← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

١٩٦٣ - إِذْ هُوَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ أَصْلِهِ … إِمَّا لِتَرْكِ الشَّيْءِ أَوْ لِفِعْلِهِ ١٩٦٤ - وَهَذَا الاعْتِبَارُ مَرْقىً عَالِ … لَمْ يَرْقَهُ إِلَّا أُولُو الأَحْوَالِ ١٩٦٥ - وَهُمْ وَإِنْ تَجَمَّعُوا صِنْفَانِ … إِذْ لَهُمُ فِي ذَاكَ مَأْخَذَانِ ١٩٦٦ - فَنَاظِرٌ فِي أَخْذ لِلآمِرِ … وَنَاظِرٌ لِلنَّهْيِ وَالأَوَامِرِ إذ هو "أي الاقتضاء المذكور "باعتبار حكم" ومقتضى "أصله" اللغوي ومدلوله "أما لترك الشيء" أي فعله إن كان متضمنه طلب الكف "أو لفعله" إن كان متضمنه طلب الفعل - بمعنى إدخاله للوجود - ولا فرق في مقتضى الطلب بين واجب ومندوب، ولا بين محرم ومكروه، "وهذا الاعتبار مرقى" أي موضع رقي "عال" رفيع "لم يرقه" أي لم يصعده "إلا أولوا" أي أرباب وأصحاب "الأحوال" من الصوفية ومن حذا حذوهم ممن أطرح مطالب الدنيا جملة، وأخذ بالحزم والعزم في سلوك طريق الآخرة، إذ لم يفرقوا بين واجب ومندوب في العمل بهما، ولا بين مكروه ومحرم في ترك العمل بهما، بل ربما أطلق بعضهم على المندوب أنه واجب على السالك، وعلى المكروه: أنه محرم، وهؤلاء هم الذين عدوا المباحات من قبيل الرخص. "وهم وإن تجمعوا" على اقتفاء هذا المسلك والأخذ بهذا الاعتبار فإنهم من جهة المدرك والمأخذ المعتمد عليه في اختيار هذا الاعتبار والمضي على مقتضاه "صنفان" اثنان "إذ لهم في ذاك مأخذان" مختلفان أخذ كل واحد من الصنفين من أحدهما، واعتبره مستقاه في هذا الشأن، "فـ" كان منهم من هو "ناظر في أخذه" بهذا المسلك والاعتبار "لـ" جهة "الآمر" ، وهو رأي من لم يعتبر في الأوامر والنواهي إلا مجرد الإقتضاء، وهو شامل للأقسام كلها، والمخالفة فيها كلها مخالفة للآمر والناهي، وذلك قبيح شرعا، دع القبيح عادة وليس النظر هنا فيما يترتب على المخالفة من ذم أو عقاب، بل النظر إلى مواجهة الآمر بالمخالفة. ومن هؤلاء من بالغ في الحكم بهذا الاعتبار، حتى لم يفرق بين الكبائر والصغائر من المخالفات وعد كل مخالفة كبيرة، وهذا رأي أبي المعالي في "الإرشاد" فإنه لم ير الانقسام إلى الصغائر والكبائر بالنسبة إلى مخالفة الآمر والناهي، وإنما صح عنده الانقسام بالنسبة إلى المخالفات في أنفسها، مع قطع النظر عن الآمر والناهي. وما رآه يصح في الاعتبار (١). هذا هو الصنف الأول ومأخذه. "و" أما الصنف الثاني فإنه الذي هو "ناظر لـ" لجهة معنى "النهي والأوامر"

стр. 772

١٩٦٧ - إِمَّا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّقَرُّبِ … أَوْ مَا عَلَيْهَا حَاصِلُ التَّرَتُّبِ الشرعية، وذلك لاعتبارات، إذ قد يحصل ذلك "إما لما فيها" يعني في الامتثال لمقتضاها "من التقرب" به إلى الله - تعالى - فإن امتثال الأوامر واجتناب النواهي من حيث هي تقتضي التقرب من المتوجه إليه - سبحانه - كما أن المخالفة تقتضي ضد ذلك. فطالب القرب لا فرق عنده بين ما هو واجب وبين ما هو مندوب، لأن الجميع يقتضيه، حسبما دلت عليه الشريعة، كما أنه لا فرق بين المكروه والمحرم عنده، لأن الجميع يقتضي نقيض القرب، وهو إما البعد، وإما الوقوف عن زيادة القرب، والتمادي في القرب هو المطلوب فحصل من تلك أن الجميع على وزان واحد في القصد التقرب والهرب عن البعد (١). وهذا هو الاعتبار الأول. "أو" يحصل بالنظر إلى "ما" هو "عليها حاصل الترتب" فيه إضافة الصفة للموصوف أي الترتب الحاصل لجلب المصالح ودرء المفاسد عليها عند وقوع الامتثال لمقتضاها، وضد ذلك عند المخالفة فإنه قد مر أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد، فالباني على مقتضى ذلك لا يفترق عنده طلب من طلب، كالأول في القصد إلى التقرب. وأيضا فإذا كان التفاوت في مراتب الأوامر والنواهي راجعا إلى مكمل خادم، ومكمل مخدوم، وما هو كالصفة والموصوف فمتى حصلت المندوبات كلمت الواجبات، وبالضد فالأمر راجع إلى كون الضروريات آتية على أكمل وجوهها، فكان الافتقار إلى المندوبات كالمضطر إليه في أداء الواجبات، فزاحمت المندوبات الواجبات في هذا الوجه من الافتقار، فحكم عليها بحكم واحد. وعلى هذا الترتيب ينظر في المكروهات مع المحرمات من حيث كانت رائدا لها وأنسا بها، فإن الأنس بمخالفة ما يوجب بمقتضى العادة الأنس بما فوقها، حتى قيل: "المعاصي بريد الكفر"، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] وتفسيره في الحديث وحديث: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" إلخ، فقوله "كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه" وفي قسم الإمتثال قوله: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه" الحديث (٢). هذا هو الاعتبار الثاني.

стр. 773

١٩٦٨ - أَوْ جِهَةِ الْعَدْلِ وَمَا قَد تَبِعُوا … إِلَى اصْطِلَاحٍ لَا الْمَعَانِي يَرْجِعُ " أو" يحصل لـ"جهة" إقامة "العدل" في العبادة، بصرف جميع نعمه إلى شكره. وذلك بالنظر إلى مقابلة النعمة بانشكران أو الكفران، من حيث كان امتثال الأوامر واجتناب النواهي شكرانا على الإطلاق، وكان خلاف ذلك كفرانا على الإطلاق فإذا كانت النعمة على العبد ممدودة من العرش إلى الفرش بحسب الإرتباط الحكمي وما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجَاثيَة: ١٣] وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا﴾ [إبراهيم: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وأشباه ذلك، فتصريف النعمة في مقتضى الأمر شكران لكل نعمة وصلت إليك، أو كانت سببا في وصولها إليك، والأسباب الموصلة ذلك إليك لا تختص بسبب دون سبب ولا خادم دون خادم، فحصل شكر النعم التي في السموات والأرض وما بينهما وتصريفها في مخالفة الأمر كفران لكل نعمة وصلت إليك أو كانت سببا فيها كذلك أيضا (١). وهذا هو الاعتبار الثالث. وهذا الذي عليه الصوفية في هذا الشأن "وما قد تبعوا" فيه من الاعتبارين المذكورين ليس خلافا حقيقيا لما عليه أهل العلم الشرعي من الفقهاء والأصولين في هذا المقام، وإنما هو خلاف راجع "إلى" مجرد "اصطلاح" لهم في ذلك فقط، "لا" خلاف "المعاني" التي قررها علياء الشريعة "يرجع" إذ هذا النظر قد اقتضى انقسام الأوامر والنواهي - كما يقول الجمهور - بحسب التصور النظري، وإنما أخذوا في نمط آخر، وهو أنه لا يليق بمن يقال له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أن يقوم بغير التعبد وبذل المجهود، في التوجه إلى الواحد المعبود. وإنما النظر في مراتب الأوامر والنواهي يشبه الميل إلى مشاحة العبد لسيده في طلب حقوقه، وهذا غير لائق بمن لا يملك لنفسه شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ إذ ليس للعبد حق على السيد من حيت هو عبد، بل عليه بذل المجهود، والرب يفعل ما يريد (٢).

стр. 774

" المسألة السابعة عشرة " ١٩٦٩ - إِنَّ الأَوَامِرَ مَعَ النَّوَاهِي … مِنْ حَيْثُ مَا فِيهِنَّ حَقُّ اللهِ ١٩٧٠ - يُمْكِنُ أَخْذُهَا لِلامْتِثَالِ … مُجَرَّدًا عَنْ مُقْتَضَى الأحْوَالِ ١٩٧١ - وَأَخْذُهَا مِنْ حَيْثُ مَا تَعَلَّقَا … بِشَأْنِهَا لِلْعَبْدِ حَقٌّ مُطْلَقَا ١٩٧٢ - فَالْمَأْخَذُ الثَّانِي عَلَى اعْتِبَارِ … حَقِّ الْعِبَادِ فِي الأُمُورِ جَارِ " المسألة السابعة عشرة" في أن من الحقوق المطلوبة ما هو حق لله وما هو حق للعباد، وأن ما هو حق للعباد ففيه حق لله، كما أن ما هو حق لله فهو راجع إلى العباد، وبناء على هذا فإن الأوامر والنواهي يمكن أخذها امتثالا من جهة ما هو حق لله - تعالى - مجردا عن النظر في غير ذلك، ويمكن أخذها من جهة ما تعلقت بها حقوق العباد. وبيان ذلك "إن الأوامر مع النواهي من حيث" وجهة "ما" تقرر "فيهن" وثبت فيهن جميعا وهو "حق الله" "يمكن" ويصح شرعا "أخذها لـ" أجل "الامتثال" لمقتضاها "مجردا عن" اعتبار "مقتضى وحكم "الأحوال" التي تعتريها من جهة ما فيها من حقوق العباد. "و" كذلك يمكن "أخذها من حيث" أي جهة "ما تعلقا" - الألف للإطلاق - "بشأنها" وتقرر فيها وهو "للعبد حق مطلقا" سواء كانت مما غلب فيه حق العبد أو مما غلب فيه حق الله - تعالى - "فـ" أما هذا "المأخذ الثاني" فإنه مبني "على اعتبار حق العباد في الأمور" التكليفية، وهو على ذلك "جار" أمره. ووجه ذلك أن المكلف إذا سمع قول الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]- مثلا - فإنه ينظر - بناء على هذا المأخذ - في نفسه بالنسبة إلى قطع الطريق وإلى زاد يبلغه، وإلى مركوب يستعين به، وإلى الطريق إن كان مخوفا أو مأمونا وإلى استعانته بالرفقة والصحبة، لمشقة الوحدة وغرورها، وإلى غير ذلك من الأمور التي تعود عليه في قصده بالمصلحة الدنيوية أو بالمفسدة، فإذا حصلت له أسباب السفر وشروطه العاديات انتهض للامتثال، وإن تعذر عليه ذلك علم أن الخطاب لم ينحتم عليه. (١)

стр. 775

١٩٧٣ - وَالْمَأْخَذُ الأَوَّلُ جَارِي الْقَصْدِ … عَلَى اطِّرَاحِهِ لِحَقِّ الْعَبْدِ ١٩٧٤ - وَهْوَ صَحِيحٌ بِالدَّلِيلِ الآتِي … مِنْ مُقْتَضَى الأخْبَارِ وَالآيَاتِ " و" أما "المأخذ الأول" فإنه "جاري القصد" - فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني القصد جار فيه "على اطراحه" أي المكلف، ونبذه "لحق العبد" في مقتضى الأوامر والنواهي، "و" هذا المأخذ "هو" مأخذ "صحيح" شرعا "بالدليل الآتي" أي الوارد "من مقتضى" وحكم "الأخبار" أي الأحاديث النبوية الواردة في ذلك كقوله ﷺ : "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. جف القلم بما هو كائن. فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، وعلى أن يمنعوك شيئا كتبه الله لك لم يقدروا عليه" الحديث؛ فهو كله نص في ترك الاعتماد على الأسباب، وفي الاعتماد على الله، والأمر بطاعة الله. وأحاديث الرزق والأجل كقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وقال ﷺ لعمر بن الخطاب في ابن صياد: "إن يكنه فلا تطيقه". وقال: "جف القلم بما أنت لاق" وقال: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها، ولتنكح فإن لها ما قدر لها" وقال في العزل "ولا عليكم أن لا تفعلوا، فإنه ليست نسمة، كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة" وفي الحديث "المعصوم من عصم الله" وقال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزني أدرك ذلك لا محالة" إلى سائر ما في هذا المعنى مما هو صريح في أن أصل الأسباب التسبب، وأنها لا تملك شيئا، ولا ترد شيئا، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن طاعة الله هي العزيمة الأولى. "و" ما ورد من "الآيات" الدالة على أن المطلوب من العبد التعبد بإطلاق، وأن الله ضمان الرزق، كان ذلك مع تعاطي الأسباب أولا كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذّاريَات: ٥٦، ٥٧] وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]. فهذا واضح في أنه إذا تعارض حق الله وحق العباد فالمقدم حق الله، فإن حقوق العباد مضمونة على الله تعالى، والرزق من أعظم حقوق العباد، فاقتضى الكلام أن من

стр. 776

١٩٧٣ - وَمَرَّ فِي الأَسْبَابِ وَالْحُقُوقِ … مِنْ ذَاكَ مَا يَكْفِي أُوْلي التَّحْقِيقِ " المسألة الثامنة عشرة " ١٩٧٦ - أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَرَدَا فِي فِعْلِ … ذَا لِتَعَاوُنٍ وَذَا لِلأَصْلِ اشتغل بعبادة الله كفاه الله مؤونة الرزق. وإذا ثبت هذا في الرزق ثبت في غيره من سائر المصالح المجتلبة، والمفاسد المتوقاة، وذلك لان الله قادر على الجميع. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعَام: ١٧] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطّلَاق: ٣] بعد قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣)﴾ [الطّلَاق: ٢، ٣] فمن اشتغل بتقوى الله تعالى فالله كافيه. والآيات في هذا المعنى كثيرة (١). (و) قد "مر في" المسألة السابعة من المسائل الموردة "في" شأن "الأسباب والحقوق وذاك ما" من البيان لهذا الأمر "يكفي أولى" أصحاب "التحقيق" العلمي. واعلم أن ما تقدم من تأخير حقوق العباد إنما هو فيما يرجع إلى نفس المكلف، لا إلى غيره؛ أما ما كان من حق غيره من العباد فهو بالنسبة إليه من حقوق الله - تعالى -. "المسألة الثامنة عشرة" في أن النهي والأمر قد يردان على محل واحد أحدهما في شأن التعاون والآخر في شأن الأصل المقرر في محل الورود فيقع بينهما التعارض الموجب لوقوع الخلف بين أهل العلم في حكم ذلك المحل. وبيان ذلك أنه ربما قد جاء "أمر ونهي" و"وردا في" شأن "فعل" واحد "وذا" الأمر راجع "لـ" جهة الـ"تعاون" بين الخلق في جلب المصالح ودرء المفاسد "وذا" النهي راجع "لـ" جهة "الأصل" وهو الحكم المقرر في ذلك المحل أو العكس، وهو رجوع النهي إلى جهة التعاون، والأمر إلى جهة الأصل. وعلى كل حال يقع التعارض بينهما في الحكم الذي يقتضيانه في المحل الذي تواردا عليه، وبذلك يرد في هذا الشأن

стр. 777

١٩٧٧ - هَلْ جَانِبُ التَّعَاوُنِ الْمُعْتَبَرُ … أَمْ جِهَةُ الأَصْلِ هُنَا يُسْتَفْسَرُ ١٩٧٨ - فَإِنْ يَكُ الأَمْرُ لِلأصْلِ الْوَاقِعِ … عَادَ لِبَابِ السَّدِّ لِلذَّرَائِعِ ١٩٧٩ - وَالْخُلْفُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الأَصْلِ … لِأَنَّهُ بِالانْضِبَاطِ أَصْلِي ١٩٨٠ - أَوْ جِهَةُ التَّعَاوُنِ الْمُكَمِّلِ … إِذْ فِي سِوَاهُ فَتْحُ بَابُ الْحِيَلِ ١٩٨١ - وَالْمَيْلُ لِلتَّفْصِيلِ فَالذِي يُرَا … تَعَاوُنٌ لَدَيْهِ غَالِبًا جَرَا السؤال عن الجانب الراجح اعتباره في هذا المقام، فيقال: "هل جانب التعاون" هو "المعتبر" والمعتد بمقتضاه في هذا الموضع "أم جهة الأصل" هي المعتبرة فيه "هنا" في هذا المقام "يستفسر" ويستفهم عن هذا الأمر؟ أما اعتبارهما معا من جهة واحدة فلا يصح، ولذلك فإنه لا بد في هذا الشأن من التفصيل، الذي هو أن الأمر الشرعي إما أن يرجع إلى في ذلك الأصل أو يرجع إلى جهة التعاون. "فإن يك" ذلك "الأمر" راجعا مقتضاه "لـ" جهة "الأصل" و"الواقع" الشرعي في المحكوم عليه، ولكنه معارض بالنهي المأخوذ من الأمر بالتعاون الذي يسقط بالعمل بذلك الأمر، "عاد" أمر النظر في ذلك "لباب السد" والإغلاق "للذرائع" أي الوسائل الموصلة إلى الحرام؛ ومقتضاه منع الأمر الجائز لئلا يتوسل به إلى أمر ممنوع؛ "و" هذا الأصل - سد الذرائع - قد وقع "الخلف فيه" يعني في العمل به على أوجه ثلاثة أحدها: العمل بمقتضى الأصل "باعتبار"ـه أي هذا "الأصل" على ما يعارضه هو النهي المذكور؛ "لأنه" موصوف "بالانضباط" والاطراد لجريا نه تحت دليله العام وبذلك فإنه "أصلي" يعني أنه جار على ما يقتضيه أصله فيه. ثانيهما: اعتبار جانب "أو جهة التعاون" والتعاضد لين الخلق الذي هو "المكمل" للمقاصد الشرعية، وذلك لرجحانه؛ "إذ في سواه" وهو الأصل المذكور - يعني في العمل به - "فتح باب الحيل" ثم إن فيه التأدية إلى مآل ممنوع، والأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها. "و" ثالثها: "الميل للتفصيل" في ذلك، وهو تفصيل مبتناه على اعتبار الغلبة؛ "فـ" الموضع "الذي يرا" أي يوجد ويكون الـ"تعاون" الممنوع "لديه" أي فيه أمرا "غالبا" قد "جرى" ووقع؛ بحيث يكون أغلب جزئيات ذلك الموضع واقعة تحته.

стр. 778

١٩٨٢ - فَذَا اعْتِبَارُ الأَصْلِ فِيهِ وَاجِبُ … أَوْ لَا فَالاجْتِهَادُ أَمْرٌ لَازِبُ ١٩٨٣ - وَحَيْث الأمْرُ لِلتَّعَاوُنِ اسْتَقَرْ … ظَاهِرُهُ يَقْبُحُ فِي بَعْضِ الصُّوَرْ ١٩٨٤ - لَاكِنْ إِذَا أُحِلَّ فِي مَحَلِّهِ … كَانَ صَحِيحًا ثَابِتًا فِي أَصْلِهِ ١٩٨٥ - وَبَابُهُ الْحُكْمَ عَلَى مَا خصَّا … لِأجْلِ مَا عَمَّ وَذَاكَ نَصَّا ١٩٨٦ - كَمَنْعِ بَيْعٍ حَاضِرٍ لِبَادِ … وَفِي تَلَقِي الرَّكبِ ذَاكَ بَادِ " فذا" الموضع "اعتبار" مقتضى "الأصل" ومفاده فيه أمر "واجب" إذ لو اعتبر الغالب هنا لأدى إلى انخرام الأصل جملة، وهو أمر باطل، فما أدى إليه فهو باطل مثله. فإن لم يكن جانب التعاون فيه غالبا "أو لا" يرى كذلك "فـ" إن "الاجتهاد" هو المصير إليه في شأنه، وهو "أمر لازب" أي لازم في شأنه. "و" أما "حيث" يكون "الأمر للتعاون" أمرا "استقر ظاهره" لكن جهته ليست غالبة فإنه "يقبح في بعض الصور" لأنه إلغاء لجهة النهي ليتوصل إلى المأمور به تعاونا، وطريق التعاون متأخر في الاعتبار عن طريق إقامة الضروري والحاجي لأنه تكميلي، وفاعل ذلك ما هو إلا بمثابة الغاصب والسارق الذي أتى ذلك ليتصدق بذلك على المساكين أو يبني قنطرة. "لكن" هذا ليس حكما عاما فإن تقديم التعاون وترجيحه "إذا أحل في محله" ونزل في منزلته التي يجري عليه فيها الطلب "كان صحيحا ثابتا" على ما تقرر له "في أصله" الشرعي وهو الطلب "و" يعلم أنه نزل منزلته وأحل محله إذا كان "بابه" والأصل الجاري مقتضاه عليه هو "الحكم على ما خصا" يعني على المنفعة الخاصة "لأجل ما عم" من المنافع "وذاك" أمر ثابت "نصا" من الشارع، وذلك "كمنع بيع" شخص "حاضر" أي ساكن بالحاضرة "لباد" أي لمن هو من سكان البادية، فإنه في الأصل منع من النصيحة إلا أنه إرفاق بأهل الحضر. "و" مثله ما ورد من المنع الوارد "في تلقي الركب" جمع راكب، والمراد بهم - هنا - الذين يحملون السلع من البادية إلى المدينة، ومعنى تلقيهم - هنا - إستقبالهم قبل وصولهم إلى السوق والاشتراء منهم وقبل معرفتهم الأسعار. و"ذاك" المنع كالذي سبقه "باد" موجبه، وهو الارتفاق الذي هو ضروري أو حاجي لأهل السوق. وتضمين الصناع

стр. 779

" الفصل الرابع" في العموم والخصوص وفيه مقدمة ومسائل " المسألة الأولى " ١٩٨٧ - الْقَصْدُ بِالْعُمُومِ حَيْثُ أُطْلِقَا … هُنَا الْعُمُومُ الْمَعْنَوِيُّ مُطْلَقَا ١٩٨٨ - وَذَا عَلَى الأدِلَّةِ الْمُسْتَعْمَلَهْ … مَبْنَاهُ وَهْيَ مَا مَضَتْ مُفَصَّلَهْ قد يكون من هذا القبيل، وله نظائر كثيرة. فإن جهة التعاون هنا أقوى. وقد أشار الصحابة على الصديق - إذ قدموه خليفة - بترك التجارة والقيام بالتحريف على العيال، لأجل ما هو أعم في التعاون، وهو القيام بمصالح المسلمين، وعوضه من ذلك في بيت المال. وهذا النوع صحيح كما تفسر والله أعلم (١). "الفصل الرابع" وهو معقود "في" بيان أحوال وأحكام "العموم والخصوص وفيه" أي هذا الفصل لبيان ما ذكر تورد "مقدمة" في بيان المقصود من العموم والخصوص - هنا - "ومسائل" وهي اثنتا عشرة مسألة. "المقدمة" - بفتح الدال وكسرها - وهي معقودة في بيان أن المراد بالعموم ليس هو ما دلت عليه الألفاظ العامة فقط، وإنما "القصد بالعموم حيث أطلقا" وذكر "هنا" هو "العموم المعنوي" وهو ما ثبت شموله وعمومه "مطلقا" سواء كانت له صيغة تخصه تدل عليه أو لا؛ فإذا قلنا في وجوب الصلاة وغيرها من الواجبات وفي تحريم الظلم أو غيره أنه عام، فإنما معنى ذلك، أن ذلك ثابت على الإطلاق والعموم. "وذا" العموم متوسل إليه بالاستقراء، وبذلك فهو "على" مقتضى "الأدلة المستعملة" هنا، "مبناه" أي بناؤه، "وهي ما" أي الأدلة الاستقرائية المحصلة بمجموعها القطع بالحكم والتي "مضت" أي مضى ذكرها في المقدمات "مفصلة" ومبينة. في أنه إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فإنه لا يؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال.

стр. 780

" المسألة الأولى" ١٩٨٩ - وَحَيْثُ مَا يَثْبُتُ أَصْلٌ عَمَّا … أَوْ مُطْلَق وَعَارَضَتْهُ حُكْمَا ١٩٩٠ - قَضَايَا الأَعْيَانِ فَلَا يُوَثِّرُ … فِيهِ وَيَبْقَى حُكْمُهُ الْمُقَرَّرُ ١٩٩١ - وَمِثْلُهَا حِكَايَةُ الأحْوَالِ … وَذَا لِوَجْهَيْنِ فِي الاسْتِدْلَالِ ١٩٩٢ - مِنْ جِهَةِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ … وَجِهَةِ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ " المسألة الأولى" "و" بيان ذلك أنه "حيث ما" أي في أي موضع أو باب فقهي "يثبت أصل عما" - الألف للإطلاق - أي عام وشامل وهو حال الأصول كلها، وإنما وصفه - أي الأصل - بذلك لبيان الواقع، أو لإتمام البيت. "أو" أصل "مطلق" في الذي دل عليه من حكم "وعارضته حكما" أي من جهة مقتضاه "قضايا الأعيان" وهي الأحكام المخصوصة بمواردها المعينة المفردة "فـ" إنها "لا توثر فيه" يعني في مقتضى ذلك الأصل وجريان حكمه على ما انطوى تحته من جزئيات "و" إنما "يبقى" ويستمر "حكمه المقرر" فيه بمقتضى ومفاد الاستقراء المذكور "ومثلها" أي قضايا الأعيان في عدم التأثير في ذلك ما يروى من "حكاية الأحوال" التعبدية لبعض السلف ممن تركوا مباحات لاعتبارات عنت لهم في ذلك. "وذا" هذا الأمر - وهو عدم التأثير المذكور - مدرك ثبوته ومتقرر "لوجهين" ثابتين "في" شأن "الاستدلال من جهة" تقابل الاستدلال على ذلك أحدهما "القطعي والظني" في هذا المقام وذلك أن الأصل مقطوع به بالفرض، لأنا إنما نتكلم في الأصول الكلية القطعية وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة، والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه حقيقة. "و" ثانيهما من "جهة" تقابل "الكلي" في هذا الموضع وهو الأصل "والجزئي" وهو قضايا الأعيان. وقضايا الأعيان جزئية لكونها أحكاما متعلقة بأناس معينين والقواعد - الأصول - المطردة كليات، ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات، ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات، وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص كما في المسألة

стр. 781

١٩٩٣ - وَشَأْنُهَا عَدَمُ الاعْتِبَارِ … حَيْثُ يُرَى التَّأْوِيلُ غَيْرُ جَارِ السفرية بالنسبة للملك المترف، وكما في الغنى بالنسبة لمالك النصاب، والنصاب لا يغنيه على الخصوص وبالضد في مالك غير النصاب، وهو به غني. "و" بذلك فإن "شأنها" أي الجزئيات التي تعارض الكليات القطعية أن يسقط الاعتداد بها، إذ حكمها هو "عدم الاعتبار" لمقتضاها إن ظهر رجحان ذلك في شأنها، وذلك يحصل "حيث" أي في الموضع الذي "يرى" أي يكون "التأويل غير جار" وغير ماض رجحانه فيه، والتأويل موضعه الدليل القوي الذي يكون إسقاطه مخالفا للنظر الفقهي، وقواعده، والطرح والإسقاط محله الدليل الضعيف الذي لا يعرج على مثله في مجاري معارضة القواعد الكلية والأصول العامة وهذا يعضد بأمرين آخرين: أحدهما: أن القاعدة غير محتملة لاستنادها إلى الأدلة القطعية، وقضايا الأعيان محتملة لإمكان أن تكون على غير ظاهرها، أو على ظاهرها؛ وهي مقتطعة ومستثناة من ذلك الأصل، فلا يمكن - والحالة هذه - إبطال كلية القاعدة بما هذا شأنه. ثانيهما: أنها لو عارضتها فإما أن يعملا معا، أو يعمل بأحدهما دون الآخر - أعني في محل المعارضة - فإعمالهما معا باطل، وكذلك إهمالهما لأنه إعمال مثبت لوقوع التعارض فيما بين الظني والقطعي؛ والمقرر أن التعارض لا يحصل بينهما في الحقيقة لفقدان التساوي فيما بينهما. وأما إعمال الجزئي دون الكلي فهو ترجيح له على الكلي، وهو خلاف القاعدة، فلم يبق إلا الوجه الرابع، وهو إعمال الكلي دون الجزئي، وهو المطلوب. فإن قيل: هذا مشكل على بابي التخصيص والتقييد، فإن تخصيص العموم وتقييد المطلق صحيح عند الأصوليين بأخبار الآحاد وغيرها من الأمور المظنونة وما ذكرت جار فيها، فيلزم إما بطلان ما قالوه، وإما بطلان هذه القاعدة، لكن ما قالوه صحيح فلزم إبطال هذه القاعدة (١). فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ما فرض السؤال ليس من مسألتنا بحال، فإن ما نحن فيه من قبيل ما يتوهم فيه الجزئي معارضا وفي الحقيقة ليس بمعارض؛ فإن القاعدة إذا كانت كلية، ثم ورد في شيء مخصوص وقضية عينية ما يقتضي بظاهره المعارضة في تلك القضية

стр. 782

١٩٩٤ - وَإِنَّ ذَا الأَصْلَ عَمِيمُ الْفَائِدَهْ … بِحَيْثُ مَا الْجُزْئِيُّ نَافِي قَاعِدَهْ ١٩٩٥ - فَالْمُتَمَسَّكُ الذِي يُعْتَمَدُ … مَا كَانَ كُلِّيًا بِحَيْثُ يَرِدُ ١٩٩٦ - إِذْ يُقْبَلُ الْمُعَارِضُ الْجُزْئِيُّ … لِلرَّدِّ وَالتَّأْوِيلُ لَا الْكُلِّيُّ المخصوصة وحدها، مع إمكان أن يكون معناها موافقا لا مخالفا، فلا إشكال في أن لا معارضة هنا. وهو هنا محل التأويل لمن تأول، أو محل عموم الاعتبار إن لاق بالموضع الاطراح والإهمال، كما إذا ثبت لنا أصل التنزيه كليا عاما ثم ورد موضع ظاهره التشبيه في أمر خاص يمكن أن يراد به خلاف ظاهره، على ما أعطته قاعدة التنزيه، فمثل هذا لا؛ يؤثر في صحة الكلية الثابتة. وكما إذا ثبت لنا أصل عصمة الأنبياء من الذنوب، ثم جاء قوله: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" ونحو ذلك، فهذا لا يؤثر لاحتمال حمله على وجه لا يخرم ذلك الأصل، وأما تخصيص العموم فشيء آخر لأنه إنما يعمل بناء على المراد بالمخصص ظاهره من غير تأويل ولا احتمال. فحينئذ يعمل كما قاله الأصوليين، وليس ذلك مما نحن فيه (١). "فصل" في أن هذا الأصل المقرر هنا وهو تقديم الكليات على الجزئيات وقضايا الأعيان، والتصرف في شأن الجزئي على الوجه الذي لا يؤثر به على الكلي المعارض له في الظاهر تبنى فوائد جمة. "و" بذلك فـ "إن هذا الأصل عظيم الفائدة" وذلك "بحيث ما" أي في كل موضع ورد فيه الدليل "الجزئي" وهو قد "نافى" وخالف "القاعدة" الكلية الجاري حكمها في موارده. "فـ" المستدل وذو النظر الفقهي "المتمسك" بهذا الأصل، هو "الذي يعتمد" ويرجح "ما كان" من القواعد والأدلة "كليا" عاما "بحيث" أي في كل موضع "يرد" فيه ويأتي، فيقدمه على الدليل الجزئي الذي فرض أنه معارض له، ثم ينظر في كل ذلك الدليل الجزئي ويحكم عليه بما يقتضيه حاله "إذ يقبل المعارض الجزئي للرد" له والإسقاط لمقتضاه، كما يجري على ذلك من تقدم القطعي على الظني بدون تفصيل؛ "والتأويل" وهو إخراجه عن ظاهره حتى تزول دلالته على الاعتراض، ويدخل مقتضاه تحت حكم قاعدة عامة أخرى، وهذا المسلك "لا" يقبله "الكلي" لو اعتمد الجزئي

стр. 783

١٩٩٧ - وَذَا الذِي أَوْقَعَ فِي الإِشْكَالِ … وَاللَّبْسِ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ ١٩٩٨ - إِذْ تَرَكُوا الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّهْ … تَتَبُّعًا لِلصُّوَرِ الْجُزْئِيَّهْ ١٩٩٩ - وَرَعْيُهُ دَاعٍ إِلَى تَقْرِيبِ … مَئَاخِذِ الْخِصَامِ وَالتَّشْغِيبِ وقدم على الكلي، فالمستمسك بالجزئي لا يمكنه مع التمسك به الخيرة في الكلي، والتصرف فيه بوجه ما، وإنما تثبت لديه المعارضة، وترمي به أيدي الإشكالات في مهاو بعيدة "وذا" هذا الأمر - وهو اعتماد الجزئي في مقابله الكلي - يجب أن يتقي فإنه "الذي أوقع" ورمى "في" متاهات "الإشكال و" غموض المعاني "اللبس" في شأن فهم النصوص الشرعية "أهل الزيغ" عن الصراط المستقيم "والضلال" في أمور الدين "إذ تركوا القواعد" العامة "الكلية" العقدية والفقهية اقتفاء منهم و"تتبعا للصور الجزئية" المتشابهة المحتملة للتأويل أو الرد، أو ما شابه ذلك كالتفويض في مواطنه. وهذه هي الفائدة الأولى. "و" من فوائده كذلك أن "رعيه" أي هذا الأصل واعتباره والعمل بمقتضاه "داع" ومفض "إلى" تسهيل و"تقريب" قطع وإزالة "مئاخذ" ومدارك "الخصام والتشغيب" أي إثارة الشغب والاضطراب في النظر بجلب الشبهات، الواقع من المخالفين. ومثال هذا ما وقع في بعض المجالس، وقد ورد على "غرناطة" بعض العدوة الأفريقية فأورد على مسألة العصمة الإشكال المورد في قتل موسى للقبطي، وأن ظاهر القرآن يقضي بوقوع المعصية منه ﵇ بقوله: "هذا من عمل الشيطان" وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ﴾ [القَصَص: ١٦] فأخذ معه في تفصيل ألفاظ الآية بمجردها، وما ذكر فيها من التأويلات إخراج الآيات عن ظواهرها. وهذا المأخذ لا يتلخص، وربما وقع الانفصال على غير وفاق، فكان مما ذاكرت به بعض الأصحاب في ذلك: المسألة سهلة في النظر إذا روجع بها إلى الأصل، وهي مسألة عصمة الأنبياء ﵈، فيقال له: الأنبياء معصومون من الكبائر باتفاق أهل السنة، وعن الصغائر باختلاف، وقد قام البرهان على ذلك في علم الكلام، فمحال أن يكون هذا الفعل من موسى كبيرة. وإن قيل إنهم معصومون أيضا من الصغائر، وهو صحيح، فمحال أن يكون ذلك الفعل منه ذنبا. فلم يبق إلا أن يقال أنه ليس بذنب، ولك في التأويل السعة بكل ما يليق بأهل النبوة ولا ينبو عنه ظاهر الآيات فاستحسن ذلك، ورأى ذلك مأخذا

стр. 784

" المسألة الثانية " ٢٠٠٠ - قَوَاعِدُ الشَّرْعِ لَدَيْهَا بَادِ … تَنْزِيلُهَا عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِي ٢٠٠١ - مُعْتَبَرًا فِي كلِّ أَصْلٍ أَصْلِ … لَا أَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ الْكلِّي ٢٠٠٢ - أَلَا تَرَى الْعَقْلَ بِهِ التَّكْلِيفُ … وَبِالْبُلُوغِ يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ ٢٠٠٣ - إِذْ غَالِبًا بِهِ يَكُونُ الْعَقْلُ … بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ فَهْيَ أَصْلُ علميا في المناظرات، وكثيرا ما يبنى عليه النظار، وهو حسن. والله أعلم (١). في أن القواعد مجراة على العموم العادي الغالب، لا العموم الكلي التام الذي لا يتخلف عنه جزئي. "المسألة الثانية" وبيان ذلك أن "قواعد الشرع" العامة ظاهر "لديها" أي فيها و "باد" بمقتضى واقع الحال الجاري فيها أنها جرى "تنزيلها على العموم العادي" وهو عموم أغلبي أكثري حال كون ذلك التنزيل "معتبرا" أمره "في كل أصل أصل" كيفما كان محله "لا أنها" أي تلك القواعد، جارية "على العموم الكلي" المتصف بالشمول والاستغراق التام بحيث لا يختلف جزئي ما من جزئياته عن مقتضاه وحكمه. أما كون الشريعة جارية على ذلك الوضع - إجزاء القوأعد على العموم العادي - فظاهر "ألا ترى العقل" وهو الذي "به يحصل ويثبت "التكليف" الشرعي على العباد، "و" هو "بالبلوغ يحصل التعريف" بوجوده، لأنه مظنة لوجوده "إذ غالبا" لا دائما "به" أي معه "يكون العقل" حاصلا "بمقتضى" وموجب "العادة" الجارية في الناس "فهي" في هذا الشأن وما أشبهه "أصل" شرعي محكم. وإنما قيد حصول العقل عند البلوغ بوصف الغلبة، لوجود من يتم عقله قبل البلوغ، ومن ينقص وإن كان بالغا، إلا أن الغالب الاقتران. وكذلك ناط الشارع الفطر والقصر بالسفر لعلة المشقة، وإن كانت المشقة قد توجد بدونها، وقد تفقد معها ومع ذلك فلم يعتبر الشارع تلك النوادر، بل أجرى القاعدة

стр. 785

" المسألة الثالثة " مجراها. ومثله حد الغنى بالنصاب، وتوجيه الأحكام بالبينات، وإعمال أخبار الآحاد والقياسات الظنية إلى غير ذلك من الأمور التي قد تتخلف مقتضياتها في نفس الأمر، ولكنه قليل بالنسبة إلى عدم التخلف فاعتبرت هذه القواعد كلية عادية لا حقيقية. وعلى هذا الترتيب تجد سائر الفوائد التكليفية. وإذا ثبت ذلك ظهر أن لا بد من إجراء العمومات الشرعية على مقتضى الأحكام العادية من حيث هي منضبطة بالمظنات، إلا إذا ظهر معارض فيعمل على ما يقتضيه الحكم فيه، كما إذا عللنا القصر بالمشقة، فلا ينتقض بالملك المترف ولا بالصناعة الشاقة. وكما لو علل الربا في الطعام بالكيل فلا ينتقض بما لا يتأتى كيله لقلة أو غيرها، كالتافه من البر. وكذلك إذا عللناه في النقدين بالثمنية لا ينتقض بما لا يكون ثمنا لقلته، أو عللناه في الطعام بالاقتيات، فلا ينتقض بما ليس فيه اقتيات، كالحبة الواحدة. وكذلك إذا اعترضت علة القوت بما يقتات في النادر، كاللوز والجوز والقثاء والبقول وشبهها، بل الاقتيات إنما اعتبر الشارع منه ما كان معتادا مقيما للصلب على الدوام وعلى العموم، ولا يلزم اعتباره في جميع الأقطار وكذلك نقول أن الحد علق في الخمر على نفس التناول حفظا على العقل، ثم إنه أجرى الحد في القليل الذي لا يذهب العقل مجرى الكثير، اعتبارا للعادة في تناول الكثير. وعلق حد الزنى على الإيلاج وإن كان المقصود حفظ الأنساب، فيحد من لم ينزل لأن العادة الغالبة مع الإيلاج الإنزال. وكثير من هذا (١). فليكن على بال من النظر في المسائل الشرعية أن القواعد العامة إنما تنزل على العموم العادي (٢). "المسألة الثالثة" في أن صيغ العموم ينظر فيها باعتبارين: أحدهما: اعتبار ما يدل عليه الصيغة في أصل وضعها على الإطلاق. ثانيهما: اعتبار المقاصد الاستعمالية التي تقضي العوائد بالقصد إليها، وإن كان أصل الوضع على خلاف ذلك.

стр. 786

٢٠٠٤ - وَللْعُمُومِ صِيَغٌ وَضْعِيَّهْ … تَقْرِيرُهَا مَعْرِفَة نَحْوِيَهْ ٢٠٠٥ - وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ … أَنْ لِلْعُمُومِ بَعْدُ مَلْحَظَانِ ٢٠٠٦ - مَلْحَظُ الاعْتِبَارِ بِالإِطْلَاقِ … لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الاسْتِغْرَاقِ ٢٠٠٧ - وَذَا إِلَيْهِ الْقَصْدُ فِي الأُصُولِ … حَيْثُ يُرَى التَّخْصِيصُ بِالْمَفْصُولِ ٢٠٠٨ - وَمَلْحَظُ اعْتِبَارِ الاسْتِعْمَالِ … بِمُقْتَضَى الْعَادَاتِ وَالأَحْوَالِ ٢٠٠٩ - فَشَأْنُهَا فِيمَا اقْتَضَتْهُ مَرْعِي … وَإِنْ يُخَالِفْ ذَاكَ أَصْلُ الْوَضْعِ " و" بيان ذلك أنه قد ثبت "للعموم صيغ" أي مبان لفظية "وضعية" وهذه "تقريرها" وبحث أحوالها من جهة ثبوتها صيغا للعموم ودلالتها على ذلك "معرفة نحوية"، وهي قد درست، وبحث شأنها في كتب النحو، ومسائله "و" بذلك فإنه ليس أمرا مقصودا بحثه وبيانه هنا، "إنما المقصود بالبيان" هنا هو "أن" - بسكون النون - يعني أنه "للعموم بعد" الملحظ النحوي المذكور "ملحظان" أي نظران آخران باعتبار الوضع: أحدهما: "ملحظ" أي لحظ "الاعتبار" والاعتداد "بالإطلاق لمقتضى" - متعلق بالاعتبار - أي موجب "صيغة الاستغراق" والعموم هذه في أصل وضعها اللغوي وأصل كلامه: لحظ الاعتبار لمقتضى صيغة الاستغراق بالإطلاق، "وذا" ملحظ ونظر "إليه القصد" والتوجه وعليه البناء "في"مسائل العموم علم "الأصول" الفقهية "حيث يرى" ويذكر ثابتا "التخصيص" للألفاظ العامة "بـ" الدليل "المفصول" يعني المنفصل، كالعقل، والحس وسائر المخصصات المنفصلة. "و" ثانيهما: "ملحظ" أي لحظ "اعتبار" جهة "الاستعمال" الذي يحصل للألفاظ محاملها تكون "بمقتضى العادات" والأعراف التي يقصد بيانها والتعبير عنها، "والأحوال" التي يكون الكلام مصوغا ومسوقا على وفقها. وهذه العادات والأحوال معتبر مقتضاها في فهم الكلام وإدراك المعنى المقصود به، وبذلك "فشأنها في ما اقتضته" وما تدل عليه من معنى أمر "مرعي" ومعتد به في حمل الكلام على المعنى المقصود به "وإن يخالف ذاك" المعنى ما دل عليه "أصل الوضع" - فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني ما دل عليه اللفظ من جهة الوضع الأصلي.

стр. 787

٢٠١٠ - فَالاعْتِبَارُ هَكَذَا اسْتِعْمَالِي … وَرَعْيُهُ مُنْجٍ مِنَ الإِجْمَالِ ٢٠١١ - وَالاعْتِبَارُ قَبْلَهُ قِيَاسِي … وَللسَّمَاعِ الْحُكْمُ فِي الْقِيَاسِ ٢٠١٢ - فَمِنْ أُصُولِ النَّحْوِ أَنَّ الْمُتَّبَعْ … هُوَ السَّمَاعُ إِنْ تَعَارُضٌ وَقَعْ ٢٠١٣ - إِذًا فَالاعْتِبَارُ لِلْعُمُومِ … مِنْ جِهَةِ الْمَسَاقِ وَالْمَفْهُومِ ٢٠١٤ - أَعْنِي بِهِ مُقْتَضَيَاتِ الْحَالِ … لِضَبْطِهَا أَوْجُهُ الاسْتِعْمَالِ " فالاعتبار" الذي هو مبني على مراعاة ما ذكر من مقتضى العادات والأحوال "هكذا" هو اعتبار "استعمالي" والعمل به في حمل الألفاظ على المعاني "ورعيه" مسلك "منج" وحافظ "من الإجمال" في الكلام، وهو انبهام معناه، وخفاؤه، لأنه يدرك به رجحان المعنى المراد عند تعارض الاحتمالات في الكلام. "و" أما "الاعتبار" الذي ذكر "قبله" فإنه اعتبار "قياسي" سمي بذلك لجريانه على أصل الوضع العام الذي يجري حكمه باطراد ما لم يخرج عن أصله لموجب كالسياق، "و" القياس في محل فـ "للسماع" يعطي "الحكم" والرجحان "في" مطرد "القياس" الجاري به العمل في هذا المقام. "فمن أصول" علم "النحو أن المتبع "والمعمول به "هو السماع إن" حصل "تعارض" بينه وبين القياس، و"وقع" وهذا أمر جار المضي على مقتضاه في جميع الجزئيات اللغوية؛ "إذا" بناء على هذا "فالاعتبار لـ" مقتضى "العموم" ومدلوله، إنما يعلم حده وحاله "من جهة المساق" - أي اللواحق والسوابق التي تكتنفه "و" المعنى "المفهوم" من الكلام "أعني به" أي بالمفهوم هنا "مقتضيات" ومدلولات "الحال" الذي عليه المتكلم، أو المخاطب أو هما معا. وبيان ذلك أن العرب تطلق ألفاظ العموم بحسب ما قصدت تعميمه، مما يدل عليه الكلام خاصة، دون ما تدل عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي؛ كما أنها أيضا تطلقها وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع. وكل ذلك مما يدل عليه مقتضى الحال؛ فإن المتكلم قد يأتي بلفظ عموم مما يشمل بحسب الوضع نفسه وغيره، وهو لا يريد نفسه ولا يريد أنه داخل في مقتضى العموم وكذلك قد يقصد بالعموم صنفا مما يصلح اللفظ له في أصل الوضع، دون غيره من الأصناف؛ كما أنه قد يقصد ذكر البعض في لفظ العموم ومراده من ذكر البعض الجميع؛ كما تقول،

стр. 788

٢٠١٣ - وَمِنْهُ عُرْفيٌّ تَسَاوَى الْعَرَبي … فِيهِ وَمَنْ يَفْهَمُ قَصْدَ الْعَرَبِ ٢٠١٦ - وَمِنْهُ شَرْعِيٌّ بِهِ فِي الْوَاقِعِ … تَبَايُنُ الْفَهْمِ لِقَصْدِ الشَّارعِ فلان يملك المشرق والمغرب والمراد جميع الأرض؛ وضرب زيد الظهر والبطن؛ ومنه ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فكذلك إذا قال: من دخل داري أكرمته، فليس المتكلم بمراد، وإذا قال: أكرمت الناس، أو قاتلت الكفار فإنما المقصود من لقي منهم، فاللفظ عام فيهم خاصة، وهم المقصودون باللفظ العام دون من لم يخطر بالبال. قال ابن خروف ولو حلف رجل بالطلاق والعتق ليضربن جميع من في الدار وهو معهم فيها فضربهم ولم يضرب نفسه، لبر ولم يلزمه شيء. ولو قال: اتهم الأمير كل من في المدينة فضربهم فلا يدخل الأمير في التهمة والضرب - قال: فكذلك لا يدخل شيء من صفات الباري تعالى تحت الأخبار في نحو قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ١٠٢]؛ لأن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه. ومثله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٣٥] وإن كان عالما بنفسه وصفاته: ولكن الإخبار إنما وقع عن جميع المحدثات، وعلمه بنفسه وصفاته شيء آخر. قال: فكل ما وقع الإخبار به من نحو هذا فلا تعرض فيه لدخوله تحت المخبر عنه، فلا تدخل صفاته تعالى تحت الخطاب وهذا معلوم من وضع اللسان. فالحاصل أن العموم إنما يعتبر بالاستعمال، ووجوه الاستعمال كثيرة، ولكن ضبط مقتضيات الأحوال قد يتوصل به إلى ضبط هذه الوجوه فإنه يحصل "لضبطها" - اللام بمعنى الباء - أي بضبطها - أي هذا الأحوال ضبط "أوجه الاستعمال" للعموم المختلفة التي على وفق تلك الأحوال. "و" العموم الوارد في النصوص الشرعية على ضربين فـ "منه" أي ما هو "عرفي" الذي تدل عليه الألفاظ العامة باعتبار وضعها، وهذا النوع فهمه "تساوى العربي فيه ومن يفهم قصد" ومراد "العرب" في كلامهم. وهذا النوع تقدم ذكره. "ومنه" ما هو عموم "شرعي" يعلم المراد به جهة الشرع، وهو الذي "به" أي فيه "في الواقع" وحقيقة الأمر يقع "تباين" أي اختلاف وتفاوت "الفهم" والإدراك "لقصد" ومراد "الشارع" الحكيم منه وهذا التفاوت والتباين في إدراكه - أي إدراك هذا القصد - أمر حاصل، إذ ليس الطارئ الإسلام من العرب في فهمه كالقديم العهد، ولا المشتغل

стр. 789

٢٠١٧ - فَمَا أَتَى فِيهِ بِعَكْسِ مَا مَضَى … فَمِنْ تَفَاوُتِ النُّهَى فِيمَا اقْتَضَا ٢٠١٨ - وَمِنْهُ الاعْتِبَارُ بِالإِطْلَاقِ … لِمَا أَتَى أَخَصَّ فِي الْمَسَاقِ ٢٠١٩ - مِنْ مُقْتَضَى مَا جَاءَ لِلْعُمُومِ … فِي مُنْتَهَى مَحْمُودٍ أَوْ مَذْمُومِ ٢٠٢٠ - فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا تَذَرْ … جَارٍ عَلَى الْعُمُومِ حَيْثُ مَا صَدَرْ بتفهمه وتحصيله كمن ليس في تلك الدرجة، ولا المبتدئ فيه كالمنتهي ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجَادلة: ١١] فلا مانع من توقف بعض الصحابة في بعض ما يشكل أمره، ويغمض وجه القصد الشرعي فيه؛ حتى إذا تبحر في إدارك معاني الشريعة نظره، واتسع في ميدانها باعه زال عنه ما وقف من الإشكال، واتضح له القصد الشرعي على الكمال (١). هذا هو شأن العموم في النص الشرعي "فما أتى فيه" وهو مفهوم ومدرك "بعكس" وخلاف "ما" أي هذا الأصل الذي "مضى" تقريره في هذا الشأن "فـ" إنه آت من جهة "تفاوت" مدركات "النهى" - بضم النون - جمع نهية وهي العقل "فيما" أي في المعنى والحكم الذي "اقتضاه" ذلك العام. "ومنه" أي العموم ما كان يدرك بواسطة "الاعتبار" والاعتداد "بالإطلاق" الذي يحصل وهو ثابت "لما" هو من هذه الألفاظ قد "أتى" في واقع الأمر وكان "أخص في المساق" - في بمعني الباء - أي بالمساق الذي ورد فيه فبين المراد بما جاء فيه "من مقتضى" وحكم "ما جاء" فيه "للعموم" وهو "في منتهى أمر "محمود أو "أمر "مذموم"، فالعموم جار في ذلك على كل حال "فمثل قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢] وقوله - سبحانه - ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] لم يقصد به أنها تدمر السماوات والأرض والجبال، ولا المياه ولا غيرها مما هو في معناها، وإنما المقصود تدمر كل شيء مرت عليه مما شأنه أن توثر فيه على الجملة ولذلك قال - سبحانه -: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وبذلك فهو "جار على" سبيل "العموم" والشمول بمقتضى القصد، ما أخرج منه مما اقتضاه الوضع لم يكن مرادا فلم يكن داخلا في دلالته وذلك "حيث ما" أي في أي موضع "صدر" ووقع.

стр. 790

٢٠٢١ - وَلَيْسَ مَا امْتَازَ بِأَمْرٍ خَارِجِي … فِي أَصْلِهِ عَنْ حُكْمِ ذَا بِخَارجِ ٢٠٢٢ - وَالشَّاهِدُ الْعَدْلُ لِسَانُ الْعَرَبِ … فَهْمًا وَإِفْهَامًا لِهَذَا الْمَذْهَبِ ٢٠٢٣ - إِذْ جُبِلُوا طَبْعًا عَلَى إِهْمَالِ … مَا لَا يَمُرُّ قَصْدُهُ بِبَالِ ٢٠٢٤ - لِذَاكَ لَا صِحَّةَ لاسْتِثْنَاءِ مَا … لَمْ يَكُ بِالدَّاخِلِ فِيمَا فُهِمَا ٢٠٢٥ - كَأْنْ يُقَالَ مَنْ غَزَا الْكُفَّارَا … إِلَّا أَنَا فَأَعْطِهِ دِينَارَا ٢٠٢٦ - وَبَعْضُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالأُصُولِ … نَبَّهَ لِلْمَعْنَى مِنَ الْمَنْقُولِ " و" هكذا يتحقق أنه "ليس" كل "ما امتاز" وتبين المراد به "بأمر خارجي" من حس أو عقل مصاحب له "في أصله" الدلالي "عن حكم ذا" الذي تقدم بيانه "بخارج" بل هذا الحكم جار فيه كذلك، "والشاهد العدل" المبرز هو حال "لسان العرب" أي لغتهم "فهما" وإدراكا لما تدل عليه الألفاظ "وإفهاما" تبليغا للمراد بتلك الألفاظ "لهذا المذهب" متعلق بقوله: "والشاهد العدل" يعني صحة المذهب، وهو أن المراد من الكلام هو المعتبر، وليس ما دلت عليه الألفاظ بوضعها الإفرادي. "إذ" العرب قد "جبلوا طبعا على إهمال" كل "ما" من المعاني "لا" يخطر ولا "يمر قصده ببال" المتكلم عادة "لذاك لا صحة لاستثناء" وإخراج "ما" من المعاني "لم يك" في واقع الأمر "بالداخل فيما" قد "فهما" من الكلام، وإن كانت ظواهر الألفاظ بمقتضى وضعها تدل عليه، وتدخله، وبذلك فإنه لا يصح أن يستثني ما هو معلوم الخروج بمقتضى العادة أو العرف كأن يقال - مثلا -: من دخل داري أكرمته إلا نفسي و"كأن يقال" يعني كأن يقول الشخص لخادمه "من غزا الكفار إلا أنا فأعطه دينارا" فقوله إلا أنا معلوم خروجه من الحكم، فلا حاجة إلى إخراجه، ومثله أن يقال: قاتلت الكفار إلا من لم ألق منهم. وإنما يصح استثناء ما يظن ويتوهم دخوله في الكلام. "وبعض أهل العلم بالأصول" كالشافعي "نبه لـ" وجوب النظر إلى "المعنى" المقصود "من" الكلام "المنقول" وطرح اعتبار ما دلت عليه الألفاظ بمقتضى وضعها، وذكر أن ما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم إلا بالأخطار لا يحمل لفظه عليه إلا مع الجمود على مجرد اللفظ، وأما المعنى فيبعد أن يكون مقصودا للمتكلم، كقوله ﷺ :

стр. 791

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . " أيما إهاب دبغ فقد طهر" قال الغزالي: خروج الكلب عن ذهن المتكلم والمستمع عند التعرض للدباغ ليس ببعيد، بل هو الغالب الواقع ونقيضه هو الغريب المستبعد، وكذا قال غيره أيضا، وهو موافق لقاعدة العرب، وعليه يحمل كلام الشارع بلا بد (١). "فصل" إذا تقرر إما تقدم فالتخصيص إما بالمنفصل أو المتصل. فإن كان بالمتصل - كالاستثناء والصفة والغاية وبدل البعض وأشباه ذلك - فليس في الحقيقة بإخراج لشيء بل هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ أن لا يتوهم السامع منه غير ما قصد وهو ينظر إلى قول سيبويه: "زيد الأحمر" عند من لا يعرفه "كزيد" وحده عند من يعرفه. وبيان ذلك أن زيدا الأحمر هو الاسم المعرف به مدلول زيد بالنسبة إلى قصد المتكلم كما كان الموصول مع صلته هو الاسم لا أحدهما. وهكذا إذا قلت "الرجل الخياط" فعرفه السامع فهو مرادف "لزيد" فإذا المجموع هو الدال، ويظهر ذلك في الاستثناء إذا قلت "عشرة إلا ثلاثة" فإنه مرادف لقولك "سبعة" فكأنه وضع آخر عرض حالة التركيب. وإذا كان كذلك فلا تخصيص في محصول الحكم لا لفظا ولا قصدا، ولا يصح أن يقال إنه مجازا أيضا، لحصول الفرق عند أهل العربية بين قولك "ما رأيت أسدا يفترس الأبطال" وقولك: "ما رأيت رجلا شجاعا" وأن الأول مجاز، والثاني حقيقة. والرجوع في هذا إليهم، لا إلى ما يصوره العقل في مناحي الكلام (٢). وأما التخصيص بالمنفصل فإنه كذلك أيضا راجع إلى بيان المقصود في عموم الصيغ، حسبما تقدم في رأس المسألة، لا أنه على حقيقة التخصيص الذي يذكره الأصوليون. فإن قيل: وهكذا يقول الأصوليون إن التخصيص بيان المقصود بالصيغ المذكورة، فإنه رفع لتوهم دخول المخصوص تحت عموم الصيغة في فهم السامع، وليس بمراد الدخول تحتها، وإلا كان التخصيص نسخا. فإذا لا فرق بين التخصيص بالمنفصل والتخصيص بالمتصل على ما فسرت. فكيف تفرق بين ما ذكرت وبين ما يذكره الأصوليون؟ فالجواب أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن ما ذكر هنا راجع إلى بيان

стр. 792

٢٠٢٧ - وَهَذَا الأَصْلُ فَهْمُهُ مُهِمّ … إِذْ يَنْبَنِي عَلَيْهِ عِلْمٌ جَمُّ وضع الصيغ العمومية في أصل الاستعمال العربي أو الشرعي، وما ذكره الأصوليون يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص، فنحن بينا أنه بيان لوضع اللفظ، وهم قالوا إنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه، وبينهما فرق. فالتفسير الواقع هنا نظير بيان الذي سيق عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه، والذي للأصوليين نظير البيان الذي سيق عقيب الحقيقة ليبين أن المراد المجاز؛ كقولك رأيت أسد يفترس الأبطال. فإن قيل أفيكون تأصيل أهل الأصول كله باطلا، أم لا؟ فإن كان باطلا لزم أن يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأ، والأمة لا تجتمع على الخطأ. وإن كان صوابا وهو الذي يقتضيه إجماعهم فكل ما يعارضه خطأ. فإذا كل ما تقدم بيانه خطأ. فالجواب أن إجماعهم أولا غير ثابت على شرطه، ولو سلم أنه ثابت لم يلزم منه إبطال ما تقدم؛ لأنهم إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع الإفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي، حتى إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتباره: كل على اعتبار رآه، أو تأويل ارتضاه. فالذي تقدم بيانه مستنبط من اعتبارهم الصيغ في الاستعمال، بلا خلاف بيننا وبينهم، إلا ما يفهم عنهم من لا يحيط علما بمقاصدهم، ولا يجود محصول كلامهم (١). وبالله التوفيق. "فصل" "و" اعلم بأن "هذا الأصل" الذي قرر وبين هنا "فهمه" وإدراك معناه "مهم" يجب الاعتناء به "إذ ينبني" ويؤسس "عليه علم جم" أي كثير، فقد انبنت عليه الأحكام: منها: أنهم اختلفوا في العام إذا خص يبقى حجة أم لا؟ وهي من المسائل الخطيرة في الدين، فإن الخلاف فيها في ظاهر الأمر شنيع؛ لأن غالب الأدلة الشرعية وعمدتها هي العمومات، فإذا عدت من المسائل المختلف فيها بناء على ما قالوه أيضا من أن جميع العمومات أو غالبها مخصص، صار معظم الشريعة مختلفا فيها هل هو حجة أم لا؟ ومثل ذلك يلقى في المطلقات فانظر فيه. فإذا عرضت المسألة على هذا الأصل المذكور لم يبق

стр. 793

" المسألة الرابعة " ٢٠٢٨ - عَزَائِمُ الشَّرْعِ جَمِيعًا لَا يُخَصْ … مِنْهَا الْعُمُومُ حَيْثُ كَانَتْ بِالرُّخَصْ الإشكال المحظور، وصارت العمومات حجة على كل قول. ولقد أدى إشكال هذا الموضع إلى شناعة أخرى، وهى أن عمومات القرآن ليس فيها ما هو معتد به في حقيقته من العموم، وإن قيل بأنه حجة بعد التخصيص؛ وفيه ما يقتضى إبطال الكليات القرآنية، وإسقاط الاستدلال به جملة، إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن، لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم. وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية، وتضعيف الاستناد إليها. وربما نقلوا في الحجة لهذا الموضع عن ابن عباس أنه قال: ليس في القرآن عام إلا مخصص، إلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢] وجميع ذلك مخالف لكلام العرب، ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقا، بحسب قصد العرب في اللسان، وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام. وأيضا فمن المعلوم أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارا على وجه هو أبلغ ما يكون، وأقرب ما يمكن في التحصيل ورأس هذه الجوامع في التعبير العمومات، فإذا فرض أنها ليست بموجودة في القرآن جوامع، بل على وجه تفتقر فيه إلى مخصصات ومقيدات وأمور أخر، فقد خرجت تلك العمومات عن أن تكون جوامع مختصره وما نقل عن ابن عباس إن ثبت من طريق صحيح فيحتمل التأويل. فالحق في صيغ العموم إذا وردت أنها على عمومها في الأصل الاستعمالي، بحيث يفهم محل عمومها العربي الفهم المطلع على مقاصد الشرع، فثبت أن هذا البحث ينبني عليه فقه كثير، وعلم جميل (١). وبالله التوفيق. "المسألة الرابعة" في أن العزائم لا تخصصها الرخص. وبيان ذلك أن "عزائم الشرع" كلها "جميعها لا يخص منها العموم" أي عمومها "حيث كانت" أي في أي باب فقهي وردت "بالرخص" متعلق بقوله: "لا تخص" لأن التخصيص هو قصر العام على بعض مسمياته، وهذا لا يجري حكمه على عمل الرخصة في مدلول العزيمة على التحقيق كما سيأتي بيانه.

стр. 794

٢٠٢٩ - وَمُطْلِقٌ لِذَاكَ فِي التَّحْقِيقِ … عَلَى مَجَازِ الْقَوْلِ لَا الْحَقِيقِي ٢٠٣٠ - إِذْ مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ رَفْعُ الْحَرَجِ … وَلَيْسَ فِي التَّخْيِيرِ بِالْمُنْدَرجِ ٢٠٣١ - وَقَدْ مُضَى ذَلِكَ بِالْبَيَانِ … فَالشَّأْنُ فِيهَا الشَّأْنُ فِي النِّسْيَانِ " و" أما من هو "مطلق لذلك" وهو أن الرخص تخصص العزائم فإن "في التحقيق" إنما أجرى كلامه "على مجاز القول لا" على القول "الحقيقي" الذي مدلوله هو قصر العامّ على بعض أفراده والرّخص لا تقتضي هذا الأمر في شأن العزائم، فهي لا تقصرها على بعض أفرادها، لأنّ الرّخص جارية مع ثبوت أحكام العزائم في مواطنها، فهي لم تستثن أيّ فرد من أفرادها ولم تخرجه عن حكمها، كما في أمر تخصيص العامّ في شأن أفراده "إذ مقتضى الرّخصة" ومفادها هو "رفع الحرج" عمّن شرّعت له فارتكبها "و" بذلك فإنّ شأن الرّخصة والعزيمة "ليس" في الذي يسري عليه حكم "التّخيير" الدّال على تغيير حكم العزيمة الأصلي الذي هو الوجوب "بالمندرج" الدّاخل، إذ لم يأت دليل يدلّ على جريان التخيير في ذلك. "وقد مضى" ذكر "ذلك" الفرق الذي بين التّخيير ورفع الحرج في هذا الشّأن "بالبيان" والتّوضيح الكافي، وذلك في كتاب "الأحكام" في فصل العزائم والرّخص، وإذا ثبت ذلك فالعزيمة على كمالها وأصالتها في الخطاب بها لم يلحقها تبديل ولا تغيير، وللمخالفة حكم آخر. وأيضا: فإنّ الخطاب بالعزيمة من جهة حقّ الله - تعالى - والخطاب بالرّخصة من جهة حقّ العبد، فليسا بواردين على المخاطب من جهة واحدة، بل من جهتين مختلفتين، وإذا اختلفت الجهات أمكن الجمع، وزال التناقض المتوهّم في الإجتماع، وبذلك "فالشّأن" والأمر "فيها" أي الرّخص من حيث تخلّف العزيمة في مواطنها مثل "الشّأن في النّسيان" والخطإ والإكراه وغيرها من الأعذار الّتي يتوجه الخطاب مع وجودها، مع أنّ التّخلّف غير مؤثم ولا موقع في محظور، وعلى هذا ينبني معنى آخر يعمّ هذه المسألة وغيرها، وهو أنّ العمومات الّتي هي عزائم إذا رفع الإثم عن المخالف فيها لعذر من الأعذار، فأحكام تلك العزائم متوجهة على عمومها من غير تخصيص، وإن أطلق عليها أنّ الأعذار خصّصتها فعلى المجاز لا على الحقيقة، ولنعدّها مسألة على حدتها، وهي (١): فيما تقدّم ذكره من الأعذار لا تخصّص عمومات العزائم.

стр. 795

" المسألة الخامسة " ٢٠٣٢ - وَكُلُّ عُذْرٍ مُسْقِطٍ لِلاثْمِ … لَيْسَ مُخَصَّصًا عُمُومَ الْحُكْمِ ٢٠٣٣ - وَذَاكَ كَالإكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ … وَالْخَطَإِ اللَّاحِقِ لِلإِنْسَانِ ٢٠٣٤ - وَالْحُكْمُ فِيهَا وَاحِدٌ فَلْنَكْتَفِ … بِخَطَإِ الْحَاكِمِ وَالْمُكَلَّفِ ٢٠٣٥ - كَمَانِعِ الْحَقِّ لِذِي اسْتِيجَابِ … وَشَارِبِ الْمُسْكِرِ عَنْ جُلَّابِ " المسألة الخامسة" "و" بيان ذلك أنّ "كلّ عذر" مزيل و"مسقط للإثم" عن المكلّف "ليس" في واقع الأمر "مخصِّصا" - بكسر الصّاد - "عموم" وشمول "الحكم" الأصليّ - أي العزيمة - على الإطلاق "وذاك" العذر هو "كالإكراه" - بكسر الهمزة - وهو الإضطرار إلى الفعل بالتّخويف مع الاقتدار والاختيار "والنّسيان" وهو الذّهول عن الشّيء "والخطإ اللّاحق" الحاصل "للإنسان" وهو الإتيان بالشّيء على غير وجهه من غير قصد إليه "و" أمّا "الحكم فيها" أي هذه الأعذار كلّها هي والرّخص فإنّه حكم "واحد" وهو عدم المؤاخذة ورفع الحرج فيها فقط، أمّا مقتضى العزائم فإنّه لم يرفع في مواطنها لا بالتّخصيص ولا بغيره، بل هو مستمرّ فيها كما هو متقرّر بالواقع. هذا وإذ قد تقرّر أنّ ذلك كلّه واحد "فلنكتف" على سبيل التمثيل المساق للبيان "بـ" الحديث عن "خطإ الحاكم" القاضي أو الأمير في حكمه "و" بالحديث عن خطإ الشّخص "المكلّف" في فعله، أمّا خطأ الحاكم فإنّه متصوّر في "كـ" حاكم "مانع الحقّ لـ" شخص "ذي استيجاب" أو استحقاق له وقاض به لغيره، وكان ذلك عن خطإ، وذلك كأن يسلّم المال إلى غير أهله والزّوجة إلى غير زوجها، أو أدّب من لم يستحقّ تأديبا وترك من كان مستحقّا له، أو قتل نفسا بريئة، أمّا الخطأ في الدّليل أو الشّهود وما أشبه ذلك هذه صورة الحاكم المخطئ. "و" أمّا المكلّف المخطئ فإنّه مثل "شارب" الشّيء "المسكر" بدلا "عن" إلى "جُلاب" - بضمّ الجّيم - وهو ماء الورد الذي ظنّ ذلك الشّراب إيّاه، ومثله آكل مال اليتيم أو غيره يظنّه متاع نفسه، وقاتل المسلم يظنّه كافرا، وواطئ الأجنبية يظنّها زوجته أو أمته، وما أشبه ذلك. فإذا صدر ذلك الضّرب الذي تقدّم ذكره من الحكم عن الحاكم أو هذا الضّرب من الفعل عن المكلّف

стр. 796

٢٠٣٦ - أَفَيُقَالُ إِنَّ ذَا وَمِثْلَهُ … مِمَّا أَبَاحَ الشَّرْعُ إِذْنًا فِعْلَهُ ٢٠٣٧ - كَلَّا وَلَكِنْ رَفَعَ التَّأثِيمَا … وَالأَصْل بَاقٍ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَا ٢٠٣٨ - وَحَيْث يُمْكِنُ التَّلَافِي شُرِعَا … جَبْرًا لِمَا بِهِ الْفَسَادُ وَقَعَا " المسألة السّادسة " ٢٠٣٩ - ثُبُوتُ مَا عَمَّ لَهُ نَهْجَانِ … مِنْ جِهَةِ الصِّيغَةِ وَالْمَعَانِ " أفيقال إنّ ذا" الفعل أو الحكم "ومثله" من كلّ ما كان عن خطإ هو "ممّا أباح" وأجاز "الشّرع إذنا" أي إباحة "فعله" وإتيانه؟ "كلّا" فالحكم الشّرعي الجاري على ذلك كلّه هو المنع والحظر، فإنّ المفاسد الّتي حُرِّمت لأجلها هذه الأشياءُ الّتي أتاها ذلك المكلّفُ واقعةٌ أو متوقعةٌ، فإنَّ شارب المسكر قد زال عقله وصدّه عن ذكر الله - تعالى - وعن الصّلاة، ومن الآية آكل مال اليتيم قد أخذ ماله الذي حصل له به الضرّر والفقر، وقاتلُ المسلم قد أزهق دم نفس من قتلها فكأنّما قتل النّاس جميعا، وواطئ الأجنبية قد تسبّب في اختلاط نسب المخلوق من مائه، فهل يسوغ في هذه الأشياء أن يقال: إنّ الله أذن فيها أو أمر بها؟ كلّا. وكذلك الحاكم فإنّه يصح إذا أخطأ فحكم بغير ما أنزل الله، فكيف يقال: إنّه مأمور بذلك، أو أشهد ذوي زور، فهل يصلح أن يقال: إنّه مأمور بقبولهم وبإشهادهم؟ هذا لا يسوغ بناء على مراعاة المصالح في الأحكام تفضلا كما اخترناه، أو لزوما كما يقوله المعتزلة "ولكن" الخطأ في ذلك كلّه جلب العذر لهؤلاء و"رفع" المؤاخذة و"التأثيما" عنهم "و" أمّا الحكم الشّرعي الذي هو "الأصل" فإنّه "باق" جريانه على تلك الجزئيّات وهو "يقتضي" بدلالته "التّعميما" لها ولكلّ ما ينطوي تحته من جزئيّات "و" بناء على هذا وعملا به يعمل بالاستدراك والتلافي لما كان عن خطإ من فعل أو حكم "حيث" يتأتّى و"يمكن التّلافي" لذلك واستدراكه، فإنّه أمر قد "شُرِعَا" يعني وجب شرعا، وهو إصلاح يكون "جبرا لما" حصل "به" أي فيه "الفساد" وهو خلاف الشّرع المذكور و"وقعا" - الألف للإطلاق - فيه من الأفعال والأحكام. "المسألة السّادسة" في بيان أنّ "ثبوت ما عمّ" أي العموم للدّليل وحصول الشّمول له - حتّى يتحقّق أنّه أمر كليّ عامّ "له نهجان" أي سبيلان يوصلان إليه. أوّلهما: ما كان "من جهة الصّيغة" الدّالة على العموم لغة ووضعا "و" ما كان من جهة "المعان" يعني العقول.

стр. 797

٢٠٤٠ - فَالأَوَّلُ الْمَشْهُورُ فِي الأُصُولِ … وَمَرَّ ذِكْرُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ ٢٠٤١ - ثَانِيهِمَا اسْتِقْرَاءُ حَالِ الْمَعْنَا … لَدَى الْمَوَاقِعِ بِحَيْثُ عَنَّا ٢٠٤٢ - حَتّى يَكُونَ مِنْهُ أَمْر كُلِّي … فِي الذِّهْنِ يَجْرِي كَالْعُمُومِ الأَصْلِي ٢٠٤٣ - وَهْوَ الْعُمُومُ الْمَعْنَوِيُّ الْمُصْطَلَحْ … عَلَيْهِ قَبْلُ وَهْوَ أَمْرٌ اتَّضَحْ ٢٠٤٤ - إِذِ اعْتِبَارُ شَأْنِهِ بِشَانِ … تَوَاتُرِ الْمَعْنَى لَدَى الْبَيَانِ ٢٠٤٥ - كَأَنْ نَّقُولَ مَثَلًا رَفْعُ الضَّرَرْ … قَاعِدَةٌ يَعُمُّ حَالُهَا الْبَشَرْ فالعامّ قد يكون عامّا لغة، وقد يكون عامّا عقلا وقد تقدّم ذكر أنّ العامّ معنى هو ما كان مدركا عمومه بالاستقراء، فكان مطلقا، أو عامّا. وبهذا يكون العامّ معنى هو ما سيذكره بعد. فتأمّل، "فـ" هذا "الأوّل" هو "المشهور" ذكره "في"علم "الأصول و "قد "مرّ" ومضى "ذكره على التّفصيل"، الذي يليق بهذا الكتاب. "ثانيها" أي النّهجين هو "استقراء" وتتبّع "حال المعنى" المحكوم به أو المحكوم عليه "لدى" أي في "المواقع" والمواطن التي ورد فيها، فيستقرأ "بحيث" أي في أيّ موضع "عنّا" - الألف للإطلاق - أي عرض "حتّى" يحصل و"يكون منه" أي من ذلك الاستقراء أي ذلك المعنى "أمر كليّ" عامّ مقتضاه في الشّريعة "في الذّهن" - متعلّق بيكون - وبذلك "يجري" ويقع "كالعموم الأصلي" الثابت بالألفاظ العامّة لغة. "و" هذا العموم الثّابت بالاستقراء "هو العموم المعنويّ" وهو النّوع نفسه "المصطلح عليه قبل" في المسألة الثّالثة الماضي ذكرها بهذا المصطلح، "وهو" أي هذا العموم "أمر" وشأن "اتّضح" حاله وبانت صورته في الواقع، والأذهان "إذ اعتبار" وقياس "شأنه" وحاله إنّما كان "بشأن" وحال "تواتر المعنى لدى" أي عند جريان وحصول "البيان" والإيضاح له، فإنّ جود حاتم - مثلا - إنّما ثبت على الإطلاق من غير تقييد، وعلى العموم من غير تخصيص بنقل وقائع خاصّة متعددة تفوِّت الحصر، مختلفة في الوقوع، متفقة في معنى الجود في هذه الإفادة. فكذلك إذا فرضنا قاعدة فقهيّة علم عمومها من جهة هذا الاستقراء "كأن نقول مثلا" - قاعدة - "رفع الضّرر" والحرج هي "قاعدة يعمّ" مقتضاها و"حالها" جميع "البشر".

стр. 798

٢٠٤٦ - ثَابِتَةٌ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدِ … بَلْ بِمَجيءِ الْمَنْعِ فِي مَوَارِدِ ٢٠٤٧ - وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُفِيدَهْ … فِي مُقْتَضَى نَوَازِلٍ عَدِيدَهْ ٢٠٤٨ - وَآخِذٌ بِالسَّدِّ لِلذَّرَائِعِ … بَانٍ عَلَيْهَا الْحُكْمَ فِي الْمَوَاقِعِ وهي قاعدة "ثابتة" على الوجه المذكور "لا بدليل" عامّ "واحد بل" هي ثابتة "بمجيء" وورود "المنع" والرّفع "في موارد" ونوازل متعددة تضافرت على هذا الشّأن، وهي مختلفة الجهات والأبواب، متّفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيّمّم شرع عند مشقّة طلب الماء، والصلّاة قاعدا عند مشقّة طلب القيام، والقصر والفطر في السّفر، والجمع بين الصلاتين في السّفر والمرض والمطر، والنّطق بكلمة الكفر عند مشقّة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التّلف الذي هو أعظم المشقّات، والصلّاة إلى أي جهة كان لعسر استخراج القبلة والمسح على الجبائر والخفّين لمشقّة النّزع ولرفع الضّرر، والعفو في الصّيام عمّا يعسر الإحتراز منه من المفطرات، كغبار الطّريق ونحوه، إلى جزئيات كثيرة جدا يحصل من مجموعها قصد الشّارع لرفع الحرج، فإنّا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلّها، عملا بالاستقراء، فكأنّه عموم لفظي، فإذا ثبت اعتبار التواتر المعنويّ ثبت في ضمنه ما نحن فيه (١). "وهذه" المسألة - وهي إثبات العموم والشّمول بهذه الطريقة - "مسألة مفيدة في" حال جريانها على "مقتضى نوازل" وجزئيّات "عديدة" كثيرة. "و" كلّ من هو "آخذ بـ" قاعدة "السدّ" والمنع "للذّرائع" أي الوسائل الّتي قد تفضي إلى الوقوع في الحرام، فإنّه "بان" ومؤسّس أخذه وعمله ذاك "عليها" يعني على مقتضي هذه المسألة - القاعدة - "في المواقع" الّتي ورد فيها اعتبارها والعمل بمقتضاها شرعا، ثمّ عمّم حكمها. قال الشّاطبي: أنّ قاعدة سدّ الذّرائع إنّما عمل السّلف بها بناء على هذا المعنى، كعملهم في ترك الأضحية مع القدرة عليها، وكإتمام عثمان الصلّاة في حجّه بالنّاس، وتسليم الصّحابة له في عذره الذي اعتذر به من سدّ الذّريعة، إلى غير ذلك من أفرادها الّتي عملوا بها، مع أنّ المنصوص فيها إنّما هي أمور خاصّة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وقوله ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وفي الحديث: "مِن أكبر الكبائر أن يسبّ الرّجّل والديه" وأشباه ذلك، وهي أمور خاصّة لا تتلاقى مع ما حكموا به إلّا في معنى سدّ الذّريعة وهو دليل على ما ذكر من غير إشكال (١). "فصل" ولهذه المسألة فوائد تنبني عليها: أصليّة وفرعيّة، وذلك أنّها إذا تقرّر عند المجتهد، ثمّ استقرئ معنى عامّا من أدلّة خاصّة واطّرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تعنّ بل يحكم عليها وإن كانت خاصّة، بالدّخول تحت عموم المعنى المستقرئ من غير اعتبار بقياس أو غيره إذ صار ما استقرى من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامّة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصّة بمطلوبه؟ ومن فهم هذا وإن عليه الجواب عن إشكال القرافي الذي أورده على أهل مذهب مالك، حيث استدلّوا في سدّ الذّرائع على الشّافعيّة بقوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] وبحديث لعن الله اليهود حُرّمت عليهم الشّحوم فجملوها إلخ وقوله: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين قال فهذه وجوه كثيرة يستدلّون بها وهي لا تفيد فإنّها تدلّ على اعتبار الشّرع سدّ الذّرائع في الجملة، وهذا مجمع عليه، وإنّما النّزاع في ذرائع خاصّة، وهي بيوع الآجال ونحوها، فينبغي أن تذكر أدلّة خاصّة بمحل النّزاع، وإلّا فهذه لا تفيد، قال: وإن قصدوا القياس على هذه الذّرائع المجمع عليها فينبغي أن تكون حجّتهم القياس خاصّة ويتعيّن عليهم حينئذ إبداء الجامع حتّى يتعرض الخصم لدفعه بالفارق، ويكون دليلهم شيئا واحدا وهو القياس، وهم لا يعتقدون ذلك، بل يعتقدون أن مدركهم النّصوص، وليس كذلك، بل ينبغي أن يذكروا نصوصا خاصّة بذرائع بيوع الآجال خاصّة ويقتصرون عليها: كحديث أم ولد زيد بن أرقم هذا ما قال في إيراد هذا الإشكال. وهو غير وارد على ما تقدم بيانه لأنّ الذّرائع قد ثبت سدّها في خصوصات كثيرة بحيث أعطت في الشّريعة معنى السدّ مطلقا عامّا وخلاف الشّافعي هنا غير قادح في أصل المسألة ولا خلاف أبي حنيفة.

стр. 800

" المسألة السابعة " ٢٠٤٩ - مَعْنَى الْعُمُومَاتِ إِذَا مَا اتَّحَدَا … مُكَرَّرًا مُنْتَشِرًا مُؤَكَّدَا ٢٠٥٠ - بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فِي الْمَوَاضِعِ … مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِأَمْرٍ وَاقِعِ ٢٠٥١ - فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ … فِي كُلِّ مَا يَدْخُلُ فِي مَفْهُومِهِ أما الشّافعي: فالظّنّ به أنّه تمّ له الاستقراء في سدّ الذّرائع على العموم، ويدلّ عليه قوله بترك الأضحية إعلاما بعدم وجوبها، وليس في ذلك دليل صريح من كتاب أو سنّة، وإنّما فيه عمل جملة من الصّحابة، وذلك عند الشّافعي ليس بحجّة، لكن عارضه في مسألة بيوع الآجال دليل آخر راجح على غيره فأعمله، فترك سدّ الذّريعة لأجله، وإذا تركه لمعارض راجح لم يعد مخالفا في أصله وأما أبو حنيفة، فإن ثبت عنه جواز إعمال الحيل، لم يكن من أصله في بيوع الآجال إلّا الجواز ولا يلزم من ذلك تركه لأصل سدّ الذّرائع وهذا واضح إلّا أنّه نقل عنه موافقة مالك في سدّ الذّرائع فيها وإن خالفه في بعض التفاصيل، وإذا كان كذلك فلا إشكال (١). "المسألة السابعة" في أن العمومات إذا اتّحد معناها، وانتشرت في أبواب الشّريعة، أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص، فهي مجراة على عمومها على كلّ حال، وإن قلنا بجواز التّخصيص بالمنفصل. وبيان ذلك أنّ "معنى" ومدلول "العمومات" من الأحكام "إذا ما اتّحدا" - الألف للإطلاق - يعني العمومات الّتي اتّحد معناها المعتبر شرعا فيها، وكان "مكررا" اعتباره، بحيث ما وجد في موضع إلّا اعتبر فيه وكان ذلك "منتشرا" في أبواب الشّريعة من العبادات والمعاملات "مؤكّدا" ذلك الاعتبار فيها له، وكان ذلك "بحسب الحاجة" له "في المواضع" والموارد الّتي ورد فيها "من غير تخصيص" يلحقه "بأمر" مخصّص له "واقع" في الشّريعة "فإنّه" أي هذا المعنى "يجري" ويسري "على عمومه" ذلك على كلّ حال، فيعمل بمقتضاه "في كلّ ما" من الجزئيات "يدخل في مفهومه" ويندرج تحت مدلوله.

стр. 801

٢٠٥٢ - وَذَاكَ ثَابِتٌ بِالإِسْتِقْرَاءِ … لِمَوْرِدِ الْمَشْرُوعِ فِي أَنْحَاءِ ٢٠٥٣ - كَمِثْلِ مَا قُرِّرَ مِنْ رَفْعِ الْحَرَجْ … فِي الدِّينِ فَالْعُمُومُ فِيهِ يُنْتَهَجْ ٢٠٥٤ - بِسَبَبِ التَّكْرَارِ وَالتَّأْكِيدِ … وَعَدَمِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ ٢٠٥٥ - وَذُو عُمُومٍ لَيْسَ بِالْمُنْتَشِرِ … وَلَا مُؤَكدٍ وَلَا مُكَرَّرِ " وذاك" أمر "ثابت" مستقر "بالاستقراء" والتّتبع "لمورد" وموطن الحكم "المشروع" من هذا الصنف في هذه الشّريعة الغرّاء وذلك "في أنحاء" أي جهات مختلفة وأبواب فقهية متباينة. وذلك "كمثل ما قُرِّر" وثُبِّت "من" قاعدة "رفع الحرج" والضّرر "في"هذا "الدّين" الحنيف، "فـ" إنّ "العموم" والشّمول هو الحكم الّذي "فيه" يعني في العمل به "ينتهج" ويتبع، وقد ثبت هذا الحكم وهو - إجراؤه على العموم - في شأنه "بسبب" حصول "التّكرار" لبناء الأحكام الشرعيّة عليها "والتأكيد" لذلك باعتباره في جميع المواطن الوارد هو فيها "وعدم التّخصيص" لعمومه "و" عدم "التّقييد" لمطلقه، فإنّ الشّريعة قرّرت أن لا حرج علينا في الدّين في مواضع كثيرة، ولم تستثن منه موضعا، ولا حالا، فعدّه علماء الأمّة أصلا مطّردا وعموما مرجوعا إليه من غير استثناء، ولا طلب مخصّص، ولا احتشام من الزام الحكم به، ولا توقّف في مقتضاه، وليس ذلك إلّا لمّا فهموا بالتّكرار والتأكيد من غير القصد إلى التّعميم التّامّ. وأيضا قرّرت - أي الشّريعة - أن "لا تزر وازرة وزر أخرى" فأعملت العلماء هذا المعنى في مجاري عمومه، وردّوا ما خالفه من أفراد الأدلّة بالتّأويل وغيره وبينت - كذلك - بالتّكرار "أن لا ضرر ولا ضرار" فأبى أهل العلم من تخصيصه، وحملوه على عمومه. وعلى الجملة فكلّ أصل تكرّر تقريره وتأكّد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه، وأكثر الأصول تكرارا الأصول المكيّة كالأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والنّهي عن الفحشاء والمنكر، والبغي، وأشباه ذلك. وهذا الذي تقرّر في العامّ من وجوب إجراءه على عمومه وما يقتضيه من الاستغراق من غير تخصيص أو تقييد إنّما هو في العامّ الموصوف بما تقدّم من كونه مكرّرا اعتباره في بناء الأحكام ومؤكّدا على الوجه المذكور. "و" أمّا العامّ الذي هو "ذو عموم" وشمول دلاليّ لكنّه "ليس" اعتباره في بناء الأحكام عليه "بالمنتشر" في أبواب الشّريعة "ولا" هو "مؤكّد ولا مكرّر" جريان مقتضاه في المسائل الفقهيّة.

стр. 802

٢٠٥٦ - لَا بُدَّ فِي الأَخْذِ بِهِ مِنَ النَّظَرْ … وَالْبَحْثِ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُعْتَبَرْ ٢٠٥٧ - وَعِنْدَ ذَا يَبْدُوا انْفِرَادُ قِسْمِهِ … بِالْبَحْثِ عَنْ مُخَصِّصٍ لِحُكْمِهِ فإنّه "لا بدّ في" شأن العمل و"الأخذ به" في بناء الأحكام الفقهيّة "من النّظر" في الأدّلة الشّرعيّة "والبحث" فيها "عمّا شأنه" وحكمه "أن يعتبر" ويعدّ مخصّصا له، أو معارضا له. وهذا الضّرب هو الّذي قال فيه النّاظم نفسه في "المرتقى": والأخذ بالعموم قبل البحث عن مخصّص ممّا به المنع اقترن فإذا تقرّر لديك العلم بحال هذا الضّرب، وانفصاله عن الضّرب الأوّل بما تقدّم فإنّه "وعند ذا" العلم "يبدوا" ذلك "انفراد" وتميز "قسمه" عن القسم الأوّل "بـ" وجوب "البحث عن" دليل "مخصّص لحكمه". وقد ذهب الجمهور إلى أنّه يحكم بانتفاء المخصّص لهذا الضّرب من العموم إذا غلب على الظّنّ انتفاؤه بعد البحث عنه، ولا يشترط القطع بذلك، لاعتياصه ولما يفضي إليه من إسقاط كثير من الأدّلة. "فصل" وعلى هذا ينبني القول في العمل بالعموم وهل يصحّ من غير البحث عن مخصّص أم لا؟ فإنّه إذا عرض على هذا التقسيم أفاد أنّ القسم الأوّل غير محتاج فيه إلى بحث، إذ لا يصحّ تخصيصه إلّا حيث تخصّص القواعد بعضها بعضا. فإن قيل: قد حُكِيَ الإجماعُ في أنّه يمنع العمل بالعموم حتّى يبحث هل له مخصّص أم لا؟ وكذلك دليل مع معارضه فكيف يصحّ القول بالتفصيل؟ فالجواب: أن الإجماعَ - إن صحّ - فمحمول على غير القسم المتقدّم جمعا بين الأدّلة، وأيضا فالبحث يبرز أنّ ما كان من العمومات على تلك الصيغة فغير مخصّص، بل هو على عمومه، فيحصل من ذلك بعد بحث المتقدّم ما يحصل للمتأخر دون بحث بناء على ما ثبت من الاستقراء. والله أعلم (١).

стр. 803

" الفصل الخامس في البيان والإجمال وفيه مسائل " " المسألة الأولى " ٢٠٥٨ - أُمِرْ رَّسُولُ اللهِ بِالْبَيَانِ … لِمُقْتَضَى جَوَامِعِ الْقُرْآنِ ٢٠٥٩ - فَهْو الْمُبَلِّغُ لَهُ الْمُبَيِّنُ … وَذَا دَلِيلُهُ جَلِيٌّ بَيّنُ " الفصل الخامس في البيان والإجمال" وفيه مسائل: "المسألة الأولى" وهو معقود "في"الكلام على "البيان والإجمال" وبيان معناهما والأحكام المتعلقة بهما، "وفيه" يعني وفي سبيل هذا البيان نورد "مسائل" وهي اثنتا عشرة مسألة. منها في الكلام على البيان النّبوي. وذلك أنّه "أمر رّسول" بالإدغام - للرّاء في الرّاء - "الله" ﷺ "بالبيان" والتفسير "لمقتضى" ومعنى "جوامع القرآن" وهي ما ورد فيه من ألفاظ يسيرة مطويّة على معان كثيرة. "فهو "﵊ وحده "المبلِّغُ لهُ" أي لهذا المقتضى و"المبيّنُ" له على الحقيقة إذ سواه من علماء الأمّة وفقهائها ليسوا سوى متّبعين له في ذلك. "وذا" الذي تقدّمَ ذكرُه من أنّه ﵊ هو وحده المبيّن لما أنزله تعالى في كتابه العزيز "دليله" والبرهان الدّال عليه "جليٌّ" ظاهر "بيّن" واضح، إذ قد ورد منصوصا عليه في قوله - تعالى - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فكان ﷺ مبيّنا له "بالقول" كما قال ﵊ في حديث الطلاق: "فتلك العِدّة التي أمر الله أن يُطلَّق لها النّساء". وكما قال لعائشة ﵂ حين سألته عن قوله - تعالى -: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] إنّما ذلك العرض. وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

стр. 804

٢٠٦٠ - بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَبِالإِقْرَارِ … حَسَبَمَا قَدْ جَاءَ فِي الأخْبَارِ " المسألة الثانية " ٢٠٦١ - الْعَالِمُونَ وَارِثُوا النَّبِيِّ … فِي هَدْيِهِ لِلْمِنْهَجِ السَّوِيِّ ٢٠٦٢ - فَهُمْ مُطَالَبُونَ أَنْ يُبَيِّنُوا … لِلنَّاسِ بِالإِطْلَاقِ مَا تَبَيَّنُوا " و" كان مبيّنا له - أيضا - بـ "الفعل" كما هو الحال في شأن الصّلاة، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" والحجّ، وقال عند ذلك "خذوا عنّي مناسككم" إلى غير ذلك. "و" كذلك كان مبيّنا "بالإقرار" وهو السّكوت عن الإنكار لفعل فاعل وهو عالم به، إذ هو ﵊ لا يُقِرُّ الباطل، ولا يقبله، فسكوته عن الشّيء دليل على أنّه ليس بحرام ولا باطل. ومن ذلك تقرّر حكمه بالإقرار إثبات النّسب بالقيافة، إذ أقرّ ﵊ قول مجزز المدلجي في أقدام زيد وابنه أسامة أنّ هذه الأقدام بعضها من بعض واستبشر بذلك. وهذا كلّه قد تقرّر أمره "حسبما قد" ورد و"جاء في الأخبار" والأحاديث الصحيحة، واتفق عليه علماء الأمّة. "المسألة الثانية" في بيان أن العالمَ يجبُ عليه بيان هذه الشَّريعة وما ورد فيها من علوم، وأحكام إذ "العالمون" هم "وارثوا النّبي" ﷺ وذلك "في هديه" للعباد وإرشاده لهم "للمنهج" أي الطريق والسّبيل "السويّ" أي المستقيم ولذلك "فهم مطالبون" شرعا "أن يبيّنوا" ويوضحوا "للنّاس" مؤمنين كانوا أو كفارا "بالإطلاق ما" من المعارف والعلوم الشرعية "تبيّنوا" أي تبيّن لهم وظهر والدليل على هذا أمران:

стр. 805

٢٠٦٣ - مِنْ جِهَةِ الإِرْثِ الذِي قَدْ صُحِّحَا … لَهُمْ وَبِالنَّصِّ الذِي قَدْ وَضَحَا ٢٠٦٤ - وَإِذْ بَدَا تَعَيُّنُ الْبَيانِ … فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَمْرٌ ثَانِ " المسألة الثالثة " أحدهما ما يؤخذ "من جهة" دليل "الإرث" للنّبي ﵊ الثابت لهم، و"الذي قد صححا" - الألف للإطلاق - شرعا "لهم" فالعلماء ورثة الأنبياء، وهو معنى صحيح ثابت ويلزم من كونه وارثا قيامه مقام موروثه في البيان، وإذا كان البيان فرضا على الموروث لزم أن يكون فرضا على الوارث أيضا، ولا فرق في البيان بين ما هو مشكل أو مجمل من الأدلّة، وبين أصول الأدلّة في الإتيان بها، فأصل التبليغ بيان لحكم الشريعة، وبيان المبلغ مثله بعد التبليغ (١). "و" ثانيهما ما تقرر "بالنّصّ" الوارد في ذلك و"الذي قد وضحا" اقتضاؤه له على جزم وقطع. قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية. وقال - جلّت قدرته -: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] وقال - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] والآيات في هذا المعنى كثيرة. وفي الحديث "ألا ليبلّغ الشاهد منكم الغائب" وقال ﷺ : "لا حسد إلّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحقّ، ورجل آتاه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها" وقال: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل" والأحاديث في هذا كثيرة، ولا خلاف في وجوب البيان على العلماء، والبيان يشمل البيان الإبتدائي للنّصوص الواردة والتكاليف المتوجهة، فثبت أن العالم يلزمه البيان من حيث هو عالم (١). "وإذ" قد تقرّر و"بدا" أي ظهر من هذه الأدلّة السّابقة وما شابهها "تعيُّن" ووجوب "البيان" على أهل العلم به "فـ" إنّه "ينبني عليه" أي على هذا الوجوب والتعيّن "أمر ثان" آخر "وهو "ما تعقد له المسألة الموالية وهي: "المسألة الثالثة" المعقودة في ذكر أنّ العالم يبيّن بالفعل أيضا.

стр. 806

٢٠٦٥ - إِذَا تَأَتّى مَعَ ذَا أَنْ يَصْدُرَا … بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَحَتْمٌ أَنْ يُرَا ٢٠٦٦ - بِنِسْبِة الْعَالِمِ ذَا حُصُولِ … كَمِثْلِ مَا كانَ مِنَ الرَّسُولِ ٢٠٦٧ - وَهَكَذَا قَدْ كَانَ شَأْنُ السَّلَفِ … الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَشَأْنُ الْخَلَفِ " المسألة الرابعة " ٢٠٦٨ - الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ الْمُطَابِقَانِ … إِنْ وَقَعَا الْغَايَةُ فِي الْبَيَانِ ٢٠٦٩ - لأجْلِ ذَاكَ قَالَ صَلُّوا وَخُذُوا … لِيَحْصُلَ الْبَيَانُ فِيمَا يُوخَذُ وذلك أنّه "إذا تأتّى" وأمكن "مع ذا" الذي تقرّر في البيان النّبوي وهو "أن يصدرا" - الألف للإطلاق - عنه ﵊ ويقع منه بيانه "بالقول والفعل" كما تقدّم ذكره "فـ" واجب و"حتم أن يرى" ويوجد هذا - وهو البيان بالقول والفعل - أيضا "بنسبة" واعتبار "العالم" أمرا "ذا حصول" له، وذلك "كمثل ما كان" البيان يحصل "من الرّسول" ﷺ "وهكذا" وهو التبيين بالفعل كالقول "قد كان شأن" وحال "السّلف" الصالح "المقتدى بهم" في الأمور الدينية وكذلك كان "شأن الخلف" من أهل العلم. دل على ذلك المنقول عنهم حسبما يتبين في المسائل على إثر هذا - بحول الله -، فلا نطول به ههنا لأنه تكرار (١). "المسألة الرابعة" في بيان مراتب هذه الوسائل البيانية، وأنّها متفاوتة. فـ "القول والفعل" النّبويان "المطابقان" يعني المتطابقين المتّفقين "إن وقعا" معا بيانا لحكم ما فإنَّ ذلك هو "الغاية في البيان" الشّرعي للأحكام، وذلك كالبيان النّبوي الحاصل في شأن الطهارة، والصّلاة، والصّوم، والحجّ وغير ذلك من العبادات والعادات و"لأجل" تحصيل "ذاك" القدر العالي من البيان في شأن الصلاة "قال" ﵊ بعدما أتى بها "صلّوا" - كما رأيتموني أصلي - "و" قال في شأن الحجّ، وهو فاعل له: "خذوا" - عنّي مناسككم - وذلك كلّه "ليحصل البيان" التامّ "فيما" من تلك العبادة "يوخذ" عنه.

стр. 807

٢٠٧٠ - وَكلُّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِ … وَإِنْ يَكُنْ فِيهِ الْبَيَان الْهَادِي ٢٠٧١ - فَقَاصِرٌ مِنْ جَانِبٍ عَنْ غَايَهْ … وَبَالغ مِنَ آخَرَ النِّهَايَهْ ٢٠٧٢ - فَالْفِعْلُ مُبْدٍ غَايَةَ الْبَيَانِ … فِي كُلِّ مَا رَجَعَ لِلْعَيَانِ ٢٠٧٣ - مِمَّا لَهُ كَيْفِيَّةٌ مُعَيَّنَهْ … وَالْقَوْلُ دُونَهُ إِذَا مَا بَيَّنَهْ هذا شأن ما إذا حصل البيان على الوجه التامّ الكامل. "و" أمّا إذا حصَّل "كلُّ واحد" منهما - القول والفعل - البيان "على انفراد" فإنّه "وإن يكن فيه" أي في هذا الضرب "البيان" النّبوي الكافي و"الهادي" إلى إثبات الحكم الشّرعي في مورده "فـ" إنّه بيان "قاصر من جانب عن" إفادة "غاية" البيان ونهايته "و" لكنّه "بالغ من "جانب "آخر" أقصى "النّهاية" والغاية في ذلك. "فالفعل مبد" أي مظهرٌ ومفيد "غاية البيان" الشرعيّ "في كلّ ما" من الشّعائر والأمور الدينية "رجع" العلم به وإدراكه على ما هو عليه "للعيان" والمشاهدة كالصّلاة والحجّ وغيرهما "من" كلّ "ما له كيفيّة" وصورة خارجية "معيّنة" مخصوصة لا يبلغها البيان القولي، ولذلك بيّن ﵊ الصلاة لأمّته، كما فعل به جبريل حين صلّى به، وكما بين الحجّ كذلك، والطّهارة كذلك "و" إن جاء البيان بالقول في ذلك فهو أي "القول دونه" الفعل في ذلك "إذا ما بيّنه" وفسّر صورته، فإنّه لو عرض البيان القولي في ذلك وما أشبهه على عين ما تلقّى بالفعل من الرّسول ﷺ في شأنه، كان المدرك بالحسّ من الفعل فوق المدرك بالعقل من النّصّ، لا محالة. وهبه ﵊ زاد بالوحي الخاصّ أمورا لا تدرك من النّصّ على الخصوص، فتلك الزيادات بعد البيان إذا عرضت على النّصّ لم ينافها بل يقبلها، فآية الوضوء إذا عرض عليها فعله ﵊ في الوضوء شمله بلا شكّ، وكذلك آية الحجّ مع فعله ﵊ فيه، ولو تُرِكنا والنّصّ، لما حصل لنا منه كلّ ذلك، بل أمر أقل منه، وهكذا تجد الفعل مع القول أبدًا، بل يبعد في العادة أن يوجد قول لم يوجد لمعناه المركب نظير في الأفعال المعتادة المحسوسة، بحيث إذا فعل الفعل على مقتضى ما فهم من القول كان هو المقصود من غير زيادة ولا نقصان ولا إخلال، وإن كانت بسائطه معتادة كالصّلاة والحجّ والطّهارة ونحوها وإنّما يقرب مثل

стр. 808

٢٠٧٤ - وَهْوَ عَنِ الْقَوْلِ لَهُ قُصُورُ … لأَنَّهُ مُخَصَّصٌ مَقْصُورُ ٢٠٧٥ - وَالْقَوْلُ بِالْصِّيغَةِ ذُو تَفْهِيمِ … لِمُقْتَضَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ ٢٠٧٦ - فِي الْحَالِ وَالأَزْمَانِ وَالأَعْيَانِ … فَهْوَ لِذَا أَبْلَغُ فِي الْبَيَانِ هذا القول الذي معناه الفعليّ بسيط، ووجد له نظير في المعتاد، وهو إذ ذاك إحالة على فعل معتاد، فبه حصل البيان لا بمجرد القول، وإذا كان كذلك لم يقم القول هنا في البيان مقام الفعل من كل وجه فالفعل أبلغ من هذا الوجه (١). "و" لكنّه "هو "أي الفعل "عن القول" من جانب آخر - وهو جانب إفادة العموم والخصوص ودرجة الحكم المأخوذ منه - "له قصور لأنّه" أي الفعل من جهة دلالته "مخصّص" بفاعله "مقصور" عليه. فلو تركنا والفعل الذي فعله النّبي ﷺ مثلا لم يحصل لنا منه غير العلم بأنّه فعله في هذا الوقت المعيّن، وعلى هذه الحالة المعيّنة. فيبقى علينا النّظر: هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كلّ حالة، أو في هذه الحالة، أو يختصّ بهذا الزّمان، أو هو عامّ في جميع الأزمنة، أو يختصّ به وحده، أو يكون حكم أمّته حكمه؟ ثم بعد النّظر في هذا يتصدّى نظر آخر في حكم هذا الفعل الذي فعله: من أي نوع هو من الأحكام الشرعية؟ وجميع ذلك وما كان مثله لا يتبين من نفس الفعل فهو من هذا الوجه قاصر عن غاية البيان فلم يصحّ إقامة الفعل مقام القول من كلِّ وجه، وهذا بيّن بأدنى تأمل، ولأجل ذلك جاء قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال حين بيّن بفعله العبادات: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"، و"خذوا عنّي مناسككم"، ونحو ذلك، ليستمر البيان إلى أقصاه (٢). "والقول" ليس كذلك فإنّه "بالصّيغة ذو تفهيم" وبيان "لمقتضى الخصوص والعموم في الحال " - الألف واللام للجنس - أي الأحوال "والأزمان والأعيان" أي الأشخاص، فالقول ذو صيغ تقتضي هذه الأمور وما كان نحوها "فهو لـ" أجل "ذا" الذي له من صيغ "أبلغ" وأقوى "في البيان" الشّرعي.

стр. 809

" فصل " ٢٠٧٧ - وَعِنْدَ ذَا لَا يَدْخُلُ التّرْجِيحُ … بَيْنَ الْبَيَانَيْنِ وَذَا صَحِيحُ ٢٠٧٨ - وَقَدْ يُرَى يَدْخُلُ فِيمَا وَرَدَا … عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ إنْ وُجِدَا " المسألة الخامسة " ٢٠٧٩ - وَمَا مِنَ الْقَوْلِ بَيَانًا يُطْلَقُ … فَالْفِعْلُ شَاهِدٌ لَهُ مُصَدِّقُ تقرّر بما سبق وعلم به اختلاف الجهة التي يكون منها أحد البيانين: - القول والفعل - أرجح من الآخر "وعند ذا لا" يصحّ أن يقال إنّه "يدخل الترجيح" بإطلاق "بين البيانين" إذ لا يصدقان - على الدّوام - على محلّ واحد يتعارضان فيه، كما تقدّم بيانه، "وذا" أمر بيّن و"صحيح" كما ترى. "و" إنّما "قد يُرَى" التّرجيح وهو "يدخل فيما" إذا "وردا على محلّ" أي فعل بسيط معتاد - يعلم بالقول والفعل على سواء - "واحد إن وُجِدا"، وبذلك يقوم أحدهما مقام الآخر، وهنالك يقال: أيّهما أبلغ؟ أو أيّهما أولى، كمسألة الغسل من التقاء الختانين مثلا، فإنّه بيّن من جهة الفعل ومن جهة القول عند من جعل هذه المسألة من ذلك، والذي وضع إنّما هو فعله ثمّ غسله، فهو الذي يقوم كل واحد من القول والفعل مقام صاحبه، أمّا حكم الغسل من وجوب أو ندب وتأسّي الأمّة به فيه، فيختص بالقول (١). "المسألة الخامسة" في أنّ القول إذا وقع بيانا، فالفعل شاهد له، ومصدّق، أو مخصّص، أو مقيّد. "و" بيان ذلك أنّ "ما" أي الّذي "من القول" الشرعيّ أو الفقهيّ يجعل "بيانا" لحكم شرعيّ و"يطلق" لذلك "فالفعل" الموافق له الصادر من صاحب ذلك القول "شاهدٌ له" يقتضي الأخذ بظاهره وهو "مصدّقٌ" له أي مثبت صدقه، أو مخصّص له إن كان ذلك القول

стр. 810

٢٠٨٠ - وَعَاضِدٌ يَرْفَعُ كُلَّ عَارِضْ … فَهْمًا إِذَا لَمْ يَكُ بِالْمُنَاقِضْ ٢٠٨١ - وَهْوَ مُكَذِّبٌ مَعَ التَّخَلُّفِ … وَمُوقِعُ الرِّيبَةِ وَالتَّوَقُّفِ ٢٠٨٢ - وَذَاكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ مِنَ النَّظَرْ … وَمُقْتَضىً مِنَ الدَّلِيلِ الْمُعْتَبَرْ عامّا وكان ذلك الفعل يقتضي ذلك أو مقيّدا له إن كان ذلك القول مطلقا وذلك الفعل يوجب تقييده. "و" على الجملة هو "عاضدٌ" له ومقوّ "يرفع" ويزيل "كلّ" احتمال "عارض" يعرض فيه - أي القول - "فهما" أي من جهة فهم دلالته ومعناه. وهذا كلّه "إذا لم يك" الفعل المذكور "بالمناقض" لذلك القول، والمخالف له. "و" هو أي الفعل المذكور "مكذّبٌ" أي حاكم بكذب ذلك القول "مع" حصول ووقوع "التّخلّف" أي تخلف الفعل عن القول، وحصول التنافي بينهما، "و" هو - أيضا - مع حصول هذا الذي ذكر من التّخلّف والتنافي "موقع" وموجب "للرّيبة" والشّكِّ في صدق ذلك القول "و" قد يوجب - أيضا - "التّوقّفِ" في ذلك كلّه لجريان التعارض في شأنه. "وذاك" الذي تقرَّرَ في هذا الشأن كلِّه، "أمر بيّن" واضح "من" جهة "النّظر" وذلك أنّ العالم إذا أخبر عن إيجاب العبادة الفلانية أو الفعل الفلاني، ثمّ فعله هو ولم يخلّ به في مقتضى ما قال فيه، قوي اعتقاد إيجابه، وانتهض العمل به عند كلّ من سمعه يخبر عنه ورآه يفعله، وإذا أخبر عن تحريمه مثلا، ثمّ تركه فلم ير فاعلا له ولا دائرًا حواليه، قوي عند متّبعه ما أخبر به عنه، بخلاف ما إذا أخبر عن إيجابه ثم قعد عن فعله، أو أخبر عن تحريمه ثم فعله، فإنّ نفوس الأتباع لا تطمئن إلى ذلك القول منه طمأنينتها إذا ائتمر وانتهى، بل يعود من الفعل إلى القول ما يقدح فيه على الجملة، إمّا من طريق احتمال إلى القول، وإمّا من تطريق تكذيب إلى القائل، أو استرابة في بعض مآخذ القول، مع أنّ التّأسّي في الأفعال والتروك بالنّسبة إلى من يعظم في دين أو دنيا كالمغروز في الجبلّة، كما هو معلوم بالعيان، فيصير القول بالنّسبة إلى القائل كالتبع للفعل، فعلى حسب ما يكون القائل في موافقة فعله لقوله يكون اتّباعه والتّأسّي به، أو عدم ذلك. ولذلك كان الأنبياء ﵈ في الرّتبة القصوى من هذا المعنى، وكان المتّبِعون لهم أشدّ اتّباعًا، وأجرى على طريق التّصديق بما يقولون، مع ما أيّدهم الله به من المعجزات والبراهين القاطعة، ومن جملتها ما نحن فيه، فإنَّ شواهد العادات
следующие страницы →