← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٢٠٦٥ - إِذَا تَأَتّى مَعَ ذَا أَنْ يَصْدُرَا … بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَحَتْمٌ أَنْ يُرَا ٢٠٦٦ - بِنِسْبِة الْعَالِمِ ذَا حُصُولِ … كَمِثْلِ مَا كانَ مِنَ الرَّسُولِ ٢٠٦٧ - وَهَكَذَا قَدْ كَانَ شَأْنُ السَّلَفِ … الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَشَأْنُ الْخَلَفِ " المسألة الرابعة " ٢٠٦٨ - الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ الْمُطَابِقَانِ … إِنْ وَقَعَا الْغَايَةُ فِي الْبَيَانِ ٢٠٦٩ - لأجْلِ ذَاكَ قَالَ صَلُّوا وَخُذُوا … لِيَحْصُلَ الْبَيَانُ فِيمَا يُوخَذُ وذلك أنّه "إذا تأتّى" وأمكن "مع ذا" الذي تقرّر في البيان النّبوي وهو "أن يصدرا" - الألف للإطلاق - عنه ﵊ ويقع منه بيانه "بالقول والفعل" كما تقدّم ذكره "فـ" واجب و"حتم أن يرى" ويوجد هذا - وهو البيان بالقول والفعل - أيضا "بنسبة" واعتبار "العالم" أمرا "ذا حصول" له، وذلك "كمثل ما كان" البيان يحصل "من الرّسول" ﷺ "وهكذا" وهو التبيين بالفعل كالقول "قد كان شأن" وحال "السّلف" الصالح "المقتدى بهم" في الأمور الدينية وكذلك كان "شأن الخلف" من أهل العلم. دل على ذلك المنقول عنهم حسبما يتبين في المسائل على إثر هذا - بحول الله -، فلا نطول به ههنا لأنه تكرار (١). "المسألة الرابعة" في بيان مراتب هذه الوسائل البيانية، وأنّها متفاوتة. فـ "القول والفعل" النّبويان "المطابقان" يعني المتطابقين المتّفقين "إن وقعا" معا بيانا لحكم ما فإنَّ ذلك هو "الغاية في البيان" الشّرعي للأحكام، وذلك كالبيان النّبوي الحاصل في شأن الطهارة، والصّلاة، والصّوم، والحجّ وغير ذلك من العبادات والعادات و"لأجل" تحصيل "ذاك" القدر العالي من البيان في شأن الصلاة "قال" ﵊ بعدما أتى بها "صلّوا" - كما رأيتموني أصلي - "و" قال في شأن الحجّ، وهو فاعل له: "خذوا" - عنّي مناسككم - وذلك كلّه "ليحصل البيان" التامّ "فيما" من تلك العبادة "يوخذ" عنه.

стр. 807

٢٠٧٠ - وَكلُّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِ … وَإِنْ يَكُنْ فِيهِ الْبَيَان الْهَادِي ٢٠٧١ - فَقَاصِرٌ مِنْ جَانِبٍ عَنْ غَايَهْ … وَبَالغ مِنَ آخَرَ النِّهَايَهْ ٢٠٧٢ - فَالْفِعْلُ مُبْدٍ غَايَةَ الْبَيَانِ … فِي كُلِّ مَا رَجَعَ لِلْعَيَانِ ٢٠٧٣ - مِمَّا لَهُ كَيْفِيَّةٌ مُعَيَّنَهْ … وَالْقَوْلُ دُونَهُ إِذَا مَا بَيَّنَهْ هذا شأن ما إذا حصل البيان على الوجه التامّ الكامل. "و" أمّا إذا حصَّل "كلُّ واحد" منهما - القول والفعل - البيان "على انفراد" فإنّه "وإن يكن فيه" أي في هذا الضرب "البيان" النّبوي الكافي و"الهادي" إلى إثبات الحكم الشّرعي في مورده "فـ" إنّه بيان "قاصر من جانب عن" إفادة "غاية" البيان ونهايته "و" لكنّه "بالغ من "جانب "آخر" أقصى "النّهاية" والغاية في ذلك. "فالفعل مبد" أي مظهرٌ ومفيد "غاية البيان" الشرعيّ "في كلّ ما" من الشّعائر والأمور الدينية "رجع" العلم به وإدراكه على ما هو عليه "للعيان" والمشاهدة كالصّلاة والحجّ وغيرهما "من" كلّ "ما له كيفيّة" وصورة خارجية "معيّنة" مخصوصة لا يبلغها البيان القولي، ولذلك بيّن ﵊ الصلاة لأمّته، كما فعل به جبريل حين صلّى به، وكما بين الحجّ كذلك، والطّهارة كذلك "و" إن جاء البيان بالقول في ذلك فهو أي "القول دونه" الفعل في ذلك "إذا ما بيّنه" وفسّر صورته، فإنّه لو عرض البيان القولي في ذلك وما أشبهه على عين ما تلقّى بالفعل من الرّسول ﷺ في شأنه، كان المدرك بالحسّ من الفعل فوق المدرك بالعقل من النّصّ، لا محالة. وهبه ﵊ زاد بالوحي الخاصّ أمورا لا تدرك من النّصّ على الخصوص، فتلك الزيادات بعد البيان إذا عرضت على النّصّ لم ينافها بل يقبلها، فآية الوضوء إذا عرض عليها فعله ﵊ في الوضوء شمله بلا شكّ، وكذلك آية الحجّ مع فعله ﵊ فيه، ولو تُرِكنا والنّصّ، لما حصل لنا منه كلّ ذلك، بل أمر أقل منه، وهكذا تجد الفعل مع القول أبدًا، بل يبعد في العادة أن يوجد قول لم يوجد لمعناه المركب نظير في الأفعال المعتادة المحسوسة، بحيث إذا فعل الفعل على مقتضى ما فهم من القول كان هو المقصود من غير زيادة ولا نقصان ولا إخلال، وإن كانت بسائطه معتادة كالصّلاة والحجّ والطّهارة ونحوها وإنّما يقرب مثل

стр. 808

٢٠٧٤ - وَهْوَ عَنِ الْقَوْلِ لَهُ قُصُورُ … لأَنَّهُ مُخَصَّصٌ مَقْصُورُ ٢٠٧٥ - وَالْقَوْلُ بِالْصِّيغَةِ ذُو تَفْهِيمِ … لِمُقْتَضَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ ٢٠٧٦ - فِي الْحَالِ وَالأَزْمَانِ وَالأَعْيَانِ … فَهْوَ لِذَا أَبْلَغُ فِي الْبَيَانِ هذا القول الذي معناه الفعليّ بسيط، ووجد له نظير في المعتاد، وهو إذ ذاك إحالة على فعل معتاد، فبه حصل البيان لا بمجرد القول، وإذا كان كذلك لم يقم القول هنا في البيان مقام الفعل من كل وجه فالفعل أبلغ من هذا الوجه (١). "و" لكنّه "هو "أي الفعل "عن القول" من جانب آخر - وهو جانب إفادة العموم والخصوص ودرجة الحكم المأخوذ منه - "له قصور لأنّه" أي الفعل من جهة دلالته "مخصّص" بفاعله "مقصور" عليه. فلو تركنا والفعل الذي فعله النّبي ﷺ مثلا لم يحصل لنا منه غير العلم بأنّه فعله في هذا الوقت المعيّن، وعلى هذه الحالة المعيّنة. فيبقى علينا النّظر: هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كلّ حالة، أو في هذه الحالة، أو يختصّ بهذا الزّمان، أو هو عامّ في جميع الأزمنة، أو يختصّ به وحده، أو يكون حكم أمّته حكمه؟ ثم بعد النّظر في هذا يتصدّى نظر آخر في حكم هذا الفعل الذي فعله: من أي نوع هو من الأحكام الشرعية؟ وجميع ذلك وما كان مثله لا يتبين من نفس الفعل فهو من هذا الوجه قاصر عن غاية البيان فلم يصحّ إقامة الفعل مقام القول من كلِّ وجه، وهذا بيّن بأدنى تأمل، ولأجل ذلك جاء قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال حين بيّن بفعله العبادات: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"، و"خذوا عنّي مناسككم"، ونحو ذلك، ليستمر البيان إلى أقصاه (٢). "والقول" ليس كذلك فإنّه "بالصّيغة ذو تفهيم" وبيان "لمقتضى الخصوص والعموم في الحال " - الألف واللام للجنس - أي الأحوال "والأزمان والأعيان" أي الأشخاص، فالقول ذو صيغ تقتضي هذه الأمور وما كان نحوها "فهو لـ" أجل "ذا" الذي له من صيغ "أبلغ" وأقوى "في البيان" الشّرعي.

стр. 809

" فصل " ٢٠٧٧ - وَعِنْدَ ذَا لَا يَدْخُلُ التّرْجِيحُ … بَيْنَ الْبَيَانَيْنِ وَذَا صَحِيحُ ٢٠٧٨ - وَقَدْ يُرَى يَدْخُلُ فِيمَا وَرَدَا … عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ إنْ وُجِدَا " المسألة الخامسة " ٢٠٧٩ - وَمَا مِنَ الْقَوْلِ بَيَانًا يُطْلَقُ … فَالْفِعْلُ شَاهِدٌ لَهُ مُصَدِّقُ تقرّر بما سبق وعلم به اختلاف الجهة التي يكون منها أحد البيانين: - القول والفعل - أرجح من الآخر "وعند ذا لا" يصحّ أن يقال إنّه "يدخل الترجيح" بإطلاق "بين البيانين" إذ لا يصدقان - على الدّوام - على محلّ واحد يتعارضان فيه، كما تقدّم بيانه، "وذا" أمر بيّن و"صحيح" كما ترى. "و" إنّما "قد يُرَى" التّرجيح وهو "يدخل فيما" إذا "وردا على محلّ" أي فعل بسيط معتاد - يعلم بالقول والفعل على سواء - "واحد إن وُجِدا"، وبذلك يقوم أحدهما مقام الآخر، وهنالك يقال: أيّهما أبلغ؟ أو أيّهما أولى، كمسألة الغسل من التقاء الختانين مثلا، فإنّه بيّن من جهة الفعل ومن جهة القول عند من جعل هذه المسألة من ذلك، والذي وضع إنّما هو فعله ثمّ غسله، فهو الذي يقوم كل واحد من القول والفعل مقام صاحبه، أمّا حكم الغسل من وجوب أو ندب وتأسّي الأمّة به فيه، فيختص بالقول (١). "المسألة الخامسة" في أنّ القول إذا وقع بيانا، فالفعل شاهد له، ومصدّق، أو مخصّص، أو مقيّد. "و" بيان ذلك أنّ "ما" أي الّذي "من القول" الشرعيّ أو الفقهيّ يجعل "بيانا" لحكم شرعيّ و"يطلق" لذلك "فالفعل" الموافق له الصادر من صاحب ذلك القول "شاهدٌ له" يقتضي الأخذ بظاهره وهو "مصدّقٌ" له أي مثبت صدقه، أو مخصّص له إن كان ذلك القول

стр. 810

٢٠٨٠ - وَعَاضِدٌ يَرْفَعُ كُلَّ عَارِضْ … فَهْمًا إِذَا لَمْ يَكُ بِالْمُنَاقِضْ ٢٠٨١ - وَهْوَ مُكَذِّبٌ مَعَ التَّخَلُّفِ … وَمُوقِعُ الرِّيبَةِ وَالتَّوَقُّفِ ٢٠٨٢ - وَذَاكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ مِنَ النَّظَرْ … وَمُقْتَضىً مِنَ الدَّلِيلِ الْمُعْتَبَرْ عامّا وكان ذلك الفعل يقتضي ذلك أو مقيّدا له إن كان ذلك القول مطلقا وذلك الفعل يوجب تقييده. "و" على الجملة هو "عاضدٌ" له ومقوّ "يرفع" ويزيل "كلّ" احتمال "عارض" يعرض فيه - أي القول - "فهما" أي من جهة فهم دلالته ومعناه. وهذا كلّه "إذا لم يك" الفعل المذكور "بالمناقض" لذلك القول، والمخالف له. "و" هو أي الفعل المذكور "مكذّبٌ" أي حاكم بكذب ذلك القول "مع" حصول ووقوع "التّخلّف" أي تخلف الفعل عن القول، وحصول التنافي بينهما، "و" هو - أيضا - مع حصول هذا الذي ذكر من التّخلّف والتنافي "موقع" وموجب "للرّيبة" والشّكِّ في صدق ذلك القول "و" قد يوجب - أيضا - "التّوقّفِ" في ذلك كلّه لجريان التعارض في شأنه. "وذاك" الذي تقرَّرَ في هذا الشأن كلِّه، "أمر بيّن" واضح "من" جهة "النّظر" وذلك أنّ العالم إذا أخبر عن إيجاب العبادة الفلانية أو الفعل الفلاني، ثمّ فعله هو ولم يخلّ به في مقتضى ما قال فيه، قوي اعتقاد إيجابه، وانتهض العمل به عند كلّ من سمعه يخبر عنه ورآه يفعله، وإذا أخبر عن تحريمه مثلا، ثمّ تركه فلم ير فاعلا له ولا دائرًا حواليه، قوي عند متّبعه ما أخبر به عنه، بخلاف ما إذا أخبر عن إيجابه ثم قعد عن فعله، أو أخبر عن تحريمه ثم فعله، فإنّ نفوس الأتباع لا تطمئن إلى ذلك القول منه طمأنينتها إذا ائتمر وانتهى، بل يعود من الفعل إلى القول ما يقدح فيه على الجملة، إمّا من طريق احتمال إلى القول، وإمّا من تطريق تكذيب إلى القائل، أو استرابة في بعض مآخذ القول، مع أنّ التّأسّي في الأفعال والتروك بالنّسبة إلى من يعظم في دين أو دنيا كالمغروز في الجبلّة، كما هو معلوم بالعيان، فيصير القول بالنّسبة إلى القائل كالتبع للفعل، فعلى حسب ما يكون القائل في موافقة فعله لقوله يكون اتّباعه والتّأسّي به، أو عدم ذلك. ولذلك كان الأنبياء ﵈ في الرّتبة القصوى من هذا المعنى، وكان المتّبِعون لهم أشدّ اتّباعًا، وأجرى على طريق التّصديق بما يقولون، مع ما أيّدهم الله به من المعجزات والبراهين القاطعة، ومن جملتها ما نحن فيه، فإنَّ شواهد العادات

стр. 811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تُصدِّقُ الأمر أو تكذِّبُه، فالطبيب إذا أخبرك بأنَّ هذا المتناول سمّ فلا تقربه، ثم أخذ في تناوله دونك، أو أمرك بأكل طعام أو دواء لعلَّةٍ بك ومِثلُهَا به، ثمّ لم يستعمله مع احتياجه إليه، دلَّ هذا كلّه على خلل في الإخبار، أو في فهم الخبر، فلم تطمئن النّفس إلى قبول قوله (١). "و" هذا - أيضا - هو "مقتضى" وحكم مأخوذ "من الدّليل" الشّرعي "المعتبر" الوارد في هذا الشّأن. قال - تعالى - ﴿* أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤] وقال - سبحانه -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣] ويخدم هذا المعنى الوفاء بالعهد وصدق الوعد فقد قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وقال في ضدِّه: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]. فاعتبر في الصّدق كما ترى مطابقة الفعل القول، وهذا هو حقيقة الصّدق عند العلماء العاملين، فهكذا إذا أخبر العالم بأنّ هذا واجب أو محرم، فإنّما يريد على كلّ مكلّف وأنا منهم فإن وافق صدَق وإن خالف كذَب. ومن الأدلّة على ذلك أنّ المنتصِبَ للنّاس في بيان الدّين منتصِبٌ لهم بقوله وفعله، فإنّه وارث النّبي، والنّبي كان مبيّنًا بقوله وفعله، فكذلك الوارث لا بدّ أن يقوم مقام الموروث، وإلّا لم يكن وارثًا على الحقيقة، ومعلوم أنّ الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يتلقّون الأحكام من أقواله وأفعاله وإقراراته وسكوته وجميع أحواله، فكذلك الوارث، فإن كان في التّحفظ في الفعل كما في التّحفظ في القول، فهو ذلك، وصار من اتّبعه على هدى، وإن كان على خلاف ذلك صار من اتّبعه على خلاف الهدى، لكن بسببه، وكان الصحابة ﵃ ربّما توقّفوا عن الفعل الذي أباحه لهم السيِّدُ المتبُوع ﵊ ولم يفعله هو، حرصًا منهم على أن يكونوا متّبعين لفعله وإن تقدّم لهم بقوله، لاحتمال أن يكون تركُه أرجحَ، ويستدلُّون على ذلك بتركه ﵊ له، حتّى إذا فعله اتّبعوه في فعله،

стр. 812

٢٠٨٣ - وَمِنْ هُنَا دُخُولُ الاسْتِعْظَامِ … لِزَلِّة الْعَالِمِ فِي الأَنَامِ ٢٠٨٤ - مِنْ حَيْثُ مَا مَنْصِبُهُ لِلاقْتِدَا … بِقَوْلهِ وَفِعْلِهِ وَالاهْتِدَا كما في التّحلل من العمرة، والإفطار في السّفر، هذا وكلّ صحيح، فما ظنّك بمن ليس بمعصوم من العلماء؟ فهو أولى بأن يبيّن قوله بفعله، ويحافظ فيه على نفسه وعلى كلّ من اقتدى به. ولا يقال: إنّ النّبي ﷺ معصوم، فلا يتطرق إلى فعله أو تركه المبيّن خلل، بخلاف من ليس بمعصوم. لأنّا نقول: إن اعتبر هذا الاحتمال في ترك الاقتداء بالفعل، فليعتبر في ترك اتباع القول، وإذ ذاك يقع في الرتبة فساد لا يصلح، وخرق لا يرقّع، فلا بدّ أن يجرى الفعل مجرى القول (١). "ومن" هذا الذي تقرّر في هذا الشأن "هنا" يأتي "دخول" ووقوع "الاستعظام لزلّة" وخطيئة "العالم" حتّى تصير صغيرته كبيرة "في"نظر "الأنام" أي النّاس وفي قلوبهم، بل وفي الشّرع أيضا، وذلك "من حيث ما منصبه" ومقامه في العادة منصوب "للاقتداء بقوله وفعله، والاهتداء" بهما، فإذا زلّ حُمِلت زلّتُه عنه قولا كانت، أو فعلا لأنّه موضوع منارا يهتدى به، فإذا علم كون زلّته زلّة صغرت في أعين النّاس وجسر عليها النّاس تأسيّا به وتوهّموا فيها رخصة علم بها ولم يعلموها هم تحسينًا للظّن به، وإن جهل كونها زلّة فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع، وذلك كلّه راجع عليه. وقد جاء في الحديث: "إنّي لأخاف على أمّتي من بعدي من أعمال ثلاثة". قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أخاف عليهم من زلّة العالم، ومن حُكم جائر، ومن هوى متَّبَع" وقال عمر بن الخطاب: "ثلاث يهدمن الدّين: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون" ونحوها عن أبي الدرداء ولم يذكر فيه الأئمة المضلين. وعن معاذ بن جبل: "يا معشر العرب، كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن؟ ".

стр. 813

٢٠٨٥ - وَالْحَاصِلُ الأَفْعَالُ فِي التّأَسِّي … أَقْوَى وَأَدْعَى لِبَيَانِ الْحِسِّي ٢٠٨٦ - لِذَا اعْتِبَارُ شَأْنِهَا تَأَكَّدَا … لِمَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ الاقْتِدَا ٢٠٨٧ - وَكُلُّ مَا يَقُولُ أَوْ مَا يَفْعَلُ … لَهُ اعْتِبَارَانِ إِذَا يُفَصَّلُ ومثله عن سلمان أيضًا، وشبّه العلماء زلّة العالم بكسر السفينة، لأنّها إذا غرقت غرق معها خلق كثير، وعن ابن عباس: "ويل للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه، فيترك قوله ذلك، ثم يمضي الأتباع". وهذه الأمور حقيق أن تهدم الدّين، أما زلّة العالم فكما تقدم، ومثال كسر السفينة واقع فيها، وأمّا الحكم الجائر فظاهر أيضًا، وأمّا الهوى المتبع، فهو أصل ذلك كلّه وأمّا الجدال بالقرآن، فإنّه من - اللَّسِن الأَلَدِّ - من أعظم الفتن لأنّ القرآن مهيب جدًّا، فإن جادل به منافق على باطل أحاله حقًّا، وصار مظنّة للاتباع على تأويل ذلك المجادل، ولذلك كان الخوارج فتنة على الأمة إلّا من ثبّتَ الله لأنّهم جادلوا به على مقتضى آرائهم الفاسدة، ووثقوا تأويلاتهم بموافقة العقل لها، فصاروا فتنة على النّاس، وكذلك الأئمة المضلون، لأنّهم - بما ملكوا من السلطنة على الخلق - قدروا على ردّ الحقّ باطلا والباطل حقًّا، وأماتوا سنّة الله وأحيوا سنن الشيطان، وأمّا الدّنيا فمعلوم فتنتها للخلق (١). "والحاصل" أنّ "الأفعال في "شأن "التأسّي" والاقتداء "أقوى وأدعى" يعني أولى وأقرب "لبيان" الشّيء "الحسّي" إذا جامعت الأقوال من انفراد الأقوال، و"لذا" الأمر الاهتمامُ بها و"اعتبار شأنها" أمر واجب بل قد "تأكّدا" وجوبه "لـ" يعنى على كلّ "من يقوم في مقام"، ومحلّ "الاقتداء" والاتّباع، فيجب عليه أن يتفقّد جميع أقواله وأفعاله، ولا فرق في هذا بين ما هو واجب وما هو مندوب أو مباح أو مكروه، أو ممنوع، "و" ذلك لأنّ "كلّ ما يقولـ"ــه "أو ما يفعاـ"ــه "له اعتباران" وملحضان شرعيّان "إذا يفصّل" ذلك الذي يقوله أو يفعله - أي ينظر فيه على وجه التّفصيل والبيان الشّامل لحاله -.

стр. 814

٢٠٨٨ - فَبِاعْتِبَارِ جِهَةِ التَّكْلِيفِ … جَرَتْ عَلَى الأحْكَامِ فِي التّصْرِيفِ ٢٠٨٩ - وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُبَيِّنَا … لِمَا مِنَ الْمَشْرُوعِ قَدْ تَعَيَّنَا ٢٠٩٠ - فَقَوْلُهُ كَفِعْلِهِ مُقَسَّمُ … فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ أَوْ مُحَرَّمُ ٢٠٩١ - وَهْو مُبَيَّنٌ بِهِ الْمَشْرُوعُ … فَغَيْرُ مَا بَيَّنَهُ مَمْنُوعُ ٢٠٩٢ - وَذَا لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَا تَقْرِيبُ … يَظْهَرُ مِنْهُ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ " فـ" أحدهما ما تقرّر "باعتبار جهة التّكليف" الشّرعيّ الأصليّ الذي يشترك فيه مع جميع المكلّفين، فهذه الجهة - كما هو معلوم - قد "جرت" في حقّه كسائر المكلّفين "على الأحكام" الخمسة الجاري مقتضاها "في"شأن "التّصريف" يعني تصرف المكلّفين، وعملهم. "و" ثانيهما: ما ثبت "باعتبار كونه مبيّنا" ومقررا "لما من" الحكم "المشروع قد تعيّنا" الألف للإطلاق - معلوم عينه بالدّليل الشّرعي، وبمقتضى هذا الاعتبار تصرّفاته لا تجري عليها الأحكام الخمسة، وإنّما يجري عليها الحظر والوجوب. "فقوله كفعله" كلاهما "مقسّم في حقّه" إما "واجب" فرض عليه "أو محرّم" عليه، ولا ثالث لهما، "و" إنّما كان حكم ما ذكر من قوله وفعله كذلك لأنّه "هو مبيّن" ومقرر "به" ما هو المطلوب إتيانه و"المشروع" فعله، وبذلك "فغير ما" أي الذي من الأفعال والأقوال "بيّنه" بإتيانه وفعله "ممنوع" لأنّه ما ترك إتيانه وفعله إلّا لأنّه محرّم عنده بوجه ما. "وذا" الموضوع يأتي "له من بعد ذا" الذي أوردناه فيه "تقريب" وتقرير "يظهر منه" أي من هذا التّقريب والتّقرير الآتي "الغرض" أي المقصود من هذا الكلام و"المطلوب" إدراكه منه. لكن هذا بالنّسبة إلى المقتضى به إنّما يتعيّن حيث توجد مظنّة البيان، أمّا عند الجهل بحكم الفعل أو التّرك، وإمّا عند اعتقاد خلاف الحكم، أو مظنّة اعتقاد خلافه. فالمطلوب فعله: بيانه بالفعل، أو القول الذي يوافق الفعل إن كان واجبًا، وكذلك إن كان مندوبًا مجهول الحكم، فإن كان مندوبًا مظنّة لاعتقاد الوجوب فبيانه بالتّرك أو بالقول الذي يجتمع إليه التّرك، كما فعل في ترك الأضحية وترك صيام السّتّ من شوّال وأشباه ذلك، وإن كان مظنّة لاعتقاد عدم الطلب أو مظنّة للتّرك، فبيانه

стр. 815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالفعل والدّوام فيه على وزان المظنّة، كما في السّنن والمندوبات التي تنُوسِيَتْ في هذه الأزمنة. والمطلوب تركه: بيانه بالتّرك أو القول الذي يساعده التّرك إن كان حراما، وإن كان مكروها، فكذلك إن كان مجهول الحكم، فإن كان مظنّة لاعتقاد التّحريم وترجيح بيانه بالفعل تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وفي حديث المصبح جنبًا قوله: "وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصّيام". وفي حديث أبي بكر بن عبد الرحمن من قول عائشة: "يا عبد الرحمن، أترغب عمّا كان رسول الله يصنع؟ قال عبد الرحمن: لا والله، قالت عائشة: فأشهد على رسول الله ﷺ أنّه كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم". وفي حديث أم سلمة: "ألا أخبرتيها أنّي أفعل ذلك … " إلى آخر الحديث. وروى إسماعيل القاضي عن زياد بن حصين عن أبيه قال: "رأيت ابن عباس وهو يسوق راحلته وهو يرتجز وهو محرم وهو يقول: وهن يمشين بنا هميسا … إن تصدُقِ الطّيرُ نفعل لميسا قال: فذكر الجماع باسمه فلم يكن عنه، قال: فقلت: يا بن عباس! أتتكلم بالرفث وأنت محرم؟ فقال: إنّما الرّفث ما روجع به النّساء"، كأنّه رأى مظنّة هذا الاعتقاد فنفاه بذلك القول بيانًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وأنّ الرّفث ليس إلّا ما كان بين الرّجل والمرأة، وإن كان مظنّة لاعتقاد الطلب أو مظنّة لأن يثابر على فعله، فبيانه بالتّرك جملة إن لم يكن له أصل، أو كان له أصل لكن في الإباحة أو في نفي الحرج في الفعل كما في سجود الشّكر عند مالك وكما في غسل اليدين قبل الطعام، حسبما بيّنه مالك في مسألة عبد الملك بن صالح، وستأتي إن شاء الله. وعلى الجملة فالمراعى ههنا مواضع طلب البيان الشّافى المخرج عن الأطراف والانحرافات، والرادّ إلى الصراط المستقيم، ومن تأمل سير السّلف الصّالح في هذا المعنى تبيّن ما تقرَّرَ بحول الله، ولا بدَّ من بيان هذه الجملة بالنّسبة إلى الأحكام الخمسة أو بعضها حتّى يظهر فيها الغرض المطلوب، والله المستعان (١).

стр. 816

" المسألة السّادسة " ٢٠٩٣ - وَإِنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْمَنْدُوبِ … أَنْ لَّا يُسَوَّى مَعَ ذِي الْوُجُوبِ ٢٠٩٤ - فِي قْولٍ أَوْ فِعْلٍ لِذَاكَ قَادَا … كعَدَمِ التَّسْوِيَةِ اعْتِقَادَا ٢٠٩٥ - إِلَّا عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّنْبِيهِ … غَيْرِ مُخِلِّ بِاعْتِقَادٍ فِيهِ ٢٠٩٦ - وَذَاكَ مِثْلُ تَرْكِ الالْتِزَامِ … لِفِعْلِهِ وَلَا عَلَى الدَّوَامِ ٢٠٩٧ - وَهْوَ لَدَى الشَّرْعِ كَثِيرٌ مُعْتَبَرْ … وَكَمْ حَدِيثٍ يَقْتَضِيهِ وَأَثَرْ ٢٠٩٨ - قَدْ تَرَكَ الرَّسُولُ مَحْبُوبَ الْعَمَلْ … خَشْيَةَ أَنْ يَعُودَ فَرْضًا اسْتَقَلْ " المسألة السّادسة" في وجوب عدم التّسوية بين المندوب والواجب في القول والعمل والاعتقاد. "و" ذلك "إنّ من حقيقة" وماهية الحكم "المندوب" شرعا "أن لّا يُسَوَّى مع" الحكم "ذي الوجوب" أي الواجب "في قول أو فعل" على وجه يكونان فيه قد أفضيا "لذاك" الذي ذكر من التّسوية و"قادا" له "كعدم التّسوية" بينهما "اعتقادا" فإنّه ممنوع كذلك "إلّا" أن يسوّى بينهما في القول والعمل "على وجه" فيه ضرب "من التّنبيه" والدّلالة على ثبوت الفرق بينهما، وبذلك فهو "غير مخلّ" أي محدث للخلل "بـ" أي في "اعتقاد" المكلّف "فيه" وإنّما يبقى كلّ حكم منهما - أي الواجب والمندوب - في الاعتقاد على ما هو عليه في الشّرع "وذاك" الوجه يحصل بـ "مثل ترك الالتزام لفعله" أي المندوب "و" إتيانه "لا على" سبيل "الدّوام" والاستمرار، وبذلك ينفصل حاله عن حال الواجب الذي من صفته إتيانه على سبيل الدّوام والاستمرار في وقته المحدّد له شرعا. "و" هذا التّصرُّف "هو "تصرّف وارد "لدى" أي في "الشّرع" وهو "كثير" فيه و"معتبر" مقتضاه فيه "وكم" من "حديث" نبويّ "يقتضيه" ويدلّ عليه "و" كم من "أثر" ورد في تقريره، فـ "قد ترك الرّسول" ﷺ "محبوب العمل" - فيه إضافة الصّفة إلى الموصوف - أي العمل المحبوب فعله شرعا، ولم يتركه إلّا "خشية" ومخافة "أن يعود" أي يصير "فرضا" وواجبا "استقلّ " وانفرد بذاته، بعد أن كان مندوبا فقط. ومن ذلك أنّه ﷺ صلّى في المسجد فصلّى بصلاته ناس كثير، ثم صلّى من القابلة فكثروا،

стр. 817

٢٠٩٩ - فَقِيلَ خَوْفَ فَرْضِهِ بِالأَمْرِ … وَحْيًا وَهَذَا الْخَوْفُ لَيْسَ يَسْرِي ٢١٠٠ - وَقِيلَ خَوْفَ الْفَرْضِ أَنْ يُظَنَّا … فَيَدْخُلُ الْعَالِمُ فِي ذَا الْمَعْنَا ثم اجتمعوا من اللّيلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلمّا أصبح قال: "قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلّا أنّي خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان. وقد وقع الخُلفُ بين أهل العلم في الجانب الذي خاف ﷺ أن يكون به افتراض العبادة بسبب هذه المواظبة عليها فقيل إنّه ﷺ كان منه ذلك - التّرك - "خوف فرضه" أي القيام المذكور وإيجابه "بالأمر" الإلاهي "وحْيًا" منه، تعالى - له ﷺ "وهذا الخوف" جعْلُه هو العلّة - هنا - غير بيّن، إذ لا ارتباط ظاهر بين المواظبة على عبادة ما وفرضها وإيجابها بالوحي، وبذلك فجعل هذا الخوف هو الخوف النّبوي المقصود في هذا المقام أمر "ليس يسري" قبوله في مقتضيات العقول، وإن كان عليه الجمهور - كما قال المصنّف -. "وقيل": إنّما كان ذلك منه ﵊ "خوف" أن يعتقد الوجوب و"الفرض" في ذلك الفعل و"أن يُظنَّا" - الألف للإطلاق - إنْ داوم عليه قال القسطلاني: "قال أبو العبّاس القرطبي: "معناه تظنّونه فرضا للمداومة فيجب على من يظنّه كذلك، كما إذا ظنّ المجتهد حِلَّ شيء أو تحريمه وجب عليه العمل بذلك". وقيل: إنّ النّبي ﷺ كان حكمه أنّه إذا ثبت على شيء من أعمال القرب واقتدى النّاس في ذلك العمل فرض عليهم، ولذا قال خشيت أن تفرض عليكم. اهـ واستبعد ذلك في "شرح التقريب" وأجاب بأنّ الظّاهر أنّ المانع له ﵊ أنّ النّاس يستحلّون متابعته ويستعذبونها ويستسهلون الصّعب منها فإذا فعل أمرًا سهل عليهم فعله لمتابعته فقد يوجبه الله عليهم لعدم المشقّة عليهم فيه في ذلك الوقت، فإذا توفيّ ﵊ زال عنهم ذلك النّشاط وحصل لهم الفتور فشقّ عليهم ما كانوا استسهلوه لا أنّه يفرض عليهم ولا بدّ كما قال القرطبي وغايته أن يصير ذلك الأمر مرتقبًا متوقعًا قد يقع وقد لا يقع، واحتمال وقوعه هو الذي منعه ﵊ من ذلك قال: ومع هذا فالمسألة مشكلة ولم أر من كشف الغطاء في ذلك. وأجاب في الفتح: بأنّ المخوف افتراض قيام اللّيل بمعنى جعل التهجد في

стр. 818

٢١٠١ - وَيَتْرُكُ الْعِبَادَةَ النَّدْبِيَّهْ … خَوْفَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا فَرْضِيَّهْ المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل في اللّيل ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: "حتّى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلّوا أيها النّاس في بيوتكم"، فمنعهم من التّجمّعِ في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم (١). وإذا تقررّ ما تقدّم من أنّ مداومته ﵊ على أمر قد يعتقد فيه الوجوب، وهو ليس كذلك "فـ" إنّه بمقتضى الإقتضاء "يدخل العالِمُ" - أيضا - "في ذا المعنا" والحكم، فالعالم المقتدى به يلزمه هذا الإتّقاء محتاطا في هذا الشّأن، "و" بذلك "يترك العبادة الندبية" سواء كانت عبادة بدنية أو مالية وذلك "خوفَ" - بالنّصب مفعول لأجله - "اعتقاد" النّاس "أنّها" عبادة "فرضيّة" أي مفروضة وواجبة، وقد مضى على هذا السّنن - التّرك المذكور - الصّحابة ﵃ لمّا فهموا هذا الأصل من الشّريعة وكانوا أئمة يقتدى بهم، فتركوا أشياء، وأظهروا أشياء ليبيّنوا أن تركها غير قادح، وإن كانت مطلوبة فمن ذلك ترك عثمان القصر في السّفر في خلافته، وقال: "إنّي إمام النّاس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين، فيقولون: هكذا فرضت"، وأكثر المسلمين على أن القصر مطلوب. وقال حذيفة بن أسيد: "شهدت أبا بكر وعمر وكانا لا يضحِّيانِ مخافة أن يَرَى النّاس أنّها واجبة"، وقال بلال: "لا أبالي أن أضحِّيَ بكبشٍ أو بديكٍ". وعن ابن عباس أنّه كان يشتري لحمًا بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: "من سألك، فقل هذه أضحية ابن عباس، وكان غنيًّا". وقال بعضهم: "إنّي لأترك أضحيتي وإنّي لمن أيسركم، مخافة أن يظنّ الجيران أنّها واجبة". وقال أبو أيوب الأنصاري: "كنّا نضحّي عن النّساء وأهلينا، فلمّا تباهى النّاس بذلك تركناها"، ولا خلاف في أن الأضحيةَ مطلوبةٌ. وقال ابن عمر في صلاة الضحى: "إنّها بدعة"، وحمل على أحد وجهين: إما أنّهم

стр. 819

٢١٠٢ - وَيَتْرُكُ الْمُبَاحَ فِي مَظِنَّهْ … الاعْتِقَادِ أَنَّ ذَاكَ سُّنَّهْ ٢١٠٣ - وَمَالِكٌ لَهُ بِهَذَا الْبَابِ … عِنَايَةٌ تُوجَدُ فِي أَبْوَابِ ٢١٠٤ - إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّدِّ لِلذَّرَائِعِ … عِبَادَةً وَعَادَةً بِمَانِعِ كانوا يصلّونها جماعة، وإمّا أفذاذًا على هيئة النّوافل في أعقاب الفرائض، وقد منع النّساء المساجد مع ما في الحديث من قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" لما أحدثنَ في خروجِهنَّ ولما يخاف فيهنّ (١). "و" كذلك "يترك" هذا العالم المقتدى به فعل "المباح" إذا كان فعله له واردا "في مظِنَّة" أي موضع يفضي فيه الظنّ من النّاس إلى "الاعتقاد أن ذاك" الفعل "سنّة" متّبعة. وأئمة المسلمين استمروا بالعمل بهذا الأصل على الجملة، وإن اختلفوا في التّفاصيل. "و" الإمام "مالك" بن أنس ﵀ "له" اهتمام "بهذا الباب" - الذي هو اتّقاء ودرء فساد المعتقد في الأحكام - و"عناية" قويّة "توجد" ظاهرة ومتجلية في المسائل الواقعة تحت حكم هذا الأصل والمنقولة أحكامها عنه وهي مثبوتة "في أبواب" من الفقه. ومن ذلك أنّه كره هو وأبو حنيفة صيام ستّ من شوَّال، وذلك للعلّة المتقدّمة، مع أن الترغيبَ في صيامها ثابتٌ صحيحٌ. لئلا يُعتقدَ ضمُّها إلى رمضان. قال القرافي: وقد وقع ذلك للعجم. وقال الشّافعي في الأضحية بنحو ذلك حيث استدلّ على عدم الوجوب بفعل الصّحابة وتعليلهم. والمنقول عن مالك من هذا كثير، وإنّما وقع اعتبار هذا الأصل في مذهبه "إذ لم يكن للسّدّ" والإغلاق "للذّرائع" أي الوسائل المفضية إلى المحظور وقوعا أو توقعا سواء كان الموضوع الذي عرض فيه ذلك "عبادة وعادة بـ" شخص "مانع" له، وإنّما اتّخذه - أي سدّ الذّرائع - كما هو معلوم أصلا من أصوله المعتبرة المتّبعة.

стр. 820

" فصل " ٢١٠٥ - ثُمَّ بَيَانُ الْقَوْلِ مَهْمَا يُكْتَفَا … بِهِ لَدَى التّفْرِيقِ مِمَّا يُقْتَفَا ٢١٠٦ - أَوْ لَا فَبِالْفِعْلِ وَلَوْ فِي سَابِقِ … لَهُ وَفِي قَرِينَةٍ وَلَاحِقِ " فصل" ٢١٠٧ - وَلَا مَعَ الْمُبَاحِ تَرْكًا خَوْفَ أَنْ … يُظَنَّ أَنَّ تَرْكَهُ هُوَ السَّنَنْ " فصل" "ثمّ" إنّ التّفرقة بين المندوب والواجب كما تحصّل بما ذُكرَ، فإنّها يحصِّلها كذلك "بيان القول" بأن يصرّح بأنَّ هذا واجب، وذاك مندوب وذلك "مهما" أي كان محصّلا للمراد منه، وبذلك "يكتفى به" عن البيان الفعلي، وذلك لأنَّ هذا البيان القولي "لدى" أي عند جريان "التّفريق" بين الأحكام الشرعية "ممّا يقتفى" ويتبع، ويجرى عليه. وأمّا إن كان لا يكتفى به "أوْ لَا" يحصل البيان المراد به "فـ" إنّه لا مناص من البيان "بالفعل ولو" يكون "في سابق" يعني بفعل سابق "له" أي للمندوب يدلّ على أنّه غير واجب، كأن يترك الاستعداد له "و" قد يكون "في قرينة" يعني بفعل يكون قرينة على أنَّه مندوب - كعدم المواظبة، والاستخفاء. "و" قد يكون بفعل "لاحق" يَدلّ على ذلك - كترك القيام في الجماعة في رمضان بعد فعله وأمثلة أخرى ظاهرة مما تقدَّم ذكره. وأكثر ما يحصل الفرق في الكيفيات العديمة النَّصِّ. وأمّا المنصوصة المفصّلُ بيانها بالقول فلا كلام فيها. وعلى كلِّ حال فالفعل أقوى في هذا المعنى لما تقدّم أن الفعل يصدق القوال أو يكذبه. "فصل" "و" كما أن من حقيقة استقرار المندوب أن لا يُسوّى بينه وبين الواجب في الفعل كذلك من حقيقة استقراره أن "لا" يُسوّى "مع" الفعل "المباح تركا" يعني في التّرك المطلق من غير بيان، وذلك "خوف" وخشية "أن يظنّ أنّ تركه" أي المندوب "هو السّنن" المحكوم به شرعا فيه، وذلك لتسويته بالمباح في التّرك.

стр. 821

٢١٠٨ - مَعْ أَنَّ فِيهِ طَلَبًا بِالْكُلِّ … وَالتَّرْكُ إِخْلَالٌ بِأَمْرٍ كُلِّي ٢١٠٩ - فَالْمُقْتَدَى بِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ … يَفْعَلُ مَنْدُوبًا وَلَا يَلْتَزِمُهْ ٢١١٠ - وَقْدْ يُرَى الأَصْلُ لِذَا فِعْلُ عُمَرْ … فِي غَسْلِ ثَوْبِهِ عَلَى مَا فِي الأثَرْ وهو أمر لا يسوغ الجريان عليه فيه - أي المندوب - "مع" ما تقرّر شرعا في شأنه من "أن فيه طلبا" يقتضي فعله وجوبا "بالكلّ" وإن كان مندوبا بالجزء - كما تقدّم بيانه في كتب الأحكام - "و" بذلك فإنَّ "التّرك" له بالكلّية "إخلال" وذهاب "بأمر كلّي" قد يكون واجبا، فيؤدي ذلك التّرك إلى الإخلال بالواجب، وبذلك "فـ" إنَّ العالمَ "المقتدى به" بناء "على ما" تقدّم أنّه "يلزمه" في هذا الشّأن "يفعل" ما كان من العبادات "مندوبا و" يظهره للنّاس ليعملوا به، لكن "لا يلتزمه" ولا يداوم عليه لما تقدّم ذكره وتقريره. وهذا كلّه مطلوب ممّن يقتدى به كما هو شأن السّلف الصّالح. وفي هذا الحديث الحسن عن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا بني إن قدرت أن تصبح وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثمّ قال لي: يا بني! وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي؛ فقد أحبني، ومن أحبني كان معى في الجنة" فجعل العمل بالسنّة إحياء لها فليس بيانها مختصًّا بالقول. وقد قال مالك في نزول الحاج بالمحصب من مكّة وهو الأبطح: "أستحبّ للأئمة ولمن يقتدى به أن لا يجاوزوه حتى ينزلوا به فإنّ ذلك من حقِّهم لأنَّ ذلك أمر قد فعله النّبي ﷺ والخلفاء، فيتعيّن على الأئمة ومن يقتدى به من أهل العلم إحياء سننه والقيام به لئلا يترك هذا الفعل جملة ويكون للنّزول بهذا الموضع حكم النّزول بسائر المواضع، لا فضيلة للنُّزول به بل لا يجوز النُّزول به على وجه القربة". هكذا نقل الباجي. وهو ظاهر من مذهب مالك في أن المندوب لا بدَّ من التَّفرقة بينه وبين ما ليس بمندوب، وذلك بفعله وإظهاره (١). "وقد يرى" أي يعتقد أنّ "الأصل لذا" النَّهج المقرّر هنا هو "فعل عمر" بن الخطّاب ﵁ وذلك "في غسلـ"ــه "ثوبه" وقال "على ما في الأثر" بل أغسلُ ما رأيتُ وأنضح ما لم أر.

стр. 822

" المسألة السابعة " ٢١١١ - مِنْ حَقِّ مَنْسُوبٍ إِلَى الإِبَاحَةِ … أَنْ لَّا يُسَوَّى مَعَ ذِي الْكَرَاهَةِ ٢١١٢ - فِي التَّرْكِ دَائِمًا وَلَا الْمَنْدُوبِ … بِقَصْدِ فِعْلِهِ عَلَى الدُّؤُوبِ ٢١١٣ - خَشْيَةَ أَنْ يُعَدَّ فِي الْمَكْرُوهِ … أَوْ قُرْبَةً إِلَّا مَعَ التَّنْبِيهِ قال بعضهم في هذا الحديث إنّ عمر رأى أنّ أعماله وأقواله نهج للسنّة، وأنّه موضع للقدوة، يعني فعمل هنا على مقتضى الأخذ عنه في ذلك، وصار ذلك أصلا في التّوسعة على النّاس في ترك تكلّف ثوب آخر للصّلاة، وفي تأخير الصّلاة لأجل غسل الثوب، وفي الحديث: "واعجبًا لك يا ابن العاص! لئن كنت تجد ثيابًا أفكلُّ النّاس يجد ثيابًا! والله لو فعلتها لكانت سنة" الحديث ولمكان هذا ونحوه اقتدى به عمر بن عبد العزيز حفيده ففي "العتبية" قيل لعمر بن عبد العزيز: أخّرت الصّلاة شيئًا. فقال: "إنّ ثيابي غُسلت". قال ابن رشد: "يحتمل أنّه لم يكن له غير تلك الثياب لزهده في الدّنيا، أو لعلّه ترك أخذ سواها مع سعة الوقت تواضعًا لله ليقتدى به في ذلك، ائتساءً بعمر بن الخطاب، فقد كان أتبع النّاس لسيرته وهديه في جميع الأحوال (١). وانظر مزيد تقرير لهذه المسألة في الأصل. "المسألة السابعة" في بيان أنّ "من حقّ" كلّ فعل أو قول "منسوبٍ" شرعا "إلى" حكم "الإباحة أن لَّا يسوّى" ويوحّد "مع" الفعل أو القول "ذي الكراهة" الشّرعية "في التّرك" الذي هو حكم المكروه "دائما" "و" كذلك من حقّه أن "لا" يسوّى مع "المندوب" - كما تقدّم ذكره - وكذلك "بقصد فعله" وإتيانه "على الدؤُّوب" أي الدّوام والاستمرار، كما هو الأمر الجاري في المندوب. وإنّما منعت التّسوية بين المباح والمكروه في التّرك "خشية أن يعد" ويحسب المباح "في" قسم "المكروه" توهما. فقد كان ﵊ يكره الضّبّ، ويقول: "لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه"، وأكل على مائدته فظهر حكمه وقدِّم إليه طعام فيه ثوم لم يأكل منه، قال له أبو أيوب وهو الذي بعث به إليه: يا رسول

стр. 823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الله! أحرام هو؟ قال: "لا ولكنّي أكرهه من أجل ريحه" وفي رواية أنّه قال لأصحابه: "كلوا فإنّي لست كأحدكم، إنّي أخاف أن أؤذي صاحبي" وروي في الحديث أن سودة بنت زمعة خشيت أن يطلّقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلّقْنِي وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] فكان هذا تأديبًا وبيانًا بالقول والفعل لأمر ربّما استقبح بمجرى العادة، حتى يصير كالمكروه، وليس بمكروه. والأدلّة على هذا الفصل نحو من الأدلّة على استقرار المندوبات (١). وكذلك لا يسوّى بين المباح والمندوب حتّى لا يظنّ كونه - أي المباح عبادة "أو قربة" - بضمّ القاف - ما يتقرب به إلى الله - تعالى - من العمل الصالح "إلَّا مع التّنبيه" بالقول أو غيره على التّفرقة بين المباح والمندوب، وبين المباح والمكروه فإنّه إن سوّى بين المباحات والمندوبات بالدّوام على فعلها على كيفيّة فيها معيّنة من غير التّنبيه المذكور وغير ذلك توهّمت مندوبات كما تقدّم في مسح الجباه بأثر الرّفع من السجود ومسألة عمر بن الخطاب في غسل ثوبه من الاحتلام وترك الاستبدال به، وقد حكى عياض عن مالك أنّه دخل على عبد الملك بن صالح أمير المدينة، فجلس ساعة ثم دعا بالوضوء والطعام، فقال: "ابدأوا بأبي عبد الله، فقال مالك: إن أبا عبد الله - يعني نفسه - لا يغسل يده، فقال: لم؟ قال: ليس هو الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، إنّما هو من رأي الأعاجم، وكان عمر إذا أكل مسح يده بباطن قدمه. فقال له عبد الملك: أأترك يا أبا عبد الله؟ قال: إي والله، فما عاد إلى ذلك ابن صالح. قال مالك: ولا نأمر الرّجل أن لا يغسل يده، ولكن إذا جعل ذلك كأنّه واجب عليه فلا، أميتوا سنّة العجم، وأحيوا سنّة العرب، أما سمعت قول عمر: تمعْددُوا، واخشوشنوا، وامشوا حفاة، وإياكم وزِيَّ العجم" (٢).

стр. 824

" المسألة الثامنة " ٢١١٤ - حَقِيقَةُ الْمَكْرُوهِ حَيْثُ يَأْتِي … أَنْ لَّا يُسَوَّى بِالْمُحَرَّمَاتِ ٢١١٥ - وَذَاكَ مَطْلُوبٌ بِهِ الْبَيَانُ … بِمَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ وَهْوَ الشَّانُ ٢١١٦ - خَوْفًا مِنْ أَنْ يَطُولَ فِيهِ الْعَهْدُ … فَيُوجِبُ التَّرْكَ لَهُ مَنْ بَعْدُ " المسألة الثامنة" في أنّ المكروهات لا يسوّى بينها وبين المحرّمات، ولا بينها وبين المباحات. وذلك أنّ "حقيقة" استقرار "المكروه حيث" أي في موضع "يأتي" سواء كان عبادة أو معاملة "أن لّا يسوّى" في الاعتبار العملي والنّفسي "بالمحرَّمات" بل يجب التّفريق بينهما على الوجه المذكور "وذاك" التّفريق وعدم التّسوية "مطلوب" ومقصود "به البيان" للحكم الثّابت لهما شرعا، ويكون ذلك التّفريق المقصود به هذا البيان "بما اقتضاه الحال" وواقع الأمر في ذلك "و" إذا حصل هذا البيان فإنّه "هو الشّان" المطلوب والغرض المقصود، وإنّما وجب هذا البيان "خوفا من أن يطول فيه" يعني في تركه - أي المكروه - "العهد" والأمد حتّى يظنّ أنّه حرام "فيوجب" ذلك "التّرك له" بالإطلاق "من بعد" عند من يجهل حكمه. ولا يقال: إنّ في بيان ذلك ارتكابا للمكروه وهو منهي عنه. لأنا نقول: البيان آكد، وقد يرتكب النّهي الحتم إذا كانت له مصلحة راجحة، ألا ترى إلى كيفية تقرير الحكم على الزّاني، وما جاء في الحديث من قوله ﵊ له: "أنِكْتَهَا" هكذا من غير كناية، مع أن ذكر اللّفظ في غير معرض البيان مكروه أو ممنوع؟ غير أنّ التّصريح هنا آكد، فاغتفر لما يترتب عليه فكذلك هنا، ألا ترى إلى إخبار عائشة عمّا فعلته مع رسول الله ﷺ في التقاء الختانين، وقوله ﵊: "ألا أخبرتيها أنّي أفعل ذلك"، مع أن ذكر مثل هذا في غير محلّ البيان منهي عنه؟ وقد تقدّم ما جاء عن ابن عباس في ارتجازه وهو محرم بقوله: "إن تصدق الطير نَنِكْ لميسا" فمثل هذا لا حرج فيه (١).

стр. 825

٢١١٧ - وَلَا يُسَوَّى بِمُبَاحٍ فِعْلُهُ … خَشْيَةَ ظَنِّ أَنَّ ذَاكَ أَصْلُهُ ٢١١٨ - وَذَا الْبَيَانُ فِيهِ أَمْرٌ جَارِ … بِالزَّجْرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالإِنْكَارِ ٢١١٩ - لَا سِيّمَا مَا كَانَ عُرْضَةً لأَنْ … يُظَنَّ فِيهِ أَنَّه مِنَ السَّنَنْ ٢١٢٠ - وَمَا مَضَى مِنْ هَذه الْمَسَائِلِ … فِي ضِمْنِهِ مَنْشَأُ فِقْهٍ طَائِلِ ٢١٢١ - مِنْ ذَاكَ مَنْ حَلَّ مَحَلَّ الاقْتِدَا … لَا يَنْبَغِي لَهُ الْتِزَامٌ سَرْمَدَا ٢١٢٢ - لِمَا مِنَ الْعِبَادَةِ النَّدْبِيَّهْ … وَلَا اقْتِصَارُهُ عَلَى كيْفِيَّهْ " و" كما لا يسوّى بين المكروه والحرام كذلك "لا يسوّى" المكروه "بـ" الـ "مباح فعله" في عمله دائما وترك اتّقاءه واجتنابه وذلك "خشية ظنّ" قد يحصل بسبب ذلك فيفيد "أن ذاك" وهو الإباحة له - أي للمكروه - وجواز فعله بلا حرج هو "أصله" شرعا، وبذلك ينقلب حكمه من المكروه إلى المباح عند من يجهل حكمه الشّرعي. "وذا" الموضع "البيان" الذي هو "فيه أمر جار" هو بيان كون المكروه مكروها "بالزّجر" والرّدع عن فعله "والتّغيير" له لأنّه منكر "والإنكار" على فاعله على القدر الذي يليق به شرعا "لا سيّما ما كان" من المكروهات "عُرْضة" - بضم العين وسكون الراء - يعني معروضا مهيئا بمقتضى حاله الذي هو عليه "لأن" يعتقد و"يظنّ فيه أنّه من السّنن" المرغب فيها شرعا، وذلك المكروهات المفعولة في المساجد، وفي مواطن الإجتماعات الإسلامية، والمحاضر الجمهورية. ولأجل ذلك كان مالك شديد الأخذ على من فعل في مسجد رسول الله ﷺ شيئا من هذه المكروهات، بل ومن المباحات كما أمر بتأديب من وضع رداءه أمامه من الحرّ وما أشبه ذلك (١). اعلم أنّ ما تقدم ذكره "وما مضى" إيراده "من هذه المسائل" قد احتوى وضمّ "في ضمنه" أصول وقواعد هي "منشأ" ومأخذ "فقه" أي علم بالفروع الفقهيّة "طائل" واسع. "من ذاك" الفقه الذي يؤخذ من هذا أنّ "من حلّ" ونزل "محلّ الاقتداء" به فصار منظورا إليه مرموقا في هذا الشّأن متّبعا أو كان مظنّة لذلك "لا ينبغي له" ولا يستحسن منه الـ "التزام" دائما "سرمدا لما" أي للذي هو "من العبادة" البدنيّة "النّدبيّة". "و" كذلك "لا" ينبغي له "اقتصاره على كيفيّة" واحدة إذا كانت تلك العبادة

стр. 826

٢١٢٣ - مِمَّا أَتَى شَرْعًا بِكَيْفِيَّاتِ … وَلْيَتْرُكِ الدّؤُوبَ فِي أَوْقَاتِ " ممّا أتى شرعا بكيفيّات" متعدّدة، وإن فهمت من الألفاظ المطلقة وبناء على هذا فإنّ على هذا المقتدى به ترك التزام العبادة على هذا الوجه "وليترك الدّؤوب" والدّوام على فعل تلك العبادة "في أوقات" حتّى يعلم أنّها غير واجبة، لأنّ خاصيّة الواجب المكرّر الالتزام به والدّوام عليه في أوقاته، بحيث لا يتخلّف عنه. كما أن خاصيّة المندوب عدم الالتزام، فإذا التزمه فهم النّاظر نفس الخاصيّة الّتي للواجب، فحمله على الوجوب، ثم استمرَّ على ذلك فَضَلَّ. وكذلك إذا كانت العبادة تتأتّى على كيفيّات يفهم من بعضها في تلك العبادة ما لا يفهم منها على الكيفيّة الأخرى، أو ضمّت عبادة أو غير عبادة إلى العبادة قد يفهم بسبب الاقتران ما لا يفهم دونه، أو كان المباح يتأتّى فعله على وجوه، فيثابر فيه على وجه واحد تحريًا له ويترك ما سواه، أو يترك بعض المباحات جملة من غير سبب ظاهر، بحيث يفهم منه في التّرك أنّه مشروع. ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب السّجدة على المنبر ثم سجد وسجد معه النّاس، قرأها في كرّة أخرى، فلمّا قرب من موضعها تهيأ النّاس للسّجود، فلم يسجدها، وقال: "إنّ الله لم يكتبها علينا إلّا أن نّشاء"، وسئل مالك عن التسمية عند الوضوء فقال: "أيحبّ أن يذبح؟ " إنكارًا لما يوهمه سؤاله من تأكيد الطّلب فيها عند الوضوء، ونقل عن عمر أنّه قال: "لا نبالي أبدأنا بأيماننا أم بأيسارنا" يعني: في الوضوء، مع أنّ المستحب التيامن في الشّأن كلّه. ومثال العبادات المؤدّاة على كيفيّات يلتزم فيها كيفيّة واحدة إنكار مالك لعدم تحريك الرّجلين في القيام للصلاة. ومثال ضمّ ما ليس بعبادة إلى العبادة حكاية الماوردي في مسح الوجه عند القيام من السجود، وحديث عمر مع عمرو: "لو فعلتها لكانت سنّة، بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر". ومثال فعل الجائز على وجه واحد ما نقل عن مالك أنّه سئل عن المرّة الواحدة في الوضوء قال: "لا، الوضوء مرتان مرتان، أو ثلاث ثلاث"، مع أنّه لم يحدّ في الوضوء ولا في الغسل إلّا ما أسبغ. قال اللّخمى: "وهذا احتياط وحماية، لأنّ العامي إذا رأى من يقتدى به يتوضأ مرّة مرّة فعل مثل ذلك، وقد لا يحسن الإسباغ بواحدة فيوقعه فيما لا تجزئ الصّلاة به"،

стр. 827

٢١٢٤ - إِلَّا بِحَيْثُ الأَمْنِ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدْ … جَاهِلٌ الْوُجُوبَ فِيمَا يَعْتَمِدْ ٢١٢٥ - وَعِنْدَمَا كَانَ أَوْلُوا التَّصَوُّفِ … قَدْ جَاهَدُوا النُّفُوسَ فِي التَّصَرُّفِ ٢١٢٦ - وَخَرَجُوا فِي سَائِرِ الأُمُورِ … فِعْلًا وَتَعْلِيمًا عَنِ الْجُمْهُورِ والأمثلة كثيرة (١). وهذا الحكم المقرّر هنا الجاري مقتضاه في هذا الشّأن، فعلى المقتدى به الالتزام به "إلّا بحيث" أي في موضع قد حصل فيه "الأمن من" ذاك المحظور وهو "أن يعْتقِدَ جاهِلٌ" الحكم الشّرعيّ في ذاك "الوجوب فيما يعتمد" من ذلك ويفعل، وهذا الأمن يحصل فيما من لم يفعل بحضرة النّاس، بحيث فعله المقتدى به في نفسه، وحيث لا يطّلع عليه مع اعتقاده على ما هو به. فهذا لا بأس به، كما قاله المتأخرون في صيام ستّ من شوّال: إن فعل ذلك في نفسه معتقدا وجه الصّحة فلا بأس. وكذا قال مالك في المرّة الواحدة: "لا أحبّ ذلك إلا للعالم بالوضوء"، وما ذكره اللّخمي يشعر بأنّه إذا فعل الواحدة حيث لا يقتدي به فلا بأس، وهو جار على المذهب، لأنّ أصل مالك فيه عدم التّوقيت، فأمّا إن أحبَّ الالتزام، وأن لا يزول عنه ولا يفارقه فلا ينبغي أن يكون ذلك بمرأى من النّاس، لأنّه إن كان كذلك فربَّما عدّه العامّي واجبًا أو مطلوبًا أو متأكد الطلب بحيث لا يترك، ولا يكون كذلك شرعًا، فلا بدّ في إظهاره من عدم التزامه في بعض الأوقات، وذلك على الشّرط المذكور في أوّل كتاب الأدلّة (٢). خلاصة القول أنّه عند ثبوت الأمن من المحظور المذكور بالكتمان والإخفاء يصار إلى الدّوام على ذلك، "و" هو أمر سائغ فإنّه "عندما كان أولوا" أي أهل "التّصوف قد جاهدوا" أي حاربوا "النّفوس" أي رعوناتها واعوجاجها "في التّصرُّف" أي العمل، حتّى انفصلوا بذلك "وخرجوا" به "في سائر الأمور" العباديّة والعاديّة "فعلا" وسلوكا "وتعليما" لمن يربّونهم "عن" طريق "الجمهور" الماضي على السّبيل

стр. 828

٢١٢٧ - كَانَ دُؤُوبُهُمْ عَلَى الْعِبَادَهْ … مُنَاسِبًا حَالَهُمُ الْمُعْتَادَهْ ٢١٢٨ - وَهُمْ أَهْمُّ حَالِهِمْ فِي الشَّأنِ … تَوْصِيَّةُ الأَتْبَاعِ بِالْكِتْمَانِ " المسألة التاسعة " ٢١٢٩ - حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ فِي اسْتِقْرَارِهِ … عَلَى لُزُومِ الْفِعْلِ وَاسْتِمْرَارِهِ ٢١٣٠ - فَلَا يُسَوَّى مَعَ الإِنْحِتَامِ … بِغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الأَحْكَامِ المعتاد "كان دؤوبهم" ودوامهم "على" فعل "العبادة" مطلقا "مناسبا" وجاريا على وفق "حالهم" وطريقتهم "المعتادة" لهم في التربية والسلوك، وهي الطريقة التي التزموا فيها بالتّسوية بين الواجب والمندوب في التزام الفعل، وبين المكروهات والمحرّمات في التّرك، بل سوّت بين كثير من المباحات والمكروهات في التّرك. "وهم أهم حالهم" الذي يأخذون به "في"هذا "الشأن" الذي هم عليه هو "توصيّة الأتباع" والمريدين "بالكتمان" والإخفاء لما هم عليه من حال وذلك خوفا من تعريض من يراهم ولا يفهم مقاصدهم إلى ظنّ ما ليس بواجب واجبا، أو ما هو جائز غير جائز، وتعريضهم لسوء القال فيهم، فلا عتب عليهم في كتم أسرار مواجدهم لأنّهم إلى هذا الأصل يستندون، ولأجل إخلال بعضهم بهذا الأصل إما لحال غالبة، أو لبناء بعضهم على غير أصل صحيح، انفتح عليهم باب سوء الظنّ من كثير من العلماء، وباب فهم الجهال عنهم ما لم يقصدوه، وهذا كلّه محظور (١). "المسألة التاسعة" في بيان أنّ الواجبات لا تستقّر واجبات إلّا إذا لم يسوَّ بينها وبين غيرها من الأحكام الأخرى. وذلك أن "حقيقة" الحكم "الواجب" شرعا إنّما تتحقّق "في استقراره" وبنائه "على لزوم الفعل" الواجب به "واستمراره بلا قطع له من المكلّفين، وبذلك "فـ" إنّه "لا يسوّى" ولا يوحّد "مع" اتّصافه بوصف "الإنحتام" والوجوب "بغيره من سائر" أي بقيّة "الأحكام" الأربعة الأخرى - الإباحة، والنّدب،

стр. 829

٢١٣١ - وَمِثْلُ ذَاكَ الْقَوْلُ فِي الْحَرَامِ … فِي حَتْمِ تَرْكِهِ عَلَى الدَّوَامِ ٢١٣٢ - وَذَاكَ ظَاهِرٌ وَلَكِنْ يُنْتَقَلْ … مِنْهُ لِمَعْنىً حُكْمُهُ بِهِ اتَّصَلْ ٢١٣٣ - وَذَاكَ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ تَنْقَسِمْ … قِسْمَيْنِ مَا الْعِقَابُ فِيهِ يَنْحَتِمْ ٢١٣٤ - دُنْيَا عَلَى التَّرْكِ لَهُ وَثَانِ … مُخَالِفٌ لَهُ بِهَذَا الشَّانِ ٢١٣٥ - حَقِيقَةُ امْتِيَازِ قِسْمَيْهَا مَعَا … أَنْ لَّا يُسَوَّيَا بِحَيْثُ وَقَعَا ٢١٣٦ - وَالْحُكْمُ أَيْضًا فِي الْمُحَرَّمَاتِ … مِنْ جِهِة الْفِعْلِ عَلَيْهِ آتِ ٢١٣٧ - وَكُلُّ مَا يُحْذَرُ فِيمَا قَدْ مَضَا … مِنْ عَدَمِ الْبَيَانِ فِي ذَا مُقْتَضَا والكراهة، والتّحريم - فهو لا يتساهل في تركه البتّة. "ومثل ذاك" القول المذكور في الواجب هو "القول" الذي يقال "في الحرام" وذلك في عدم تسويته بغيره من الأحكام الأخرى و"في حتم" أي وجوب ولزوم "تركه" واجتناب إتيانه "على الدّوام" فلا يؤتى، ولا يتسامح في إتيانه. "وذاك" كلّه "ظاهر" بيّن، فلا حاجة إلى الاستدلال عليه، وتقريره "ولكن ينتقل منه" أي من هذا الذي ذكر "لـ" ذكر "معنى" وشأن معنى آخر "حكمه" تعلّق "به" أي بما ذكر و"اتّصل" به من جهة بيان حال الجزاء المترتّب عليه "وذاك أنّ الواجبات" من حيث الجزاء المترتّب عليها "تنقسم" إلى "قسمين": أحدهما "ما" أي الواجب الذي "العقاب فيه " يعني في شأنه أمر "منحتم" أي واجب "دنيا" يعني في الدنيا وذلك "على التّرك له" "وثانـ"ــيهما واجب "مخالف له" أي لهذا الأول "بهذا" أي في هذا "الشأن" المذكور، فهو لا يترتب على تركه عقاب دنيوي وبذلك فـ "حقيقة امتياز" وانفصال "قسميها" المذكورين "معا" بذلك "أن لّا يسوّيا" أو يوحدّا بينهما في البيان. "بحيث وقعا" ووردا "و" هذا "الحكم أيضا" جار "في" شأن "المحرّمات" وذلك "من جهة الفعل" لها وإتيانها فهو "عليه آت" ووارد، إذ من المحرّمات ما يترتب على فعلها العقاب الدّنيويّ، ومنها ما ليس كذلك "و" بناء عليه فـ "كلّ ما يحذر" ويخاف منه "فيما قد مضى" ذكره "من عدم البيان" المفضي إلى تمييز الأحكام بعضها عن بعض اعتقادا وفعلا "في ذا" الموضوع الذي نحن فيه - هنا - هو أمر "مقتضى" أي محكوم به فيه، وثابت.

стр. 830

٢١٣٨ - وَجُمْلَةُ الْمَاضِي مِنَ الأَدِلَّهْ … تُلْفَى هُنَا فِي الْحُكْمِ مُسْتَقِلَّهْ " المسألة العاشرة " ٢١٣٩ - وَيَلْزَمُ الْبَيَانُ فِيمَا يَرْجِعُ … إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ حَيْثُ يَقَعُ " وجملة الماضي" أي الذي مضى ذكره "من الأدلّة" في مجاري الاستدلال على أنّه ينبغي التّفريق بين الأفعال المختلفة الأحكام بما به يقع التمايز بينها، وتعلم به أحكامها تلك "تلفى" وتوجد "هنا" في هذا الموضوع "في" إفادة هذا "الحكم" المقرّر هنا قائمة و"مستقلة" أي ناهضة. ويتبين هذا الموضع، أيضا - بأن يقال: إذا وضع الشّارع حدّا في فعل مخالف، فأقيم ذلك الحدّ على المخالف، كان الحكم الشّرعي مقرّرًا ومبيّنا، فإذا لم يقم فقد أقرّ على غير ما أقرّه الشّارع، وغُيِّرَ إلى الحكم المخالف الذي لا يترتّب عليه مثل ذلك الحكم، ووقع بيانه مخالفًا، فيصير المنتصب لتقرير الأحكام قد خالف قولَه فعلُه، فيجري فيه ما تقدّم، فإذا رأى الجاهل ما جرى توهّم الحكم الشّرعي على خلاف ما هو عليه، فإذا قرّر المنتصب الحكم على وجه ثم أوقع على وجه آخر، حصلت الرّيبة، وكذَّبَ الفعلُ القولَ كما تقدّم بيانه، وكلّ ذلك فساد، وبهذا المثال يتبيّن أنّ وارث النّبي يلزمه إجراء الأحكام على موضوعاتها في أنفسها وفي لواحقها وسوابقها، وقرائنها، وسائر ما يتعلّق بها شرعًا، حتّى يكون دين الله بيّنًا عند الخاصّ والعامّ، وإلّا كان من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية (١). "المسألة العاشرة" في أنّ البيان كما يلزم في الأحكام التّكليفية فإنّه يلزم - كذلك - في الأحكام الرّاجعة إلى خطاب الوضع، بلا فرق. "و" بيان ذلك "يلزم" ويجب على العالم "البيان فيما" من الأحكام "يرجع إلى خطاب الوضع" المتقدّم تفصيل الكلام فيه "حيث" ما "يقع" ويوجد، سواء كان عبادة، أو معاملة، وهذا البيان يحصل بالقول بحيث يبيّن به الشّرط والسّبب،

стр. 831

٢١٤٠ - بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ كَمَا تَقَرَّرَا … فِيمَا يَلِي التَّكْلِيفَ حُكْمُهُ جَرَا ٢١٤١ - فَحَيْثُ مَا قُرِّرَتِ الأَسْبَابُ مَعْ … مُوَافِقِ الْفِعْلِ الْبَيَانُ قَدْ وَقَعْ ٢١٤٢ - وَإِنْ يَكُ الْفِعْلُ عَلَى خِلَافِ … تَقْرِيرِهَا ءَاذَنَ بِالتَّنَافِي ٢١٤٣ - وَمِثْلُهُ حَالُ الْبَيَانِ الْوَاقِعِ … لِمُقْتَضَى الشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ ٢١٤٤ - وَذَاكَ مَا دَلِيلُهُ بِخَافِ … فِي الشَّرْعِ فَالتَّنْبِيهُ فِيهِ كَافِ ٢١٤٥ - وَقَدْ أَتَى عَنِ الرَّسُولِ فِي الْخَبَرْ … إِعْمَالُهُ الرُّخْصَةَ فِي حَالِ السَّفَرْ والمانع كلّ في محلّه "و" يحصل أيضا بـ "الفعل" بحيث يعمل على وفقه "كما" في البيان بالقول والفعل الذي ثبت و"تقرر فيها" رجع من الخطاب "إلى" خطاب "التكليف" و"حكمه جرى" فيه "فحيث ما قرّرت الأسباب" قولا "مع موافق الفعل" يعني مع الفعل الموافق لذلك فإنّه بذلك "البيان" المطلوب لها "قد" حصل للنّاس و"وقع" في أذهانهم. "و" أمّا "إن يك الفعل" قد وقع "على خلاف" بيانها بالقول و"تقريرها" به فإنّ ذلك قد "آذن" وأعلم "بالتّنافي "والاختلاف بين البيانين. "ومثله" أي هذا الذي تقرّر في شأن بيان الأسباب من حال هو "حال البيان الواقع" الجاري "لمقتضى" وحكم "الشّروط والموانع" والرّخص والعزائم وغيرها مما هو راجع إلى خطاب الوضع، فما تقدّم تقريره في أمر بيان أسباب يُجْرَى على سننه بيان الشّروط والموانع والرّخص وما جرى مجراها في كونه راجعا إلى خطاب الوضع، بلا فرق. "وذاك" كلّه "ما" أي ليس "دليله" الدّال عليه "بخاف في الشّرع" بل هو ظاهر، بيّن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية، وقوله - تعالى - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤] وما ورد في شأن وجوب البيان على أهل العلم شرعا، وذلك كلّه معلوم، وقد تقدّم ذكره "فالتّنبيه" عليه - هنا - مغن عن ذكره، وهو "فيه كاف" كما هو بيّن، "وقد" يزاد لذلك أدلّة أخرى يتقرّر بها هذا الأمر. ومنها: أنّه قد "أتى عن الرّسول" ﵊ كما "في الخبر" الصّحيح "إعمال الرّخصة" يعني الإفطار والقصر "في حال السّفر" فكان بيانا لجريان هذه الرّخصة فيه، وعلى هذا السّبيل مضى في بيان ما سوى ذلك من الأحكام الوضعيّة

стр. 832

٢١٤٦ - حَتَّى لَقَدْ أَقَصَّ فِي الأَسْبَابِ … مِنْ نَفْسِهِ الْعَلِيَّةِ الْجَنَابِ " المسألة الحادية عشرة " ٢١٤٧ - مَا بَيَّنَ الرَّسُولُ لا إِشْكَالَ فِي … صِحَّتِهِ وَالْخُلْفُ فِيهِ مُنْتَفِ ٢١٤٨ - لأنَّهُ الْمَبْعُوثُ لِلْبَيَانِ … بِمُقْتَضَى دَلِيلِهِ الْقُرْآنِي ٢١٤٩ - وَمِثْلُهُ مَا أَجْمَعَ الصَّحَابَهْ … عَلَى بَيَانِهِ بِلَا اسْتِرَابَهْ ٢١٥٠ - وَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً مَا قَدْ صَدَرْ … مِنْ غَيْرِ إِجْمَاعٍ لَهُمْ فِيهِ نَظَرْ " حتّى" إنّه "لقد أقصّ" - أي طلب أخذ القصاص - وهو "في" مجرى بيان "الأسباب" التي تترتّب عليه أحكام شرعيّة "من نفسه العليّة" القدر الساميّة "الجَنابِ" - بفتح الجيم - أي المقام، والمحلّ. والشواهد في هذا الشأن كثيرة، كإقامة الحدود، وبيان شروط صحّة العبادات ووجوبها، وصحّة المعاملات. "المسألة الحادية عشرة" في أنّ البيان النّبويّ حجّة لا يتطرّق لها الشّكّ على الإطلاق، وأما بيان الصّحابة فالمعتبر فيه ما أجمعوا عليه لأنّ ذلك لا يكون إلّا عن نقل، وأمّا ما لا يجمع عليه فيه فإنّ كونه معتبرا ودليلا شرعيّا موضع خلاف. وذلك أنّ "ما بيّنـ"ــه "الرّسول" ﷺ "لا إشكال" ولا كلام "في صحّته" وكونه حجّة شرعيّة "و" بذلك فإنّ "الخلف فيه" - في كونه كذلك - أمر "منتف" ومفقود على الإطلاق "لأنّه" ﷺ "المبعوث" المرسل "للبيان" الشّرعي "بمقتضى" وحكم "دليله" أي دليل كونه مبيّنا لهذا الدّين على الإطلاق، وهو الدّليل "القرآني" الذي هو قوله - سبحانه -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] "و مثله" أي البيان النّبوي في كونه حجّة شرعيّة "ما أجمع" وأطبق "الصّحابة" - رضوان الله عليهم - "على بيانه" فإنّه - أيضا - حجّة شرعيّة "بلا" وجود "استرابة" أي شكّ في كونه كذلك. وذلك كإجماعهم - بعد الخلف - على الغسل من التقاء الختانين المبيّن - لقوله تعالى -: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وغير ذلك مما جرى فيه إجماعهم. "وهل يكون" دليلا شرعيّا و"حجّة ما قد صدر" عنهم "من غير" وجود "إجماع لهم" عليه؟ هذا العلماء لهم "فيه نظر" وبحث

стр. 833

٢١٥١ - لَكِنَّ الاعْتِمَادَ فِي الْبَيَانِ … عَلَيْهِمُ يَعْضُدُهُ أَمْرَانِ ٢١٥٢ - عِلْمُهُمْ بِمُقْتَضَى اللِّسَانِ … مِنْ جِهَةِ الأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِ ٢١٥٣ - وَكَوْنُهُمْ مُبَاشِرِي الْوَقَائِعِ … مُشَاهِدِي الْوَحْيِ بِكُلِّ وَاقِعِ ٢١٥٤ - فَهُمْ لِذَيْنِ أَقْعَدُ الْبَرِيَّهْ … بِالْفَهْمِ لِلْقَرَائِنِ الْحَالِيَّهْ ٢١٥٥ - فَحَيْثُ جَاءَ عَنْهُمْ تَبْيِينُ … حُكْمٍ فَالاتِّبَاعُ مُسْتَبِينُ ٢١٥٦ - وَانْظُرْ لِمَالِكٍ فَإنَّهُ اعْتَبَرْ … فِي مُقْتَضَى السُّنَّةِ تَبْيِينَ الأَثَرْ وتفصيل، فجرى في شأنه اختلافهم لذلك. "لكن" الصحيح هو "الاعتماد في البيان" مطلقا "عليهم" لأنّ ذلك يرجّحه و"يعضده" أي يقوّيه "أمران": أحدهما: "علمهم" الصّحيح المتين "بمقتضى" ومدلول "اللّسان" العربيّ "من جهة" دلالة "الألفاظ" اللّغوية "و" من جهة ما قد يقصد بها من "المعانِـ"ــي المجازيّة وغيرها، وذلك لأنّهم عرب فصحاء، لم تتغيّر ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم. فهم أعرف في فهم الكتاب والسنّة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول، أو عمل واقع موقع البيان صحّ اعتماده من هذه الجهة. "و" الثاني "كونهم مباشري" ومتولّي "الوقائع" والأحداث - النّوازل - التي تنزل بهم، فكانوا لذلك أعلم من غيرهم بحقائقها، وكذلك كونهم "مشاهدي" تنزيل "الوحي بكلّ" نصّ "واقع" نزوله، والخطاب به، سواء كان من الكتاب أو من السنّة. "فهم لـ" أجل "ذين" الأمرين اللّذين امتازوا هم بهما "أقعد" أي أولى وأجدر "البريّة" أي النّاس "بالفهم" والبيان للنّصوص الشّرعيّة، وذلك أن هذين الأمرين متضمنان "لـ" ما لا تحمله الألفاظ، ولا تدلُّ عليه بدلالتها المعروفة وهو "القرائن الحالية" التي تصحب النّوازل وأهلها، وتضمر في الكلام عادة، ومنها: أسباب التّنزيل، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن أخبر بالخبر، فما راء كمن سمع وبذلك. "فـ" إنّه "حيث جاء" وورد "عنهم تبيين حكم" كتقييد مطلق أو تخصيص عامّ، أو تبيين معنى لفظ تعلّق به حكم شرعيّ "فالاتباع" في ذلك كلّه لهم رجحانه وصحّته أمر "مستبين" ظاهر، وقد أخذ بعض العلماء بهذا في مجاري تفقّههم في النّصوص الشّرعيّة، "و" في هذا الشّأن "انظر لمالك" - رحمه الله تعالى - "فإنّه" في موطّئه قد "اعتبر في "فهم ومعرفة "مقتضى" ومعنى ألفاظ "السّنّة" النّبويّة ما أفاده ودلّ عليه "تبيين" وتفسير "الأثر" المنقول عن الصّحابة، فكان يعتمد على ذلك في بيان السّنن، وما يعمل به منها، وما لا يعمل به

стр. 834

٢١٥٧ - هَذَا إِذَا لَمْ يُلْفَ مِنْ خِلَافِ … وَالإِجْتِهَادُ عِنْدَهُ يُوَافِي ٢١٥٨ - كَذَاكَ مَا يَكُونُ لَا يَفْتَقِرُ … لِذَيْنِكَ الأَمْرَيْنِ فِيهِ يُنْظَرُ ٢١٥٩ - وَهَوَ مَحَلُّ الْخُلْفِ فِي التَّقْلِيدِ … لَهُمْ وَلَكِنْ مَعَ ذَا التَّقْيِيدِ " المسألة الثانية عشرة " ٢١٦٠ - وَإِنَّ الإِجْمَالَ لَغَيْرُ وَاقِع … فِي الشَّرْع بِالنُّصُوصِ فِي مَوْاضِعِ منها، وما يقيّد به مطلقاتها. و"هذا" إنّما يصار إليه في بيان الصّحابة "إذا لم يلف" أي يوجد ما يقدح في حجّيته "من خلاف" منقول عنهم في ذلك، فإن نقل عن أحد منهم خلاف في ذلك فإن النّظر "والاجتهاد" في المسألة "عنده" أي يعني عند حصول هذا الخلاف هو الذي "يوافي" أي يأتي، فيكون هو المصير إليه حينئذ، عوضا عمّا نقل عن الصّحابة في ذلك من رأي. "كذاك" لا يؤخذ بذلك الذي نقل عن الصّحابة من رأي في "ما" أي في الذي "يكون" من المواضع موضع اجتهاد، وبذلك فهو "لا يفتقر" أي يحتاج "لذينك الأمرين" المذكورين، وإنّما يبحث "فيه" و"ينظر" في شأنه لبيان الحكم الفقهيّ بسبيل الإجتهاد، والنّظر الفقهيّ - كما تقدّم ذكره -، لأنّ الصّحابة ومن سواهم في ذلك سواء، وذلك كمسألة العول، والوضوء من النّوم وكثير من مسائل الرّبا التي قال فيها عمر بن الخطاب: مات رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا آية الرّبا، فدعوا الرّبا والرّيبة، أو كما قال. ومن أهل العلم من يأخذ بقول الصّحابي ورأيه، في مثل هذه المسائل، ومنهم من ليس كذلك، وإنّما يأخذ في ذلك بالنّظر والإجتهاد، "و" بذلك فإن هذا المحلّ "هو محلّ الخلف" كذلك بيّن العلماء على الوجه المذكور، وهو مبني على الخلف الجاري "في" صحّة "التّقليد لهم" أي الصّحابة واتّخاذ رأيهم دليلا شرعيّا، وليس هذا الخلف فيما تقدّم أنّ بيانهم فيه حجّة "ولكن" هذا - الخلف - إنّما يحصل "مع ذا التّقييد" المذكور وهو كون المحلّ محلّ اجتهاد، ونظر، وقع الخلف بينهم - أي الصّحابة -. "المسألة الثانية عشرة" في أنّ الإجمال في الشّريعة إمّا أنّه متعلّق بما لا ينبني عليه تكليف، وإمّا أنّه غير وارد فيها. "و" في بيان ذاك يقال: "إن الإجمال" وهو انبهام المعنى "لـ" شيء "غير واقع" وروده "في"نصوص هذا "الشّرع" العظيم. وهذا أمر قد ثبت تقريره "بالنّصوص" الشّرعيّة الواردة "في مواضع" والتي دلّت على ذلك، ومنها قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

стр. 835

٢١٦١ - أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَا لَا يَنْبَنِي … عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ لِأَمْرٍ بَيِّنِ ٢١٦٢ - وَذَاكَ مَا يَلْزَمُ مِنْ تَكْلِيفِ مَا … لَيْسَ يُطَاقُ وَامْتِنَاعُهُ سَمَا ٢١٦٣ - إِذْ لَيْسَ بِالْجَائِزِ فِي الْبَيَانِ … تَأْخِيرُهُ عَنْ حَاجَةِ الإِنْسَانِ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقوله - سبحانه - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله - تعالى - ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وقوله سبحانه - ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ٣] وإنّما كان هدى لأنّه مبيّن، والمجمل لا يقع به بيان، وكلّ ما في هذا المعنى من الآيات وفي الحديث "تركتكم على البيضاء: ليلها كنهارها" وفيه "تركت فيكم اثنين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنّتي" ويصحّح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ويدلّ على أنّهما بيانٌ لكلّ مشكل، وملجأٌ من كلّ معضل، وفي الحديث "ما تركت شيئا ممّا أمركم الله به إلّا وقد أمرتكم به ولا تركت شيئا ممّا نهاكم الله عنه إلّا وقد نهيتكم عنه" وهذا المعنى كثير فإن كان في القرآن شيء مجمل فقد بيّنته السنّة كبيانه للصّلوات الخمس في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها وللزّكاة ومقاديرها وأوقاتها وما تخرج منه من الأموال وللحجّ إذ قال خذوا عنّي مناسككم وما أشبه ذلك ثمّ بين ﵊ ما وراء ذلك ممّا لم ينصّ عليه في القرآن والجميع بيان منه ﵊ … (١). فإذا ثبت هذا فكلّ ما ورد في النّصوص الشّرعية وهو ممّا دلّ على مكلّف به فإنّه لا يكون إلّا محكما مبيّنا، فإن وجد فيها شيء ممّا هو مجمل فإنّه متّصل "أو متعلّق بما لا ينبني عليه تكليف" عملي، أو عقدي، وذلك "لأمر" يقتضي ذلك "بيّن" ظاهر "وذاك" الأمر هو "ما يلزم من" ذلك من "تكليف ما ليس يطاق و "هو أمر "امتناعه" هو القول الذي صحّ شرعا و"سما" رجحانه "إذْ ليس بالجائز" السّائغ "في" شأن "البيان" لما وقع به التّكليف "تأخيره" أي البيان "عن" وقت زمان "حاجة الإنسان" إليه. وهذا موضع قد تقدّم ذكره في مجاري الكلام على المتشابه والمحكم.

стр. 836

الطرف الثاني: في الأدلة على التفصيل ٢١٦٤ - أَدِلَّة الشَّرْعِ عَلَى التَّفْصِيلِ … أَرْبَعَةٌ بِنِسْبَةِ التَّأْصِيلِ ٢١٦٥ - أَوَّلُهَا الْكِتَابُ ثمَّ السُّنَّهْ … فَالرَّأْيُ وَالإِجْمَاعُ بَعْدَهنَّهْ ٢١٦٦ - وَقَدْ مَضَى فِي الرَّأْيِ وَالإِجْمَاعِ … رَدُّهُمَا لِقِسْمِ ذِي السَّمَاعِ ٢١٦٧ - فَلْنَقْتَصِرْ لِأَجْلِ ذَا مِنْهُنَّهْ … عَلَى الْكِتَابِ مُرْدَفًا بِالسُّنَّهْ " الطرف الثاني" من الطرفين اللذين ذكر أن النظر يتعلق بهما، وهو معقود "في"ذكر "الأدلة" الشرعية "على التفصيل" بحيث يذكر كل دليل منها على حدة. وفي ذلك يقال: "أدلة" الأحكام المنصوبة في "الشرع" لتؤخذ منها تلك الأحكام "على التفصيل" هي "أربعة" وذلك "بنسبة" أي اعتبار اتصافها بوصف "التأصيل" أي كونها أصولا عامة. "أولها: الكتاب" العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "ثم السنة" النبوية "فالرأي" - أي القياس "والإجماع بعد" ذلك، فهذه "هذه" - الهاء للسكت والترتيب - هنا - بين الرأي والإجماع لفظي، إذ الإجماع مقدم على الرأي في القوة الحجية، كما لا يخفى. "وقد مضى في" شأن "الرأي" أي القياس "والإجماع" على أنهما ليسا أصلين مستقلين في إفادة الأحكام الفقهية، إذ قد ثبت "ردهما لقسم" النص "ذي السماع" وهو نص الكتاب والسنة، إذ هما ليسا بحجة شرعية إلا بهما، ثم قصارى أمرهما الدلالة على ثبوت ما دلا عليه من حكم في النص الشرعي الذي هو في حقيقة الأمر دليل كل حكم شرعي على الإطلاق. وإذا تقرر هذا "فلنقتصر لأجل ذا" الذي تقدم ذكره من رد الدليلين المذكورين إلى الكتاب والسنة "منهنه" أي الأدلة المذكورة على الحديث والكلام "على الكتاب" العزيز "مردفا" أي متبعا "بـ" الكلام على "السنة". والله ولي التوفيق.

стр. 837

الدليل الأول: الكتاب وفيه مسائل: " المسألة الأولى " ٢١٦٨ - إِنَّ كِتَابَ اللهِ أُسُّ الْحِكْمَهْ … وَمَطْلَعُ الْهَدْى وَمَجْلَى الرَّحْمَهْ ٢١٦٩ - وَعُمْدَةُ الشَّرْعِ وَأَصْلُ الْمِلَّهْ … وَمَنْشَأُ الأَحْكَامِ وَالأدِلَّهْ ٢١٧٠ - وَءَايَةُ التَّصْدِيقِ بِالرِّسَالَهْ … وَالْمَلْجَأُ الْمُنْجِي مِنَ الضَّلَالَهْ ٢١٧١ - فَوَاجِبُ الْمَعْنِيِّ بِالشَّرِيعَهْ … لُزُومُهُ فِي قَصْدِهِ ذَرِيعَهْ " الدليل الأول: الكتاب وفيه" يعني في سبيل الكلام عليه المقصود - هنا - نورد "مسائل" وهي أربع عشرة مسألة. "المسألة الأولى" منها في التذكير بـ "أن كتاب الله" تعالى: القرآن الكريم - هو "أس" - بضم الهمزة - أي أساس وينبوع "الحكمة" أي الإصابة في القول والعمل، والتزام سلوك الصراط المستقيم على بصيرة، "و" كذلك هو "مطلع" محل طلوع وبزوغ "الهدى" والرشاد على النفوس والعقول "و" هو أيضا "مجلى" بفتح الميم أي محل جلو وظهور "الرحمة" الربانية التي بها يرتفع العذاب والعقاب عن الخلق، "و" هو كذلك "عمدة" وأساس "الشرع" إذ كل ما احتوى عليه من علوم ومعارف، إنما هي من هذا الكتاب العزيز في واقع الأمر، "و" هو - أيضا - "أصل" هذه "الملة" الإسلامية، لأن قيامها إنما هو به "و" هو كذلك "منشأ" أي محل نشوء وظهور ما جاء من "الأحكام" الشرعية "و" أتى من رب العالمين من "الأدلة و "هو كذلك "أية" أي معجزة الخالق - سبحانه - القائدة إلى "التصديق" والإيمان "بالرسالة" الإسلامية هذه، "و" هو "الملجأ" الذي يلجأ - أي يهرب - إليه عند نزول الشدائد ووقوع المحن، والفتن، وهو كذلك "المنجي" المنقذ "من الضلالة" في أمور الدين والدنيا، وهو - أيضا - نور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، كما أنه لا نجاة بغيره. وهذا كله لا يحتاج إلى أي تقرير، أو استدلال عليه، لأنه معلوم من هذا الدين بالضرورة. وإذا علم هذا كله في شأن هذا الكتاب العزيز "فواجب" وفرض "المعني" المهتم "بالشريعة" يعني بفهمها والعلم بأحكامها ومضامينها المختلفة هو "لزومه" أي لزوم الكتاب نظرا، وتدبرا، "في قصده" لذلك الفهم والعلم وجعله وسيلة و"ذريعة" لذلك

стр. 838

٢١٧٢ - مُتَّخِذًا ءَايَاتِهِ سَمِيرَا … وَجَاعِلًا تَرْدَادَهُ هِجِّيرَا ٢١٧٣ - بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَا تَدَرُّبِ … فِيمَا يُهِمُّ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ ٢١٧٤ - وَلْيَعْضُدِ الْعِلْمَ بِهِ بِالْعَمَلِ … بِمُقْتَضَاهُ فَهْوَ قَصْدٌ أَوَّلِي ٢١٧٥ - وَلْيَسْتَعِنْ بِالسُّنَّةِ الْمُبَيَّنَهْ … فِي فَهْمِهِ فَهْيَ لَهُ مُبَيِّنَهْ ٢١٧٦ - أَوْ لَا فَقَوْلُ سَابِقِي الأئِمَّهْ … يَكْفِيهِ فِيمَا رَامَهُ وَأَمَّهْ ٢١٧٧ - وَهْوَ وَإِنْ أَعْجَزَ كُلَّ الْعَرَبِ … جَارٍ عَلَى نَهْجِ اللِّسَانِ الْعَرَبِي ٢١٧٨ - لِذَاكَ لَمْ يُخْرِجْهُ فِي الأَحْكَامِ … إِعْجَازُهُ عَنْ مَدْرَكِ الأَفْهَامِ " متخذا" ومصيرا "آياته" الكريمة "سميرا" أي جليسه ليلا، وأنيسه على الإطلاق، "وجاعلا ترداده" وتكراره "هجيرا" أي عادته التي لا ينفك متلبسا بها فإذا تحلى بهذا والتزم به أدرك من ذلك بغيته، ونال مراده، لكن "بشرط أن يكون ذا" أي صاحب "تدرب" وملكة معرفية "فيما يهم" ويحتاج إليه في هذا الشأن "من لسان العرب"، ولغتهم. "وليعضد" أي يقوى "العلم به" أي بما ذكر من العلم الشرعي "بالعمل بمقتضاه" ومتضمنه "فـ" هذا العمل "هو قصد" ومراد "أولي" وأساسي في طلب تحصيل هذا العلم، وإدراكه. "وليستعن" أي يطلب الإعانة "بالسنة" النبوية "المبينة" - بفتح الياء - أي الموضحة المعلومة المعنى المفسرة "في فهمه" أي القرآن الكريم "فهي له مبينة" - بكسر الياء - أي مفسرة، كما تقدم تقريره وبيانه، فإن لم يظفر بذلك "أو لا" يفهمه "فقول سابقي الأئمة" - فيه إضافة الصفة للموصوف - أي الأئمة السابقين من السلف الصالح والخلف التابع لهم بإحسان إلى يوم الدين "يكفيه" ويرشده "فيما رامه" أي قصده "وأمه" من فهم وعلم لنصوص هذا الكتاب، وآياته "وهو "أي هذا الكتاب "وإن" كان قد "أعجز كل العرب" وتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فإنه في أسلوبه وطريقة بناء الكلام فيه "جار" صوغه "على نهج" وطريق أساليب وتراكيب "اللسان العربي" وهذا أمر قد تقدم بيانه، "لذاك" وهو كونه جاريا على هذه الأساليب والتراكيب "لم يخرجه في" شأن "الأحكام إعجازه" هذا "عن مدرك" أي إدراك "الأفهام" له.

стр. 839

٢١٧٩ - وَذَا مِنَ الإِعْجَازِ وَجْهٌ مُعْتَلِ … وَالنَّصُّ فِي الأَمْرَيْنِ ثَابِتٌ جَلِى " المسألة الثانية " ٢١٨٠ - مَعْرِفَة الأسْبَابِ لِلتَّنْزِيلِ … مُفِيدَةٌ أَكِيدَةُ التَّحْصِيلِ ٢١٨١ - فَالْعِلْمُ بِالْبَيَانِ وَالْمَعَانِي … وَهْوَ يُرِى الإِعْجَازَ فِي الْقُرْءَانِ " وذا" الأمر نفسه "من الإعجاز وجه" وضرب "معتل" رفيع، إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان والمعاني والأساليب، وهو مفهوم، معقول، ثم لا يقدر البشر على الإتيان بسورة مثله، ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرا "والنص" القرآني الوارد "في" هذين "الأمرين" المذكورين وهما: كونه - أي القرآن - معجزا، وكونه ميسرا للفهم، والذكر نص "ثابت" على قطع "جلي" واضح معناه. فقد قال الله - تعالى - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (١) قال - سبحانه - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ (٢). وقال - جلت قدرته -: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) - وقال - تعالى - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (٤)، وعلى أي وجه فرض إعجازه فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقل معانيه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ (٥) فهذا يستلزم إمكان الوصول إلى التدبر والتفهم، وكذلك ما كان مثله وهو ظاهر (٦). "المسألة الثانية" في أن معرفة أسباب التنزيل لازمة ومؤكد الاطلاع عليها لمن أراد علم القرآن وبيان ذلك أن "معرفة الأسباب" الموجبة بإذن الله - تعالى - "للتنزيل" لآيات القرآن الكريم هي معرفة "مفيدة" في فهم هذه الآيات والمعنى المراد بها على التحقيق، وهي "أكيدة التحصيل" لها والدليل على ذلك أمران: "فـ" أحدهما هو أن "العلم بالبيان" وهو - بإيجاز - مطابقة الكلام للمعنى المراد به، "والمعاني" وهو معرفة مطابقة القول للحال "وهو "الذي "يري" - بضم الياء - من أراه الشيء إذا أعلمه إياه - وجوه ودلائل - "الإعجاز" الذي "في" كل آية من آي "القرآن" إنما

стр. 840

٢١٨٢ - حَاصِلُهُ مَعْرِفَةُ الْخِطَابِ … بِمُقْتَضَى الأَحْوَالِ وَالأسْبَابِ ٢١٨٣ - مِنْ حَيْثُ مَا يَرْجِعُ لِلْمُخَاطِبِ … أَوْ لِلْخِطَابِ أَوْ إِلَى الْمُخَاطَبِ ٢١٨٤ - أَوْ لِلْجَمِيعِ فَلِكُلِّ مَا قُصِدْ … فِيهِ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ اعْتُمِدْ ٢١٨٥ - إِذِ الْكَلَامُ حُكْمُهُ يَخْتَلِفُ … بِمَا إِلَى حَالَاتِهِ يَتَّصِفُ ٢١٨٦ - كمِثْلِ الاسْتِفْهَامِ لَفْظٌ وَاحِدُ … تَدْخُلُهُ مِنْ أَجْلِهَا مَقَاصْد ٢١٨٧ - كَالزَّجْرِ وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّنْبِيهِ … وَمَا بِسَاطُ الْحَالِ يَقْتَضِيهِ " حاصله" ومتضمنه "معرفة" صور "الخطاب" التي تتمايز "بمقتضى" وموجب "الأحوال" المختلفة الآتي بيانها "والأسباب" التي تكون الخطابات مسبباتها المصوغة على وفقها كما يدل على ذلك واقع الحال. وتلك الأحوال تتباين وتتمايز "من حيث مما يرجع" منها "للمخاطب" - بكسر الطاء - أي المتكلم، فحال كل متكلم مراعاة في صوغ كلامه بل عليها المدار في ذلك "أو" من حيث ما يرجع "للخطاب" نفسه، فإنه يختلف بمقتضى سياقه والمراد به "أو" - من حيث ما يرجع "للمخاطب" - بفتح الطاء - أي الموجه إليه ذلك الخطاب، فمراعاة شأنه أمر ينبني عليه صوغ الكلام، وبناؤه "أو" من حيث ما يرجع "للجميع" أي جميع ما ذكر، "فلكل" منه "مما" نوى منه و"قصد فيه" من معان ومقتضيات، ولهذا "فإنه" أي العلم بما ذكر من الأحوال والأسباب "لعلم اعتمد" عليه في فهم مضامين الكلام ومعانيه، ويقصد إدراكه لذلك "إذ الكلام" - كما يدل على ذلك واقع الحال - "حكمه" ومقتضاه ومعناه "يختلف بـ" اختلاف "ما" من الأمور ينسب "إلى حالاته" المذكورة و"يتصف" أي يستند، فالكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير هذا وذلك "كمثل الاستفهام" فإن لفظه "لفظ واحد" ولكن "تدخله من أجلها" أي هذه الأحوال والأسباب "مقاصد" ومعان مختلفة، وذلك "كالزجر" والردع "و" كذلك "التوبيخ والتنبيه" "و" غير ذلك من "ما بساط" - بكسر الباء - يعني سبب "الحال" أي حال الخطاب "يقتضيه" ويوجبه من حال معين. وكالأمر يدخله معنى الإباحة، والتهديد، والتعجيز، والتكوين، وغير ذلك من المعاني التي تخطى عددها ثلاثين معنى.

стр. 841

٢١٨٨ - فَالْفَهْمُ لِلْخِطَابِ بِاسْتِقْلَالِ … عُمْدَتُهُ مُقْتَضَيَاتُ الْحَالِ ٢١٨٩ - وَجَهْلُهَا يُوقِعُ فِي الإِشْكَالِ … وَاللَّبْسِ وَالإِبْهَامِ وَالإِجَمَالِ فإذا علم هذا، وتقرر أن اللفظ الواحد قد يدل على معان كثيرة بالاحتمال "فـ" إن "الفهم لـ" ما يدل عليه "الخطاب" من معنى مقصود به "باستقلال" وتفرد لا يتأتى على الوجه الصحيح من جهة ما قد يحتمله ويصلح للدلالة عليه من معنى، وإنما "عمدته" والوسيلة إليه "مقتضيات" وقرائن "الحال" الذي صيغ ذلك الخطاب على وفقه. "و" لذلك كان "جهلها" أي جهل هذه المقتضيات والأحوال "يوقع في" الخطإ في فهم المراد من الخطاب وفي "الإشكال" من جهة تعارض الاحتمالات في شأنه "واللبس" - بفتح اللام - هو أن يظهر خلاف المراد "والإبهام" للمعنى المقصود "و" هو "الاجمال" - بكسر الهمزة - ولذلك فإن البحث عما يدرأ هذا من معرفة القرائن الحالية والدلالات المضمرة في الكلام ومنها أسباب التنزيل، أمر ضروري، وعدم المبالاة بذلك مفض إلى الوقوع في الإشكالات والشبه، والإجمال، وذاك موجب للوقوع في الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع. ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي: "قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؛ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال، أعد عليّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه، وما قاله صحيح في الاعتبار، ويتبين بما هو أقرب. فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، أنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن. وروي أن مروان أرسل بوابه إلى ابن عباس، وقال قل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الآية؟ إنما دعا النبي ﷺ يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] إلى قوله - تعالى - ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فهذا السبب بين أن المقصود من الآية غير ما ظهر لمروان. والقنوت يحتمل وجوها من المعنى يحمل عليه قوله - تعالى -: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فإذا عرف السبب تعين المراد. وروي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر، فقال: إن قدامة شرب فسكر" (١). "فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة إني جالدك قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: ولم؟ قال لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الخ فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. وفي رواية فقال: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله. فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال: إن الله يقول في كتابه ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] إلى آخر الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِر﴾ [المائدة: ٩٠] ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى. فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر. قال عمر: صدقت، الحديث. وحكى إسماعيل القاضي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية قال فكتب فيهم إلى عمر، قال فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إليّ قبل أن يفسدوا

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من قبلك. فلما أن قدموا على عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين نرى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، إلى آخر الحديث. ففي الحديثين بيان أن الغفلة عن أسباب التنزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات. وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال، تركت في المسجد رجلا يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قال؛ يأتي الناس يوم القيامة دخان، فيأخذ بأنفاسهم، حتى يأخذهم كهيئة الزكام. فقال: ابن مسعود: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل "الله أعلم" فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: "الله أعلم" إنما كان هذا لأن قريشا استعصوا على النبي ﷺ . دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ [الدخان: ١٠] الآية إلى آخر القصة" (١). "وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل، بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات، وتوجه الإشكالات، وقد قال ﵊: "خذوا القرآن من أربعة" منهم عبد الله بن مسعود، وقد قال في خطبة خطبها: والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال في حديث آخر: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت؟ ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت؟ ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه. وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن. وعن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وما أراد بها؟ وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله، وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؟ وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير" (٢).

стр. 844

٢١٩٠ - وَحَيْثُ لَا سَبَبَ لِلتَّنْزِيلِ … يَخْتَصُّ بِالْمَعْنَى عَلَى التَّفْصِيلِ ٢١٩١ - يَرْجِعُ لاتِّبَاعِ عَادَاتِ الْعَرَبْ … وَمَالَهَا قَوْلًا وَقَصْدًا انْتَسَبْ ٢١٩٢ - وَذَاكَ مِمَّا يُوضِحُ الْمَعَانِي … وَيَرْفَعُ الإِشْكَالَ بِالْبَيَانِ ٢١٩٣ - فِي كُلِّ مَا جَاءَ مِنَ الآيَاتِ … وَمُقْتَضَاهُ مُفْهِمُ الْجِهَاتِ قد علم مما تقدم أن القرائن الحالية - ومنها أسباب التنزيل - هي التي بها قد يحصل ويدرك فهم الخطاب الشرعي على الوجه الصحيح، لكن هذه الأسباب إنما تطلب حيث وردت، ويستضاء بها حيث وجدت "و" أما "حيث لا سبب" معلوم "للتنزيل" لنص ما "يختص بالمعنى" الذي دل عليه ذلك النص "على التفصيل" البين فإنه "يرجع" من أجل معرفة معنى ذلك النص والمراد به "لاتباع" ما جرت عليه "عادات العرب وما لها" من أعراف قد عزى "قولا" يعني في أقوالها "وقصدا" يعني وفي قصدها بتلك الأقوال، و"انتسب" لها زمان التنزيل ولا يعتد بما خالف ذلك وإن جرى عليه الناس في كلامهم بعد ذلك، فمعاني الألفاظ في زمان النبوة هي المعتبرة في فهم الخطاب الشرعي، "وذاك" وهو اتباع ما ذكر "مما يوضح" أي يبين ويفسر "المعاني" المتضمنة المنطوى عليها ذلك الخطاب "ويرفع الإشكال" العارض فيه بمقتضى الاحتمالات الواردة في ألفاظه، ويزيله "بالبيان" الذي يثمره، ويفيده وذلك يجري "في كل ما جاء" في الكتاب العزيز "من الآيات" البينات "ومقتضاه" أي معناه ومدلوله "مفهم" ومبين "الجهات" الفقهية التي يدل منها على الأحكام الفقهية التي يدل عليها، فإنه يصار في فهم معناه إلى ما تقدم ذكره من اتباع عادات العرب. ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) فإنه نقل عن أبي يوسف: أن ذلك في الشرك، لأنهم كانوا حديثي عهد بالكفر، فيريد أحدهم التوحيد، فيهم ويخطئ بالكفر، فعفا لهم عن ذلك، كما عفا لهم عن النطق بالكفر عند الإكراه. قال: فهذا على الشرك، ليس على الأيمان في الطلاق والعتاق، والبيع، والشراء، لم تكن الأيمان بالطلاق والعتاق في زمانهم.

стр. 845

٢١٩٤ - وَغَيْرُهُ يَجْرِي كهَذَا الْمَجْرَا … مِثْلُ أَتِمُّوا الحَجَّ رَبَّ الشِّعْرَا " المسألة الثالثة " " و" كذا "غيره" مما ورد وهو لا يفهم كل الجهات المذكورة، فإنه - كذلك - "يجرى كهذا المجرى" وهو اتباع العرب في فهمه، وذلك "مثل" قوله - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإنه أمر بالإتمام دون الأمر بأصل الحج، لأنهم كانوا قبل الإسلام آخذين به، لكن على تغيير بعض الشعائر، ونقص جملة منها، كالوقوف بعرفة، وأشباه ذلك مما غيروا فجاء الإسلام بالإتمام لذلك، وإنما جاء إيجاب الحج نصا في قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإذا عرف هذا تبين هل في الآية دليل على إيجاب الحج والعمرة أم لا؟ ومنه - أيضا - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ [النجم: ٤٩] فعين هذا الكوكب لكون العرب عبدته، وهم خزاعة، ابتداع لهم ذلك أبو كبشة ولم تعبد العرب من الكوكب غيرها، فلذلك عينت، "وقد يشارك القرآن في هذا المعنى السنة، إذ كثير من الأحاديث وقعت على أسباب، ولا يحصل فهمها إلا بمعرفة ذلك. ومنه أنه نهى ﵊ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فلما كان بعد ذلك قيل لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم، ويحملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية، فقال: وما ذاك، قالوا نهيت عن لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال ﵊: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا" ومنه حديث التهديد بإحراق البيوت لمن تخلف عن صلاة الجماعة، فإن حديث ابن مسعود يبين أنه بأهل النفاق، بقوله: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق (١). "وحديث الأعمال بالنيات واقع عن سبب، وهو أنهم لما أمروا بالهجرة هاجر ناس للأمر، وكان فيهم رجل هاجر بسبب امرأة أراد نكاحها تسمى أم قيس، ولم يقصد مجرد الهجرة للأمر، فكان بعد ذلك يسمى: مهاجر أم قيس، وهو كثير" (٢). "المسألة الثالثة" في إن ما حكى القرآن ولم يرد رده فيه يعد مقبولا وصحيحا شرعا. وما رده بعد ما حكاه فإنه باطل قطعا.
следующие страницы →