← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

١٧٧١ - فَهْيَ بِمَعْنَيَيْنِ شَرْعًا تَثْبُتُ … الأوَّلُ الإِرَادَةُ الْخَلْقِيَّةُ ١٧٧٢ - إِرَادَةُ التَّكْوِينِ مَعْنَاهُ يُفِيدْ … فِي مِثْلِ مَا كَقَوْلهِ فَمَنْ يُرِدْ ١٧٧٣ - وَهْيَ التِي الْمَعْنَى بِهَا تَعَلَّقَا … بِكُلِّ مَا هُوَ مُرَادٌ مُطْلَقَا ١٧٧٤ - فَمَا أَرَادَ اللهُ كَوْنَهُ بَدَا … وَلَا يُرَى مَا لَمْ يُرِدْهُ أَبَدا ١٧٧٥ - وَهَذِهِ النَّهْيُ كَالأمْرِ لَا يُرَى … مُسْتَلْزِمًا لَهَا بِحَيْثُ مَا جَرَى ١٧٧٦ - فَنَهْيُهُ عَمَّا يُرِيدُ قَدْ يَقَعْ … وَأَمْرُهُ فِي الْعَكْسِ مِنْهُ مَا امْتَنَعْ " فهي" أي الإرادة المذكورة "بمعنيين" - الباء بمعنى اللام - أي لمعنيين "شرعا تثبت" يعني ثبتت ووردت المعنى "الأول" منها هو "الإرادة الخلقية" - بفتح الخاء وسكون اللام - القدرية. وهذا "إرادة التكوين" والإيجاد "معناه يفيد" ويقتضي في كل موضع ورد فيه لفظ الإرادة لهذا المعنى كما "في مثل ما" - زائدة - أو بمعنى الذي أي الذي هو من النصوص الشرعية "كقوله" تعالى: ﴿"فَمَنْ يُرِدِ" اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقوله - تعالى - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وقوله - سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]- وغير ذلك من النصوص الشرعية التي ورد فيها لفظ الإرادة بهذا المعنى. "و" هذه الإرادة "هي التي المعنى" المراد "بها تعلقا" - الألف للإطلاق - أي ارتبط "بكل ما هو مراد" لله - تعالى - "مطلقا" سواء كان وصفه الإعدام أو الإيجاد "فما أراد الله" "كونه" وحصوله "بدا" وظهر في الوجود "ولا يرى" بل لا يوجد "ما لم يرده" يعني ما لا يريده، "أبدا" ولا سبيل إلى وجوده وحصوله على الإطلاق "وهذه" الإرادة "النهي كالأمر" في كونها "لا يرى" يعني: لا يوجد أي منهما "مستلزما" أو متضمنا "لها" في كل محل ورد و"بحيث ما" أي في كل موضع "جرى" وأتى "فنهيه" سبحانه "عما يريد" وقوعه إرادة تكوين "قد يقع و" يحصل كما في نهي أبي جهل عن الكفر وكذلك "أمره" تعالى - أيضًا - قد يرد "في العكس" - في بمعنى الباء - أي بالعكس من النهي المذكور فقد يأمر - تعالى - بأمر، وهو يريد إرادة تكوين أن لا يكون إذ "منه" أي مما يأمر به "ما" قد "امتنع" وقوعه وجوده بإرادته - تعالى - كما في الأمر بإيمان من علم - سبحانه - أنه لن يؤمن.

стр. 702

١٧٧٧ - ثَانِيهِمَا الإِرَادَةُ الأَمْرِيَّةْ … إِرَادَةُ التَّكْلِيفِ وَالشَّرْعِيَّهْ ١٧٧٨ - وَحَيْثُمَا جَرَى بِذَا الْكِتَابِ … ذِكْرُ لِقَصْدِ الشَّرْعِ فِي الأبْوَابِ ١٧٧٩ - فَإِنَّهُ لِمُقْتَضَاهَا يُطْلَقُ … وَهْيَ الإِرَادَةُ التِي تُعَلَّقُ ١٧٨٠ - بِطَلَبِ الإِيقَاعِ لِلْمَأْمُورِ … وَعَدَمِ الإِيقَاعِ لِلْمَحْظُورِ ١٧٨١ - وَهْيَ بِمَعْنَى الْحُبِّ أَوْ مَعْنَى الرِّضَا … وَالاقْتِضَا اسْتَلْزَمَهَا كَمَا مَضَى ١٧٨٢ - وَمَا يُرَادُ فَهْوَ مَأْمُورٌ بِهِ … وَغَيْرُ مَا يُرَادُ عَنْهُ قَدْ نُهِى ١٧٨٣ - فَاللهُ إِذْ أَمَرَ بِالْعِبَادَهْ … تَعَلَّقَتْ بِأَمْرِهِ الإِرَادَهْ ١٧٨٤ - إِرَادَةُ التَّكْلِيفِ حَيْثُ الاقْتِضَا … إِلْزَامُ مَنْ كُلِّفَ حُكْمَ مَا اقْتَضَا " وثانيهما" أي المعنيين هو "الإرادة الأمرية" وهي "إرادة التكليف" للعباد وهي - أيضا - "الشرعية" أو التشريعية "وحيثما" أي في أي موضع "جرى" وورد "بذا" أي في هذا "الكتاب" أي الموافقات، وكذلك هذه المنظومة - "ذكر لـ" - لفظ "قصد الشرع" وما تصرف منه "في" جميع "الأبواب" الواردة فيه "فإنه" أي لفظ القصد وما تصرف منه "لمقتضاها" - اللام بمعنى على - أي على مقتضى هذه الإرادة الأمرية التشريعية ومعناها "يطلق" وإليها ينصرف معناه على الدوام، "و" هذه الإرادة "هي الإرادة التي تعلق" - أصله تتعلق فحذفت إحدى التاءين للتخفيف - من جهة مقتضاها ومعناها "بطلب" واستدعاء "الإيقاع للمأمور" به "و" طلب "عدم الإيقاع" والإيجاد "للمحظور" أي المنهي عنه "و" هذه الإرادة "هي بمعنى الحب" أي حب الشارع فعل ما أمر به، أن يفعله من أمر به "أو "هي بـ "معنى" "الرضا" من الشارع لما أمر به ولفعل من أمر به، من حيث إنه مأمور به، وكذلك النهي فإن الشارع يحب ترك المنهي عنه ويرضاه "والاقتضا"ء المذكور "استلزمها كما" تقدم و "مضى" ذكره. "و" لذلك فإن كل "ما يراد" إرادة تكليف وتشريع هذه "فهو مأمور به" شرعا "و" أما "غير ما يراد" هذه الإرادة فإنه "عنه قد نهى" شرعا "فالله" "إذ أمر" عباده "بالعبادة" فإنه قد "تعلقت بأمره" سبحانه هذه "الإرادة" التي هي "إرادة التكليف" للعباد وذلك من "حيث" أي جهة "الاقتضاء" يعني من حيث اقتضاء واستلزام الأمر لها، إذ حقيقته - أي الأمر - "إلزام من كلف" من الخلق "حكم ما" من المأمور به "اقتضا"ــه ذلك

стр. 703

١٧٨٥ - فَهْوَ لَهَا مُسْتَلْزِمٌ وَإِلَّا … لَمْ يَكُ إِلْزَامًا لِذَاكَ أَصْلَا ١٧٨٦ - لَكِنْ أَعَانَ اللهُ أَهْلَ الطَّاعَهْ … فَفَعَلُوا بِجَعْلِ الاسْتِطَاعَهْ ١٧٨٧ - وَلَمْ يُعِنْ مُرْتَكِبِي الْعِصْيَانِ … فَتَرَكُوا الطَّاعَةَ بِالْخِذْلَانِ ١٧٨٨ - وَفِعْلُ هَؤُلَا وَتَرْكُ هَؤُلَا … مَعًا مُرَادُ اللهِ جَلَّ وَعَلَا ١٧٨٩ - بِمُقْتَضَى إِرَادَةِ التَّكْوِينِ … وَكَمْ لِرَعْيِ الْفَرْقِ مِنْ تَبْيِينِ الأمر وأوجبه، وبذلك "فهو" أي الأمر متضمن "لها" أي للإرادة هذه و "مستلزم" لها "وإلا" فإنه - أي الأمر في الحقيقة "لم يك إلزاما لذاك" الفعل أو الترك "أصلا" ولا تصور له معنى مفهوم في واقع الأمر. وأيضا فإنه لا يمكن مع ذلك أن يريد - أي الشارع - الإلزام مع العرو عن إيقاع الملزم به على المعنى المذكور "لكن أعان الله" "أهل الطاعة" ووفقهم لامتثال أوامره واجتناب نواهيه "ففعلوا" ذلك كله "بجعلـ"ــه وخلقه "الاستطاعة" فيهم على ذلك، فكان مريدا لوقوع الطاعة منهم، فوقعت على وفق إرادته بالمعنى الأول، "ولم يعن" سبحانه "مرتكبي" ومقترفي "العصيان" والذنوب "فتركوا الطاعة" لله ولرسوله ﷺ "بالخذلان" وترك الإعانة لهم منه - تعالى - وهذا بمقتضى إرادته بالمعنى الأول، "وفعل هؤلاء" المطيعين لما أمروا به "وترك هؤلا"ء العاصين لما أمروا به كلاهما "معا مراد الله جل وعلا" وذلك "بمقتضى إرادة التكوين" والخلق التي تقدم بيانها. وكما وردت الإرادة في النصوص الشرعية بالمعنى الأول وردت فيها - أيضا - بالمعنى الثاني، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله - سبحانه -: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] وقوله - تعالى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨] وقوله - سبحانه -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] وقوله - جلت قدرته -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وغير ذلك مما هو من صنف هذه الآيات. والفرق بين هاتين الإرادتين أمر يجب التنبه له "وكم لرعي" هذا "الفرق" واعتباره "من تبيين" وتوضيح للنصوص التي وردت فيه فأشكل معناهما فيها.

стр. 704

١٧٩٠ - وَالتَّرْكُ لاعْتِبَارِ شَأْنِهِ اقْتَضَى … أَنْ أَوْقَعَ اللُّبْسَ لِبَعْضِ مَنْ مَضَى " المسألة الثانية " ١٧٩١ - الأَمْرُ بِالْمُطْلَقِ فِي الْمَوَاقِعِ … مُسْتَلْزِمٌ حَتْمًا لِقَصْدِ الشَّارعِ ١٧٩٢ - فِيهِ إِلَى إِيقَاعِهِ وَالنَّهْيُ فِي … قَصْدِ انْتِفَا الإِيقَاعِ الأَمْرَ يَقْتَفِي " والترك لاعتبار شأنه" أي هذا الفرق وعدم استحضار مفاده "اقتضى" واستدعى "أن أوقع" وأوجب "اللبس" وخفاء المعنى المراد "لبعض من مضى" من أهل العلم. وقوله - أي الناظم - "أن أوقع" هكذا في النسخة التي بيدي، ولو قال "أن وقع" لكان أحسن وأوضح والله تعالى - أعلم. قال الشاطبي: ولأجل عدم التنبه للفرق بين الإرادتين وقع الغلط في المسألة فربما نفى بعض الناس الإرادة عن الأمر والنهي مطلقا وربما نفاها بعضهم عما لم يؤمر به مطلقا وأثبتها في الأمر مطلقا ومن عرف الفرق بين الموضعين لم يلتبس عليه شيء من ذلك وحاصل الإرادة الأمرية أنها إرادة التشريع ولا بد من إثباتها بإطلاق والإرادة القدرية هي إرادة التكوين فإذا رأيت في هذا التقييد إطلاق لفظ القصد وإضافته إلى الشارع فإلى معنى الإرادة التشريعية أشير وهي أيضا إرادة التكليف وهو شهير في علم الأصوليين أن يقولوا إرادة التكوين ويعنون بالمعنى الثاني الذي يجري ذكره بلفظ القصد في هذا الكتاب ولا مشاحة في الاصطلاح (١). "المسألة الثانية" في أن الأمر بالفعل المطلق يستلزم قصد الشارع إلى إيقاعه، كما أن النهي عنه يستلزم قصده لترك إيقاعه. وبيان ذلك أن "الأمر" الشرعي "بـ" الفعل "المطلق" نحو بع، وصل "في المواقع" والمواضع التي ورد فيها "مستلزم" بمقتضى ماهيته الشرعية "حتما" ووجوبا "لقصد الشارع فيه" أي في ذلك الأمر - وقد تكون في - هنا - بمعنى الباء أي به "إلى إيقاعه" وإيجاده. وقوله: "المطلق" قد يكون وصفا قصد به بيان الحال باعتبار الأصل وهذا هو الظاهر فيه، لأن الأوامر الشرعية الأصل فيها هو الإطلاق نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠]. "و" كذلك "النهي" فإنه "في قصد" الشارع "انتفا الإيقاع" للمنهي عنه وبذلك فإنه يتبع "الأمر" في صفة الاستلزام هذه، وإياه "يقتفي" في ذلك، وإن

стр. 705

١٧٩٣ - أَوْ لَازِمٌ أَنْ لَا يَكُونَ الأمْرُ … أَمْرًا وَذَا فِي النَّهْيِ يَسْتَمِرُّ كان كل واحد منهما يستلزم نقيض ما يستلزمه الآخر - كما ترى -. وذلك أن معنى الأمر والنهي اقتضاء الفعل واقتضاء الترك، ومعنى الاقتضاء الطلب، والطلب يستلزم مطلوبا والقصد لإيقاع ذلك المطلوب، ولا معنى للطلب إلا هذا. ثم إن الطلب في هذا الشأن لا يخلو من أن يصار في أمره إلى أنه يستلزم القصد لإيقاع المطلوب، "أو" لا، فإن صير إلى أنه يستلزمه فالأمر بين منتظم على الوجه المتقدم، وإن صير إلى أنه لا يستلزمه فإنه يرد على ذلك "لازم" وهو "أن لا يكون الأمر أمرا" لأنه - كما تقدم - لا معنى للأمر إلا اقتضاء الفعل، والاقتضاء معناه الطلب، والطلب يستلزم مطلوبا والقصد إلى إيقاع ذلك المطلوب ولا معنى للطلب إلا هذا. "وذا" كما يقال في الأمر يقال "في النهي" أيضا وهو "يستمر" جريانه فيه، فلا ينفك عنه، كما تقدم في الأمر، فلو تصور طلب لا يستلزم القصد لإيقاع المطلوب لأمكن أن يرد أمر مع القصد لعدم إيقاع المأمور به وأن يرد نهي مع القصد لإيقاع المنهي عنه وبذلك لا يكون الأمر أمرا ولا النهي نهيا هذا خلف ولصح انقلاب الأمر نهيا وبالعكس ولأمكن أن يوجد أمر أو نهي من غير قصد إلى إيقاع فعل أو عدمه فيكون المأمور به أو المنهى عنه مباحا أو مسكوتا عن حكمه وهذا كله محال. والثالث أن الأمر والنهي من غير قصد إلى إيقاع المأمور به وترك المنهى عنه هو كلام الساهي والنائم والمجنون ولذلك ليس بأمر ولا نهي باتفاق والأمر في هذا أوضح من أن يستدل عليه (١). فإن قيل إن هذا يلزم منه أن يكون التكليف بما لا يطاق - كإيمان أبي جهل - مقصودا إلى إيقاعه، والقصد إلى إيقاع ما لا يمكن وقوعه عبث، فيلزم أن يكون القصد إلى الأمر بما لا يطاف عبث، والعبث في أحكام الشرع محال، فكل ما يلزم عنه محال، وذلك استلزام القصد إلى الإيقاع بخلاف ما إذا قلنا أن الأمر لا يستلزم القصد إلى الإيقاع، فإنه لا يلزم منه محظور عقلي، فوجب القول به.

стр. 706

١٧٩٤ - وَطَلَبُ الْحُصُولِ وَالتَّحْصِيلِ … بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَدَى التَّفْصِيلِ ثم إن هذا يعتضد بوجهين آخرين: أحدهما: أن مثل هذا يلزم في السيد إذا أمر عبده بحضرة ملك قد توعد السيد على ضرب عبده زاعما أنه لا يطيعه وطلب تمهيد عذره بمشاهدة الملك فإنه يأمر العبد وهو غير قاصد لإيقاع المأمور به لأن القصد هنا يستلزم قصده لإهلاك نفسه وذلك لا يصدر من العقلاء فلم يصح أن يكون قاصدا وهو آمر وإذا لم يصح لم يلزم أن يكون كل آمر قاصدا للمأمور به وكذلك النهي حرفا بحرف وهو المطلوب. ثانيهما: أن هذا لازم في أمر التعجيز نحو ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] وفي أمر التهديد نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وما أشبه ذلك إذ معلوم أن المعجز والمهدد غير قاصد لإيقاع المأمور به في تلك الصيغة (١). فالجواب عن ذلك كله هو أن استدعاء "وطلب الحصول" والوقوع للشيء "و" طلب "التحصيل" له "بينهما فرق" بين "لدى" أي عند جريان "التفصيل" في شأنهما، وبذلك يقع الانفصال عن هذا الإشكال. وبيان ذلك: أن القصد إلى إيقاع ما لا يطاق لا بد منه ولا يلزم من القصد إلى ذلك حصوله إذ القصد إلى الأمر بالشيء لا يستلزم إرادة الشيء إلا على قول من يقول إن الأمر إرادة الفعل وهو رأي المعتزلة وأما الأشاعرة فالأمر عندهم غير مستلزم للإرادة وإلا وقعت المأمورات كلها وأيضا: لو فرض في تكليف ما لا يطاق عدم القصد إلى إيقاعه لم يكن تكليف ما لا يطاق لأن حقيقته إلزام فعل ما لا يقدر على فعله وإلزام الفعل هو القصد إلى أن يفعل أو لازم القصد إلى أن يفعل فإذا علم ذلك فلا تكليف به فهو طلب للتحصيل لا طلب للحصول وبينهما فرق واضح. وهكذا القول في جميع الأسئلة فإن السيد إذا أمر عبده فقد طلب منه أن يحصل ما أمر به ولم يطلب حصول ما أمره به وفرق بين طلب التحصيل وطلب الحصول (٢). وأما أمر التعجيز والتهديد وما جرى مجراهما كالأمر المراد به التهكم فإن ذلك كله ليس مما يعد من الأمر الحقيقي الذي كلامنا فيه وهو الأمر الموضوع للطلب. وفي هذا غنية عن مزيد كلام في هذا الموضوع.

стр. 707

" المسألة الثالثة " ١٧٩٥ - الأَمْرُ بِالْمُطْلَقِ لَنْ يَسْتَلْزِمَا … الأمْرَ بِالْمُقَيِّدَاتِ فَاعْلَمَا ١٧٩٦ - إِذْ ذَاكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَمْرَا … بِمُطْلَقٍ لَكِنَّهُ اسْتَقَرَّا ١٧٩٧ - وَلَازِمٌ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلَّفَا … بِغَيْرِ مَا يُطَاقُ وَالْمَنْعُ اكْتَفَا " المسألة الثالثة" في أن الأمر المعلق بالمطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد المعين المنطوي تحت ذلك المطلق. وبيان ذلك: أن "الأمر" بالفعل المعلق "بالمطلق" الدال على الماهية المجردة (١) "لن يستلزما" - الألف للإطلاق - يعني لا يستلزم بمقتضى دلالته "الأمر بـ" الجزئيات "المقيدات" المنطوية تحت ذلك المطلق باعتبار الوقوع في الخارج، إذ لا يقع فعل في الخارج إلا وهو مقيد بصورة معينة إلا أن الأمر المعلق بالمطلق لا يستلزم بدلالته وقوعه على شيء من ذلك. "فاعلما" - الألف بدل من نون التوكيد الخفيفة - ذلك، واتخذه قاعدة من قواعدك الفقهية والدليل على هذا - وهو أن الأمر المعلق بالمطلق لا يستلزم الجزئي المقيد المنطوي تحته - أمور: أحدها: أن ذلك الاستلزام لو حصل لكان "إذ ذاك ينفي" ويمنع "أن يكون" ذلك الأمر "أمرا" معلقا "بـ" أمر "مطلق" مجرد عما يقيده "لكنه استقرا" - الألف للإطلاق - وثبث مطلقا، لأنه فرض كذلك، فإنه إذا قال الشارع: "أعتق رقبة" فمعناه أعتق ما يطلق عليه هذا الاسم من غير تعيين، فلو كان يستلزم الأمر بالمقيد لكان معناه: أعتق الرقبة المعينة الفلانية فلا يكون أمرا بمطلق البتة. "و" ثانيها: أنه يرد - "لازم عليه" - أي على فرض حصول هذا الاستلزام - وذلك اللازم هو "أن يكلفا" - الألف للإطلاق - أي يحصل التكليف "بغير ما يطاق" وقوعا ووجه ذلك أن فيه التكليف بمبهم لا سبيل إلى العلم به، فيكون المخاطب به مكلفا بشيء مجهول بالنسبة له، فيتعذر عليه الإتيان بما كلف به لجهله به، وهذا عين التكليف بالمحال "و" الذي تقرر في هذا التكليف هو "المنع" وهو الحكم الذي "اكتفى" أهل

стр. 708

١٧٩٨ - وَالأَمْرُ مِنْ بَابِ الثُّبُوتِ وَهْوَ لَا … يَسْتَلْزِمُ الأَخَصَّ فِي مَا نُقِلَا العلم به في شأنه. وإذا ثبت أن الأمر المعلق بالمطلق لا يتعلق بالمقيد - كما تقدم - لزم أن لا يكون قصد الشارع متعلقا بالمقيد من حيث هو مقيد، فلا يكون مقصودا له، لأنا قد فرضنا أن قصده إيقاع المطلق، فلو كان له قصد في إيقاع المقيد، لم يكن قصده إيقاع المطلق. "و" ثالثها: أن "الأمر من باب الثبوت" مدلوله ومقتضاه "و" ثبوت الأعم "هو لا" "يستلزم الأخص في ما" أي الذي "نقلا" - الألف للإطلاق - عن أهل العلم والنظر، فالأمر بالأعم لا يستلزم الأمر بالأخص. وهذا على اصطلاح بعض الأصوليين الذين اعتبروا الكليات الذهنية المجردة من التشخص في الأمور الشرعية (١). وأما ما قد يعترض به من أنه لو كان الأمر بالمطلق من حيث هو مطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد لكان التكليف به محالا أيضا لأن المطلق لا يوجد في الخارج وإنما هو موجود في الذهن والمكلف به يقتضي أن يوجد في الخارج إذ لا يقع به الامتثال إلا عند حصوله في الخارج. وإذ ذاك يصير مقيدا فلا يكون بإيقاعه ممتثلا والذهني لا يمكن إيقاعه في الخارج فيكون التكليف به تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع فلا بد أن يكون الأمر به مستلزما للأمر بالمقيد وحينئذ يمكن الامتثال فوجب المصير إليه بل القول به. والثاني أن المقيد لو لم يقصد في الأمر بالمطلق لم يختلف الثواب باختلاف الأفراد الواقعة من المكلف لأنها من حيث الأمر بالمطلق على تساو فكان يكون الثواب على تساو أيضا وليس كذلك بل يقع الثواب على مقادير المقيدات المتضمنة لذلك المطلق فالمأمور بالعتق إذا أعتق أدون الرقاب كان له من الثواب بمقدار ذلك وإذا أعتق الأعلى كان ثوابه أعظم وقد سئل ﵊ عن أفضل الرقاب فقال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها وأمر بالمغالاة في أثمان القربات كالضحايا وبإكمال الصلاة وغيرها من العبادات حتى يكون الأمر فيها أعظم ولا خلاف في أن قصد الأعلى في أفراد المطلقات المأمور بها أفضل وأكثر ثوابا من غيره فإذا كان التفاوت في أفراد المطلقات موجبا للتفاوت في الدرجات لزم من ذلك كون المقيدات مقصودة للشارع

стр. 709

١٧٩٩ - وَلْيسَ مَقْصُودًا بِهِ الْكُلِّيُّ … مُعْتَرِضًا بِأَنَّهُ ذِهْنِيُّ ١٨٠٠ - وَلَيْسَ فِي الْخَارجِ بِالْمَوْجُودِ … فَلَا حُصُولَ بَعْدُ لِلْمَقْصُودِ ١٨٠١ - وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا قَدْ يُطْلَقُ … لِأَيِّ فَرْدٍ كَانَ ثُمَّ يَصْدُقُ " المسألة الرابعة " ١٨٠٢ - وَمَا كَذَاكَ الأَمْرُ بِالْمُخَيَّرِ … لَكِنَّهُ بِالْعكْسِ مِنْ هَذَا حَرِي وإن حصل الأمر بالمطلقات (١). فالجواب عن ذلك "و" ما به الانفصال في شأنه هو أنه "ليس" الأمر المعلق بالمطلق "مقصودا به" هنا "الكلي" المطلق كما ذهب إلى ذلك من ذكر من الأصوليين وذلك لكونه "معترضا بأنه" أمر "ذهني و" هو "ليس في الخارج" عن الأذهان "بالموجود" فليس من الأعيان وإنما هو صورة في الأذهان منتزعة بالنظر، وبذلك "فـ" إنه "لا حصول" يقع به "بعد" ما تقرر أنه ليس إلا أمرا ذهنيا "للمقصود" الشرعي من الأمر، وهذا بين "وإنما معناه" هو "ما قد يطلق لأي" يعني على أي "فرد" من أفراده الموجودة في الخارج أو التي يصح أن توجد فيه كيفما "كان" وصف ذلك الفرد وحاله "ثم يصدق" عليه. فإذا قال الشارع: أعتق رقبة، فالمراد طلب إيقاع العتق على فرد مما يصدق عليه لفظ الرقبة، والعرب لم تضع الرقبة إلا على فرد من الأفراد غير مختص بواحد مما دلت عليه. وهذه المسألة تفاصيلها تنظر في كتب الأصول. وتعبير المصنف والناظم بالأمر بالمطلق - هنا - ظاهره يقتضي أنه يقصد أن بذلك الأمر بالفعل المطلق المجرد عن القيود نحو "بع" و "صل" و"تصدق" وما أشبه ذلك مما يعبر عنه الأصوليون بالأمر بالماهية المجردة، ولكان ذلك ليس مقصودا كما يؤخذ من التمثيل لذلك وإنما المقصود هو الأمر المعلق بالمطلق نحو "أعتق رقبة" و"أكرم رجلا". "المسألة الرابعة" في أن الأمر المخير في معلقاته على عكس الأمر المتعلق بالمطلق المذكور. "و" بيان ذلك أنه "ما" أي ليس "كذاك" أي مثل ذاك الذي تقدم في شأن الأمر المتعلق بالمطلق هو الذي عليه "الأمر بالمخير" فيه كالأمر بكفارة اليمين الوارد فيها التخيير بين الإطعام والكسوة والإعتاق - "لكنه بالعكس من هذا" الذي تقدم عليه الأمر المتلق بالمطلق "حري"

стр. 710

١٨٠٣ - إِذْ هُوَ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الشَّارعِ … أَفْرَادَهُ أَوْ ضِدَّ مَا فِي الْوَاقِعِ " المسألة الخامسة " ١٨٠٤ - مَا الشَّرْعُ طَالِبٌ لَهُ ضَرْبَانِ … ضَرْبٌ تُرَى جِبِلَّةُ الإِنْسَانِ ١٨٠٥ - خَادِمَةً لَهُ مِنَ الدَّوَاعِي … لِشَأْنِهِ كَالأَكْلِ وَالْوِقَاعِ ١٨٠٦ - وَكَاجْتِنَابِ كُلِّ مَا يُسْتَقْذَرُ … وَكُلِّ مَا يُلْحَقُ مِنْهُ ضَرُر أي جدير "إذ هو" أي الأمر المخير في متعلقاته "يستلزم قصد الشارع أفراده" بذاتها بدليل التنصيص عليها وتحديدها، كما في كفارة اليمين، "أو ضد ما" أي الذي هو "في الواقع" قد جرى مخيرا فيه، بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. هذا ما ظهر لي في تقرير كلامه في هذه المسألة - والله - تعالى - أعلم بالصواب. "المسألة الخامسة" في أن المطلوب الشرعي ضربان: أحدهما: ما كان حال الطبع وواقعه خادما له معينا. ثانيهما: ما لم يكن كذلك. وبيان هذا أن "ما" من الأفعال "الشرع طالب له" من المكلفين على سبيل الوجوب أو غيره هو باعتبار موافقة الطبع الإنساني ومنافرته له "ضربان" أي نوعان "ضرب ترى" توجد "جبلة" - بكسر الجيم و الباء الموحدة وتشديد اللام (١) - أي طبيعة وخلقة "الإنسان خادمة له" بحكم موافقتها له من جهة ما بنيت عليه وركب فيها "من الدواعي" الطالبة بجموح "لشأنه" وإدراكه، وذلك "كالأكل" والشرب "والوقاع" - وبكسر الواو - أي الجماع "وكاجتناب" واتقاء أكل وشرب "كل ما يستقذر" أي يعد قذرا غير نظيف كالغائط - العذرة - والبول "و" اتقاء "كل ما" من الذوات والأفعال "يلحق منه ضرر" أي أذى وألم.

стр. 711

١٨٠٧ - أَوْ مُقْتَضَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ … لَهُ وَحُكْمُ الْعْقلِ ذُو وِفَاقِ ١٨٠٨ - كَالسَّتْرِ لِلْعَوْرَةِ أَوْ حِفْظِ الْحُرَمْ … لَا مَعْ مُنَازعٍ مِنَ الطَّبْعِ حَكَمْ ١٨٠٩ - فَبَابُهُ الشَّرْعُ بِهِ قَدْ يَكْتَفِي … فِي طَلَبٍ بِمَا بِهِ الطَّبْعُ يَفِي ١٨١٠ - لِذَاكَ لَمْ يَضَعْ عَلَى الْمُخَالَفَهْ … حَدًّا بِهِ يَرْدَعُ مَنْ قَدْ خَالَفَهْ وكذلك من هذا الضرب الذي تخدمه الجبلة ما هو مطلوب "أو مقتضى مكارم الأخلاق" ومحاسن الشيم ثابت "له" ومستقر فيه "وحكم العقل" السليم "ذو" أي صاحب "وفاق" - بكسر الواو - أي موافقة له، وذلك "كالستر للعورة" مغلظة كانت أو مخففة "أو"- بمعنى الواو - أي و "حفظ" وصون "الحرم" - بضم الحاء وفتح الراء جمع حرمة - وهي ما وجب القيام به، والذود عنه وحرم التفريط فيه كالأعراض، والكرامة وهذا يعد من محاسن الأخلاق ومكارم الشيم إنما يكون داخلا في هذا الضرب إذا كان بلا منازع طبيعي، و"لا" يعد من الضرب إذا كان قد حصل "مع منازع من الطبع" والجبلة "حكم" وغلب، وذلك كالزنا ونحوه مما يصد فيه الطبع عن موافقة الطلب الشرعي، والعقلي. وهذا الضرب الذي تخدمه الجلبة جامحة إليه، لم يتأكد فيه الطلب الشرعي الأصلي، ولذلك "فبابه" لأجل هذه الخصوصية القائمة به "الشرع به" أي فيه "قد يكتفي" ويستغني "في طلب" ما انطوى فيه من الجزئيات "بـ" الطلب غير الجازم اعتمادا في تحصيل ذلك على "ما به" مقتضى "الطبع" والجبلة والعادات الجارية من العقلاء "يفي" من الدفع والإلزام إلى تحصيل ذلك، فالطلب الشرعي الأصلي في هذا الباب لا يتأكد تأكيد غيره إحالة من الشارع فيه على الوازع الباعث على الموافقة دون المخالفة، "لذلك لم يضع على المخالفة" للطلب الشرعي في هذا الباب "حدا" من جلد أو غيره يزجر "به" و "يردع من قد خالفه" وترك العمل به، زيادة على ما أخبر به من الجزاء الأخروي، ومن هنا يطلق كثير من العلماء على تلك الأمور أنها سنن أو مندوب إليها أو مباحات على الجملة مع أنه لو خولف الأمر والنهي فيها مخالفة ظاهرة لم يقع الحكم على وفق ذلك المقتضى كما جاء في قاتل نفسه أنه يعذب في جهنم بما قتل به نفسه وجاء في مذهب مالك أن من صلى بنجاسة ناسيا فلا إعادة عليه إلا استحسانا ومن صلى بها عامدا أعاد أبدا من حيث خالف

стр. 712

١٨١١ - ثَانِيهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ كَذَالِكَا … بَلْ قَدْ يُعِينُ الطَّبْعُ فِيهِ التَّارِكَا ١٨١٢ - مِثْلُ الْعِبَادَاتِ مِنَ الصِّيَامِ … وَغَيْرِهِ وَأَكْثَرِ الأَحْكَامِ ١٨١٣ - فَذَا الذِي الشَّارعُ مُقْتَضَاهُ … قَرَّرَهُ عَلَى الذِي اقْتَضَاهُ ١٨١٤ - مُوَكِّدًا حُكْمَ الْمُوَكَّدَاتِ … مُخَفِّفًا حُكْمَ الْمُخَفَّفَاتِ الأمر الحتم فأوقع على إزالة النجاسة لفظ السنة اعتمادا على الوازع الطبيعي والمحاسن العادية فإذا خالف ذلك عمدا رجع إلى الأصل من الطلب الجزم فأمر بالإعادة أبدا وأبين من هذا أنه لم يأت نص جازم في طلب الأكل والشرب واللباس الواقي من الحر والبرد والنكاح الذي به بقاء النسل وإنما جاء ذكر هذه الأشياء في معرض الإباحة أو الندب حتى إذا كان المكلف في مظنة مخالفة الطبع أمر وأبيح له المحرم إلى أشباه ذلك (١). هذا هو الضرب الأول وبيانه وما يتعلق به من حكم. و"ثانيهما" أي الضربين هو "ما" أي الذي "لم يكن كذلكا" - الألف للإطلاق - الذي تقدم من جهة خدمة الطبع والجبلة له "بل" هو مما هو تنازعه الجبلة الحيوانية الشهوانية وتمانعه، ولذلك "قد يعين" ويساعد "الطبع" البشري المركب على حب الملذات للشخص "فيه التاركا" - الألف للإطلاق - له المسقط لفعله، وذلك "مثل" فعل "العبادات من الصيام وغيره" كالصلاة والزكاة، والحج والطهارات "وأكثر" ما وردت فيه "الأحكام" الشرعية الدالة على الوجوب أو الندب أو التحريم، أو الكراهة، كسائر المعاملات المراعى فيها العدل الشرعي، والجنايات والأنكحة المخصوصة بالولاية والشهادة وما أشبه ذلك "فذا" أي هذا الضرب هو "الذي" ثبت "الشارع" الحكيم "مقتضاه" وحكمه و "قرره على" الوجه "الذي اقتضاه" حاله فكان - أي الشارع - "مؤكِّدا" - بكسر الكاف مشددة - "حكم الموكدات" - بفتح الكاف وتشديدها - أي ما يقتضي شانه أن يكون مؤكدا باعتبار أنه به يحصل حفظ الضروريات فيكون الحكم الجاري فيه هو الوجوب، وقد يكون في تركه الحد وكان "مخففا" - بكسر الفاء والتشديد - "حكم المخففات" - بفتح الفاء والتشديد - أي ما يقتضي حاله أن يكون مخففا حكمه باعتبار أنه ليس مما به حفظ الضروريات على وجه المباشرة، فيكون

стр. 713

١٨١٥ - وَالطَّلَبُ النَّهْيِيُّ مِثْلَ الأَمْرِي … فَمُقْتَضَى الضَّرْبَيْنِ فِيهِ يَجْرِي الحكم الجاري فيه هو الندب. "والطلب النهيي" أي الطلب الذي يقتضي النهي والانكفاف هو "مثل" الطلب "الآمري" المتقدم في هذا الشأن "فـ" إن طلب النهي يجري "مقتضى الضربين" المذكورين "فيه" كذلك "يجري" وبذلك فإن أحكام ما نهي عنه شرعا جارية على هذا السنن قال الشاطبي: فإن المنهيات على ضربين: فالأول: كتحريم الخبائث، وكشف العورات، وتناول السموم، واقتحام المهالك وأشباهها، ويلحق بها اقتحام المحرمات لغير شهوة عاجلة، ولا باعث طبعي؛ كالملك الكذاب والشيخ الزاني، والعائل المستكبر، فإن مثل هذا قريب مما تخالفه الطباع ومحاسن العادات، فلا تدعو إليه شهوة، ولا يميل إليه عقل سليم، فهذا الضرب لم يؤكد بحد معلوم في الغالب، ولا وضعت له عقوبة معينة، بل جاء النهي فيه كما جاء الأمر في المطلوبات التي لا يكون الطبع خادما لها، إلا أن مرتكب هذا لما كان مخالفا لوازع الطبع ومقتضى العادة، إلى ما فيه من انتهاك حرمة الشرع، أشبه بذلك المجاهر بالمعاصي المعاند فيها، بل هو هو، فصار الأمر في حقه أعظم؛ بسبب أنه لا يستدعي لنفسه حظا عاجلا، ولا يبقى لها في مجال العقلاء بل البهائم مرتبة، ولأجل ذلك جاء من الوعيد في الثلاثة: الشيخ الزاني وأخويه؛ ما جاء، وكذلك فيمن قتل نفسه، بخلاف العاصي بسبب شهوة عنَّتْ، وطبع غلب، ناسيا لمقتضى الأمر، ومغلقا عنه باب العلم بمآل المعصية، ومقدار ما جنى بمخالفة الأمر، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] الآية، أما الذي ليس له داع إليها، ولا باعث عليها، فهو في حكم المعاند المجاهر، فصار هاتكا لحرمة النهي والأمر، مستهزئا بالخطاب، فكان الأمر فيه أشد، ولكن كل ما كان الباعث فيه على المخالفة الطبع جعل فيه في الغالب حدود وعقوبات مرتبة، إبلاغا في الزجر عما تقتضيه الطباع، بخلاف ما خالف الطبع أو كان الطبع وازعا عنه، فإنه لم يجعل له حد محدود (١).

стр. 714

" تنبيه " ١٨١٦ - ذَا الأصْلُ مَوْجُودٌ بِالاسْتِقْرَاءِ … مِنْهُ كَثِيرٌ عِنْدَ الاسْتِجْلَاءِ ١٨١٧ - فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ كَيْ يَلْتَفِتَا … مُجْتَهِدٌ إِلَيْهِ حَيْثُ مَا أَتَى ١٨١٨ - لَا أَنَّهُ قَاعِدَة لَا تَنْخَرِمْ … وَأَنَّ مُقْتَضَاهُ حُكْمٌ مُنْحَتِمْ " المسألة السادسة " " تنبيه" - خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا - مفاده أن هذا الأصل جار حكمه على جزئيات كثيرة، فلذلك وجب التنبيه عليه واتخاذه أصلا معتبرا في فهم بناء الأحكام الشرعية، وإن تخلف جريانه على جزئيات وبيان ذلك أن "ذا" هذا "الأصل" المتقدم تقريره، والذي متضمنه أن الشارع يفرق في درجات الطلب والاقتضاء بين الافعال التي تخدمها الجبلة والطبع والأفعال التي ليست كذلك - ما يجري حكمه عليه من الجزئيات "موجود بالاستقراء منه كثير" وهذا يظهر ثبوته "عند" الاستكشاف و"الاستجلاء" لأحوال الأحكام الشرعية. "فوقع" لأجل ذلك الانسحاب لحكمه على كثير من الجزئيات "التنبيه" عليه "كي يلتفتا" الـ "مجتهد إليه" ويعتبر مقتضاه "حيث ما أتى" وجرى حكمه "لا أنه قاعدة" مطردة "لا تنخرم" ولا تنفصم ولا يختلف حكمها "و" لا "أن مقتضاه حكم منحتم" جريانه ومضيه في كل جزئية من صنف ما يقع تحته. قال الشاطبي: فإنه ربما وقع الأمر والنهي في الأمور الضرورية على الندب أو الإباحة والتنزيه فيما يفهم من مجاريها فيقع الشك في كونها من الضروريات كما تقدم تمثيله في الأكل والشرب واللباس والوقاع وكذلك وجوه الاحتراس من المضرات والمهلكات وما أشبه ذلك فيرى أن ذلك لا يلحق بالضروريات وهو منها في الاعتبار الاستقرائي شرعا وربما وجد الأمر بالعكس من هذا فلأجل ذلك وقع التنبيه عليه ليكون من المجتهد على بال إلا أن ما تقدم هو الحكم المتحكم والقاعدة التي لا تنخرم (١). "المسألة السادسة" في اختلاف مراتب دلالة الطلب الشرعي على الأحكام بحسب مواضع ذلك

стр. 715

١٨١٩ - وَكُلَّ خَصْلَةٍ بِهَا الشَّرْعُ أَمَرْ … مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلَا حَدٍّ ظَهَرْ ١٨٢٠ - فَالأَمْرُ فِي أَفْرَادِهَا لَيْسَ عَلَى … حَدٍّ سَوَاءٍ وَكَذَا النَّهْيُ انْجَلَا ١٨٢١ - كَالصَّبْرِ وَالإِخْلَاصِ وَالْوَفَاءِ … وَالظُّلْمِ وَالإِسْرَافِ وَالرِّيَاءِ الطلب وأحوالها. "و" تفصيل القول في ذلك أن "كل خَصلة" - بفتح الخاء وسكون الصاد - حسنة أي فضيلة "بها الشرع أمر" العباد "من غير" تحديد لأحكامها باختلاف المواضع والمواطن التي تحصل فيها ولا "تقدير" لما يترتب عنها من جزاء باختلاف ذلك "ولا حد" شرعي قد "ظهر" لها منصوصا عليه "فالأمر" الشرعي "في" شأن "أفرادها" التي تتعدد بتعدد مواضعها وتختلف باختلافها "ليس على حد سواء" بل هو مختلف "وكذا" شأن "النهي" فإنه على هذا الوجه "انجلا" أي انكشف أمره، فإن كل رذيلة نهى الشارع عنها بالإطلاق من غير تحديد مفصل لأحكامها، ولا تقدير لما يترتب عنها من جزاء أو حد لا يجري فيها حكم النهي على درجة واحدة، وإن هو مختلف باعتبار على وزان ما تقدم في الأمر. أما أمثلة ذاك الذي ورد فيه الأمر مطلقا فإنها كثيرة، وذلك "كالصبر" فإنه مأمور به شرعا بصيغ مختلفة مطلقا في النصوص الشرعية "والإخلاص" فإنه ورد مأمورا به على وجه الإطلاق "و" كذلك "الوفاء" بالعهد، والعدل والإحسان، والإعراض عن الجهل، والشكر، ومواساة ذي القربى، والمساكين، والخوف، والرجاء والانقطاع إلى الله - تعالى - والتوفية في المكيال، والميزان، وغير ذلك من صنف هذا الذي ذكر (١). "و" أما أمثلة ما نهي عنه من ذلك فإن منها "الظلم، والإسراف، والرياء" وأكل مال اليتيم، واتباع السبل المضلة وكفر النعمة، والفرح بالدنيا والفخر بها، وعقوق الوالدين، والتبذير، واتباع الظنون، والمشي في الأرض مرحا. وغير ذلك من الأمثلة من هذا الصنف وهي كثيرة (٢).

стр. 716

١٨٢٢ - وَمَعَ ذَا فَإِنَّهُ ضَرْبَانِ … بِنِسْبَةِ الْوُرُودِ فِي الْقُرْآنِ ١٨٢٣ - آتٍ عَلَى الإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ … قَاضٍ عَلَى الْحَالَاتِ بِالتَّعْمِيمِ ١٨٢٤ - لَكِنْ بِمَا كُلُّ مَقَامِ يَقْتَضِي … بِشَاهِدِ الْحَالِ الذِي فِيهَا رُضِي ١٨٢٥ - وَذَاكَ مَوْكُولٌ إِلَى الْمُكَلَّفِ … كَيْ يَتَوَخَّى أَلْيَقَ التَّصَرُّفِ ١٨٢٦ - بِأَبْيَنِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّهْ … وَأَكْمَلِ الْمَحَاسِنِ الْعَادِيَّهْ ١٨٢٧ - مِثْلُ اعْتِبَارِ الْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ … فِي كُلِّ صَادِرٍ عَنِ الإِنْسَانِ " ومع ذا" أي الذي تقرر في شأن ما ذكر من هذه الخصال من أنه ورد فيه الطلب الشرعي مطلقا "فإنه" ليس ضربا واحدا، وإنما هو "ضربان" وذلك "بنسبة" أي باعتبار الصيغة التي عليها "الورود" والمجئ له "في القرآن" الكريم، إذ منه - وهذا أحد الضربين - ما هو "آت" فيه "على" صيغة "الإطلاق والعموم" في كل شيء من غير تفصيل ولا تفرقة بين المواضع التي يجري فيها مقتضاه والتي تختلف أحكامها باختلافها، وبذلك فهو "قاض" وحاكم "على" كل "الحالات بالتعميم" لمقتضاه، على وجه السوية في كل شيء ومن غير تفصيل. وهذا مسلك النظر الصحيح فيه هو أن لا يعمل بظاهره الذي هو العموم والإطلاق الدال على التسوية في حكمه الجاري على كل ما انطوى تحته من الجزئيات، و "لكن" يحكم "بما" من الأحكام تستوجبه أحوال تلك الجزئيات فيحكم في "كل مقام" بما "يقتضيـ"ــه، ويعرف ذلك "بشاهد" وواقع "الحال الذي فيها" أي في تلك الحالات "رضي" اعتباره واختير الاعتداد به "وذاك" الذي يصار إليه من حكم في كل مقام اختياره "موكول إلى" نظر "المكلف" ويتوسل إلى ذلك بإعمال ميزان نظره، "كي يتوخى" ويتحرى "أليق" وأولى "التصرف" في ذلك آخذا في سبيل ذلك "بأبين" وأوضح "الأدلة الشرعية" الواردة في ذلك "وأكمل المحاسن العادية" ومكارم الأخلاق، ويمثل لذلك بـ "ــمثل اعتبار" إقامة العدل" وإتيان "الإحسان في" "كل" فعل "صادر عن الإنسان" فإن الذي يصار إليه في شأن بناء الحكم الفقهي في ذلك - كما تقدم ذكره - هو التفصيل. فقول الله - تعالى - مثلا - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ليس الإحسان فيه مأمورا به أمرا جازما في كل شيء ولا غير جازم في كل شيء بل ينقسم

стр. 717

١٨٢٨ - وَضَرْبُهُ الآخِرُ ذُو وُجُودِ … فِي غَايَتَيْ مَذْمُومٍ أَوْ مَحْمُودِ ١٨٢٩ - مُنَبِّهًا عَلَى مَجَالِ لِلنَّظَرْ … فِي رُتَبٍ قُرْبًا وَبُعْدًا تُعْتَبَرْ ١٨٣٠ - لِلْغَايَتَيْنِ كَي يُرَى مَنْ نَظَرَا … مُوَازِنًا أَوْصَافَهُ مُسْتَبْصِرًا ١٨٣١ - يَسْتَحْضِرُ الْخَوْفَ مِنَ الْمَعْبُودِ … بِحَسَبِ الْبُعْدِ مِنَ الْمَحْمُودِ ذلك بحسب المناطات - متعلقات الأحكام - ألا ترى أن إحسان العبادات بتمام أركانها من باب الواجب وإحسانها بتمام آدابها من باب المندوب ومنه إحسان القتلة كما نبه عليه الحديث وإحسان الذبح إنما هو مندوب لا واجب وقد يكون في الذبح من باب الواجب إذا كان هذا الإحسان راجعا إلى تتميم الأركان والشروط وكذلك العدل في عدم المشي بنعل واحدة ليس كالعدل في أحكام الدماء والأموال وغيرها فلا يصح إذا إطلاق القول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] إنه أمر إيجاب أو أمر ندب حتى يفصل الأمر فيه وذلك راجع إلى نظر المجتهد تارة وإلى نظر المكلف وإن كان مقلدا تارة أخرى بحسب ظهور المعنى وخفائه (١). هذا هو الضرب الأول من الخطاب الشرعي الذي يرد فيه ما ذكر من الأوامر والنواهي. "و" أما "ضرب الآخر" فإنه الذي يرد وهو "ذو وجود" وثبوت "في غايتي" - تثنية غاية - أي نهايتي منهي عنه "مذموم" و يدل على ذلك اقتران الوعيد به "أو "مأمور به "محمود" ممدوح، ويدل على ذلك قرن الوعد به في الغالب، وفي هذا يجري ما يرد من الأوصاف في مدح المؤمنين، والأوصاف التي ترد في ذم الكافرين فكان القرآن آتيا بتلك الغايات تنصيصا عليها من حيث كان حال المخاطبين بذلك وزمان الخطاب يقتضي ذلك و "منبها على" ما هو "مجال" وموطن "للنظر" والبحت مما لم ينص عليه، لكنه واقع "في رتب" - جمع رتبة - أي درجات مختلفة "قربا وبعدا" من الطرفين المنصوص على حكميهما بأقصى الجزاء "كي يرى" ويوجد "من نظرا " - الألف للإطلاق - بعقله "موازنا" يعني وازنا "أوصافه" القائمة به بذلك "مستبصرا" في شأنه ليكون عالما بما هو عليه من خير أو شر، وبذلك "يستحضر" في قلبه "الخوف من "نقمة وغضب "المعبود" سبحانه - وتعالى - "بحسب البعد" الذي أدرك أنه حاصل له "من" الإتصاف بالوصف "المحمود" الممدوح شرعا.

стр. 718

١٨٣٢ - وَيُعْظِمُ الرَّجَاءَ فِي الْكَرِيمِ … بِحَسَبِ الْبُعْدِ مِنَ الْمَذْمُومِ ١٨٣٣ - لِذَا يُرَى حَيْثُ لَهُ تَعَيُّنُ … بِهِ الْوَعِيدُ غَالِبًا يَقْتَرِنُ ١٨٣٤ - وَأَنَّهُ مِمَّا لَهُ تَعْيِينُ … مِنْ سَبَبِ التَّنْزِيلِ يَسْتَبِينُ ١٨٣٥ - وَأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى الإِطْلَاقِ … وَإِنْ أَتَى فِي ذَلِكَ الْمَسَاقِ " ويعظم" أي يقوي ويشتد "الرجاء" له "في" فضل "الكريم" سبحانه "بحسب البعد" الذي أدرك أنه قائم به "من" الاتصاف بالوصف "المذموم" المنهي عنه شرعا. "لذا" أي الذي تقدم من المقصد التربوي في هذا الشأن "يرى" يعني يوجد ذلك النهي الوارد في أعلى مراتبه "حيث" أي في الموضع الذي "له" فيه "تعين" أي ذكر له بعينه على الوجه المذكور بمقتضى أحوال المخاطبين يجمع "به الوعيد" و "يقترن" في الخطاب "و" هذا الذي تقرر "أنه مما له تعيين" على الوجه المذكور يعلم "من سبب التنزيل" و"يستبين" أي يظهر، فالقرآن يأتي بالغايات تنصيصا عليها من حيث كان الحال والوقت يقتضى ذلك، وينبه بها على ما هو دائر بين الطرفين حتى يكون العقل ينظر فيما بينهما بحسب ما دله دليل الشرع عليه، فيميز بين المراتب بحسب القرب والبعد من أحد الطرفين، كي لا يسكن إلى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف المذموم، أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود تربية حكيم خبير كما تقدم ذكره. هذا إن كان ما ذكر من الأوامر والنواهي واردًا على هذا الوجه - أقصى المراتب. "و" أما إن كان مطلقا فـ "إن" "معناه" هو أنه يحمل "على الإطلاق" في الذي يدل "وأن" - بفتح الهمزة - يعني وأنه "أتى" وورد "في ذلك المساق" المطلق، فكما يدل المساق على أن المراد أقصى المحمود أو المذموم في ذلك الاطلاق، "كذلك قد يدل اللفظ على القليل والكثير من مقتضاه فيزن المؤمن أوصافه المحمودة فيخاف ويرجو ويزن أوصافه المذمومة فيخاف أيضا ويرجو مثال ذلك أنه إذا نظر في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] فوزن نفسه في ميزان العدل عالما أن أقصى العدل الإقرار بالنعم لصاحبها وردها إليه ثم شكره عليها وهذا هو الدخول في الإيمان والعمل بشرائعه والخروج عن الكفر وإطراح توابعه فإن وجد نفسه متصفا بذلك فهو يرجو أن يكون من أهله ويخاف أن لا يكون يبلغ في هذا المدى غايته لأن العبد لا يقدر على توفية حق الربوبية في جميع أفراد

стр. 719

١٨٣٦ - قَدْ وُكِلَ الأَمْرُ الذِي بِهِ قُصِدْ … نَظْرِ مُكَلَّفٍ بِهِ كَيْ يَجْتَهِدْ ١٨٣٧ - وَحُكْمُهُ كَمَا يُرَى جُمْلِيَا … فَإِنَّهُ يَكُونُ تَفْصِيلِيَا هذه الجملة فإن نظر بالتفصيل فكذلك أيضا فإن العدل كما يطلب في الجملة يطلب في التفصيل كالعدل بين الخلق إن كان حاكما والعدل في أهله وولده ونفسه حتى العدل في البدء بالميامن في لباس النعل ونحوه كما أن هذا جار في ضده وهو الظلم فإن أعلاه الشرك بالله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ثم في التفاصيل أمور كثيرة أدناها مثلا البدء بالمياسر وهكذا سائر الأوصاف وأضدادها فلا يزال المؤمن في نظر واجتهاد في هذه الأمور حتى يلقى الله وهو على ذلك" (١). فلا جل هذا قيل أن الأوامر والنواهي المتعلقة بالأمور المطلقة ليست على وزان واحد، بل منها ما يكون من الفرائض أو من النوافل في المأمورات ومنها ما يكون من المحرمات أو من المكروهات في المنهيات، و"قد وكل" وأسند إدراك "الأمر" والحكم "الذي به قصد" شرعا من هذا الذي ذكر من الأوامر والنواهي المطلقة "إلى" نظر من هو "مكلف به" يعني ببيان معناه والمراد به "كي يجتهد" ويبذل الوسع في تحصيل ذلك. "وحكمه" أي ما ذكر من الأدلة المطلقة "كما يرى" أي يوجد ويقع "جمليا" لكونه محتملا للمعاني الواردة فيه مرتبة "فإنه" كذلك "يرى" ويقع "تفصيليا" باعتبار ما تقدم من ظهور دلالته في أعلى مراتبه وفي أدناها، وإن كان حمله على الأدنى إذا تجرد من القرائن التي بها يصير محمولا على أعلى درجاته. هذا وأنه لما كان الدليل المطلق على هذه الصورة الاحتمالية. "كان السلف الصالح يتوقفون عن الجزم بالتحريم ويتحرجون عن أن يقولوا: حلال أو حرام، هكذا صريحا، بل كانوا يقولون في الشيء إذا سئلوا عنه لا أحب هذا وأكره هذا ولم أكن لأفعل هذا وما أشبهه لأنها أمور مطلقة في مدلولاتها غير محدودة في الشرع تحديدا يوقف عنده لا يتعدى وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] وقد جاء مما يعضد هذا الأصل زيادة على الاستقراء المقطوع به فيها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية فإنها لما نزلت قال الصحابة وأينا لم يظلم فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفي رواية لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله

стр. 720

" المسألة السابعة " ١٨٣٨ - الأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعًا ضَرْبَانِ … ضَرْبٌ صَرِيحٌ وَسِوَاهُ الثَّانِي عليه وسلم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال رسول الله ﷺ : ليس بذلك ألا تسمع إلى قول لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفي الصحيح: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان فقال ابن عباس وابن عمر وذكرا لرسول الله ﷺ ما أهمهما من هذا الحديث فضحك ﵊ فقال: ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليّ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] الآية أفأنتم كذلك قلنا لا قال لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل عليّ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات الثلاث أفأنتم كذلك قلنا لا قال لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله عليّ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية فكل إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر والعلانية ويصوم ويصلي في السر والعلانية والمنافق لا يفعل ذلك أفأنتم كذلك قلنا لا قال لا عليكم أنتم من ذلك براء ومن تأمل الشريعة وجد من هذا ما يطمئن إليه قلبه في اعتماد هذا الأصل وبالله التوفيق" (١). "المسألة السابعة" في أن الأوامر والنواهي على ضربين: أحدهما: صريح ثانيهما: غير صريح. وبيان ذلك أن "الأمر والنهي" الشرعيين "معا" أي كل واحد منهما باعتبار الدال عليه من لفظ وصيغة "ضربان" أي نوعان: أحدهما "ضرب صريح" ما دل عليه من ذلك، لأنه مدلول عليه بالصيغة الموضوعة له، وهي "افعل" في الأمر، "ولا تفعل" في النهي. "وسواه" أي الضرب وهو غير الصريح وهو الضرب "الثاني" من هذين الضربين، وإنما وصف بأنه غير صريح لأنه

стр. 721

١٨٣٩ - أَمَّا الصَّرِيحُ فَلَهُ اعْتِبَارُ … بِمَلْحَظَيْنِ لَهُمَا اسْتِقْرَارُ ١٨٤٠ - وَالأَوَّلُ الأَخْذُ لَهُ مُجَرَّدَا … مِنْ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ حَيْثُ وَرَدا ١٨٤١ - وَمُقْتَضَاهُ الْمَيْلُ مَعْ مُجَرَّدِ … صِيَغَ الأَلْفَاظِ إِلَى التَّعَبُّدِ مدلول عليه بألفاظ غير موضوعة للدلالة عليه. "أما الصريح" منهما أمرا كان أو نهيا "فله" في مجرى النظر الفقهي "اعتبار" واعتداد من جهة أخذ الأحكام الشرعية منه وطريقة ذلك "بملحظين" أي نظرين مختلفين "لهما" في بنية وطريقة التفقه في هذا الدين "استقرار" وثبوت. و"الأول" من هذين الملحظين - النظرين هو "الأخذ له" أي لذلك الصريح مقتصرا فيه على المعنى الذي دل عليه بدلالته اللغوية الظاهرة "مجردا من" اعتبار "مقتضى" وموجب "التعليل" المصلحي أو غيره مما يعلل به القياسيون "حيث وردا" "ومقتضاه" أي هذا النظر - الملحظ - هو "الميل" المحض، ولا فرق عند صاحب هذا النظر بين أمر وأمر ولا بين نهي ونهي من حيث قوة دلالتها على الأحكام، ودرجات ذلك، والوقوف "مع مجرد" ظواهر "صيغ الألفاظ" وصرف ذلك "إلى" أنه من باب "التعبد" فقوله - تعالى - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وقوله ﵊ "اكلفوا من العمل ما تطيقون" وقوله - تعالى - ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ﴾ وقوله - سبحانه -: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وقوله ﵊ "ولا تصوموا يوم الفطر ويوم النحر" وقوله: "لا تواصلوا" وما أشبه ذلك مما يفهم منه التفرقة بين منازل الطلب الشرعي الوارد في هذه المواطن، كل ذلك عنده سواء والجريان على مقتضى هذا النظر هو مذهب الظاهرية. قال أبو سليمان - يعني داود بن علي الظاهري - وجميع أصحابه ﵃: لا يفعل الله - تعالى - شيئا من الأحكام وغيرها لعلة أصلا بوجه من الوجوه فإذا نص الله - تعالى - أو رسوله على أن الأمر كذا لسبب كذا أو من أجل كذا، ولأن كذا أو لكذا، فإن ذلك كله ندري أنه جعله الله سببا لتلك الأشياء في تلك المواضع التي جاء النص بها فيها. ولا توجب تلك الأسباب شيئا من تلك الأحكام من غير تلك المواضع البتة. قال أبو محمد: "وهذا هو ديننا الذي ندين به، وندعو عباد الله تعالى إليه، ونقتنع على أنه الحق عند الله تعالى" (١).

стр. 722

١٨٤٢ - وَفِي الْحَدِيثِ بَعْضُ شَاهِدٌ لَهُ … يَعْضُدُ فِي ظَاهِرِهِ مُجْمَلَهُ ١٨٤٣ - وَمَرَّ قَبْلُ أَنَّ كُلَّ مَقْصَدِ … لَا بُدَّ مِنْ مَعْنىً بِهِ تَعَبُّدِي " و" قد ورد "في الحديث" النبوي "بعض" مما هو "شاهد له" أي لهذا النظر الذي عليه أهل الظاهر وهو "يعضد" ويقوي "في ظاهره" يعني بظاهره "مجمله" أي مجمل هذا النظر وأساسه الكلي. ومن ذلك "ما في الصحيح أنه ﵊ خرج على أبي بن كعب وهو يصلي فقال ﵊: يا أبي فالتفت إليه ولم يجبه وصلى فخفف ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبي ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك" فقال يا رسول الله كنت أصلي. فقال: "أفلم تجد فيما أوحي إلي ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال بلى يا رسول الله ولا أعود إن شاء الله" وهو في البخاري عن أبي سعيد بن المعلى وأنه صاحب القصة فهذا منه ﵊ إشارة إلى النظر لمجرد الأمر وإن كان ثم معارض وفي أبي داود أن ابن مسعود جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فسمعه يقول اجلسوا فجلس بباب المسجد فرآه النبي ﷺ فقال له تعال يا عبد الله وسمع عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ وهو بالطريق يقول اجلسوا فجلس بالطريق فمر به ﵊ فقال ما شأنك فقال سمعتك تقول اجلسوا فقال له زادك الله طاعة، وفي البخاري قال ﵊ يوم الأحزاب: "لا يصل أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدركهم وقت العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم: بل نصلي ولم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدة من الطائفتين، وكثير من الناس فسخوا البيع الواقع في وقت النداء لمجرد قوله تعالى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (١). "و" أيضا يشهد لهذا ويعضده ما قد "مر" ذكره "قبل" في "كتاب المقاصد" من "أن كل مقصد" شرعي دل عليه الطلب الشرعي "لا بد" "من معنى" ثابت "به" أي فيه "تعبدي" لأنه وإن علم له مقصد ما، فإن كونه على هيئة مخصوصة وقدر مخصوص

стр. 723

١٨٤٤ - وَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحٌ مُعْتَبَرْ … فَهْوَ مِنْ الْمَرْجُوحِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرْ ١٨٤٥ - مَعْ أَنَّهُ إِنْ قِيلَ بِالْمَصَالِحِ … فَذَاكَ فِي التَّفْصِيلِ غَيْرُ لَائِحِ ١٨٤٦ - وَعِنْدَ ذَا تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ … لِمَا لَهُ التَّرْجِيحُ وَالظُّهُورُ ١٨٤٧ - مَعْ أَنَّهُ قَدْ قِيلِ فِيهِ أَنَّهْ … أُحْدِثَ بَعْدَ مُدَّةٍ فِي السُّنَّهْ واختياره دون غيره مما هو مثله في تحصيل ما قصد به لا بد أن يصار في أمره إلى أنه شأن تعبدي لخفاء السر الشرعي علينا في ذلك "وذا" أي هذا المذهب - النظر "وإن كان صحيح المعتبر" يمكن الانصراف إليه والقول به عاما "فهو من "النظر "المرجوح" الضعيف، وذلك "من حيث" مقتضى "النظر" في أحواله - كما سيأتي بيانه. "و" يزاد "مع" ذلك دليل آخر وهو "أنه إن قيل بـ " اعتبار "المصالح" شرعا "فـ" إن "ذاك" النظر "في" حال "التفصيل" أمر "غير لائح" أي ظاهر صوابه، لأنه قد ثبت أن الأوامر والنواهي دائرة في المعنى المراد بها على تلك المقاصد وإن كان ذلك على وجه جملي. "وعند" ثبوت "ذا" أي هذا الأمر وتقرره وجب و "تعين المصير" والذهاب "لما" أي للنظر الذي "له" في هذا المقام "الترجيح" يعني الرجحان بمقتضى الأدلة الواردة في هذا الشأن "والظهور" على - النظر - المرجوح المذكور وهو الوقوف مع مجرد الأوامر والنواهي. و"مع" هذا يزاد دليل آخر وهو "أنه" - الضمير للشأن - "قد قيل فيه" يعني في حق هذا النظر - المذهب - الظاهري: "أنه" مذهب "أحدث بعد" مضى "مدة" قرنين من الهجرة النبوية، ثم ادخل "في السنة" والطريقة التي يكون بها التفقه في النصوص الشرعية. قال الشاطبي: "وقد نقل عياض عن بعض العلماء "أن مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين". وهذا وإن كان تغاليا في رد العمل بالظاهر، فالعمل بالظواهر أيضا على تتبع وتغال بعيد مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضا (١).

стр. 724

١٨٤٨ - وَالْزَمُوهُ أَنْ يَكُونَ فِي النَّظَرْ … جُلُّ الْبُيُوعِ بَاطِلًا مِنَ الْغَرَرْ ١٨٤٩ - إِلَى أُمُورٍ غيرِ هَذَا تَلْزَمُ … فِي جَنْبِ مَا يَحِلُّ أَوْ يُحَرَّمُ ١٨٥٠ - ثَانِيهِمَا الأخْذُ لَهُ مِنْ حَيْثُ مَا … يُفْهَمُ قَصْدٌ فِيهِ لِلشَّرْعِ انْتَمَا وقد أطال ابن حزم في الرد على من يصف المذهب الظاهري بمثل هذا وفي تزييف ذلك، وذهب إلى أن الحق محصور في هذا المذهب (١) وما بني عليه من الأخذ بظواهر الألفاظ. إلا أن مخالفيه في ذلك ردوا عليه في هذا الشأن. "والزموه" أمورا تقضي بفساد رأيه ومذهبه هذا في نظرهم، منها "أن يكون في" العمل بهذا "النظر" والجريان على هذا المذهب "جل البيوع" المباحة "باطلا" وفاسدا عملا بنهيه ﷺ عن البيع الغرر" وذلك "من" أجل ما فيها من جنس "الغرر" والخطر الآتي من جهة الجهالة والخفاء ومن ذلك بيع الجوز واللوز والقسطل في قشرها وبيع الخشب والمغيبات في الأرض والمقاثي كلها، بل كان يمتنع كل ما فيه وجه مغيب كالديار والحوانيث المغيبة الأسس والأنقاض، وما أشبه ذلك مما لا يحصى، ولم يأت فيه نص بالجواز ومثل هذا من كل ما يتسامح فيه لحقارته أو للمشقة في تمييزه لا يصح فيه القول بالمنع أصلا، لأن الغرر المنهي عنه محمول على ما هو معدود عند العقلاء غررا مترددا بين السلامة والعطب فهو مما خص بالمعنى المصلحي ولا يتبع فيه اللفظ - وهو الغرر - بمجرده. "إلى أمور غير هذا تلزم" من العمل بهذا النظر والمضي على هذا المذهب وهي ساقطة الإعتبار "في جنب" وشأن "ما يحل" من الأشياء "أو ما يحرم" منها فليس كل ما أمر به أو نهي عنه متساويا في حكمه الشرعي بل ذلك باختلاف مقاصد الشارع منه ومراده منه. هذا هو النظر الأول في شأن أخذ الأحكام من الأوامر والنواهي الصريحة وأما "ثانيهما" فإنه "الأخذ له" أي لذلك الصريح من الأمر والنهي "من حيث" اتباع وسلوك "ما" أي الطريق الذي "يفهم" بسلوكه ويدرك بالمضي عليه ما هو "قصد" ثابت "فيه" أي في ذلك الصريح من الأمر والنهي وهو "للشرع انتما" وانتسب، وذلك الطريق يحصل سلوكه إذا أخذ في اعتبار ما تثمره وتفيده صيغة الأمر والنهي.

стр. 725

١٨٥١ - مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّهْ … وَمُقْتَضَى الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّهْ ١٨٥٢ - وَذَاكَ فِي الْمَأْمُورِ مَعْنَى الْمَصْلَحَهْ … وَعَكْسِهَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَوْضَحَهْ " من جهة الدلالة" يعني دلالتها "اللفظية" من طلب إيقاع الفعل، أو الكف عنه "ومقتضى" ما يقترن بتلك الدلالة من "القرائن الحالية" المقالية "وذاك" الذي يقترن بها من تلك القرائن الحالية "في المأمور" به هو "معنى المصلحة" التي فيه "وعكسها" أي المصلحة وهو المفسدة "المنهي عنه أوضحه" وأظهره قرينة حالية تصحبه. "وبذلك فإن المفهوم من قوله ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] المحافظة عليها والإدامة لها ومن قوله "أكلفوا من العمل ما لكم به طاقة" الرفق بالمكلف خوف العنت أو الانقطاع لا أن المقصود نفس التقليل من العبادة أو ترك الدوام على التوجه لله، وكذلك قوله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] مقصوده الحفظ على إقامة الجمعة وعدم التفريط فيها، لا الأمر بالسعي إليها فقط، وقوله ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] جار مجرى التوكيد لذلك، بالنهي عن ملابسة الشاغل عن السعي لا أن المقصود النهي عن البيع مطلقا في ذلك الوقت على حد النهي عن بيع الغرر أو بيع الربا أو نحوهما وكذلك إذا قال لا تصوموا يوم النحر المفهوم منه مثلا قصد الشارع إلى ترك إيقاع الصوم فيه خصوصا ومن قوله: "لا تواصلوا" أو قوله: "لا تصوموا الدهر" الرفق بالمكلف أن لا يدخل فيما لا يحصيه ولا يدوم عليه ولذلك كان ﵊ يواصل ويسرد الصوم كان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم، وواصل ﵊ وواصل السلف الصالح مع علمهم بالنهي، تحققا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة، لا أن مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله، وكذلك سائر الأوامر والنواهي، التي مغزاها راجع إلى هذا المعنى، كما أنه قد يفهم من مغزى الأمر والنهي الإباحة، وإن كانت الصيغة لا تقتض بوضعها الأصلي ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] إذ علم قطعا أن مقصوده الشارع ليس ملابسة الاصطياد عند الإحلال ولا الانتشار عند انقضاء الصلاة وإنما مقصود أن سبب المنع من هذه الأشياء قد زال وهو انقضاء الصلاة وزوال حكم الإحرام" (١).

стр. 726

١٨٥٣ - وَذَا هُوَ التَّرَاجُحُ وَالْمُعْتَبَرُ … يَعْضُدُ الاسْتِقْرَاءَ فِيهِ النَّظَرُ " وذا" أي هذا الضرب من النظر "هو الراجح" القوي "والمعتبر" المعتد به عند جمهور علماء الأمة إذ "يعضد" ويقوي "الاستقراء" للنصوص الشريعة وأحوالها الذي اعتمد عليه في الاستدلال على صحته ورجحانه "النظر" والبحث في ماهيات الأحكام الشرعية الثابتة بهذه الأوامر والنواهي. "وأيضا فقد قام الدليل على اعتبار المصالح شرعا وأن الأوامر والنواهي مشتملة عليها فلو تركنا اعتبارها على الإطلاق لكنا قد خالفنا الشارع من حيث قصدنا موافقته فإن الفرض أن هذا الأمر وقع لهذه المصلحة فإذا ألغينا النظر فيها في التكليف بمقتضى الأمر كنا قد أهملنا في الدخول تحت حكم الأمر ما اعتبره الشارع فيه فيوشك أن نخالفه في بعض موارد ذلك الأمر وذلك أن الوصال وسرد الصيام قد جاء النهي عنه وقد واصل ﵊ بأصحابه حين نهاهم فلم ينتهوا وفي هذا أمران إن أخذنا بظاهر النهي أحدهما أنه نهاهم فلم ينتهوا فلو كان المقصود من النهي ظاهره لكانوا قد عاندوا نهيه بالمخالفة مشافهة وقابلوه بالعصيان صراحا وفي القول بهذا ما فيه والآخر أنه واصل بهم حين لم يمتثلوا نهيه ولو كان النهي على ظاهره لكان تناقضا وحاشى لله من ذلك وإنما كان ذلك النهي للرفق بهم خاصة وإبقاء عليهم فلما لم يسامحوا أنفسهم بالراحة وطلبوا فضيلة احتمال التعب في مرضاة الله أراد ﵊ أن يريهم بالفعل ما نهاهم لأجله وهو دخول المشقة حتى يعلموا أن نهيه ﵊ هو الرفق بهم والأخلق بالضعفاء الذين لا يصبرون على احتمال اللأواء في مرضاة ربهم وأيضا فإن النبي ﵊ نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها إطلاقا ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي فجاء الأمر بمكارم الأخلاق وسائر الأمور المطلقة والنهي عن مساوئ الأخلاق وسائر المناهي المطلقة وقد تقدم أن المكلف جعل له النظر فيها بحسب ما يقتضيه حاله ومنته ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجردا من الالتفات إلى المعاني وقد نهى ﵊ عن بيع الغرر وذكر منه أشياء كبيع الثمرة قبل أن تزهى وبيع حبل الحبلة والحصاة وغيرها وإذا أخذنا بمقتضى مجرد الصيغة امتنع علينا بيع كثير مما هو جائز بيعه وشراؤه كبيع الجوز واللوز والقسطل في قشرها وبيع الخشبة والمغيبات في الأرض والمقاثي كلها بل كان

стр. 727

" فصل " ١٨٥٤ - إِذَا بَدَا الْمَعْنَى بِأَنَّ الأَمَرَا … كَالنَّهْيِ فِيهِ عِلَّة تُسْتَقْرَا ١٨٥٥ - فَعَامِل بِذَلِكَ الْمَفْهُومِ … مُتَّبِع لِلسَّنَنِ الْقَوِيمِ يمتنع كل ما فيه وجه مغيب كالديار والحوانيت المغيبة الأسس والأنقاض وما أشبه ذلك مما لا يحصى ولم يأت فيه نص بالجواز ومثل هذا لا يصح فيه القول بالمنع أصلا لأن الغرر المنهي عنه محمول على ما هو معدود عند العقلاء غررا مترددا بين السلامة والعطب فهو مما خص بالمعنى المصلحي ولا يتبع فيه اللفظ بمجرده وأيضا فالأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساو في دلالة الاقتضاء والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا تعلم من النصوص وإن علم منها بعض فالأكثر منها غير معلوم وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح وفي أي مرتبة تقع وبالاستقراء المعنوي ولم نستند فيه لمجرد الصيغة وإلا لزم في الأمر أن لا يكون في الشريعة إلا على قسم واحد لا على أقسام متعددة والنهي كذلك أيضا بل نقول كلام العرب على الإطلاق لا بد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة ألا ترى إلى قولهم فلان أسد أو حمار أو عظيم الرماد أو جبان الكلب وفلانة بعيدة مهوى القرط وما لا ينحصر من الأمثلة لو اعتبر اللفظ بمجرده لم يكن له معنى معقول فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله ﷺ وعلى هذا المساق يجري التفريق بين البول في الماء الدائم وصبه من الإناء فيه" (١). "فصل" في أن الآخذ بهذا النظر الأخير في هذا الشأن هو الذي على صواب. "و" ذلك انه "إذ" يعني إذا تقرر و "بدا" وظهر رجحان هذا "المعنى" الذي تقرر في هذا النظر، والذي مفاده "بأن الأمر كالنهي" كليهما "فيه علة" شرعية "تستقرأ" أي تعلم بالإستقراء والتتبع لمواردهما ومواضعهما، "فـ" كل "عامل بـ" مقتضى "ذلك" المعنى "المفهوم" من العلة المذكورة هو شخص "متبع للسنن" أي الطريق "القويم" المستقيم

стр. 728

١٨٥٦ - مُوَافِقٌ لِمَقْصَدٍ الشَّارَعِ فِي … ذَاكَ وَمُقْتَفٍ سَبِيلَ السَّلَفِ " فصل " ١٨٥٧ - ثُمَّ سِوَى الصَّرِيحِ مِنْهُ مَا أَتَى … إِتْيَانَ الأَخْبَارِ بِحُكْمِ ثَبَتَا وهو كذلك "موافق لمقصد" ومراد "الشارع" الحكيم - سبحانه - "في" خطابه "ذاك" وفي موارد ومواضع تتزيله "و" هو - أيضا - "مقتف" ومتبع "سبيل" وطريق "السلف" الصالح في فهم معاني الخطاب الشرعي ومع هذا "فقد كان السلف آخذين أنفسهم بالإجتهاد في العبادة والتحري في الأخذ بالعزائم وقهروها تحت مشقات التعبد فإنهم فهموا أن الأوامر والنواهي واردة مقصودة في جهة الآمر والناهي ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] لكن لما كان المكلف ضعيفا في نفسه ضعيفا في عزمه ضعيفا في صبره عذره ربه الذي علمه كذلك وخلقه عليه فجعل له من جهة ضعفه رفقا يستند إليه في الدخول في الأعمال وأدخل في قلبه حب الطاعة وقواه عليها وكان معه عند صبره على بعض الزعازع المشوشة والخواطر المشغبة وكان من جملة الرفق به أن جعل له مجالا في رفع الحرج عند صدماته وتهيئة له في أول العمل بالتخفيف استقبالا بذلك ثقل المداومة حتى لا يصعب عليه البقاء فيه والاستمرار عليه فإذا داخل العبد حب الخير وانفتح له يسر المشقة صار الثقيل عليه خفيفا فتوخى مطلق الأمر بالعبادة بقوله ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] " (١). "فصل" في ذكر الضرب الثاني من الأوامر والنواهي وهو غير الصريح. "ثم" بعد ذكر الصريح من الطلب الشرعي - الأمر والنهي - ننتقل إلى ذكر الضرب الثاني منه وهو ما "سوى الصريح منه" من المذكور يكون مجيئه على ضروب أحدها: الطلب وهو "ما" أي الذي "أتى" أي جاء في النص الشرعي إتيانا مثل "إتيان الأخبار" من حيث الصيغة وبنية الكلام، لكنه آت "بحكم" شرعي "ثبتا" - الألف للإطلاق - أي ثابت في ضمنه وهو المقصود به.

стр. 729

١٨٥٨ - كقَوْلهِ وَالْوَالِدَاتُ وَكُتِبْ … وَهْوَ كثِيرٌ وَاتِّبَاعُهُ يَجِبْ ١٨٥٩ - لِجَرْيِهِ مَجْرَى الصَّرِيحِ الصَّادِرِ … مِنَ النَّوَاهِي وَمِنَ الأَوَامِرِ ١٨٦٠ - أَوْ جَاءَ بِالتَّرْتِيبِ لِلثَّوَابِ … عَلَيْهِ وَالتَّرْتِيبِ لِلْعِقَابِ ١٨٦١ - أَوْ مُبْدِيًا مَدْحًا وَحُبَّ اللهِ … فِي الأَمْرِ أَوْ لِلْعَكْسِ فِي النَّوَاهِي وذلك "كقوله" - تعالى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] "و" قوله - تعالى - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقوله - تعالى - ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وقوله - تعالى - ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] وأشباه ذلك "وهذا" أي هذا الضرب "كثير" وروده في النصوص الشرعية، "واتباعه" والعمل بمقتضاه طلب فعل كان أو طلب كف أمر "يجب" ويلزم شرعا وذلك "لجريه" في الدلالة على الطلب الشرعي بالفعل أو الكف "مجرى الصريح" المذكور "الصادر" عن الشارع "من النواهي ومن الأوامر" هذا بيان لقوله "الصريح". وثاني هذه الضروب هو ما أتى "أو جاء" من الخطاب الشرعي مصحوبا "بالترتيب للثواب" والجزاء الحسن "عليه" أي على فعل ما اقتضاه، وطلب به ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٣] "و" - بمعنى أو - أي أو بـ "الترتيب للعقاب" على فعل ما نهى عنه فيه، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]. "أو" جاء "مبديا" ومظهرا بدلالته ومعناه "مدحا" لفعل ما، أو مدحا لفاعله "أو" مبديا "حب الله" - تعالى - "في" امتثال "الأمر" أي أمره - سبحانه ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] وقوله - سبحانه -: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] "أو" جاء مبديا "للعكس" أي عكس ذلك وهو الذم بحيث يأتي ذاما فعلا ما، أو فاعلا له، أو ذاكرا أنه فعل مبغض أو مكروه أو غير محبوب له - تعالى - وذلك يجري "في"الأفعال التي أوردت في شأنها "النواهي" الشرعية، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] وقوله - سبحانه - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ [لقمان: ١٨] وقوله - تعالى - ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله - سبحانه - ﴿وَلَا

стр. 730

١٨٦٢ - وَكُلُّهُ مُعْتَبَرٌ وَمُتَّضِحْ … فِي تَرْكِ مَا ذُمَّ وَفِعْلِ مَا مُدِحْ ١٨٦٣ - وَمِنْهُ ضِمْنِيٌّ كَنَهْيِ لَامْرِ … عَنْ ضِدِّهِ وَالْخُلْفُ فِيهِ يَجْرِي ١٨٦٤ - لَا كِنْ عَلَى اعْتِبَارِهِ الأَمْرُ جَلِي … فِي كَوْنِ ذَاكَ لَا بِقَصْدٍ أَوَّلِ ١٨٦٥ - وَأَنَّهُ فِي الإِعْتِبَارِ أَضْعَفُ … مِنْ تَبَعِيِّ فِي الصَّرِيحِ يُعْرَفُ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] وما أشبه ذلك مما ورد فيه هذا الحكم الحب أو البغض، أو المدح، أو الذم -. "وكله" أي هذا الذي تقدم ذكره من الخطاب سواء كان متضمنا للمدح، أو الذم، أو الحب، أو البغض، أو الكره، على المعنى المتقدم، "معتبر" مقتضاه الذي هو بين "ومتضح في" أنه "ترك ما ذم" أو كان مكروها أو مبغضا له - تعالى - "وفعل" وإتيان "ما مدح" أو وصف بأنه - تعالى - يحبه وهذا بين لا إشكال فيه. هذا هو الضرب الثاني من الخطاب الشرعي غير الصريح الدال على طلب. "و" أما الثالث "منه" فإنه "ضمني" يتضمنه الأمر أو النهي عند من يرى ذلك وذلك "كـ" الـ "نهي" المستفاد من "الأمر" بالشيء "عن ضده" يعني عن ضد الشيء المأمور به الوجودي بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده الوجودي وكالأمر المستفاد من النهي بناء على قاعدة "النهي عن الشيء أمر بضده" وكالمطلوب المستفاد من الأمر بناء على قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وغير ذلك مما يتوقف عليه فعل المطلوب وتحصيله "والخلف" بين العلماء "فيه" يعني في اقتضاء الطلب الشرعي لهذا الصنف من الأوامر والنواهي التي يتوقف تحصيل المطلوب على فعلها أمر "يجري" كما هو مذكور في كتب أصول الفقه مفصلا. "لا كن" إذا قلنا بأنه يقتضي ذلك وبنينا "على اعتباره" فإن "الأمر جلى" وظاهر "في كون ذاك" الاقتضاء "لا" يحصل "بـ"ما هو "قصد أول" من ذلك الطلب، وإنما يحصل بالقصد الثاني منه "وأنه في الاعتبار" والاعتداد بمقتضاه "أضعف من "الطلب - الأمر أو النهي - الـ "تبعي" الذي يعلم أنه "في" الضرب "الصريح" يعد و "يعرف" وذلك كقوله - تعالى - ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وإنما عد ذاك أضعف من هذا لأن رتبة الصريح ليست كرتبة الضمني أصلا. وقد مر في "كتاب المقاصد" أن المقاصد الشرعية ضربان: مقاصد أصلية، ومقاصد تابعة، فهذا القسم - الضرب - من الأوامر والنواهي مستمد ثبوته من ذلك، والفرق بين ما هو أصلي وتبعي من ذلك فقه كثير يعم جزئيات متعددة ولا بد من ذكر مسألة نقررها في

стр. 731

" فصل" ١٨٦٦ - وَمِنْ هُنَا فُرِّقَ بَيْنَ الْغَاصِبِ … وَالْمُتَعَدِّي فِي الضَّمَانِ الْوَاجِبِ ١٨٦٧ - مَنْ قَدْ رَأَى التَّفْرِيقَ مِثْلَ مَالِكْ … وَمَنْ يُسَوِّي فَعَلَى مَسَالِكْ فصل يبين ذلك حتى يتخذ دستورا لأمثالها في فقه الشريعة بحول الله - تعالى -. "فصل" في ذكر تلك المسألة الموعود بذكرها، وقد اختار أن تكون مسألة الغصب، وذلك ان الغصب عند الفقهاء هو التعدي على الرقاب والتعدي مختص بالتعدي على المنافع دون الرقاب. "ومن هنا فرق بين" الشخص "الغاصب" وهو الآخذ لمال غيره تعديا بلا حرابة "و" الشخص "المتعدي" - وهو الغاصب للمنافع فقط دون قصد منه إلى ملك الرقاب - "في" نوع "الضمان الواجب" على كل واحد منهما "من قد رأى" من أهل العلم "التفريق" بينهما "مثل" الإمام "مالك" بن أنس الذي نقل عنه انه قال: (إذا حبس المغصوب أو المسروق عن أسواقه ومنافعه ثم رده بحاله لم يكن لربه أن يضمنه. وإن كان مستعيرا أو متكاريا ضمن قيمته (١). ووجه ذلك أنه إذا كان الغاصب قد قصد تملك الرقاب فهو منهي عن ذلك، آثم فيما فعل من جهة ما قصد، وهو لم يقصد إلا الرقبة. فكان النهي أولا عن الاستلاء على الرقبة. وأما التعدي على المنافع فالقصد فيه تملك المنافع دون الرقبة، فهو منهي عن ذلك الإنتفاع من جهة ما قصد، وهو لم يقصد إلا المنافع، لكن كل واحد منهما يلزمه الآخر

стр. 732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالحكم التبعي، وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول. "فإذا كان غاصبا فهو ضامن للرقاب لا للمنافع وإنما يضمن قيمة الرقبة يوم الغصب لا بأرفع القيم لأن الانتفاع تابع فإذا كان تابعا صار النهي عن الانتفاع تابعا للنهي عن الاستيلاء على الرقبة فلذلك لا يضمن قيمة المنافع إلا على قول بعض العلماء بناء على أن المنافع مشاركة في القصد الأول والأظهر أن لا ضمان عليه لعموم قوله ﵊ الخراج بالضمان وسبب ذلك ما ذكر من أن النهي عن الإنتفاع غير مقصود لنفسه بل هو تابع للنهي عن الغصب وإنما هو شبيه بالبيع وقت النداء فإذا كان البيع مع التصريح بالنهي صحيحا عند جماعة من العلماء لكونه غير مقصود في نفسه فأولى أن يصح مع النهي الضمني وهذا البحث جار في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أم لا فإن قلنا غير واجب فلا إشكال وإن قلنا واجب فليس وجوبه مقصودا في نفسه وكذلك مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده والنهي عن الشيء هل هو أمر بأحد أضداده فإن قلنا بذلك فليس بمقصود لنفسه فلا يكون للأمر والنهي حكم منحتم إلا عند فرضه مقصودا بالقصد الأول وليس كذلك وأما إذا كان متعديا فضمانه ضمان التعدي لا ضمان الغصب فإن الرقبة تابعة فإذا كان كذلك صار النهي عن إمساك الرقبة تابعا للنهى عن الاستيلاء على المنافع فلذلك يضمن بأرفع القيم مطلقا ويضمن ما قل وما كثر وأما ضمان الرقبة في التعدي فعند التلف خاصة من حيث كان تلفها عائدا على المنافع بالتلف بخلاف الغصب في هذه الأشياء" (١). والجزئيات التي يختلف فيها ضمان الغصب عن ضمان التعدي كثيرة، وذو الرغبة في الاطلاع عليها يلزمه الرجوع إلى كتب الفروع وقد اعتاد المالكية في مجاري كلامهم في هذه المسألة تقديم الكلام على غصب الذوات على الكلام على غصب المنافع، وذكر أحكام الصور التي تتعلق بكل واحد منهما بالتفصيل، ومن اطلع على ذلك علم ما يفترق فيه ضمان الغصب عن ضمان التعدي، ومن ذلك غلة المغصوب، والمعروف في حكمها، عند المالكية هو التفصيل، وجريان الخلاف بينهم في ذلك هو الخراج، والاستخدام. هذا عند من يفرق بين غصب الذات، وغصب المنفعة. "و" أما "من يسوي" بينهما، ويرى أن غصب المنفعة وغصب الذات سيان في الأحكام المرتبة عليهما، "فـ" انه قد بنى مذهبه في هذا الشأن وخرجه "على مسالك" أي

стр. 733

١٨٦٨ - مِنْهَا الدَّوَامُ مَعَ الإِبْتِدَاءِ … هَلْ يُحْمَلَانِ مَحْمَلَ السَّوَاءِ ١٨٦٩ - كَذَاكَ مِنْ قَاعِدَةِ الأَعْيَانِ … مَا هُوَ مِنْهَا الْمِلْكُ لِلإِنْسَانِ ١٨٧٠ - وَثَالِثٌ هَلْ شُبْهَةُ الْمِلْكِ تُرَا … فِي الْغَصْبِ أَمْ لَيْسَ كَذَاكَ نَظَرَا قواعد فقهية معتبرة "منها" قاعدة أن "الدوام مع الإبتداء هل يحملان محمل السواء" والتعبير المشهور في هذا هو قولهم: "هل الدوام كالإبتداء" (١)، "فإن قلنا ليس الدوام كالإبتداء فذلك جار على المشهور في الغصب فالضمان يوم الغصب، والمنافع تابعة، وإن قلنا أنه كالابتداء فالغاصب في كل حين كالمبتدئ للغصب فهو ضامن في كل وقت ضمانا جديدا، فيجب أن يضمن المغصوب بأرفع القيم كما قال ابن وهب وأشهب وعبد الملك، قال ابن شعبان: لأن عليه أن يرده في كل وقت، ومتى لم يرده كان كمغتصبه حينئذ" "كذاك من "تلك القواعد "قاعدة الأعيان" أي الذوات "ما هو "الذي يصح "منها" أن يكون "الملك" أي المملوك "للإنسان" هل هو ذواتها أي أنفسها، أم هو منافعها فقط؟ فإن تقرر أن الأعيان لا يملكها في الحقيقة إلا باريها - تعالى - وإنما للعبد منها المنافع، فهل القصد إلى ملك الرقاب منصرف إلى ملك المنافع فقط أم لا؟ فإن قلنا هو منصرف إليها إذ أعيان الرقاب لا منفعة فيها من حيث هي أعيان بل من حيث اشتمالها على المنافع المقصودة، فهذا مقتضى قول من لم يفرق بين الغصب والتعدي في ضمان المنافع. وإن قلنا بأنه ليس بمنصرف، فهو بمقتضى التفرقة. "وثالث" من هذه المسالك - القواعد - هو قاعدة "هل شبهة الملك ترى" أي توجد ثابتة "في" الشيء الذي حيز بطريقة "الغصب" إذا قصد الغاصب تملك ما غصب، "أم ليس" الأمر "كذاك (٢) نظرا" يعني من جهة النظر الفقهي فالغصب لا يفيد شبهة الملك على الإطلاق، وإن كان موجبا للضمان؟ "فإن قلنا: أنه تتقرر بالغصب شبهة الملك للرقبة المغصوبة كالذي في أيدي الكفار من أموال المسلمين كان داخلا تحت قوله ﵊ الخراج بالضمان

стр. 734

١٨٧١ - أَوِ الذِي يَرُدُّ مَا يَغْتَصِبُ … بِحَالِهِ كَالْمُتَعَدِّي يُحْسَبُ ١٨٧٢ - فَهَذِهِ الْخُلْفُ عَلَيْهَا يُجْرَا … إِذًا فَالأَصْلُ صَحَّ وَاسْتَقَرَا فكانت كل غلة وثمن يعلو أو يسفل أو حادث يحدث للغاصب وعليه بمقتضى الضمان كالاستحقاق والبيوع الفاسدة وإن قلنا إنه لا يتقرر له عليها شبهة ملك بل المغصوب على ملك صاحبه فكل ما يحدث من غلة ومنفعة فعلى ملكه فهي له فلا بد للغاصب من غرمها لأنه قد غصبها أيضا وأما ما يحدث من نقص فعلى الغاضب بعدائه لأن نقص الشيء المغصوب إتلاف لبعض ذاته فيضمنه كما يضمن المتعدي على المنافع لأن قيام الذات من جملة المنافع هذا أيضا مما يصح أن يبني عليه الخلاف" (١). ومنها - أيضا - أن يذكر "و" يقال بأن الشخص المغتصب "الذي يرد ما يغتصبـ"ــه وهو "بحاله" لم يتغير منه شيء إلى صاحبه هو في الحكم "كالمتعدي" فيه يعد و"يحسب" لأن الصورة فيهما معا واحدة، "ولا أثر لقصد الغصب إذا كان الغاصب قد رد ما غصب استرواحا من قاعدة مالك في اعتبار الأفعال دون النظر إلى المقاصد وإلغائه الوسائط أو لا يعد كذلك فالذي يشير إليه قول مالك هنا أن للقصد أثرا وظاهر كلام ابن القاسم أن لا أثر له ولذلك لما قال مالك في الغاصب أو السارق إذا حبس الشيء المأخوذ عن أسواقه ثم رده بحاله لم يكن لربه أن يضمنه وإن كان مستعيرا أو متكاريا ضمن قيمته قال ابن القاسم لولا ما قاله مالك لجعلت على السارق مثل ما جعل على المتكاري" (٢). "فهذه" الأوجه الفقهية والمآخذ المذكورة هي التي "الخلف" بين أهل العلم في هذا المقام يدار "عليها" من حيث اعتبار بعضها دون بعض، على الصورة المتقدم ذكرها، و"تجري" كما تقدم تقريره "إذا فالأصل" المتقدم ذكره - وهو أن ما كان من الأوامر والنواهي بالقصد الأول فحكمه منحتم بخلاف ما كان بالقصد الثاني - "صح واستقرا" - الألف للإطلاق - ثابتا.

стр. 735

" المسألة الثامنة " ١٨٧٣ - تَوَارُدُ الأَمْرِ مَعَ النَّهْيِ عَلَا … شَيْئَيْنِ مَعْ تَلَازُمٍ قَدْ حَصَلَا ١٨٧٤ - بِحَيْثُ يَأْتِي وَاحِدٌ لَوْ يَنْفَرِدْ … فِي الأَمْرِ وَالآخَرُ فِي النَّهْيِ يَرِدْ ١٨٧٥ - يُنْظَرُ فِيهِ فَالْمُوَافِي بِالتَّبَعْ … وُجُودًا أَوْ فِي الْعُرْفِ غَيْرُ مُتَّبَعْ ١٨٧٦ - وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مِنْهُ مَا انْصَرَفَ … لِجِهَةِ الْمَتْبُوعِ قَصْدًا مَنْ سَلَفْ ١٨٧٧ - وَذَا بِالاسْتِقْرَاءِ فِي الْمَشْرُوعِ … لِلْحُكْمِ فِي الْتَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ " المسألة الثامنة" في أن الأمر النهي إذا توارادا على شيئين متلازمين فيكون أحدهما مأمورًا به والآخر منهيا عنه فإن المعتبر منهما المتبوع دون التابع. وبيان ذلك وتفصيل القول فيه إن "توارد" مجيء "الأمر" الشرعي "مع النهي" الشرعي "على شيئين مع" وقوع "تلازم" وجودي بينهما أمر "قد حصلا" - الألف للإطلاق - ووقع، وذلك "بحيث يأتي واحد" منهما "لو" فرض أنه "ينفرد" داخلا "في" الذي يجري عليه حكم ذلك "الأمر" فيكون مأمورا به "والآخر" داخلا "في"الذي عليه حكم ذلك "النهي يرد" فيكون منهيا عنه عند فرض الانفراد، وأحدهما يكون في حكم التبع للآخر. وما كان وارادا من صور الأحكام على هذا الوجه لمعرفة ما يؤخذ منه من حكم ويعتبر، وما ليس كذلك "ينظر فيه" بمعيار الأصالة والتبع "فالموافي "أي الآتي الوارد من الاقتضاءين متصفا "بالتبع" للإقتضاء الآخر "وجودا" بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود الخارجي "أو في العرف" الشرعي أو العادي فإنه اقتضاء ساقط اعتباره ملغى "غير متبع" مقتضاه شرعا "وإنما اعتبر منه" أي من ذلك الذي ورد على هذه الصورة "ما انصرف" من الحكم وثبت "لجهة" الإقتضاء "المتبوع قصدا من سلف" من أهل العلم. "وذا" أمر ثابث "بـ" أدلة (١): "الاستقراء" الحاصل "في المشروع" يعني الشريعة، ذلك الإستقراء الذي حصل "للحكم في تباع و "كذلك في حكم "المتبوع" والذي تبين به ما تقدم ذكره.

стр. 736

١٨٧٨ - وَمُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَا … يَرَى أَنَّ النَّهْيَ مِمَّا قُصِدَا ١٨٧٩ - وَحَالُ مَتْبُوعٍ وَحَالُ تَابِعِ … بَادٍ مِنَ الأُصُولِ وَالْمَنَافِعِ ١٨٨٠ - كِلَاهُمَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَقْدُ … وَيُتْبَعُ الآخَرُ فِيهِ بَعْدُ " و" أما من هو "مبطل للبيع في وقت النداء" لصلاة الجمعة كمالك فإنه "يرى بأن النهي" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] "مما قصدا" بذاته، فهو ليس عنده تابعا للأمر بالسعي إلى هذه الصلاة. "وحال متبوع" من ذلك الذي ورد على هذه الصورة "وحال تابع" منه "باد" وظاهر وجهه "من" العقد على "الأصول والمنافع" والغلات التابعة لها، ومن المنافع والأصول التابعة لتحصيلها، "كلاهما يجوز فيه العقد ويتبعـ"ــه "الآخر" منهما "فيه" أي في ذلك العقد "بعد" أي بعد جريانه في المتبوع منهما مما يقصد في نفسه. "فللإنسان أن يمتلك الرقاب ويتبعها منافعها وله أيضا أن يتملك أنفس المنافع خاصة وتتبعها الرقاب من جهة استيفاء المنافع ويصح القصد إلى كل واحد منهما فمثل هذه الأمثلة يتبين فيها وجه التبعية بصور لا خلاف فيها وذلك أن العقد في شراء الدار أو الفدان أو الجنة أو العبد أو الدابة أو الثوب وأشباه ذلك جائز بلا خلاف وهو عقد على الرقاب لا على المنافع التابعة لها لأن المنافع قد تكون موجودة والغالب أن تكون وقت العقد معدومة وإذا كانت معدومة امتنع العقد عليها للجهل بها من كل جهة ومن كل طريق إذ لا يدري مقدارها ولا صفتها ولا مدتها ولا غير ذلك بل لا يدري هل توجد من أصل أم لا فلا يصح العقد عليها على فرض انفرادها للنهي عن بيع الغرر والمجهول بل العقد على الأبضاع لمنافعها جائز ولو انفرد العقد على منفعة البضع لامتنع مطلقا إن كان وطئا ولامتنع فيما سوى البضع أيضا إلا بضابط يخرج المعقود عليه من الجهل إلى العلم كالخدمة والصنعة وسائر منافع الرقاب المعقود عليها على الانفراد والعكس كذلك أيضا كمنافع الأحرار يجوز العقد عليها في الإجارات على الجملة باتفاق ولا يجوز العقد على الرقاب باتفاق ومع ذلك فالعقد على المنافع فيه يستتبع العقد على الرقبة إذ الحر محجور عليه زمن استيفاء المنفعة من رقبته بسبب العقد وذلك أثر كون الرقبة معقودا عليها لكن بالقصد الثاني وهذا المعنى أوضح من أن يستدل عليه وهو على الجملة يعطى أن التوابع مع المتبوعات لا يتعلق بها من حيث هي توابع أمر ولا نهي وإنما يتعلق بها الأمر والنهي

стр. 737

١٨٨١ - لَاكِنَّمَا الْمَنَافِعُ الْمَذْكُورَهْ … أَقْسَامُهَا ثَلَاثَةٌ مَحْصُورَهْ ١٨٨٢ - أَحَدُهَا مَا لَيْسَ بِالْمَقْصُودِ … لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْدُ فِي الْوُجُودِ ١٨٨٣ - فَلَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ الأَصْلَا … مُتَّبَعٌ لِكَوْنِهِ اسْتَقَلَّا ١٨٨٤ - وَعَكْسُهُ مَا كَانَ ذَا اسْتِقْلَالِ … فِي الْحُكْمِ وَالْوُجُودِ لَا الْمَئَالِ ١٨٨٥ - فَذَاكَ لَا خِلَافَ فِي انْقِطَاعِهِ … عَن أَصْلِهِ وَالتَّرْكِ لاتِّبَاعِهِ إذا قصدت ابتداء وهي إذ ذاك متبوعة لا تابعة" (١). وانظر مزيد تقرير وتأصيل لهذه المسألة في الأصل. في بيان أن منافع الرقاب ليس قسما واحدا "لكنما" تلك "المنافع المذكورة أقسامها" متعددة إذ هي أقسام "ثلاثة محصورة" معدوده: "أحدها" هو "ما" أي الذي "ليس بالمقصود" في العقد البتة، وذلك "لكونه لم يبد" أي لم يظهر "في الوجود" فهو معدوم، وذلك كثمرة الشجرة قبل الخروج، وولد الحيوان قبل الحمل، وما أشبه ذلك. "فـ" هذا القسم "لا خلاف" ولا نزاع "فيه" أي في "أن الأصلا" - الألف للإطلاق - فيه، وهو - مثلا - الشجرة في المثال الأول، وولد الحيوان في المثال الثاني "متبع" - بفتح الباء - "لكونه" في الاعتبار كأنه "استقلا" - الألف للإطلاق - بالعقد، وانفرد به من اعتبار أي أمر آخر سواه فيه، وتلك المنافع لما لم تكن مستقلة بذاتها حقيقة لم يعرج على اعتبارها في الحكم. وهنا ترد القاعدة الفقهية المعروفة وهي أن "التابع لا يفرد بالحكم" "و" ثانيها - أي هذه الأقسام - هو "عكسه" أي عكس هذا القسم المذكور - القسم الأول - وهو "ما كان" من المنافع "ذا استقلال في الحكم" العادي أو الشرعي "و" في "الوجود" الخارجي "لا" ما قد يكون صاحب استقلال وانفراد في "المئال" المتوقع المنتظر فإنه ليس من هذا القسم الذي من أمثلته الثمرة بعد الإفراك واليبس وولد الحيوان بعد استغنائه عن أمه، وما أشبه ذلك. "فذاك" يعني فهذا القسم "لا خلاف" بين أهل العلم "في"حصول وثبوت "انقطاعه" وانفصاله "عن أصله" وهو في المثال الأول الشجرة وفي المثال الثاني الحيوان "و" ثبوت "الترك" يعني تركه "لاتباعه" له، فحكم التبعية منقطع عنه، فحكمه مع حكم

стр. 738

١٨٨٦ - وَثَالِثٌ مُبَايِنٌ لِلأصْل … لَاكنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِلِّ ١٨٨٧ - وَمِنْهُ مَحْسُوسٌ وَمَا فِي حُكْمِهِ … وَالْحُكْمُ شَامِلٌ لِضَرْبَيْ قِسْمِهِ ١٨٨٨ - فَهْوَ مَجَالٌ لاجْتِهَادٍ وَنَظَرْ … بِمَا مِنَ آمْرِ الطَّرَفَيْنِ يُعْتَبَرْ الأصل حكم غير المتلازمين إذا اجتمعا قصدا، وعليه فلا بد من اعتبار كل واحد منهما على القصد الأول مطلقا في جميع صور العقد عليهما. "و" أما الذي هو "ثالث" من هذه الأقسام فإنه الذي هو "مباين للأصل" منفصل عنه بوجوده الخارجي "لا كنه ليس بمستقل" عنه، كما في القسم السابق، وبذلك فإنه قد اجتمع فيه مباينته للأصل، وفقده للانفراد والانفصال، وبذلك فإنه ليس بمنتظم في سلك القسم الأول، ولا في سلك القسم الثاني. "و" هو على ضربين إذ "منه" ما هو "محسوس"، كالثمرة الظاهرة قبل مزايلة الأصل على الوجه المتقدم ذكره، والعبد ذي المال الحاضر تحت ملكه، وولد الحيوان قبل الإستغناء عن أمه ونحو ذلك. وهذا هو الضرب الأول في هذا القسم "و" الضرب الثاني منه "ما في حكمه" أي المحسوس وذلك كمنافع العروض والحيوان والعقار، ونحو ذلك مما حصلت فيه الهيئة للتصرفات الفعلية، كاللبس والركوب، والوطء، والخدمة، والإستصناع، والازدراع وأشباه ذلك. وكل واحد من هذين الضربين قد اجتمع مع صاحبه من وجه - وهو مباينته للأصل من غير استقلال - وانفرد عنه من وجه - وهو كون أحدهما محسوسا والآخر ليس كذلك، والتهيؤ للتصرفات الفعلية في أحدهما دون الآخر "و" لكن "الحكم" الوارد في هذا واحد إذ "شامل لـ" ما تقدم ذكره من "ضربي قسمه" أي ما ذكر من المنافع يعني لضربي هذا القسم من المنافع، وهذا الحكم يتجاذبه ما في موضوعه - وهو هذا القسم - من شائبتي المباينة، وعدم الإستقلال. وبذلك "فهو مجال" وموضع "لاجتهاد ونظر" فقهي مدار ما يبني به من حكم على الترجيح "بما" أي الذي يعتد به من "أمر" وشأن هذين "الطرفين" المتعارضين - هنا - وهما كما تقدم المباينة وعدم الاستقلال - و"يعتبر" فقد يظهر للمجتهد اعتبار ورجحان

стр. 739

١٨٨٩ - إِذْ لَهُمَا تَجَاذُبٌ فِي الَامْرِ … لَيْسَ عَلَى حَدِّ سَوَاءٍ يَجْرِي عدم الاستقلال فيبنى حكمه عليه، وقد يظهر له رجحان المباينة فيصير إلى الحكم بمقضاه "إذ لهما" أي الطرفين - كما تقدم ذكره - "تجاذب" للحكم "في" واقع "الأمر" وهو تجاذب "ليس على حد سواء يجري" مقتضاه وما يبنى عليه من حكم لما ثبتت التبعية على الجملة ارتفع توارد الطلبين عنه - أي عن هذا القسم - وصار المعتبر ما يتعلق بجهة المتبوع كما مر بيانه. ومن جهة أخرى: "لما برز التابع وصار مما يقصد تعلق الغرض في المعاوضة عليه أو في غير ذلك من وجوه المقاصد التابعة على الجملة ولا ينازع في هذا أيضا إذ لا يصح أن تكون الشجرة المثمرة في قيمتها لو لم تكن مثمرة وكذلك العبد دون مال لا تكون قيمته كقيمته مع المال ولا العبد الكاتب كالعبد غير الكاتب فصار هذا القسم من هذه الجهة محل نظر واجتهاد بسبب تجاذب الطرفين فيه وأيضا فليس تجاذب الطرفين على حد واحد بل يقوى الميل إلى أحد الطرفين في حال ولا يقوى في حال أخرى وأنت تعلم أن الثمرة حين بروزها الإبار ليست في القصد ولا في الحكم كما بعد الإبار وقبل بدو الصلاح ولا هي قبل بدو الصلاح كما بعد بدو الصلاح وقبل اليبس فإنها قبل الإبار للمشترى فإذا أبرت فهي عند أكثر العلماء للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فتكون له عند الأكثر فإذا بدا صلاحها فقد قربت من الاستقلال وبعدت من التبعية فجاز بيعها بانفرادها ولكن من اعتبر الاستقلال قال هي مبيعة على حكم الجذ كما لو يبست على رؤوس الشجر فلا جائحة فيها ومن اعتبر عدم الاستقلال وأبقى حكم التبعية قال حكمها على التبعية لما بقي من مقاصد الأصل فيها ووضع فيها الجوائح اعتبارا بأنها لما افتقرت إلى الأصل كانت كالمضمونة إليه التابعة له فكأنها على ملك صاحب الأصل وحين تعين وجه الانتفاع بها على المعتاد صارت كالمستقلة فكانت الجائحة اليسيرة مغتفرة فيها لأن اليسير في الكثير كالتبع ومن هنا اختلفوا في السقي بعد بدو الصلاح هل هو على البائع أم على المبتاع فإذا انتهى الطيب في الثمرة ولم يبق لها ما تضطر إلى الأصل فيه وإنما بقي ما يحتاج إليه فيه على جهة التكملة من بقاء النضارة وحفظ المائية اختلف هل بقي فيها حكم الجائحة أم لا بناء على أنها استقلت بنفسها وخرجت عن تبعية الأصل مطلقا أم لا فإذا انقطعت المائية والنظارة اتفق الجميع على حكم الاستقلال فانقطعت التبعية وعلى نحو من هذا التقرير يجري الحكم في كل ما يدخل

стр. 740

١٨٩٠ - وَكَمْ لِهَذَا الأَصْلِ مِنْ فَوَائِدَ … عَمِيمَةِ النَّفْعِ لَدَى مَوَارِدَ ١٨٩١ - مِنْهَا اتِّبَاعُ تَافِهِ لأَشْيَاءِ … لِمَا لَهُ الْكَثْرَةُ فِي الأَنْحَاءِ ١٨٩٢ - مِثْلُ اكْتِرَاءِ الدَّارِ فِيهَا شَجَرَهْ … وَكُلُّ مَا قِلَّتُهُ مُقْتَفِرَهْ تحت هذه الترجمة" (١). "وكم" - للتكثير - أي كثير الذي يجني "لـ" رعاية "هذا الأصل" والعمل بمقتضاه "من فوائد" فقهية "عميمة" أي شاملة "النفع لدى" أي في "موارد" أي مواضع ومواطن الأحكام التي يجري حكمها عليها. "منها" أي تلك الفوائد حصول "اتباع" ما يعد من "تافه" أي قليل "الأشياء" "لما" هو متبوع "له" وهو الذي له "الكثرة" والغلبة "في الأنحاء" أي الجهات المعتبرة شرعا في الأحكام من حيث قوتها ورجحانها إذا صاحبت ما سواها مما هو له تابع لها، وذلك يجري في "مثل" مسألة "اكتراء الدار" التي "فيها شجره" فإنه تابع لها، ما لم تزد قيمته على الثلث وهذا حكم كل ما هو ثابت فيها من أبواب، ورفوف. وكذلك مسألة الإجارة على الإمامة مع الآذان أو خدمة المسجد. ومسألة مساقاة الشجر يكون بينها البياض - الأرض غير المغروسة - اليسير، ففي المدونة - كتاب المساقاة -: قال ابن وهب: وأخبرني من أثق به من أهل العلم، قال: سمعت رجالا من أهل العلم يقولون في الأرض يكون فيها الأصل والبياض أيهما كان ردفا الغي واكتريت بكراء أكثرهما، إن كان البياض أفضلهما اكتريت بالذهب والورق، وإن كان الأصل أفضلهما اكتريت بالجزء مما يخرج منها من ثمرة. وأيهما كان ردفا الغي، وحمل كراءه على كراء صاحبه. ومسألة الصرف والبيع إذا كان احدهما يسيرا (٢). "و" هكذا حكم "كل ما قلته" وندورته "مقتفرة" - بكسر الفاء - أي متبعة لما سواها في الحكم لأنها لما انضمت إلى ما هو أكثر منها وأغلب الغي اعتبارها والأصل هو
следующие страницы →