← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٢٣١٩ - وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مَا مَعْنَاهُ … الظَّاهِرُ الْمُفْهِمُ مَا اقْتَضَاهُ ٢٣٢٠ - وَالْبَاطِنُ الْمَعْنِيُّ سِرُّ الْحَقِّ … يُوتِيهِ مَنْ يَخْتَصُّهُ فِي الْخَلْقِ ٢٣٢١ - فَإِنْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِ مُدَّعِيهِ … مَا مَرَّ فَهْوَ لَا نِزاعَ فِيهِ ٢٣٢٢ - وَإِنْ يَكُنْ مَقْصِدُهُ سِوَاهُ … طُولِبَ بِالدَّلِيلِ فِي دَعْوَاهُ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النِّسَاء: ٧٩] الآية وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محَمَّد: ٢٤] فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد. وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر. قال بعضهم: الكلام في القرآن على ضربين: أحدهما: يكون برواية فليس يعتبر فيها إلا النقل. والآخر: يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة على لسان العبد. وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام علي (١). "وقال بعض النّاس" في هذا الشّأن "ما معناه": إنّ "الظاهر" هو الوجه "المفهم ما اقتضاه" النّصّ القرآنيّ وأفاده إمّا من جهة اللّغة أو من جهة النّقل. "و" أمّا "الباطن المعنى" أي المقصود هنا فإنّه "سرّ" يلهمه العبد ولا يكون إلّا بلسان "الحقّ" وهذا فضل "يؤتيه" - سبحانه - "من يختصه" بذلك "من الخلق" والله ذو الفضل العظيم. وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام عليّ. وحاصل هذا الكلام أنّ المراد بالظاهر هو المفهوم العربيّ والباطن هو مراد الله تعالى - سبحانه - من كلامه وخطابه، "فإن يكن من قصد" ومراد صاحب هذا القول و"مدعيه" هو "ما مرّ" ذكره تفسيرا له - أي لهذا القول وهذا الرأي المدّعى - "فـ" - إنّ ذلك صحيح و"هو" قول وجيه، وبذلك فإنّه "لا نزاع فيه" ولا نكير يرد على من ذهب إلى القول به، لأنّه جار على قواعد العلم الشّرعيّ، وواقع حاله. "و" أمّا "إن يكن مقصده" بذلك "سواه" أي سوى هذا المعنى ممّا يتجاوز هذا الذي ذكر ويتخطّاه "طولب" وألزم بالإتيان "بالدّليل في "إثبات "دعواه" وما يراه في هذا الشّأن، لأنّه ادّعى أمرا زائدا على ما كان معلوما عند الصّحابة ومن بعدهم، وما كان على هذا الحال من الدّعاوى فإنّه لا يثبت ولا يصحّ إلا بدليل ذي قوّة شرعيّة كافية في

стр. 877

٢٣٢٣ - وَلَيْسَ يَكْفِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلُ … بَلْ مَا عَلَى الْقَطْعِ لَهُ تَنَزُّلُ ٢٣٢٤ - وَكْم مِثَالٍ ثَابِت التَّقْرِيرِ … مُصَحِّحٍ لِسَابِقِ التَّفْسِيرِ ٢٣٢٥ - مِنْ ذَاكَ مَا فِي سُورَةِ النَّصْرِ وَفِي … الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ مِن النَّعْي الْخَفِي ٢٣٢٦ - لِذَا بَكَى لِآيَةِ الإِكْمَالِ … عُمَرُ لاسْتِشْعَارِهِ بِالْحَالِ ٢٣٢٧ - وَالذَّمُّ لِلْكُفَّارِ فِي مَوَاطِنِ … بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الأمْرِ الْبَاطِنِ إثباته، "و" بذلك فإنّ صاحب هذا المدّعى "ليس يكفيه" في إثبات مدّعاه هذا "حديث مرسل" أو ما في معناه من جهة الحجّيّة "بل" يفيد في ذلك ويكفي فيه "ما على القطع" والجزم في ذلك قد دلّ و"له" وقوع و"تنزّل" في إفادة ذلك. "وكم" من "مثال" وارد في هذا الشّأن "ثابت" ما يفيده من "التّقرير" والتّثبيت "مصحّح لسابق التّفسير" يعني للتّفسير السّابق ذكره للّفظيّ الظّاهر، والباطن، و"من ذاك ما" روي عن ابن عبّاس "في" شأن تفسير صدر "سورة النّصر" إذ قال: كان عمر يدخلني مع أصحاب النّبي ﷺ ، فقال له عبد الرّحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنّه من حيث تعلم. فسألني عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النّصر: ١] فقلت إنّما أجل هو رسول الله ﷺ أعلمه إيّاه، وقرأ السّورة إلى آخرها، فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما أعلم. فظاهر هذه السّورة أنّ الله - تعالى - أمر نبيّه ﷺ أن يسبّح بحمد ربّه ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه، وباطنها أنّ الله نعى إليه نفسه. "و" منه - كذلك - ما ورد "في"شأن قوله - تعالى -: ﴿"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ" لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] "من النّعي" أي الإخبار بموته ﵊ "الخفي" الذي لا يدلّ عليه ظاهر هذه الآية، ولكنّ الآية دالّة عليه بالإشارة. "لذا بكى لـ" نزول "آية الإكمال" هذه "عمر" بن الخطاب وقال: ما بعد الكمال إلا النّقصان، وكان منه ذلك "لاستشعاره" وعلمه "بالحال" الذي ستؤول إليه حياة النّبيّ ﷺ وهو الفناء، والانتهاء، فما عاش ﵊ بعد نزول هذه الآية إلّا أحدا وثمانين يوما. "و" من ذلك - أيضا - "الذّمّ للكفّار" الوارد "في مواطن" من القرآن الكريم وذلك "بـ" سبب "عدم اعتبار" هم "الأمر" والمعنى "الباطن" المقصود من الآيات، فإنّه لمّا قال الله - تعالى -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العَنكبوت: ٤١] الآية. قال الكفار ما بال العنكبوت

стр. 878

" فصل " ٢٣٢٨ - وَدَاخِلٌ فِي الظَّاهِرِ الْمُفَسَّرِ … بِمُقْتَضَى إِطْلَاقِهِ الْمُقَرَّرِ والذّباب يذكر في القرآن ما هذا كلام الإله فنزل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ فأخذوا بمجرد الظّاهر ولم ينظروا في المراد فقال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٦] الآية. ويشبه ما نحن فيه نظر الكفّار للدّنيا واعتدادهم منها بمجرد الظّاهر الذي هو لهو ولعب وظلّ زائل وترك ما هو مقصود منها وهو كونها مجازا ومعبرا لا محلّ سكنى وهذا هو باطنها على ما تقدّم من التّفسير ولمّا قال تعالى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدَّثِّر: ٣٠] نظر الكفار إلى ظاهر العدد فقال أبو جهل فيما روي لا يعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فبيّن الله تعالى باطن الأمر بقوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ إلى قوله ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدَّثِّر: ٣١] وقال ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فنظروا إلى ظاهر الحياة الدّنيا وقال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنَافِقون: ٨] وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمَان: ٦] الآية لمّا نزل القرآن الذي هو هدى للنّاس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النّضر بن الحارث بأخبار فارس والجاهلية وبالغناء فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل الله وقال تعالى في المنافقين ﴿لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وهذا عدم فقه منهم لأنّ من علم أنّ الله هو الذي بيده ملكوت كلّ شيء وأنّه هو مصرّف الأمور فهو الفقيه ولذلك قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الحَشر: ١٣] وكذلك قوله تعالى ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التّوبَة: ١٢٧] لأنّهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثمّ انصرفوا. فاعلم أنّ الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه وهو باطنه (١). "فصل" في أنّ الظاهر يشمل كلّ ما ينبني عليه فهم القرآن من المعاني العربيّة. وبذلك فإنّه مندرج "وداخل في" معنى "الظّاهر المفسّر" - المبيّن - وذلك "بمقتضى" وحكم "إطلاقه المقرّر" - فيما سبق إيراده من الكلام -.

стр. 879

٢٣٢٩ - جَمِيعُ مَا يَرْجِعُ لِلِّسَانِ … مِنْ مَقْصِدٍ مَلْحَظُهُ بَيَانِي ٢٣٣٠ - كَفَهْمِ مَعْنَى ضَيِّقِ وَضَائِقْ … فِي مَوْضِعِيهِمَا لأَمْرٍ فَارِقٍ ٢٣٣١ - وَمُقْتَضَى النِّدَاءِ لِلتَّفْهِيمِ … عَلَى الْخُصُوصُ أَوْ عَلَى التَّعْمِيمِ " جميع ما يرجع" أي يفهم "لـ" جهة "اللّسان" العربيّ، "من" معنى و"مقصد" مدركه و"ملحظه" أي المحلّ الذي يلحظ منه "بياني" بحيث يؤخذ من جهة صيغ الكلام وأحوال تراكيبه، ومنازعه البلاغيّة - كالتّمثيل والتّشبيه وما أشبه ذلك - ممّا لا معدل به عن ظاهر القرآن، وذلك "كفهم معنى ضيّق" بتشديد الياء على وزن فعيل "وضائق" - بصيغة اسم الفاعل - "في موضعيهما" من القرآن الكريم، وهما قوله - تعالى -: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعَام: ١٢٥] وقوله تعالى ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُود: ١٢] وما حصل من التّفرقة بينهما في الصّيغة "لأمر" أي معنى "فارق" بينهما، وهو أنّ الأوّل - وهو ضيّق - يدلّ على اللّزوم والثّبوت، لأنّ فعيلا يدلّ على الوصف اللّازم ككبير وصغير وميّت، والثّاني - وهو ضائق - يدلّ على الحدوث والتّجدد، وعدم الثّبوت، كجالس وقائم وضاحك. "و" كذا فهم الفرق بين "مقتضى" ومفاد "النّداء" المسوق "للتّفهيم" لمعنى جار على نوع معين من النّاس "على" وجه "الخصوص" نحو ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبين النّداء الوارد على سبيل الشّمول "أو على التّعميم" نحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، فقد روي عن إبراهيم بن علقمة أنّه قال: كلّ شيء نزل في ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنّه مكيّ، و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدنيّ وبيّن أنّ ما يرد بعد أحد المناديين يكون موافقا لحاله من جهة ما يحتاج إليه من الإصلاح، والتّذكير أو إقامة الحجّة والبرهان عليه في أمور العقيدة وغيرها، فللمؤمن يساق في ذلك ما يصلحه ويثبّته وتتمّ به عبادته لربّه، وللكافر يساق فيه ما يردّهُ عن غيّهِ، ويصرفه إلى الحقِّ، ويستثير عقله، وغير ذلك ممّا يجري على وفق حال كلّ واحد من الطّرفين: المؤمن، والكافر. قال السّيوطي في الإتقان: خطاب المدح نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولهذا وقع خطابا لأهل المدينة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفَال: ٧٤] أخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة ما تقرأون في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنّه في التّوراة [يا أيّها المساكين] وأخرج البيهقيّ وأبو عبيد وغيرهما عن ابن مسعود قال: إذا سمعت الله

стр. 880

٢٣٣٢ - وَالنَّصْبُ فِي قَالُوا سَلَامًا وَحْدَهْ … وَالرَّفْعُ فِي قَالَ سَلَامٌ بَعْدَهْ ٢٣٣٣ - وَمَا بِسَوْقِ الاسْمِ وَالْفِعْلِ لَدَا … تَذَكَّرُوا وَمُبْصِرُونَ قَصَدَا يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأوعها سمعك فإنّه خير يأمر به أو شرّ ينهى عنه (١). وقال الزّمخشريّ في الكشّاف: فإن قلت: لم كثر في كتاب الله النّداءُ على هذه الطّريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلتُ: لاستقلاله بأوجه من التّأكيد وأسباب المبالغة، لأنّ كلّ ما نادى الله له عباده - مِنْ أوامره، ونواهيه، وزواجره، ووعده، ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدّارجة عليهم، ممّا أنطق الله به كتابه - أمورٌ عظامٌ وخطوب جسام، ومعان عليهم أن يتيّقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون، فاقتضت أن ينادوا بالآكد الأبلغ" (٢). "و" مثل ذلك "النّصب" الوارد "في"قوله - تعالى -: " ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هُود: ٦٩] وحده" بعد قوله - سبحانه -: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ [الذّاريَات: ٢٤، ٢٥] "والرّفع" الوارد "في"قوله - تعالى -: ﴿"قَالَ سَلَامٌ"﴾ [الذّاريَات: ٢٥] " الوارد "بعده" أي بعد ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ المذكور وهو منصوب بإضمار أذكر، وهو مصدر سدّ مسدّ الفعل مستغنى به عنه. وأصله: نسلم عليكم سلاما. وأمّا [سلام] فمعدول به إلى الرّفع على الإبتداء، وخبره محذوف، معناه عليكم سلام، للدلالة على ثبات السّلام، كأنّه قصد أن يحيّيهم بأحسن ممّا حيّوه به (٣). "و" من ذلك - أيضا - "ما" أريد "بسوق الاسم" الآتي وهو [مبصرون] في مجرى الإخبار بالإبصار "أو" يعني و"الفعل" وهو [تذكّروا] وذلك "لدا" يعني في قوله تعالى: [﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ "تَذَكَّرُوا"﴾ [الأعرَاف: ٢٠١]] "و" في قوله - تعالى - ﴿"فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ"﴾ [الأعرَاف: ٢٠١] و"قصدا" - الألف للإطلاق - من الفرق، وهو على ما يبدو أنّ الفعل الماضي يدلّ على ثبوت الوقوع، والزّوال بعد الوقوع. والاسم - الوصف - يدلّ - هنا - على القيام بالذّات،

стр. 881

٢٣٣٤ - وَمَيْزُ مَا يُفِيدُ قَصْدَ الْوَصْلِ … بِحَيْثُ مَا جَاءَ وَقَصْدَ الْفَصْلِ ٢٣٣٥ - وَالْفَرْقُ مَا بَيْنَ إِذَا وَإِنْ وَمَا … بَعْد مِنَ الْجَوَابِ يَأْتِي بِهِمَا ٢٣٣٦ - وَغَيْر هِذِه مِنَ الْمَعَانِي … الْمُسْتَفَادَاتِ مِنَ الْبَيَانِ ٢٣٣٧ - وَمِنْ هُنَا يَقُولُ بَعْضُ الْعُلَمَا … إِعْجَازُهُ إِلَى الْفَصَاحَةِ انْتَمَا والاستمرار. والله - تعالى - أعلم. "و" منه - أيضا - "ميّز" أي فرز وعزل "ما يفيد" ويقتضي من الكلام بحكم حاله ترك عطف بعضه على بعض "قصد الوصل" بين أجزائه "بحيث ما" يعني في أيّ موضع "جاء" وورد "و" ما من الكلام يقتضي ويفيد بحكم حاله عطف بعضه على بعض "قصد الفصل" بين أجزائه. وهذا موضوع مفصّل فيه البحث والكلام في علم البيان. "و" من ذلك - أيضا -: "الفرق" الحاصل "ما بين" لفظة "إذا" الشّرطيّة "و" لفظة "إن" الشّرطيّة "وما" يرد "بعد" هما "من الجواب" و"يأتي بـ" مقتضا "هما" قال القزويني في التلخيص: "فإن وإذا للشرط في الاستقبال لكن أصل إن عدم الجزم في وقوع الشرط، فلا تقع في كلام الله تعالى على الأصل إلا حكاية أو على ضرب من التأويل وأصل إذا الجزم بقوعه" (١) "وغير هذه" المعاني المذكورة "من المعاني المستفادات من "جهة "البيان" وما انطوى عليه من وجوه الكلام، وأساليبه المختلفة، فإذا حصل فهم ذلك كلّه على ترتيبه في اللسان العربيّ، فقد حصل فهم ظاهر القرآن. "ومن "هذا الذي قرّر "هنا" وبيّن أمره "يقول بعض العلماء" إنّ القرآن "إعجازه إلى الفصاحة" يسند، فإنّه إليها "انتمى" وانتسب. قال الله - تعالى - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هُود: ١٣] وهو لائق أن يكون الإعجاز بالفصاحة لا بغيرها، إذ لم يؤتوا على هذا التقدير إلا من باب ما يستطيعون مثله في الجملة (٢).

стр. 882

٢٣٣٨ - وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى التَّوْحِيدِ … وَمَا عَلَى الْعِبَادِ لِلْمَعْبُودِ ٢٣٣٩ - فَإِنَّهُ بَاطِنُهُ الْمُرَادُ … وَبِالذِي قْد مَرَّ الاسْتِشْهَادُ ٢٣٤٠ - وَمِثْلُ مَفْهُومِ أَبِي الدَّحْدَاحِ فِي … مَنْ ذَا الذِي يُقْرِضُ فِي الْمَعْنَى حَفِي ٢٣٤١ - لَا مِثْلَ مَفْهُومِ الْيَهُودِ … فِيِه تَبًّا لَهُمْ فِي الْقَصْدِ لِلتَّشْبِيهِ هذا هو أمر الظّاهر وبيانه، "وكلّ ما دلّ" من المعاني "على التّوحيد" لله - تعالى - والإقرار له سبحانه بالرّبوبيّة "و" كذا "ما" دلّ على الحقوق وثبوتها ووجوبها "على العباد للمعبود" "فإنّه باطنه" أي القرآن، لأنّه "المراد" والمقصود الذي أنزل لأجله "و" الاستدلال على هذا جار "بالذي قد مرّ" آنفا وبه "الاستشهاد" على ذلك "و" منه - أي من هذا الباطن - "مثل مفهوم أبي الدّحداح" - الذي فهمه - في قوله - تعالى -[﴿"مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ" اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَة: ٢٤٥]] فإنّه قد روي عنه أنّه قال لمّا نزلت هذه الآية: إنّ الله كريم استقرض منّا ما أعطانا. وهذا الذي فهمه من الآية أمر "في" طيّات "المعنى" الذي تدلّ عليه هذه الآية "خفيّ" لا يدركه إلّا فقيه يدرك من معاني النّص الشّرعي خفيّها، كما يدرك جليّها وقد أجاب رسول الله ﷺ أبا الدّحداح عن قوله هذا، فقال له "نعم ليدخلكم الجنّة". و"لا" يعدّ من هذا "مثل مفهوم" ومدرك "اليهود فيه" أي في هذا النّص - الآية - المذكور "تبّا" وهلاكا "لهم" ما أخبث نفوسهم وما أبلد عقولهم إذ فهموا "في" معناها ومقتضاها "القصد للتّشبيه" لله - تعالى - بخلقه، وقالوا ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عِمرَان: ١٨١] نعوذ بالله من الضّلالة والخذلان. وممّا يعدّ من هذا الباطن - مراد الله تعالى - وقصده في كتابه، أنّ العبادات المأمور بها، بل المأمورات والمنهيّات كلّها إنّما طلب بها العبد شكرا لما أنعم الله به عليه، ألا ترى قوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النّحل: ٧٨] وفي الأخرى ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعرَاف: ١٠] والشّكر ضدّ الكفر، فالإيمان وفروعه هو الشّكر، فإذا دخل المكلّف تحت أعباء التّكليف بهذا القصد فهو الذي فهم المراد من الخطاب، وحصّل باطنه على التّمام، وإن هو فهم من ذلك مقتضى عصمة ماله

стр. 883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ودمه فقط فهذا خارج عن المقصود، وواقف مع ظاهر الخطاب فإنّ الله قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ثمّ قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التّوبَة: ٥] فالمنافق إنّما فهم مجرد ظاهر الأمر من أنّ الدّخول فيما دخل فيه المسلمون موجب لتخلية سبيلهم فعملوا على الإحراز من عوادي الدّنيا، وتركوا المقصود من ذلك، وهو الذي بيّنه القرآن من التّعبد لله والوقوف على قدم الخدمة، فإذا كانت الصّلاة تشعر بإلزام الشّكر بالخضوع لله والتّعظيم لأمره فمن دخلها عريّا من ذلك كيف يعدّ ممّن فهم باطن القرآن؟ وكذلك إذا كان له مال حال عليه الحول فوجب عليه شكر النّعمة ببذل اليسير من الكثير، عودا عليه بالمزيد فوهبه عند رأس الحول فرارا من أدائها لا قصد له إلا ذلك، كيف يكون شاكرا للنّعمة؟ وكذلك من يضارّ الزّوجة لتنفكّ له من المهر على غير طيب النّفس لا يعدّ عاملا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] حتّى يجري على معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاء: ٤] وتجري هنا مسائل الحيل أمثلة لهذا المعنى، لأنّ من فهم باطن ما خوطب به لم يحتلّ على أحكام الله حتّى ينال منها بالتّبديل والتّغيير، ومن وقف مع مجرد الظّاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة. وكذلك تجري مسائل المبتدعة أمثلة أيضا، وهم الذين يتّبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كما قال الخوارج لعلي: إنّه حكّم الخلق في دين الله، والله يقول ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعَام: ٥٧] وقالوا: إنّه محا نفسه من إمارة المؤمنين، فهو إذا أمير الكافرين وقالوا لابن عبّاس لا تناظروه، فإنّه ممّن قال الله فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزّخرُف: ٥٨] وكما زعم أهل التّشبيه في صفة الباري حين أخذوا بظاهر قوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القَمَر: ١٤] ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشّورى: ١١] ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر: ٦٧] وحكّموا مقتضاه بالقياس على المخلوقين فأسرفوا ما شاؤوا فلو نظر الخوارج أنّ الله تعالى قد حكّم الخلق في دينه في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المَائدة: ٩٥] ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥] لعلموا أنّ قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ غير مناف لما فعله عليّ، وأنّه من جملة حكم الله فإن تحكيم الرّجال يرجع به الحكم لله وحده، فكذلك ما كان مثله ممّا فعله عليّ. ولو نظروا إلى أن محو الاسم من أمر لا يقتضي إثباته لضده لما قالوا: إنّه

стр. 884

" المسألة التاسعة " ٢٣٤٢ - وَكَوْنُ مَفْهُومِ اللِّسَانِ الْعَرَبي … ظَاهْرهُ غَيْرُ خَفِي السَّبَبِ ٢٣٤٣ - فَمَا بِهِ اسْتُنْبِطَ غَيْرُ جَارِ … عَلَى لِسَانِ الْعُرْبِ بِاعْتِبَارِ أمير الكافرين، وهكذا المشبّهة لو حقّقت معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشّورى: ١١] في الآيات المذكورة لفهموا بواطنها، وأنّ الربّ منزه عن سمات المخلوقين. وعلى الجملة فكلّ من زاغ ومال عن الصّراط المستقيم فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما، وكلّ من أصاب الحقّ وصادف الصواب فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه (١). "المسألة التاسعة" في أنّ كلّ ما استنبط من القرآن وأخذ منه وهو غير جار على مقتضى اللّسان العربيّ لا يعتدّ به، ولا مبالاة به إذ ليس من علوم القرآن في شيء. "و" ذلك أنّ "كون مفهوم" ومعنى "اللّسان العربيّ" هو "ظاهره" أي القرآن الكريم "غير خفي "الدّليل و"السّبب" الموجب لهذا الوصف - الحكم -، وذلك لأنّ المؤالف والمخالف اتّفقوا على أنّه منزّل بلسان عربي، قال - سبحانه - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ ثمّ ردّ الحكاية عليهم بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النّحل: ١٠٣] وهذا الرّدّ على شرط الجواب في الجدل لأنّه أجابهم بما يعرفون من القرآن الذي هو بلسانهم، والبشر هنا حَبر، وكان نصرانيّا فأسلم، أو سلمان، وقد كان فارسيّا فأسلم، أو غيرهما ممّن كان لسانه غير عربيّ باتّفاق منهم، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فُصّلَت: ٤٤] وقد علم أنّهم لم يقولوا شيئا من ذلك، فدلّ على أنّه عندهم عربيّ، وإذا ثبت هذا فقد كانوا فهموا معنى ألفاظه من حيث هو عربيّ فقط وإن لم يتّفقوا على فهم المراد منه، فلا يشترط في ظاهره زيادة على الجريان على اللّسان العربيّ (٢). وبناء على هذا "فـ" إنّ كلّ "ما به" يعني فيه أي القرآن "استنبط" وهو "غير جار على" معاني وأساليب "لسان العرب" ومقتضياته "باعتبار" ما من الاعتبارات التي عليها بناء

стр. 885

٢٣٤٤ - فَلَيْسَ مِنْ عُلُومِهِ وَالْمُدَّعِي … لِذَاكَ مُبْطِلٌ وَغَيْرُ مُتْبَعِ ٢٣٤٥ - سَواءًا اسْتُفِيدَ مِنْهُ أَوْ بِهِ … كَمَنْ نِكَاحُ التِّسْعِ مِنْ مَذْهَبِهِ هذا اللّسان "فـ" إنّه "ليس من علومه" أي القرآن في شيء على الإطلاق "و" المنحرف عن العمل بمقتضى هذه الحقيقة - القاعدة - "المدّعى لذاك" وهو أنّه يستخرج من القرآن من المعاني ما لا يجري على وفق اللّسان العربي هو مفتر و"مبطل" أي آت بالباطل، "و" بذلك فهو "غير متبّع" فيما يصدر منه، بل لا مبالاة به على الإطلاق، "سواء" كان ذلك ممّا ادَّعى أنه "استفيد منه" أي من ظاهر ألفاظ القرآن "أو "كان ممّا ادّعى أنّه استفيد "به" أي بالقرآن وذلك "كمن "من أهل الكلام قال بجواز "نكاح" وتزوّج "التّسع" من النّسوة على وجه الجمع بينهنّ، وكان هذا في هذا الشّأن "من مذهبه" مستدلا بقوله - تعالى -: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النِّسَاء: ٣]. ولا يقول مثل هذا من فهم وضع العرب في مثنى وثلاث ورباع. ومن أمثلة هذا الفصل ما ادعاه من لا خلاق له من أنّه مسمى في القرآن كبيان بن سمعان حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ١٣٨] الآية وهو من التُّرَّهات بمكان مكين، والسكوت على الجهل كان أولى به من هذا الافتراء البارد. ولو جرى له على اللسان العربي لعدّه الحمقى من جملتهم ولكنه كشف عوار نفسه من كلّ وجه. عافانا الله، وحفظ علينا العقل والدين بمنه وإذا كان بيانٌ في الآية علما له فأي معنى لقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ كما يقال هذا زيد للناس ومثله في الفحش من تسمى بالكسف ثم زعم أنه المراد بقوله تعالى وإن يروا كسفا من السماء ساقطا الآية فأي معنى يكون للآية على زعمه الفاسد؟ كما تقول وإن يروا رجلا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وبيان بن سمعان هذا هو الذي تنسب إليه البيانية من الفرق وهو فيما زعم ابن قتيبة أول من قال بخلق القرآن والكِسف هو أبو منصور الذي تنسب إليه المنصورية، وحكى بعض العلماء أن عبيد الله الشيعي المسمى بالمهدي حين ملك إفريقية واستولى عليها كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره وكان أحدهما يسمى بنصر الله والآخر بالفتح فكان يقول لهما أنتما اللذان ذكركما الله في كتابه فقال إذا جاء نصر الله والفتح قالوا وقد كان عمل ذلك في آيات من كتاب الله تعالى فبدل قوله كنتم خير أمة أخرجت للناس بقوله كتامة خير أمة أخرجت للناس ومن كان في عقله لا يقول مثل هذا لأن المتسميين بنصر الله والفتح المذكورين إنما وجدا بعد مئين من السنين

стр. 886

" فصل " ٢٣٤٦ - وَكَوْنُ مَا يُرَادُ فِي الْخِطَابِ … بَاطِنُهُ بَادٍ إِلَى الأَلْبَابِ من وفاة رسول الله ﷺ فيصير المعنى إذا مت يا محمد ثم خلق هذان ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ﴾ [النّصر: ٢، ٣] الآية فأي تناقض وراء هذا الإفك الذي افتراه الشيعي قاتله الله (١). ومن هؤلاء الضّالين من يرى شحم الخنزير وجلده حلالا لأن الله قال حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يحرم شيئا غير لحمه ولفظ اللحم يتناول الشحم وغيره بخلاف العكس ومنهم من فسر الكرسي في قوله وسع كرسيه السموات والأرض بالعلم مستدلين ببيت لا يعرف وهو ولا بكرسئ علم الله مخلوق كأنه عندهم ولا يعلم علمه وبكرسئ مهموز والكرسي غير مهموز ومنهم من فسر غوى في قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى أنه تخم من أكل الشجرة من قول العرب غوي الفصيل يغوي غوى إذا بشم من شرب اللبن وهو فاسد لأن غوي الفصيل فعل والذي في القرآن على وزن فعل ومنهم من قال في قوله ولقد ذرأنا لجهنم أي ألقينا فيها كأنه عندهم من قول الناس ذرته الريح وذرأ مهموز وذرا غير مهموز وفي قوله واتخذ الله إبراهيم خليلا أي فقيرا إلى رحمته من الخلة بفتح الخاء محتجين على ذلك بقول زهير وإن أتاه خليل يوم مسألة قال ابن قتيبة أي فضيلة لإبراهيم في هذا القول؟ أما يعلمون أن الناس فقراء إلى الله؟ وهل إبراهيم في لفظ خليل الله إلا كما قيل موسى كليم الله وعيسى روح الله؟ ويشهد له الحديث "لو كنت متخذ خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا إن صاحبكم خليل الله" وهؤلاء من أهل الكلام هم النابذون للمنقولات اتباعا للرأي وقد أداهم ذلك إلى تحريف كلام الله بما لا يشهد للفظه عربي ولا لمعناه برهان كما رأيت وإنما أكثرت من الأمثلة وإن كانت من الخروج عن مقصود العربية والمعنى على ما علمت لتكون تنبيها على ما وراءها مما هو مثلها أو قريب منها (٢). "فصل" "و" ذلك أنّ "كون ما يراد" ويقصد "في الخطاب" القرآني هو "باطنه" أمر بيّن "باد" لا خفاء به "إلى" - بمعنى اللام - يعني: لأولي "الألباب".

стр. 887

٢٣٤٧ - بِمَا مَضَى لَكِنْ لَهُ شَرْطَانِ … صِحَّتُهُ بِمُقْتَضَى اللِّسَانِ ٢٣٤٨ - وَشَاهِدٌ مِنْ نَصٍّ أَوْ مِنْ ظَاهِرِ … دُونَ مُعَارِضٍ لَهُ فِي الظَّاهِرِ والعقول "بما" تقدّم ذكره و"مضى" تقريره "لكنّ" هذا أمر مضبوط، فلا يعدّ من ذلك - الباطن - إلّا ما ثبت "له شرطان": أحدهما "صحّته" وثبوته "بمقتضى" الظاهر المقرّر في "اللّسان" العربي، بحيث يجري على مقاصده، ويصحّ أن يتّخذ اللسان العربي مرقاة إليه. "و" ثانيهما أن يكون له "شاهد من نص" يفيد القطع في ثبوته "أو من ظاهر" يدلّ على ثبوته بغلبة الظن "دون" وجود دليل "معارض له" أي لهذا الشاهد "في الظاهر"، إذ لا تعارض بين النصوص الشرعية في حقيقة الأمر. أمّا الأوّل فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلا إذ ليست نسبته إليه على أن مدلوله أولى من نسبة ضده إليه ولا مرجح يدل على أحدهما فإثبات أحدهما تحكم وتقول على القرآن ظاهر وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم والأدلة المذكورة في أن القرآن عربي جارية هنا. وأما الثاني فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر أو كان له معارض صار من جملة الدعاوي التي تدعى على القرآن والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء. وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن لأنهما موفران فيه بخلاف ما فسر به الباطنية فإنه ليس من علم الباطن كما أنه ليس من علم الظاهر فقد قالوا في قوله تعالى وورث سليمان داود إنه الإمام ورث النبي علمه. وقالوا في الجنابة إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك ومعنى الطهور هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام والتيمم الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام والصيام الإمساك عن كشف السر والكعبة النبي والباب علي والصفا هو النبي والمروة علي والتلبية إجابة الداعي والطواف سبعا هو الطواف بمحمد ﵊ إلى تمام الأئمة السبعة والصلوات الخمس أدلة على الأصول

стр. 888

" تكميل " ٢٣٤٩ - بَعْضُ التَّفَاسِيرِ بِإِشْكَالٍ صَدَرْ … مِنْ ذَاكَ تَفْسِيرُ فَوَاتِحِ السُّوَرْ الأربعة وعلى الإمام ونار إبراهيم هو غضب نمرود لا النار الحقيقية وذبح إسحاق هو أخذ العهد عليه وعصا موسى حجته التى تلقفت شبه السحرة وانفلاق البحر افتراق علم موسى ﵇ فيهم والبحر هو العالم وتظليل الغمام نصب موسى الإمام لإرشادهم والمن علم نزل من السماء والسلوى داع من الدعاة والجراد والقمل والضفادع سؤالات موسى وإلزماته التى تسلطت عليهم وتسبيح الجبال رجال شداد في الدين والجن الذين ملكهم سلمان باطنية ذلك الزمان. والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا الأعمال الشاقة إلى سائر ما نقل من خطابهم الذي هو عين الخبال وضحكة السامع نعوذ بالله من الخذلان قال القتبي وكان بعض أهل الأدب يقول ما أشبه تفسير الروافض للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر فإنه قال ذات يوم ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول القائل: إنه في رجل منهم قيل له فما تقول أنت فيه؟ قال البيت بيت الله وزرارة الحج قيل فمجاشع؟ قال زمزم جشعت بالماء قيل فأبو الفوراس؟ قال أبو قبيس قيل فنهشل؟ قال نهشل أشده وصمت ساعة ثم قال نعم نهشل مصباح الكعبة لأنه طويل أسود فذلك نهشل انتهى ما حكاه (١). " تكميل" في ذكر وبيان أمور بها تمام هذه المسألة أحدها: أنّ "بعض التفاسير" قد جاء وهو غير واضح إذ هو مختلط "بإشكال" جلبه له ما اعتراه من احتمال أن يكون من هذا الصنف الفاسد ومن احتمال أن يكون من الباطن الصحيح، وهذه التفاسير منسوبة لأناس من أهل العلم، وربّما نسب بعضها إلى السّلف و"صدر" عنهم. فـ"من ذاك تفسير فواتح السور" المبدوءة بالحروف الهجائية، نحو ﴿الم (١)﴾ و ﴿المص (١)﴾ و ﴿حم (١)﴾ وما هو من جنسها فقد فسرت بأشياء

стр. 889

٢٣٥٠ - قِيلَ أُشِيرَ لِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ … إِنْ كَانَتِ الأَصْلُ لِوَضْعِ الْكَلِمِ ٢٣٥١ - وَقِيلَ بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى عَدْد … جَاءَ لِتَنْبِيهٍ بِهِ عَلَى مُدَدْ ٢٣٥٢ - وَذَا وَإِنْ مَعْنَاهُ جَاءَ فِي السِّيَرِ … مُحْتَمِلٌ لِلْبَحْثِ فِيهِ وَالنَّظَرِ ٢٣٥٣ - وَقِيلَ فِيهَا إِنَّهَا حُرُوفُ … آتٍ لِأَسْمَاءٍ بِهَا تَعْرِيفُ ٢٣٥٤ - وَإِنَّهُ لأَغْمَضُ الأَقْوَالِ … لِبُعْدِهِ عَنْ حَالِ الاسْتِعْمَالِ منها ما يظهر أنّه جار على مفهوم صحيح، ومنها ما ليس كذلك، فـ"قيل" إنّها حروف "أشير" بها "لحروف المعجم" التي هي حروف الهجاء، وذلك "إن كانت" هذه الحروف الهجائية "الأصل لوضع الكلم" العربي وتركيبه، والقرآن منزل بهذا الكلم. ولا يخفى ما في هذا القول من البعد لفقد المناسبة والرّابطة بين ذكر هذه الحروف، وهذا القصد. "وقيل بل" إنّها "إشارة إلى" ما دلّ عليه من "عدد" كلّ حرف منها بحساب الجمل وهذا العدد "جاء" ذكره "لتنبيه به" وتذكير "على" ما قد تستغرقه بقاء هذه الأمّة من "مدد" وأزمنة "وذا" القول "وإنّ معناه" قد "جاء في "كتب "السير" وذكر فيها فإنّه "محتمِل" - بكسر الميم - "للبحث فيه والنّظر" في شأنه، لأنه قول مفتقر إلى ما يسنده من جهة اللغة العربية، فإنّ العرب ما كانت تعهد استعمال الحروف المقطعة قاصدة ما دلّت عليه تلك الحروف من أعداد، وربّما لا يوجد لها مثل هذا البتة، وإنّما كان ذلك من عادة اليهود. "وقيل فيها" أيضا: "إنّها حروف" قاصد و"آت لأسماء" معيّنة "بها تعريف"، فقد نقل عن ابن عبّاس في ﴿الم (١)﴾ أنّ الألف: الله. و"لام" جبريل. و"ميم" محمّد ﷺ . "و" هذا وإن صحّ في النّقل فـ"إنّه لأغمض" الأراء و"الأقوال" المذكورة في هذا الشأن وذلك "لبعده عن حال" وطريقة التصرّف في اللغة العربية و"الاستعمال" لها، فإنه لم يثبت في كلام العرب هكذا مطلقا، وإنّما أتى مثله إذا دلّ عليه الدّليل اللّفظي أو الحالي، كما قال الشاعر: قلت لها: قفي لنا، قالت قاف. أراد وقفت، فاكتفى بذكر القاف. قال ابن جني: ولو نقل هذا الشاعر إلينا شيئا من جملة الحال فقال مع قوله قالت قاف: وأمسكت زمام بعيرها أو عاجته علينا، لكان أبين لما كانوا عليه وأدل، على أنها أرادت قفي لنا قفي لنا، أي تقول لي قفي لنا

стр. 890

٢٣٥٥ - وَقِيلَ فِيهَا إِنَّهَا أَسْرَارُ … للهِ عِلْمُهَا وَذَا الْمُخْتَارُ ٢٣٥٦ - لِعَدِّهَا فِي الْمُتَشَابِهَاتِ … إِذْ لَا دَلِيلَ بِالْبَيَانِ آتٍ ٢٣٥٧ - وَمَعَ الإشْكَالِ فَقْد تَعَدَّا … قَوْمٌ بِهَا فِيمَا رَأَوْهُ الْحَدَّا متعجبة منه، وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم أن قولها قاف إجابة له لا رد لقوله وتعجب منه في قوله قفي لنا (١). وما أشبه ذلك ممّا استغني فيه بحرف واحد دلّ على المراد به ما قارنه من حال أو مقال. "وقيل فيها" كذلك "إنّها" أي هذه الفواتح "أسرار" ربانية "لله علمها" وحده سبحانه، لا يعلمها إلا هو "وذا" القول هو "المختار" والأظهر، وذلك لجعلها بمقتضى هذا القول و"لعدّها في المتشابهات" التي لا يعلم تأويلها إلا الله - تعالى - "إذ لا دليل بالبيان" لها "آت" من الشارع. وإذا تقرر هذا فإن كلّ ما سيق من الأقوال في شرح هذه الفواتح مشكل والخوض فيه ضرب من الرّجم بالغيب والادّعاء العاري من أيّ دليل أو حجّة صحيحة "ومع" ثبوت هذا "الاشكال" وجريان مقتضاه في هذا الشأن "فقد تعدّا قوم" من المنتسبين إلى العلم كمحيي الدّين بن عربي، في بيان المقصود "بها" والمراد منها "فيما رأوه" في ذلك واعتقدوه فيه "الحدّا" - الألف للإطلاق - وتخطوه، إذ اتخّذوا هذه الفواتح سلّما إلى الاطّلاع والكشف على حقائق الأمور الغيبية، وجعلوها حججا في دعاو ادّعوها على القرآن، وربّما نسبوا شيئا من ذلك إلى عليّ بن أبي طالب، وزعموا أنّها أصل العلوم، ومنبع المكاشفات على أحوال الدّنيا والآخرة، وينسبون ذلك إلى أنّه مرادّ الله - تعالى - في خطابه العرب: الأمّة الأمّية التي لا تعرف شيئا من ذلك، وهو إذا سلم أنّه مراد في تلك الفواتح في الجملة، فما الدليل على أنه مراد على كلّ حال من تركيبها على وجوه، وضرب بعضها ببعض، ونسبتها إلى الطبائع الأربع، وإلى أنها الفاعلة في الوجود، وأنها مجمل كلّ مفصلّ، وعنصر كلّ موجود، وغير ذلك ممّا يجري في هذا المجرى؟

стр. 891

٢٣٥٨ - فَكُلُّ مَا يُنْسَبُ لِلْحُرُوفِ … مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ وَالتَّصْرِيفِ ٢٣٥٩ - جَمِيعُهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلِ … خَارِجَةُ الْقَصْدِ عَنِ السَّبِيلِ " فصل " ٢٣٦٠ - وَغَيْرُهَا مِنَ التَّفَاسِيرِ التِي … تُرْوَى وَمِنْ نَافٍ لَهَا وَمُثْبِتِ ٢٣٦١ - لَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ هُنَا يُوَالِي … يَرْفَعُ عَنْهَا وَاقِع الإِشْكَالِ والصحيح أنّ ذلك كلّه ضروب من الأوهام، والتخيّلات، "فكلّ ما ينسب للحروف" ويسند لها "من المناسبات" والروابط بينها وبين أمور غيبية وأمور معرفية من صنف ما تقدّم ذكره "و" من "التّصريف" لأمور الكون والوجود، ومن التأثير فيها، بوجه ما "جميعه" كلام باطل و"دعوى بلا دليل" وبذلك فهي ساقطة الاعتبار "خارجة" في هذا الذي تنسبه من المعنى و"القصد" لهذه الحروف "عن السّبيل" المستقيم، والطريق الأنهج. وإن ادّعى أنّ ذلك مأخذه الكشف، فإنّ ذلك مردود لأنّ الكشف ليس دليلا علميا ولا شرعيا. في أنّه كما لا دليل على صحّة ما ذكر من التفاسير. "فصل" "و" الآراء المذكورة فكذلك حكم وحال "غيرها من التفاسير" التي قد تعدّ من الباطن، و"التي تروى" عن مثل سهل بن عبد الله التستري "و" النّاس في شأنها مختلفون ما بين "من" هو "ناف" ومنكر "لها" لا مبالاة بها عنده "و" من هو "مثبت" لها قائل بصحّتها، "لا بدّ" في قبولها والإعتداد بها "من أصل" يعتمد عليه "هنا" وصنف هذه "يوالي" أي ينصر ما ادّعى من التفاسير و"يرفع عنها واقع الإشكال" الذي يعتريها. وممّا يجري عليه في هذا السبيل ويمثل به في هذا الشأن ما نقل عن سهل بن عبد الله التستري من تفاسير تحتمل أن تكون من الباطن، كما تحتمل أن تكون من الباطل وهو الظاهر، فقد نقل عنه أنّه قال في قوله - تعالى -: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢] أي أضدادا: قال وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء، الطواعة إلى حظوظها

стр. 892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومنهيها بغير هدى من الله وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة تحت عموم الأنداد حتى لو فصل لكان المعنى فلا تجعلوا لله أندادا لا صنما ولا شيطانا ولا النفس ولا كذا وهذا مشكل الظاهر جدا إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن فيها يدل على أن الأنداد الأصنام أو غيرها مما كانو يعبدون ولم يكونوا يعبدون أنفسهم ولا يتخذونها أربابا ولكن له وجه جار على الصحة وذلك أنه لم يقل إن هذا هو تفسير الآية ولكن أتى بما هو ند في الاعتبار الشرعي الذي شهد له القرآن من جهتين: إحداهما أن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار فيجريه فيما لم تنزل فيه لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه لأن حقيقة الند أنه المضاد لنده الجاري على مناقضته والنفس الأمارة هذا شأنها لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها لاهية أو صادّة عن مراعاة حقوق خالقها وهذا هو الذي يعني به الند في نده لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه وشاهد صحة هذا الاعتبار قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وهم لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم ائتمروا بأوامرهم وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان فما حرموا عليهم حرموه وما أباحوا لهم حللوه فقال الله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٣١] وهذا شأن المتبع لهوى نفسه. والثانية: أن الآية وإن نزلت في أهل الأصنام فإن لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لبعض من توسع في الدنيا من أهل الإيمان أين تذهب بكم هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وكان هو يعتبر نفسه بها وإنما أنزلت في الكفار لقوله ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ﴾ الآية ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص فإذا كان كذلك صح التنزيل بالنسبة إلى النفس الأمارة في قوله فلا تجعلوا لله أندادا والله أعلم. ومن المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البَقَرَة: ٣٥] قال لم يرد الله معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره أي لا تهتم بشيء هو غيري قال فآدم لم يعصم من الهمة والتدبير فلحقه ما لحقه قال وكذلك كل من ادعى ما ليس له وساكن قلبه ناظرا إلى هوى نفسه لحقه الترك من الله مع ما جبلت عليه نفسه عليه، إلا أن يرحمه الله فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها

стр. 893

" المسألة العاشرة " ٢٣٦٢ - وَمَا اعْتِبَارَاتُ الْقُرْآنِ الْوَارِدَهْ … عَلَى الْقُلُوبِ ذَاتُ حَالٍ وَاحِدَهْ قال وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أدخل الجنة لأن البلاء في الفرع دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه فغلب الهوى والشهوة العلم والعقل بسابق القدر إلى آخر ما تكلم به. وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس من أن المراد النهي عن نفس الأكل لا عن سكون الهمة لغير الله وإن كان ذلك منهيا عنه أيضا ولكن له وجه يجري عليه لمن تأول فإن النهي إنما وقع عن القرب لا غيره ولم يرد النهي عن الأول تصريحا فلا منافاة بين اللفظ وبين ما فسر به وأيضا فلا يصح حمل النهي على نفس القرب مجردا إذ لا مناسبة فيه تظهر ولأنه لم يقل به أحد وإنما النهي عن معنى في القرب وهو إما التناول والأكل وإما غيره وهو شيء ينشأ الأكل عنه، وذلك مساكنة الهمة فإنه الأصل في تحصيل الأكل ولا شك في أن السكون لغير الله لطلب نفع أو دفع منهي عنه فهذا التفسير له وجه ظاهر فكأنه يقول لم يقع النهي عن مجرد الأكل من حيث هو أكل بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله إذ لو انتهى لكان ساكنا لله وحده فلما لم يفعل وسكن إلى أمر في الشجرة غره به الشيطان وذلك الخلد المدعى أضاف الله إليه لفظ العصيان ثم تاب عليه إنه هو التواب الرحيم (١). ولا يخفى على كلّ ذي بصيرة مشربه ما عليه أهل السنّة والجماعة أنّ هذا الضرب من التفاسير فتنة لما تفتحه من اللّعب بكلام الله - تعالى - وصرفه عن ظاهره بتخيّلات وأوهام باطلة أساسها قائم على التّفاسير الإشارية الفاسدة، وهذيان الباطنية، ممّا تقتضي العقول والأدلة الشرعية أنه ضلال مبين وبهتان عظيم. "المسألة العاشرة" "و" هي في بيان أن ما يرد على القلوب من القرائن القرآنية إنما يقبل منها ما كان له ما يدل على صحته. إذ "ما" أي ليس "اعتبارات" ومفاهيم "القرآن" الكريم "الوارده على القلوب ذات حال واحده" بل هي مختلفة أحوالها.

стр. 894

٢٣٦٣ - لَكِنْ إِذَا صَحَّتْ عَلَى وِزَانِ … شُرُوطِهَا كَانَ لَهَا حَالَانِ ٢٣٦٤ - حَالٌ يُرَى وَأَصْلُ الانْفِجَارِ … مِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ فِيِه جَارِ ٢٣٦٥ - وَيَتْبَعُ الْوُجُودُ فَهْوَ مُعْتَبَرْ … فِي فَهْمِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ لَا نَظَرْ ٢٣٦٦ - ثَانِيهِمَا مَا الأَصْلُ فِي انْفِجَارِهِ … مِنْ جِهَةِ الْمَوْجُودِ فِي اعْتِبَارِهِ " لكن إذا صحّت" نظرا بموافقتها لمقتضيات اللغة وموجبات السياق، وجاءت وهي "على" وفق و"وزان" يعني كمال "شروطها" المقرّرة من جهة اللغة ومراد الشارع على الوجه الذي تقدّم بيانه "كان لها حالان" أحدها: "حال يرى" أي يوجد "وأصل" أي منبع "الانفجار" يعني انفجاره وفيضه "من جهة القرآن" الكريم، فكان حكمه هو الذي "فيه جار" وماض "ويتبعـ"ـه كلّ ما يحتويه "الوجود" ممّا يصدق عليه لفظ الموجود المحدث "فـ"ـهذا الضرب من الاعتبارات الذي هذا حاله "هو "مقبول و"معتبر في فهم باطن القرآن" بلا خلاف في ذلك و"لا نظر" لأنه جار على أخذ العلم من منبعه ومأخذه، ثم إن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن، وهو الهداية التامة على ما يليق بكل واحد من المكلفين، وبحسب التكاليف وأحوالها، لا بإطلاق، وإذا كانت كذلك فالمشي على طريقها مشي على الصّراط المستقيم، ولأنّ الاعتبار القرآني قلّما يجده إلّا من كان من أهله عملا به على تقليد أو اجتهاد، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في العمل به والتخلّق بأخلاقه عن حدوده، بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه، ويلزم من ذلك أن يكون معتدّا به لجريانه على مجاريه، والشّاهد على ذلك ما نقل من فهم السّلف الصّالح فيه فإنّه كلّه جار على ما تقضي به العربيّة، وما تدلّ عليه الأدلّة الشرعية حسبما تبين قبل (١). "ثانيهما" أي الحالين هو "ما" أي الذي "الأصل في انفجاره" ووروده على القلوب هو "من جهة الموجود" والكون وكذلك الانفجار والورود يأتي "في"حال "اعتباره" أي الموجود، والتفكر في جزئياته أو كليتهما، أو فيهما معا، فيكون الموجود - الكون - هو الأصل الذي تنبع منه تلك الاعتبارات.

стр. 895

٢٣٦٧ - وَيَتْبَعُ الْقُرْآنُ لِلْمَوْجُودِ … فِي الاعْتِبَارِ الْوَارِدِ الْوُجُودِي ٢٣٦٨ - فَذَا بِهِ الْوَقْفُ السَّبِيلُ الْمَهْيَعُ … وَالأَخْذُ مُطْلَقًا بِهِ مُمْتَنِعُ ٢٣٦٩ - فَإِنْ أَتَى التَّفْسِيرُ عَنْ مُعْتَبِرِ … عَلَى خِلَافِ شَرْطِهِ الْمُقَرَّرِ ٢٣٧٠ - وَلَمْ يَكُنْ يَجْرِي عَلَى الْمَعْهُودِ … فَهْوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْوُجُودِي " ويتبع القرآن" ويقتفي "لـ" ما يقتضيه "الموجود في "الحكم و"الاعتبار الوارد" على القلوب الثّابت "الوجود" يعني وجوده، ثمّ يؤول القرآن ويفسر على وفق ذلك ومطابقته "فذا" الحال الحكم الجاري "به" يعني فيه هو "الوقف" عن اعتباره، وهذا هو "السّبيل" أي الطريق "الأنهج" والأبين الأوضح في هذا الشأن "و" أمّا "الأخذ" والاعتداد "مطلقا به" فإنّه أمر "ممتنع" لأنّه بخلاف الحال الأوّل "فإن أتى" شيء من ذلك "التّفسير" الباطن منقولا "عن" شخص "معتبِر" - بكسر الباء - أي ناظر متفكر في الوجود، وهو "على خلاف شرطه" أي الباطن "المقرّر" أي المثبت المتقدم اشتراطه في صحّته "ولم يكن يجري على" الأسلوب "المعهود" في تفسير القرآن الكريم "فهو منزل على" الجانب والاعتبار غير القرآني وهو الجانب "الوجودي" الخارجي، قال الشاطبي: وإن كان الثاني - يعني الحال الثاني المذكور - فالتوقف عن اعتباره في فهم القرآن الكريم لازم، وأخذه على إطلاقه فيه ممتنع لأنه بخلاف الأول فلا يصح إطلاق القول باعتباره في فهم القرآن فنقول: إن تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآني وهو الوجودي ويصح تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودي أيضا فهو مشترك من تلك الجهة غير خاص فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه المربي وهو أمر خاص وعلم منفرد بنفسه لا يختص بهذا الموضع فلذلك يوقف على محله فكون القلب جارا ذا قربى والجار الجنب هو النفس الطبيعي إلى سائر ما ذكر يصح تنزيله اعتباريا مطلقا فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمط صحيح وسهل جدا عند أربابه غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ، وأيضا فإن من ذكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرح بأنه المعنى المقصود المخاطب به الخلق بل أجراه مجراه وسكت عن كونه هو المراد وإن جاء شيء من ذلك وصرح صاحبه أنه هو المراد فهو من أرباب الأحوال الذين لا يفرقون بين الاعتبار القرآني والوجودي وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو بعد في السلوك سائر

стр. 896

" فصل " ٢٣٧١ - وَفِيهِ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا مَدْخَلُ … لِكَوْنِهَا لِلْحَالَتَيْنِ تَقْبَلُ " المسألة الحادية عشرة " ٢٣٧٢ - وَيَنْبَغِي تَنْزِيلُ كُلِّ الْمَدَنِي … فَهْمًا عَلَى الْمَكِّي كَالْمُبَيِّنِ ٢٣٧٣ - وَرَعْيُ ذَا وَ ذَا عَلَى التَّفْصِيلِ … بِحَسَبِ التَّرْتِيبِ فِي التَّنْزِيلِ على الطريق لم يتحقق بمطلوبه ولا اعتبار بقول من لم يثبت اعتبار قوله من الباطنية وغيرهم وللغزالي في مشكاة الأنوار وفي كتاب الشكر من الإحياء وفي كتاب جواهر القرآن في الاعتبار القرآني وغيره ما يتبين به لهذا الموضع أمثلة فتأملها هناك والله الموفق (١). "فصل" "و" هو في أن السنّة لها "فيه" أي في هذا الذي تقدم ذكره من النمط والأخذ بمقتضى الحالين -الاعتبار القرآني والاعتبار الوجودي-. "للسنة أيضا مدخل" وبذلك يجري في تفسيرها على مقتضى ما تقرر في شأن القرآن الكريم وذلك "لكونها للحالتين" المذكورتين "تقبل" كما هو بين، وواضح (٢). "المسألة الحادية عشرة" في أنه يطلب "وينبغي تنزيل كلّ" السّور التي من القرآن "المدني" أي النازل بالمدينة "فهما" أي في الفهم "على" مقتضيات القرآن "المكيّ" النّازل بمكّة وحمله عليه "كـ" ما يحمل "المبين" -بالفتح- على المبين له "و" كذلك ينبغي "رعي" واعتبار "ذا" المنهج في القرآن المكيّ بعضه مع بعض "و" كذلك ينبغي رعي "ذا" -أيضا- في القرآن المدني بعضه مع بعض "على التّفصيل" المذكور وهو تنزيل وحمل المتأخّر على المتقدّم "بحسب الترتيب" الحاصل "في التّنزيل" له من لدن حكيم خبير،

стр. 897

٢٣٧٤ - إِذْ غَالِبٌ فِيمَا لَهُ التَّأْخِيرُ … تَكْمِيلٌ أَوْ تَفْصِيلٌ أَوْ تَفْسِيرُ ٢٣٧٥ - أَلَا تَرَى أَكْثَرَ ءَايِ الْبَقَرهْ … لِسُورَةِ الأَنْعَامِ كَالْمُفَسِّرَهْ وخلاف هذا مفض إلى الخطإ والفساد في الفهم والإدراك لمعان النّصوص الشّرعية. "إذ غالب" حال البيان الذي "فيما له" قد ثبت "التّأخير" في النّزول هو الـ"تكميل" لما طلب تكميله من الأحكام الشرعية المتقدم نزوله "أو" الـ"تفصيل" لما لم يفصل من مجمل، أو نحوه أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق "أو تفسير" مبهم خفيّ معناه "ألا ترى أَكْثَرَ" وغالب "آي" سورة "البقرة" فإنها "لسورة الأنعام" النازلة قبلها "كالمفسّرة" لها، والتي أتت ببيان قواعد العقائد، وأصول الدين، وقد خرّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة. هذا ما قالوا. وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب، تبين به من قرب بيان القواعد الشرعية الكلية التي إذا خرم منها كلي واحد انخرم نظام الشريعة، أو نقص منها أصل كليّ (١). وأما سورة البقرة فإنها أول ما نزل على رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين حملتها وإن تبين في غيرها تفاصيل لها كالعبادات التي هي قواعد الإسلام والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها والجنايات من أحكام الدماء وما يليها وأيضا فإن حفظ الدين فيها وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبنيا عليها وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة فلا يغيبن عن الناظر في الكتاب هذا المعنى فإنه من أسرار علوم التفسير وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه سبحانه (٢).

стр. 898

" فصل " ٢٣٧٦ - كَذَلِكَ السُّنَّةُ فِي ذَا الْبَابِ … مِنْ مُقْتَضَى التَّرْتِيبِ كَالْكِتَابِ " فصل" في أن الأخذَ بهذا المنهج لا يختصُّ بالقرآن الكريم بل "كذلك" شأن "السنة" النبوية "في ذا الباب" لأنها مبنيّة للكتاب، وبذلك فهي ماضية على وفقه في التفسير والبيان له وتفسير بعضها لبعض، وبذلك يؤخذ في شأن تفسيرها بما تقدم تقريره "من" وجوب اعتبار "مقتضى" وموجب "التّرتيب" المذكور فينزّل المتأخر منها على المتقدم "كـ" ما هو الحال المقرر في "الكتاب" في هذا الشأن فإنه بحسب المعرفة بالتقديم والتأخير يحصل بيان الناسخ من المنسوخ في الحديث كما يتبين ذلك في القرآن أيضا ويقع في الأحاديث أشياء تقررت قبل تقرير كثير من المشروعات فيأتي فيها إطلاقات أو عمومات ربما أوهمت ففهم منها ما يفهم منها لو وردت بعد تقرير تلك المشروعات كحديث من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة أو حديث ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صادقا من قلبه إلا حرمه الله على النار وفي المعنى أحاديث كثيرة وقع من أجلها الخلاف بين الأمة فيمن عصى الله من أهل الشهادتين فذهبت المرجئة إلى القول بمقتضى هذه الظواهر على الإطلاق وكان ما عارضها مؤولا عند هؤلاء وذهب أهل السنة والجماعة إلى خلاف ما قالوه حسبما هو مذكور في كتبهم وتأولوا هذه الظواهر ومن جملة ذلك أن طائفة من السلف قالوا إن هذه الأحاديث منزلة على الحالة الأولى للمسلمين وذلك قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي ومعلوم أن من مات في ذلك الوقت ولم يصل أو لم يصم مثلا وفعل ما هو محرم في الشرع لا حرج عليه لأنه لم يكلف بشيء من ذلك بعد فلم يضيع من أمر إسلامه شيئا كما أن من مات والخمر في جوفه قبل أن تحرم فلا حرج عليه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المَائدة: ٩٣] الآية وكذلك من مات قبل أن تحول القبلة نحو الكعبة لا حرج عليه في صلاته إلى بيت المقدس لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٤٣] وإلى أشياء من هذا القبيل فيها بيان لما نحن فيه وتصريح بأن اعتبار الترتيب في النزول مفيد في فهم الكتاب والسنة (١).

стр. 899

" المسألة الثانية عشرة " ٢٣٧٧ - وَأَعْدَلُ التَّفْسِيرِ ذُو التَّوَسُّطِ … وَمُفْرِطٌ قَدْ ذُمَّ كَالْمُفَرِّطِ ٢٣٧٨ - وَذَاكَ كَانَ فِيهِ شَأْنَ السَّلَفِ … الْمُقْتَدَى بِحَالِهِمْ فِي الْخَلَفِ ٢٣٧٩ - وَالْمُفْرِطُ الذِي لَهُ تَعَمُّقُ … فِي جِهَةِ اللَّفْظِ بِحَيْثُ يَسْبِقُ ٢٣٨٠ - لِلْفَهْمِ أَنَّ شَأْنَهُ لَمْ يُقْصَدِ … لَمَّا تَرَامَى لِمَدىً مُسْتَبْعَدِ " المسألة الثانية عشرة" في أنّ أفضل "وأعدل" منهج في شأن "التّفسير" للقرآن الكريم هو المنهج "ذو" أي صاحب "التّوسط" في اعتبار الباطن والظاهر القرآنيين، وبذلك فالآخذ به ماض على سنن الصواب. "و" أما من هو "مُفْرِط" - بضم الميم وسكون الفاء - أي المبالغ يغلو في الأخذ بظواهر الألفاظ، وهو طارح للباطن مسقط لاعتجاره، فإنه "قد ذم" لأنه قد قصر في فهم معاني القرآن من جهة أخرى، وعجز عن الاهتداء إلى فهم مراد وقصد الشارع من كلامه، وكلّ من هذا حاله فإنه على خلاف الصواب في هذا الشأن، لأن هذا الذي هو عليه منهج ناقص ما يثمره. و"كـ"ــذلك شأن "المفرّط " - بتشديد الرّاء المكسورة - وهو المهمل لجانب الظاهر ومقتضاه وشأنه في التّفسير بالإطلاق فإنه - أيضا - مجانب للصواب، لأنه ذو منهج فاسد، يضاهي هذيان الباطنية ومن وافقهم. وإذا تقرر هذا كان التوسط والاعتدال في الأخذ بالباطن بلا إفراط ولا تفريط، بل بانضباط بالقواعد ورعاية أمره هو السّبيل الصّحيح في هذا الشأن، "وذاك" الأخذ بالتوسط هو الذي "كان فيه" أي في اعتبار بالباطن سبيل و"شأن السّلف" الصالح "المقتدى" والمهتدى "بحالهم في "المنهج الذي عليه "الخلف" التابع لهم من أهل العلم وصالحي هذه الأمة. "والمفْرط" - بسكون الفاء - كما تقدّم بيانه هو "الذي له" غلو و"تعمّق" أي مبالغة "في"اعتباره مقتضى "جهة" دلالة "اللّفظ" اللغوية وحدّها لا يتخطاها إلى اعتبار ما هو معهود في لسان العرب من التعبير بالكناية والمجاز ونحو ذلك. "بحيث" يتبادر و"يسبق للفهم" والذهن عند سماع طريقته في التفسير لنص قرآني ما "أن شأنه" أي باطنه والمراد منه "لم يقصد" فيه، وإنما يسبق ذلك للأذهان والأفهام "لمّا ترامى" أي صار هذا المفرط في تفسيره ذاك "لـ"ــــغاية غير مقصودة و"مدى مستبعد" بمقتضى النظر الصحيح

стр. 900

٢٣٨١ - ثُمَّ الْمُفَرِّطُ الذِي قَدْ قَصَرَا … عَنِ اللِّسَانِ الْعَرَبيِّ نَظَرَا " المسألة الثالثة عشرة " ٢٣٨٢ - وَحَالَةُ التَّوَسُّطِ الْمَحْمُودِ … حَاصِلُهَا فِي الْفَهْمِ لِلْمَقْصُودِ المبني على أن المقصود من الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، بل التفقه في المعبر عنه، والمراد به. وهذا أمر لا يرتاب فيه عاقل. فالمراد من الخطاب الشرعي هو التفهم لمعناه والتعبد بمقتضاه، وذلك أنه إعذار وإنذار، وتبشير، وتحذير، ورد إلى الصراط المستقيم. فكم بين من فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمرا عن ساعد الجد والاجتهاد، باذلا غاية الطاقة في الموافقات، هاربا بالكلية عن المخالفات، وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ومدارجها، ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى واحد، وتفريع التجنيس ومحاسن الألفاظ، والمعنى المقصود في الخطاب بمعزل عن النظر فيه (١). "ثم المفرّط" - بضم الميم وفتح الفاء ثمّ راء مشدّدة مكسورة - كما تقدّم إيضاح معناه هنا هو "الذي قد قصرا" - الألف للإطلاق - "عن" اعتبار "اللّسان العربيّ" وإعمال مقتضاه "نظرا" أي في نظره، وفي مجاري تفسيره لآي الذكر الحكيم، فخرج بذلك عن جادّة الصّواب، وسار إلى الانحلال والانسلال من ربقة الانضباط بالقواعد العلمية والشرعية في هذا الباب، وتاه في مسارب الباطنية، ومتاهات أرباب التفسير الإشاري المنكر شرعا، وعقلا. "المسألة الثالثة عشرة" في بيان المراد بالمأخذ الوسط هنا "و" في ذلك يقال: "حالة التوسط" والاعتدال "المحمود" الأخذ به في هذا الشأن "حاصلها" والمعنى المراد بها محصور "في" الإدراك و"الفهم لـ" لمعنى "المقصود" من الخطاب.

стр. 901

٢٣٨٣ - مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارُ لِلْمَسَاقِ … بِمُقْتَضَى الْحَالِ عَلَى الإِطْلَاقِ ٢٣٨٤ - مَعَ الْتِفَاتِ ءَاخِرِ الْكَلَامِ … بِأَوَّلٍ وَالْبَدْءِ بِالتَّمَامِ ٢٣٨٥ - لَكِنْ عَلَى بَعْضٍ لَهُ قَدْ يُقْتَصَرْ … حَيْثُ يُرَى الظَّاهِرُ مَقْصُودَ النَّظَرْ ٢٣٨٦ - ثُمَّ إِذَا مَا صَحَّ فِي اللِّسَانِ … صِيرَ إِلَى تَفَهُّمِ الْمَعَانِي وهو ما يقتنص ويؤخذ "من حيث الاعتبار" والنظر "للمساق" الحالي والزماني الذي يأتي مختلفا "بمقتضى" اختلاف "الحال على الإطلاق" أي سواء كانت أحوال الناس أو الأزمنة أو صور النوازل وهذا معلوم من علم المعاني والبيان فالكلام يصاغ على وفق أحوال المخاطب وأحوال موضوع الكلام. ويزاد "مع" هذا الاعتبار أمر آخر يجب أن لا يغفل عنه في هذا الشأن وهو "التفات" يعني اعتبار مقتضى "آخر الكلام" ونهايته "بأوّلـ"ـــــه يعني مع اعتبار مقتضى أوّله على سواء، "و" كذلك يجب اعتبار مقتضى "البدء" فيه "بالتمام" يعني مع مقتضى التمام له، واعتبار كل من الطرفين بالآخر يعني مراعاة مقتضى ومعنى كل واحد في فهم الآخر، وإدراك المعنى المقصود به، فيجب الالتفات إلى أوّل الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أوّلها دون آخرها، ولا في آخرها دون أوّلها، فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلّق بالبعض، لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن ردّ آخر الكلام على أوّله، وأوّله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلّف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض (١). هذا هو الأصل المعتمد في هذا الشأن والسبيل المتبع فيه "لكن" قد يكون الناظر "على" طرف - جزء - من الكلام و"بعض له" وهو فهم الظاهر "قد يقتصر" في أوّل نظره فيه، وذلك "حيث يرى" أي يعتقد أن "الظاهر" هو "مقصود النّظر" ومصبّه، فينظر في النّص على وفق ذلك بحسب اللسان العربي، وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم "ثم إذا ما صحّ" ما فهم من ذلك وأدرك "في اللسان"، وثبت "صير إلى تفهم" وإدراك "المعاني" المقصودة من ذلك الكلام، فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد، فعليه

стр. 902

٢٣٨٧ - وَسَبَبُ التَّنْزِيلِ فِي ذَا الْمَقْصِدِ … مِمَّا بِهِ النَّاظِرُ فِيهِ يَهْتَدِي ٢٣٨٨ - ثُمَّ الْكَلَامُ الْمُقْتَضِي لِلنَّظَرِ … فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ لِلْمُعْتَبِرِ ٢٣٨٩ - مُتَّحِدٌ بِكُلِّ وَجْهٍ وَهْوَ مَا … أُنْزِلَ فِي قَضِيَّةٍ مُتَمِّمَا ٢٣٩٠ - كَأَكْثَرِ السُّوَرِ فِي الْمُفَصَّلِ … وَالأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ جَلِي ٢٣٩١ - أَوْ مُتَعَدِّدٌ وَذَاكَ مَا أَتَتْ … فِيهِ قَضَايَا جُمْلَةٌ تَعَدَّدَتْ ٢٣٩٢ - وَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ شَأْنُهُ اعْتُبِرْ … مِنْ جِهَةِ التَّعَدُّدِ الذِي ذُكِرْ بالتعبد به، "وسبب التنزيل" لذلك النص قد يعين العلم "في" إدراك "ذا" أي هذا "المقصد" وهو العلم بالمقصود من الكلام والمراد منه، فإنّه "ممّا به النّاظر فيه" أي النص الطالب للمقصود به قد "يهتدي" ويستنير، وذلك لأن أسباب النزول تبين كثيرا من المواضع التي يختلف مغزاها عن النظر "ثم" إنه بعد العلم بهذا يجب أن يعلم أمر آخر وهو أن "الكلام المقتضي" والموجب "للنظر فيه" والبحث في شأنه بحكم الحاجة إلى معرفة معناه هو "على قسمين" بالنسبة لما يحصل فيه من الاعتبار "للمعتبر" الناظر في شأنه. أحدهما: الكلام الذي هو "متحد" أي واحد "بكل وجه" واعتبار، "و" هذا المراد به "هو ما" أي الذي من السور "أنزل في قضية" واحدة "متمّما" أي مكمّلا سواء كانت تلك السورة طويلة أو قصيرة وذلك "كأكثر السور" التي "في المفصل" وهو - على الأرجح من سورة الحجرات، إلى سورة الإخلاص "و" هذا "الأمر" والشأن "في ذلك واضح جليّ" أي بيّن يعرف ذلك بالنّظر في هذه السّور واستقراء أحوالها. ثانيهما: أي القسمين المذكورين - هو الذي الكلام فيه مختلف في الاعتبار "أو متعدد و "المراد بـ"ــذاك ما" وردت و"أتت فيه قضايا" وهي "جملة تعدّدت" مواضيعها، وذلك كسورة البقرة، وآل عمران والنساء، وإقرأ باسم ربك، وأشباهها. "وذا" القسم "على وجهين شأنه" وأمره "اعتبر" فينظر فيه منه ما أحدهما: اعتباره والنظر فيه "من جهة التّعدّد" للقضايا الواردة فيه، وهو التعدد "الذي ذكر" فيما سبق،

стр. 903

٢٣٩٣ - فَكُلُّ قِصَّةٍ تُخَصُّ بِنَظْر … وَالْفِقْهُ إِذْ ذَاكَ الْتِمَاسُهُ ظَهَرْ ٢٣٩٤ - عَلَى سَبِيلٍ وَاضِحِ الْبَيَانِ … وَمِثْلُهُ الأَوَّلُ فِي ذَا الشَانِ ٢٣٩٥ - أَوْ جِهَةُ النَّظْمِ الْمُقَرِّ فِي السُّوَرْ … وَحْيًا وَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْبَشَرْ ٢٣٩٦ - وَقِسْمُهُ الأَوَّلُ فِيهِ مِثْلُهُ … إِذْ كَانَ بِالْوَحْيِ كَذَاكَ أَصْلُهُ ٢٣٩٧ - وَلَا الْتِمَاسَ فِيهِمَا لِلْفِقْهِ بَلْ … عَلَى مَدَى الإِعْجَازِ ذَلِكَ اشْتَمَلْ ٢٣٩٨ - إِذًا فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى السُّوَرِ … إِلَّا مَعَ اسْتِيفَائِهَا بِالنَّظَرِ وبسبب هذا التعدد "فكل قصّة" يعني قضيّة من تلك القضايا "تخصّ بنظر" على حدة، وتفرد به، "و" إذا فعل ذلك فإن "الفقه" والعلم بالأحكام الشرعية "إذ ذاك" قد صح "التماسه" و"ظهر" طلبه من تلك الأدلة "على سبيل واضح البيان" والمعالم المنصوبة فيه شرعا، ووجه بين لا كلام فيه. "ومثله" أي هذا القسم الثاني القسم "الأوّل في ذا الشأن" فلا فرق بينهما في التماس الفقه والعلم منهما. وثانيهما اعتباره والنظر فيه من ناحية "أو جهة النّظم" والتّرتيب "المقرّ" والمثبت "في السور وحيا" يعني بالوحي، "و" بذلك فإنه "لا مدخل" ولا رأي "فيه للبشر" على الإطلاق، فيجب أن لا يتخطى فيه حدود النقل، والرواية. "وقسمه" أي الخطاب القرآني "الأوّل فيه" في شأن عدم قبول الرأي البشري في أمر نظمه وتركيبه اللفظي هو "مثله" مثل الأوّل "إذ كان" مدركا "بالوحي كذاك" وجوده وثابتا به "أصله" لأنه - كما تقدم نظم ألقي بالوحي، "ولا التماس" ولا أخذ "فيهما" أي نظمي سور القسمين "للفقه" والعلم بالأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين على وجه ظاهر "بل" ما يؤخذ من ذلك هو ما دلّ "على مدى" ودرجة "الإعجاز" الذي قام بالقرآن الكريم من تلك الجهة - جهة النظم والتركيب - فإنه على "ذلك اشتمل" وانطوى، كما قد يؤخذ منه بعض مسائل نبه عليها في المسألة السابقة. وإذ قد تقرر أنه يجب حمل المتقدم على المتأخر في النصوص الشرعية وتنزيله عليه. وإذا تقرر أنه يجب هذا التنزيل، كما يجب الأخذ بمقتضى المساقات المختلفة على الوجه التي تقدم بيانه "إذا فلا يحصل" ولا يدرك "معنى" أي سورة من السور "إلا مع استيفائها" وإحاطتها "بالنّظر" وإعمال الذهن فيها طلبا لمضامينها ومعانيها، فاعتبار جهة النظم - مثلا - في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر فالاقتصار على

стр. 904

٢٣٩٩ - كَذَاكَ لَا يَحْصُلُ مَعْنَى آيَهْ … فِي قِصَّةٍ إِلَّا مَعَ النِّهَايَهْ ٢٤٠٠ - فَصَحَّ أَنْ لَا بُدَّ فِي الْكَلَامِ … مِنِ اعْتِبَارِ الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ بعضها غير مفيد غاية المقصود "كذاك لا يحصل" ولا يدرك "معنى آية" ما "في قصّة" أو حكم "إلّا مع" بلوغ "النّهاية" والغاية منها من حيث النّظر فيها "فصح" وتقرر "أن لا بدّ في" فهم "الكلام" وإدراك معناه "من اعتبار" مقتضى ومفاد "البدء" منه "و" مقتضى "الختام" منه على حد سواء، وعلى سبيل الجمع. "فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم ومنها ما هو المقصود في الإنزال وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام فبه يبين ما تقدم فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى وحاصله بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه وقضائه وسائر ما يتعلق به من الجلائل التي لا بد منها ولا ينبنى إلا عليها ثم جاء قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٨] الآية كلاما آخر بين أحكاما أخر وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩] وانتهى الكلام على قول طائفة وعند أخرى أن قوله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩] الآية من تمام مسألة الأهلة، وإن انجر معه شيء آخر، كما انجر على القولين معا تذكير وتقديم لأحكام الحج في قوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩] وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكَوثَر: ١] نازلة في قضية واحدة. وسورة اقرأ نازلة في قضيتين الأولى إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العَلق: ٥] والأخرى ما بقي إلى آخر السورة. وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من المكيات وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى: أحدها تقرير الوحدانية لله الواحد الحق. غير أنه يأتي على وجوه كنفي الشريك بإطلاق أو نفيه بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة من كونه مقربا إلى الله زلفى أو كونه ولدا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة.

стр. 905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني تقرير النبوة للنبي محمد وأنه رسول الله إليهم جميعا صادق فيما جاء به من عند الله إلا أنه وارد على وجوه أيضا كإثبات كونه رسولا حقا ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو ساحر أو مجنون أو يعلمه بشر أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم. والثالث إثبات أمر البعث والدار الآخرة وأنه حق لا ريب فيه بالأدلة الواضحة والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به فرد بكل وجه يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح الأمر. فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامة الأمر وما ظهر ببادئ الرأي خروجه عنها فراجع إليها في محصول الأمر ويتبع ذلك الترغيب والترهيب والأمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة وأشباه ذلك. فإذا تقرر هذا وعدنا إلى النظر في سورة المؤمنين مثلا وجدنا فيها المعاني الثلاثة على أوضح الوجوه إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنين الباقيين وإنهم إنما أنكروا ذلك بوصف البشرية ترفعا منهم أن يرسل إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم إن جاءت فكانت السورة تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها وبأي وجه تكون على أكمل وجوهها حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى فافتتحت السورة بثلاث جمل: إحداها وهي الآكد في المقام بيان الأوصاف المكتسبة للعبد التي إذا اتصف بها رفعه الله وأكرمه وذلك قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١]. والثانية بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذي حصل له جاريا على مجاري الاعتبار والاختيار بحيث لا يجد الطاعن إلى الطعن علي من هذا حاله سبيلا. والثالثة بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في التربية والرفق والإعانة على إقامة الحياة وأن ذلك له بتسخير السموات والأرض وما بينهما وكفى بهذا تشريفا وتكريما. ثم ذكرت قصص من تقدم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم بأمور منها كونهم من البشر ففي قصة نوح مع قومه قولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ثم أجمل ذكر قوم آخرين: أرسل فيهم ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٢٩] أي من البشر لا من الملائكة فقالوا ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] الآية ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون: ٣٤] ثم قالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ

стр. 906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: ٣٨] أي هو من البشر ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] فقوله رسولها مشيرا إلى أن المراد رسولها الذي تعرفه منها ثم ذكر موسى وهارون ورد فرعون وملائه بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] الخ. وإذا تؤمل هذا النمط من أول السورة إلى هنا فهم أن ما ذكر من المعنى هو المقصود مضافا إلى المعنى الآخر وهو أنهم إنما قالوا ذلك وغضوا من الرسل بوصف البشرية استكبارا من أشرافهم وعتوا على الله ورسوله فإن الجملة الأولى من أول السورة تشعر بخلاف الاستكبار وهو التعبد لله بتلك الوجوه المذكورة والجملة الثانية مؤذنة بأن الإنسان منقول في أطوار العدم وغاية الضعف فإن التارات السبع أتت عليه وهي كلها ضعف إلى ضعف وأصله العدم فلا يليق بمن هذه صفته الاستكبار والجملة الثالثة مشعرة بالاحتياج إلى تلك الأشياء والافتقار إليها ولولا خلقها لم يكن للإنسان بقاء بحكم العادة الجارية فلا يليق بالفقير الاستكبار على من هو مثله في النشأة والخلى فهذا كله كالتنكيت عليهم والله أعلم ثم ذكر القصص في قوم نوح فقال: ﴿الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعرَاف: ٦٦] والملأ هم الأشراف وكذلك فيمن بعدهم ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] الآية وفي قصة موسى ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧] ومثل هذا الوصف يدل على أنهم لشرفهم في قومهم قالوا هذا الكلام تم قوله ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ [المؤمنون: ٥٤] إلى قوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] رجوع إلى وصف أشراف قريش وأنهم إنما تشرفوا بالمال والبنين فرد عليهم بأن الذي يجب له الشرف من كان على هذا الوصف وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ [المؤمنون: ٥٧] ثم رجعت الآيات إلى وصفهم في ترفهم وحال مآلهم وذكر النعم عليهم والبراهين على صحة النبوة وأن ما قال عن الله حق من إثبات الوحدانية ونفي الشريك وأمور الدار الآخرة للمطيعين والعاصين حسبما اقتضاه الحال والوصف للفريقين فهذا النظر إذا اعتبر كليا في السورة وجد على أتم من هذا الوصف لكن على منهاجه وطريقه. ومن أراد الاختبار في سائر سور القرآن فالباب

стр. 907

" فصل " ٢٤٠١ - وَكُلُّ مَا مَرَّ مِنَ التَّعَدُّدِ … بِنِسْبَةِ الْخِطَابِ لِلتَّعَبُّدِ مفتوح والتوفيق بيد الله. فسورة المؤمنين قصة واحدة في شيء واحد (١). "فصل" في بيان "و" إيضاح أن "كل ما مرَّ" تقريره "من" ثبوت "التّعدد" في القضايا وكون القرآن مأخذه في النظر على أن جميع سوره كلام واحد وذلك "بنسبة" أي اعتبار حال "الخطاب" الشرعي إنما هو بالنظر "للتعبد" به وبما ورد فيه، إذ كلام الله - تعالى - في نفسه كلام واحد لا تعدد فيه بوجه، ولا باعتبار حسبما هو مبين في علم الكلام خلافا لمن ذهب إلى أنه متنوع في الأزل إلى أمر ونهي وغيرهما. وإذا تقرر أن كلامه - سبحانه - لا تعدد فيه في نفسه، فإن محل النظر والبحث إنما هو حال كلامه تعالى باعتبار جهة العباد المخاطبين به تنزلا لما هو من معهودهم في الخطاب. فهذا هو محل احتمال وتفصيل. فيصح في الاعتبار أن يكون واحدا بالمعنى المتقدم - أي يتوقف فهم بعضه على بعض - بوجه ما، وذلك أنه يبين بعضه بعضا، حتى إن كثيرا منه لا يفهم معناه حق الفهم إلا بتفسير موضع آخر أو سورة أخرى ولأن كل منصوص عليه فيه من أنواع الضروريات مثلا مقيد بالحاجيات فإذا كان كذلك فبعضه متوقف على البعض في الفهم فلا محالة أن ما هو كذلك فكلام واحد فالقرآن كله كلام واحد بهذا الاعتبار ويصح أن لا يكون كلاما واحدا وهو المعنى الأظهر فيه فإنه أنزل سورا مفصولا بينها معنى وابتداء فقد كانوا يعرفون انقضاء السورة وابتداء الأخرى بنزول بسم الله الرحمن الرحيم في أول الكلام وهكذا نزول أكثر الآيات التي نزلت على وقائع وأسباب يعلم من إفرادها بالنزول استقلال معناها للإفهام وذلك لا إشكال فيه (٢).

стр. 908

" المسألة الرابعة عشرة " ٢٤٠٢ - الرَّأْيُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَ ذَمُّهُ … وَالْمُقْتَضِي لَهُ جَلِيٌّ حُكْمُهُ ٢٤٠٣ - وَالْقَوْلُ أَنَّ الرَّأْيَ فِي الْقُرْآنِ … عِنْدَ اعْتِبَارِ شَأْنِهِ ضَرْبَانِ ٢٤٠٤ - ضَرْبٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ حُكْمُهُ اجْتُبِي … وَهْوَ الْمُوَافِقِ اللِّسَانِ الْعَرَبي ٢٤٠٥ - وَمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ … فَقَصْدُ ذَا مُفْضٍ إِلَى الصَّوَابِ " المسألة الرابعة عشرة" في أن إعمال "الرأي" والقول به "في" تفسير "القرآن" وبيان المعنى به قد "جاء ذمّه" وإنكاره، كما جاء "و" ورد - أيضا - "المقتضي" لإعماله والذهاب "له" وهو "جلي" ظاهر "حكمه" أخذا مما دل على جوازه. ومما ورد في ذمه ما نقل عن الصديق ﵁ فإنه نقل عنه أنه قال: - وقد سئل عن شيء في القرآن -: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"، وربما روى فيه "إذا قلت في كتاب الله برأيي". ونقل عن ابن عباس أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، لكن نقل عن بعض الصحابة القول بالرأي - كذلك - في القرآن، فقد روي عن أبي بكر أنه سئل عن معنى الكلالة المذكورة في القرآن فقال: "أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة من لا ولد له ولا والد" فهذا وما أشبهه يدل على جواز القول بالرأي في حمل النص الشرعي على معناه، وهو ما يؤخذ منه جواز وقوع الخلاف في هذا الشأن. "و" إذا تقرر وجود هذا الاختلاف في أمر القول في القرآن بالرأي فإنه يصار إلى الجمع بين هذه الأقوال المختلفة في هذا الأمر بأن يقرر أن "القول" الصحيح في هذا هو "أن الرأي في "تفسير وبيان معاني "القرآن" الكريم "عند اعتبار" وملاحظة "شأنه" وحاله "ضربان" أي نوعان، أحدهما "ضرب" مقضى به "لأهل العلم" الشرعي وهذا "حكمه" ومقتضاه "اجتبي و" اصطفي لأنه يكون "هو الموافق اللّسان العربي و" الموافق لـ"مقتضى" وحكم "السنة والكتاب" في شأن اللفظ المفسر "فقصد ذا" أي هذا الرأي وطلبه وعدم إهماله محمود لأنه "مفض" وموصل "إلى" درك "الصواب" في موضوع النظر المطلوب

стр. 909

٢٤٠٦ - وَالأَمْرُ فِيهِ وَاضِحُ السَّبِيلِ … وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى دَلِيلِ ٢٤٠٧ - وَغَيْرُ ذَا يُعَدُّ فِي الْمَذْمُومِ … وَهْوَ مُرَادُ مُقْتَضَى الْعُمُومِ بيانه من النصوص الشرعية "و" هذا "الأمر" والحكم المقرر في هذا الضرب والمثبت "فيه واضح" الوجه بيّن "السّبيل" والمجرى النظري فيه "و" بذلك فهو "غير محتاج إلى دليل" يدل عليه، وإنما كان على هذا الظهور والوضوح لأمور: أحدها أن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها وذلك غير ممكن لا بد من القول فيه بما يليق. والثاني أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول ﷺ مبينا ذلك كله بالتوقيف فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول والمعلوم أنه ﵊ لم يفعل ذلك فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه بل بين منه ما لا يوصل إلى علمه إلا به وترك كثيرا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف. والثالث أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه والتوقيف ينافي هذا فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح. والرابع أن هذا الفرض لا يمكن لأن النظر في القرآن من جهتين من جهة الأمور الشرعية فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلا ومن جهة المآخذ العربية وهذا لا يمكن فيه التوقيف والإلزام ذلك في السلف الأولين وهو باطل فاللازم عنه مثله وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه (١). "و" أما الضرب الثاني فإنه الرأي الذي هو "غير ذا" المذكور، والذي يخالفه في كونه غير جار على موافقة اللسان العربي أو كونه غير موافق للأدلة الشرعية، وهذا الضرب "يعد في" الرأي "المذموم" شرعا وعلى لسان أهل العلم "وهو مراد" ومعنى "مقتضى" ودلالة "العموم" الذي تفيده لفظة الرأي في كلام من يذم الرأي ويعده افتراء

стр. 910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الله - تعالى -، لأنه تقول على الله - تعالى - بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله - تعالى -. وفي هذا القسم جاء التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء كما روى عن ابن مسعود "ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وعليكم بالعتيق" وعن عمر بن الخطاب "إنما أخاف عليكم رجلين رجل يتأول القرآن على غير تأويله ورجل ينافس الملك على أخيه" وعن عمر أيضا "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله" والذي ذكر عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عَبَسَ: ٣١] فقال "أيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي"؟ الحديث. وسأل رجل ابن عباس عن: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السَّجدَة: ٥] فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدّثني فقال ابن عباس: "هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم" وعن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء في القرآن قال: "أنا لا أقول في القرآن شيئا" وسأله رجل عن آية فقال: "لا تسألني عن القرآن وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه يعني - عكرمة - " وكأن هذا الكلام مشعر بالإنكار على من يزعم ذلك وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن شيء من القرآن فقال "اتق الله وعليك بالسداد فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن"؟ وعن مسروق قال: "اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله" وعن إبراهيم قال: "كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه" وعن هشام بن عروة قال: "ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله" وإنما هذا كله توق وتحرز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقول فيه من غير تثبت وقد نقل عن الأصمعي وجلالته في معرفة كلام العرب معلومة - أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب. انظر الحكاية عنه في الكامل للمبرد (١). وقد بسط ابن القيم في أول كتابه إعلام الموقعين الكلام على هذه المسألة. وكذلك ابن حزم في الإحكام إلا أنه اختار كون الرأي بإطلاق.

стр. 911

" فصل " ٢٤٠٨ - وَيُسْتَفَادُ مِنْ هُنَا أُمُورُ … أَكِيدَةٌ يَأتِي لَهَا تَقْرِيرُ ٢٤٠٩ - مِنْهَا التَّحَفُّظُ مِنَ الْقَوْلِ عَلَا … غَيْرِ بَيَانِ وَاتِّبَاعِ مَا انْجَلَا ٢٤١٠ - وَأَنَّ مَنْ يَتْرُكُ فِيهِ نَظَرَهْ … بِرَأْيِهِ مُعْتَمِدًا مَنْ فَسَّرهْ " فصل" في بيان أن ما يؤخذ "ويستفاد من" هذا الذي تقرر "هنا" في شأن القول في القرآن بالرأي "أمور" معرفتها "أكيدة" أي مطلوبة بالتأكيد "يأتي لها" تفسير في الكلام الآتي و"تقرير" لتدرك على وضوح وتعلم على بيان. "منها" وجوب "التحفظ" والتوقي "من القول" في القرآن بالرأي "على غير بيان" لغوي وشرعي. "و" منها - أيضا - وجوب التوقي من "اتباع ما انجلا" أي ظهر بالرأي المجرد من غير بينة شرعية أو لغوية. وهذا تأكيد للمعنى السابق. وذلك لأن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات: إحداها من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومن يليهم وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم فنحن أولى بذلك منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم وهيهات. والثانية من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. والثالثة من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه لأن الأصل عدم العلم فعندما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال وكل واحد فقيه نفسه في هذا المجال وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل (١). "و" منها "أنّ من يترك فيه" أي القرآن "نظره" ويهمل فيه القول "برأيه" وصار "معتمدا" على قول "من فسّره" من المتقدمين من السلف الصالح، لا

стр. 912

٢٤١١ - فِي سَعَةٍ مِنْ ذَاكَ إِلَّا إِنْ دَعَتْ … ضَرُورَةٌ لَهُ فَحُكْمُهُ ثَبَتْ ٢٤١٢ - وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ لِلْمُفَسِّرِ … بُعْدٌ عَنِ التَّقْصِيدِ فِي الْمُفَسَّرِ ٢٤١٣ - وَلْيَخْشَ فِيهِ الله مِنْ أَنْ يَسْئَلَهْ … فَلَا يُصِيبُ حُجَّةً فِي الْمَسْأَلَهْ ٢٤١٤ - ثُمَّ لَهُ فِي الاحْتِمَالَاتِ سَعَهْ … وَهْوَ سَبِيلُ مَنْ مَضَى الْمُتَّبَعَهْ يلام، بل هو "في سعة" ومجال رحب "من ذاك" لأنه بعيد بذاك عن وصمه بالقول بالرأي، ثم إنه إنما يروي وينقل ما سمعه من أهل العلم المتقدمين وبذلك فإن له في هذا المسلك فسحة ومتقى ينتحيه "إلا إن دعت" حاجة أو اقتضت "ضرورة" قوله بالرأي وذهابه "له" فيه - أي في تفسير القرآن الكريم - فإنه يصير إليه لذلك "فحكمه" حينئذ الجواز وهو حكم قد "ثبت" في هذا الشأن لأنه مثل القياس الذي لا يصار إليه إلا عند الحاجة إليه والضرورة. وما زال السلف يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن فإن المحظور فيهما واحد وهو خوف التقول على الله بل القول في القرآن أشد فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أو عنى كذا بكلامه المنزل وهذا عظيم الخطر (١). "و" منها "أن يكون فيه" أي في تفسير كلام الله - تعالى - "للمفسر" إذا كان ليس على جزم من صحة ما يقوله أخذا من الشارع "بعد عن التقصيد" - وهو أن يقول هذا المعنى - هو المقصود له "في" الكلام "المفسَّر" وهو مراده منه، وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم، فليكن على حذر من هذا "وليخش فيه" أي في مقاله هذا بل وفي شأن تفسير القرآن كله "الله" تعالى "من أن يسأله" عن مأخذ مقاله ذاك، ويستفهمه: من أين قلت عني هذا؟ "فـ"ـــــيعجز عن الجواب و"لا يصيب حجّة" تدرأ عنه الإثم "في" هذه "المسألة"، ولا يخفى ما يترتب على ذلك شرعا، "ثم" إنّ المفسر غير محتاج إلى ذلك في التقصيد، إذ "له في "إيراد "الاحتمالات" الظاهرة من النص المفسر وحكايتها "سعهْ" وميدان رحب، وذلك بأن يقول: يحتمل أن يكون معنى هذه الآية - مثلا - كذا، وكذا بناء على صحة تلك الاحتمالات في طلب العلم، "و" هذا مسلك غير بدع بل "هو سبيل من مضى" من أهل العلم وطريقتهم "المتّبعهْ" في هذا الشأن.

стр. 913

" الدليل الثاني: السنّة" وفيه مسائل: " المسألة الأولى " ٢٤١٥ - وَتُطْلَقُ السُّنَّةُ إِطْلَاقَاتِ … أَوَّلُهَا عَلَى الْحَدِيثِ الآتِي ٢٤١٦ - عَنِ الرَّسُولِ كَانَ مِنْ مُبَيَّنِ … بِهِ الْكِتَابُ أَوْ سِوَى مُبَيَّنِ ٢٤١٧ - وَتَارَةً يَكُونُ لَفْظُ السُّنَّةِ … إِطْلَاقُهُ مُقَابِلًا لِلْبِدْعَةِ ولا يعرج على الاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل فإنها غير معتبرة. فعلى كل تقدير لا بدّ في كلّ قول يجزم به أو يحمّل من شاهد يشهد لأصله، وإلا كان باطلا، ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم. والله أعلم (١). "الدليل الثاني السنّة" وفيه مسائل "المسألة الأولى" من الأدلة الشرعية "السنة" النبوية الشريفة "وفيه" يعني وفي بيان هذا الدليل وأحواله نورد "مسائل" وهي عشرة: "المسألة الأولى" منها: في تعريف لفظ السنة وبيان ما يراد به، لأنه لفظ مشترك إصطلاحا. "و" بذاك فإنه "تُطْلَقُ" هذا اللفظة: أي لفظ "السنة إطلاقات" مختلفة، "أوّلها" إطلاقه "على الحديث" الوارد و"الآتي عن الرّسول" ﷺ على الخصوص، سواء "كان" ذلك الحديث "من" الصنف الـ "مبيَّن" - بفتح الياء - أي المفسّر "به الكتاب" العزيز - القرآن الكريم - "أو" كان "سوى" أي غير "مبيِّن" - بكسر الياء - له أي للكتاب. "وتارة يكون لفظ السنة إطلاقه مقابلا للبدعة" تقابل الضدين - وهذا هو الثاني من تلك الإطلاقات - فيقال: "فلان على السنة" إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أولا، ويقال فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة وإن كان العمل بمقتضى الكتاب (٢).

стр. 914

٢٤١٨ - وَتَارَةً يُطْلَق وَالْمُرَادُ … مَا فِيهِ لِلصَّحَابَةِ اجْتِهَادُ ٢٤١٩ - وَوَقَعَ الإِجْمَاعُ فِيهِ فَاقْتُفِي … كَالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ وَجَمْعِ المُصْحَفِ ٢٤٢٠ - وَأَصْل الاسْتِحْسَانِ وَالْمَصَالِحِ … لِذَاكَ رَاجِعٌ بِأَمْرٍ وَاضِحِ ٢٤٢١ - وَالْخلَفَاءُ مِنْ هُدَاةِ الأُمَّةِ … لِقَوْلهِ عَلَيْكمُ بِسُنَّتِي ٢٤٢٢ - فَصَحَّ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُتَّبَعَهْ … بِأَمْرِهِ مَحْضورَةٌ فِي أَرْبَعَهْ " وتارة" أخرى "يطلق" لفظ السنة "والمراد" هو "ما" كان للصحابة به عمل وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا، أو كان "فيه" لهم أي "للصّحابة اجتهاد" ونظر فقهي فكان مبتنى حكمهم عليه أو فيه. "ووقع" بعد ذلك "الإجماع" أي إجماعهم أو إجماع خلفائهم "فيه" أي عليه "فاقتفي" أي اتبع من جاء من بعد وذلك "كالحدّ في الخمر" الذي حدّ بثمانين جلدة، ولم يكن في زمن النّبي ﷺ كذلك، وإنما ورد فيه ما يدلّ أنّه أربعون ضربة "و" كذلك "جمع المصحف" في زمن أبي بكر، وقد كان قبل ذلك مفرقا في العسب والعظام والصحف. ومثل ذلك تضمين الصناع، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك. "وأصل الاستحسان" الذي جعل أصلا فقهيا عند بعض العلماء "و" كذلك "المصالح" المرسلة الذي جعل أصلا فقهيا عند المالكية وغيرهم "لذاك" الذي تقدّم تقريره في هذا الإطلاق الآخر "راجع" إذ عليه مبتناه "بأمر" وسبب "واضح" بين، فيكون الصحابة بتصرفاتهم المذكورة هم من قد أسسوا لهذين الأصلين، فمأخذهما من تصرفاتهم تلك وما أشبهها، ثم اقتفي سبيلهم في ذلك واتخذ أصلا فقهيا معتبرا. "والخلفاء" الأربعة "من هداة" ومرشدي هذه "الأمة" الإسلاميّة، وذلك "لقوله" ﵊: "عليكم بسنتي" وسنة الخلفاء الراشدين المهديين "فصحّ" بناء على هذا الذي تقدم تقريره "أن السُّنَّةَ المُتّبعهْ" في هذه الشريعة "بأمره" ﵊ "محصورة في أربعة" أوجه:

стр. 915

٢٤٢٣ - فِي قَوْلهِ وَفِعْلِهِ وَمَا أَقَرّ … وَمَا عَنْ اِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ اسْتَقَرّ " المسألة الثانية " ٢٤٢٤ - وَأَنَّ لِلسُّنَّةِ عِنْدَ النَّظَرِ … وَالاعْتِبَارِ رُتْبَةَ التَّأَخُّرِ ٢٤٢٥ - عَنِ الْكِتَابِ بِالدَّلِيلِ الْمُعْتَبَرْ … مِنْ مُقْتَضَى الأَخْبَارِ فِيهِ وَالأَثَرْ " في قوله" ﵊، "وفعله" ﷺ "وما أقر" ﵊ من أمر، فهذه ثلاثة، وكلّ ذلك إمّا متلقى بالوحي، أو بالاجتهاد - بناء على صحة الاجتهاد في حقه - "و" رابعها "ما" كان "عن إجماع الصحابة" ﵃ فثبت و"استقرّ" وجرت الأمة عليه. وهذا الذي ذكره الشاطبي من أنّ سنّة الخلفاء حجّة شرعية متبعة أمر فيه نظر، إذ المحقق أنه لا حجة إلا في الإجماع، وما سواه من إجماع الخلفاء، أو اتفاق بعض الصحابة وما أشبه ذلك مما هو دون الإجماع فإنه موضع خلاف، والثابت أنه ليس حجة. ولعل هذا ما رآه الناظم فلم يذكر في الوجه الرابع إلا ما كان عن إجماع الصحابة خلافا لقول الشاطبي: "ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء". فتأمّل. "المسألة الثانية" في أنه تقرر "و" ثبت "أن للسنة" النبوية "عند النظر والاعتبار" في درجتها مقارنة بالكتاب "رتبة" ومنزلة "التأخر" في شأن ترتيب الأدلة "عن" رتبة "الكتاب" الذي هو أعلى وأصح كتاب على وجه الأرض، وهذا التأخر لرتبة السنة عن رتبة ومنزلة القرآن أمر ثابت "بالدليل المعتبر" والبرهان الراسخ "من مقتضى" ومفاد "الأخبار" الواردة "فيه" يعني في شأن هذا التأخر، "و" مقتضى ما ورد فيه - كذلك - من "الأثر" ومن ذلك ما روي من أن عمر بن الخطاب كتب إلى شريح القاضي: "إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله. فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ فيه رسول الله ﷺ إلخ" وفي رواية عنه: "إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض فيه، ولا تلفت إلى غيره" وقد بين معنى هذا في رواية أخرى إذ قال: انظر ما تبين لك في كتاب الله - تعالى - فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول
следующие страницы →