← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٢١٨٨ - فَالْفَهْمُ لِلْخِطَابِ بِاسْتِقْلَالِ … عُمْدَتُهُ مُقْتَضَيَاتُ الْحَالِ ٢١٨٩ - وَجَهْلُهَا يُوقِعُ فِي الإِشْكَالِ … وَاللَّبْسِ وَالإِبْهَامِ وَالإِجَمَالِ فإذا علم هذا، وتقرر أن اللفظ الواحد قد يدل على معان كثيرة بالاحتمال "فـ" إن "الفهم لـ" ما يدل عليه "الخطاب" من معنى مقصود به "باستقلال" وتفرد لا يتأتى على الوجه الصحيح من جهة ما قد يحتمله ويصلح للدلالة عليه من معنى، وإنما "عمدته" والوسيلة إليه "مقتضيات" وقرائن "الحال" الذي صيغ ذلك الخطاب على وفقه. "و" لذلك كان "جهلها" أي جهل هذه المقتضيات والأحوال "يوقع في" الخطإ في فهم المراد من الخطاب وفي "الإشكال" من جهة تعارض الاحتمالات في شأنه "واللبس" - بفتح اللام - هو أن يظهر خلاف المراد "والإبهام" للمعنى المقصود "و" هو "الاجمال" - بكسر الهمزة - ولذلك فإن البحث عما يدرأ هذا من معرفة القرائن الحالية والدلالات المضمرة في الكلام ومنها أسباب التنزيل، أمر ضروري، وعدم المبالاة بذلك مفض إلى الوقوع في الإشكالات والشبه، والإجمال، وذاك موجب للوقوع في الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع. ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي: "قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؛ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال، أعد عليّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه، وما قاله صحيح في الاعتبار، ويتبين بما هو أقرب. فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، أنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن. وروي أن مروان أرسل بوابه إلى ابن عباس، وقال قل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الآية؟ إنما دعا النبي ﷺ يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] إلى قوله - تعالى - ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فهذا السبب بين أن المقصود من الآية غير ما ظهر لمروان. والقنوت يحتمل وجوها من المعنى يحمل عليه قوله - تعالى -: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فإذا عرف السبب تعين المراد. وروي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر، فقال: إن قدامة شرب فسكر" (١). "فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة إني جالدك قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: ولم؟ قال لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الخ فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. وفي رواية فقال: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله. فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال: إن الله يقول في كتابه ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] إلى آخر الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِر﴾ [المائدة: ٩٠] ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى. فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر. قال عمر: صدقت، الحديث. وحكى إسماعيل القاضي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية قال فكتب فيهم إلى عمر، قال فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إليّ قبل أن يفسدوا

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من قبلك. فلما أن قدموا على عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين نرى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، إلى آخر الحديث. ففي الحديثين بيان أن الغفلة عن أسباب التنزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات. وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال، تركت في المسجد رجلا يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قال؛ يأتي الناس يوم القيامة دخان، فيأخذ بأنفاسهم، حتى يأخذهم كهيئة الزكام. فقال: ابن مسعود: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل "الله أعلم" فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: "الله أعلم" إنما كان هذا لأن قريشا استعصوا على النبي ﷺ . دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ [الدخان: ١٠] الآية إلى آخر القصة" (١). "وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل، بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات، وتوجه الإشكالات، وقد قال ﵊: "خذوا القرآن من أربعة" منهم عبد الله بن مسعود، وقد قال في خطبة خطبها: والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال في حديث آخر: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت؟ ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت؟ ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه. وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن. وعن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وما أراد بها؟ وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله، وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؟ وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير" (٢).

стр. 844

٢١٩٠ - وَحَيْثُ لَا سَبَبَ لِلتَّنْزِيلِ … يَخْتَصُّ بِالْمَعْنَى عَلَى التَّفْصِيلِ ٢١٩١ - يَرْجِعُ لاتِّبَاعِ عَادَاتِ الْعَرَبْ … وَمَالَهَا قَوْلًا وَقَصْدًا انْتَسَبْ ٢١٩٢ - وَذَاكَ مِمَّا يُوضِحُ الْمَعَانِي … وَيَرْفَعُ الإِشْكَالَ بِالْبَيَانِ ٢١٩٣ - فِي كُلِّ مَا جَاءَ مِنَ الآيَاتِ … وَمُقْتَضَاهُ مُفْهِمُ الْجِهَاتِ قد علم مما تقدم أن القرائن الحالية - ومنها أسباب التنزيل - هي التي بها قد يحصل ويدرك فهم الخطاب الشرعي على الوجه الصحيح، لكن هذه الأسباب إنما تطلب حيث وردت، ويستضاء بها حيث وجدت "و" أما "حيث لا سبب" معلوم "للتنزيل" لنص ما "يختص بالمعنى" الذي دل عليه ذلك النص "على التفصيل" البين فإنه "يرجع" من أجل معرفة معنى ذلك النص والمراد به "لاتباع" ما جرت عليه "عادات العرب وما لها" من أعراف قد عزى "قولا" يعني في أقوالها "وقصدا" يعني وفي قصدها بتلك الأقوال، و"انتسب" لها زمان التنزيل ولا يعتد بما خالف ذلك وإن جرى عليه الناس في كلامهم بعد ذلك، فمعاني الألفاظ في زمان النبوة هي المعتبرة في فهم الخطاب الشرعي، "وذاك" وهو اتباع ما ذكر "مما يوضح" أي يبين ويفسر "المعاني" المتضمنة المنطوى عليها ذلك الخطاب "ويرفع الإشكال" العارض فيه بمقتضى الاحتمالات الواردة في ألفاظه، ويزيله "بالبيان" الذي يثمره، ويفيده وذلك يجري "في كل ما جاء" في الكتاب العزيز "من الآيات" البينات "ومقتضاه" أي معناه ومدلوله "مفهم" ومبين "الجهات" الفقهية التي يدل منها على الأحكام الفقهية التي يدل عليها، فإنه يصار في فهم معناه إلى ما تقدم ذكره من اتباع عادات العرب. ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) فإنه نقل عن أبي يوسف: أن ذلك في الشرك، لأنهم كانوا حديثي عهد بالكفر، فيريد أحدهم التوحيد، فيهم ويخطئ بالكفر، فعفا لهم عن ذلك، كما عفا لهم عن النطق بالكفر عند الإكراه. قال: فهذا على الشرك، ليس على الأيمان في الطلاق والعتاق، والبيع، والشراء، لم تكن الأيمان بالطلاق والعتاق في زمانهم.

стр. 845

٢١٩٤ - وَغَيْرُهُ يَجْرِي كهَذَا الْمَجْرَا … مِثْلُ أَتِمُّوا الحَجَّ رَبَّ الشِّعْرَا " المسألة الثالثة " " و" كذا "غيره" مما ورد وهو لا يفهم كل الجهات المذكورة، فإنه - كذلك - "يجرى كهذا المجرى" وهو اتباع العرب في فهمه، وذلك "مثل" قوله - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإنه أمر بالإتمام دون الأمر بأصل الحج، لأنهم كانوا قبل الإسلام آخذين به، لكن على تغيير بعض الشعائر، ونقص جملة منها، كالوقوف بعرفة، وأشباه ذلك مما غيروا فجاء الإسلام بالإتمام لذلك، وإنما جاء إيجاب الحج نصا في قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإذا عرف هذا تبين هل في الآية دليل على إيجاب الحج والعمرة أم لا؟ ومنه - أيضا - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ [النجم: ٤٩] فعين هذا الكوكب لكون العرب عبدته، وهم خزاعة، ابتداع لهم ذلك أبو كبشة ولم تعبد العرب من الكوكب غيرها، فلذلك عينت، "وقد يشارك القرآن في هذا المعنى السنة، إذ كثير من الأحاديث وقعت على أسباب، ولا يحصل فهمها إلا بمعرفة ذلك. ومنه أنه نهى ﵊ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فلما كان بعد ذلك قيل لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم، ويحملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية، فقال: وما ذاك، قالوا نهيت عن لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال ﵊: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا" ومنه حديث التهديد بإحراق البيوت لمن تخلف عن صلاة الجماعة، فإن حديث ابن مسعود يبين أنه بأهل النفاق، بقوله: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق (١). "وحديث الأعمال بالنيات واقع عن سبب، وهو أنهم لما أمروا بالهجرة هاجر ناس للأمر، وكان فيهم رجل هاجر بسبب امرأة أراد نكاحها تسمى أم قيس، ولم يقصد مجرد الهجرة للأمر، فكان بعد ذلك يسمى: مهاجر أم قيس، وهو كثير" (٢). "المسألة الثالثة" في إن ما حكى القرآن ولم يرد رده فيه يعد مقبولا وصحيحا شرعا. وما رده بعد ما حكاه فإنه باطل قطعا.

стр. 846

٢١٩٥ - وَكُلُّ مَحْكِيٍّ لَدَى الْقُرْآنِ … رُدَّ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْبُطْلَانِ ٢١٩٦ - وَهْوَ كَثِيرٌ جَاءَ فِي ءَايَاتِ … وَالأَمْرُ فِيهِ وَاضِحُ الآيَاتِ " و" بيان ذلك أن "كل" أمر "محكيّ لدى" أي في "القرآن" الكريم "رد" من لدن الشارع فيه "فـ" إنه "لا إشكال" ولا نزاع "في البطلان" - الألف واللام بدل من الضمير - يعني في بطلانه سواء وقع رده قبل ذكره أو بعده، "وهو" أي هذا الرد "كثير" وروده، وقد "جاء في آيات" كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ٩١]، فأعقب بقوله - سبحانه - ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعَام: ٩١] الآية! وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعَام: ١٣٦] الآية. فوقع التنكيت على افتراء ما زعموا، بقوله ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعَام: ١٣٦]، وبقوله ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعَام: ١٣٦] ثم قال: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعَام: ١٣٨] إلى تمامه، ورد بقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعَام: ١٣٨] ثم قال: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ﴾ [الأنعَام: ١٣٩] الآية؟ فنبه على فساده بقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعَام: ١٣٩] زيادة على ذلك. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] فرد عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفُرقان: ٤] ثم قال: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النّحل: ٢٤] الآية! فرد بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفُرقان: ٦] الآية، ثم قال: وقال ﴿الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسرَاء: ٤٧] ثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ [الإسرَاء: ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا (٥)﴾ [ص: ٤، ٥] إلى قوله ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]؟ ثم رد عليهم بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ [ص: ٨] إلى آخر ما هنالك. وقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البَقَرَة: ١١٦] ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن كقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقوله ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البَقَرَة: ١١٦] وقوله ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يُونس: ٦٨] الآية! وقوله ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ [مَريم: ٩٠] إلى آخره، وأشباه ذلك، ومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذه يسير. "و" هذا "الأمر" المقرر هنا برهانه "واضح" أي بين ساطع "الآيات" - بكسر الهمزة - يعني إياته - أي نوره وضوءه - فالألف واللام فيه نابتا عن الضمير. هذا حكم هذا القسم - وهو الأول - وهو ما حكى القرآن ورد.

стр. 847

٢١٩٧ - وَكُلُّ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ رَدٌّ … فَهْوَ صَحِيحٌ وَبِهِ مُعْتَدٌّ ٢١٩٨ - دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ إِقْرَارُهُ … فَصَحَّ فِيمَا يَقْتَضِي اعْتِبَارُهُ ٢١٩٩ - إِذِ الْقُرْانُ شَأْنُهُ الْبَيَانُ … لِكُلِّ شَيْءٍ وَهْوَ الْفُرْفَانُ ٢٢٠٠ - وَذَاكَ يَأْبَى ذِكْرَ شَيْءٍ فِيهِ … غَيْرُ صَحِيحٍ دُونَ مَا تَنْبِيهِ ٢٢٠١ - وَأَنَّ ذَا الْقِسْمَ كَثِيرُ الأَمْثِلَهْ … مُجْمَلَةً جَاءَتْ وَغَيْرَ مُجْمَلَهْ ٢٢٠٢ - كَقِصَصَ الرُّسْلِ وَالأَنْبِيَاءِ … عَلَى اخْتِلَافِهَا وَالأوْلِيَاءِ ٢٢٠٣ - كَقِصَّةِ الْكَهْفِ وَمَا مَعْهَا ذُكِرْ … مِنْ أَمْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَوْ أَمْرِ الْخَضِرْ " وكل ما" حكى فيه و"ليس عليه" فيه "رد" وإبطال "فـ" إنه مقبول و"هو صحيح" شرعا، ومعتبر "وبه معتد" ومأخوذ بمقتضاه، "دل على" هذا الذي ذكر من قبوله شرعا و"صحته" وصدقه "إقراره" بعد حكايته فيه - "فصح" وثبت كونه دليلا شرعيا "فيما" يفيده من حكم و"يقتضيـ"ـه "اعتباره" من مقتضى. "إذ القرآن" الكريم "شأنه التبيان لكل شيء" كيفما كان "وهو الفرقان" الذي يقع به التفريق بين الحق والباطل، وهو البرهان والهدى، وحجة الله على الخلق على الجملة والتفصيل، والإطلاق، والعموم، "وذاك يأبى" مقتضاه ويمنع "ذكر" وورود "شيء فيه" أي في هذا الكتاب العزيز، وذلك الشيء باطل و"غير صحيح دون ما" أي من غير "تنبيه" أو بيان يدل على حكم ذلك وأنه غير صحيح. هذا هو حكم هذا القسم - وهو ما حكى وسكت عنه - وهو القسم الثاني. "و" اعلم "أن ذا القسم كثير الأمثلة" منها التي "مجملة" غير مفصلة "جاءت" ولا يعلم بيانها إلا قليل من الناس، "و" منها التي جاءت "غير مجملة" بل هي مبينة، مفصلة كآية الرد على محرفي الكلم عن مواضعه. ومن تلك الأمثلة الواردة في هذا القسم قصص أولي الأيدي والأبصار "كقصص الرسل والأنبياء على اختلافها" وما سيق من حجج وأدلة على التوحيد وشرائع الأمم السالفة وكل ما ورد فيها من حق، "و" كذا قصص "الأولياء" الصالحين التي تدل على تقواهم، وصلاحهم، وذلك "كقصة" أصحاب "الكهف وما معها ذكر" في سورتهم "من أمر" وخبر "ذي القرنين أو "- للتنويع - من "أمر" ونبأ "الخضر" مع موسى - عليه وعلى نبينا السلام -.

стр. 848

٢٢٠٤ - وَلاطِّرَادِ هَذَا الأْصْلِ اعْتَمَدَهْ … بَعْضٌ لِلاسْتِدْلَالِ فِيمَا قَصَدَهْ ٢٢٠٥ - كَمِثْلِ مَا اسْتَدَلَّ فِي وُقُوعِ … خِطَابِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِالْفُرُوعِ ٢٢٠٦ - بِقَوْلِهِ لَمْ نَكُ فِي الْمُدَّثِرِ … لِكَوْنِهِ مُقَرَّرًا لَمْ يُنْكَرِ " ولـ" أجل "اطراد هذا الأصل" وجريان مقتضاه بلا تخلف "اعتمده بعض" أهل العلم والنظار، "للاستدلال" والاحتجاج به "فيما" من الأحكام "قصده" يعني قصد إثباته. وكان مما يجري عليه حكم هذا الأصل ومقتضاه، وذلك "كمثل ما استدل" يعني استدلال جماعة من الأصوليين "في"يعني على "وقوع خطاب أهل الكفر بالفروع" الشرعية "بقوله" - تعالى -: ﴿لَمْ نَكُ﴾ [المدَّثِّر: ٤٣] " من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين الوارد "في" سورة "المدثر"، وإنما استدل بهذا القول وإن كان من كلام الكفار "لكونه مقررا" مسكوتا عنه "لم ينكر" بعد ذكره ص لدن الشارع إذ لو كان باطلا، لرد عند حكايته. ومن ذلك - أيضا - الاستدلال على أن أصحاب الكهف سبعة، وثامنهم كلبهم بأن الله - تعالى - لما حكى من قولهم بإنهم ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وأنهم ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أعقب ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا، ولما حكى قولهم ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لم يتبعه بإبطال، بل قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١) دل المساق على صحته دون القولين الأولين. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم. ورأيت منقولا عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن قول إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٢)؟ فقيل له أكان شاكا حين سأل ربه أن يريه آية؟ فقال: لا، وإنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان ألا تراه قال ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فلو علم شكا منه لأظهر ذلك، فصح أن الطمأنينة كانت على معنى الزيادة في الإيمان، بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ

стр. 849

٢٢٠٧ - كَذَاكَ لِلسُّنَّةِ فِيهِ مَدْخَلُ … إِذِ الرَّسُولُ بَاطِلًا لَا يَقْبَلُ ٢٢٠٨ - فَكُلُّ مَا يَرَاهُ أَوْ مَا يَسْمَعُهْ … مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْكِرَهُ نَتَّبِعُهْ ٢٢٠٩ - لَا كِنَّ مَا الْبُطْلَانُ فِيهِ بَيِّنُ … سُكُوتُهُ عُلَيْهِ مِمَّا يُمْكِنُ ٢٢١٠ - إِحَالَةً مِنْهُ عَلَى مَا بُيِّنَا … وَفِي الأُصُولِ حُكْمُ ذَا تَبَيَّنَا آمَنَّا﴾ فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١). ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن عرف مداخلها، وما هو منها حق مما هو باطل. ولمزيد من بسط الكلام في هذا الموضوع والاستدلال على هذا الحكم المقرر فيه انظر الأصل" (٢). "فصل" وهذا الأصل كما يجري مقتضاه في الكتاب "كذاك للسنة فيه" أي الأصل "مدخل" أي دخول تحت حكمه ومقتضاه، "إذ الرسول" ﵊ لا يقر "باطلا" و"لا يقبل" أمرا منكرا شرعا "فكل ما يراه أو ما يسمعه من غير أن ينكره" أو يرده فإننا "نتبعه" في قبوله أي في الأصل، وإباحته له، لأن إقراره حجة شرعية، كما هو معلوم. "لاكن" هذا إنما يجري فيما لم يعلم حكمه متقررا، وأما "ما" أي الذي حكمه هو الفساد و"البطلان" وهو حكم شرعي "فيه بين" وثابت فإن "سكوته" ﵊ "عليه" من غير إنكار له "مما يمكن" ويتأتى "إحالة منه" ﷺ "على ما" تقرر في ذلك من حكم و"بينا" - الألف للإطلاق - "وفي "علم "الأصول حكم ذا" الذي تقرر هنا "تبينا" وظهر واضحا، لا خفاء فيه. وفي هذا الذي ذكره من أنه ﷺ يسكت عن منكر رآه أو سمعه وحكمه معلوم شرعا، فيه نظر، لأنه مخالف لما أثر عنه في هذا الشأن فليتأمل.

стр. 850

" المسألة الرابعة " ٢٢١١ - إِذَا أَتَى فِي السُّورِ التَّرْغِيبُ … قَارَنَهُ فِي الْغَالِبِ التَّرْهِيبُ ٢٢١٢ - إِمَّا مَعَ التَّأْخِيرِ إِمَّا تَبْدِئَهْ … كَذَا مَعَ التَّخْوِيفِ حَالَ التَّرْجِئَهْ ٢٢١٣ - وَمَا أَتَى مِنْ ذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ … مَعْ ذِكْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الأَبْرَارِ ٢٢١٤ - وَذَاكَ رَاجِعٌ فِي الاعْتِبَارِ … لِمُقْتَضَى التَّبْشِيرِ وَالإِنْذَارِ ٢٢١٥ - وَانْظُرْ فَفِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ … ذَاكَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخِطَابِ " المسألة الرابعة" في بيان أنه "إذا أتى في السور" القرآنية ذكر "الترغيب" في العمل الصالح "قارنه" وصاحبه "في الغالب" والأكثر ذكر "الترهيب" والتخويف من سيء العمل، وذلك يرد "إما مع التأخير" للترهيب عن الترغيب و"إما" مع "تبدئة" به أي الترهيب، وتقديم له عن الترغيب، "كذا" الأمر والشأن "مع التخويف" في "حال" وقوع "الترجية"، فإنه - أي التخويف يأتي مقارنا له - أي للترجية - وكل ما يرجع إلى هذا المعنى فإنه مثله، "و" منه "ما أتى" في القرآن "من ذكر" أحوال وجزاء "أهل النار" - أعاذنا الله - تعالى - منها - "مع ذكر" أحوال وصفات وجزاء "أهل الجنة الأبرار" المحسنين - جعلنا الله - سبحانه - منهم بفضله وكرمه - "وذاك" الجمع والقرن بين ما ذكر كله "راجع في الاعتبار" والقصد الشرعي منه "لمقتضى" وحكم "التبشير" للمؤمنين الصالحين "والإنذار" أي التخويف للكافرين والظالمين "وانظر " لاستحضار ذلك في الأذهان والعلم به آيات القرآن الكريم "ففي فاتحة الكتاب ذاك" القرن والجمع، فأنت ترى أن الله - تعالى - جعل الحمد فاتحة كتابه وفيها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفَاتِحَة: ٦، ٧] إلى آخرها، فجيء بذكر الفريقين "و" كذا "غيرها" من السور فإن ما ورد فيها "من الخطاب" في هذا الشأن على هذا السنن مجراه ومضيه، فسورة البقرة بدئت بذكر الفريقين - أيضا - قال - تعالى فيها - ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢] ثم قال - سبحانه - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ (١) ثم ذكر بإثرهم المنافقون وهم صنف من الكفار فلما ثم ذلك أعقب بالأمر بالتقوى، ثم بالتخويف بالنار، وبعده بالترجية؛ فقال:

стр. 851

٢٢١٦ - وَكاد لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَا الشَّانِ … إِلَّا الْقَضَايَا اللَّاتِي لِلأَعْيَانِ ٢٢١٧ - كَقَوْلِهِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَهْ … وَسُورَةُ الضُّحَى لِذَاكَ مُحْرِزَهْ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البَقَرَة: ٢٤]- إلى قوله - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البَقَرَة: ٢٤] إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٥] الآية! ثم قال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) الآية. ثم ذكر في قصة آدم مثل هذا، ولما ذكر بنو إسرائيل بنعم الله عليهم ثم اعتدائهم وكفرهم، قيل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البَقَرَة: ٦٢] إلى قوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البَقَرَة: ٣٩] ثم ذكر تفاصيل ذلك الاعتداء إلى أن ختم بقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢] وهذا تخويف؛ ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٠٣] الآية! وهو ترجية (٢). ثم شرع في ذكر ما كان من شأن المخالفين في تحويل القبلة، ثم قال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٢] الآية! ثم ذكر من شأنهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البَقَرَة: ١٢١] ثم ذكر قصة إبراهيم ﵇ وبنيه، وذكر في أثنائها التخويف والترجية، وختمها بمثل ذلك. ولا يطول عليك زمان إنجاز الوعد في هذا الاقتران، فقد يكون بينهما أشياء متعرضة في أثناء المقصود، والرجوع بعد إلى ما تقرر. وهو القانون الكلي العام الجاري مقتضاه في هذا الموضوع "وكاد لا يخرج عن ذا الشأن" الذي يقتضيه هذا القانون في هذا الموضوع "إلا القضايا" والأحكام الخاصة "الاتي" أسندت "للأعيان" يعني أناسا معينين، ففيها قد يتخلف هذا الجمع، ويسقط اطراده، وذاك "كـ" ما في "قوله" - تعالى - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهُمَزة: ١] فإنه قد نزل في شأن شخص معين، هو أبي بن خلف، أو أمية بن خلف، أو الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، وقد يكون نزل فيهم جميعا، إكتفاء بذكر وصف يجمعهم عن ذكرهم بصيغة الجمع، وذلك لأنهم اشتهروا بعيبه ﷺ وهمزه، وفي ذلك إخبار بجزاء ذلك الكافر عن عمله القبيح هذا، فهو ليس مجري مجرى التخويف، وبذلك فهو ليس مما نحن فيه. وهذا الوجه - أيضا - جار في قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ

стр. 852

٢٢١٨ - وَهَذَا الإِقْتِرَانُ رُبَّمَا أَتَا … مَعَ فَاصِلٍ لِمَقْصِدٍ قَدْ ثَبَتَا اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العَلق: ٦، ٧]، وقوله - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزَاب: ٥٧، ٥٨]- كذلك - جار على ما ذكر "و" كذلك "سورة الضحى" فإنها "لذاك" الوجه "محرزة" - بكسر الراء - أي متضمنة له، ولذلك خلت من ذلك الاقتران، وكذلك قوله - تعالى - ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشَّرح: ١] فإنه غير ما نحن فيه، بل هو أمر من الله - تعالى - للنبي ﵊ بالشكر لأجل ما أعطاه. "و" ذلك إن "هذا الاقتران" والجمع بين هذين الأمرين الترغيب والترهيب، أو التخويف، والترجية - "ربما" وقع و"أتى" في النصوص الشرعية "مع" وجود "فاصل" وفارق بينهما في الكلام، وإنما يحصل ذلك الفصل بينهما "لـ" أجل "مقصد" شرعي "قد ثبتا" الألف للإطلاق. وحصل في ذلك المقام، وذلك كمثل إيراد البراهين والحجج لتقرير الأحكام والقضايا المذكورة في مساق ذلك النص، فقد قال الله - تعالى في سورة الأنعام - وهي في المكيات نظير سورة البقرة في المدنيات -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعَام: ١] إلى قوله - سبحانه - ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعَام: ١]، وذكر البراهين التامة، ثم أعقبها بكفرهم وتخويفهم بسببه، إلى أن قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعَام: ٥٤] ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النِّسَاء: ٨٧] فأقسم بكتب الرحمة على إنفاذ الوعيد على من خالف، وذلك يعطي التخويف تصريحا، والترجية ضمنا؛ ثم قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعَام: ١٥] فهذا تخويف، وقال: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعَام: ١٦] الآية وهذا ترجية، وكذا قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ﴾ [الأنعَام: ١٧] الآية ثم مضى في ذكر التخويف، حتى قال: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعَام: ٣٢]. ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعَام: ٣٦] ونظيره قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعَام: ٣٩] الآية ثم ذكر ما يليق بالموطن إلى أن قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعَام: ٤٨] الآية واجر في النظر على هذا الترتيب، يلح لك وجه الأصل المنبه عليه. ولولا الإطالة لبسط من ذلك كثير (١).

стр. 853

٢٢١٩ - وَقَدْ يَكُونُ مُقْتَضَى الأَحْوَالِ … فِي جَانِبٍ مُتَّسِعَ الْمَجَالِ ٢٢٢٠ - فَيَقَعُ الإِطْنَابُ فِي التَّخْوِيفِ … قَصْدًا إِلَى التَّأْنِيبِ وَالتَّعْنِيفِ ٢٢٢١ - عِنْدَ ظُهُورِ حَالِ الإِغْتِرَارِ … وَالصَّدِّ أَوْ مَظنَّةِ الإِصْرَارِ ٢٢٢٢ - وَيَقَعُ الإِطْنِابُ فِي التَّرْغِيبِ … بِقَصْدِ رَفْعِ الذَّمِّ وَالتَّثْرِيبِ " فصل" قد تقرر - أخذا مما سبق ذكره - أن الترغيب والترهيب يردان متساويين في قدر الكلام عليهما، إلا أن هذا قد يتخلف أحيانا، "و" ذلك لأنه "قد يكون مقتضى" وموجب "الأحوال" العارضة "في جانب" من الجوانب المذكورة: - الترغيب والترهيب والتخويف والترجية - أقوى وأولى بالإعتبار من غيره من مقتضيات أحوال الجوانب الأخرى، فصار بذلك "متسع المجال" والميدان في الكلام عليه، والحديث فيه، وبناء على ذلك "فـ" إنه "يقع" ويحصل "الإطناب" وبسط الكلام "في"مقام "التخويف" والترهيب "قصدا إلى التأنيب والتعنيف" أي اللوم والتوبيخ والتقريع، وذلك يقع ويرد "عند ظهور" ووجود "حال الإغترار" على المخاطبين. "و" كذا عند وقوع "الصد" منهم عن سبيل الله - تعالى - "أو "وجود "مظنة الإصرار" منهم على الذنوب والمعاصي، فهذا كله مما يوجب توسيع مجال التخويف وميدان الترهيب، "لكنه لا يخلوا من الترجية، كما في سورة الأنعام فإنها جاءت مقررة للخلق، ومنكرة على من كفر بالله، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، وصد عن سبيله، وأنكر ما لا ينكر ولد فيه وخاصم وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف، فكثرت مقدماته ولواحقه. ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية؛ لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق، وقد تقدم الدعاء، وإنما هو مزيد تكرار إعذارا وإنذارا. ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية؛ لأن درء المفاسد آكد (١). "و" كذلك "يقع الإطناب" - أيضا - في الكلام "في الترغيب" إذا اقتضت ذلك أحوال المخاطبين، وذلك "بقصد رفع" وإزالة "الذم" والعيب، "والتثريب" أي التأنيب

стр. 854

٢٢٢٣ - عِنْدَ ظُهُورِ حَالَةِ الْقُنُوطِ … وَالْيَأْسِ أَوْ مَظِنَّةِ التَّقْنِيطِ ٢٢٢٤ - كَمِثْلِ مَا جَاءَ بِهُودٍ وَالزُّمَرْ … وَالْعَكْسُ فِي الأَنْعَامِ حُكْمُهُ ظَهَرْ ٢٢٢٥ - وَمِنْ هُنَا يُوصَفُ بِاهْتِدَاءِ … مَنْ يَجْمَعُ الْخَوْفَ إِلَى الرَّجَاءِ والإستقصاء في اللوم، وذلك الإطناب في الترغيب يقع "عند ظهور" ووجود "حالة" وصفة "القنوط واليأس" من المغفرة، واستحقاق الرحمة في النفوس "أو" في حال وجود "مظنة" أي زمان أو محل "التقنيط" من ذلك، وقد ورد هذا الضرب من الإطناب في آيات من القرآن، وذلك "كمثل ما جاء بـ" معنى الفاء أي في سورة "هود" وهو قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُود: ١١٤] فقد ذكر أن سبب نزول هذه هو أن أبا اليسر كعب بن عمرو الانصاري كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: في البيت أجود من هذا التمر فذهب بها إلى بيته، فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بما فعل، فقال رسول الله ﷺ انتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر، نزلت هذه الآية، فقال: نعم، اذهب؛ فإنه كفارة لما عملت. وقد روي هذا الخبر بألفاظ أخرى، وقد أخرجه الترمذي والنسائي والبزار، والطبراني، والطبري، وغيرهم. "و" كذلك ما ورد في سورة "الزمر" وهو قوله - تعالى -: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزُّمَر: ٥٣] فقد روي في سبب نزول هذه الآية أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا، وأكثروا، فأتوا محمدا ﷺ فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لنا لما عملنا كفارة، فنزلت. وقيل غير هذا في سبب نزولها. "و" هذا الإطناب في الترغيب قد أتى ضده وهو "العكس" له وهو الإطناب في الترهيب "في"سورة "الأنعام" وقد تقدم ذكره لك تاما و"حكمه ظهر". "فصل" "ومن هنا" يؤخذ أنه "يوصف" ويحلى "باهتداء" ورشاد "من يجمع" في قلبه "الخوف" من عذاب رب العالمين وغضبه، "إلى الرجاء" من رحمته لأن حقيقة الإيمان دائرة بينهما وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على الخصوص، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ [المؤمنون: ٥٧] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ

стр. 855

" المسألة الخامسة " ٢٢٢٦ - إِنَّ كِتَابَ اللهِ فِي التَّعْرِيفِ … بِمُقْتَضَى الأَحْكَامِ فِي التَّكْلِيفِ ٢٢٢٧ - أَكْثَرُهُ مَأْخَذُهُ كُلِّيُّ … فِي جُمْلَةِ الأُمُورِ لَا جُزْئِيُّ ٢٢٢٨ - وَحَيْثُمَا قَدْ جَاءَ لِلْجُزْئِيِّ … مَأْخَذُهُ كَمَأْخَذِ الْكُلِّيِّ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٨] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (١). "وهذا على الجملة؛ فإن غلب عليه طرف الانحلال والمخالفة فجانب الخوف عليه أقرب، وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط فجانب الرجاء إليه أقرب؛ وبهذا كان ﵊ يؤدب أصحابه. ولما غلب على قوم جانب الخوف قيل لهم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٣] الآية؛ وغلب على قوم جانب الإهمال في بعض الأمور فخوفوا وعوتبوا، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزَاب: ٥٧] الآية، فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آياته فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب" (٢). "المسألة الخامسة" في بيان "إن كتاب الله" - تعالى - أي القرآن "في" أمر "التعريف بمقتضاه" وحال "الأحكام" الواردة "في"شأن "التكليف" الشرعي للعباد "أكثره" وأغلبه تعريف "مأخذه" الدلالي وحكمه "كلي" محتاج إلى البيان والتفسير وذلك "في جملة" أي كل "الأمور" التي ورد فيها ذلك التعريف فإنه فيها كلي "لا جزئي" دال على أمر معين بذاته مبين. "وحيثما قد" أتى و"جاء" هذا التعريف فيه - أي في القرآن - وهو "لـ" بيان وتعريف "الجزئي" المعين من هذه الأحكام فـ"مأخذه" الذي يؤخذ عليه "كمأخذ" التعريف "الكلي".

стр. 856

٢٢٢٩ - بِالإِعْتِبَارِ أَوْ بِمَعْنَى الأَصْلِ … إِلَّا الذِي خَصَّ دَلِيلُ النَّقْلِ ٢٢٣٠ - لِذَا أَتَى بَيَانُهُ بِالسُّنَنِ … حَسَبَمَا يَأْتِي بِشَرْحٍ بَيِّنِ ٢٢٣١ - مَعْ كَوْنِهِ أَصْلًا لِمَا عَدَاهُ … حَسَبَمَا قُرِّرَ مُقْتَضَاهُ ٢٢٣٢ - وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّنْزِيلِ … أَثْبَتَ هَذَا الْحُكْمَ بِالدَّلِيلِ وذلك يصار إليه إما "بالاعتبار" والنظر إلى ما يؤول أمره من الحاجة إلى البيان على كل حال، "أو بـ" اعتبار اتصافه بوصف "معنى الأصل" وذلك باعتبار جواز القياس عليه، وهكذا حكم كل تعريف جزئي ورد في القرآن "إلا" التعريف "الذي خصـ"ـه "دليل النقل" الثابت شرعا، وذلك مثل خصائص الرسول ﷺ . وهذا أمر ثابت بالاستقراء و"لذا" أي هذا الذي يتصف به هذا التعريف القرآني "أتى بيانه" وتفسيره في هذه الشريعة "بالسنن" النبوية، "حسبما يأتي" في مجاري الحديث في مسائل السنة "بشرح" وتوضيح "بين" أي ظاهر، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النّحل: ٤٤] وفي الحديث: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" وإنما الذي أعطي القرآن، وأما السنة فبيان له. وإذا كان كذلك فالقرآن على اختصاره جامع، ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات؛ لأن الشريعة تمت بتمام نزوله، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] الآية. وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة والجهاد وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في القرآن، إنما بينتها السنة وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها (١). ويتأكد هذا الأمر في هذا التعريف القرآني "مع" ثبوت "كونه أصلا" شرعيا "لـ" كل "ما عداه" من الأصول والأدلة الشرعية الأخرى، وذلك "حسبما قرر" بالأدلة الشرعية وثبت "مقتضاه" كما سيأتي. "وبعض أهل العلم بـ" علوم القرآن و"التنزيل" كابن مسعود "أثبت هذا الحكم" الذي تقدم ذكره "بالدليل" والحجة التي تفيده، فقد روي عنه - كما في الصحيح - أنه قال "لعن الله

стр. 857

٢٢٣٣ - فَجَعَلَ السُّنَّةَ فَرْعًا يُفْهَمُ … مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَمَا ءَاتَاكُمْ ٢٢٣٤ - وَالإِذْنُ أَنْ يَّحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ … بِمَا أَرَاهُ اللهُ لِلْقِيَاسِ ٢٢٣٥ - كَذَلِكَ الإِجْمَاعُ مِنْ وَيَتَّبِعْ … غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يَنْتَزعْ ٢٢٣٦ - وَبَعْدَ ذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرْ … عَلَيْهِ فِي اسْتِنْبَاطِ حُكْمٍ بِالنَّظَرْ ٢٢٣٧ - إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِمَا قَدْ بَيَّنَهْ … وَهْوَ اقْتِفَاءُ السُّنَّةِ الْمُبَيَّنَهْ الواشمات والمتنمصات والمتفلجات" للحسن المغيرات خلق الله. فقالت أم يعقوب - امرأة من بني أسد، كانت تقرأ القرآن - ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله. قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته. قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه، "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". "فجعل" هذا الخبر "السنة" النبوية كلها "فرعا" عن الكتاب، وهذا الأمر "يفهم" ويعلم "من قوله" عزّ و"جلَّ" المتقدم وهو قوله: "وما أتاكم" الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، وكما أن حجية السنة مرجعها الكتاب فكذلك القياس، "و" ذلك أن الناس قد عدوا "الإذن" للرسول ﷺ "أن يحكم بين الناس بما أراه الله" تعالى، دليلا على مشروعية إسناد الحكم الفقهي "للقياس" في المواطن التي يسوغ فيها ذلك. "كذلك" شأن "الإجماع" فإن كونه دليلا شرعيا يؤخذ "من" قوله - تعالى -: " ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النِّسَاء: ١١٥] " و"ينتزع" منه عند من يرى ذلك، والاستدلال على حجية الإجماع بهذه الآية موضع خلاف شديد بين أهل العلم، وقد ورد بسط ذلك في كتب الأصول. "فصل" "وبعد" تقرر وثبوت "ذا" الذي ذكر من كون السنة مبينة للكتاب يتقرر بناء عليه أنه "لا ينبغي" ولا يصح شرعا ولا نظرا "أن يقتصر" في فهم النص القرآني على ما دل "عليه" بظواهره اللفظية اللغوية أول الأمر "في"شأن "استنباط" واستخراج "حكم" شرعي "بالنظر" والاجتهاد، لأن فهم هذا النص والاستنباط منه لا يتأتى إدراكه على الوجه الصحيح إن كان معناه منقولا، وهو الأكثر في معاني النصوص الشرعية - "إلا مع" حصول "العلم بما قد بينه" - يعني يبينه، "وهو "اتباع و"اقتفاء السنة" النبوية التي هي "المبينة" له

стр. 858

٢٢٣٨ - فَلَا مَحِيصَ عَنْهُ فِي بَيَانِ … أُصُولِهِ الْجُمْلِيَّةِ الإِتْيَانِ ٢٢٣٩ - وَمَا أَتَى فِي شَأْنِهِ عَنِ السَّلَفْ … إِنْ تُعْوَزِ السُّنَّةُ فِيهِ كَالْخَلَفِ ٢٢٤٠ - ثُمَّ مَتَى أُعْوِزَ ذَا أَوِ انْتَفَا … فَهْمُ اللِّسَانِ الْعَرَبِي يُقْتَفَا " المسألة السادسة " ٢٢٤١ - ثُمَّ عَلَى ذَاكَ فَفِي الْقُرْآنِ … لِكُلِّ شَيْءٍ غَايَةُ الْبَيَانِ ٢٢٤٢ - فَعَالِمٌ بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ … بِالشَّرْعِ عَالِمٌ بِالاسْتِحْقَاقِ كما تقدم تقريره، "فـ" إنه "لا محيص" ولا مفر "عنه" أي عن هذا الاقتفاء "في" أمر "بيان" وتفسير "أصوله" أي الكتاب "الجملية" ـبضم الجيم - أي الكلية الورود و"الإتيان" أي المجيء من لدن الحكيم العليم - سبحانه - "و" أما "ما أتى" ونقل "في شأنه" أي شأن البيان القرآني "عن السلف" الصالح فإنه يصار إلى الأخذ به وذلك "إن تعوز" وتفقد بعد استقصاء البحث "السنة فيه" أي في ذلك الشأن، لأن ما أتى عنهم في ذلك يعد "كالخلف" والعوض عن البيان السني وذلك إن كان مما لا يقال من قبل الرأي، والاجتهاد. "ثم متى أعوز ذا" كله ووقع العجز عن إدراكه "أو انتفى" وعدم حقيقة، أو حكما بأن يغلب على الظن انتفاؤه، فإنه يعتمد "فهم" مدلول "اللسان العربي" ومعناه فإنه الذي "يقتفى" ويتبع حينئذ، فما اقتضاه ودل عليه يؤخذ به في فهم هذا النص - النص القرآني - وإدراك المراد به. "المسألة السادسة" "ثم" نذكر بعد هذا الذي تقرر في شأن البيان السني للكتاب مسألة أخرى وهي: أنه إن أجري وسير "على ذاك" الترتيب المتقدم في كون الكتاب جامعا لجميع الكليات والأصول "فـ" إن "في القرآن" تمام التفصيل "لكل شيء" و"غاية البيان" له "فـ" كل من هو "عالم به على الإطلاق" وإن لم يكن عالما بالتفاصيل والجزئيات الشرعية المبينة بالأصول الأخرى فإنه "بالشرع" على الجملة "عالم" لا يعوز من ذلك شيء وهذا الوصف ثابت له "بالاستحقاق" يعني بكونه مستحقا له.

стр. 859

٢٢٤٣ - لِمَا أَتَى فِيهِ وَفِي الآثَارِ … وَمُقْتَضَى التَّجْرِيبِ ذُو اعْتِبَارِ وهذا أمر مستند ثبوته "لما أتى" من الأدلة والحجج "فيه" أي القرآن وهي تدل على ذلك في شأنه؛ ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] وقوله - سبحانه -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النّحل: ٨٩] وقوله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ٣٨] وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسرَاء: ٩] يعني الطريقة المستقيمة ولو لم يكمل فيه جميع معانيها لما صح إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة، وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور، ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا وفيه تبيان كل شيء (١). "و" كذلك ما جاء "في الآثار" والأحاديث، مما هو مؤذن بذلك، "كقوله ﷺ : "إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق كثرة الرد" الخ. فكونه حبل الله بإطلاق، والشفاء النافع، إلى تمامه، دليل على كمال الأمر فيه. ونحو هذا من حديث علي عن النبي ﵊، وعن ابن مسعود: "أن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وأن أدب الله القرآن" وسئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" وصدق ذلك قوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القَلَم: ٤] وعن قتادة ما جالس القرآن أحد إلا فارقه بزيادة أو نقصان، ثم قرأ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسرَاء: ٨٢] وعن محمد بن كعب القرظي في قول الله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عِمرَان: ١٩٣]. قال: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي ﷺ . وفي الحديث: "يؤم الناس أقرأهم لكتاب الله" وما ذاك إلا أنه أعلم بأحكام الله، فالعالم بالقرآن عالم بجملة الشريعة، وعن عائشة: أن من قرأ القرآن فليس فوقه أحد. وعن عبد الله قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين، وعن عبد الله بن عمر قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، وقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه. وفي رواية عنه: من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوة بين جنبيه، وما ذاك إلا أنه جامع لمعاني النبوة، وأشباه هذا مما يدل على هذا المعنى" (٢). "و" كذلك "مقتضى" ومفاد "التجريب" فإنه أمر "ذو اعتبار" في هذا الشأن، فإنه لا

стр. 860

٢٢٤٤ - وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الاسْتِدْلَالِ … مَا جَاءَ فِي الْحَمْلِ وَفِي الْفِصَالِ أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا، وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في المسألة من المسائل وقال ابن حزم الظاهري: كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنة، نعلمه والحمد لله، حاشا القراض، فما وجدنا له أصلا فيهما البته. إلى آخر ما قال. وأنت تعلم أن القراض نوع من أنواع الإجارة، وأصل الإجارة في القرآن ثابت، وبين ذلك إقراره ﵊ وعمل الصحابة به (١). "و" في هذا المقام تجد "إن من أعجب الاستدلال" بالقرآن على الأحكام واروعه "ما جاء" عن علي بن أبي طالب ﵁ "في" شأن "الحمل، وفي الفصال" أي الفطام، فقد روي أن عثمان قد أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها بالحد، فقال له علي ﵁ ليس ذاك عليها، قال الله - تعالى - ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال - تعالى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣] فالرضاع أربعة وعشرين شهرا، والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله، ولم يجلدها. ومن ذلك استنباط مالك بن أنس أن من سب الصحابة فلا حظ له في الفيء من قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] وقول من قال "الولد لا يملك" من قوله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبيَاء: ٢٦] وقول ابن العربي إن الإنسان قبل أن يكون علقة لا يسمى إنسانا. من قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العَلق: ٢]، واستدلال منذر بن سعيد على أن العربي غير مطبوع على العربية بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النّحل: ٧٨] وأغرب ذلك استدلال ابن الفخار القرطبي على أن الإيماء بالرؤوس إلى جانب عند الإباية والإيماء بها سفلا عند الإجابة، أولى مما يفعله المشارقة من خلاف ذلك. بقوله تعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ [المنَافِقون: ٥] الآية، وكان أبو بكر الشبلي الصوفي إذا لبس شيئا

стр. 861

٢٢٤٥ - وَبِاعْتِبَارِ ذَاكَ كُلُّ مَسْأَلَهْ … يُقْصَدُ لاقْتِنَاصِهَا مُفَصَّلَهْ ٢٢٤٦ - لَا بُدَّ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْقْرْآنِ … لِأَصْلِهَا وَمَا اقْتَضَى مِنْ شَانِ ٢٢٤٧ - فَإِنْ بَدَا نَصٌّ عَلَى الْعَيْنِ اقْتُفِي … أَوْ لَا فَبِالنَّوْعِ أَوِ الْجِنْسِ اكْتُفِي " المسألة السابعة " ٢٢٤٨ - وَلِلْقُرْآنِ تَنْتَمِي عُلُومُ … لَاكِنَّهَا يُلْفَى لَهَا تَقْسِيمُ خرق فيه موضعا، فقال له ابن مجاهد؛ أين في العلم إفساد ما ينتفع به؟ فقال: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] ثم قال الشبلي: أين في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ابن مجاهد وقال له: قل قال قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المَائدة: ١٨] الآية. واستدل بعضهم على منع سماع المرأة بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعرَاف: ١٤٣] الآية؛ وفي بعض هذه الاستدلالات نظر (١). "فصل" "وباعتبار ذاك" يعني هذا الذي عليه القرآن من الاحتواء على أصول الشريعة وكلياتها كلها يتقرر أن "كل مسألة" فقهية أو عقدية تطلب معرفة حقيقتها وحكمها الشرعي و"يقصد لاقتناصها" وتحصيلها "مفصلة" مبينة "لا بد أن ينظر في القرآن لأصلها" الذي يدل عليها وعلى حكمها "و" أن يلتفت إلى "ما اقتضاه" وأوجبه "من شأن" وحكم وبيان في ذلك "فإن بدا" أي ظهر "نص" منه دال "على العين" يعني على عينها، وما هو مطلوب من حكمها "اقتفي "واتبع؛ وعمل بمقتضاه، فإن كان خفيا "أو" مضمرا "لا" يظهر لنا "فـ" إنه يستغنى "بـ" ما ظهر منه وورد في "النوع" الذي تلك المسألة من أفراده "أو "يصار إلى ما ورد في "الجنس" المطلوب تلك المسألة تحته فإنه قد يكون مما به "اكتفي "في بيان حكم تلك المسألة. "المسألة السابعة" في بيان "و" توضيح أنه "للقرآن" الكريم تضاف و"تنتمي" أي تنتسب "علوم" كثيرة ليست نوعا واحدا "لاكنها" أنواع مختلفة، وبذلك "يلفى" أي يوجد "لها تقسيم"

стр. 862

٢٢٤٩ - قِسْمٌ مُعِينٌ فِيهِ كَالأَدَاة … لِفَهْمِهِ كَالنَّحْوِ وَاللُّغَاتِ ٢٢٥٠ - وَكَالْقِرَاءَاتِ وَكَالأُصُولِ … وَالنَّسْخِ وَالأَسْبَابِ لِلتَّنْزِيلِ ٢٢٥١ - وَذَاكَ لَا نَظَرَ فِيهِ هَا هُنَا … وَإِنَّمَا سِيقَ لِأَنْ يُبِيَّنَا ٢٢٥٢ - أَنَّ مِنَ الْعُلُومِ مَا يُعَدُّ … وَسِيلَةً وَمَا لِذَاكَ قَصْدُ ٢٢٥٣ - كَالطِّبِّ وَالْمَنْطِقِ وَالْحِسَابِ … وَكالنُّجُومِ وَكَالإِصْطِرْلَابِ على أقسام: أحدها: ما عد باعتبار حاله بأنه "قسم معين" ومساعد على استخراج وإدراك ما "فيه" أي القرآن من الفوائد والمعارف، وبذلك فهو "كالأداة" أي الآلة التي توصل "لفهمه" ومعرفة مراد الله - تعالى - به، وذلك "كـ" علم "النحو و "معرفة "اللغات" التي لا بد منها في هذا الشأن "وكـ" علم "القراءات" وخاصة ما تواتر منها "وكـ" علم "الأصول" الفقهية "و" علم "النسخ" يعني الناسخ والمنسوخ "و" علم "الأسباب للتنزيل" وما أشبه ذلك مما يعد من علوم الآلة "وذاك" كله "لا نظر فيه" بالذات "ها هنا" إذ ليس من الأدلة الشرعية التي تؤخذ منها الأحكام الفقهية وهي التي عقد لها هذا الكتاب "وإنما سيق" ذكره "لأن يبينا" - الألف للإطلاق - ويوضح "أن من العلوم ما يعد" في رأي بعض الناس "وسيلة" معينة على فهم القرآن "و" هو ليس كذلك، ومن ثم فـ"ما لذاك قصد" أو إشارة في كلامنا في هذا القسم، فهو غير مراد لنا هنا. وذلك "كـ" علم "الطب و "علم "المنطق و "علم "الحساب وكـ" علم "النجوم وكـ" معرفة طريقة استعمال "الإصطرلاب" الذي هو آلة لرصد النجوم، وهو يستعمل فيما يسمونه بعلم الهيئة. وقد تقدم ذكر حكاية الرازي في جعله هذا العلم - علم الهيئة - وسيلة إلى فهم قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦]، وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال": إن علوم الفلسفة مطلوبة، إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها". ولو قال قائل في رد هذه الدعوى إن الأمر بالضد مما قال، لما بعد في المعارضة

стр. 863

٢٢٥٤ - وَشَاهِدُ الْخَصْمَيْنِ شَأْنُ السَّلَفِ … وَإِنَّهُ لَغَايَةٌ لِلْمُنْصِفِ ٢٢٥٥ - وَقِسْمُهَا الثَّانِي هُوَ الْعِلْمُ بِمَا … يُؤْخَذُ مِنْ جُمْلَتِهِ مُتَمِّمَّا ٢٢٥٦ - مِنْ حَيْثُ مَا هُوَ كَلَامٌ لَا سِوَا … لَا مِنْ تَفَاصِيلَ عَلَيْهِنَّ احْتِوَا ٢٢٥٧ - وَذَاكَ مَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَهْ … عَلَى ثُبُوتِ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَهْ ٢٢٥٨ - بِكَوْنِهِ مُعْجِزَةَ الرَّسُولِ … بِمُقْتَضَى الْجُمْلَةِ لَا التَّفْصِيلِ " وشاهد" ما بين "الخصمين" في هذا الشأن الذي يشهد بينهما بالحق هو "شأن" وحال "السلف" الصالح في تلك العلوم هل كانوا آخذين بها أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، شهد لهم بذلك النبي ﷺ والجم الغفير، "و" هذا فيه غنية في هذا المقام فـ"إنه لغاية" الحجة فيه "للمنصف" الذي يقبل الحق على كل حال، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه. وثم أنواع أخر يعرفها من زاول هذه الأمور، ولا ينبئك مثل خبير؛ فأبو حامد الغزالي ممن قتل هذه الأمور خبرة، وصرح فيها بالبيان الشافي في مواضع من كتبه. خلاصة القول أن هذه المعارف والعلوم ليست من أدوات وآلات العلوم الشرعية بالضرورة. "و" أما "قسمها" أي هذه العلوم المضافة إلى القرآن وضربها "الثاني" فإنه "هو العلم بما يؤخذ من جملته" وكل تراكيبه "متمما" وذلك "من حيث ما" زائدة - فالأصل من حيث "هو كلام" فقط "لا سوا" ذلك مما هو متضمن فيه فلا ينظر إلى حال موضوعه و"لا" إلى ما تضمنه "من تفاصيل" متعلقة بذلك الموضوع "عليهن" انطوى و"احتوى" سواء كانت تفاصيل إنشائية، - متعلقة بالأمر والنهي - أو خبرية "وذاك" العلم المندرج في هذا القسم يطلب من القرآن الكريم ويؤخذ منه لـ"ما فيه من الدلالة" والبرهان "على ثبوت الوحي" له - أي للقرآن - "و" ثبوت "الرسالة" لمحمد ﷺ من لدن الحكيم الخبير، وذلك "بـ" سبب "كونه" أي ما ذكر من الكلام القرآني "معجزة الرسول" ﷺ الدالة على صدقه في كل ما قاله وهذا ثابت "بمقتضى" وموجب "الجملة" إذ كل آية في القرآن معجزة، فهو معجز بالجملة "لا" على وجه "التفصيل" والتمييز كما هو شأن أدلة الأحكام الشرعية التي أدلتها مخصوصة بها، وإنما كان هذا الدال على ما ذكر من كون

стр. 864

٢٢٥٩ - إِذْ وَقَعَ التَّنْبِيهُ فِي الإعْجَازِ … بِسُورَةٍ لَا عَلَى الامْتِيَازِ ٢٢٦٠ - وَوَجْهُ أَنْ أَعْجَزَ كُلَّ اللُّسَنَا … لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ لِتَقْرِيرٍ هُنَا ٢٢٦١ - وَلَيْسَ فِي ذَا الْقِسْمِ هَا هُنَا نَظَرْ … وَكُتُبُ الْكَلَامِ فِيهِ تُعْتَبَرْ ٢٢٦٢ - وَثَالِثٌ يُدْرَى مِنَ التَّنْبِيهِ … لِعَادَةٍ اللهِ تَعَالَى فِيهِ ٢٢٦٣ - بِحَسَبِ الإِنْزَالِ وَالْخِطَابِ … بِمُقْتَضَاهُ لِأُولِي الأَلَبَابِ القرآن وحيا وكون محمد ﷺ رسولا مأخوذا من القرآن على وجه الجملة "إذ وقع التنبيه في "شأن "الإعجاز" على أنه قد حصل بالإتيان "بسورة" من مثل القرآن وإن كانت أصغر سورة فيه، فكل سور القرآن وقع الإعجاز بالإتيان بمثلها على سبيل الكلية والشمول "لا على" سبيل التخصيص و"الامتياز". بل ماهية القرآن هي المعجزة له، كما ورد ذلك في القرآن نفسه، وحسبما نبه ﷺ عليه في قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" فهو بهيأته التي أنزله الله عليها دال على صدق الرسول ﷺ وعجز الفصحاء اللسن والخصماء اللد عن الإتيان بما يماثله، أو يدانيه. "و" بيان "وجه" كونه مرتقيا فوق المعتاد في صوغ الكلام ونسجه إلى "أن أعجز كل اللسنا" بضم اللام وسكون السين، وحركه بالضم للضرورة، أو هو لغة - جمع لسن أو ألسن -، وهو الفصيح البليغ - أمر "ليس بمحتاج لتقرير" وبيان "هنا" إذ ليس هذا موضع بحثه "و" كذلك "ليس في ذا القسم ها هنا" في كتاب الأحكام "نظر" وبحث ليس هذا محل ذلك "و" إنما "كتب الكلام" وعلم العقائد هي التي تتضمن الكلام "فيه" والبحث في شأنه، وهي التي "تعتبر" في ذلك، إذ هو من المسائل التي عقدت ووضعت هذه الكتب لها. "و" أما الذي هو "ثالث" من هذه الأقسام فإنه الذي "يدرى" ويعلم من جهة ما ورد في كلامه - سبحانه - "من التنبيه" والإرشاد "لعادة الله" سبحانه و"تعالى" الجاري مقتضاها "فيه" أي في هذا القرآن، وذلك "بحسب" حال "الإنزال" له، "و" حال "الخطاب بمقتضاه" ومعناه الموجه "لأولي الألباب" أي أصحاب العقول، وحال

стр. 865

٢٢٦٤ - مِنْ جِهَةِ التَّقْرِيبِ لِلتَّفْهِيمِ … وَالْقَصْدِ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ ٢٢٦٥ - وَذَا لَهُ قَوَاعِدٌ أَصْلِيَّهْ … فِي طَيِّهَا فَوَائِدٌ فَرْعِيَّهْ ٢٢٦٦ - وَهَا أَنَا أُورِدُ مِنْهَا أَمْثِلَهْ … تُوضِحُ مِمَّا نُصَّ فِيهِ مُجْمَلَهْ ٢٢٦٧ - مِنْ ذَلِكَ الإِنْذَارُ لِلْعَبِيدِ … مِنْ قَبْلِ أَخْذِ وَقْعِهِ الشَّدِيدِ ٢٢٦٨ - وَمِنْهُ الإِبْلَاغُ وَالإِسْتِقْصَاءُ … فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ لِلْمُكَلَّفِ معاملته - تعالى - لهم بالرفق والحسنى. وذلك أمر بين "من جهة" جعله قرءانا عربيا يدخل تحت نيل أفهام، مع كونه المنزه القديم، وذلك لأجل "التقريب". يعني تقريب معاني القرآن "لـ" حال "التفهيم" والإدراك لها، "و" من جهة "القصد" الإلاهي به "للتأديب والتعليم" للمخاطبين به قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات. وهذا نظر خارج عما تضمنه القرآن من العلوم، وتتبين صحة الأصل المذكور في كتاب الاجتهاد، وهو أصل التخلق بصفات الله والاقتداء بأفعاله. "وذا" الأصل الذي احتوى عليه هذا القسم تسند "له قواعد أصلية" عامة "في طيها" وتحت مقتضاها تنطوي "فوائد فرعية" فقهية، ومحاسن أدبية. "وها أنا" أذكر و"أورد منها أمثلة" يستعان بها على فهم المراد. و"توضح" أي تبين "مما نص فيه" أي ورد فيه النص القرآني، وهذه الأمثلة تورد في هذا النظم "مجملة" غير مفصلة فيه "من ذلك" الذي يعد من هذه الأمثلة تقديم "الإنذار" والتخويف منه - سبحانه - "للعبيد من قبل أخذ" العذاب و"وقعه الشديد" لهم، وفي ذلك قال - سبحانه -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسرَاء: ١٥] فجرت عادته - سبحانه - في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ولكل جزاء مثله. "ومنه " - أيضا - "الإبلاغ" والإيصال "والاستقصاء في إقامة الحجة" على ما هو خطاب شرعي "للمكلف" فإنه - تعالى - أنزل القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه، وزاد على يدي رسوله ﵊ من المعجزات ما في بعضه الكفاية.

стр. 866

٢٢٦٩ - وَالتَّرْكُ لِلَاخْذِ بِذَنْبٍ أَوَّلِ … وَعَدَمُ التَّعْجِيلِ لِلْمُسْتَعْجِلِ ٢٢٧٠ - كَذَا التَّأَنِّي فِيهِ وَالتَّثَبُّتُ … وَحَالُ الانْزَالِ لِذَاكَ مُثْبِتُ ٢٢٧١ - وَالْقَصْدُ لِلتَّحْسِينِ لِلْعِبَارَهْ … كَمِثْلِ مَا فِي مُوجِبِ الطَّهَارَهْ ٢٢٧٢ - وَغَيْرهُ وَمَا اقْتَضَى وُضُوحَا … فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَتَى تَصْرِيحَا " و" منه كذلك "الترك" منه - تعالى - "للاخذ" والتعذيب "بذنب" صدر من العبد من "أول" مرة. "و" كذلك "عدم التعجيل للمستعجل" المعاند، وتماديه على الإباية والجحود بعد وضوح البرهان و"كذا" منه - أيضا - المضي على مقتضى "التأني فيه" والتريث في الأمور، "و" الجري على "التثبت" والتبين فيها والأخذ بالاحتياط، وهو الأمر المعهود جريان الشرع عليه في حقنا "وحال الإنزال" للقرآن مفرقا وبالتدريج مقرر "لذاك" و"مثبت" له، فلقد نزل القرآن على رسول الله ﷺ نجومًا في عشرين سنة، حتى قال الكفار: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفُرقان: ٣٢] فقال الله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفُرقان: ٣٢] وقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسرَاء: ١٠٦] وفي هذه المدة كان الإنذار يترادف، والصراط يستوي بالنسبة إلى كل وجهة وإلى كل محتاج إليه، وحين أبى من أبى من الدخول في الإسلام بعد عشر سنين أو أكثر بدأوا بالتغليظ بالدعاء، فشرع الجهاد لكن على التدريج أيضا، حكمة بالغة، وترتيبا يقتضيه العدل والإحسان حتى إذا كمل الدين، ودخل الناس فيه أفواجا، ولم يبق لقائل ما يقول قبض الله نبيه إليه وقد بانت الحجة، ووضحت المحجة، واشتد أس الدين، وقوي عضده بأنصار الله. فلله الحمد كثيرا على ذلك (١). "و" منه "القصد للتحسين للعبارة" بالكناية ونحوها، في المواطن التي يحتاج فيها إلى ذكر ما يستحيى من ذكره في عادتنا، وذلك "كمثل ما" جاء "في موجب" وسبب "الطهارة" وهو قوله - تعالى - ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] ومثله قوله - تعالى -: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المَائدة: ٧٥] "و" أما "غيره" أي غير ما يستحيى منه عادة "وما اقتضى" واستوجب حاله "وضوحا" وبيانا له فإنه "في مقطع الحق" أي مجرى بيانه على قطع "أتى" وورد معبرا باسمه "تصريحا" لا تلويحا، ولا كناية.

стр. 867

٢٢٧٣ - وَمِنْهُ كَيْفِيَّةُ الأَخْذِ فِي الدُّعَا … للهِ جَلَّ وَعَلَا تَضَرُّعَا ٢٢٧٤ - وَالْقَصْدُ لِلتَّقْدِيمِ لِلْوَسِيلَهْ … فِيمَا يُرِيدُ بَعْدَهَا حُصُولَهْ ٢٢٧٥ - وَمُقْتَضَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ … وَغَيْرِهَا دَلِيلُ هَذَا الْبَابِ " ومنه" - أيضا -: "كيفية" وطريقة "الأخذ" والعمل "في الدعا لله - جل وعلا - تضرعا" أي تذللا وخضوعا له - سبحانه - فقد بين القرآن كيفية تأدب العباد إذا قصدوا باب رب الأرباب بالتضرع والدعاء، إذ جاء في مساقه أداب استقرئت منه، وإن لم ينص عليه بالعبارة، فقد أغنت إشارة التقرير عن التصريح بالتعبير، فأنت ترى أن نداء الله للعباد لم يأت في القرآن في الغالب إلا "بياء" المشيرة إلى بعد المنادي، لأن صاحب النداء منزه عن مداناة العباد، موصوف بالتعالي عنهم والاستغناء، فإذا قرر نداء العباد للرب أتى بأمور تستدعي قرب الإجابة: منها إسقاط حرف النداء المشير إلى قرب المنادي وأنه حاضر مع المنادي غير غافل عنه، فدل على استشعار الراغب هذا المعنى، إذ لم يأت في الغالب إلا "ربنا" "رب" كقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البَقَرَة: ١٢٧] ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عِمرَان: ٣٥] ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البَقَرَة: ٢٦٠] ومنها: كثرة مجيء النداء باسم الرب المقتضي للقيام بأمور العباد وإصلاحها، فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان، قائلا: يا من هو المصلح لشؤوننا على الإطلاق أتم لنا ذلك بكذا، وهو مقتضى ما يدعو به. وإنما أتى "اللهم" في مواضع قليلة، ولمعان اقتضتها الأحوال (١). "و" منها "القصد للتقديم للوسيلة" والذريعة الموصلة إلى إدراك المراد، وذلك ماض "في"كل "ما يريد" مقدم الوسيلة وقوعه "بعدها" يعني بعد تقديمها و"حصوله" ثبوته "ومقتضى" وموجب "فاتحة الكتاب" وهو، قوله - تعالى -: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفَاتِحَة: ٥، ٦] وغيرها كقوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عِمرَان: ١٩٣] وقوله - سبحانه -: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عِمرَان: ٥٣] وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمرَان: ١٩١] وقوله - سبحانه -: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ

стр. 868

٢٢٧٦ - وَالْقَصْدُ لِلنِّدَاءِ دُونَ حَرْفِ … بِلَفْظِ رَبِّ الْمُقْتَضِي لِلْعَطْفِ ٢٢٧٧ - لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ اسْتِشْعَارِ … قُرْبِ الْمُنَادَى عَالِمِ الأَسْرَارِ ٢٢٧٨ - وَقَدْ مَضَى مِنْ قَبْلُ فِي شَأْنِ النِّدَا … وَالالْتِفَاتِ مَا يُوَفِّي الْمَقْصِدَا ٢٢٧٩ - وَقِسْمُهَا الأوَّلُ قِسْمُ الْعَمَلِ … وَقَصْدُهُ بِالذِّكْرِ قَصْدٌ أَوَّلِي وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يُونس: ٨٨] وقوله - سبحانه -: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نُوح: ٢١] إلى قوله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نُوح: ٢٨] "وغيرها" ذلك من الأداب التي هي كلها "دليل" وحجة "هذا الباب" الذي هو أخذ الأحكام والآداب من مجرد التقرير القرآني لها الثابث بعدم رده لها، "و" من ذلك - أيضا - "القصد لـ" التعبير بـ"النداء" والدعاء الصادر من العباد لله رب العالمين "دون حرف" النداء، ثم ورود هذا النداء "بلفظ رب" نحو قوله - تعالى - ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] وقوله - سبحانه -: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البَقَرَة: ١٢٧] وقوله - تعالى -: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عِمرَان: ٣٥] وذلك لأن هذا اللفظ - الرب - هو اللفظ "المقتضى للعطف" أي الرحمة، والقيام بأمور العباد وإصلاحها، فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والإحسان، قائلا يا من هو المصلح لشؤوننا على الإطلاق أتم لنا ذلك بكذا، وهو مقتضى ما يدعو به. وإنما أتى (اللهم) في مواضع قليلة، ولمعان اقتضتها الأحوال. وإما إسقاط لفظ النداء في دعاء العبد ربه - سبحانه - وتعالى - فإن ذلك حاصل "لأجل ما" انطوى "فيه من استشعار قرب المنادى" وهو الله - تعالى - "عالم الأسرار" والظواهر، ولما فيه من الإشارة إلى أنه - سبحانه - حاضر غير غافل. "وقد مضى من قبل" في المسألة الخامسة في النوع الثاني من كتاب المقاصد "في شأن" نكت وفوائد اختلاف صيغ "النداء" والدعاء في القرآن "و" كذا في شأن "الالتفات" في الخطاب بالضمائر المختلفة "ما" من البيان والإيضاح لذلك "يوفى المقصدا" ويحصل المطلوب فيه. "و" أما "قسمها" الثالث فإنه المقصود "الأول" في هذه العلوم، وهو الأهم منها لأنه "قسم" مدار محتواه على بيان شأن "العمل" التكليفي وما به قوامه، وحصوله، "و" بذلك "قصده بالذكر" بالمعرفة والإدراك "قصد أولي" لأن العلم الشرعي الغرض من تحصيله هو

стр. 869

٢٢٨٠ - وَهْوَ الذِي بَيَّنَ أَهْلُ الْعِلْمِ … وَعَرَّفوا بِمَا لَهُ مِنْ حُكْمِ ٢٢٨١ - أَخْذًا مِنَ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ … بِالنُّطْقِ وَالْمَفْهُومُ فِي الْخِطَابِ ٢٢٨٢ - بِمَا يُؤَدِّيهِ وَيَقْتَضِيهِ … فَهْمُ اللِّسَانِ الْعَرَبيِّ فِيهِ ٢٢٨٣ - وَذَاكَ مُحْتَوٍ عَلَى عُلُومِ … ثَلَاثَةٍ بَيِّنَةِ التَّقْسِيمِ ٢٢٨٤ - أَحَدُهَا مَعْرِفَةُ الْمَعْبُودِ … وَمَنْ لَهُ تَوَجُّهُ الْعَبِيدِ ٢٢٨٥ - ثَانٍ لَهُ مَعْرِفَةُ الْكَيْفِيَّهْ … فِيمَا بِهِ تَوَجُّهُ الْبَرِيَّهْ ٢٢٨٦ - ثَالِثُهَا مَعْرِفَةُ الْمَئَالِ … لِمَا بِهِ نَتِيجَةُ الأَعْمَالِ العمل به، فكان ما يحصل هذا الغرض هو العلم المطلوب أصلا، وبالذات، "و" لهذا فإن هذا القسم "هو الذي بينـ"ـه "أهل العلم" وفصلوا القول في مسائله ومباحثه ودرسوها دراسة عميقة "وعرفوا بما" ثبت "له من "حقيقة و"حكم" وتعريف "أخذا" لذلك واستخراجا له "من النصوص" الواردة "في الكتاب" العزيز، وذلك الأخذ والاستخراج يكون من جهة ما دلت عليه تلك النصوص "بـ" دلالة "النطق" بها أي بمنطوقها "و" كذلك يكون من جهة "المفهوم" الوارد كل منهما "في الخطاب" بتلك النصوص، وذلك الأخذ والاستخراج يكون "بـ" حسب "ما" من المعاني "يؤديه" أي يعطيه "ويقتضيه فهم" ودلالة "اللسان العربي فيه". كما تقدم بيانه في المسألة الأولى في النوع الثاني في كتاب المقاصد. "و" إنما كان "ذاك" أي هذا القسم مخصوصا بالقصد وبهذا المقام الأعلى لأنه منطو و"محتو على علوم ثلاثة" بها قيام العلم الشرعي ووجوده، وهي علوم "بينة" واضحة "التقسيم" ظاهرته تميز بعضها عن بعض بماهياتها، "أحدها" أي هذه العلوم هو "معرفة المعبود" "و" هو "من له" جلت قدرته يحصل "توجه" وقصد "العبيد" بالدعاء والأعمال. "وثانـ"ـي هذه العلوم المنسوبة "له" أي لهذا القسم والمتضمنة فيه هو "معرفة" وعلم "الكيفية" التي تحصل "فيما" يكون "به توجه البرية" إليه - تعالى - وتقع به عبادته من الأعمال "ثالثها" أي هذه العلوم "معرفة المآل" ومصير العباد، وهذا علم مطلوب "لما" يعلم "به" وهو "نتيجة الأعمال" وجزاؤها.

стр. 870

٢٢٨٧ - وَكُلُّهَا تَدْخُل تَحْتَ جِنْسِ … الْجِنُّ مَخْلُوقٌ لَهُ كَالإِنْسِ ٢٢٨٨ - أَعْنِي بِهِ التَّعَبُّدَ الْمَطْلُوبَا … وَهْوَ لَهَا مُسْتَلْزِمٌ وُجُوبَا ٢٢٨٩ - مِنْ حَيْثُ لَا يَعْبُدُ مَنْ لَا يَعْرِفُ … وَعِنْدَمَا يَعْلَمُهُ الْمُكَلَّفُ ٢٢٩٠ - وَأَنَّهُ النَّاهِي لَهُ وَالآمِرُ … وَحَقُّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ ظَاهِرُ ٢٢٩١ - مَرْجِعُهُ لِجِهَةِ التَّعَبُّدِ … احْتَاجَ لِلْعِلْمِ بِهَذَا الْمَقْصِدِ ٢٢٩٢ - ثُمَّ النُّفُوسُ ذَاتُ طَبْعِ حَالِ … طَالِبَةٌ نَتَائِجَ الأعْمَالِ " و" هذه العلوم "كلها تدخل" وتنطوي "تحت جنس" الأصل الشرعي العام وهو "الجن مخلوق له" يعني لعبادته "كالإنس" وهذا أصل مأخوذ من قوله - تعالى -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذّاريَات: ٥٦] فالتعبد يعم كل ذلك "أعني به التعبد" الذي جعل شرعا "المطلوبا" - الألف للإطلاق - الأول، "و" الذي "هو "أمر تتحقق ماهيته ولا تقوم بالشخص، إلا إذا قامت به تلك العلوم، وبذلك فهو - أي التعبد المذكور - "لها مستلزم" ومقتض لها "وجوبا" فلا انفكاك ولا انفصال بينه وبينها، وذلك مقرر ثابت على قطع "من حيث" إنه "لا يعبد" عبادة صحيحة وثابتة في واقع الأمر "من لا يعرف" فالمجهول لا يتوجه إليه ولا يقصد بعبادة، ولا بغيرها، ثم إن معرفة المعبود هي قوام العبادة ووجودها، فإن فقدت فإنه لا عبادة على الإطلاق. وبذلك فإن معرفة المكلف المعبود - سبحانه - هي الشرط في التعبد، "وعند ما" يعرفه و"يعلمه المكلف" على الوجه المطلوب شرعا "و" من جملة ما يعلمه من ذلك "أنه" وحده "الناهي له والآمر" على الحقيقة، "و" إن عبادته "حقه" سبحانه "عليه" وهو "حق ظاهر" بين، مرده و"مرجعه لجهة" ما خلق له من "التعبد" له سبحانه "احتاج" وافتقر "للعلم" بكيفية التعبد، وهو العلم الثاني الثابت وجوبه "بهذا المقصد" الذي خلق له الجن والإنس. "ثم" بعد هذا يرد طلب علم أمور الآخرة وذلك أن "النفوس ذات" أي صاحبة "طبع" العجلة و"حال" أي صفة "طالبة" أخذ "نتائج" وثمرات "الأعمال" على شوق، ورغبة متقدة، إذ مآل الأعمال وجزاؤها عائد على العاملين بحسب ما كان منهم من طاعة، أو معصية.

стр. 871

٢٢٩٣ - فَكَانَ ذَا مُسْتَدْعِى الْخِطَابِ … لِأَنْ يَنُصَّ حَالَةَ الْمَئَابِ ٢٢٩٤ - فَأَوَّلٌ يَشْمَلُ عِلْمَ الذَّاتِ … وَالْعِلْمَ بِالأفْعَالِ وَالصِّفَاتِ ٢٢٩٥ - وَمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَيْنِ مِنْ … أَمْرُ النُّبُوَّاتِ التِي لَهَا رُكِنْ ٢٢٩٦ - فَهْيَ وَسَائِطٌ لَدَى الْوُجُودِ … بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ وَالْمَعْبُودِ ٢٢٩٧ - وَكُلُّ أَصْلٍ ثَابِتٍ لِلدِّينِ … عِلْمِيًّا أَوْ لِلْفِعْلِ بِالتَّعْيِينِ ٢٢٩٨ - وَذَا بِهِ إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ … لِمُبْطِلٍ مُكَمِّلٍ لِلشَّانِ " فكان ذا" هو "مستدعي" وطالب ورود "الخطاب" الشرعي لبيان أن الدنيا ليست بدار إقامة و"لأن ينص" أي يبين بالنص "حالة المآب" أي الرجوع إلى الله - تعالى - وإن الإقامة إنما تكون بدار الآخرة. هذه هي أنواع العلوم المنطوية في هذا القسم على سبيل الإجمال. أما على سبيل التفصيل "فـ" إن النوع الذي هو "أول" منها وهو العلم بالمتوجه إليه بالعبادة وهو الله - سبحانه - فإنه "يشمل علم الذات" الإلاهية "والعلم بالأفعال والصفات" الإلاهية. "و" كذلك يشمل "ما له تعلق بـ" أحد هـ"ذين" الموضوعين وهو أمر الصفات أو الأفعال الإلاهية "من أمر" وشأن "النبوات التي لها ركن فهي" أي النبوات "وسائط" جمع وسيطة وهي الرابطة "لدى" أي في "الوجود" الخارجي "بين المكلفين والمعبود" . "و" كذلك هي وسائط في "كل أصل ثابت للدين" سواء كان ذلك الأصل "علميا" كالعلم بأنه لا إله إلا الله وما تبعه، وتفرع عنه من عقائد، "أو "كان منسوبا "للفعل" بأن كان أمرا عمليا ثابتا "بالتعيين" له. "وذا" العلم يدخل "به" يعني فيه "إقامة البرهان" والحجج على رد افتراء كل مفتر، وصد كل رأي في أمور الدين إذا كان مسندا "لمبطل" أي مدعى باطل، ذي كذب، يعاند الحقائق، وهو مكابر. وهذا الأمر - وهو إقامة البرهان على ما ذكر - هو "مكمل" ومتمم "للشأن" الذي قيامه بهذا العلم، وقد تقدم بيانه.

стр. 872

٢٢٩٩ - وَالثَّانِ مَا يَشْمَلُ فِي التَّعْرِيفِ … لِكُلِّ مَا يَرْجِعُ للِتَّكْلِيفِ ٢٣٠٠ - مِنَ الْعِبَادِيَاتِ وَالْعَادَاتِ … وَشَامِلٌ جِنْسَ الْمُعَامَلَاتِ ٢٣٠١ - وَكُلُّ مَا يُتْبَعُ لِلتَّكْمِيلِ … مِنَ الْكِفَايَاتِ عَلَى التَّفْصِيلِ ٢٣٠٢ - وَأَصْلُهُ فِي الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ … وَعَكْسِهِ وَمُحْكَمِ التَّصْرِيفِ ٢٣٠٣ - وَالثَّالِثُ الشَّامِلُ فِيهِ النَّظَرُ … مَوَاطِنًا ثَلَاثَةً تُعْتَبَرُ ٢٣٠٤ - أَحَدُهَا الْمَوْتُ وَمَا يَلِيهِ … ثَانٍ لَهُ الْعَرْضُ وَمَا يَحْوِيهِ " و" أما النوع "الثاني" من هذه العلوم فإنه "ما" أي الذي "يشمل في" في - هنا بمعنى على يعني يشتمل على "التعريف لكل" - اللام بمعنى الباء - أي بكل "ما يرجع" في هذا الدين "للتكليف" الشرعي "من" الأمور "العباديات" كالصلاة والزكاة والصوم والحج "و" هيئات "العادات" كالأكل والشرب، واللبس، "و" هو - كذلك - "شامل" بيانه "جنس المعاملات" الجارية بين الناس كالبيع والشراء، وغيرهما "و" كذلك "كل ما يتبع" كل واحد مما ذكر من العبادات والمعاملات والعادات، "لـ" أجل "التكميل" له "من" أنواع فروض "الكفايات" التي إذا فعلها البعض سقطت عن غيره، وهذا يمضي فيه "على التفصيل" ورد كل فرض كفاية إلى ما يكمله من هذه الأمور المذكورة. "و" هذا الذي ذكر من العبادات وما معها "أصله" والجامع بينه تجده "في الأمر بالمعروف" وهذا يشمل كل مطلوب شرعا "وعكسه" وهو النهي عن المنكر، وهذا يشمل كل منهي عنه "و" النظر في "محكم" متقن "التصريف" في ذلك، يعني التصرف في ذلك - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - والقيام به. وهذا يشمل صفات المكلفين بذلك. "و" أما النوع "الثالث" من هذه العلوم فإنه "الشامل فيه النظر" والبحث "مواطنا" أي مواضع "ثلاثة" وهي أمور "تعتبر" ويهتم بها عند أهل الإيمان لعظمة شأنها في قلوبهم، وعقولهم. "أحدهما" أي هذه المواطن هو "الموت" وفناء الخلق بعد وجودهم، وهو أمر ذو هول ورهبة. "و" بعد هذا يأتي "ما يليه" أي الموت من أحوال القبور ومواطن الأرواح، وهو "ثان له" أي لما ذكر من المواطن، ويدخل فيه يوم "العرض" أي يوم القيامة "وما يحويه" ويشتمل عليه من الحساب والعقاب، والنعيم المعجل.

стр. 873

٢٣٠٥ - وَثَالِثٌ مَنْزِلُ الإِسْتِقْرَارِ … فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ أَوْ فِي النَّارِ ٢٣٠٦ - وَإِنَّ هَذَا الْجِنْسَ فِي التَّرْغِيبِ … تَكْمِيلُهُ وَمُقْتَضَى التَّرْهِيبِ ٢٣٠٧ - وَمِنْهُ الإِخْبَارُ عَنِ النَّاجِينَا … وَمُنْتَهَاهُمْ وَالْمُكَذِّبِينَا ٢٣٠٨ - فَذَاكَ مَا مِنَ الْقُرْآنِ قَدْ ظَهَرْ … فَانْحَصَرَتْ عُلُومُهُ فِي اثْنَيْ عَشَرْ ٢٣٠٩ - لَاكِنَّهَا قَدْ رَدَّهَا الْغَزَالِي … لِسِتَّةٍ تَأْتِي عَلَى الإِجْمَالِ ٢٣١٠ - ثَلَاثَةٌ سَوَابِقٌ مُهِمَّهْ … وَمِثْلُهَا تَوَابِعٌ مُتِمَّهْ ٢٣١١ - مَعْرِفَةُ الْمَعْبُودِ وَالتَّوَجُّهِ … إِلَيْهِ وَالْمَئَالُ حَيْثُ يَنْتَهِى " و" بعد هذا يأتي "ثالث" هذه المواقع - المواطن - وهو "منزل الاستقرار" والبقاء، وهو إما "في جنة الفردوس" وغيرها من الجنان، "أو في النار" أعاذنا الله - تعالى - منها بمنه ورحمته. هذا "وإن هذا الجنس" الذي كلامنا تمامه "في الترغيب" في الخير و "تكميله و" كذا "مقتضى" وموجب "الترهيب" والتخويف من النشر، "ومنه" أي هذا الذي به التكميل "الإخبار عن" أحوال "الناجينا" - الألف للإطلاق - من عذاب الله - تعالى - "و" كذا أخبار "منتهاهم" ومصيرهم المحمود، "و" كذا أخبار "المكذبينا" - الألف للإطلاق - الضالين، وأخبار مصيرهم السيء. وإذا تقرر هذا "فذاك" الذي تقدم ذكره من العلوم هو "ما" أي الذي "من القرآن" الكريم "قد ظهر" وبان "فانحصرت علومه" أي القرآن "في اثني عشر" علما، "لاكنها قد ردها" أبو حامد "الغزالي" في أول كتابه "إحياء علوم الدين" "لستة" أقسام "تأتي" مسرودة "على" سبيل "الإجمال" من غير تفصيل لها، وهي ليست كلها بمنزلة واحدة إذ "ثلاثة" منها "سوابق" للثلاثة الأخرى كما أنها "مهمة" لأنها أصول وأركان لما سواها "و" أما الثلاثة الأخرى التي هي "مثلها" من حيث كونها علوما فإنها "توابع متمة" لما سواها مما ذكر. أما الثلاثة الأولى فأولها شرح و"معرفة المعبود" ، وهذا العلم يشتمل على معرفة الذات والصفات والأفعال "و" ثانيها تعريف طريق "التوجه" والقصد "إليه" على الصراط المستقيم، وذلك بالتحلية والاتصاف بالأخلاق الحميدة، والتخلية عن الأخلاق الذميمة. "و" ثالثها: تعريف الحال الذي يكون عليه "المئال" في الدار الآخرة "حيث ينتهي" الأمر بالمكلف، وحيث يستقر، وهذا العلم

стр. 874

٢٣١٢ - وَقِصَصُ الْمُجِيبِ وَالْمُعَانِدِ … وَرَدُّ كُلِّ بَاطِلٍ وَفَاسِدِ ٢٣١٣ - وَعِلْمُ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ الزَّادِ … لِلسَّفَرِ الْمُفْضِي إِلَى الْمَعَادِ " المسألة الثامنة " ٢٣١٤ - وَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَنْهُ صَادِرُ … أَنْ لِلْقُرْانِ بَاطِنٌ وَظَاهِرُ مشتمل على ذكر حالي النعيم والعذاب، وما يتقدم ذلك من أحوال القيامة "و" أما الثلاثة الأخرى فأحدها ذكر "قصص المجيب" - اللام للجنس - يعني المجبين لله - تعالى -، وذلك بالتعريف بأحوالهم وذلك قصص الانبياء والأولياء وسره الترغيب، "و" كذا "المعاند" يعني المعاندين الكافرين بالله - تعالى -، والإعلام بأوصافهم وذلك قصص أعداء الله، وسره الترهيب "و" ثانيها "رد كل" قول ومعتقد "باطل وفاسد" لسقوط ما بني عليه وفساده وبطلانه وهذا يشتمل على ذكر الله بما ينزه عنه وذكر النبي ﷺ بما لا يليق به، وادكار عاقبة الطاعة والمعصية، وسره في جنبة الباطل والتحذير والافضاح، وفي جنبة الحق التثبيت والإيضاح، والتعريف بعمارة منازل الطريق (١)، "و" أما ثالثها فهو "علم كيفية" وطريقة "أخذ الزاد" والأهبة "للسفر" والرحيل "المفضي إلى المعاد" - بفتح الميم - مصدر ميمي بمعنى العود والرجوع، ومحصول هذا العلم ما ذكره الفقهاء في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات. وهذه الأقسام الستة تشعبت إلى عشرة، وهي ذكر الذات، والصفات، والأفعال، والمعاد، والصراط المستقيم، وهو جانب التحلية، والتزكية، وأحوال الأنبياء، والأولياء، والأعداء، ومجاهدة الكفار، وحدود الأحكام. "المسألة الثامنة" في ضبط معنى أن للقرآن ظاهرا وباطنا لأنه موضوع اختلاف، وتنازع شديد، كما أنه من مزالق النظر في بيان معاني النصوص الشرعية "و" ذلك "إن بعض الناس" منقول "عنه" و"صادر" منه "أن" بتخفيف النون للضرورة "للقرآن" في معناه ما هو "باطن" خفي "و" فيه ما هو "ظاهر" يعلم من ظاهر النصوص.

стр. 875

٢٣١٥ - مُسْتَنِدًا فِيهِ لِمُرْسَلِ الْخَبْر … وَمَا مِنَ التَّفْسِيرِ فِيهِ قَدْ صَدَرْ ٢٣١٦ - فَمِنْهُ أَنَّ بَاطِنِ الْكِتَابِ … فَهْمُ مُرَادِ اللهِ بِالْخِطَابِ ٢٣١٧ - وَالظَّاهِرُ التِّلَاوَةُ الْمُجَرَّدَهْ … دُونَ تَعَقُّلٍ لِمَا قَدْ قَصَدَهْ ٢٣١٨ - وَمَا أَتَى مِنْ طَلَبِ التَّدَبُّرِ … ءَايَاتِهِ بِصِحَّةِ الْفَرْقِ حَرِ وقائل هذا القول ربما كان "مستندا فيه" يعني في القول به "لمرسل" روي عن الحسن البصري، في "الخبر" عن هذا الأمر، وهو أن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله آية إلا ولها ظهر وبطن - بمعنى ظاهر وباطن - وكل حرف حد، وكل حد مطلع" "و" معتمدا - كذلك - على "ما من التفسير فيه" يعني في بيان معنى هذا الخبر "قد" ورد و "صدر" أي جاء فيه، "فمنه" أي هذا التفسير الوارد لهذا الخبر "أن باطن الكتاب" معناه هو "فهم مراد الله" - تعالى - ومقصده "بالخطاب" بحيث تتخطى ظواهر الألفاظ إلى المقاصد الشرعية منه. "و" أما "الظاهر" فإنه "التلاوة المجردة" التي تحصل "دون تعقل" وإدراك "لما قد قصده" الشارع من ذلك الكتاب، لأن الله - تعالى - قال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النِّسَاء: ٧٨] والمعنى لا يفقهون عن الله مراده من الخطاب ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام، كيف وهو منزل بلسانهم؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام، وكان هذا هو معنى ما روى علي عن أنه سئل: هل عندكم كتاب؟ فقال لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، الحديث. وإليه يرجع تفسير الحسن للحديث المذكور، إذ قال: الظهر هو الظاهر هو الباطن هو السر. "وما أتى" في القرآن الكريم. "من طلب التدبر آياته" ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النِّسَاء: ٨٢] أمر قاض "بصحة الفرق" بين التلاوة المجردة والتلاوة التي معها الدبر، وهو بإفادة هذا الفرق "حر" أي جدير وحقيق. لأن ظاهر المعنى شيء هم عارفون به، لأنهم عرب، فالمراد إذن شيء آخر، وهو لا شك أنه من عند الله - تعالى - وإذا حصل التدبر ارتفع هذا الفرق، ولم يوجد في قراءة القرآن اختلاف في البتة، فهذا الوجه الذي يفهم من جهته الاتفاق، وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه ولما قالوا في الحسنة: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٧٩] وفي السيئة: هذا من عند رسول الله، بين لهم أن كلا من عند الله وأنهم لا يفقهون حديثا، لكن بين الوجه الذي يتنزل عليه أن كلا من عند الله بقوله:

стр. 876

٢٣١٩ - وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مَا مَعْنَاهُ … الظَّاهِرُ الْمُفْهِمُ مَا اقْتَضَاهُ ٢٣٢٠ - وَالْبَاطِنُ الْمَعْنِيُّ سِرُّ الْحَقِّ … يُوتِيهِ مَنْ يَخْتَصُّهُ فِي الْخَلْقِ ٢٣٢١ - فَإِنْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِ مُدَّعِيهِ … مَا مَرَّ فَهْوَ لَا نِزاعَ فِيهِ ٢٣٢٢ - وَإِنْ يَكُنْ مَقْصِدُهُ سِوَاهُ … طُولِبَ بِالدَّلِيلِ فِي دَعْوَاهُ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النِّسَاء: ٧٩] الآية وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محَمَّد: ٢٤] فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد. وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر. قال بعضهم: الكلام في القرآن على ضربين: أحدهما: يكون برواية فليس يعتبر فيها إلا النقل. والآخر: يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة على لسان العبد. وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام علي (١). "وقال بعض النّاس" في هذا الشّأن "ما معناه": إنّ "الظاهر" هو الوجه "المفهم ما اقتضاه" النّصّ القرآنيّ وأفاده إمّا من جهة اللّغة أو من جهة النّقل. "و" أمّا "الباطن المعنى" أي المقصود هنا فإنّه "سرّ" يلهمه العبد ولا يكون إلّا بلسان "الحقّ" وهذا فضل "يؤتيه" - سبحانه - "من يختصه" بذلك "من الخلق" والله ذو الفضل العظيم. وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام عليّ. وحاصل هذا الكلام أنّ المراد بالظاهر هو المفهوم العربيّ والباطن هو مراد الله تعالى - سبحانه - من كلامه وخطابه، "فإن يكن من قصد" ومراد صاحب هذا القول و"مدعيه" هو "ما مرّ" ذكره تفسيرا له - أي لهذا القول وهذا الرأي المدّعى - "فـ" - إنّ ذلك صحيح و"هو" قول وجيه، وبذلك فإنّه "لا نزاع فيه" ولا نكير يرد على من ذهب إلى القول به، لأنّه جار على قواعد العلم الشّرعيّ، وواقع حاله. "و" أمّا "إن يكن مقصده" بذلك "سواه" أي سوى هذا المعنى ممّا يتجاوز هذا الذي ذكر ويتخطّاه "طولب" وألزم بالإتيان "بالدّليل في "إثبات "دعواه" وما يراه في هذا الشّأن، لأنّه ادّعى أمرا زائدا على ما كان معلوما عند الصّحابة ومن بعدهم، وما كان على هذا الحال من الدّعاوى فإنّه لا يثبت ولا يصحّ إلا بدليل ذي قوّة شرعيّة كافية في

стр. 877

٢٣٢٣ - وَلَيْسَ يَكْفِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلُ … بَلْ مَا عَلَى الْقَطْعِ لَهُ تَنَزُّلُ ٢٣٢٤ - وَكْم مِثَالٍ ثَابِت التَّقْرِيرِ … مُصَحِّحٍ لِسَابِقِ التَّفْسِيرِ ٢٣٢٥ - مِنْ ذَاكَ مَا فِي سُورَةِ النَّصْرِ وَفِي … الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ مِن النَّعْي الْخَفِي ٢٣٢٦ - لِذَا بَكَى لِآيَةِ الإِكْمَالِ … عُمَرُ لاسْتِشْعَارِهِ بِالْحَالِ ٢٣٢٧ - وَالذَّمُّ لِلْكُفَّارِ فِي مَوَاطِنِ … بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الأمْرِ الْبَاطِنِ إثباته، "و" بذلك فإنّ صاحب هذا المدّعى "ليس يكفيه" في إثبات مدّعاه هذا "حديث مرسل" أو ما في معناه من جهة الحجّيّة "بل" يفيد في ذلك ويكفي فيه "ما على القطع" والجزم في ذلك قد دلّ و"له" وقوع و"تنزّل" في إفادة ذلك. "وكم" من "مثال" وارد في هذا الشّأن "ثابت" ما يفيده من "التّقرير" والتّثبيت "مصحّح لسابق التّفسير" يعني للتّفسير السّابق ذكره للّفظيّ الظّاهر، والباطن، و"من ذاك ما" روي عن ابن عبّاس "في" شأن تفسير صدر "سورة النّصر" إذ قال: كان عمر يدخلني مع أصحاب النّبي ﷺ ، فقال له عبد الرّحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنّه من حيث تعلم. فسألني عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النّصر: ١] فقلت إنّما أجل هو رسول الله ﷺ أعلمه إيّاه، وقرأ السّورة إلى آخرها، فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما أعلم. فظاهر هذه السّورة أنّ الله - تعالى - أمر نبيّه ﷺ أن يسبّح بحمد ربّه ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه، وباطنها أنّ الله نعى إليه نفسه. "و" منه - كذلك - ما ورد "في"شأن قوله - تعالى -: ﴿"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ" لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] "من النّعي" أي الإخبار بموته ﵊ "الخفي" الذي لا يدلّ عليه ظاهر هذه الآية، ولكنّ الآية دالّة عليه بالإشارة. "لذا بكى لـ" نزول "آية الإكمال" هذه "عمر" بن الخطاب وقال: ما بعد الكمال إلا النّقصان، وكان منه ذلك "لاستشعاره" وعلمه "بالحال" الذي ستؤول إليه حياة النّبيّ ﷺ وهو الفناء، والانتهاء، فما عاش ﵊ بعد نزول هذه الآية إلّا أحدا وثمانين يوما. "و" من ذلك - أيضا - "الذّمّ للكفّار" الوارد "في مواطن" من القرآن الكريم وذلك "بـ" سبب "عدم اعتبار" هم "الأمر" والمعنى "الباطن" المقصود من الآيات، فإنّه لمّا قال الله - تعالى -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العَنكبوت: ٤١] الآية. قال الكفار ما بال العنكبوت

стр. 878

" فصل " ٢٣٢٨ - وَدَاخِلٌ فِي الظَّاهِرِ الْمُفَسَّرِ … بِمُقْتَضَى إِطْلَاقِهِ الْمُقَرَّرِ والذّباب يذكر في القرآن ما هذا كلام الإله فنزل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ فأخذوا بمجرد الظّاهر ولم ينظروا في المراد فقال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٦] الآية. ويشبه ما نحن فيه نظر الكفّار للدّنيا واعتدادهم منها بمجرد الظّاهر الذي هو لهو ولعب وظلّ زائل وترك ما هو مقصود منها وهو كونها مجازا ومعبرا لا محلّ سكنى وهذا هو باطنها على ما تقدّم من التّفسير ولمّا قال تعالى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدَّثِّر: ٣٠] نظر الكفار إلى ظاهر العدد فقال أبو جهل فيما روي لا يعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فبيّن الله تعالى باطن الأمر بقوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ إلى قوله ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدَّثِّر: ٣١] وقال ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فنظروا إلى ظاهر الحياة الدّنيا وقال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنَافِقون: ٨] وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمَان: ٦] الآية لمّا نزل القرآن الذي هو هدى للنّاس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النّضر بن الحارث بأخبار فارس والجاهلية وبالغناء فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل الله وقال تعالى في المنافقين ﴿لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وهذا عدم فقه منهم لأنّ من علم أنّ الله هو الذي بيده ملكوت كلّ شيء وأنّه هو مصرّف الأمور فهو الفقيه ولذلك قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الحَشر: ١٣] وكذلك قوله تعالى ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التّوبَة: ١٢٧] لأنّهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثمّ انصرفوا. فاعلم أنّ الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه وهو باطنه (١). "فصل" في أنّ الظاهر يشمل كلّ ما ينبني عليه فهم القرآن من المعاني العربيّة. وبذلك فإنّه مندرج "وداخل في" معنى "الظّاهر المفسّر" - المبيّن - وذلك "بمقتضى" وحكم "إطلاقه المقرّر" - فيما سبق إيراده من الكلام -.

стр. 879

٢٣٢٩ - جَمِيعُ مَا يَرْجِعُ لِلِّسَانِ … مِنْ مَقْصِدٍ مَلْحَظُهُ بَيَانِي ٢٣٣٠ - كَفَهْمِ مَعْنَى ضَيِّقِ وَضَائِقْ … فِي مَوْضِعِيهِمَا لأَمْرٍ فَارِقٍ ٢٣٣١ - وَمُقْتَضَى النِّدَاءِ لِلتَّفْهِيمِ … عَلَى الْخُصُوصُ أَوْ عَلَى التَّعْمِيمِ " جميع ما يرجع" أي يفهم "لـ" جهة "اللّسان" العربيّ، "من" معنى و"مقصد" مدركه و"ملحظه" أي المحلّ الذي يلحظ منه "بياني" بحيث يؤخذ من جهة صيغ الكلام وأحوال تراكيبه، ومنازعه البلاغيّة - كالتّمثيل والتّشبيه وما أشبه ذلك - ممّا لا معدل به عن ظاهر القرآن، وذلك "كفهم معنى ضيّق" بتشديد الياء على وزن فعيل "وضائق" - بصيغة اسم الفاعل - "في موضعيهما" من القرآن الكريم، وهما قوله - تعالى -: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعَام: ١٢٥] وقوله تعالى ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُود: ١٢] وما حصل من التّفرقة بينهما في الصّيغة "لأمر" أي معنى "فارق" بينهما، وهو أنّ الأوّل - وهو ضيّق - يدلّ على اللّزوم والثّبوت، لأنّ فعيلا يدلّ على الوصف اللّازم ككبير وصغير وميّت، والثّاني - وهو ضائق - يدلّ على الحدوث والتّجدد، وعدم الثّبوت، كجالس وقائم وضاحك. "و" كذا فهم الفرق بين "مقتضى" ومفاد "النّداء" المسوق "للتّفهيم" لمعنى جار على نوع معين من النّاس "على" وجه "الخصوص" نحو ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبين النّداء الوارد على سبيل الشّمول "أو على التّعميم" نحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، فقد روي عن إبراهيم بن علقمة أنّه قال: كلّ شيء نزل في ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنّه مكيّ، و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدنيّ وبيّن أنّ ما يرد بعد أحد المناديين يكون موافقا لحاله من جهة ما يحتاج إليه من الإصلاح، والتّذكير أو إقامة الحجّة والبرهان عليه في أمور العقيدة وغيرها، فللمؤمن يساق في ذلك ما يصلحه ويثبّته وتتمّ به عبادته لربّه، وللكافر يساق فيه ما يردّهُ عن غيّهِ، ويصرفه إلى الحقِّ، ويستثير عقله، وغير ذلك ممّا يجري على وفق حال كلّ واحد من الطّرفين: المؤمن، والكافر. قال السّيوطي في الإتقان: خطاب المدح نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولهذا وقع خطابا لأهل المدينة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفَال: ٧٤] أخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة ما تقرأون في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنّه في التّوراة [يا أيّها المساكين] وأخرج البيهقيّ وأبو عبيد وغيرهما عن ابن مسعود قال: إذا سمعت الله

стр. 880

٢٣٣٢ - وَالنَّصْبُ فِي قَالُوا سَلَامًا وَحْدَهْ … وَالرَّفْعُ فِي قَالَ سَلَامٌ بَعْدَهْ ٢٣٣٣ - وَمَا بِسَوْقِ الاسْمِ وَالْفِعْلِ لَدَا … تَذَكَّرُوا وَمُبْصِرُونَ قَصَدَا يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأوعها سمعك فإنّه خير يأمر به أو شرّ ينهى عنه (١). وقال الزّمخشريّ في الكشّاف: فإن قلت: لم كثر في كتاب الله النّداءُ على هذه الطّريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلتُ: لاستقلاله بأوجه من التّأكيد وأسباب المبالغة، لأنّ كلّ ما نادى الله له عباده - مِنْ أوامره، ونواهيه، وزواجره، ووعده، ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدّارجة عليهم، ممّا أنطق الله به كتابه - أمورٌ عظامٌ وخطوب جسام، ومعان عليهم أن يتيّقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون، فاقتضت أن ينادوا بالآكد الأبلغ" (٢). "و" مثل ذلك "النّصب" الوارد "في"قوله - تعالى -: " ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هُود: ٦٩] وحده" بعد قوله - سبحانه -: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ [الذّاريَات: ٢٤، ٢٥] "والرّفع" الوارد "في"قوله - تعالى -: ﴿"قَالَ سَلَامٌ"﴾ [الذّاريَات: ٢٥] " الوارد "بعده" أي بعد ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ المذكور وهو منصوب بإضمار أذكر، وهو مصدر سدّ مسدّ الفعل مستغنى به عنه. وأصله: نسلم عليكم سلاما. وأمّا [سلام] فمعدول به إلى الرّفع على الإبتداء، وخبره محذوف، معناه عليكم سلام، للدلالة على ثبات السّلام، كأنّه قصد أن يحيّيهم بأحسن ممّا حيّوه به (٣). "و" من ذلك - أيضا - "ما" أريد "بسوق الاسم" الآتي وهو [مبصرون] في مجرى الإخبار بالإبصار "أو" يعني و"الفعل" وهو [تذكّروا] وذلك "لدا" يعني في قوله تعالى: [﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ "تَذَكَّرُوا"﴾ [الأعرَاف: ٢٠١]] "و" في قوله - تعالى - ﴿"فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ"﴾ [الأعرَاف: ٢٠١] و"قصدا" - الألف للإطلاق - من الفرق، وهو على ما يبدو أنّ الفعل الماضي يدلّ على ثبوت الوقوع، والزّوال بعد الوقوع. والاسم - الوصف - يدلّ - هنا - على القيام بالذّات،
следующие страницы →