← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

١٨٧٨ - وَمُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَا … يَرَى أَنَّ النَّهْيَ مِمَّا قُصِدَا ١٨٧٩ - وَحَالُ مَتْبُوعٍ وَحَالُ تَابِعِ … بَادٍ مِنَ الأُصُولِ وَالْمَنَافِعِ ١٨٨٠ - كِلَاهُمَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَقْدُ … وَيُتْبَعُ الآخَرُ فِيهِ بَعْدُ " و" أما من هو "مبطل للبيع في وقت النداء" لصلاة الجمعة كمالك فإنه "يرى بأن النهي" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] "مما قصدا" بذاته، فهو ليس عنده تابعا للأمر بالسعي إلى هذه الصلاة. "وحال متبوع" من ذلك الذي ورد على هذه الصورة "وحال تابع" منه "باد" وظاهر وجهه "من" العقد على "الأصول والمنافع" والغلات التابعة لها، ومن المنافع والأصول التابعة لتحصيلها، "كلاهما يجوز فيه العقد ويتبعـ"ــه "الآخر" منهما "فيه" أي في ذلك العقد "بعد" أي بعد جريانه في المتبوع منهما مما يقصد في نفسه. "فللإنسان أن يمتلك الرقاب ويتبعها منافعها وله أيضا أن يتملك أنفس المنافع خاصة وتتبعها الرقاب من جهة استيفاء المنافع ويصح القصد إلى كل واحد منهما فمثل هذه الأمثلة يتبين فيها وجه التبعية بصور لا خلاف فيها وذلك أن العقد في شراء الدار أو الفدان أو الجنة أو العبد أو الدابة أو الثوب وأشباه ذلك جائز بلا خلاف وهو عقد على الرقاب لا على المنافع التابعة لها لأن المنافع قد تكون موجودة والغالب أن تكون وقت العقد معدومة وإذا كانت معدومة امتنع العقد عليها للجهل بها من كل جهة ومن كل طريق إذ لا يدري مقدارها ولا صفتها ولا مدتها ولا غير ذلك بل لا يدري هل توجد من أصل أم لا فلا يصح العقد عليها على فرض انفرادها للنهي عن بيع الغرر والمجهول بل العقد على الأبضاع لمنافعها جائز ولو انفرد العقد على منفعة البضع لامتنع مطلقا إن كان وطئا ولامتنع فيما سوى البضع أيضا إلا بضابط يخرج المعقود عليه من الجهل إلى العلم كالخدمة والصنعة وسائر منافع الرقاب المعقود عليها على الانفراد والعكس كذلك أيضا كمنافع الأحرار يجوز العقد عليها في الإجارات على الجملة باتفاق ولا يجوز العقد على الرقاب باتفاق ومع ذلك فالعقد على المنافع فيه يستتبع العقد على الرقبة إذ الحر محجور عليه زمن استيفاء المنفعة من رقبته بسبب العقد وذلك أثر كون الرقبة معقودا عليها لكن بالقصد الثاني وهذا المعنى أوضح من أن يستدل عليه وهو على الجملة يعطى أن التوابع مع المتبوعات لا يتعلق بها من حيث هي توابع أمر ولا نهي وإنما يتعلق بها الأمر والنهي

стр. 737

١٨٨١ - لَاكِنَّمَا الْمَنَافِعُ الْمَذْكُورَهْ … أَقْسَامُهَا ثَلَاثَةٌ مَحْصُورَهْ ١٨٨٢ - أَحَدُهَا مَا لَيْسَ بِالْمَقْصُودِ … لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْدُ فِي الْوُجُودِ ١٨٨٣ - فَلَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ الأَصْلَا … مُتَّبَعٌ لِكَوْنِهِ اسْتَقَلَّا ١٨٨٤ - وَعَكْسُهُ مَا كَانَ ذَا اسْتِقْلَالِ … فِي الْحُكْمِ وَالْوُجُودِ لَا الْمَئَالِ ١٨٨٥ - فَذَاكَ لَا خِلَافَ فِي انْقِطَاعِهِ … عَن أَصْلِهِ وَالتَّرْكِ لاتِّبَاعِهِ إذا قصدت ابتداء وهي إذ ذاك متبوعة لا تابعة" (١). وانظر مزيد تقرير وتأصيل لهذه المسألة في الأصل. في بيان أن منافع الرقاب ليس قسما واحدا "لكنما" تلك "المنافع المذكورة أقسامها" متعددة إذ هي أقسام "ثلاثة محصورة" معدوده: "أحدها" هو "ما" أي الذي "ليس بالمقصود" في العقد البتة، وذلك "لكونه لم يبد" أي لم يظهر "في الوجود" فهو معدوم، وذلك كثمرة الشجرة قبل الخروج، وولد الحيوان قبل الحمل، وما أشبه ذلك. "فـ" هذا القسم "لا خلاف" ولا نزاع "فيه" أي في "أن الأصلا" - الألف للإطلاق - فيه، وهو - مثلا - الشجرة في المثال الأول، وولد الحيوان في المثال الثاني "متبع" - بفتح الباء - "لكونه" في الاعتبار كأنه "استقلا" - الألف للإطلاق - بالعقد، وانفرد به من اعتبار أي أمر آخر سواه فيه، وتلك المنافع لما لم تكن مستقلة بذاتها حقيقة لم يعرج على اعتبارها في الحكم. وهنا ترد القاعدة الفقهية المعروفة وهي أن "التابع لا يفرد بالحكم" "و" ثانيها - أي هذه الأقسام - هو "عكسه" أي عكس هذا القسم المذكور - القسم الأول - وهو "ما كان" من المنافع "ذا استقلال في الحكم" العادي أو الشرعي "و" في "الوجود" الخارجي "لا" ما قد يكون صاحب استقلال وانفراد في "المئال" المتوقع المنتظر فإنه ليس من هذا القسم الذي من أمثلته الثمرة بعد الإفراك واليبس وولد الحيوان بعد استغنائه عن أمه، وما أشبه ذلك. "فذاك" يعني فهذا القسم "لا خلاف" بين أهل العلم "في"حصول وثبوت "انقطاعه" وانفصاله "عن أصله" وهو في المثال الأول الشجرة وفي المثال الثاني الحيوان "و" ثبوت "الترك" يعني تركه "لاتباعه" له، فحكم التبعية منقطع عنه، فحكمه مع حكم

стр. 738

١٨٨٦ - وَثَالِثٌ مُبَايِنٌ لِلأصْل … لَاكنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِلِّ ١٨٨٧ - وَمِنْهُ مَحْسُوسٌ وَمَا فِي حُكْمِهِ … وَالْحُكْمُ شَامِلٌ لِضَرْبَيْ قِسْمِهِ ١٨٨٨ - فَهْوَ مَجَالٌ لاجْتِهَادٍ وَنَظَرْ … بِمَا مِنَ آمْرِ الطَّرَفَيْنِ يُعْتَبَرْ الأصل حكم غير المتلازمين إذا اجتمعا قصدا، وعليه فلا بد من اعتبار كل واحد منهما على القصد الأول مطلقا في جميع صور العقد عليهما. "و" أما الذي هو "ثالث" من هذه الأقسام فإنه الذي هو "مباين للأصل" منفصل عنه بوجوده الخارجي "لا كنه ليس بمستقل" عنه، كما في القسم السابق، وبذلك فإنه قد اجتمع فيه مباينته للأصل، وفقده للانفراد والانفصال، وبذلك فإنه ليس بمنتظم في سلك القسم الأول، ولا في سلك القسم الثاني. "و" هو على ضربين إذ "منه" ما هو "محسوس"، كالثمرة الظاهرة قبل مزايلة الأصل على الوجه المتقدم ذكره، والعبد ذي المال الحاضر تحت ملكه، وولد الحيوان قبل الإستغناء عن أمه ونحو ذلك. وهذا هو الضرب الأول في هذا القسم "و" الضرب الثاني منه "ما في حكمه" أي المحسوس وذلك كمنافع العروض والحيوان والعقار، ونحو ذلك مما حصلت فيه الهيئة للتصرفات الفعلية، كاللبس والركوب، والوطء، والخدمة، والإستصناع، والازدراع وأشباه ذلك. وكل واحد من هذين الضربين قد اجتمع مع صاحبه من وجه - وهو مباينته للأصل من غير استقلال - وانفرد عنه من وجه - وهو كون أحدهما محسوسا والآخر ليس كذلك، والتهيؤ للتصرفات الفعلية في أحدهما دون الآخر "و" لكن "الحكم" الوارد في هذا واحد إذ "شامل لـ" ما تقدم ذكره من "ضربي قسمه" أي ما ذكر من المنافع يعني لضربي هذا القسم من المنافع، وهذا الحكم يتجاذبه ما في موضوعه - وهو هذا القسم - من شائبتي المباينة، وعدم الإستقلال. وبذلك "فهو مجال" وموضع "لاجتهاد ونظر" فقهي مدار ما يبني به من حكم على الترجيح "بما" أي الذي يعتد به من "أمر" وشأن هذين "الطرفين" المتعارضين - هنا - وهما كما تقدم المباينة وعدم الاستقلال - و"يعتبر" فقد يظهر للمجتهد اعتبار ورجحان

стр. 739

١٨٨٩ - إِذْ لَهُمَا تَجَاذُبٌ فِي الَامْرِ … لَيْسَ عَلَى حَدِّ سَوَاءٍ يَجْرِي عدم الاستقلال فيبنى حكمه عليه، وقد يظهر له رجحان المباينة فيصير إلى الحكم بمقضاه "إذ لهما" أي الطرفين - كما تقدم ذكره - "تجاذب" للحكم "في" واقع "الأمر" وهو تجاذب "ليس على حد سواء يجري" مقتضاه وما يبنى عليه من حكم لما ثبتت التبعية على الجملة ارتفع توارد الطلبين عنه - أي عن هذا القسم - وصار المعتبر ما يتعلق بجهة المتبوع كما مر بيانه. ومن جهة أخرى: "لما برز التابع وصار مما يقصد تعلق الغرض في المعاوضة عليه أو في غير ذلك من وجوه المقاصد التابعة على الجملة ولا ينازع في هذا أيضا إذ لا يصح أن تكون الشجرة المثمرة في قيمتها لو لم تكن مثمرة وكذلك العبد دون مال لا تكون قيمته كقيمته مع المال ولا العبد الكاتب كالعبد غير الكاتب فصار هذا القسم من هذه الجهة محل نظر واجتهاد بسبب تجاذب الطرفين فيه وأيضا فليس تجاذب الطرفين على حد واحد بل يقوى الميل إلى أحد الطرفين في حال ولا يقوى في حال أخرى وأنت تعلم أن الثمرة حين بروزها الإبار ليست في القصد ولا في الحكم كما بعد الإبار وقبل بدو الصلاح ولا هي قبل بدو الصلاح كما بعد بدو الصلاح وقبل اليبس فإنها قبل الإبار للمشترى فإذا أبرت فهي عند أكثر العلماء للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فتكون له عند الأكثر فإذا بدا صلاحها فقد قربت من الاستقلال وبعدت من التبعية فجاز بيعها بانفرادها ولكن من اعتبر الاستقلال قال هي مبيعة على حكم الجذ كما لو يبست على رؤوس الشجر فلا جائحة فيها ومن اعتبر عدم الاستقلال وأبقى حكم التبعية قال حكمها على التبعية لما بقي من مقاصد الأصل فيها ووضع فيها الجوائح اعتبارا بأنها لما افتقرت إلى الأصل كانت كالمضمونة إليه التابعة له فكأنها على ملك صاحب الأصل وحين تعين وجه الانتفاع بها على المعتاد صارت كالمستقلة فكانت الجائحة اليسيرة مغتفرة فيها لأن اليسير في الكثير كالتبع ومن هنا اختلفوا في السقي بعد بدو الصلاح هل هو على البائع أم على المبتاع فإذا انتهى الطيب في الثمرة ولم يبق لها ما تضطر إلى الأصل فيه وإنما بقي ما يحتاج إليه فيه على جهة التكملة من بقاء النضارة وحفظ المائية اختلف هل بقي فيها حكم الجائحة أم لا بناء على أنها استقلت بنفسها وخرجت عن تبعية الأصل مطلقا أم لا فإذا انقطعت المائية والنظارة اتفق الجميع على حكم الاستقلال فانقطعت التبعية وعلى نحو من هذا التقرير يجري الحكم في كل ما يدخل

стр. 740

١٨٩٠ - وَكَمْ لِهَذَا الأَصْلِ مِنْ فَوَائِدَ … عَمِيمَةِ النَّفْعِ لَدَى مَوَارِدَ ١٨٩١ - مِنْهَا اتِّبَاعُ تَافِهِ لأَشْيَاءِ … لِمَا لَهُ الْكَثْرَةُ فِي الأَنْحَاءِ ١٨٩٢ - مِثْلُ اكْتِرَاءِ الدَّارِ فِيهَا شَجَرَهْ … وَكُلُّ مَا قِلَّتُهُ مُقْتَفِرَهْ تحت هذه الترجمة" (١). "وكم" - للتكثير - أي كثير الذي يجني "لـ" رعاية "هذا الأصل" والعمل بمقتضاه "من فوائد" فقهية "عميمة" أي شاملة "النفع لدى" أي في "موارد" أي مواضع ومواطن الأحكام التي يجري حكمها عليها. "منها" أي تلك الفوائد حصول "اتباع" ما يعد من "تافه" أي قليل "الأشياء" "لما" هو متبوع "له" وهو الذي له "الكثرة" والغلبة "في الأنحاء" أي الجهات المعتبرة شرعا في الأحكام من حيث قوتها ورجحانها إذا صاحبت ما سواها مما هو له تابع لها، وذلك يجري في "مثل" مسألة "اكتراء الدار" التي "فيها شجره" فإنه تابع لها، ما لم تزد قيمته على الثلث وهذا حكم كل ما هو ثابت فيها من أبواب، ورفوف. وكذلك مسألة الإجارة على الإمامة مع الآذان أو خدمة المسجد. ومسألة مساقاة الشجر يكون بينها البياض - الأرض غير المغروسة - اليسير، ففي المدونة - كتاب المساقاة -: قال ابن وهب: وأخبرني من أثق به من أهل العلم، قال: سمعت رجالا من أهل العلم يقولون في الأرض يكون فيها الأصل والبياض أيهما كان ردفا الغي واكتريت بكراء أكثرهما، إن كان البياض أفضلهما اكتريت بالذهب والورق، وإن كان الأصل أفضلهما اكتريت بالجزء مما يخرج منها من ثمرة. وأيهما كان ردفا الغي، وحمل كراءه على كراء صاحبه. ومسألة الصرف والبيع إذا كان احدهما يسيرا (٢). "و" هكذا حكم "كل ما قلته" وندورته "مقتفرة" - بكسر الفاء - أي متبعة لما سواها في الحكم لأنها لما انضمت إلى ما هو أكثر منها وأغلب الغي اعتبارها والأصل هو

стр. 741

١٨٩٣ - كَذَاكَ فِي التَّضْمِينِ لِلصُنَّاعِ … فِيمَا يَكُونُ تَابِعَ الْمَتَاعِ ١٨٩٤ - وَمُقْتَضَى الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ … مِنْهَا كَذَا الْمَزِيدُ فِي الأَثْمَانِ اتباع القليل للكثير، وقد استثنيت من ذلك أمور خصصت بالذكر والتنصيص عليها في كتب القواعد في الفقه المالكي مجموعة، وأوردت في كتب الفقه مفرقة بحسب الأبواب ومنها - أي تلك الفوائد المبنية على هذا الأصل - "كذاك ما" تقرر "في التضمين للصناع فيما" أي في الذي "يكون تابع المتاع" المستصنع، وذلك كجفن السيف، ومنديل الثوب، وطبق الخبز، ونسجة الكتاب المستنسخ، ووعاء القمح، ونحو ذلك فهل الصانع يضمن ذلك كله كما يضمن نفس المستصنع بناء على أنه تابع، ام لا؟ يضمنه لأنه وديعة عند الصانع (١)؟ "و" كذلك "مقتضى" قاعدة "الخراج بالضمان" فإن ذلك "منها" أي من هذه الفوائد، فالخراج تابع للأصل، فإذا كان الملك حاصلا فيه شرعا فمنافعه تابعة، سواء طرأ بعد ذلك استحقاق أولا، فإن طرأ الاستحقاق بعد ذلك كان كانتقال الملك على الاستئناف، وتأمل مسائل الرجوع بالغلات في الاستحقاق أو عدم الرجوع تجدها جارية على هذا الأصل. ومنها "كذا" لك حكم "المزيد" أي الزيادة "في الأثمان" لأجل الأشياء التابعة المقصودة، فهل تكون تلك الزيادة مقصودة على الجملة لا على التفصيل؟ أو هي مقصودة على الجملة والتفصيل؟ "والحق الذي تقتضيه التبعية أن يكون القصد جمليا لا تفصيليا إذ لو كان تفصيليا لصار إلى حكم الاستقلال فكان النهي واردا عليه فامتنع وكذلك يكون إذا فرض هذا القصد فإن كان جمليا صح بحكم التبعية وإذا ثبت حكم التبعية فله جهتان جهة زيادة الثمن لأجله وجهة عدم القصد إلى التفصيل فيه فإذا فات ذلك التابع فهل يرجع بقيمته أم لا يختلف في ذلك ولأجله اختلفوا في مسائل داخلة تحت هذا الضابط كالعبد إذا رد بعيب وقد كان أتلف ماله فهل يرجع على البائع بالثمن كله أم لا وكذلك ثمرة الشجرة وصوف الغنم وأشباه ذلك" (٢). ومسائل هذا الباب كثيرة.

стр. 742

١٨٩٥ - وَكُلُّ مَا لَا نَفْعَ فِي الْمَعْقُودِ … عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ فِي الْعُقُودِ ١٨٩٦ - وَمَا بِهِ النَّفْعُ عَلَى أَقْسَامِ … أَحَدُهَا الْخَالِصُ لِلْحَرَامِ ١٨٩٧ - وَمَا يُرَى فِي خَارجٍ بِحَالِ … كعَكْسِهِ الخَالِصُ لِلْحَلَالِ ١٨٩٨ - فَيَرْجِعَانِ عِنْدَ ذَا لِلثَّالِثِ … الْمُقْتَضِى لِلْحُكْمِ وَالْمَبَاحِثِ " فصل" في أن ما لا ينفع لا تجري عليه العقود، بخلاف النافع فإنه تجري عليه "و" بيان ذلك أن "كل ما" ثبت أنه "لا نفع" ولا مصلحة "في" الشيء "المعقود عليه" فإنه "لا يصلح" شرعا جعله محلا "في العقود" عليه، إذ من شرط ما تجري فيه عقود المعاوضات أن يكون منتفعا به. قال المالكية: شروط المعقود عليه ثمنا كان أو مثمنا ستة: وهي: الطهارة، والانتفاع به، والإباحة، والقدرة على تسليمه، وعدم نهي، وعدم جهل. "و" أما "ما" يحصل "به النفع" ويقع فإنه "على أقسام" ثلاثة: "أحدهما الخالص" المتمحض "للحرام" الذي ليس فيه شائبة من الحلال على الاطلاق وهذا حكمه انه مجرى ما لا منفعة فيه البتة "و" لكن هذا القسم "ما" أي ليس "يرى" أي يوجد "في الخارج" عن الأذهان "بحال" من الأحوال "كعكسه" وهو "الخالص" المتمحض "للحلال" الذي لا يشوبه شيء من موجبات الحرام - وهو القسم الثاني وهذا حكمه صحة العقد عليه وبه - وهو - أيضا - لا وجود له في الخارج، إذ ما من عين موجودة يمكن الانتفاع بها والتصرف فيها إلا وفيها جهة مصلحة، وجهة مفسدة، والعبرة بما ترجح من ذلك، كما تقدم ذكره في كتاب المقاصد. فلا بد من هذا الاعتبار، وهو ظاهر بالاستقراء. ولهذا "فـ" إن هذين الضربين "يرجعان" في واقع الأمر "عند ذا" أي هذا الذي تقرر من أنه لا مصلحة محضة ولا مفسدة محضة في أمور هذه الدنيا، ويؤول أمرهما "لـ" لقسم "الثالث" وهو أن يجمع في أي محل منافع تحل، ومنافع تحرم بحيث يكون بعض المنافع فيه حلالا، وبعضها الآخر فيه يكون حراما. وهذا القسم هو "المقتضى" والمستدعى حاله "للحكم" الشرعي "والمباحث" اللائقة به باعتبار ما يرد به من صور،

стр. 743

١٨٩٩ - وَهْوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يَقَعْ … ذَا جَانِبَيْنِ تَابِعٌ وَمُتَّبَعْ ١٩٠٠ - بِحُكْمِ أَصْلِ الْعُرْفِ فِي الْمَوَاقِعِ … فَالْحُكْمُ لِلْمَتْبُوعِ لَا لِلتَّابِعِ ١٩٠١ - إِلَّا إِذَا مَا خُصَّ بِالْقَصْدِ عَلَى … خِلَافِ مَا الْعُرْفُ بِهِ قَدْ حَصَلَا " وهو "- أي هذا التقسيم - يأتي "على ضربين" إذ "منه ما" أي الذي "يقع" حال كونه "ذا جانبين" وهما الجانب الذي هو "تابع و" هو الجانب الذي هو غير مقصود والجانب الذي هو "متبع" - بفتح الباء - وهو الجانب المقصود وذلك يعرف "بحكم أصل" ومقتضى "العرف" الجاري بين الناس "في المواقع" التي تضمنت تلك المنافع والمواضع التي احتوت عليها، فما كان هكذا "فالحكم" الجاري به بلا إشكال "للمتبوع" المقصود بالأصالة والعرف، "لا للتابع" المذكور، وذلك لأنا لو اعتبرنا الجانب التابع لم يصح لنا تملك عين من الأعيان، ولا عقد عليه لأجل منافعه لأن فيه منافع محرمة، وهو من الأدلة على سقوط الطلب في جهة التابع. وقد تقدم بيان هذا المعنى في المسألة السابقة، وإن جهة التبعية يلغى فيها ما تعلق بها من الطلب، فكذلك ههنا "إلا إذا ما" وقع الخروج عما هو معتاد في ذلك و "خص" بالنية اتيان المحرم و"بالقصد" إليه من المكلف وقصد منه العمل "على خلاف ما العرف به قد حصلا" - الألف للإطلاق - واستقر، فإن هذا يحتمل وجهين: الأول: اعتبار القصد الأصيل وإلغاء التابع وأن كان مقصودا، فيرجع إلى الضرب الأول. والثاني: اعتبار القصد الطارئي المخالف للمعتاد، واعتبار ما سواه مما هو معتاد كالتابع، فيكون الحكم له - أي لذلك القصد الطارئ - مثاله في ذي المنافع المباحة بالاصالة شراء الأمة بقصد اسلامها للبغاء كسبا به، وشراء الغلام للفجور به، وشراء العنب ليعصر خمرا، والسلاح لقطع الطريق، وما أشبه ذلك مما صرف على أصله العادي المبيح لشراءه وبيعه إلى أمر موجب لمنع ذلك فيه (١). ومثاله في ذي المنافع المحرمة بالأصالة "شراء الكلب للصيد والضرع والزرع على رأي من منع ذلك وشراء السرقين لتدمين المزارع وشراء الخمر للتخليل وشراء شحم

стр. 744

١٩٠٢ - وَلانْصِرَافِ الْقَصْدِ لِلأصْلِيِّ … بِمُقْتَضَى التَّخَاطُبِ الْعُرْفِيِّ ١٩٠٣ - يُحْذَفُ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مَا … تَعَلَّقَا بِهِ لأَنْ قَدْ عُلِمَا الميتة لتطلى به السفن أو يستصبح به الناس وما أشبه ذلك والمنضبط هو الأول والشواهد عليه أكثر لأن اعتبار ما يقصد بالأصالة والعادة هو الذي جاء في الشريعة القصد إليه بالتحريم والتحليل فإن شراء الأمة للانتفاع بها في التسري إن كانت من على الرقيق أو الخدمة إن كانت من الوخش وشراء الخمر للشرب والميتة والدم والخنزير للأكل هو الغالب المعتاد عند العرب" (١). "ولـ" أجل "انصراف القصد" من كلام وتوجهه "للـ" نفع "الأصلي" العادي الذي يراد "بمقتضى التخاطب العرفي "الجاري بين العرب "تحذف في "مجاري ذكر "التحريم و" كذلك في مجاري ذكر "التحليل" في النصوص الشرعية "ما" أي الذي "تعلقا به" ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وإنما حذف متعلق ما ذكر من التحريم والتحليل في ذلك "لـ" "انـ"ــه "قد علما" - الألف للإطلاق - وعرف بمقتضى العرف، إذ النساء لم يعتد اكلهن ولا شربهن ولا لبسهن، وإنما اعتيدت معاشرتهن على الوجه المعروف، فكان مدركا انه مصب الحكم ومتعلقه. وهذا يقال في تحريم الميتة فالأنعام لا تشرب ولا تلبس ولا تنكح عادة، وإنما تؤكل، فبذلك عرف ان هذا هو المتعلق به الحكم في ذلك. وعلى هذا السبيل يقرر كل ما ورد فيه التحليل والتحريم متعلقهما فيه لم يذكر وإنما علقا فيه على الذات. وقد يرد التنصيص على متعلق الحكم وهو لا يقتضي قصر الحكم عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقوله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وأشباه ذلك، فإن أكل ذلك ليس وحده المحرم، فغيره مثله ما كان بالباطل، وبالظلم إلا أن أول المقاصد وأعظمها في ذلك هو الأكل المنصوص عليه، وما سواه مما يقصد بالتبع، وما لا يقصد في نفسه عادة إلا بالتبعية لا حكم له. وقد ورد تحريم الميتة واخواتها - الدم والخمر

стр. 745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأصنام - وقيل للنبي ﷺ إنه تطلى به السفن ويستصبح به الناس. "فأورد ما دل على منع البيع ولم يعذرهم بحاجتهم إليه في بعض الأوقات لأن المقصود وهو الأكل محرم وقال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها وقال في الخمر: إن الذي حرم شربها حرم بيعها وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه لأجل أن المقصود من المحرم في العادة هو الذي توجه إليه التحريم وما سواه تبع لا حكم له ولأجل ذلك أجازوا نكاح الرجل ليبر يمينه إذا حلف أن يتزوج على امرأته ولم يكن قصده البقاء لأن هذا من توابع النكاح التي ليست بمقصودة في أصل النكاح ولا تعتبر في أنفسها وإنما تعتبر من حيث هي توابع ولو كانت التوابع مقصودة شرعا حتى يتوجه عليها مقتضاها من الطلب لم يجز كثير من العقود للجهالة بتلك المنافع المقصودة بل لم يجز النكاح لأن الرجل إذا نكح لزمه القيام على زوجته بالإنفاق وسائر ما تحتاج إليه زيادة إلى بذل الصداق وذلك كله كالعوض من الانتفاع بالبضع وهذا ثمن مجهول فالمنافع التابعة للرقبة المعقود عليها أو للمنافع التي هي سابقة في المقاصد العادية هي المعتبرة وما سواها مما هو تبع لا ينبني عليه حكم إلا أن يقصد قصدا فيكون فيه نظر والظاهر أن لا حكم له في ظاهر الشرع لعموم ما تقدم من الأدلة ولخصوص الحديث في سؤالهم عن شحم الميتة وأنه مما يقصد لطلاء السفن وللاستصباح وكلا الأمرين مما يصح الانتفاع بالشحم فيه على الجملة ولكن هذا القصد الخاص لا يعارض القصد العام فإن صار التابع غالبا في القصد وسابقا في عرف بعض الأزمنة حتى يعود ما كان بالأصالة كالمعدوم المطرح فحينئذ ينقلب الحكم وما أظن هذا يتفق هكذا بإطلاق ولكن أن فرض اتفاقه انقلب الحكم والقاعدة مع ذلك ثابتة كما وضعت في الشرع وإن لم يتفق ولكن القصد إلى التابع كثير فالأصل اعتبار ما يقصد مثله عرفا والمسألة مختلف فيها على الجملة اعتبارا بالاحتمالين وقاعدة الذرائع أيضا مبنية على سبق القصد إلى الممنوع وكثرة ذلك في ضم العقدين ومن لا يراها بني على أصل القصد في انفكاك العقدين عرفا وأن القصد الأصلي خلاف ذلك" (١). هذا هو الضرب الأول من هذا القسم - القسم الثالث -.

стр. 746

١٩٠٤ - وَمِنْهُ مَا لَيْسَ كَذَاكَ إِنْ صَدَرْ … فَهْوَ مَحَلٌّ لاجْتِهَادِ مَنْ نَظَرْ " و" أما الضرب الثاني "منه" فهو "ما" أي الذي "ليس كذاك" الذي في الضرب السابق "أن صدر" أي جاء ووقع، فأحد الجانبين فيه ليس تابعا للآخر في القصد العادي، بل كل واحد منهما مما يسبق القصد إليه عادة بالأصالة كالحلي والأواني المحرمة إذا فرضنا العين والصياغة مقصودتين معا عرفا، أو يسبق كل واحد منهما على الانفراد عرفا فهذا بمقتضى القاعدة المتقدمة لا يمكن القضاء فيه باجتماع الأمر والنهي، لأن متعلقيهما متلازمان فلا بد من انفراد احدهما وأطرح الآخر حكما. أما على اعتبار التبعية - كما مر - فيسقط الطلب المتوجه إلى التابع، وأما على عدم اعتبارها فيصير التابع عفوا. ويبقى تعيين ما هو التابع من الجانبين وما هو المتبوع منهما موكولا لنظر المجتهد ورأيه، وبذلك "فهو" أي التعيين المذكور "محل للاجتهاد ونظر" فقهي، وهو - أيضا - محل استشكال نظر لما تعارض فيه من القواعد والأحوال، ويقال مثل هذا في الشريعة، وإذا فرض وقوعه، فكل أحد وما أداه إليه اجتهاده. وقد قال المازري في نحو هذا القسم في البيوع ينبغي أن يلحق بالممنوع. ونص كلامه: "وأما ما اختلف حكم منافعه بأن حل بعضها وحرم بعضها، فإنك تنظر ها هنا فإن كانت المنفعة المحرمة مقصودة مرادة في نفسها، والمنفعة المباحة مقصودة مرادة في نفسها، فإن هذا القسم يصح تملكه ولا يصح بيعه. أما جواز تملكه وبقائه في اليد، فلأجل حاجة مالكه إلى تلك المباحة فيه. وأما منع بيعه فلأجل أن الثمن المبتذل فيه إنما بذل عن سائر منافعه من غير تخصيص ولا تعيين. وإذا كان الأمر هكذا، فقد صار الثمن مبذولا عن محرم ومحلل، فوجب فسخ العقد وإبطاله كله، لأن الذي يقابل المنفعة المحللة من الثمن مجهول حين العقد، والذي يقابل المنفعة ممنوع فيه البيع والمعاوضة، فبطل الجميع هذا لكونه ثمنا لمحرم، وهذا لكونه ثمنا مجهولا عوضا عن مباح، ومن اشترى ما يحل تملكه وبيعه بثمن مجهول، فإن ذلك فاسد لا يجوز" (١). "وأيضا فقاعدة الذرائع تقوى ههنا إذا قد ثبت القصد إلى الممنوع وأيضا فقاعدة معارضة درء المفاسد لجلب المصالح جارية هنا لأن درء المفاسد مقدم ولأن قاعدة

стр. 747

" المسألة التاسعة " ١٩٠٣ - وَلْنُطْلِقِ الأَمْرَ اصْطِلَاحًا هَا هُنَا … عَلَى الذِي الشَّارعُ فِيهِ أَذِنَا ١٩٠٦ - فَفِي وُرُودِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى … شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تَأَصَّلَا ١٩٠٧ - وَلَيْسَ فِيهِمَا مِنَ الْمَوْجُودِ … تَلَازُمٌ عُرْفِيٌّ أَوْ وُجُودِي ١٩٠٨ - بَلْ ذَاكَ نَاشِيٌّ مِنَ الْمُكَلَّفِ … بِقَصْدِهِ لِلْجَمْع فِي التَّصَرُّفِ التعاون هنا تقضى بأن المعاملة على مثل هذا تعاون على الإثم والعدوان ولذلك يمنع باتفاق شراء العنب للخمر قصدا وشراء السلاح لقطع الطريق وشراء الغلام للفجور وأشباه ذلك وإن كان ذلك القصد تبعيا فهذا أولى أن يكون متفقا على الحكم بالمنع فيه لكنه من باب سد الذرائع وإنما وقع النظر الخلافي في هذا الباب بالنسبة إلى مقطع الحكم وكون المعاوضة فاسدة أو غير فاسدة وقد تقدم لذلك بسط في كتاب المقاصد" (١). "المسألة التاسعة" في ذكر شأن وحكم جمع المكلف بين شيئين ليس احدهما تابعا للأخر ولا هما متلازمان في الوجود ولا في العرف الجاري. وهذا الموضوع مهم فلنذهب إلى بيانه "ولنطلق" أولا على سبيل الاختصار لفظ "الأمر اصطلاحما هما هنا" في هذا الموضوع "على" الإباحة وهو الحكم "الذي" موضعه ومحله "الشارع فيه أذنا" - الألف للإطلاق - أي خير بين فعله وتركه، تم نقول: "ففي ورود" وقوع "الأمر" الشرعي "والنهي" الشرعي "على شيئين" منفصلين، "كل" واحد "منهما" استقل بذاته و "تأصلا" - الألف للإطلاق - أي كان أصلا بنفسه قائم الذات، "و" ذلك لأنه "ليس" من الثابت ومحله "فيهما" ولا "من الموجود تلازم عرفي أو "تلازم "وجودي" كما في الأمثلة السابقة، "بل ذاك" الجمع الحاصل بينهما "ناشئ" وحاصل "من المكلف بـ" سبب "قصده للجمع" بينهما معا "في التصرف" والعمل الواحد، وفي غرض واحد.

стр. 748

١٩٠٩ - كَصَفْقَةٍ بِجَائِزٍ مَعْ مَا حُظِرْ … الإِجْتِمَاعُ فِيهِ لَا الْعَكْسُ اعْتُبِرْ ١٩١٠ - فَإِنَّ لِلْجَمْعِ مِنَ التَّأْثِيرِ … مَا لَيْسَ لِلتَّفْرِيقِ فِي كثِيرِ ١٩١١ - وَمَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ الْمَجْمُوعِ … مَا لَيْسَ فِي الإِفْرَادِ بِالْمَمْنُوعِ ١٩١٢ - فَصَارَ كَالتَّلَازُمِ الْوُجُودِي … بِالْقَصْدِ وَالْخُلْفِ مِنَ الْمَعْهُودِ وذلك "كصفقة" واحدة "بـ " شئ "جائز" مباح "مع ما" أي شيء قد "حظر" أي منع وحرم شرعا "الاجتماع" - مبتدأ مؤخر، وقوله "فيه" خبر مقدم - يعني الحكم الجاري في ذلك هو أن الاجتماع بين ما ذكر "لا العكس" وهو الانفراد والافتراق - هو الذي "اعتبر" واعتد به في هذا الشأن "فإن للجمع " بين المطالب الشرعية "من التأثير" في بناء الأحكام الشرعية "ما" أي الحكم الذي من المواطن و المواضع كما دل على ذلك استقراء الشرعية، "ما ليس" ثابتا "للتفريق" بين هذه المطالب "في كثير" من المسائل، والأمور الشرعية. "و" هكذا قد "منع الشرع من "الفعل المركب "المجموع" من مأمورين أو منهيين أو مأمور ومنهي عنه "ما ليس في" حال الانفصال و "الإفراد" لما تركب منه ذلك المجموع "بالممنوع " المحظور شرعا، بل يكون في حال الانفصال والإفراد جائزا "فصار" ما بين الطلبين الشرعيين من الاجتماع "كالتلازم الوجودي " الخارجي وذلك "بـ" سبب "القصد" الحاصل من المكلف لذلك فقد نهى ﵊ "عن بيع وسلف" وكل واحد منهما لو انفرد لجاز، والمقاصد معتبرة في التصرفات ونهى الله تعالى عن الجمع بين الأختين في النكاح مع جواز العقد على كل واحدة بانفرادها وفي الحديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وقال: "إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" وهو داخل بالمعنى في مسألتنا من حيث كان للجمع حكم ليس للانفراد فكان الاجتماع موثرا وهو دليل وكان تأثيره في قطع الأرحام وهو رفع الاجتماع وهو دليل أيضا على تأثير الاجتماع. وفي الحديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم حتى يضم إليه ما قبله أو ما بعده وكذلك نهى عن تقدم شهر رمضان بيوم أو يومين وعن صيام يوم الفطر لمثل ذلك أيضا ونهى عن جمع المفترق وتفريق المجتمع خشية الصدقة وذلك يقتضى أن للاجتماع تأثيرا ليس للانفراد واقتضاؤه أن للانفراد حكما ليس للاجتماع يبين أن للاجتماع حكما

стр. 749

١٩١٣ - مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَعْنَى الانْفِرَادَ … بَاقٍ فَصَارَ مَوْضِعَ اجْتِهَادِ ليس للانفراد ولو في سلب الانفراد ونهى عن الخليطين في الأشربة لأن لاجتماعهما تأثيرا في تعجيل صفة الإسكار (١). وكما ان للاجتماع تأثير لا يحصل في حالة الافتراق، كذلك شأن الافتراق فإن له تأثيرا معتبرا من جهة أخرى، فإنه إذا كان للاجتماع معان لا تكون في الافتراق فللافتراق - أيضا - معان لا تزيلها حالة الاجتماع: فالنهي عن البيع والسلف مجتمعين قضى بأن لافتراقهما معنى هو موجود حالة الاجتماع، وهو الانتفاع بكل واحد منهما، إذ لم يبطل ذلك المعنى بالاجتماع، ولكنهما نشأ بينهما معنى زائد لأجله وقع النهي، وزيادة المعنى في الاجتماع لا يلزم أن يعدم معاني الانفراد بالكلية ومثله الجمع بين الاختين وما في معناه مما ذكر من الأدلة. وأيضا فإذا كانت تحصل معان في حال اجتماع أشياء معينة، فإن خواض تلك الاشياء منفردة لا يلزمها ذلك الاجتماع، فإن لكل واحد من المجتمعين معاني لو بطلت لبطلت معاني الاجتماع بمنزلة الأعضاء مع الإنسان فإن مجموعها هو الإنسان ولكن لو فرض اجتماعها من وجه واحد أو على تحصيل معنى واحد لبطل الإنسان بل الرأس يفيد ما لا تفيده اليد، واليد تفيد ما لا تفيده الرجل، وهكذا الأعضاء المتشابهة كالعظام، والعصب والعروق وغيرها. فإذا ثبت هذا فافهم مثله في سائر الاجتماعات. فالأمر بالاجتماع والنهي عن الفرقة غير مبطل لفوائد الافراد حالة الاجتماع، فمن حيث حصلت الفائدة بسبب الاجتماع، فهي حاصلة من جهة الافتراق - أيضا - حالة الاجتماع، وليس بسبب الاجتماع وحده. وإذا تقرر هذا وهو ان خواص الاشياء مفردة لا تزال بالاجتماع شإنه إذا وقع الاجتماع في شيئين يصح استقلال كل واحد منهما بحكم فإنه يصح ان يعتبر من جهة الاجتماع، ومن جهة الافراد، "و" بذلك كان "الخلف" بين أهل العلم في ذلك "من" الأمر "المعهود" المعروف وذلك "من حيث ان معنى الانفراد باق" لم يزله الاجتماع، والاجتماع ثابت وهو يعارض حكم الانفراد "فصار" هذا الموضع بهذا التعارض بين مقتضى الافراد ومقتضى الاجتماع "موضع اجتهاد" ونظر، ولا يمكن اعمال قاعدة

стр. 750

١٩١٤ - إِذْ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ بِأَوْلَى … مِنْ غَيْرِهِ فِي أَنْ يَكُونَ أَصْلَا " المسألة العاشرة " التبعية فيه "إذ ليس كل واحد" منهما - أي من الإفراد والاجتماع "بأولى" وأحق "من غيره" الآخر "في أن يكون أصلا" والآخر يكون تابعا له. قال الشاطبي: "ولكل وجه تتجاذبه أنظار المجتهدين. وإذا كان كذلك فحين امتزج الأمران في المقصد صارا في الحكم كالمتلازمين في الوجود اللذين حكمهما حكم الشيء الواحد فلا يمكن اجتماع الأمر والنهي معا فيهما كما تقدم في المتلازمين ولا بد من حكم شرعي يتوجه عليهما بالأمر أو بالنهي أولا فإن من العلماء من يجرى عليهما حكم الانفكاك والاستقلال اعتبارا بالعرف الوجودي والاستعمال إذا كان الشأن في كل واحد منهما الانفراد عن صاحبه والخلاف موجود بين العلماء في مسألة الصفقة تجمع بين حرام وحلال ووجه كل قول منهما قد ظهر ولا يقال إن الذي يساعد عليه الدليل هو الأول فإنه إذا ثبت تأثير الاجتماع وأن له حكما لا يكون حالة الانفراد فقد صار كل واحد من الأمرين بالنسبة إلى المجموع كالتابع مع المتبوع فإنه صار جزءا من الجملة وبعض الجملة تابع للجملة ومن الدليل على ذلك ما مر في كتاب الأحكام من كون الشيء مباحا بالجزء مطلوبا بالكل أو مندوبا بالجزء واجبا بالكل وسائر الأقسام التى بختلف فيها حكم الجزء مع الكل وعند ذلك لا يتصور أن يرد الأمر والنهي معا فإذا نظرنا إلى الجملة وجدنا محل النهي موجودا في الجملة فتوجه النهي لما تعلق به من ذلك ووجه ما تقدم في تعليل المأزري وما ذكر معه لأنا نقول إن صار كل واحد من الجزئين كالتابع مع المتبوع فليس جزء الحرام بأن يكون متبوعا أولى من أن يكون تابعا وما ذكر في كتاب الأحكام لا ينكر وله معارض وهو اعتبار الأفراد كما مر وأما توجيه المأزري فاعتباره مختلف فيه وليس من الأمر المتفق عليه في مذهب مالك ولا غيره فهو مما يمكن أن يذهب إليه مجتهد ويمكن أن لا" (١). "المسألة العاشرة" في أن حكم ما يجمع المكلف بينه من أمرين أصليين مستقلين مختلف باختلاف ما ينشأ عن اجتماعهما من التنافي أو التوافق في الأحكام.

стр. 751

١٩١٣ - وُرُودُ أَمْرَيْنِ لِأَصْلِيَيْنِ فِي … فِعْلٍ يُرَى بِالْقَصْدِ لِلْمُكَلَّفِ ١٩١٦ - كَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الائْتِلَافِ … حَيْثُ يُرَى بَيْنَهُمَا تَنَافِي ١٩١٧ - وَالنَّهْيُ عَنْ جَمْعٍ لِبَيْعٍ وَسَلَفْ … أَصْلٌ لِمَنْعِ مَا بِعَكْسِهِ اتَّصَفْ وبيان ذلك أنه يقع "ورود" ومجيء اجتماع "أمرين" شرعيين "لأصليين" يعني على شيئين أصليين ليس احدهما تابعا للأخر لا في الوجود ولا في العرف، ويكون ذلك "في فعل" واحد، ويحصل ذلك الورود والاجتماع و"يرى" أي يوجد "بـ" سبب "القصد" الذي يكون "للمكلف" أي من المكلف إليه، فبقصده يحصل الاجتماع ذلك ويقع. وقد تقدم أن للجمع تأثيرا، وإن في الجمع معنى ليس في الانفراد، كما ان معنى الانفراد لا يبطل بالاجتماع. ولكن لا يخلو أن يكون كل منهما منافي الاحكام لأحكام الآخر اولا؟ فإن كان بينهما التنافي في الاحكام فحكم اجتماعهما "ك" حكم اجتماع "الأمر والنهي في" حال حصول "الائتلاف" والاجتماع بينهما قصدا من المكلف، وذلك "حيث يرى" أي يوجد "بينهما" يعني بين أحكام الأمرين المذكورين "تناف" وتخالف، فيرجع الأمر في شأنهما إلى مقتضى المسألة السابقة، "ومعنى ذلك ان الشيء إذا كانت له احكام شرعية تقترن به فهي منوطة به على مقتضى المصالح الموضوعة في ذلك الشيء وكذلك كل عمل من أعمال المكلفين كان ذلك العمل عادة أو عبادة فإن اقترن عملان وكانت أحكام كل واحد منهما تنافي أحكام الآخر فمن حيث صارا كالشيء الواحد في القصد الاجتماعي اجتمعت الأحكام المتنافية التي وضعت للمصالح فتنافت وجوه المصالح وتدافعت وإذا تنافت لم تبق مصالح على ما كانت عليه حالة الانفراد فاستقرت الحال على وجه استقرارها في اجتماع المأمور به مع المنهي عنه فاستويا في تنافي الأحكام لأن النهي يعتمد المفاسد والأمر يعتمد المصالح واجتماعهما يودي إلى الامتناع كما مر فامتنع ما كان مثله" (١). "والنهي" الشرعي الواقع "عن جمع لبيع وسلف" في صفقة وحدة "أصل لمنع" جواز الجمع بين كل "ما" من الأمرين إذا اجتمعا يكون حكم احدهما بخلاف حكم الآخر و"بعكسه" قد "اتصف" وذلك "لأن باب البيع يقتضي المغابنة والمكايسة وباب السلف

стр. 752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقتضي المكارمة والسماح والإحسان فإذا اجتمعا داخل السلف المعنى الذي في البيع فخرج السلف عن أصله إذ كان مستثنى من بيع الفضة بالفضة أو الذهب بالذهب نسيئة فرجع إلى أصله المستثنى منه من حيث كان ما استثنى منه وهو الصرف أصله المغابنة والمكايسة والمكايسة فيه وطلب الربح ممنوعة فإذا رجع السلف إلى أصله بمقارنة البيع امتنع من جهتين إحداهما الأجل الذي في السلف والأخرى طلب الربح الذي تقتضيه المكايسة أنه لم يضم إلى البيع إلا وقد داخله في قصد الاجتماع ذلك المعنى وعلى هذا يجري المعنى في إشراك المكلف في العبادة غيرها مما هو مأمور به إما وجوبا أو ندبا أو إباحة إذا لم يكن أحدهما تبعا للآخر وكانت أحكامهما متنافية مثل الأكل والشرب والذبح والكلام المنافي في الصلاة وجمع نية الفرض والنفل في الصلاة والعبادة لأداء الفرض والندب معا وجمع فرضين معا في فعل واحد كظهرين أو عصرين أو ظهر وعصر أو صوم رمضان أداء وقضاء معا إلى أشباه ذلك" (١). "ولأجل هذا منع مالك من جمع عقود بعضها إلى بعض وإن كان في بعضها خلاف فالجواز ينبني على الشهادة بعدم المنافاة بين الأحكام اعتبارا بمعنى الانفراد حالة الاجتماع فمنع من اجتماع الصرف والبيع والنكاح والبيع والقراض والبيع والمساقاة والبيع والشركة البيع والجعل والبيع والإجارة في الاجتماع مع هذه الأشياء كالبيع ومنع من اجتماع الجزاف واليكيل واختلف العلماء في اجتماع الإجارة والبيع وهذا كله لأجل اجتماع الأحكام المختلفة في العقد الواحد فالصرف مبني على غاية التضييق حتى شرط فيه التماثل الحقيقي في الجنس والتقابض الذي لا تردد فيه ولا تأخير ولا بقاء علقة وليس البيع كذلك والنكاح مبني على المكارمة والمسامحة وعدم المشاحة ولذلك سمى الله الصداق نحلة وهي العطية لا في مقابلة عوض وأجيز فيه نكاح التفويض بخلاف البيع والقراض والمساقاة مبنيان على التوسعة إذ هما مستثنيان من أصل ممنوع وهو الإجارة المجهولة فصارا كالرخصة بخلاف البيع فإنه مبني على رفع الجهالة في الثمن والمثمون والأجل وغير ذلك فأحكامه تنافي أحكامهما والشركة مبناها على المعروف والتعاون على إقامة المعاش للجانبين بالنسبة إلى كل واحد من الشريكين والبيع يضاد ذلك والجعل مبني

стр. 753

١٩١٨ - وَغَيْرُ مَا فِيهِ التَّنَافِي قَدْ ظَهَرْ … فَقَصْدُ الاجْتِمَاعِ فِيهِ مُعْتَبَرْ ١٩١٩ - فَإِنْ يَكُنْ يُحْدِثُ حُكْمًا يَقْتَضِي … نَهْيًا فَإِنَّ النَّهْيَ فِيهِ الْمُقْتَضِى ١٩٢٠ - كَمِثْلِ مَا الأُخْتَيْنِ حُكْمًا أَشْبَهَا … وَحَيْثُ لَا فَالأمْرُ قَدْ تَوَجَّهَا على الجهالة بالعمل وعلى أن العامل بالخيار والبيع يأبى هذين واعتبار الكيل في المكيل قصد إلى غاية الممكن في العلم بالمكيل والجزاف مبني على المسامحة في العلم بالمبلغ للاجتزاء فيه بالتخمين الذي لا يوصل إلى علم والإجارة عقد على منافع لم توجد فهو على أصل الجهالة وإنما جازت لحاجة التعاون كالشركة والبيع ليس كذلك وقد اختلفوا أيضا في عقد على بت في سلعة وخيار في أخرى والمنع بناء على تضاد البت والخيار وكما اختلفوا في جمع العاديين في عمل واحد بناء على الشهادة بتضاد الأحكام فيهما أو عدم تضادها كذلك اختلفوا أيضا في جمع العبادة مع العادة كالتجارة في الحج أو الجهاد وكقصد التبرد مع الوضوء وقصد الحمية مع الصوم وفي بعض العبادتين كالغسل بنية الجنابة والجمعة وقد مر هنا وفي كتاب المقاصد بيان هذا المعنى في الكلام على المقاصد الأصلية مع المماصد التابعة وبالله التوفيق" (١). هذا شأن وحكم ما حصل فيه التنافي بين أحكام المجتمعين المذكورين. "و" أما "غير" ـه وهو ما ليس "فيه التنافي" بين أحكامه من المجتمعين أمرا "قد ظهر" ووجد "فـ" إن "قصد" المكلف "الاجتماع فيه" هو الأمر الـ"معتبر" المعتد به في هذا الشأن، وهو لا يخلو من أن يحدث - ذلك الاجتماع - حكما يقتضي النهي أولا. "فإن يكن يحدث حكما يقتضي" ويجلب بحاله "نهيا" شرعيا يتوجه إليه "فإن" ذلك "النهي" هو المحكم "فيه" وهو "المقتضي" لما يجري فيه من حكم، وذلك "كمثل مما" أي الجمع الذي ماثل الجمع بين "الأختين حكما" و "أشبهـ"ـه، كالجمع بين المرأة وعمتها، وخالتها، والجمع بين صوم اطراف رمضان مع قبله وما بعده، والخليطين في الاشربة، وما اشبه ذلك. هذا حيث يجلب ويقتضي هذا اللاجتماع بحاله نهيا شرعا. "و" ما "حيث لا" يقتضي النهي "فالأمر" في ذلك "قد توجها" - الالف

стр. 754

" المسألة الحادية عشرة " ١٩٢١ - تَوَارُدُ الأمْرَيْنِ فِيمَا اتَّحَدَا … بِمَلْحَظَيْنِ جَائِزٌ أَنْ يَرِدَا ١٩٢٢ - مَعَ رُجُوعٍ وَاحِدٍ لِلْجُمْلَهْ … لِكَونِهَا فِي الشَّأْنِ مُسْتَقِلَّهْ ١٩٢٣ - وَمَرْجِعُ الثَّانِي لِجُزْئِيَاتِ … مِنَ التَّفَاصِيلِ أَوِ الصِّفَاتِ ١٩٢٤ - حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي الأُصُولِ … إِذًا فَثَانٍ جَاءَ لِلتَّكْمِيلِ ١٩٢٥ - لِذَاكَ كَانَ تَابِعًا لِلأوَّلِ … شَأْنُ مُكَمَّلٍ مَعَ الْمُكَمِّلِ الإطلاق، كالذي في قوله "أشبها" ومعنى قد توجه انه يصار إلى العمل به بلا نزاع. إذ لا يوجد إلا أمر أو نهي، وحيث لا يوجد النهي فإنه يوجد فيه الأمر. "المسألة الحادية عشرة" في بيان أن "توارد" ومجيء "الأمرين" الشرعيين المختلفين من جهة مقتضاهما "فيما" أي على ما "اتحدا بالملحظين " يعني على الشيء الواحد، فإنه "جائز أن يردا" ويجيئا كذلك. وهذان الملحظان - الاعتباران - هما أن يأتي الامران "مع رجوع" مقتضى "واحد" منهما "للجملة" وذات المطلوب بتمامها "لكونها في الشأن" والاعتبار الشرعي لها "مستقلة" عن مقتضى الأمر الآخر وعن مجراه. وهذا هو الملحظ - الاعتبار - الأول. والملحظ - الاعتبار - الثاني "و" هو أن يكون "مرجعـ"ـه أي مرجع الأمر "الثاني لجزئيات" الأمر الأول أي إلى بعض "من التفاصيل" والاجزاء التي تركبت منها جملة ذلك المطلوب "أو الصفات" القائمة به. وحكم هذا التوارد والجمع هو - كما تقدم - الجواز "حسبما ثبت" وتقرر "في الأصول" الشرعية وأجرى بناء الشريعة عليه "إذا" بناء على هذه الصورة التي عليها هذا الأمر "فـ" إن من هو "ثان" منهما إنما "جاء لـ" أجل تحصيل إلى "تكميل" والتناهي و"لذاك" لم يكن مستقلا في وجوده وإنما "كان تابعا لـ" لأمر "الأول" فشأنه "شأن" كل "مكمل" - بفتح الميم - "مع المكمل" يعني مع مكمله.

стр. 755

١٩٢٦ - وَذَاكَ كالصَّلَاةِ فِي التَّمْثِيلِ … مَعْ كُلِّ مَطْلُوبٍ لَهَا تَكْمِيلِي ١٩٢٧ - وَالْحُكْمُ جَارٍ فِي الضَّرُورِيَاتِ مَعْ … حَاجِيٍّ أَوْ مُحَسِّنٍ حَيْثُ يَقَعْ " المسألة الثانية عشرة " ١٩٢٨ - تَوَارُدُ النَّهْيِ مَعَ الأمْرِ عَلَا … مِثْلِ الذِي مَرَّ جَوَازُهُ انْجَلَا وما كان مكملا - بكسر الميم - هكذا وتابعا فطلبه انما هو من تلك التي هو تابع لها، لا مطلقا، وهذا معنى كونه تابعا. "وأيضا فإن هذا الطلب لا يستقل بنفسه بحيث يتصور وقوع مقتضاه دون مقتضى الأمر بالجملة بل إن فرض فقد الأمر بالجملة لم يمكن إيقاع التفاصيل لأن التفاصيل لا تتصور إلا في مفصل والأوصاف لا تتصور إلا في موصوف والجزئي لا يتصور إلا من حيث الكلي وإذا كان كذلك فطلبه إنما هو على جهة التبعية لطلب الجملة" (١). "وذاك كالصلاة" شأن "في التمثيل" لذلك "مع كل" أمر "مطلوب لها" وهو "تكميلي" لها كالطهارة الحدثية والخبثية، وأخذ الزينة، والخشوع، والذكر، والقراءة، والدعاء، واستقبال القبلة، واشباه ذلك. "وكذلك سائر التوابع مع المتبوعات" (٢). "و" هذا الترتيب و "الحكم جار" كما تقدم ذكره في كتاب المقاصد "في الضروريات مع " كل ما هو "حاجي أو محسن " أي تحسيني "حيث" ما "يقع" ويرد، سواء ورد في العبادات أو المعاملات، وذلك أن التوسعة ورفع الحرج يقتضي شيئا يمكن فيه التضييق والحرج وإذا ثبت هذا تصور في الموضع قسم آخر وهي: المسألة التالية: "المسألة الثانية عشرة" وهي معقودة في بيان أن "توارد" ومجيء اجتماع "النهي مع الأمر" الشرعيين "على" شيء واحد "مثل الذي مر" ذكره في المسألة السابقة "جوازه" هو الحكم الذي قد ظهر "وانجلا" رجحانه، وما تقرر في المسألة السابقة يدل على ذلك.

стр. 756

١٩٢٩ - لَاكِنْ لَهُ مِنْ بَعْدُ صُورَتَانِ … إِحْدَاهُمَا كَثِيرَةُ الإِتْيَانِ ١٩٣٠ - وَذَاكَ مَا الأَمْرُ بِهِ لِلْجُمْلَهْ … وَالنَّهْيُ لِلْوَصْفِ الذِي قَدْ حَلَّهْ ١٩٣١ - كالصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ وَالصَّلَاةِ … فِي حَالِ مَكْرُوهٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ١٩٣٢ - ثَانِيَةٌ لِعَكْسِ ذَا التَّصَوُّرِ … كَالأَمْرِ لِلْعَاصِينَ بِالتَّسَتُّرِ ١٩٣٣ - فَالأَوَّلُ اسْتَقَرَّ فِي الأُصُولِ … وَحُكْمُ ثَانٍ مِنْهُ ذُو حُصُول " لاكن له" أي لهذا الاجتماع والتوارد ما ينبغي أن يذكر في شأنه "من بعد" ذكر حكمه المتقدم - الجواز - وهو أنه له "صورتان" اثنتان "إحداهما" وهي "كثيرة الإتيان" والمجيء في الشريعة "وذاك" هو "ما" يكون "الأمر به" أي فيه واردا حكمه "للجملة" - اللام بمعنى على - أي على الجملة أي ذات المأمور به، "و" يكون "النهي" فيه واردا حكمه "للوصف" يعني على الوصف "الذي قد حله" أي حل ما ذكر من الجملة، فاتصفت به وذلك "كالصوم يوم العيد" والصلاة بحضرة الطعام، والبيع المقترن بالغرر، أو الجهالة "والصلاة في حال مكروه" منهي عنه "من الأوقات" كبعد صلاة العصر، وبعد صلاة الصبح، والغش والخديعة في البيوع. وما أشبه ذلك مما ورد فيه الأمر على ذات المأمور به بتمامها، والنهي على وصف يرد عليها. هذه هي الصورة الأولى. "وأما" الصورة التي هي "ثانية" فإنها التي "بعكس" هـ "ذا التصور" المذكور أي الصورة المذكورة وعكسه هو أن يكون النهي للجملة - ذات الفعل - والأمر لوصف من أوصافها، وذلك "كالأمر" الوارد من الشارع "للعاصين بالتستر" في حال تلبسهم بالعصيان، قال ﷺ : "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله" وكاتباع الحسنة السيئة لقوله ﵊: "واتبع الحسنة السيئة تمحها" وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النِّسَاء: ١٧]، وأشباه ذلك. "فـ" أما "الأول" وهو الأمر إلى الجملة والنهي إلى شيء من أوصافها فإنه قد "استقر" بحثه والنظر في شأنه، وبث الحكم في أمره "في" علم "الأصول" - أصول الفقه -، وذلك في مسألة "هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه" أو "هل النهي يقتضي الفساد"، وبذلك فإنه لا حاجة إلى إعادة الكلام عليه وعلى حكمه هنا. "و" أما "حكم" الذي هو "ثان" من ذلك فإنه يعلم من معنى كلامهم في ذاك الأول وما قرروه فيه، فإنه "منه ذو حصول" وإدراك له منه.

стр. 757

١٩٣٤ - فَدُونَكَ التَّفْرِيعَ لَاكِنَّ هُنَا … مَعْنىً لَهُ انْجَرَّ الْكَلَامُ وَانْثَنَا " المسألة الثالثة عشرة " ١٩٣٣ - الطَّلَبُ الرَّاجِعُ لِلْمَتْبُوعِ مَعْ … ذِي تَابِعٍ أَوْلَى بِحَيْثُ مَا وَقْع ١٩٣٦ - مِنْ حَيْثُ مَا الْقَصْدُ إِلَيْهِ أَوَّلِي … وَقَصْدُ تَابِعٍ بِعَكْسٍ اجْتُلِي ١٩٣٧ - وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ لِلطَّلَبْ … تَفَاوُتًا فِي الشَّرْعِ رَعْيُهُ وَجَبْ " فدونك" النظر في "التفريع" له - أي لهذا الحكم عن هذا الكلام، وما تضمنه من تأصيل، وبناء للآراء والأقوال في موضوعه. وبهذا تم وانتهى الكلام على هذه المسألة "لكن" قد عن "هنا" في هذا الموضع "معنى" آخر "له انجر الكلام وانثنى" أي مال، وهو ما تعقد له المسألة الموالية وهي. "المسألة الثالثة عشرة" التي هي معقودة في بيان أن "الطلب" الشرعي "الراجع لـ" المأمور به "لمتبوع" إذا قورن "مع" طلب "ذي" مأمور به "تابع" له متوجه إلى التفاصيل والأوصاف أو خصوص الجزئيات، فإنه يكون أعلى من ذلك الطلب - أي ذلك المتبوع - ذي التبعية و"أولى" منه وآكد منه في الاعتبار "بحيث ما" أي في أي موضع "وقع". وورد، وذلك أمر ثابت "من حيث ما" - ما هذه زائدة - يعنى من حيث إن "القصد" الشرعي "إليه" أي المتبوع "أولي" وبذلك كان هو المقصود بذاته بذلك الحكم الشرعي الوارد فيه، "و" أما "قصد" الشارع ذاك الذي هو "تابع" له فإنه قد حصل "بعكس" ذلك "اجتلى" أي أظهر، إذ ليس مقصودا للشارع إلا بالقصد الثاني، ولأجل ذلك يلغى جانب التابع في المتجوع، فلا يعتبر التابع إذا كان اعتباره يعود على المتبوع بالإخلال. "ومن هنا" بهذا الترتيب الذي تقرر فيه "يعلم أن للطلب" الشرعي سواء كان أوامر، أو نواهي "تفاوتا" في مراتبه ودرجاته، وهذا أمر ثابت "في" أحكام "الشرع" فلزم لذلك "رعيه"، و"وجب" اعتباره.

стр. 758

١٩٣٨ - مِنْ جِهَةِ التَّخْفِيفِ وَالتَّأْكِيدِ … وَنِسْبَةِ الإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ ١٩٣٩ - أَلَا تَرَاهُ فِي الضَّرُورِيَاتِ … ءَاكدَ مِنْهُ فِي الْمُكَمِّلَاتِ وهذا التفاوت يبرز متجليا "من جهة التخفيف" في مدلولات الأوامر والنواهي "و" من جهة "التأكيد" والجزم فيها كذلك فإن الأوامر المتعلقة بالأمور الضرورية ليست كالأوامر المتعلقة بالأوامر الحاجية ولا التحسينية، ولا الأمور المكملة للضروريات كالضروريات أنفسها، بل بينهما تفاوت معلوم، بل الأمور الضرورية ليست في الطلب على وزان واحد، كالطلب المتعلق بأصل الدين ليس في التأكيد كالنفس ولا النفس كالعقل، إلى سائر أصناف الضروريات. والحاجيات كذلك؛ فليس الطلب بالنسبة إلى الممتعات المباحة التي لا معارض لها كالطلب بالنسبة إلى ما له معارض كالتمتع باللذات المباحة مع استعمال القرض والسلم والمساقاة وأشباه ذلك؛ ولا أيضا طلب هذه كطلب الرخص التي يلزم في تركها حرج على الجملة؛ ولا طلب هذه كطلب ما يلزم في تركه تكليف ما لا يطاق. وكذلك التحسينيات حرفا بحرف (١). كما يبرز ذلك أيضا "و" يظهر في شأن "نسبة الإطلاق" للقول في الشريعة بأن الأمر للوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو غير ذلك مما هو منصوص عليه في كتب الأصول ببسط، وفي شأن نسبة "التقييد" فيها له بالقول - مثلا - بأن الأمر للوجوب ما لم يدل دليل على ذلك. فالضابط في ذلك هو أن ينظر في كل أمر: هل مطلوب بالقصد الأول، أم بالقصد الثاني فإن كان مطلوبا بالقصد الأول فهو أعلى المراتب في ذلك النوع، وإن كان من المطلوب بالقصد الثاني نظر: هل يصح إقامة أصل الضروري في الوجود بدونه حتى يطلق على العمل اسم ذلك الضروري؟ أم لا؟ فإن لم يصح فذلك المطلوب قائم مقام الركن والجزء المقام لأصل الضروري وإن صح أن يطلق عليه الاسم بدونه فذلك المطلوب ليس بركن، ولكنه مكمل ومتم: إما من الحاجبات، وإما من التحسينيات؛ فينظر في مراتبه على الترتيب المذكور أو نحوه، بحسب ما يؤدي إليه الاستقراء في الشرع في كل جزء منها (٢). "الا تراه" أي الطلب الشرعي وهو وارد "في" شأن الأمور "الضروريات آكد" وأقوى "منه" وهو وارد "في" شأن "المكملات" لها، كما تقدم بيان ذلك، وتقريره.

стр. 759

" المسألة الرابعة عشرة " ١٩٤٠ - الأَمْرُ بِالشَّيءِ بِقَصْدٍ أَوَّلي … يَكُونُ عَنْهُ تَابِعٌ بِمَعْزِلِ ١٩٤١ - لَاكِنَّهُ إِنْ كَانَ مِمَّا قَدْ أُمْر … بِهِ لِأَمْرٍ غَيْرِ ذَاكَ مُفْتَقِرْ ١٩٤٢ - دَلِيلُهُ مَا قَدْ مَضَى فِي الأَمْرِ … بِالْمُطْلَقَاتِ فَهْوَ فِيهِ يَجْرِي ١٩٤٣ - وَقَصْدُ تَابِع بِحُكْمٍ اقْتَضَا … دُونَ دَلِيلٍ خَصَّهُ لَا يُرْتَضَا " المسألة الرابعة عشرة" في بيان أن "الأمر بالشيء" إذا كان "بـ" الـ"قصد" الـ"أول" فإنه ليس أمر بالتوابع لماهية المأمور به بذلك الأمر الخارجة عنها، وبذلك "يكون عنه" كل "تابع" له منفصلا، ويرد "بمعزل" عنه، فثبوت حكمه وكونه مطلوبا لا يقع بذلك الأمر "لكنه" أي ذلك التابع "إن كان مما قد أمر به" شرعا فإنه محتاج "لأمر" آخر مستأنف "غير ذاك" و"مفتقر" إليه. "دليله" أي دليل هذا الذي ذكر هو "ما قد مضى" ذكره وتقريره "في" شأن "الأمر بالمطلقات" من أنه لا يستلزم الأمر بالمقيدات، وما مضى من ذلك هناك "فهو" الذي "فيه" أي في هذا المواضع "يجري" حكمه ويسري أمره، وذلك لأن التوابع هنا راجعة إلى تأدية المتبوعات على وجه مخصوص، والأمر إنما تعلق بها مطلقا، لا مقيدا، فيكفي فيها إيقاع مقتضى الألفاظ المطلقة، فلا يستلزم إيقاعها على وجه مخصوص دون وجه، ولا على صفة دون صفة، فلا بد من تعيين وجه أو صفة على الخصوص، واللفظ لا يشعر به على الخصوص، فهو مفتقر إلى تجديد أمر يقتضي الخصوص. وهو المطلوب. وينبني على هذا أن المكلف مفتقر في أداء مقتضى المطلقات على وجه واحد دون غيره إلى دليل، فإنا إذا فرضناه مأمورا بإيقاع عمل من العبادات مثلا، من غير تعيين وجه مخصوص، فالمشروع فيه على هذا الفرض لا يكون مخصوصا بوجه ولا بصفة، بل أن يقع على حسب ما تقع الأعمال الإتفاقية الداخلة تحت الإطلاق فالمأمور بالعتق مثلا أمر بالإعتاق مطلقا من غير تقييد مثلا بكونه ذكرا دون أنثى ولا أسود دون أبيض، ولا كاتبا دون صانع، ولا ما أشبه ذلك (١) "و" بناء على ذلك فإن "قصد تابع" معين مخصوص "بحكم اقتضى" وحكم به عليه "دون دليل" شرعي "خصه" بذلك هو تصرف "لا يرتضى" ولا يقبل.

стр. 760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإذا التزم من أمر بالإعتاق - مثلا - نوعا من هذه الأنواع المذكورة، دون غيره احتاج في الإلتزام إلى دليل، وإلا كان التزامه غير مشروع. وكذلك المصلي - مثلا - التزم في صلاة الظهر أن يقرأ بالسورة الفلانية دون غيرها دائما، أو أن يتطهر من ماء البئر دون ماء الساقية، أو غير ذلك من الالتزامات. التي هي توابع لمقتضى الأمر في المتبوعات، فلا بد من طلب دليل على ذلك، وإلا لم يصح في التشريع، وهو عرضة لأن يكر على المتبوع بالإبطال. وبيانه أن الأمر إذا تعلق بالمأمور المتبوع من حيث الإطلاق، ولم يرد عليه أمر آخر يقتضي بعض الصفات أو الكيفيات التوابع، فقد عرفنا من قصد الشارع أن المشروع عمل مطلق، لا يختص في مدلول اللفظ بوجه دون وجه، ولا وصف دون وصف، فالمخصص له بوجه دون وجه أو وصف دون وصف لم يوقعه على مقتضى الإطلاق، فافتقر إلى دليل على ذلك التقييد، أو صار مخالفا لمقصود الشارع. وقد سئل مالك عن القراءة في المسجد، فقال: لم يكن بالأمر القديم وإنما هو شيء أحدث. قال: ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها والقرآن حسن: وقال أيضا: أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى؟ قال ابن رشد: التزام القراءة في المسجد بأثر صلاة من الصلوات، أو على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كأنه سنة مثل ما بجامع قرطبة أثر صلاة الصبح، فرأى ذلك بدعة - قال: وأما القراءة على غير هذا الوجه فلا بأس بها في المسجد. ولا وجه لكراهيتها. والذي أشار إليه هو الذي صرح به في موضع آخر؛ فإنه قال في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك وأنكر أن يكون من عمل الناس (١). وسئل مالك عن الجلوس في المسجد يوم عرفة بعد العصر للدعاء فكرهه، فقيل له: فالرجل يكون - في مجلسه فيجتمع الناس إليه ويكبرون. قال: ينصرف، ولو أقام في منزله كان خيرا له. قال ابن رشد: كره هذا وإن كان الدعاء حسنا وأفضله يوم عرفة، لأن الاجتماع لذلك بدعة، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" وكره مالك في سجود القرآن أن يقصد القارئ

стр. 761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواضع السجود فقط ليسجد فيها. وكره في المدونة أن يجلس الرجل لمن سمعه يقرأ السجدة لا يريد بذلك تعلما، وأنكر على من يقرأ في المساجد ويجتمع عليه، وأرى أن يقام وفيها: ومن قعد إليه فعلم أنه يريد قراءة سجدة قام عنه ولم يجلس معه. وقال ابن القاسم سمعت مالكا يقول: إن أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه، رجل قد عرف وسمى؛ إلا أني لا أحب أن أذكره، وكان مساء يعني يسار الثناء عليه. قال ابن رشد: جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على أحدهما دون الأخرى لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أحد من سلف الصحابة المرضيين الكرام، وهو من محدثات الأمور. وعن مالك نحو هذا القيام للدعاء، وفي الدعاء عند ختم القرآن، وفي الاجتماع للدعاء عند الانصراف من الصلاة، والتثويب للصلاة، والزيادة في الذبح على التسمية المعلومة، والقراءة في الطواف دائما، والصلاة على النبي ﷺ عند التعجب، وأشباه ذلك مما هو كثير في الناس: يكون الأمر واردا على الإطلاق فيقيد بتقييدات تلتزم، من غير دليل دل على ذلك. وعليه أكثر البدع المحدثات (١). وفي الحديث "لا يجعلن أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه" وعن ابن عمر وغيره أنه سئل عن الإلتفات في الصلاة يمينا وشمالا فقال: نلتفت هكذا وهكذا، ونفعل ما يفعل الناس كأنه التزام عدم الإلتفات، ورآه من الأمور التي لم يرد التزامها. وقال عمر: "واعجبا لك يا ابن العاص؛ لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس تجد ثيابا؟ والله لو فعلت لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت وانضح ما لم أر" هذا فيما لم يظهر الدوام فيه، فكيف مع الإلتزام؟ والأحاديث في هذا والأخبار كثيرة، جميعها يدل على أن التزام الخصوصات في الأوامر المطلقة مفتقر إلى دليل، وإلا كان قولا بالرأي واستنانا بغير مشروع وهذه الفائدة أنبتت على هذه المسألة مع مسألة أن الأمر بالمطلق لا يستلزم المر بالمقيد (٢).

стр. 762

" المسألة الخامسة عشرة " ١٩٤٤ - مَا الْفِعْلُ مَطْلُوبٌ بِهِ بِالْكُلِّ … ذَلِكَ مَطْلُوب بِقَصْدٍ أَصْلِي ١٩٤٣ - وَقَدْ يَصِيرُ تَرْكُ هَذَا يُطْلَبُ … بِالْقَصْدِ ثَابِتًا إِذَا مَا يَغْلِبُ ١٩٤٦ - كَذَاكَ مَا التَّرْكُ بِهِ مَطْلُوبُ … بِالْكُلِّ مَوْجُودٌ بِهِ التَّرْتِيبُ ١٩٤٧ - مَعْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَبْقَى عَلَا … مَا كَانَ فِي النَّوْعَيْنِ قَصْدًا أَوَّلَا ١٩٤٨ - فَأَوَّلٌ يَكْفِيهِ فِي الْبَيَانِ … أَنْ جَاءَ فِي مَعْرِضِ الامْتِنَانِ " المسألة الخامسة عشرة" في بيان أن "ما" هو من "الفعل مطلوب به" أي بالأمر الشرعي "بالكل" هو "ذلك" الذي هو "مطلوب بقصد أصلي" سواء كان ذلك الفعل واجبا أو مندوبا أو مباحا "وقد يصير" بموجب ما يعرض فيه من المفاسد ومقتضاه "ترك هذا" الفعل مما "يطلب" شرعا "بالقصد" الذي كان "ثابتا" وكذلك "إذا ما يغلب" بذلك الذي يعرض فيه فيصرف به عن أصله. "كذلك ما" من الأفعال "الترك به" أي فيه "مطلوب بالكل" وعلى الجملة فإنه - أيضا - "موجود" وثابت "به" أي فيه هذا "الترتيب" وذلك أي المطلوب الترك بالكل هو المطلوب الترك بالقصد الأول، وقد يصير مطلوب الفعل بالقصد الثاني. و"مع" ذلك فإنهما لا يخرجان بهذا عن أصلهما بل "إن كل واحد" منهما "يبقى على ما كان" عليه "في النوعين" المذكورين - مطلوب الفعل ومطلوب الترك - من أنه مقصود "قصدا أولا"، وهذا حكم فيه جار على دوام. وهذا يتبين من أوجه: "فـ" أما الذي هو "أول" هنا وهو ما كان مطلوبا بالكل فإنه "يكفيه" في تقرر هذا الأمر في شأنه و"في البيان" لذلك "أن جاء" وورد "في معرض" ومساق "الامتنان" على الخلق، وهذه الجهة - جهة الامتنان - لا تزول أصلا، وقد يزول الإسراف رأسا؛ وما هو دائم لا يزول على حال هو الظاهر في القصد الأول، بخلاف ما قد يزول؛ فإن المكلف إذا أخذ المباح كما حد له لم يكن فيه من وجوه الذم شيء، وإذا أخذه من دواعي هواه ولم يراع ما حد له صار مذموما في الوجه الذي اتبع فيه هواه، وغير مذموم في الوجه الآخر. وأيضا

стр. 763

١٩٤٩ - وَحَالُهُ ثَابِتَةٌ وَدَائِمَهْ … فَهْيَ لِقَصْدٍ أَوَّلٍ مُلَائِمَهْ ١٩٥٠ - وَمُقْتَضَى النُّصُوصِ فِي مَعْنَاهُ … فَإِنَّهُ مُشَيِّدٌ مَبْنَاهُ فإن وجه الذم تضمن النعمة واندرجت تحته، لكن غطى عليها هواه. ومثاله أنه إذا تناول مباحا على غير الجهة المشروعة قد حصل له في ضمنه جريان مصالحه على الجملة، وإن كانت مشوبة فبمتبوع هواه؛ والأصل هو النعمة، لكن هواه أكسبها بعض أوصاف الفساد، ولم يهدم أصل المصلحة، وإلا فلو انهدم أصل المصلحة لانعدم أصل المباح لأن البناء إنما كان عليه، فلم يزل أصل المباح هان كان مغمورا تحت أوصاف الاكتساب والاستعمال المذموم. فهذا أيضا مما يدل على أن كون المباح مذموما ومطلوب الترك إنما هو بالقصد الثاني لا بالقصد الأول. هذا هو الوجه الأول (١). "و" الوجه الثاني أن "حاله" أي حال هذا المطلوب فعله "ثابتة ودائمة" ولا يغيرها ما يرد على محلها من تلك العوارض، وبذلك "فهي لقصد أول ملائمة" وموافقة، "ومقتضى النصوص" الواردة في هذا الشأن واردة "في" تقرير "معناه" أي معنى هذا الذي ذكر من كون هذه الحال ثابتة ودائمة له "فإنه" أي المقتضي "مشيد" ورافع ومظهر"مبناه" وصورته ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النّحل: ٧٢] وقوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٣] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النّحل: ١٤] إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] فهذه الآيات وأشباهها تدل على أن ما بث في الأرض من النعم والمنافع على أصل ما بث؛ إلا أن المكلف لما وضع له فيها اختيار به يناط التكليف داخلتها من تلك الجهة الشوائب، لا من جهة ما وضعت له أولا؟ فإنها من الوضع الأول خالصة. فإذا جرت في التكليف بحسب المشروع فذلك هو الشكر، وهو جريها على ما وضعت أولا، وإن جرت على غير ذلك فهو الكفران، ومن ثم انجرت المفاسد وأحاطت بالمكلف، وكل بقضاء الله وقدره ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وفي الحديث "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا" فقيل: أيأتي الخير بالشر؟ فقال: "لا يأتي الخير إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم" الحديث (٢).

стр. 764

١٩٥١ - وَجِهَةُ الأَخْذِ لَهُ فِي الْوَاقِعِ … مُعْتَبَرًا فِي ذَاكَ قَصْدُ الشَّارعِ ١٩٥٢ - فَعِنْدَ ذَا يُرَى الْمُبَاحُ الْفِعْلِ … بِالْجُزْءِ مَطْلُوبًا لَنَا بِالْكُلِّ وأيضا فباب سد الذرائع من هذا القبيل؛ فإنه راجع إلى طلب ترك ما ثبت طلب فعله، لعارض يعرض. وهو أصل متفق عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفاصيله فليس الخلاف في بعض الفروع مما يبطل دعوى الإجماع في الجملة، لأنهم اتفقوا على مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البَقَرَة: ١٠٤] وقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعَام: ١٠٨] وشبه ذلك. والشواهد فيه كثيرة. وهكذا الحكم في المطلوب طلب الندب، الندب قد يصير بالقصد الثاني مطلوب الترك حسبما تناولته أدلة التعمق والتشديد والنهي عن الوصال وسرد الصيام والتبتل وقد تقدم من ذلك كثير ومثله المطلوب طلب الوجوب عزيمة، قد يصير بالقصد الثاني مطلوب الترك إذا كان مقتضى العزيمة فيه مشوشا وعائد على الواجب بالنقصان كقوله: "ليس من البر الصيام في السفر" وأشباه ذلك. فالحاصل أن المطلوب بالقصد الأول على الإطلاق قد يصير مطلوب الترك بالقصد الثاني وهو المطلوب (١). "و" الوجه الثالث هو "جهة الأخذ له" أي لهذا المطلوب فعله بالكل "في الواقع" فإنه يكون "معتبرا في ذاك" الأخذ له "قصد الشارع" فالمكلف يأخذه وهو قاصد في ذلك الأخذ له موافقه قصد الشارع فيه هذا هو الأصل. وبذلك فإنه يتناوله على الوجه المشروع، وينتفع به كذلك، ولا ينسى حق الله فيه، لا في سوابقه ولا في لواحقه، ولا في قرائنه "فعند" حصول "ذا" أي هذا الحال فإنه "يرى" أي يوجد ويقع "المباح الفعل بالجزء" كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والملبس "مطلوبا لنا بالكل" - كما تقدم تقرير ذلك وبيانه في المسألة الثانية من كتاب الأحكام - لأن المباحات إنما وضعها الشارع للانتفاع بها على وفق المصالح على الإطلاق، بحيث لا تقدح في دين ولا دنيا، وذلك يحصل إذا وقع الاقتصاد في شأنها ومن هذه الجهة جعلت نعما، وعدت مننا، وسميت خيرا ومننا.

стр. 765

١٩٥٣ - لَاكِنَّهُ إِنْ بَلَغَ الإِسْرَافَا … ذُمَّ لِلإِلْحَاقِ بِمَا قَدْ نَافَا " لاكنه" أي لكن المكلف "إن بلغ" في التصرف فيها "الإسرافا" - الألف للإطلاق - يعني درجة الاسراف ومجاوزة الحد المحدود بمقتضى تلك المصالح "ذم" شرعا لما في ذلك التصرف من الصد عن وجوه الحقوق السابقة واللاحقة والمقارنة أو عن بعضها، و"للإلحاق" الحاصل في ذلك الفعل "بما" من الأفعال قد "نافا" وخالف المطلوب فعله، إذ دخلت فيه المفاسد بدلا عن المصالح في الدنيا، وفي الدين. وإنما حصل ذلك بسبب تحمل المكلف منها ما لا يحتمله، فإنه إذا كان يكتفي منها بوجه ما، أو بنوعين ما: أحدهما أن هذه الظواهر التي نصت على أنها نعم مجردة من الشوائب إما أن يكون المراد بها ما هو ظاهرها وهو المطلوب الأول أو يراد بها أنها في الحقيقة على غير ذلك وهذا الثاني لا يصح إذ لا يمكن في العقل ولا يوجد في السمع أن يخبر الله تعالى عن أمر بخلاف ما هو عليه فإنا إن فرضنا أن هذه المبثوثات ليست بنعم خالصة كما أنها ليست بنقم خالصة فإخبار الله عنها بأنها نعم وأنه امتن بها وجعلها حجة على الخلق ومظنة لحصول الشكر مخالف للمعقول ثم إذا نظرنا في تفاصيل النعم كقوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النباء: ٦، ٧] إلى آخر الآيات وقوله ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ [النحل: ١٠] إلى آخر ما ذكر فيها وفي غيرها أفيصح في واحدة منها أن يقال إنها ليست كذلك بإطلاق أو يقال إنها نعم بالنسبة إلى قوم ونقم بالنسبة إلى قوم آخرين هذا كله خارج عن حكم المعقول والمنقول والشواهد لهذا أن القرآن أنزل هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور وأنه النور الأعظم وطريقه هو الطريق المستقيم وأنه لا يصح أن ينسب إليه خلاف ذلك مع أنه قد جاء فيه ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦] وأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢] لا لغيرهم وأنه ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ٣] إلى أشباه ذلك ولا يصح أن يقال أنزل القرآن ليكون هدى لقوم وضلالا لآخرين أو هو محتمل لأن يكون هدى أو ضلالا نعوذ بالله من هذا التوهم لا يقال إن ذلك قد يصح بالاعتبارين المذكورين في أن الحياة الدنيا لعب ولهو وأنها سلم إلى السعادة وجد لا هزل ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء: ١٦]. لأنا نقول: هذا حق

стр. 766

١٩٥٤ - وَالثَّانِ مِنْ بَيَانِهِ إِنْ لَمْ يَرِدْ … بِهِ امْتِنَانٌ فَيُرَى مِمَّا اعْتُمِدْ إذا حملنا التعرف بالنعم على ظاهر ما دلت عليه النصوص، كما يصح في كون القرآن هدى وشفاء ونورا كما دل عليه الإجماع وما سوى ذلك فمحمول على وجه لا يخل بالقصد الأول في بث النعم (١). والوجه الثاني: أن كون النعم تئول بأصحابها إلى النقم إنما ذلك من جهة وضع المكلف؛ لأنها لم تصر نقما في أنفسها، بل استعمالها على غير الوجه المقصود فيها هو الذي صيرها كذلك، فإن كون الأرض مهادا والجبال أوتادا، وجميع ما أشبهه نعم ظاهرة لم تتغير، فلما صارت تقابل بالكفران بأخذها على غير مأخذ صارت عليهم وبالا؛ وفعلهم فيها هو الوبال في الحقيقة، لا هي، لأنهم استعانوا بنعم الله على معاصيه. هذا هو شأن المطلوب فعله بالكل (٢). "و" أما "الثان" وهو المطلوب تركه بالكل "فـ" إن "من بيانه" الذي يتضح به أنه لا يخرجه ما يرد عليه من موجبات كونه مطلوبا فعله عن أنه مطلوب بالقصد الأول "أنـ"ـه "لم يرد به" شرعا "امتنان" على الخلق، كما أنه لم يجيء في معرض تقدير النعم "فيرى" أي يوجد وهو "مما اعتمد" وقصد طلبه شرعا، كما في القسم الأول، فلم يقع امتنان باللهو من حيث لهو، ولا بسبجه من جهة ما يسبجه، بل من جهة ما فيه من الفائدة العائدة لخدمة ما هو مطلوب فإن هذا القسم خارج عنها بالجملة. ويحقق ذلك - أيضا - أن وجوه التمتعات هيئت للعباد أسبابها خلقا واختراعا فحصلت المنة بها من تلك الجهة، ولا تجد اللهو أو اللعب تهيئة تختص به في أصل الخلق، وإنما هي مبثوثة لم يحصل من جهتها تعرف بمنة. ألا ترى إلى قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعرَاف: ٣٢] وقال: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ [الرحمن: ١٠] إلى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] إلى أشباه ذلك، ولا تجد في القرآن ولا في السنة تعرف الله إلينا بشيء خلق للهو واللعب (٣).

стр. 767

١٩٥٥ - وَكَوْنُهُ لِلَّهْوِ يُعْزَى وَاللَّعِبْ … وَأَنَّهُ يَخْدُمُ ضِدَّ مَا طُلِبْ ١٩٥٦ - وَذَا عَلَيْهِ تَنْبَنِي أُصُولُ … يُرَى بِهَا لِفِقْهِهَا تَفْصِيلُ ١٩٥٧ - كَالْفَرْقِ بَيْنَ مُسْتَجَازِ الْفِعْلِ مَعْ … عَوَارِضِ التَّرْكِ وَمَا لَيْسَ يَسَعْ هذا هو - بإيجاز - الوجه الأول المبين لما ذكر. "و" الوجه الثاني هو "كونه" أي كون ما ذكر من المطلوب تركه بالكل "للهو يعزى" أي ينسب "واللعب" الذي سماه الشارع باطلا، كقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجُمُعة: ١١] يعني الطبل أو المزمار أو الغناء. وقال في معرض الذم للدنيا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعَام: ٣٢] الآية. وفي الحديث: "كل لهو باطل إلا ثلاثة الزوجة والفرس والآت الرمي" فعده مما لا فائدة فيه إلا الثلاثة، فإنها لما كانت تخدم أصلا ضروريا أو لاحقا به استثناها، ولم يجعلها باطلا. "و" الوجه الثالث هو "أنه" أي المطلوب الترك بالكل "يخدم ضد ما طلب" شرعا وبذلك صار مطلوب الترك، لأنه ليس فيه إلا قطع الزمان في غير فائدة، وليس له قصد ينتظر حصوله منه على الخصوص، فصار الغناء المباح - مثلا - ليس بخادم لأمر ضروري، ولا حاجي ولا تكميلي، بل قطع الزمان به ضد عما هو خادم لذلك، فصار خادما لضده (١). "فصل" فإن قيل هذا البحث كله تدقيق من غير فائدة فقهية تترتب عليه، لأن كلا القسمين قد تضمن ضد ما اقتضاه في وضعه الأول، فالواجب العمل على ما يقتضيه الحال في الاستعمال للمباح، أو ترك الاستعمال، وما زاد على ذلك لا فائدة فيه فيما يظهر، إلا تعليق الفكر بأمر صناعي وليس هذا من شأن أهل الحزم من العلماء. فالجواب عن هذا هو أنه غير صحيح "و" غير صواب، بل "ذا" التقرير والبحث وما يثمره "عليه تنبني" وتؤسس "أصول" علمية "يرى" أي يوجد ويثبت "بها لـ" أجل "فقهها" أي الذي تثمره "تفصيل" في الأحكام المتعلقة بها، وذلك "كالفرق بين" ما هو من الأفعال المطلوبة بالكل "مستجاز" أي مباح "الفعل" وإن "مع" ورود "عوارض الترك" عليه المقتضية للفساد "وما" من الأفعال "ليس يسع" أي يجوز ويسوغ فيه ذلك مع وجود تلك العوارض. وذلك أن القواعد المشروعة بالأصل إذا دخلتها المناكر، كالبيع، والشراء والمخالطة

стр. 768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمساكنة إذا كثر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر؛ بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته فالظاهر يقتضي الكف عن كل ما يؤديه إلى هذا ولكن الحق يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجاته كانت مطلوبة بالجزء أو بالكل وهي إما مطلوب بالأصل وإما خادم للمطلوب بالأصل؛ لأنه إن فرض الكف عن ذلك أدى إلى التضييق والحرج، أو تكليف ما لا يطاق وذلك مرفوع عن هذه الأمة فلا بد للإنسان من ذلك لكن مع الكف عما يستطاع الكف عنه. وما سواه فمعفو عنه، لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل. وقد بسطه الغزالي في كتاب الحلال والحرام من الأحياء على وجه أخص من هذا. فإذا أخذ قضية عامة استمر واطرد (١). وقد قال ابن العربي في مسألة دخول الحمام بعد ما ذكر جوازه - فإن قيل فالحمام دار يغلب المنكر. فدخولها إلى أن يكون حراما أقرب منه أن يكون مكروها. فكيف أن يكون جائزا؟ قلنا الحمام موضع تداو وتطهر، فصار بمنزلة النهر، فإن المنكر قد غلب فيه بكشف العورات، وتظاهر المنكرات، فإذا احتاج إليه المرء دخله، ودفع المنكر عن بصره وسمعه ما أمكنه؟ والمنكر اليوم في المساجد والبلدان، فالحمام كالبلد عموما، وكالنهر خصوصا هذا ما قاله. وهو ظاهر في هذا المعنى. وهكذا النظر في الأمور المشروعة بالأصل كلها. وهذا إذا أدى الاحتراز من العارض للحرج؛ وأما إذا لم يؤد إليه وكان في الأمر المفروض مع النهي سعة كسد الذرائع ففي المسألة نظر، ويتجاذبها طرفان: فمن اعتبر العارض سد في بيوع الآجال وأشباهها من الحيل، ومن اعتبر الأصل لم يسد ما لم يبد الممنوع صراحا. ويدخل أيضا في المسألة النظر في تعارض الأصل والغالب، فإن لاعتبار الأصل رسوخا حقيقيا، واعتبار غيره تكليمي من باب التعاون. وهو ظاهر. أما إذا كان المباح مطلوب الترك بالكل فعلى خلاف ذلك، لا يجوز لأحد أن يستمع إلى الغناء وإن قلنا إنه مباح، إذا حضره منكر أو كان في طريقه، لأنه غير مطلوب الفعل في نفسه، ولا هو خادم لمطلوب الفعل فلا يمكن والحالة هذه أن يستوفي المكلف حظه منه، فلا بد من تركه جملة؛ وكذلك اللعب وغيره. وفي كتاب الأحكام

стр. 769

١٩٥٨ - وَمَيْزِ مَا يُقْلَبُ بِالنِّيَاتِ … مِنَ الْمُبَاحِ لِلتَّعَبُّدَاتِ بيان لهذا المعنى في فصل الرخص، وإليه يرجع وجه الجمع بين التحذير من فتنة الدنيا مع عدم التحذير من اجتنابها أو اكتسابها (١). "فصل" "و" مما ينبني على ذلك - أيضا - "ميز" أي عزل وفرز "ما" من الفعال "يقلب" ويغير "بالنيات" المعقودة للعبادة "من المباح" ويصير بذلك "لـ" درجة "التعبدات" أي العبادات على الإطلاق. وذلك أن ما كان خادما لمأمور به تصور فيه أن ينقلب إليه، فإن الأكل والشرب والوقاع وغيرها في إقامة ما هو ضروري لا فرق في ذلك بين كون التناول في الرتبة العليا من اللذة والطيب وبين ما ليس كذلك وليس بينهما تفاوت يعتد به إلا في أخذه من جهة الحظ، أو من جهة الخطاب الشرعي فإذا أخذ من جهة الحظ فهو المباح بعينه، وإذا أخذ من جهة الإذن الشرعي فهو المطلوب بالكل؛ لأنه في القصد الشرعي خادم للمطلوب، وطلبه بالقصد الأول. وهذا التقسيم قد مر بيانه في كتاب الأحكام. فإذا ثبت هذا صح في المباح الذي هو خادم المطلوب الفعل انقلابه طاعة؛ إذ ليس بينهما إلا قصد الأخذ من جهة الحظ أو من جهة الإذن. وأما ما كان خادما لمطلوب الترك فلما كان مطلوب الترك لم يصح انصرافه إلى جهة المطلوب الفعل؛ لأنه إنما ينصرف إليه من جهة الإذن، وقد فرض عدم الإذن فيه بالقصد الأول. وإذا أخذ من جهة الحظ فليس بطاعة، فلم يصح فيه أن ينقلب طاعة. فاللعب مثلا ليس في خدمة المطلوبات كأكل الطيبات وشربها؛ فإن هذا داخل بالمعنى في جنس الضروريات وما دار بها، بخلاف اللعب، فإنه داخل بالمعنى في جنس ما هو ضد لها. وحاصل هذا المباح أنه مما لا حرج فيه خاصة، لا أنه مخير فيه كالمباح حقيقة، وقد مر بيان ذلك. وعلى هذا الأصل تخرج مسألة السماع المباح، فإن من الناس من يقول إنه ينقلب بالقصد طاعة. وإذا عرض على هذا الأصل تبين الحق فيه إن شاء الله تعالى (٢). كما تبنى على هذا الأصل - المبحث - فوائد أخرى، انظرها في الأصل - الموافقات - لاستتمام الفائدة.

стр. 770

" المسألة السادسة عشرة " ١٩٥٩ - قَدْ مَرَّ أَنَّ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَعَا … لَيْسَا عَلَى حَدِّ سَوَاءٍ وَقَعَا ١٩٦٠ - وَمِنْ هُنَا فَلْيُتَصَوَّرْ مُقْتَضَا … مَا جَاءَ فِي تَنْوِيعِ جِنْسِ الاقْتِضَا ١٩٦١ - إِلَى كرَاهَة وَللتَّحْرِيمِ … وَالنَّدْبِ وَالْوُجُوبِ بِالتَّقْسِيمِ ١٩٦٢ - وَالاقْتِضَاءُ بِاعْتِبَارٍ ثَانِ … وَمَلْحَظٍ مُخَصِّصٍ قِسْمَانِ " المسألة السادسة عشرة" في أن الأحكام الشرعية باعتبار مقتضى درجة الخطاب الشرعي الدال عليها تنقسم باعتبار ذلك المقتضى إلى الأحكام الأربعة المعروفة، وقد تنقسم إلى واجب؛ ومحرم فقط باعتبار آخر. وبيان ذلك أنه "قد مر" ومضى قبل في المسألة الثالثة عشرة "أن" درجة مقتضى "الأمر" الشرعي ليست واحدة "و" كذلك "النهي" في هذا الشأن، فهما "معا" في ذلك "ليسا على حد سواء" أي متساو "وقعا" ووجدا، بل مقتضى كل واحد منهما على مراتب حصلت على حسب المصالح الناشئة من امتثال الأمر، واجتناب النهي، والمفاسد الناشئة عن ذلك. "ومن هنا" وبناء على هذا الاعتبار والتقدير "فليتصور" ويدرك "مقتضى" ومعنى "ما جاء في "الشريعة من "تنويع" يعني من حصر أنواع "جنس الاقتضاء" أي الطلب الشرعي في أنواع، وقسمه إلى ذلك، فإنه مقسوم "إلى كراهة" وهو ما اقتضى الخطاب الشرعي تركه اقتضاء غير جازم. "وللتحريم" وهو ما اقتضى الخطاب الشرعي تركه اقتضاء جازما "و" إلى "الندب" وهو ما اقتضى الخطاب الشرعي فعله اقتضاء غير جازم؛ "و" إلى "الوجوب" وهو ما اقتضى الخطاب الشرعي فعله اقتضاء جازما، وذلك "بالتقسيم" المبني على ما تقدم ذكره من الإقتضاء "و" قد يؤخذ "الاقتضاء" الشرعي باعتبار آخر "ثان و" هو "ملحظ" أي اعتبار "مخصص" إذ هو مبني على طرح ما تقدم اعتباره من تفاوت المصالح المذكورة، وعلى الاقتصار على اعتبار الإقتضاء المجرد - الطلب الشرعي المجرد - وبذلك يبقى الحكم تابعا لذلك للاقتضاء الذي ليس إلا "قسمان

стр. 771

١٩٦٣ - إِذْ هُوَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ أَصْلِهِ … إِمَّا لِتَرْكِ الشَّيْءِ أَوْ لِفِعْلِهِ ١٩٦٤ - وَهَذَا الاعْتِبَارُ مَرْقىً عَالِ … لَمْ يَرْقَهُ إِلَّا أُولُو الأَحْوَالِ ١٩٦٥ - وَهُمْ وَإِنْ تَجَمَّعُوا صِنْفَانِ … إِذْ لَهُمُ فِي ذَاكَ مَأْخَذَانِ ١٩٦٦ - فَنَاظِرٌ فِي أَخْذ لِلآمِرِ … وَنَاظِرٌ لِلنَّهْيِ وَالأَوَامِرِ إذ هو "أي الاقتضاء المذكور "باعتبار حكم" ومقتضى "أصله" اللغوي ومدلوله "أما لترك الشيء" أي فعله إن كان متضمنه طلب الكف "أو لفعله" إن كان متضمنه طلب الفعل - بمعنى إدخاله للوجود - ولا فرق في مقتضى الطلب بين واجب ومندوب، ولا بين محرم ومكروه، "وهذا الاعتبار مرقى" أي موضع رقي "عال" رفيع "لم يرقه" أي لم يصعده "إلا أولوا" أي أرباب وأصحاب "الأحوال" من الصوفية ومن حذا حذوهم ممن أطرح مطالب الدنيا جملة، وأخذ بالحزم والعزم في سلوك طريق الآخرة، إذ لم يفرقوا بين واجب ومندوب في العمل بهما، ولا بين مكروه ومحرم في ترك العمل بهما، بل ربما أطلق بعضهم على المندوب أنه واجب على السالك، وعلى المكروه: أنه محرم، وهؤلاء هم الذين عدوا المباحات من قبيل الرخص. "وهم وإن تجمعوا" على اقتفاء هذا المسلك والأخذ بهذا الاعتبار فإنهم من جهة المدرك والمأخذ المعتمد عليه في اختيار هذا الاعتبار والمضي على مقتضاه "صنفان" اثنان "إذ لهم في ذاك مأخذان" مختلفان أخذ كل واحد من الصنفين من أحدهما، واعتبره مستقاه في هذا الشأن، "فـ" كان منهم من هو "ناظر في أخذه" بهذا المسلك والاعتبار "لـ" جهة "الآمر" ، وهو رأي من لم يعتبر في الأوامر والنواهي إلا مجرد الإقتضاء، وهو شامل للأقسام كلها، والمخالفة فيها كلها مخالفة للآمر والناهي، وذلك قبيح شرعا، دع القبيح عادة وليس النظر هنا فيما يترتب على المخالفة من ذم أو عقاب، بل النظر إلى مواجهة الآمر بالمخالفة. ومن هؤلاء من بالغ في الحكم بهذا الاعتبار، حتى لم يفرق بين الكبائر والصغائر من المخالفات وعد كل مخالفة كبيرة، وهذا رأي أبي المعالي في "الإرشاد" فإنه لم ير الانقسام إلى الصغائر والكبائر بالنسبة إلى مخالفة الآمر والناهي، وإنما صح عنده الانقسام بالنسبة إلى المخالفات في أنفسها، مع قطع النظر عن الآمر والناهي. وما رآه يصح في الاعتبار (١). هذا هو الصنف الأول ومأخذه. "و" أما الصنف الثاني فإنه الذي هو "ناظر لـ" لجهة معنى "النهي والأوامر"

стр. 772

١٩٦٧ - إِمَّا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّقَرُّبِ … أَوْ مَا عَلَيْهَا حَاصِلُ التَّرَتُّبِ الشرعية، وذلك لاعتبارات، إذ قد يحصل ذلك "إما لما فيها" يعني في الامتثال لمقتضاها "من التقرب" به إلى الله - تعالى - فإن امتثال الأوامر واجتناب النواهي من حيث هي تقتضي التقرب من المتوجه إليه - سبحانه - كما أن المخالفة تقتضي ضد ذلك. فطالب القرب لا فرق عنده بين ما هو واجب وبين ما هو مندوب، لأن الجميع يقتضيه، حسبما دلت عليه الشريعة، كما أنه لا فرق بين المكروه والمحرم عنده، لأن الجميع يقتضي نقيض القرب، وهو إما البعد، وإما الوقوف عن زيادة القرب، والتمادي في القرب هو المطلوب فحصل من تلك أن الجميع على وزان واحد في القصد التقرب والهرب عن البعد (١). وهذا هو الاعتبار الأول. "أو" يحصل بالنظر إلى "ما" هو "عليها حاصل الترتب" فيه إضافة الصفة للموصوف أي الترتب الحاصل لجلب المصالح ودرء المفاسد عليها عند وقوع الامتثال لمقتضاها، وضد ذلك عند المخالفة فإنه قد مر أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد، فالباني على مقتضى ذلك لا يفترق عنده طلب من طلب، كالأول في القصد إلى التقرب. وأيضا فإذا كان التفاوت في مراتب الأوامر والنواهي راجعا إلى مكمل خادم، ومكمل مخدوم، وما هو كالصفة والموصوف فمتى حصلت المندوبات كلمت الواجبات، وبالضد فالأمر راجع إلى كون الضروريات آتية على أكمل وجوهها، فكان الافتقار إلى المندوبات كالمضطر إليه في أداء الواجبات، فزاحمت المندوبات الواجبات في هذا الوجه من الافتقار، فحكم عليها بحكم واحد. وعلى هذا الترتيب ينظر في المكروهات مع المحرمات من حيث كانت رائدا لها وأنسا بها، فإن الأنس بمخالفة ما يوجب بمقتضى العادة الأنس بما فوقها، حتى قيل: "المعاصي بريد الكفر"، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] وتفسيره في الحديث وحديث: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" إلخ، فقوله "كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه" وفي قسم الإمتثال قوله: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه" الحديث (٢). هذا هو الاعتبار الثاني.

стр. 773

١٩٦٨ - أَوْ جِهَةِ الْعَدْلِ وَمَا قَد تَبِعُوا … إِلَى اصْطِلَاحٍ لَا الْمَعَانِي يَرْجِعُ " أو" يحصل لـ"جهة" إقامة "العدل" في العبادة، بصرف جميع نعمه إلى شكره. وذلك بالنظر إلى مقابلة النعمة بانشكران أو الكفران، من حيث كان امتثال الأوامر واجتناب النواهي شكرانا على الإطلاق، وكان خلاف ذلك كفرانا على الإطلاق فإذا كانت النعمة على العبد ممدودة من العرش إلى الفرش بحسب الإرتباط الحكمي وما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجَاثيَة: ١٣] وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا﴾ [إبراهيم: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وأشباه ذلك، فتصريف النعمة في مقتضى الأمر شكران لكل نعمة وصلت إليك، أو كانت سببا في وصولها إليك، والأسباب الموصلة ذلك إليك لا تختص بسبب دون سبب ولا خادم دون خادم، فحصل شكر النعم التي في السموات والأرض وما بينهما وتصريفها في مخالفة الأمر كفران لكل نعمة وصلت إليك أو كانت سببا فيها كذلك أيضا (١). وهذا هو الاعتبار الثالث. وهذا الذي عليه الصوفية في هذا الشأن "وما قد تبعوا" فيه من الاعتبارين المذكورين ليس خلافا حقيقيا لما عليه أهل العلم الشرعي من الفقهاء والأصولين في هذا المقام، وإنما هو خلاف راجع "إلى" مجرد "اصطلاح" لهم في ذلك فقط، "لا" خلاف "المعاني" التي قررها علياء الشريعة "يرجع" إذ هذا النظر قد اقتضى انقسام الأوامر والنواهي - كما يقول الجمهور - بحسب التصور النظري، وإنما أخذوا في نمط آخر، وهو أنه لا يليق بمن يقال له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أن يقوم بغير التعبد وبذل المجهود، في التوجه إلى الواحد المعبود. وإنما النظر في مراتب الأوامر والنواهي يشبه الميل إلى مشاحة العبد لسيده في طلب حقوقه، وهذا غير لائق بمن لا يملك لنفسه شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ إذ ليس للعبد حق على السيد من حيت هو عبد، بل عليه بذل المجهود، والرب يفعل ما يريد (٢).

стр. 774

" المسألة السابعة عشرة " ١٩٦٩ - إِنَّ الأَوَامِرَ مَعَ النَّوَاهِي … مِنْ حَيْثُ مَا فِيهِنَّ حَقُّ اللهِ ١٩٧٠ - يُمْكِنُ أَخْذُهَا لِلامْتِثَالِ … مُجَرَّدًا عَنْ مُقْتَضَى الأحْوَالِ ١٩٧١ - وَأَخْذُهَا مِنْ حَيْثُ مَا تَعَلَّقَا … بِشَأْنِهَا لِلْعَبْدِ حَقٌّ مُطْلَقَا ١٩٧٢ - فَالْمَأْخَذُ الثَّانِي عَلَى اعْتِبَارِ … حَقِّ الْعِبَادِ فِي الأُمُورِ جَارِ " المسألة السابعة عشرة" في أن من الحقوق المطلوبة ما هو حق لله وما هو حق للعباد، وأن ما هو حق للعباد ففيه حق لله، كما أن ما هو حق لله فهو راجع إلى العباد، وبناء على هذا فإن الأوامر والنواهي يمكن أخذها امتثالا من جهة ما هو حق لله - تعالى - مجردا عن النظر في غير ذلك، ويمكن أخذها من جهة ما تعلقت بها حقوق العباد. وبيان ذلك "إن الأوامر مع النواهي من حيث" وجهة "ما" تقرر "فيهن" وثبت فيهن جميعا وهو "حق الله" "يمكن" ويصح شرعا "أخذها لـ" أجل "الامتثال" لمقتضاها "مجردا عن" اعتبار "مقتضى وحكم "الأحوال" التي تعتريها من جهة ما فيها من حقوق العباد. "و" كذلك يمكن "أخذها من حيث" أي جهة "ما تعلقا" - الألف للإطلاق - "بشأنها" وتقرر فيها وهو "للعبد حق مطلقا" سواء كانت مما غلب فيه حق العبد أو مما غلب فيه حق الله - تعالى - "فـ" أما هذا "المأخذ الثاني" فإنه مبني "على اعتبار حق العباد في الأمور" التكليفية، وهو على ذلك "جار" أمره. ووجه ذلك أن المكلف إذا سمع قول الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]- مثلا - فإنه ينظر - بناء على هذا المأخذ - في نفسه بالنسبة إلى قطع الطريق وإلى زاد يبلغه، وإلى مركوب يستعين به، وإلى الطريق إن كان مخوفا أو مأمونا وإلى استعانته بالرفقة والصحبة، لمشقة الوحدة وغرورها، وإلى غير ذلك من الأمور التي تعود عليه في قصده بالمصلحة الدنيوية أو بالمفسدة، فإذا حصلت له أسباب السفر وشروطه العاديات انتهض للامتثال، وإن تعذر عليه ذلك علم أن الخطاب لم ينحتم عليه. (١)

стр. 775

١٩٧٣ - وَالْمَأْخَذُ الأَوَّلُ جَارِي الْقَصْدِ … عَلَى اطِّرَاحِهِ لِحَقِّ الْعَبْدِ ١٩٧٤ - وَهْوَ صَحِيحٌ بِالدَّلِيلِ الآتِي … مِنْ مُقْتَضَى الأخْبَارِ وَالآيَاتِ " و" أما "المأخذ الأول" فإنه "جاري القصد" - فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني القصد جار فيه "على اطراحه" أي المكلف، ونبذه "لحق العبد" في مقتضى الأوامر والنواهي، "و" هذا المأخذ "هو" مأخذ "صحيح" شرعا "بالدليل الآتي" أي الوارد "من مقتضى" وحكم "الأخبار" أي الأحاديث النبوية الواردة في ذلك كقوله ﷺ : "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. جف القلم بما هو كائن. فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، وعلى أن يمنعوك شيئا كتبه الله لك لم يقدروا عليه" الحديث؛ فهو كله نص في ترك الاعتماد على الأسباب، وفي الاعتماد على الله، والأمر بطاعة الله. وأحاديث الرزق والأجل كقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وقال ﷺ لعمر بن الخطاب في ابن صياد: "إن يكنه فلا تطيقه". وقال: "جف القلم بما أنت لاق" وقال: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها، ولتنكح فإن لها ما قدر لها" وقال في العزل "ولا عليكم أن لا تفعلوا، فإنه ليست نسمة، كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة" وفي الحديث "المعصوم من عصم الله" وقال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزني أدرك ذلك لا محالة" إلى سائر ما في هذا المعنى مما هو صريح في أن أصل الأسباب التسبب، وأنها لا تملك شيئا، ولا ترد شيئا، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن طاعة الله هي العزيمة الأولى. "و" ما ورد من "الآيات" الدالة على أن المطلوب من العبد التعبد بإطلاق، وأن الله ضمان الرزق، كان ذلك مع تعاطي الأسباب أولا كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذّاريَات: ٥٦، ٥٧] وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]. فهذا واضح في أنه إذا تعارض حق الله وحق العباد فالمقدم حق الله، فإن حقوق العباد مضمونة على الله تعالى، والرزق من أعظم حقوق العباد، فاقتضى الكلام أن من
следующие страницы →