الثاني قوله ﵊ للمصلي: "ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك وقد جاء فيما نزل عليّ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفَال: ٢٤] " الآية؛ أو كما قال ﵊؛ إذ كان إنما ثبت على صلاته لاعتقاده أن نازلته المعينة لا يتناولها معنى الآية (٢). و "كذا" من تلك المواضع "إذا الخطاب" الشرعي "مجملا" مبهم المعنى محتاجا في فهمه إلى البيان "يرد" يعني ورد "بحيث" - حيث هنا تقييدية - "لا يفهم منه ما قصد" به من معنى "في الابتداء" أي في ابتداء تلقي ذلك الخطاب ووقوع المخاطبة به "فيرى" أي يبصر ويعلم "من كلفا" بفهم ذلك الخطاب "مفتقرا" - بكسر القاف - أي محتاجا "إلى بيان" يرشد إلى المعني المراد منه - أي من ذلك الخطاب - فيتبع و"يقتفى" في ذلك،

стр. 671

١٦٨٨ - وَيَقَعُ الإِجْمَالُ وَالْعُمُومُ … سَبِيلُهُ كَأَنْفِقُوا أَقِيمُوا ١٦٨٩ - وَتَارَةً عَلَى الْخُصُوصِ يَجْرِي … كَقِصَّةِ ابْنِ حَاتِمٍ فِي الْفَجْرِ " ويقع الإجمال" في النصوص الشرعية تارة لعامة المكلفين، وبذلك فالشمول "والعموم" في هذا الشأن هو "سبيله" الذي ورد عليه، فلم يكن واردا على سبيل الإطلاق، وذلك "كـ" قوله - تعالى -: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٤] وقوله - تعالى -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النّسَاء: ٧٧] فإنه لا يفهم المقصود به من أول وهلة، فجاءت أقوال النبي ﷺ وأفعاله مبينة لذلك. "وتارة" يقع لبعض المكلفين دون بعض مجملا بالنسبة لذلك البعض فقط "على" وجه "الخصوص" فيكون هذا هو الحكم الذي "يجري" فيه ويمضي، وذلك "كقصة" عدي "ابن حاتم" بن عبد الله الطائي الصحابي الأمير رئيس طيئ في الجاهلية والإسلام - وما روي عنه "في" فهمه لمعنى الخيط الأبيض من الخيط الأسود من "الفجر" فقد قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، قال فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال إن وسادك إذا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل. وعلى هذا الذي فهمه عدي جرى رجال آخرون من قريش، حتى نزل قوله - تعالى - من الفجر فتبين لهم المعنى المراد في هذه الآية. ومن أمثلة ذلك - أيضا - قصته - أي عدي - لما سمع قوله - تعالى -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبَة: ٣١] فإنه لما سمع هذه الآية قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي ﷺ : بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. وكذلك قصة ابن عمر في طلاق زوجته وهي حائض، فأمره ﷺ أن يراجعها، كما ورد في الصحيحين وغيرهما. وما أشبه ذلك من الأمثلة من هذا الصنف. فهذه المواضع وأشباهها مما يقتضي تعيين المناط، لا بد فيها من أخذ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى كل نازلة، فأما

стр. 672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إن لم يكن ثم تعيين فيصح أخذه على وفق الواقع مفروض الوقوع ويصح إفراده بمقتضى الدليل الدال عليه في الأصل، ما لم يتعين، فلا بد من اعتبار توابعه وعند ذلك نقول لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه، لأنه سئل عن مناط معين فأجاب عن مناط غير معين، لا يقال إن المعين يتناوله المناط غير المعين لأنه فرد من أفراد عام، أو مقيد من مطلق، لأنا نقول ليس الفرض هكذا وإنما الكلام على مناط خاص "يختلف مع العام لطروء عوارض كما تقدم تمثيله، فإن فرض عدم اختلافهما فالجواب إنما يقع بحسب المناط الخاص، وما مثل هذا إلا مثل من سأل هل يجوز بيع الدرهم من سكة كذا بدرهم في وزنه من سكة أخرى أو المسكوك بغير المسكوك وهو في وزنه فأجابه المسؤول بأن الدرهم بالدرهم سواء بسواء فمن زاد أو ازداد فقد أربى فإنه لا يحصل له جواب مسألته من ذلك الأصل إذ له أن يقول فهل ما سألتك عنه من قبيل الربا أم لا أما لو سأله هل يجوز الدرهم بالدرهم وهو في وزنه وسكته وطيبه فأجابه كذلك، لحصل المقصود لكن بالعرض، لعلم السائل بأن الدرهمين مثلان من كل وجه، فإذا سئل عن بيع الفضة بالفضة فأجاب بذلك الكلام لكان مصيبا، لأن السؤال لم يقع إلا على مناط مطلق فأجابه بمقتضى الأصل، ولو فصل له الأمر بحسب الواقع لجاز، ويحتمل فرض صور كثيرة، وهو شأن المصنفين أهل التفريع والبسط للمسائل، وبسبب ذلك عظمت أجرام الدواوين، وكثرت أعداد المسائل، غير أن الحكمة اقتضت أن يجاب السائل على حد سؤاله، فإن سأل عن مناط غير معين أجيب على وفق الاقتضاء الأصلي، وإن سأل عن معين فلا بد من اعتباره في الواقع، إلى أن يستوفي له ما يحتاج إليه. ومن اعتبر الأقضية والفتاوى الموجودة في القرآن والسنة وجدها على وفق هذا الأصل. وبالله التوفيق (١). وبهذا نجز بيان النظر الأول الذي يتعلق بالأدلة من جهة صفاتها الذاتية الكلية التي تعمها كلها، فلا تختص ببعضها دون البعض.

стр. 673

" النظر الثاني في عوارض الأدلة " ١٦٩٠ - عَوَارِضُ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّهْ … لَهَا فُصُولٌ خَمْسَةٌ مَرْعِيَّهْ " الفصل الأول" فِي الإِحْكَامِ وَالتَّشَابُهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ " المسألة الأولى " ١٦٩١ - وَيُطْلَقُ الْمُحْكَمُ تَارَةً عَلَا … خِلَافِ مَا النَّسْخُ لَهُ قَدِ انْجَلَا " النظر الثاني في عوارض الأدلة" التي تلحقها، وسماها عوارض باعتبار أنها تعرض في الأدلة، ثم أنها تزول لآخر، وهذا أمر بين يدرك بالتأمل والنظر في عوارض الألفاظ كالعموم والخصوص، والبيان، والإجمال، والتشابه، والإحكام، والنسخ، والتقييد، والإطلاق، وما أشبه ذلك من العوارض التي تعرض في الألفاظ - الأدلة - وتسمى عوارض - كذلك - باعتبار أنها تعتور الأدلة في عروضها، والتي تتناقض لا يلتقي بعضها ببعض. وإذا تقرر هذا وتبين فإنه ينتقل إلى بيان هذه العوارض وتفصيل القول فيها، لأن ذلك ما يقتضي واقع حال هذا الموضوع الانتقال إليه. وفي سبيل ذلك تعقد لـ"ـعوارض الأدلة الشرعية" هذه وتوضع "لها فصول خمسة مرعية" باعتبار تخصيص كل فصل منها بعارض من تلك العوارض. "الفصل الأول" وهو معقود "في"بيان "الإحكام" - بكسر الهمزة - "والتشابه" وما يتعلق بهما من أحكام، "وفيه" أي هذا الفصل لبيان ما ذكر تورد "مسائل" وهي ست. "المسألة الأولى" منها في بيان ما يطلق عليه لفظ المحكم، وما يطلق عليه لفظ المتشابه. "ويطلق المحكم" بإطلاقين عام وخاص، إذ يطلق "تارة على ما النسخ له" - اللام بمعنى عن - أي عنه "قد انجلا" زال، يعني أنه يطلق على الدليل الذي ليس بمنسوخ،

стр. 674

١٦٩٢ - فَالْمُتَشَابِهُ الذِي قَدْ نُسِخَا … وَالْغَيْرُ مُحْكَمٌ سَوَاءً نَسَخَا ١٦٩٣ - أَوْ كَانَ غَيْرَ نَاسِخٍ وَأُطْلِقَا … أَعَمَّ لِلْبَيِّنِ مَعْنىً مُطْلَقَا ١٦٩٤ - فَالْمُتَشِابِهُ الذِي مَعْنَاهُ … لَمْ يَتَّضِحْ مِنْ لَفْظِهِ مَنْحَاهُ ١٦٩٥ - كَانَ مِنَ الْمُدْرَكِ مَعْنىً بِالنَّظَرْ … وَالْبَحْثِ أَمْ لَيْسَ كَذَا لِمَنْ نَظَرْ ١٦٩٦ - وَذَا الذِي بِهِ الْمُفَسِّرُونَا … فِي مُقْتَضَى الآيَةِ آخِذُونَا ١٦٩٧ - وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا افْتَقَرْ … مَعْنَاهُ لِلْبَيَان حَيْثُ مَا صَدَرْ - وهذا هو الإطلاق الخاص فيه - وبذلك "فالمتشابه" الذي هو ضده - أي المحكم - هو "الذي قد نسخا" - بضم النون - أي هو المنسوخ، "و" أما "الغير" الذي هو غير منسوخ فإنه "محكم" مطلقا "سواء نسخا" - الألف للإطلاق - غيره من الأدلة. "أو كان غير ناسخ " وعلماء الناسخ والمنسوخ على هذا الإطلاق، فإنهم يقولون: هذه الآية محكمة، وهذه الآية منسوخة. "وأطلقا" - الألف للإطلاق - لفظ المحكم - أيضا - إطلاقا "أعم للبين" - اللام بمعنى على - يعني على الدليل البين "معنى" الواضح مدلولا الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره "مطلقا" سواء كان ناسخا أو غير ناسخ، أو منسوخا أو غير منسوخ ولذلك "فالمتشابه" الذي يقابل المحكم بهذا المعنى هو "الذي معناه" مبهم "لم يتضح من" جهة دلالة "لفظه منحاه" يعني ما قصد به، سواء "كان من" الصنف "المدرك معنى" ومدلولا "بالنظر والبحث" في الأدلة الخارجية المنفصلة عنه "أم ليس كذا" لك "لمن نظر" وإنما هو خفي المعنى على كل حال، "وذا" المعنى الثاني الأخير للمحكم هو "الذي به المفسرونا" - الألف للإطلاق - للقرآن الكريم "في مقتضى" ومعنى "الآية" الوارد فيها لفظ محكمات وهي قوله - تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمرَان: ٧] "آخذونا" إذ فسروا "المحكمات" في هذه الآية بواضحات الدلالة. "ومقتضاه" أي مقتضى تفسير المحكم بهذا المعنى "أن كل ما" أي الذي هو من الأدلة قد "افتقر" أي احتاج "معناه" المراد منه "للبيان" والإيضاح "حيث ما صدر" يعني جاء في النصوص الشرعية.

стр. 675

١٦٩٨ - فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمُشْتَبِهِ … مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدْرَى مُبَيَّن بِهِ ١٦٩٩ - ثُمَّ يَصِيرُ مِنْ قَبِيلِ الْمُحْكَمِ … بِالْعِلْمِ لِلْمُبَيِّنَاتِ فَاعْلَمِ ١٧٠٠ - وَبَيِّنُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ … يَرْجِعُ فِي الْمَعْنَى إِلَى الأَحْكَامِ ١٧٠١ - وَمَا عَدَاهُ فَالْحِديثُ الآتِي … قَدْ عَدَّهُ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ " المسألة الثانية " ١٧٠٢ - كَوْنُ التَّشَابُهِ اسْتَفَاضَ وَاسْتَقَرْ … فِي الشَّرْعِ مَعْلُومٌ وَمَا فِيهِ نَظَرْ " فإنه يدخل في "معنى ومسمى "المشتبه" وذلك "من قبل أن يدرى" ويعلم ما هو "مبين" ومفسر "به" من الأدلة "ثم" إنه تسقط عنه حقيقة المشتبه - المتشابه - و"يصير من قبيل المحكم بـ" حصول "العلم لـ" - لأدلة "المبينات" والموضحات له "فاعلم" ذلك، وحصل معرفته. "و" يدخل تحت المحكم والمتشابه بالمعنى الثاني "بين الحلال والحرام" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي الحلال البين والحرام البين، ويشير إلى قوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بيّن" فإنه "يرجع في المعنى إلى الأحكام"، فالبيّن هو المحكم "ومما عداه" أي ما سوى المحكم "فـ" ـإن "الحديث الآتي" في هذا الشأن وهو المتقدم ذكره "قد عده" وجعله "في"قسم "المتشابهات" - لقوله ﵊ في تمام هذا الحديث: "وبينهما أمور متشابهات" - وإن كانت وجوه التشابه تختلف بحسب الآية والحديث، فالمعنى واحد؛ لأن ذلك راجع إلى فهم المخاطب، وإذا تؤمل هذا الإطلاق وجد المنسوخ والمجمل والظاهر والعام والمطلق قبل معرفة مبيناتها داخلة تحت معنى المتشابه كما أن الناسخ وما ثبت حكمه والمبين والمؤول والمخصص والمقيد داخلة تحت معنى المحكم (١). "المسألة الثانية" في مقدار التشابه في النصوص الشرعية، وبيان ذلك أن ثبوت "كون التشابه" أمرا "استفاض" واشتهر "واستقر في" نصوص "الشرع" هو أمر "معلوم" مجزوم به "وما فيه نظر" أو بحث لأن الأدلة التي تثبته وتدل عليه قاضية به على بيان تام.

стр. 676

١٧٠٣ - وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي مِقِدَارِ … مَا هُوَ مِنْهُ فِي الْوُقُوعِ جَارِ ١٧٠٤ - وَهْوَ إِلَى الْقِلَّةِ ذُو انْتمَاءِ … بِالنَّصِّ وَالْبَحْثِ وَالاسْتِقْرَاءِ " وإنما ينظر في "شأن "مقدار ما" أي الذي "هو منه في" مجرى "الوقوع جار" هل هو قليل أم كثير؟ "وهو "- أي التشابه المذكور - "إلى القلة" في الوقوع والوجود لا الكثرة "ذو" أي صاحب "انتماء" أي انتساب، وهذا حكم تابت "بـ"ـأمور: أحدها: "النص" الصريح، وذلك كقوله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمرَان: ٧] فقوله في المحكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عِمرَان: ٧] يدل أنها المعظم والجمهور وأم الشيء معظمه وعامته كما قالوا أم الطريق بمعنى معظمه وأم الدماغ بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه والأم أيضا الأصل ولذلك قيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها والمعنى يرجع إلى الأول فإذا كان كذلك فقوله تعالى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمرَان: ٧] إنما يراد بها القليل (١). "و" ثانيها مقتضى "البحث" والنظر في هذا الشأن فإن المتشابه لو كان كثيرا لكان الالتباس والإشكال كثيرا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى كقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عِمرَان: ١٣٨] وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢] ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النّحل: ٤٤] وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة لا بيان وهدى لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى فدل على أنه ليس بكثير ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها لم يصح القول به لكن ما جاء فيه من ذلك فلم يتعلق بالمكلفين حكم من جهته زائد على الإيمان به وإقراره كما جاء وهذا واضح (٢). "و" ثالثها "الاستقراء" فإن المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جرت له على قانون النظر واتسقت أحكامها وانتظمت أطرافها على وجه واحد كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هُود: ١] وقال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ

стр. 677

١٧٠٥ - وَمُوهِمُ الْكَثْرَةِ تَجْلُوا مُجْمَلَهْ … قَاعِدَةٌ نُورِدُهَا مُفَصَّلَهْ " المسألة الثالثة " ١٧٠٦ - وَللإِضَافِي وَللْحَقِيقِي … تَشَابُهٌ قُسِمَ فِي التَّحْقِيقِ ١٧٠٧ - وَثَالِثٌ إِلَى الْمَنَاطِ مَرْجِعُهْ … لَا لِلدَّلِيلِ فَاسَتَبَانَ مَوْقِعُهْ ١٧٠٨ - أَمَّا الْحَقِيقِيُّ فَإِنَّهُ الذِي … عَلَيْهِ لِلآيَةِ أَوْلَى مَأْخَذِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمَان: ٢] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزُّمَر: ٢٣] يعني يشبه بعضه بعضا ويصدق أوله آخره وآخره أوله أعني أوله وآخره في النزول (١). "و" أما ما هو "موهم" كون المتشابه هو الجاري عليه وصف "الكثرة" ككون المنسوخ والمجمل والمطلق والمقيد والمؤول، والعام بل مباحث الأدلة كلها داخلة في التشابه بهذا المعنى الثاني الأخير فإنه "تجلوا" أي تزيل "مجمله" وما أبهم فيه "قاعدة نوردها" في المسألة الموالية "مفصلة" مبينة. "المسألة الثالثة" وهي معقودة لذكر أقسام التشابه. "و" بيان ذلك أنه "لـ"ـلتشابه "الإضافي ولـ"ـلتشابه "الحقيقي" هذا الـ"ـتشابه" الذي كلامنا فيه "قسم في "واقع الأمر وفي مجرى "التحقيق" لماهيته وحقيقته. "و" ثم ضرب "ثالث" هو "إلى المناط" المتعلق به الحكم "مرجع" ومآله، إذ هو الذي يعتريه التشابه والإبهام "لا للدليل" الشرعي الدال على الحكم في محله "فاستبان" وظهر "موقعه" أي موقع هذا الضرب من التشابه وموضعه. "أما" التشابه "الحقيقي فإنه الذي" مضى "عليه" في التفسير "للآية" المذكورة، وهي قوله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمرَان: ٧] وكان هذا "أولى" أي أحسن وأرجح "مأخذ" أي أخذ لها - أي أفضل تفسير لها كما قال القرطبي - بل هو التفسير الصحيح لها.

стр. 678

١٧٠٩ - لِأَنَّهُ الْمُرَادُ فِي مَعْنَاهَا … وَالْمُقْتَضِي التَّعْيِينَ مِنْ مَنْحَاهَا ١٧١٠ - وَهْوَ الذِي لَا يَقْتَضِي فِي شَانِ … حُكْمًا سِوَى مُجَرَّدِ الإِيمَانِ ١٧١١ - مِنْ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ لَنَا سَبِيلُ … لِفَهْمِهِ وَلَا لَهُ دَلِيلُ ١٧١٢ - وَذَا بِلَا شَكٍّ مِنَ الْيَسِيرِ … عِنْدَ اعْتِبَارِ الْغَالِبِ الْكَثِيرِ ١٧١٣ - ثُمَ الإِضَافِيُّ وَمُقتَضَا … مَا كَانَ مَعْنَاهُ لَهُ اشْتِبَاهُ " لأنه المراد" والمقصود "في معناهما" كما عليه جمهور المفسرين، "و" الأمر "المقتضى" بناء على هذا هو "التعيين" لهذا المعنى "من منحاها" أي من جهتها. "و" هذا التشابه "هو الذي لا يقتضى" ولا يفيد "في شأن" عقدي معين أو عبادي أو عادي "حكما" شرعيا لأنه لا يتعلق به تكليف "سوى مجرد الإيمان" والتصديق به مع تفويض حقيقة العلم به لله رب العالمين، وإنما كان هذا هو الحكم الشرعي الثابت في حقنا "من حيث" - تعليلية - "لم يجعل لنا سبيل" يوصل "لفهمه" وإدراك معناه "ولا" معلم يرشد "له" ولا "دليل" شرعي أو عقلي أو عادي يدل عليه. فكان مما استأثر الله - تعالى - بعلمه. فإذا نظر المجتهد في أصول الشريعة وتقصاها وجمع أطرافها لم يجد فيها ما يحكم له معناه، ولا ما يدل على مقصوده ومغزاه. "وذا" أي هذا الصنف من التشابه "بلا شك من "التشابه "اليسير" القليل جدا "عند اعتبار" ما سواه وهو "الغالب الكثير" في حقيقة الأمر كما تقدم بيانه وتقريره في المسألة السابقة. وهذا هو القسم الأول وما يتعلق به من حكم وبيان. وبعده ننتقل إلى ذكر وبيان القسم الثاني وهو التشابه الإضافي فنقول: "ثم" التشابه "الإضافي" وهو الذي ليس حقيقيا، وبذلك فهو غير داخل في صريح الآية، وإن كان من جهة المعنى داخلا فيه، بحكم الزيغ في النظر، كما سيأتي بيانه. "و" بيانه الذي يدل عليه "مقتضاه" هو أن المتصف به هو "ما" أي الذي "كان معناه" بينا في نفس الأمر بالأدلة الشرعية، ولكن حصل "له" - اللام بمعنى في - أي فيه - "اشتباه".

стр. 679

١٧١٤ - مِنْ جِهَةِ الْمَدَارِكِ الْعَقْلِيَّهْ … لَا الْوَضْعِ فِي الأدِلَّةِ الشّرعِيَّهْ ١٧١٣ - لِكَوْنِهَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ قَدْ حَصَلْ … بَيَانُهَا بِمَا اسْتَقَرَّ وَايسْتَقَلْ ١٧١٦ - وَقَصَّرَ النَّاظِرُ فِي اجْتِهَادِ … أَوْ زَاغَ عَنْ نَهْجِ الْبَيَانِ الْهَادِي ١٧١٧ - فَالاشْتِبَاهُ رَاجعٌ لِلنَّاظِرِ … لَا وَاقِعٌ عَلَى الدَّلِيلِ الصَّادِرِ ثم زيغ "من جهة المدارك" - جمع مدرك - وهو ما يدرك به الحكم، أو يدرك فيه فيؤخذ منه - "العقلية" المتوسل بها إلى الاستنباط من النصوص والمتخذة مرتكزات في ذلك، "لا" من جهة "الوضع" الجاري أمره "في الأدلة الشرعية" التي عرض فيها ذلك التشابه "لكونها في نفس الأمر" والواقع "قد حصل" ووقع "بيانها" وإيضاح المعنى المقصود بها "بما" أي بالذي "استقر" لها من معنى "واستقل" في بيان المراد بها، وذلك قد يكون بأدلة خارجية وحدها إذا كان المقام مقام تأويل، وقد يكون من جهة ظواهرها معتضدا بأدلة خارجية إن كان أمر التأويل لا حاجة إليه، وبذلك فمعناها مبين بالأدلة الشرعية على كل حال "و" لكن "قصر الناظر في اجتهاد"ـه فلم يستتم النظر ولم يبلغ به المنزلة المطلوبة منه في ذلك. "أو زاغ" ومال "عن نَهج" أي طريق "البيان" الذي عليه بني الخطاب الشرعي، والذي هو "الهادي" المرشد إلى المعنى المقصود من النصوص الشرعية كما هو معلوم ومقرر، وبذلك "فـ" ـإن هذا الضرب - القسم - من "الاشتباه راجع" وجوده في واقع الأمر "للناظر" المقصر، أو الزائغ - كما تقدم ذكره - "لا واقع" ولا وارد "على الدليل الصادر" يعني الآتي من الشارع على الإطلاق. وإنما ينسب إلى الناظرين التقصير أو الجهل بمواقع الأدلة، فيطلق عليهم أنهم متبعون للمتشابه، لأنهم إذا كانوا على ذلك مع حصول البيان فما ظنك بهم مع عدمه؟ فلهذا قيل إنهم داخلون بالمعنى في حكم الآية ومن أمثلة هذا القسم ما تقدم آنفا للمعتزلة والخوارج وغيرهم، ومثله ما خرجه مسلم عن سفيان قال: "سمعت رجلا يسأل جابر بن يزيد الجعفي عن قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يُوسُف: ٨٠] ". فقال جابر: لم يجئ تأويل هذه الآية، قال سفيان: وكذب. قال الحميدي: فقلنا لسفيان: ما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة: تقول أن عليا في السحاب، فلا يخرج - يعني مع من خرج من ولده - حتى ينادي مناد من السماء - تريد عليا أنه ينادي - اخرجوا مع فلان

стр. 680

" فصل " ١٧١٨ - إِذَنْ فَلَا يُعْزَى لَهُ مُخْتَلَفُ … فِيهِ سِوَى الْمُمْسِكِ عَنْهُ السَّلَفُ يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية، وكذب. كانت في إخوة يوسف، فهذه الآية أمرها واضح، ومعناها ظاهر، يدل عليه ما قبل الآية وما بعدها، كما دل الخاص على معنى العام، ودل المقيد على معنى المطلق، فلما قطع جابر الآية عما قبلها وما بعدها، كما قطع غيره الخاص عن العام، والمقيد عن المطلق، صار الموضع بالنسبة إليه من المتشابه؛ فكان من حقه التوقف، لكنه أتبع فيه هواه فزاغ عن معنى الآية. وأما الثالث: فالتشابه فيه ليس بعائد على الأدلة، وإنما هو عائد على مناط الأدلة، فالنهي عن أكل الميتة واضح، والإذن في أكل الذكية كذلك؛ فإذا اختلطت الميتة بالذكية حصل الاشتباه في المأكول لا في الدليل على تحليله أو تحريمه؛ لكن جاء الدليل المقتضي لحكمه في اشتباهه، وهو الاتقاء حتى يتبين الأمر، وهو أيضا واضح لا تشابه فيه، وهكذا سائر ما دخل في هذا النوع، مما يكون محل الاشتباه فيه المناط لا نفس الدليل، فلا مدخل له في المسألة (١). "فصل" في بيان قلة وندور اتصاف النصوص الشرعية بالاشتباه، وفي بيان أن الخلف في الأحكام وغيرها ليس ذلك الاشتباه هو موجبه إلا في أمور خاصة قليلة. "إذن" بناء على هذا الذي تقرر في هذا الشأن وهو ما تقدم من أن التشابه باعتبار وقوع الأدلة مع ما يعارضها - كالعام والخاص وما ذكر معه - قليل، بل هو ليس مما يجري فيه التشابه الحقيقي المعتبر - "فـ" ـإنه "لا يعزى" أي لا ينسب "له" أي الاشتباه أمر "مختلف فيه" باعتباره سببا له "سوى الممسك" - بكسر السين - أي الذي أمسك "عنه السلف" الصالح فلم يتكلموا فيه بغير التسليم والإيمان بكون أمره محجوبا عن العباد، وذلك محصور في الأمور الإلهية التي لا تهتدي إليها العقول، ونهي عن الخوض فيها بالنص، أو بانكفاف النبي ﷺ والصحابة عن الخوض في أمره وذلك

стр. 681

١٧١٩ - كَالإِسْتِوَا وَهْوَ مِنَ الْقَلِيلِ … فَاتَّضَحَتْ قَاعِدَةُ التَّقْلِيلِ " كالاستوا" الوارد في قوله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وكاليد والرجل وما جرى مجرى ذلك وحين سلك الأولون في سلك التسليم وترك الخوض في معانيه دل ذلك على أن هذا هو الحكم عندهم فيه - "وهو" في واقع الأمر "من القليل" وأما الخلاف فيما سوى ذلك من المسائل فإنه ليس واقعا بسبب تشابه أدلتها، فإن البرهان قد دل على خلاف ذلك بل من جهة نظر المجتهد في مخارجها ومناطاتها والمجتهد لا تجب إصابته لما في نفس الأمر بل عليه الاجتهاد بمقدار وسعه. والأنظار تختلف باختلاف القرائح والتبحر في علم الشريعة فلكل مأخذ يجري عليه وطريق يسلكه بحسبه لا بحسب ما في نفس الأمر فخرج المنصوص من الأدلة عن أن يكون متشابها بهذا الاعتبار وإنما قصاراه أن يصير إلى التشابه الإضافي وهو الثاني أو إلى التشابه الثالث ويدل على ذلك أنك تأخذ كل عالم في نفسه وما حصل له من علم الشريعة فلا تجد عنده من الأدلة المتشابهة والنصوص المجملة إلا النادر القليل لأنه أخذ الشريعة مأخذا اطردت له فيه واستمرت أدلتها على استقامة ولو كان وقوع الخلاف في المسائل يستلزم تشابه أدلتها لتشابهت على أكثر الناس ولم يتخلص منها بالبيان إلا القليل والأمر على ضد ذلك وما من مجتهد إلا وهو مقر بوضوح أدلة الشرع وإن وقع الخلاف في مسائلها ومعترف بأن قوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمرَان: ٧] على ظاهره من غير شك فيه فيستقرئ من هذا إجماع على أن المتشابه في الشريعة قليل وإن اعترفوا بكثرة الخلاف وأيضا فإن كل خلاف واقع لا يستمر أن يعد في الخلاف أما أولا فلما تقدم من أن الفرق الخارجة عن السنة حين لم تجمع بين أطراف الأدلة تشابهت عليها المآخذ فضلت وما ضلت إلا وهي غير معتبرة القول فيما ضلت فيه فخلافها لا يعد خلافا وهكذا ما جرى مجراها في الخروج عن الجادة وإلى ذلك فإن من الخلاف ما هو راجع في المعنى إلى الوفاق وهذا مذكور في كتاب الاجتهاد فسقط بسببه كثير مما يعد في الخلاف وإذا روجع ما هنالك تبين منه هذا المقصد ووجه آخر وهو أن كثيرا مما ليس بمحتاج إليه في علم الشريعة قد أدخل فيها وصار من مسائلها ولو فرض رفعه من الوجود رأسا لما اختل مما يحتاج إليه في الشريعة شيء بدليل ما كان عليه السلف الصالح في فهمها عند العرب المحفوظة اللسان كالصحابة ومن يليهم من غيرهم بل من ولد بعد ما فسد اللسان فاحتاج إلى علم كلام العرب كمالك والشافعي وأبي حنيفة ومن

стр. 682

١٧٢٠ - وَدَلَّتِ الآيَةُ فِي الْمَعْنَى عَلَى … قِسْمِ الإِضَافِيِّ الذِي قَدْ انْجَلَا " المسألة الرابعة " ١٧٢١ - وَلَيْسَ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّهْ … تَشَابُهٌ بَلْ ذَاكَ فِي الْجُزْئِيَّهْ ١٧٢٢ - وَذَا بِالاسْتِقْرَاءِ صَحَّ وَالنَّظَرْ … إِذِ الأُصُولُ مَا اسْتَقَلَّ وَاسْتَقَرْ قبلهم أو بعدهم وأمثالهم فلما دخلت تلك الأمور وقع الخلاف بسببها ولو لم تدخل فيها لم يقع ذلك الخلاف ومن استقرى مسائل الشريعة وجد منها في كلام المتأخرين عن تلك الطبقة كثيرا وقد مر في المقدمات تنبيه على هذا المعنى وفى كتاب الاجتهاد معرفة ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم المعينة له على اجتهاده (١). "فـ" ـإذا جمعت هذه الأطراف "اتضحت" لك كل واستبانت "قاعدة" جريان "التقليل" في عروض هذا العارض في النصوص الشرعية، وتبين لك على جزم أن المحكم هو الغالب. "ودلت الآية" المتقدمة "في المعنى" أي معناها - كما تقدم بيانه - "على" دخول "قسم" التشابه "الإضافي الذي قد انجلا" أي انكشف، واستبان أمره، وقد سبق بيان وجه دخوله في معناها. "المسألة الرابعة" في أن التشابه لا يقع إلا في الجزئيات. "و" بيان ذلك أنه "ليس" يعرض "في"الأصول و"القواعد الكلية" الدينية والفقهية "تشابه" حقيقي "بل ذاك" إنما يعرض "في" الفروع "الجزئية" الممتل لها في المسألة السابقة. "وذا" الأصل - وهو عدم جريان التشابه في الأصول - ثابت "بـ"ـأمرين: أحدهما: "الاستقراء" فإنه قد "صح" به ذلك. "و" ثانيهما: مقتضى "النظر" والبحث في واقع حال الأصول وماهيتها "إذ الأصول" عقدية كانت أو فقهية إنما هي "ما استقل" بإفادته الحكم، وقام به "واستقر" على ما هو

стр. 683

١٧٢٣ - وَإِنْ بَدَا تَشَابُهٌ فِي أَصْلِ … فَإِنَّهُ فَرْغ لِأَصْلِ كُلِّي " المسألة الخامسة " ١٧٢٤ - وَبَعْدُ هَلْ يُسَلَّطُ التَّأْوِبلُ … عَلَى تَشَابُهٍ لَهُ تَفْصِيلُ ١٧٢٣ - فَفِي الإِضَافِي الذِي قَبْلُ رُسِمْ … كَمُطْلَقٍ وَذِي عُمُومٍ مُنْحَتِمْ عليه من حال، وماهية، ثم إن الأصول لو دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه وهذا باطل وبيان ذلك أن الفرع مبني على أصله يصح بصحته ويفسد بفساده ويتضح باتضاحه ويخفى بخفائه وبالجملة فكل وصف في الأصل مثبت في الفرع إذ كل فرع فيه ما في الأصل وذلك يقتضي أن الفروع المبنية على الأصول المتشابهة متشابهة ومعلوم أن الأصول منوط بعضها ببعض في التفريع عليها فلو وقع في أصل من الأصول اشتباه لزم سريانه في جميعها فلا يكون المحكم أم الكتاب لكنه كذلك فدل على أن المتشابه لا يكون في شيء من أمهات الكتاب (١). "و" أما "إن بدا" أي ظهر "تشابه في أصل" ما كالنصوص الشرعية الموهمة للتشابه "فإنه" يعني فإن ذلك الأصل ما هو إلا "فرع لأصل كلي" وهو التنزيه بالنسبة للنصوص المتقدمة. "المسألة الخامسة" في شأن تسليط التأويل على المتشابه. حتى يصير محكما. "و" ذلك أنه "بعد" بيان ما تقدم ذكره يرد على الأذهان سؤال، وهو "هل يسلط التأويل على" الدليل - اللفظ - ذي إلى "تشابه" أم لا؟ الجواب أن هذا أمر "له" - اللام بمعنى في - أي فيه "تفصيل" مداره على التفرقة بين التشابه الإضافي والحقيقي في ذلك، "ففي" اللفظ - الدليل - ذي التشابه "الإضافي الذي" عُرِّف "قبل" و "رسم" حتى توضحت صورته وذلك "كـ" دليل "مطلق" عارض إطلاقه دليل مقيد "و" كدليل "ذي عموم" عارض عمومه دليل خاص وما أشبه ذلك مما وقع فيه التعارض بين ظواهر الألفاظ، التأويل سبيل "منحتم" أي واجب سلوكه في

стр. 684

١٧٢٦ - وَفِي حَقِيقِيٍّ مَضَى تَمْثِيلُهُ … لَيْسَ بِلَازِمٍ لَنَا تَأْوِيلُهُ ١٧٢٧ - لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِهِ تْكلِيفُ … وَلَا أَتَى فِي شأْنِهِ تَعْرِيفُ ١٧٢٨ - وَأَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ شأْنِ السَّلَفْ … وَشَأْنِ مَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْخَلَفْ ١٧٢٩ - وَمَالَ بَعْضُ الْمُتَأخِّرِينَا … لِعَكْسِهِ فَئَاثَرَ التَّبْيِينَا ١٧٣٠ - مُسْتَنِدًا لِمُقْتَضَى الْوَقْفِ عَلَا … فِي الْعِلْمِ عَطْفًا وَهْوَ وَجْهٌ نُقِلَا ذلك، لأن مجموع الدليلين المتعارضين على الوجه المتقدم هو المحكم، وقد مر بيانه. "و" أما "في" الدليل ذي التشابه الـ"حقيقي" الذي قد "مضى تمثيله" بآيات الإستواء، واليد، والوجه ونحو ذلك، فإنه "ليس بـ "ـأمر"لازم لنا تأويله" وذلك "لكونه ليس" متعلقا "به" يعني بفهمه "تكليف، ولا أتى في شأنه" من الشارع "تعريف" أو بيان له، فتحصل من ذلك أننا ما كلفنا إلا بأن نمسك عن الخوض فيه وتفويض العلم به حقيقة لله - تعالى - "و" قد تقرر "أن هذا" هو الذي "كان من شأن السلف" الصالح "وشأن من تابعهم" في هذا السبيل "من الخلف" الذين جاؤوا من بعدهم "ومال بعض المتأخرينا" - الألف للإطلاق - من هذه الأمة كالأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم في هذا الشأن "لعكسه" أي عكس هذا الذي نقل عن السلف "فئاثر" أي اختار "التبيينا" لهذه الأدلة بطريقة التأويل لها، كما هو الشأن في الأدلة المتصفة بالتشابه الإضافي. "مستندا" في هذا الذي ذهب إليه في هذا الشأن إلى ما يفهم من اتساع العرب في كلامها، من جهة الكناية والاستعارة والتمثيل وغيرها من أنواع الاتساع وكذلك "لمقتضى الوقف على في العلم" في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عِمرَان: ٧] "عطفا" على لفظ الجلالة "وهو وجه" ضعيف في تفسير هذه الآية "نقلا" - الألف للإطلاق - عن مجاهد بن جبير، وزعم أن العلماء يعرفون المتشابه. واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا، وزعم أن موضع "يقولون" نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإن لم يظهر فعل فلا يكون حال.

стр. 685

١٧٣١ - وَالْبَاعِثُ اسْتِبْعَادُهُ أَنْ صَدَرَا … تَخَاطُبٌ يَعْزُبُ عَنْ فَهْمِ الْوَرَا " المسألة السادسة " ١٧٣٢ - إِنْ أُعْمِلَ التَّأْوِيلُ فِي الْمُشْتَبِهِ … رُوعِيَ حَتْمًا فِي مُوَوَّلٍ بِهِ ١٧٣٣ - رُجُوعُهُ بَعْدُ لِمَعْنىً جَارِ … وَمُقْتَضىً صَحِيحِ الاعْتِبَارِ ١٧٣٤ - مَعْ كَوْنِهِ مُتَّفَقًا فِي الْجُمْلَهْ … عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُقْتَفِينَ سْبلَهْ " و" أما "الباعث" على اختيار ذلك البعض مذهب التأويل في هذا الشأن فإنه قد جاء من جهة ما اقتضاه نظره فيه وهو "استبعاده" وعدم قبوله "أن صدرا" - الألف للإطلاق - يعني أن يصدر عن الشارع - أي يأتي منه - "تخاطب" يعني خطابًا للخلق وهو "يعزب" يغيب ويخفي إدراكه "عن فهم الورا" أي الخلق، فلا يعلم معناه أحد منهم. وهذا كله مردود بما تقدم بيانه، فكان الصواب في هذا الشأن هو ما عليه السلف الصالح. كما مضى تقريره. "المسألة السادسة" فيما تتوقف عليه صحة التأويل. وبيان ذلك أنه "إن أعمل التأويل في" الدليل "المشتبه" اعْتُبِرَ و "روعي حتما" أي وجوبا "في" المعنى الذي هو "مؤول به" ما به يكون ذلك التأويل صحيحا، وهو ثلاثة أمور: أحدها أن "رجوعه" أي المؤول به "بعد" حصول التأويل به "لمعنى" مقبول "جار" على السبيل الصحيح "و" لـ "مقتضى صحيح الاعتبار" في مجاري النظر، ويعرف ذلك كله بسياق الكلام ودلالة المقام وما تمهد في الشريعة من القواعد والأصول. والأمر الثاني الذي يزاد "مع" هذا هو "كونه" أي المعنى المأول به "متفقا في الجملة عليه" وإن كان مختلفا فيه تفصيلا "بين المقتفين" أي المتبعين "سبله" - بضم السين وسكون الباء جمع سبيل - وذلك مثل حمل المطلق على المقيد فإنه يصير إليه أهل العلم وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك، والشروط المعتبرة في صحته، وبيان ذلك في كتب أصول الفقه مبسوط.

стр. 686

١٧٣٥ - وَأَنْ يُرَى يَقْبَلُهُ اللَّفْظُ الذِي … أُولَ لَا يَأْباهُ عِنْدَ الْمَأْخَذِ " و" الأمر الثالث هو "أن يرى" ذلك المعنى المأول به وهو "يقبله اللفظ الذي أول" وأخرج عن ظاهره "لا يأباه" باعتبار حاله والقرائن المحيطة به "عند المأخذ" أي أخذه مؤولا، فإن لم يقبله فاللفظ نص لا احتمال فيه، فلا يقبل التأويل، وإن قبله فإنه لا بد مع ذلك أن يكون جاريا على ما تقتضيه الأدلة الخارجية في شأنه، فاللفظ لا يصار إلى تأويله بمجرد قبوله لذلك بل لا بد في ذلك من موجب - دليل - له. قال إمام الحرمين: إن المؤول يعتبر بما يعضد التأويل به، فإن كان ظهور المأول زائدا على ظهور ما عضد التأويل به فالتأويل مردود، وإن كان ما عضد التأويل به أظهر، فالتأويل سائغ، معمول به (١). وقال الشاطبي: وإن قبله اللفظ فإما أن يجري على مقتضى العلم أولا، فإن جرى على ذلك فلا إشكال في اعتباره لأن اللفظ قابل له والمعنى المقصود من اللفظ لا يأباه، فاطراحه إهمال لما هو ممكن الاعتبار قصدا، وذلك غير صحيح ما لم يقم دليل آخر على إهماله أو مرجوحيته، وأما إن لم يجر على مقتضى العلم فلا يصح أن يحمله اللفظ على حاله، والدليل على ذلك أنه لو صح لكان الرجوع إليه مع ترك اللفظ الظاهر رجوعا إلى العمى ورميا في جهالة، فهو ترك للدليل لغير شيء وما كان كذلك فباطل هذا وجه، ووجه ثان وهو أن التأويل إنما يسلط على الدليل لمعارضة ما هو أقوى منه، فالناظر بين أمرين إما أن يبطل المرجوح جملة، اعتمادا على الراجح، ولا يلزم نفسه الجمع وهذا نظر يرجع إلى مثله عند التعارض على الجملة وإما أن لا يبطله ويعتمد القول به على وجه فذلك الوجه إن صح واتفق عليه فذاك وإن لم يصح فهو نقض الغرض لأنه رام تصحيح دليله المرجوح لشيء لا يصح فقد أراد تصحيح الدليل بأمر باطل وذلك يقتضي بطلانه عندما رام أن يكون صحيحا هذا خلف؛ ووجه ثالث وهو أن تأويل الدليل معناه أن يحمل على وجه يصح كونه دليلا في الجملة فرده إلى ما لا يصح رجوع إلى أنه دليل لا يصح على وجه وهو جمع بين النقيضين ومثاله تأويل من تأول لفظ الخليل في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٢٥] بالفقير فإن ذلك يصير المعنى القرآني غير صحيح، وكذلك تأويل من تأول غوى من قوله ﴿وَعَصَى آدَمُ

стр. 687

" الفصل الثاني" فِي الإِحْكَامِ وَالنَّسْخِ وَفِيهِ مَسَائِلُ " المسألة الأولى " ١٧٣٦ - وَغَالِبٌ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّهْ … تَقْرِيرُهَا الْقَوَاعِدَ الْكلِّيَّهْ ١٧٣٧ - كَالأمْرِ بِالإِيمَانِ وَالإِنْفَاقِ … وَالنَّهْيِ عَنْ مُذَمَّمِ الأخْلَاقِ ﴿رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أنه من غوي الفصيل، لعدم صحة غوى بمعنى غوي فهذا لا يصح فيه التأويل من جهة اللفظ والأول لا يصح فيه من جهة المعنى. ومثال ما تخلفت فيه الأوصاف تأويل بيان ابن سمعان في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ١٣٨]. وهذا المعنى لا يختص بباب التأويل بل هو جار في باب التعارض والترجيح فإن الاحتمالين قد يتواردان على موضوع واحد فيفتقر إلى الترجيح فيهما فذلك ثان عن صحة قبول المحل لهما وصحتهما في أنفسهما والدليل في الموضعين واحد (١). "الفصل الثاني" من الفصول الخمسة المذكور أنها معقودة لبيان عوارض الأدلة وما يتعلق بها من أحكام وفوائد. وهو معقود "في" بيان "الإحكام" وضده "و" هو "النسخ" وما يتعلق بذلك. "وفيه" أي هذا الفصل لبيان ما ذكر تورد "مسائل" وهي أربع: "المسألة الأولى" منها في أن القواعد الشرعية الكلية هي الموضوعة أولا قبل الجزئيات. "و" بيان أن الأمر الذي هو "غالب في السور المكية" هو "تقريرها" وتثبيتها "القواعد الكلية" العامة في العقائد وفي المقاصد الشرعية، وذلك "كالأمر بالايمان" بالله - تعالى - ورسله وكتبه واليوم الآخر، وبالقدر خيرِه وشره وكالأمر بمكارم الأخلاق كلها كالعدل، والإحسان، والوفاء بالعهد، وأخذ العفو، والإعراض عن الجاهل والدفع بالتي هي أحسن، والصبر، والشكر، والخوف من الله - تعالى - ونحو ذلك "والإنفاق" للمال في سبيل الله - تعالى - "والنهي عن" الكفر وما هو تابع له من أعمال شركية وعن كل "مذمم" بصيغة اسم المفعول - أي مذموم - "الأخلاق" - فيه إضافة الصفة للموصوف - والأصل

стр. 688

١٧٣٨ - ثُمَّ أَتَتْ لِذَاكَ بِالْمَدِينَهْ … مُكَمِّلَاتٌ تَقْتَضِي تَبْيِينَهُ ١٧٣٩ - عِنْدَ اتِّسَاعِ خُطَّةِ الإِسْلَامِ … وَأُنْسِ مَنْ كُلِّفَ بِالأَحْكَامِ ١٧٤٠ - كَالصَّوْمِ وَالتَّحْدِيدِ لِلْحُدُودِ … وَالْحَجِّ وَالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ ١٧٤١ - لِأَجْلِ ذَا مَا حُكْمُهُ قَدِ ارْتَفَعْ … مُعْظَمُهُ فِي الْمَدَنِيِّ قَدْ وَقَعْ الأخلاق المذمومة كالكذب والإفتراء والظلم، والفحشاء، والقول بغير علم، والتطفيف في الميزان والمكيال، والفساد في الأرض، وغير ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية من سيء الأخلاق، والأعمال. "ثم" بعد هجرة الرسول ﷺ "أتت لذاك" الذي تقرر بمكة من الأصول متممات "بالمدينة" المنورة و"مكملات" له "تقتضي" وتفيد "تبيينه" وتوضيحه، وذلك "عند اتساع خطة" بالضم - أي أمر - وبالكسر - دار "الإسلام وأُنْسِ" - بضم الهمز وسكون النون - أي ارتياح وطمأنينة "من كلف بالأحكام" جريا على ما بنيت عليه الشريعة من المضي في سبيل التدرج. ومن تلك المكملات التي شرعت ما هو من العبادة، ومنها ما هو من مكارم الأخلاق وضبط الحدود والمعاملات، وذلك "كالصوم" الذي فرض في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر "والتحديد للحدود" التي تحفظ الأمور الضرورية، وما يكملها وما يحسنها "والحج" الذي فرض - على القول المختار عند الجمهور - سنة ست بعد الهجرة، لأنه نزل فيها قوله - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]. وهذا مبني على أن الإتمام يراد به الفرض. ويؤيد هذا قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ [التور: ٥٦] ورجح ابن القيم أن افتراض الحج كان سنة تسع أو عشر. "والوفاء بالعقود" أي العهود، الوارد في قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١] في صدر سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت - على ما روي عن عائشة رضي الله - تعالى - عنها ومن ذلك الذي نزل بالمدينة - أيضا - تحريم المسكرات، كما روي في الصحيحين وغيرهما. وغير ذلك مما يعد تكميلا للأصول الكلية الشرعية. و"لأجل ذا" الذي تقرر من الفرق بين حال ما هو مكي وحال ما هو مدني من الأحكام والنصوص الشرعية كان "ما" أي الذي من الجزئيات "حكمه" الشرعي "قد ارتفع" أي نسخ "معظمه في" النص الشرعي "المدني قد" جاء و "وقع" لما اقتضته

стр. 689

" المسألة الثانية " ١٧٤٢ - قَدْ مَرَّ فِي الْقَوَاعِدِ الأَصْليَّهْ … كَثْرَتُهَا فِي السُّوَرِ الْمَكِّيهْ ١٧٤٣ - وَتلْكَ فِيهَا النَّسْخُ لْم يَكُنْ يَقَعْ … وَإِنْ يَكُنْ يُمْكِنُ عَقْلًا وَيَسَعْ ١٧٤٤ - دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الاسْتِقْرَاءُ … وَالنَّظَرُ الذِي لَهُ اسْتِجْلَاءُ الحكمة الإلهية في تمهيد الأحكام وتأمل كيف تجد معظم النسخ إنما هو لما كان فيه تأنيس أولا للقريب العهد بالإسلام واستئلاف لهم مثل كون الصلاة كانت صلاتين ثم صارت خمسا وكون إنفاق المال مطلقا بحسب الخيرة في الجملة ثم صار محدودا مقدرا وأن القبلة كانت بالمدينة بيت المقدس ثم صارت الكعبة وكحل نكاح المتعة ثم تحريمه وأن الطلاق كان إلى غير نهاية على قول طائفة ثم صار ثلاثا والظهار كان طلاقا ثم صار غير طلاق إلى غير ذلك مما كان أصل الحكم فيه باقيا على حاله قبل الإسلام ثم أزيل أو كان أصل مشروعيته قريبا خفيفا ثم أحكم (١). "المسألة الثانية" في أن النسخ لا يقع في القواعد الكلية الشرعية المكية. وبيان ذلك أنه "قد مر في" مجاري الكلام على "القواعد" الكلية "الأصلية" في المسألة السابعة في القسم الرابع في كتاب المقاصد أن "كثرتها" أي تلك القواعد الكلية واردة "في السور المكية وتلك" القواعد لم يحصل "فيها" من "النسخ" شرعا و "لم يكن يقع" على الإطلاق "وإن يكن" يعني وإن كان "يمكن" أي يجوز حصوله "عقلا ويسع". أي يسوغ ويقبل - "دل على" ثبوت "ذلك" وحصوله "الاستقراء" للنصوص الشرعية وتتبع أحوالها، بتمام "والنظر" في مقتضيات هذه النصوص ومضامينها ذلك النظر "الذي له" - قد تكون اللام - هنا بمعنى الباء - أي به - وقد تكون للاختصاص والاستحقاق، أي ذلك النظر الخاص الذي له "استجلاء" أي استكشاف لما انطوت عليه تلك النصوص ودلت عليه، والذي قد أثمر في هذا الشأن أن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات أي الكليات الشرعية، وجميع ذلك قد تقرر شرعا في الفترة المكية، ولم ينسخ منه شيء.

стр. 690

١٧٤٣ - بَلْ كلُّ مَا بِطَيْبَةٍ بَعْدُ أَتَى … كَانَ لَهَا مُقَوِّيًا مُثَبِّتَا ١٧٤٦ - وَذَاكَ مُقْتَضٍ لِأَنَّ النَّسْخَ فِي … مَا كَانَ مَكِّيًّا قَلِيلٌ فَاعْرِفِ " فصل " ١٧٤٧ - وَحَيْثُمَا النَّسْخُ أَتَى فَيَنْتَمِي … إِلَى الْقَلِيلِ بِاعْتِبَارِ الْمُحْكَمِ " بل كل ما" من الأحكام الشرعية "بطيبة" - على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام - "بعد" ذلك قد "أتى" وشرع إنما "كان لها" أي تلك الكليات "مقويا" و "مثبتا" أي مرسخا لها في البنية الشرعية، ومحصنا لها "وذاك" أمر "مقتض" وموجب "لأن" حصول "النسخ في ما" من الأحكام "كان مكيا قليل" إذ لم يثبت نسخ لكلي البتة، ومن استقرأ كتب الناسخ والمنسوخ أدرك هذا الأمر حقا، إذ النسخ إنما يكون في الجزئيات، والجزئيات المكية قليلة "فاعرف" ذلك واجعله قاعدة تعتمد عليها في هذا المقام. "فصل" في أن ما هو منسوخ من الأحكام قليل بالنسبة للمحكم منها. "و" بيان ذلك أنه "حيثما" أي في أي موضع جاء "النسخ" و "أتى فـ" ـإنه "ينتمي" وينتسب "إلى" القلة وبذلك فإنه "القليل باعتبار المحكم" وهو الذي لم يجر فيه نسخ. قال الشاطبي: فإن الاستقراء يبين أن الجزئيات الفرعية التي وقع فيها الناسخ والمنسوخ بالنسبة إلى ما بقي محكما قليلة ويقوى هذا في قول من جعل المنسوخ من المتشابه وغير المنسوخ من المحكم لقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمرَان: ٧] فدخول النسخ في الفروع المكية قليل وهي قليلة فالنسخ فيها قليل فهو إذا بالنسبة إلى الأحكام المكية نادر. ووجه آخر وهو أن الأحكام إذا ثبتت على المكلف فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق لأن ثبوتها على المكلف أولا محقق فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون فاقتضى هذا أن ما كان من الأحكام المكية يدعى نسخه لا ينبغي قبول تلك الدعوى فيه إلا مع قاطع بالنسخ بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين

стр. 691

ذ ٧٤٨ - هَذَا وَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ … عَلَى اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ولا دعوى الإحكام فيهما. وهكذا يقال في سائر الأحكام مكية كانت أو مدنية. ويدل على ذلك الوجهان الأخيران ووجه ثالث وهو أن غالب ما ادعى فيه النسخ إذا تأمل وجدته متنازعا فيه ومحتملا وقريبا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجه من كون الثاني بيانا لمجمل أو تخصيصا لعموم أو تقييدا لمطلق وما أشبه ذلك من وجوه الجمع مع البقاء على الأصل من الإحكام في الأول والثاني وقد أسقط ابن العربي من الناسخ والمنسوخ كثيرا بهذه الطريقة، وقال الطبري أجمع أهل العلم على أن زكاة الفطر فرضت ثم اختلفوا في نسخها قال ابن النحاس فلما ثبتت بالإجماع وبالأحاديث الصحاح عن النبي صلى الله عليه ولمسلم لم يجز أن تزال إلا بالإجماع أو حديث يزيلها ويبين نسخها ولم يأت من ذلك شيء انتهى المقصود منه. ووجه رابع يدل على قلة النسخ وندوره أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ عند الأصوليين كالخمر والربا فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم الأصل لا يعد نسخًا لحكم الإباحة الأصلية. ولذاك قالوا في حد النسخ: إنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعى متأخر، ومثله رفع براءة الذمة بدليل. وقد كانوا في الصلاة يكلم بعضهم بعضًا، إلى أن نزل وقوموا لله قانتين وروي أنهم كانوا يلتفتون في الصلاة إلى أن نزل ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢] قالوا: وهذا إنما نسخ أمرا كانوا عليه وأكثر القرآن على ذلك معنى هذا أنهم كانوا يفعلون ذلك بحكم الأصل من الإباحة فهو مما لا يعد نسخا وهكذا كل ما أبطله الشرع من أحكام الجاهلية فإذا اجتمعت هذه الأمور ونظرت إلى الأدلة من الكتاب والسنة لم يتخلص في يدك من منسوخها إلا ما هو نادر (١). ومع قوليا هذا" فإنه لا مناص "ولا بد من التنبيه على" ما هو "اصطلاح العلماء فيه" أي النسخ، وما الذي يطلقونه عليه. وهذا ما تتضمنه المسألة الموالية.

стр. 692

" المسألة الثالثة " ١٧٤٩ - النَّسْخُ عِنْدَ الْمُتَّقَدِّمِينَا … يَعُمُّ كُلَّ مَا اقْتَضَى تَبْيِينَا ١٧٥٠ - مِنَ الْعُمُومَاتِ وَالإِطْلَاقَاتِ … وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُبَيَّنَاتِ ١٧٥١ - لِلاشْتِرَاكِ أَنَّ مَعْنَى الأَوَّلِ … مَعْ مَا اقْتَضَاهُ الثَّانِ غَيْرُ مُعْمَلِ " المسألة الثالثة" وهي: المعقودة لهذا الأمر. وبيان ذلك: أن لفظ "النسخ عند المتقدمينا" - الألف للإطلاق - من أهل العلم "يعم" معناه "كل ما اقتضى" وأفاد "تبيينا" لمدلول دليل شرعي ما كان، فإن كان "من" الأدلة التي قامت بها "العمومات" فإنهم يطلقون على تخصيصها نسخا "و" إن كان من الأدلة التي قامت بها "الإطلاقات" فإنهم يطلقون على تقييدها نسخا، "و" هكذا شأن "غيرها من" النصوص "المبيِّنات" - بفتح الياء - والموضحات بغيرها من الأدلة، فبيان المجمل - أيضا - يطلقون عليه النسخ، كما يطلقونه على ما يطلقه عليه المتأخرون، وهو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، وإنما أطلقوا على ذلك لفظ النسخ "لـ"ـوجود "الاشتراك" بين هذه الجزئيات كلها في "أن معنى" الدليل "الأول" عاما كان أو مطلقا أو مجملا أو منسوخا "مع" اعتبار "ما اقتضاه" ودل عليه الدليل "الثان" خاصا كان أو مقيدا أو مبينا، أو ناسخا "غير معمل" بل هو ملغى بالكلية كما في المنسوخ، أو ملغي ظاهره كما في العام، والمطلق والمجمل، فالمعمول به إذن إنما هو الدليل الثاني، وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ والمنسوخ إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد (١).

стр. 693

١٧٣٢ - وَكَمْ بِذَا الْبَابِ لَهُمْ مِنْ مَسْأَلَهْ … لَيْسَتْ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ بِمُشْكِلَهْ ١٧٣٣ - مِنْ مُقْتَضٍ لِلنَّسْخِ بِالأَخْبَارِ … وَالنَّسْخُ فِيهَا وَهْوَ غَيْرُ جَارِ " وكم" - للتكثير - "بذا" أي هذا "الباب" وهو إطلاق النسخ على ما ذكر "لهم" أي لهؤلاء المتقدمين "من مسألة" ساروا فيها على هذا وهي "ليست" من حيث فهم مقصدهم فيها بناء "على" مقتضى "اصطلاحهم" هذا "بمشكلة" بل هي واضحة مستبانة. وكم "من" قول صادر عنهم وهو "مقتض" من جهة دلالته اللفظية، ومفيد "لـ"ـوقوع "النسخ بالأخبار" - جمع خبر وهو - هنا - ما ليس إنشاء "و" كذلك لـ"النسخ فيها وهو" أي النسخ "غير جار" فيها، لأن الأخبار لا تنسخ ولا تنسخ. ومن ذلك قول ابن عباس في قوله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسرَاء: ١٨]: إنه ناسخ لقوله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشّورى: ٢٠] وهو على هذا التحقيق تقييد لمطلق، إذ كان قوله - تعالى -: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشّورى: ٢٠] مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة، وهو قوله - تعالى - في الأخرى ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسرَاء: ١٨] وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ. وقال في قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٢٦] هو منسوخ بقوله - تعالى -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٢٧] الآية، قال مكي: وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء أنه قال: منسوخ، قال: وهو مجاز لا حقيقة لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه، بينه حرف الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول، والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه، وهو بغير حرف، هذا ما قال، ومعنى ذلك أنه تخصيص للعموم قبله، ولكن أطلق عليه لفظ النسخ؛ إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص. وقال في قوله - تعالى -: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] إنه منسوخ بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النُّور: ٢٩] الآية، وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، غير أن قوله - تعالى -:

стр. 694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النُّور: ٦١] يثبت أن البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة. وقال في قوله: إنه منسوخ بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التّوبَة: ٤١] إنه منسوخ بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التّوبَة: ١٢٢] والآيتان في معنيين، ولكنه نبه على أن الحكم بعد غزوة تبوك أن لا يجب النفير على الجميع. وقال في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفَال: ١] إنه منسوخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفَال: ٤١] وإنما ذلك بيان لمبهم في قوله: ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٢]. وقال في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ٦٩]: إنه منسوخ بقوله - تعالى -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ [النِّسَاء: ١٤٠] الآية، وآية الأنعام خبر من الأخبار والأخبار لا تنسخ ولا تُنسخ. وقال في قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء:٨] لآية، إنه منسوخ بآية المواريث. وقال في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]: إنه منسوخ بقوله - تعالى -: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النُّور: ٦٠] الآية. وليس بنسخ إنما هو تخصيص لما تقدم من العموم. وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المَائدة: ٥] إنه ناسخ بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعَام: ١٢١] فإن كان المراد أن طعام أهل الكتاب حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه فهو تخصيص للعموم وإن كان المراد أن طعامهم حلال بشرط التسمية فهو أيضا من باب التخصيص لكن آية الأنعام هي آية العموم المخصوص في الوجه الأول وفي الثاني بالعكس. وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفَال: ١٦] إنه منسوخ بقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفَال: ٦٥] إلى آخر الآيتين وإنما هو تخصيص وبيان لقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ﴾ [الأنفَال: ١٦] فكأنه على معنى ومن يولهم

стр. 695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكانوا مثلي عدد المؤمنين فلا تعارض ولا نسخ بالإطلاق الأخير وقال في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤] إنه منسوخ بالنهي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وهذا من باب تخصيص العموم. وقال وهب بن منبه في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشّورى: ٥] نسختها الآية التي في غافر: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غَافر: ٧] وهذا معناه أن آية غافر مبينة لآية الشورى إذ هو خبر محض، والأخبار لا نسخ فيها، وقال ابن النحاس. هذا لا يقع فيه ناسخ ولا منسوخ؛ لأنه خبر من الله، ولكن يجوز أن يكون وهب بن منبه أراد أن هذه الآية على نسخة تلك الآية، لا فرق بينهما، يعني أنهما بمعنى واحد وإحداهما تبين الأخرى، قال: وكذا يجب أن يتأول للعلماء، ولا يتأولوا عليهم الخطأ العظيم، إذا كان لما قالوه وجه، قال: والدليل على ما قلناه ما حدثناه أحمد بن محمد ثم أسند عن قتادة في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] قال: للمؤمنين منهم. وعن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبَة: ٣٤] الآية، منسوخ بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبَة: ١٠٣] وإنما هو بيان لما يسمى كنزا، وأن المال إذا أديت زكاته لا يسمى كنزًا، وبقي ما لم يزك داخلًا تحت التسمية، فليس من النسخ في شيء. وقال قتادة في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢] إنه منسوخ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغَابُن: ١٦] وقاله الربيع بن أنس والسدي وابن زيد وهذا من الطراز المذكور، لأن الآيتين مدنيتان، ولم تنزلا إلا بعد تقرير أن الدين لا حرج فيه، وأن التكليف بما لا يستطاع مرفوع فصار معنى قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢] فيما استطعتم وهو معنى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغَابُن: ١٦] فإنما أرادوا بالنسخ أن إطلاق سورة آل عمران مقيد بسورة التغابن. وقال قتادة أيضا في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨] إنه نسخ من ذلك التي لم يدخل بها بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزَاب: ٤٩] والتي يئست من المحيض والتي لم تحض بعد والحامل بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطّلَاق: ٤] إلى قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٤].

стр. 696

١٧٥٤ - فَرَاعِهِ حَيْثُ وَجَدْتَ ذَلِكَا … تَصِلْ لِمَا تَطْلُبُهُ هُنَالِكَا " المسألة الرابعة " ١٧٥٥ - وَجُمْلَةُ الْمَقَاصِدِ الْكُلِّيَهْ … مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّهْ وقال عبد الملك بن حبيب في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير: ٢٨] إن ذلك منسوخ بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩] وهذه الآية إنما جاءت في معرض التهديد والوعيد وهو معنى لا يصح نسخه فالمراد أن إسناد المشيئة للعباد ليس على ظاهره بل هي مقيدة بمشيئة الله سبحانه. وقال في قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨] إنه منسوخ بقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] الآية وهذا من الأخبار التي لا يصح نسخها والمقصود أن عموم الأعراب مخصوص بمن كفر دون من آمن (١). والأمثلة - هنا - كثيرة، وهي توضح لك أن مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ظاهره إشكال وإبهام لمعنى غير مقصود للشارع، فهذا هو ما اصطلحوا على إطلاق هذا اللفظ - النسخ - عليه "فراعه" وتنبه له "حيث" أي في أي موضع "وجدت ذلكا" - الألف للإطلاق - وهو لفظ النسخ في كلامهم "تصل لما تطلبه" من المعنى الصحيح "هنالكا" - الألف للإطلاق -. وبهذا يعلم أن النسخ عند المتقدمين أعم مما يطلقه عليه الأصوليون ومتأخرو الفقهاء. "المسألة الرابعة" في أن النسخ لا يقع في الكليات. "و" بيان ذلك أن "جملة" أي كل "المقاصد" الشرعية "الكلية" العامة "من" - بيانية - "الضروريات والحاجية".

стр. 697

١٧٥٦ - لَمْ يَرِدِ النَّسْخُ بِهَا وَلَا وَقَعْ … وَمِثْلُ ذَاكَ مَا لِتَحْسِينٍ يَقَعْ ١٧٥٧ - وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي فُرُوعِ … جُزْئِيَّةِ الأَحْكَامِ فِي الْمَشْرُوعِ ١٧٥٨ - وَالرَّفْعُ لِلْجُزْئِيِّ لَا يَسْتَلْزِمُهْ … إِزَالَةُ الْجِنْسِ الذِي يَنْتَظِمُهْ ١٧٥٩ - وَقَدْ مَضَى مِنْ قَبْلُ فِي الْخَمْسِ الأُوَلْ … شُمُولُهَا بِالْحِفْظِ فِي كُلِّ الْمِلَلْ ١٧٦٠ - وَهَكَذَا الأمْرُ لَدَى التَّبْيِينِ … فِي أَصْلَيِ الْحَاجِي وَالتَّحْسِينِي ١٧٦١ - وَكَمْ يُرَى لِذَاكَ مِنْ دَلِيلِ … مُسْتَوْضَحٍ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ " لم يرد" أي لم يجئ "النسخ بها" - الباء بمعنى في - أي فيها "ولا وقع" فيها - هذا من باب عطف المرادف، أو المبين - "ومثل ذاك" وهو عدم النسخ هو "ما" يحصل "لـ"ــما هو من المقاصد منسوب لـ"تحسين" فيطلق عليه لفظ التحسيني، وهذا ما "يقع" له، ويجري فيه، فالتحسينيات لا يدخله - أيضا - النسخ. "و" ذلك أن النسخ "إنما وقع" وحصل "في فروع جزئية الأحكام" أي مخصوصة بأمور مفردة معينة "في المشروع" يعني في الشريعة "والرفع" والإزالة "للجزئي" من الأحكام "لا يستلزمه" أي لا يستلزم ولا يوجبه "إزالة" ورفع "الجنس" وهو الأصل الكلي "الذي ينتظمه" أي يجمعه هو وغيره من الجزئيات، وكون الجزئي لا يؤثر إسقاطه واستثناؤه في كليه، أمر بين، وقد تقدم تقريره، في "كتاب المقاصد"، ثم إن نسخ جزئية ما قد يكون بوجه آخر مدخلا لها تحت كلي آخر مما تقوم عليه بنية الشريعة، وهذا يعود بالحفظ على ما وجب حفظه بهذه الشريعة، وتحصيل ما قصد بها من المقاصد. "وقد مضى" في صدر "كتاب المقاصد" "من قبل في "مجرى الكلام على الضروريات "الخمس الأول" المقدمة في الكلام وفي منزلتها "شمولها" وإحاطتها "بالحفظ في كل الملل" والشرائع الماضية وإن اختلفت أوجه الحفظ بسبب حال كل أمة، وهذه الخمس هي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل "وهكذا الأمر" أيضا "لدى" أي عند حصول "التبيين" الذي يؤخذ من الأدلة الشرعية "في" شأن "أصلي الحاجي والتحسيني" - في هذا إضافة العام إلى الخاص - يعني في الأصلين الآخرين اللذين هما الحاجي، والتحسيني، فإنهما على ما يبدوا مراعى حفظها في الملل والشرائع الماضية "وكم" للتكثير "يرى" أي يبصر "لـ" ثبوت "ذاك" وصحته "من دليل مستوضح" يعني واضحا بينا قد ورد "في محكم التنزيل" أي القرءان الكريم، وذلك

стр. 698

١٧٦٢ - كَقَوْلِهِ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ … إِلَى نُصُوصٍ غَيْرِهِ لَا تَشْتَبِهْ ١٧٦٣ - فَإذْ وكَانَتِ الأُصُولُ الأُوَلُ … ثَابِتَةً لَمْ تَنْتَسِخْهَا الْمِلَلُ " كقوله" سبحانه بعد ذكر كثير من الأنبياء ﵈: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] "إلى نصوص غيره" أي غير هذا النص، وهي "لا تشتبه" في دلالتها على هذا الأمر ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء ﵈: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] الآية، وكثير من الآيات أخبر فيها بأحكام كلية كانت في الشرائع المتقدمة وهي في شريعتنا، ولا فرق بينهما، وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال في قصة موسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤] وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] الآيات في منع الإنفاق وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى سائر ما في ذلك من معاني الضروريات وكذلك الحاجيات فإنا نعلم أنهم لم يكلفوا بما لا يطاق هذا وإن كانوا قد كلفوا بأمور شاقة فذلك لا يرفع أصل اعتبار الحاجيات ومثل ذلك التحسينيات فقد قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] يقتضي بظاهره دخول محاسن العادات من الصبر على الأذى والدفع بالتي هي أحسن وغير ذلك. وأما قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فإنه يصدق على الفروع الجزئية وبه تجتمع معاني الآيات والأخبار (١). "فـ "ــتقرر بهذا أن هذه الكليات مراعى حفظها في كل الشرائع والملل و "إذا" تقرر هذا وثبت "وكانت الأصول الأول" المذكورة "ثابتة" على الدوام "لم تنتسخها" أي لم تزلها "الملل" يعني لم يزل اعتبار حفظها ومراعاته بتغير

стр. 699

١٧٦٤ - مَعَ وُقُوعِ النَّسْخِ ذَاكَ أَوْلَى … فِي مِلَّةٍ تَأْصِيلُهَا اسْتَقَلَّا " الفصل الثالث" فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَفِيهِ مَسَائِلُ " المسألة الأولى " ١٧٦٥ - أَلأمْرُ يَسْتَلْزِمُ وَالنَّهْيُ مَعَا … إِرَادَةً وَطَلَبًا مُتَّبَعَا ١٧٦٦ - وَذَاكَ فِي الأمْرِ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ مَعْ … إِرَادَةِ الإِيقَاعِ حَيْثُمَا وَقَعْ الملل وتعاقب الشرائع المختلفة في تفاصيل أحوالها "مع وقوع النسخ" لتلك الشرائع والملل، فإن حصول "ذاك وهو ثبوت تلك الأصول ومراعاة حفظها - "أولى" وأحق أن يكون "في ملة" واحدة - كملة الإسلام - "تأصيلها" أي وضع أصولها وقواعدها "استقلا" - الألف للإطلاق - وانفرد عن غيره. "الفصل الثالث" من الفصول الخمسة المعقودة في ذكر عوارض الأدلة وهو موضوع لذكر ما يعرض "في الأوامر" جمع أمر وقد جمعه باعتبار تعدد أحواله "والنواهي" جمع نهي وقد جمعه باعتبار تعدد أحواله كذلك "وفيه" أي هذا الفصل تورد "مسائل" وهي ثماني عشرة مسألة. في أن الأمر والنهي يستلزمان الإرادة والطلب. "المسألة الأولى" وبيان ذلك أن "الأمر" الموضوع له صيغة "إفعل" "يستلزم" بمقتضى ماهيته النفسية "والنهي" الموضوع له صيغة "لا تفعل" فإنه - أيضا - يستلزم بماهيته النفسية، - يعني أنهما "معا" يستلزمان - "إرادة" تشريعية "وطلبا" من الشارع "متبعا" باعتباره أمرا شرعيا - وقد يكون قوله: "متبعا" هذا ذكره لتتميم البيت فقط لكونه مستغنى عنه في المعنى. "و" المراد بـ "ذاك" وهو الإرادة والطلب "في الأمر" هو "اقتضاء الفعل" المأمور به أي طلب إدخاله إلى الوجود "مع إرادة الإيقاع" له "حيثما" أي في أي موضع "وقع" وحصل ورود ذاك الأمر سواء ورد في موضع عبادي أو غيره.

стр. 700

١٧٦٧ - وَالنَّهْيُ لاقْتِضَاء تَرْكٍ دَاعِ … مَعَ إِرَادَةِ انْتِفَا الإِيقَاعِ ١٧٦٨ - وَمَعَ ذَا فَفِعْلُ مَأْمُورٍ بِهِ … مُسْتَلْزَمٌ كَتَرْكِ مَا عَنْهُ نُهِي ١٧٦٩ - إِرَادَةٌ بِهَا وُقُوعُ مَا ذُكِرْ … أَوْ عَدَمُ الْوُقُوعِ عَنْهَا يَسْتَقِرْ ١٧٧٠ - وَمِنْ بَيَانِ مُقْتَضَى الإِرَادَهْ … تَكْمُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الإِفَادَهْ " و" أما "النهي" فإنهما أي - الإرادة والطلب - فيه "لاقتضاء" أي استدعاء وطلب "ترك" يعني كف كل "داع" نفسي لذلك المنهي عنه - يعني كف النفس عن المنهي، وتركه - "مع إرادة انتفاء" "الإيقاع" لذلك المنهي عنه. نعم من المعلوم أن الأصوليين اختلفوا في المطلوب بالنهي فذهب الجمهور إلى أن المطلوب به هو فعل ضد المنهي عنه. وذهب السبكيان - تاج الدين ووالده - إلى أن المطلوب به هو الانتهاء عن المنهي عنه وأما أبو هاشم والغزالي ومن وافقهما من المتكلمين فقد ذهبوا إلى أن المطلوب به هو الانتفاء للمنهي عنه - بمعنى إغفال الفعل (١). وقد وافق المصنف - الشاطبي - ما عليه السبكيان في هذه المسألة على ما دل عليه ظاهر كلامه. "ومع ذا" الذي تقدم أن الأمر والنهي يستلزمانه "فـ"ــإن "فعل" ما هو "مأمور به مستلزم" أو متضمن - "كترك ما عنه نهي" - وطلب الكف عنه "إرادة" يعني إيجادها من المكلف، يعني أن الأمر والنهي كما يستلزمان الإرادة والطلب التشريعيين، فإنهما يستلزمان - أيضا - طلب إيجاد إرادة من المكلف "بها وقوع" وحصول "ما ذكر" من الفعل والترك "أو عدم الوقوع" لهما إذ "عنها" يترتب وقوع ذلك أو عدمه و "يستقر" ويحصل. "و" إذا تقرر هذا فإنه لابد "من بيان مقتضى" ومعنى "الإرادة" في الشريعة إذ بذلك "تكمل" وتتم "في" هذه "المسألة الإفادة" المطلوبة.

стр. 701

١٧٧١ - فَهْيَ بِمَعْنَيَيْنِ شَرْعًا تَثْبُتُ … الأوَّلُ الإِرَادَةُ الْخَلْقِيَّةُ ١٧٧٢ - إِرَادَةُ التَّكْوِينِ مَعْنَاهُ يُفِيدْ … فِي مِثْلِ مَا كَقَوْلهِ فَمَنْ يُرِدْ ١٧٧٣ - وَهْيَ التِي الْمَعْنَى بِهَا تَعَلَّقَا … بِكُلِّ مَا هُوَ مُرَادٌ مُطْلَقَا ١٧٧٤ - فَمَا أَرَادَ اللهُ كَوْنَهُ بَدَا … وَلَا يُرَى مَا لَمْ يُرِدْهُ أَبَدا ١٧٧٥ - وَهَذِهِ النَّهْيُ كَالأمْرِ لَا يُرَى … مُسْتَلْزِمًا لَهَا بِحَيْثُ مَا جَرَى ١٧٧٦ - فَنَهْيُهُ عَمَّا يُرِيدُ قَدْ يَقَعْ … وَأَمْرُهُ فِي الْعَكْسِ مِنْهُ مَا امْتَنَعْ " فهي" أي الإرادة المذكورة "بمعنيين" - الباء بمعنى اللام - أي لمعنيين "شرعا تثبت" يعني ثبتت ووردت المعنى "الأول" منها هو "الإرادة الخلقية" - بفتح الخاء وسكون اللام - القدرية. وهذا "إرادة التكوين" والإيجاد "معناه يفيد" ويقتضي في كل موضع ورد فيه لفظ الإرادة لهذا المعنى كما "في مثل ما" - زائدة - أو بمعنى الذي أي الذي هو من النصوص الشرعية "كقوله" تعالى: ﴿"فَمَنْ يُرِدِ" اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقوله - تعالى - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وقوله - سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]- وغير ذلك من النصوص الشرعية التي ورد فيها لفظ الإرادة بهذا المعنى. "و" هذه الإرادة "هي التي المعنى" المراد "بها تعلقا" - الألف للإطلاق - أي ارتبط "بكل ما هو مراد" لله - تعالى - "مطلقا" سواء كان وصفه الإعدام أو الإيجاد "فما أراد الله" "كونه" وحصوله "بدا" وظهر في الوجود "ولا يرى" بل لا يوجد "ما لم يرده" يعني ما لا يريده، "أبدا" ولا سبيل إلى وجوده وحصوله على الإطلاق "وهذه" الإرادة "النهي كالأمر" في كونها "لا يرى" يعني: لا يوجد أي منهما "مستلزما" أو متضمنا "لها" في كل محل ورد و"بحيث ما" أي في كل موضع "جرى" وأتى "فنهيه" سبحانه "عما يريد" وقوعه إرادة تكوين "قد يقع و" يحصل كما في نهي أبي جهل عن الكفر وكذلك "أمره" تعالى - أيضًا - قد يرد "في العكس" - في بمعنى الباء - أي بالعكس من النهي المذكور فقد يأمر - تعالى - بأمر، وهو يريد إرادة تكوين أن لا يكون إذ "منه" أي مما يأمر به "ما" قد "امتنع" وقوعه وجوده بإرادته - تعالى - كما في الأمر بإيمان من علم - سبحانه - أنه لن يؤمن.

стр. 702

١٧٧٧ - ثَانِيهِمَا الإِرَادَةُ الأَمْرِيَّةْ … إِرَادَةُ التَّكْلِيفِ وَالشَّرْعِيَّهْ ١٧٧٨ - وَحَيْثُمَا جَرَى بِذَا الْكِتَابِ … ذِكْرُ لِقَصْدِ الشَّرْعِ فِي الأبْوَابِ ١٧٧٩ - فَإِنَّهُ لِمُقْتَضَاهَا يُطْلَقُ … وَهْيَ الإِرَادَةُ التِي تُعَلَّقُ ١٧٨٠ - بِطَلَبِ الإِيقَاعِ لِلْمَأْمُورِ … وَعَدَمِ الإِيقَاعِ لِلْمَحْظُورِ ١٧٨١ - وَهْيَ بِمَعْنَى الْحُبِّ أَوْ مَعْنَى الرِّضَا … وَالاقْتِضَا اسْتَلْزَمَهَا كَمَا مَضَى ١٧٨٢ - وَمَا يُرَادُ فَهْوَ مَأْمُورٌ بِهِ … وَغَيْرُ مَا يُرَادُ عَنْهُ قَدْ نُهِى ١٧٨٣ - فَاللهُ إِذْ أَمَرَ بِالْعِبَادَهْ … تَعَلَّقَتْ بِأَمْرِهِ الإِرَادَهْ ١٧٨٤ - إِرَادَةُ التَّكْلِيفِ حَيْثُ الاقْتِضَا … إِلْزَامُ مَنْ كُلِّفَ حُكْمَ مَا اقْتَضَا " وثانيهما" أي المعنيين هو "الإرادة الأمرية" وهي "إرادة التكليف" للعباد وهي - أيضا - "الشرعية" أو التشريعية "وحيثما" أي في أي موضع "جرى" وورد "بذا" أي في هذا "الكتاب" أي الموافقات، وكذلك هذه المنظومة - "ذكر لـ" - لفظ "قصد الشرع" وما تصرف منه "في" جميع "الأبواب" الواردة فيه "فإنه" أي لفظ القصد وما تصرف منه "لمقتضاها" - اللام بمعنى على - أي على مقتضى هذه الإرادة الأمرية التشريعية ومعناها "يطلق" وإليها ينصرف معناه على الدوام، "و" هذه الإرادة "هي الإرادة التي تعلق" - أصله تتعلق فحذفت إحدى التاءين للتخفيف - من جهة مقتضاها ومعناها "بطلب" واستدعاء "الإيقاع للمأمور" به "و" طلب "عدم الإيقاع" والإيجاد "للمحظور" أي المنهي عنه "و" هذه الإرادة "هي بمعنى الحب" أي حب الشارع فعل ما أمر به، أن يفعله من أمر به "أو "هي بـ "معنى" "الرضا" من الشارع لما أمر به ولفعل من أمر به، من حيث إنه مأمور به، وكذلك النهي فإن الشارع يحب ترك المنهي عنه ويرضاه "والاقتضا"ء المذكور "استلزمها كما" تقدم و "مضى" ذكره. "و" لذلك فإن كل "ما يراد" إرادة تكليف وتشريع هذه "فهو مأمور به" شرعا "و" أما "غير ما يراد" هذه الإرادة فإنه "عنه قد نهى" شرعا "فالله" "إذ أمر" عباده "بالعبادة" فإنه قد "تعلقت بأمره" سبحانه هذه "الإرادة" التي هي "إرادة التكليف" للعباد وذلك من "حيث" أي جهة "الاقتضاء" يعني من حيث اقتضاء واستلزام الأمر لها، إذ حقيقته - أي الأمر - "إلزام من كلف" من الخلق "حكم ما" من المأمور به "اقتضا"ــه ذلك

стр. 703

١٧٨٥ - فَهْوَ لَهَا مُسْتَلْزِمٌ وَإِلَّا … لَمْ يَكُ إِلْزَامًا لِذَاكَ أَصْلَا ١٧٨٦ - لَكِنْ أَعَانَ اللهُ أَهْلَ الطَّاعَهْ … فَفَعَلُوا بِجَعْلِ الاسْتِطَاعَهْ ١٧٨٧ - وَلَمْ يُعِنْ مُرْتَكِبِي الْعِصْيَانِ … فَتَرَكُوا الطَّاعَةَ بِالْخِذْلَانِ ١٧٨٨ - وَفِعْلُ هَؤُلَا وَتَرْكُ هَؤُلَا … مَعًا مُرَادُ اللهِ جَلَّ وَعَلَا ١٧٨٩ - بِمُقْتَضَى إِرَادَةِ التَّكْوِينِ … وَكَمْ لِرَعْيِ الْفَرْقِ مِنْ تَبْيِينِ الأمر وأوجبه، وبذلك "فهو" أي الأمر متضمن "لها" أي للإرادة هذه و "مستلزم" لها "وإلا" فإنه - أي الأمر في الحقيقة "لم يك إلزاما لذاك" الفعل أو الترك "أصلا" ولا تصور له معنى مفهوم في واقع الأمر. وأيضا فإنه لا يمكن مع ذلك أن يريد - أي الشارع - الإلزام مع العرو عن إيقاع الملزم به على المعنى المذكور "لكن أعان الله" "أهل الطاعة" ووفقهم لامتثال أوامره واجتناب نواهيه "ففعلوا" ذلك كله "بجعلـ"ــه وخلقه "الاستطاعة" فيهم على ذلك، فكان مريدا لوقوع الطاعة منهم، فوقعت على وفق إرادته بالمعنى الأول، "ولم يعن" سبحانه "مرتكبي" ومقترفي "العصيان" والذنوب "فتركوا الطاعة" لله ولرسوله ﷺ "بالخذلان" وترك الإعانة لهم منه - تعالى - وهذا بمقتضى إرادته بالمعنى الأول، "وفعل هؤلاء" المطيعين لما أمروا به "وترك هؤلا"ء العاصين لما أمروا به كلاهما "معا مراد الله جل وعلا" وذلك "بمقتضى إرادة التكوين" والخلق التي تقدم بيانها. وكما وردت الإرادة في النصوص الشرعية بالمعنى الأول وردت فيها - أيضا - بالمعنى الثاني، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله - سبحانه -: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] وقوله - تعالى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨] وقوله - سبحانه -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] وقوله - جلت قدرته -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وغير ذلك مما هو من صنف هذه الآيات. والفرق بين هاتين الإرادتين أمر يجب التنبه له "وكم لرعي" هذا "الفرق" واعتباره "من تبيين" وتوضيح للنصوص التي وردت فيه فأشكل معناهما فيها.

стр. 704

١٧٩٠ - وَالتَّرْكُ لاعْتِبَارِ شَأْنِهِ اقْتَضَى … أَنْ أَوْقَعَ اللُّبْسَ لِبَعْضِ مَنْ مَضَى " المسألة الثانية " ١٧٩١ - الأَمْرُ بِالْمُطْلَقِ فِي الْمَوَاقِعِ … مُسْتَلْزِمٌ حَتْمًا لِقَصْدِ الشَّارعِ ١٧٩٢ - فِيهِ إِلَى إِيقَاعِهِ وَالنَّهْيُ فِي … قَصْدِ انْتِفَا الإِيقَاعِ الأَمْرَ يَقْتَفِي " والترك لاعتبار شأنه" أي هذا الفرق وعدم استحضار مفاده "اقتضى" واستدعى "أن أوقع" وأوجب "اللبس" وخفاء المعنى المراد "لبعض من مضى" من أهل العلم. وقوله - أي الناظم - "أن أوقع" هكذا في النسخة التي بيدي، ولو قال "أن وقع" لكان أحسن وأوضح والله تعالى - أعلم. قال الشاطبي: ولأجل عدم التنبه للفرق بين الإرادتين وقع الغلط في المسألة فربما نفى بعض الناس الإرادة عن الأمر والنهي مطلقا وربما نفاها بعضهم عما لم يؤمر به مطلقا وأثبتها في الأمر مطلقا ومن عرف الفرق بين الموضعين لم يلتبس عليه شيء من ذلك وحاصل الإرادة الأمرية أنها إرادة التشريع ولا بد من إثباتها بإطلاق والإرادة القدرية هي إرادة التكوين فإذا رأيت في هذا التقييد إطلاق لفظ القصد وإضافته إلى الشارع فإلى معنى الإرادة التشريعية أشير وهي أيضا إرادة التكليف وهو شهير في علم الأصوليين أن يقولوا إرادة التكوين ويعنون بالمعنى الثاني الذي يجري ذكره بلفظ القصد في هذا الكتاب ولا مشاحة في الاصطلاح (١). "المسألة الثانية" في أن الأمر بالفعل المطلق يستلزم قصد الشارع إلى إيقاعه، كما أن النهي عنه يستلزم قصده لترك إيقاعه. وبيان ذلك أن "الأمر" الشرعي "بـ" الفعل "المطلق" نحو بع، وصل "في المواقع" والمواضع التي ورد فيها "مستلزم" بمقتضى ماهيته الشرعية "حتما" ووجوبا "لقصد الشارع فيه" أي في ذلك الأمر - وقد تكون في - هنا - بمعنى الباء أي به "إلى إيقاعه" وإيجاده. وقوله: "المطلق" قد يكون وصفا قصد به بيان الحال باعتبار الأصل وهذا هو الظاهر فيه، لأن الأوامر الشرعية الأصل فيها هو الإطلاق نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠]. "و" كذلك "النهي" فإنه "في قصد" الشارع "انتفا الإيقاع" للمنهي عنه وبذلك فإنه يتبع "الأمر" في صفة الاستلزام هذه، وإياه "يقتفي" في ذلك، وإن

стр. 705

١٧٩٣ - أَوْ لَازِمٌ أَنْ لَا يَكُونَ الأمْرُ … أَمْرًا وَذَا فِي النَّهْيِ يَسْتَمِرُّ كان كل واحد منهما يستلزم نقيض ما يستلزمه الآخر - كما ترى -. وذلك أن معنى الأمر والنهي اقتضاء الفعل واقتضاء الترك، ومعنى الاقتضاء الطلب، والطلب يستلزم مطلوبا والقصد لإيقاع ذلك المطلوب، ولا معنى للطلب إلا هذا. ثم إن الطلب في هذا الشأن لا يخلو من أن يصار في أمره إلى أنه يستلزم القصد لإيقاع المطلوب، "أو" لا، فإن صير إلى أنه يستلزمه فالأمر بين منتظم على الوجه المتقدم، وإن صير إلى أنه لا يستلزمه فإنه يرد على ذلك "لازم" وهو "أن لا يكون الأمر أمرا" لأنه - كما تقدم - لا معنى للأمر إلا اقتضاء الفعل، والاقتضاء معناه الطلب، والطلب يستلزم مطلوبا والقصد إلى إيقاع ذلك المطلوب ولا معنى للطلب إلا هذا. "وذا" كما يقال في الأمر يقال "في النهي" أيضا وهو "يستمر" جريانه فيه، فلا ينفك عنه، كما تقدم في الأمر، فلو تصور طلب لا يستلزم القصد لإيقاع المطلوب لأمكن أن يرد أمر مع القصد لعدم إيقاع المأمور به وأن يرد نهي مع القصد لإيقاع المنهي عنه وبذلك لا يكون الأمر أمرا ولا النهي نهيا هذا خلف ولصح انقلاب الأمر نهيا وبالعكس ولأمكن أن يوجد أمر أو نهي من غير قصد إلى إيقاع فعل أو عدمه فيكون المأمور به أو المنهى عنه مباحا أو مسكوتا عن حكمه وهذا كله محال. والثالث أن الأمر والنهي من غير قصد إلى إيقاع المأمور به وترك المنهى عنه هو كلام الساهي والنائم والمجنون ولذلك ليس بأمر ولا نهي باتفاق والأمر في هذا أوضح من أن يستدل عليه (١). فإن قيل إن هذا يلزم منه أن يكون التكليف بما لا يطاق - كإيمان أبي جهل - مقصودا إلى إيقاعه، والقصد إلى إيقاع ما لا يمكن وقوعه عبث، فيلزم أن يكون القصد إلى الأمر بما لا يطاف عبث، والعبث في أحكام الشرع محال، فكل ما يلزم عنه محال، وذلك استلزام القصد إلى الإيقاع بخلاف ما إذا قلنا أن الأمر لا يستلزم القصد إلى الإيقاع، فإنه لا يلزم منه محظور عقلي، فوجب القول به.
следующие страницы →