← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

" فصل " ٢٤٠٨ - وَيُسْتَفَادُ مِنْ هُنَا أُمُورُ … أَكِيدَةٌ يَأتِي لَهَا تَقْرِيرُ ٢٤٠٩ - مِنْهَا التَّحَفُّظُ مِنَ الْقَوْلِ عَلَا … غَيْرِ بَيَانِ وَاتِّبَاعِ مَا انْجَلَا ٢٤١٠ - وَأَنَّ مَنْ يَتْرُكُ فِيهِ نَظَرَهْ … بِرَأْيِهِ مُعْتَمِدًا مَنْ فَسَّرهْ " فصل" في بيان أن ما يؤخذ "ويستفاد من" هذا الذي تقرر "هنا" في شأن القول في القرآن بالرأي "أمور" معرفتها "أكيدة" أي مطلوبة بالتأكيد "يأتي لها" تفسير في الكلام الآتي و"تقرير" لتدرك على وضوح وتعلم على بيان. "منها" وجوب "التحفظ" والتوقي "من القول" في القرآن بالرأي "على غير بيان" لغوي وشرعي. "و" منها - أيضا - وجوب التوقي من "اتباع ما انجلا" أي ظهر بالرأي المجرد من غير بينة شرعية أو لغوية. وهذا تأكيد للمعنى السابق. وذلك لأن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات: إحداها من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومن يليهم وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم فنحن أولى بذلك منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم وهيهات. والثانية من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. والثالثة من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه لأن الأصل عدم العلم فعندما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال وكل واحد فقيه نفسه في هذا المجال وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل (١). "و" منها "أنّ من يترك فيه" أي القرآن "نظره" ويهمل فيه القول "برأيه" وصار "معتمدا" على قول "من فسّره" من المتقدمين من السلف الصالح، لا

стр. 912

٢٤١١ - فِي سَعَةٍ مِنْ ذَاكَ إِلَّا إِنْ دَعَتْ … ضَرُورَةٌ لَهُ فَحُكْمُهُ ثَبَتْ ٢٤١٢ - وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ لِلْمُفَسِّرِ … بُعْدٌ عَنِ التَّقْصِيدِ فِي الْمُفَسَّرِ ٢٤١٣ - وَلْيَخْشَ فِيهِ الله مِنْ أَنْ يَسْئَلَهْ … فَلَا يُصِيبُ حُجَّةً فِي الْمَسْأَلَهْ ٢٤١٤ - ثُمَّ لَهُ فِي الاحْتِمَالَاتِ سَعَهْ … وَهْوَ سَبِيلُ مَنْ مَضَى الْمُتَّبَعَهْ يلام، بل هو "في سعة" ومجال رحب "من ذاك" لأنه بعيد بذاك عن وصمه بالقول بالرأي، ثم إنه إنما يروي وينقل ما سمعه من أهل العلم المتقدمين وبذلك فإن له في هذا المسلك فسحة ومتقى ينتحيه "إلا إن دعت" حاجة أو اقتضت "ضرورة" قوله بالرأي وذهابه "له" فيه - أي في تفسير القرآن الكريم - فإنه يصير إليه لذلك "فحكمه" حينئذ الجواز وهو حكم قد "ثبت" في هذا الشأن لأنه مثل القياس الذي لا يصار إليه إلا عند الحاجة إليه والضرورة. وما زال السلف يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن فإن المحظور فيهما واحد وهو خوف التقول على الله بل القول في القرآن أشد فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أو عنى كذا بكلامه المنزل وهذا عظيم الخطر (١). "و" منها "أن يكون فيه" أي في تفسير كلام الله - تعالى - "للمفسر" إذا كان ليس على جزم من صحة ما يقوله أخذا من الشارع "بعد عن التقصيد" - وهو أن يقول هذا المعنى - هو المقصود له "في" الكلام "المفسَّر" وهو مراده منه، وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم، فليكن على حذر من هذا "وليخش فيه" أي في مقاله هذا بل وفي شأن تفسير القرآن كله "الله" تعالى "من أن يسأله" عن مأخذ مقاله ذاك، ويستفهمه: من أين قلت عني هذا؟ "فـ"ـــــيعجز عن الجواب و"لا يصيب حجّة" تدرأ عنه الإثم "في" هذه "المسألة"، ولا يخفى ما يترتب على ذلك شرعا، "ثم" إنّ المفسر غير محتاج إلى ذلك في التقصيد، إذ "له في "إيراد "الاحتمالات" الظاهرة من النص المفسر وحكايتها "سعهْ" وميدان رحب، وذلك بأن يقول: يحتمل أن يكون معنى هذه الآية - مثلا - كذا، وكذا بناء على صحة تلك الاحتمالات في طلب العلم، "و" هذا مسلك غير بدع بل "هو سبيل من مضى" من أهل العلم وطريقتهم "المتّبعهْ" في هذا الشأن.

стр. 913

" الدليل الثاني: السنّة" وفيه مسائل: " المسألة الأولى " ٢٤١٥ - وَتُطْلَقُ السُّنَّةُ إِطْلَاقَاتِ … أَوَّلُهَا عَلَى الْحَدِيثِ الآتِي ٢٤١٦ - عَنِ الرَّسُولِ كَانَ مِنْ مُبَيَّنِ … بِهِ الْكِتَابُ أَوْ سِوَى مُبَيَّنِ ٢٤١٧ - وَتَارَةً يَكُونُ لَفْظُ السُّنَّةِ … إِطْلَاقُهُ مُقَابِلًا لِلْبِدْعَةِ ولا يعرج على الاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل فإنها غير معتبرة. فعلى كل تقدير لا بدّ في كلّ قول يجزم به أو يحمّل من شاهد يشهد لأصله، وإلا كان باطلا، ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم. والله أعلم (١). "الدليل الثاني السنّة" وفيه مسائل "المسألة الأولى" من الأدلة الشرعية "السنة" النبوية الشريفة "وفيه" يعني وفي بيان هذا الدليل وأحواله نورد "مسائل" وهي عشرة: "المسألة الأولى" منها: في تعريف لفظ السنة وبيان ما يراد به، لأنه لفظ مشترك إصطلاحا. "و" بذاك فإنه "تُطْلَقُ" هذا اللفظة: أي لفظ "السنة إطلاقات" مختلفة، "أوّلها" إطلاقه "على الحديث" الوارد و"الآتي عن الرّسول" ﷺ على الخصوص، سواء "كان" ذلك الحديث "من" الصنف الـ "مبيَّن" - بفتح الياء - أي المفسّر "به الكتاب" العزيز - القرآن الكريم - "أو" كان "سوى" أي غير "مبيِّن" - بكسر الياء - له أي للكتاب. "وتارة يكون لفظ السنة إطلاقه مقابلا للبدعة" تقابل الضدين - وهذا هو الثاني من تلك الإطلاقات - فيقال: "فلان على السنة" إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أولا، ويقال فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة وإن كان العمل بمقتضى الكتاب (٢).

стр. 914

٢٤١٨ - وَتَارَةً يُطْلَق وَالْمُرَادُ … مَا فِيهِ لِلصَّحَابَةِ اجْتِهَادُ ٢٤١٩ - وَوَقَعَ الإِجْمَاعُ فِيهِ فَاقْتُفِي … كَالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ وَجَمْعِ المُصْحَفِ ٢٤٢٠ - وَأَصْل الاسْتِحْسَانِ وَالْمَصَالِحِ … لِذَاكَ رَاجِعٌ بِأَمْرٍ وَاضِحِ ٢٤٢١ - وَالْخلَفَاءُ مِنْ هُدَاةِ الأُمَّةِ … لِقَوْلهِ عَلَيْكمُ بِسُنَّتِي ٢٤٢٢ - فَصَحَّ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُتَّبَعَهْ … بِأَمْرِهِ مَحْضورَةٌ فِي أَرْبَعَهْ " وتارة" أخرى "يطلق" لفظ السنة "والمراد" هو "ما" كان للصحابة به عمل وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا، أو كان "فيه" لهم أي "للصّحابة اجتهاد" ونظر فقهي فكان مبتنى حكمهم عليه أو فيه. "ووقع" بعد ذلك "الإجماع" أي إجماعهم أو إجماع خلفائهم "فيه" أي عليه "فاقتفي" أي اتبع من جاء من بعد وذلك "كالحدّ في الخمر" الذي حدّ بثمانين جلدة، ولم يكن في زمن النّبي ﷺ كذلك، وإنما ورد فيه ما يدلّ أنّه أربعون ضربة "و" كذلك "جمع المصحف" في زمن أبي بكر، وقد كان قبل ذلك مفرقا في العسب والعظام والصحف. ومثل ذلك تضمين الصناع، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك. "وأصل الاستحسان" الذي جعل أصلا فقهيا عند بعض العلماء "و" كذلك "المصالح" المرسلة الذي جعل أصلا فقهيا عند المالكية وغيرهم "لذاك" الذي تقدّم تقريره في هذا الإطلاق الآخر "راجع" إذ عليه مبتناه "بأمر" وسبب "واضح" بين، فيكون الصحابة بتصرفاتهم المذكورة هم من قد أسسوا لهذين الأصلين، فمأخذهما من تصرفاتهم تلك وما أشبهها، ثم اقتفي سبيلهم في ذلك واتخذ أصلا فقهيا معتبرا. "والخلفاء" الأربعة "من هداة" ومرشدي هذه "الأمة" الإسلاميّة، وذلك "لقوله" ﵊: "عليكم بسنتي" وسنة الخلفاء الراشدين المهديين "فصحّ" بناء على هذا الذي تقدم تقريره "أن السُّنَّةَ المُتّبعهْ" في هذه الشريعة "بأمره" ﵊ "محصورة في أربعة" أوجه:

стр. 915

٢٤٢٣ - فِي قَوْلهِ وَفِعْلِهِ وَمَا أَقَرّ … وَمَا عَنْ اِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ اسْتَقَرّ " المسألة الثانية " ٢٤٢٤ - وَأَنَّ لِلسُّنَّةِ عِنْدَ النَّظَرِ … وَالاعْتِبَارِ رُتْبَةَ التَّأَخُّرِ ٢٤٢٥ - عَنِ الْكِتَابِ بِالدَّلِيلِ الْمُعْتَبَرْ … مِنْ مُقْتَضَى الأَخْبَارِ فِيهِ وَالأَثَرْ " في قوله" ﵊، "وفعله" ﷺ "وما أقر" ﵊ من أمر، فهذه ثلاثة، وكلّ ذلك إمّا متلقى بالوحي، أو بالاجتهاد - بناء على صحة الاجتهاد في حقه - "و" رابعها "ما" كان "عن إجماع الصحابة" ﵃ فثبت و"استقرّ" وجرت الأمة عليه. وهذا الذي ذكره الشاطبي من أنّ سنّة الخلفاء حجّة شرعية متبعة أمر فيه نظر، إذ المحقق أنه لا حجة إلا في الإجماع، وما سواه من إجماع الخلفاء، أو اتفاق بعض الصحابة وما أشبه ذلك مما هو دون الإجماع فإنه موضع خلاف، والثابت أنه ليس حجة. ولعل هذا ما رآه الناظم فلم يذكر في الوجه الرابع إلا ما كان عن إجماع الصحابة خلافا لقول الشاطبي: "ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء". فتأمّل. "المسألة الثانية" في أنه تقرر "و" ثبت "أن للسنة" النبوية "عند النظر والاعتبار" في درجتها مقارنة بالكتاب "رتبة" ومنزلة "التأخر" في شأن ترتيب الأدلة "عن" رتبة "الكتاب" الذي هو أعلى وأصح كتاب على وجه الأرض، وهذا التأخر لرتبة السنة عن رتبة ومنزلة القرآن أمر ثابت "بالدليل المعتبر" والبرهان الراسخ "من مقتضى" ومفاد "الأخبار" الواردة "فيه" يعني في شأن هذا التأخر، "و" مقتضى ما ورد فيه - كذلك - من "الأثر" ومن ذلك ما روي من أن عمر بن الخطاب كتب إلى شريح القاضي: "إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله. فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ فيه رسول الله ﷺ إلخ" وفي رواية عنه: "إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض فيه، ولا تلفت إلى غيره" وقد بين معنى هذا في رواية أخرى إذ قال: انظر ما تبين لك في كتاب الله - تعالى - فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول

стр. 916

٢٤٢٦ - وَمَعَ ذَا فَهْيَ لَهُ مُبَيِّنَهْ … وَمَا أُبِينَ سَابِقٌ مَا بَيَّنَهْ ٢٤٢٧ - وَذَا الْمُرَادُ بِقَضَاءِ السُّنَّةِ … عَلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ لِلأَئِمَّةِ الله ﷺ ومثل هذا عن ابن مسعود: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيّه ﷺ . وعن ابن عبّاس أنّه كان إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله ﷺ قال به. وهو كثير في كلام السلف والعلماء. ثم إن الكتاب مقطوع به من جهة الثبوت والسنة مظنونة الثبوت، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل والمقطوع به مقدم على المظنون فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة. "و" يزاد "مع ذا" الذي تقدّم ذكره دليل آخر وهو أنّ السنّة مفسرة للكتاب "فهي له مبيّنة" وموضحة للمراد منه "و" معلوم أنّ "ما أبين" أي وضح وفسر هو "سابق" طبعا ووضعا "ما بيّنه" من الكلام المفسِّر والقول الشارح له، فالمبيِّن - بالكسر - تابع للمبيَّن - بالفتح - فهو ثان عليه في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين - بالفتح - سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبيَّن، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدّم، "وذا" الوصف الذي توصف به السنّة - وهو البيان المذكور - هو "المراد بقضاء السنّة عليه" أي الكتاب "في"الكلام "المنقول للأئمة" وأهل العلم، فقضاء السنّة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطّراح الكتاب، بل إنّ ذلك المعبّر في السنّة هو المراد في الكتاب، فكأنّ السنّة بمنزلة التّفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ودل على ذلك قوله ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النّحل: ٤٤] فإذا حصل بيان قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما بأن القطع من الكوع وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله فذلك هو المعنى المراد من الآية لا أن نقول إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب كما إذا بين لنا مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث فعملنا بمقتضاه فلا يصح لنا أن نقول إنا عملنا بقول المفسر الفلاني دون أن نقول عملنا بقول الله أو قول رسوله ﵊ وهكذا سائر ما بينته السنة من كتاب الله تعالى فمعنى

стр. 917

" المسألة الثالثة " ٢٤٢٨ - وَبَعْدُ فَالسُّنَّةُ فِي مَعْنَاهَا … إِلَى الْكِتَابِ بَيِّنٌ رُجْعَاهَا ٢٤٢٩ - لِمَا لَهَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ … وَالْبَسْطِ وَالتَّفْصِيلِ لِلْمَعَانِي ٢٤٣٠ - وَذَا بِالاسْتِقْرَاءِ مَعْ أَدِلَّهْ … لَا يَنْتَمِي وَاضِحُهَا لِقلَّهْ ٢٤٣١ - فَهْيَ بَيَانُهُ عَلَى التّفْصِيلِ … وَهْوَ لِمَا يُبْدِيهِ ذُو شُمُولِ كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبينة له فلا يوقف مع إجماله واحتماله وقد بينت المقصود منه لا أنها مقدمة عليه (١). " المسألة الثالثة" " و" هي في بيان أنّه "بعد" ذكر ما تقدم وتقريره "فـ" إنّه ينبغي أن يعلم أنّ "السنّة" النّبوية "في معناها" ومقتضياتها "إلى الكتاب" العزيز "بيّن" وواضح "رجعاها" ومردّها وذلك "لما" ثبت "لها فيه من البيان" لمشكله كآية التيمّم، وأية كنز الذّهب والفضّة، "والبسط" لمختصره، "والتّفصيل للمعاني" المجملة فيه كآية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البَقَرَة: ٤٣]. "وذا" كلّه ثابت "بالاستقراء" لما ورد في السنّة والكتاب من الأحكام والمعاني، - وهذا بيانه يأتي في المسألة الرّابعة - كما أنّه ثابت - أيضا - "مع" هذا الذي ذكر من الاستقراء بـ"أدلّهْ" نصيّة وغيرها، وهي أدلة "لا ينتمي" أي ينتسب "واضحها" وبيّنها في الدلالة على هذا الأمر "لقلّة" بل هو منسوب للكثرة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النّحل: ٤٤] وعلى الجملة "فهي" أي السنة "بيانه" أي الكتاب "على" سبيل "التفصيل" لما ورد فيه من الكليات والألفاظ التي تحتاج إلى البيان "وهو "أي القرآن "لما يبديه" من الأحكام والقضايا "ذو شمول" وعموم، وهو ما يبيّن بالسنّة ويفسر بها. فقد قال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القَلَم: ٤] وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن، واقتصرت في خلقه على ذلك. فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن لأن الخلق محصور في هذه الأشياء، ولأن الله جعل القرآن تبيانا لكل شيء، فيلزم

стр. 918

" المسألة الرابعة " ٢٤٣٢ - لِلنَّاسِ فِي السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ … مَئَاخِذُ عَتِيدَةُ الصَّوَابِ ٢٤٣٣ - مِنْهَا اعْتِبَارُ الشَّاهِدِ الْقُرْآنِي … فِي صِحَّةِ السُّنَّةِ فِي الْمَعَانِي ٢٤٣٤ - مِثْلُ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ … فَهْوَ عَلَى مَا تَقْتَضِي دَلِيلُ من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة، لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب. ومثله قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعَام: ٣٨] وقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] وهو يريد بإنزال القرآن فالسنة إذا في محصول الأمر بيان لما فيه وذلك معنى كونها راجعة إليه وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك حسبما يذكر بعد بحول الله. وقد تقدم في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى الكتاب وإلا وجب التوقف عن قبولها وهو أصل كاف في هذا المقام (١). وانظر الأصل في هذا الموضع لمزيد البيان لهذا والتقرير له. "المسألة الرابعة" في أن القرآن متضمن لكليات السنة في الجملة وإن كانت بيانا له على التفصيل. وبيان ذلك أنّ "للناس" إيرادا وسوقا لأدلة وردت "في السنة والكتاب" و"مآخذ" أي حجج "عتيدة" أي قوية "الصواب" واضحة الدلالة على هذا الأمر وهو أنّ كلّ ما ورد في السنّة متضمن في الكتاب وأن السنة حجيتها ومقتضياتها راجعة إليه، فما فيها من أحكام وشرائع ينابيع جرت منه، وأفنان تفرعت عنه. "منها" أي هذه المآخذ - الأدلة التي يؤخذ منها هذا الأمر ويدرك منها هذا الحكم - "اعتبار" واعتماد مقتضى "الشاهد" والدليل "القرآني" الوارد "في" إثبات "صحة" وحجية "السنة في" الذي تدل عليه من الأحكام و"المعاني" اللفظية الدالة على بناء هذه الأحكام - كالتخصيص والنسخ والتقدير - وفي لزوم اتباعها. والمراد بذلك الشاهد ما ورد في القرآن الكريم من الأمر باتباع الرسول ﷺ وطاعته، "مثل" قوله - سبحانه - ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحَشر: ٧] "فهو" حجة "على" وجوب اتباع "ما تقتضيـ"ــــــه و"دليل" عليه وعلى

стр. 919

٢٤٣٥ - لِأَنَّهُ الأَصْلُ لِمَا قَدْ مَرَّا … وَذَا لِبَعْضِ السَّلَفِ اسْتَقَرَّا صحة ما تقتضيه شرعا. وهذا الدليل هو أهم وأعم دليل اعتمد عليه في هذا الباب "لأنه الأصل لما قد مرّا" - الألف للإطلاق - ذكره في شأن السنة "وذا" الدليل "لبعض السلف" هو العمدة والبرهان الذي "استقرا" - الألف للإطلاق - بناء هذا الحكم عليه، وممن أخذ بهذا عبد الله بن مسعود، فقد روى أنّ امرأة من بني أسد أتته فقالت له: بلغني أنّك لعنت ذيت وذيت والواشمة والمستوشمة وإنني قد قرأت ما بين اللوحين فلم أجد الذي تقول! فقال لها عبد الله: أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحَشر: ٧]؟ قالت: بلى قال: فهو ذاك. وفي رواية قال عبد الله: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد؛ فقالت: يا أبا عبد الرحمن بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحديث. فظاهر قوله لها: هو في كتاب الله، ثم فسر ذلك بقوله: [ومما آتاكم الرسول فخذوه] دون قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النِّسَاء: ١١٩] إن تلك الآية تضمنت جميع ما جاء في الحديث النبوي، ويشعر بذلك أيضا ما روي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهاه، فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وروي أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس: اتركهما فقال: إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صلى لله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر؛ فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر لأن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزَاب: ٣٦] عن الحكم بن أبان؛ أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد؛ فقال: هن أحرار قلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] وكان عمر من أولي الأمر قال: عتقت ولو بسقط (١).

стр. 920

٢٤٣٦ - وَهْوَ قَرِيبٌ مِنَ الاسْتِدْلَالِ … أَوْ هُوَ نَفْسُهُ عَلَى الإِعْمَالِ ٢٤٣٧ - ثَانٍ لَهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعُلَمَا … الأَخْذُ لِلسُّنَّةِ تَبْيِينًا لِمَا ٢٤٣٨ - جَاءَ عَلَى الإِجْمَالِ فِي الْكِتَابِ … مِنْ مُقْتَضَى الشُّرُوطِ وَالأَسْبَابِ ٢٤٣٩ - وَغَيْرِهَا أَوِ الْمُقَدَّرَاتِ … وَمَا لَهُ حَدٌّ بِكَيْفِيَاتِ ٢٤٤٠ - مِنْ نَوْعَيِ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ … وَأَنَّهُ لِلْمُقْتَضَى بِالآيَةِ " و" هذا المأخذ "هو قريب من الاستدلال" على إعمال السنة بوجه عام "أو هو نفسه" دليل "على الأعمال" لها على هذا الوجه ولكنه أدخل مدخل المعاني التفصيلية التي يدل عليها الكتاب من السنة. هذا هو الأول من هذه المآخذ. و"ثان له" أي لما ذكر من المآخذ - وهو الوجه "المشهور عند العلماء" - هو "الأخذ للسنة" حالة كونها "تبيينا لما" أي الذي "جاء على" وجه وحال "الإجمال في الكتاب" من الأحكام أو ما جاء فيه مجملا "من مقتضى" وحكم "الشروط" في الأعمال العبادية أو العادية "و" كذا "الأسباب" الموضوعة لها شرعا "وغيرها" كالموانع منها - "أو المقدرات" أي المقادير الموضوعة في شأن الزكاة والحدود وما أشبه ذلك "و" كذا "ما له حد" محدود مضبوط "بكيفيات" وهيئات معينة "من نوعي العادة" كالبيوع والأنكحة وغير ذلك من التصرفات البشرية العادية المجملة في النص القرآني والمبينة بالسنة، "والعبادةِ" كالصلوات على اختلافها في مواقيتها، وركوعها وسجودها، وسائر أحكامها، وكذلك الزكاة في شان مقاديرها وأوقاتها ونصب الأموال المزكاة وتعيين ما يزكى منها مما لا يزكى، وغير ذلك من أحكام العبادات وشروطها وأسبابها وموانعها المبينة بالسنة النبوية. "و" هذا البيان كله قد تقرر "أنه للمقتضى" والحكم الثابت "بالآية" المذكورة وهي قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النّحل: ٤٤]. وقد روي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك. وقيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا. وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية؛ قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صلى

стр. 921

٢٤٤١ - الثَّالِثُ اعْتِبَارُ مَا الْكِتَابُ … عَلَيْهِ قَدْ دَلَّ بِمَا يُصَابُ ٢٤٤٢ - فِي مُقْتَضَى السُّنَّةِ مَعْ بَيَانِ … مَا كَانَ مُجْمَلًا مِنَ الْمَعَانِي ٢٤٤٣ - فَكُلُّ مَا لَدَى الْكِتَابِ أُصِّلَا … فَهْوَ لَدَى السُّنَّةِ قَدْ تَفَصَّلَا الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب قال ابن عبد البر: يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه. وسئل أحمد بن حنبل عن الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب، فقال ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبينه. فهذا الوجه في التفصيل أقرب إلى المقصود وأشهر في استعمال العلماء في هذا المعنى (١). و"الثالث" من هذه الماخذ هو "اعتبار" وملاحظة "ما الكتاب عليه قد دلّ" في الجملة "بما" - الباء بمعنى مع - أي مع ما من المعاني والأحكام "يصاب" أي يلفى "في مقتضى" ومفاد "السنة مع" زيادة "بيان" وإيضاح "ما كان" فيه - أي القرآن - "مجملا من المعاني" والدلالات. وذلك أن القرآن أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدها دفعا لها وقد مر أن المصالح لا تعدو الثلاثة الأقسام: الضروريات ويلحق بها مكملاتها، والحاجيات: ويضاف إليها مكملاتها، والتحسينيات ويليها مكملاتها، ولا زائد على هذه الثلاثة المقررة في كتاب المقاصد. وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور، فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعا على كتاب الله وبيانا لما فيه منها. فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام (٢). إذن "فكل ما لدى" أي في "الكتاب أصلا" أي جعل أصلا شرعيا وقاعدة عامة "فهو لدى" أي في "السنة قد" شرح وبين و"تفصلا" - الألف للإطلاق - أي ورد مفصلا.

стр. 922

٢٤٤٤ - وَلْتَعْتَبِرْ ذَلِكَ فِي الْمَقَاصِدِ … تَجِدْهُ فِيهَا وَاضِحَ الشَّوَاهِدِ ٢٤٤٥ - فَإِنَّ حِفْظَ الدِّينِ فِي الإِيمَانِ … يُلْفَى وَفِي الإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ ٢٤٤٦ - وَفِي مُكَمِّلَاتِهِ وَهْيَ الدُّعَا … إِلَيْهِ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا مَعَا ٢٤٤٧ - ثُمَّ جِهَادُ كُلِّ ذِي عُدْوَانِ … ثُمَّ تَلَافِي طَارِئ النُّقْصَانِ ٢٤٤٨ - وَأَصْلُ ذَاكَ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ … وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِالبَيَانِ " ولتعتبر ذلك" ولتلاحظه - على سبيل المثال - "في" حال وشأن "المقاصد" الشرعية التي هي حفظ الضروريات الخمس "تجده فيها" أمرا "واضح" وبين "الشواهد" والأدلة الدالة عليه، فهذه الضروريات كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة "فإن حفظ الدّين في الإيمان يلفى" أي يوجد إذا حصل "وفي الإسلام والإحسان" كذلك، وكلّ هذه الحقائق والمعاني أصلها في الكتاب وبيانها في السنة "و" هكذا الحكم - أيضا - "في مكمّلاته" أي الدين "وهي الدّعاء" "إليه ترغيبا" يعني بالترغيب الذي مبتناه على ذكر ما أعدّ الله - تعالى - من الخير لمن اتّقاه "وترهيبا" يعني بالترهيب والتخويف وذلك بذكر ما أوعد الله - تعالى - به الكافرين والظالمين، وهذان الأمران - الترغيب والترهيب - يتوسل بهما "معا" في هذا الشأن، وكل يؤتى به حيث يصلح، ويفيد. "ثم جهاد" وصد "كل ذي عدوان" لهذا الدين، أو عناد لحقائقه، أو لإفساد لها. "ثم تلافي" وتدارك "طارئي النقصان" في أصله فيه إضافة الصفة إلى الموصوف أي النقصان الطارئ عليه في أصله بالحدود الزواجر، والتعزيزات. "وأصل ذاك" كله "جاء في القرآن" الكريم "وجاءت السنة بالبيان" له على الكمال "و" كذلك حفظ "النفس" فإنه - أيضا - واجب، وحاصله في ثلاثة معاني: وهي إقامة أصله بشرعية النسل، وحفظ بقائه بعد خروجه من العدم إلى الوجود، من جهة المأكل والمشرب، وذلك ما يحفظه من داخل والملبس والمسكن وذلك ما يحفظه من خارج. وجميع هذا مذكور أصله في القرآن ومبين في السنة. ومكمله ثلاثة أشياء وذلك حفظه عن وضعه في حرام كالزنى وذلك بأن يكون على النكاح الصحيح ويلحق به كل ما هو من متعلقاته كالطلاق والخلع واللعان وغيرها وحفظ ما يتغذى به أن يكون مما لا يضر أو يقتل أو يفسد وإقامة ما لا تقوم هذه الأمور إلا به من الذبائح والصيد وشرعية الحد والقصاص ومراعاة العوارض اللاحقة وأشباه ذلك. وقد دخل حفظ النسل في هذا

стр. 923

٢٤٤٩ - وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ كَذَا وَالْعَقْلُ … وَالْعِرْضُ عِنْدَ مُلْحِقٍ وَالنَّسْلَ ٢٤٥٠ - وَكَالضَّرُورِيَّاتِ فِي التَّبْيِينِ … بِالسُّنَّةِ الْحَاجِيِّ وَالتَّحْسِينِي القسم وأصوله في القرآن والسنة بينتها (١). "و" حفظ "المال كذا" وهو راجع إلى مراعاة دخوله في الأملاك، وتحصيله وكتنميته مخافة ألّا يفي بالمراد والمقصود الشرعي منه. ومكمله دفع العوارض المضرة به أو الذاهبة به، كالغصب والإحراق والاستراق، وتعريضه للغرر، والخطر، وتلافي حفظ أصله بالزجر، والحد والضمان. "و" كذلك حفظ "العقل" فإنه يحصل بتناول ما لا يفسده وبالإنكفاف عما يضر به، أو يفسده. وهذا في القرآن. ومكمله شرعية الحد أو الزجر وليس له في القرآن أصل على الخصوص، فلم يكن له في السنة حكم على الخصوص - أيضا - فبقي الحكم فيه إلى اجتهاد الأمة. "و" على السبيل يمضي أمر حفظ "العرض" أيضا، وذلك "عند ملحق" له بهذه الضروريات، وهو له في الكتاب أصله، والسنة شرحته في اللعان، والقذف، "و" كذلك حال حفظ "النسل" فإنه داخل في قسم حفظ النفس، وأصوله في الكتاب والسنة بيّنتها. هذا وجه في الاعتبار في الضروريات، ولك أن تأخذها على ما تقدم في أول كتاب المقاصد فيحصل المراد أيضا. "وكالضروريات" المذكورة "في التبيين" والإيضاح "بالسنة" النبوية "الحاجي" من المقاصد "والتحسيني" منها فأنت إذا نظرت إلى الحاجيات اطرد النظر - أيضا - فيها على ذلك الترتيب أو نحوه، فإن الحاجيات دائرة على الضروريات. وكذلك التحسينيات. وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن وفي السنة فلم يتخلف عنها شيء. والاستقراء يبين ذلك ويسهل على من هو عالم بالكتاب والسنة ولما كان السلف الصالح كذلك قالوا به ونصوا عليه حسبما تقدم عن بعضهم فيه. ومن تشوف إلى مزيد فإن دوران الحاجيات على التوسعة والتيسير ورفع الحرج والرفق. فبالنسبة إلى الدين يظهر في مواضع شرعية الرخص في الطهارة كالتيمم ورفع حكم النجاسة فيما إذا عسر إزالتها. وفي الصلاة بالقصر ورفع القضاء في الإغماء والجمع والصلاة قاعدا وعلى جنب. وفي الصوم بالفطر في السفر والمرض. وكذلك سائر العبادات. فالقرآن إن نص على بعض التفاصيل كالتيمم والقصر والفطر فذاك وإلا

стр. 924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فالنصوص على رفع الحرج فيه كافية. وللمجتهد إجراء القاعدة والترخص بحسبها والسنة أول قائم بذلك. وبالنسبة إلى النفس أيضا يظهر في مواضع منها مواضع الرخص كالميتة للمضطر وشرعية المواساة بالزكاة وغيرها وإباحة الصيد وإن لم يتأت فيه من إراقة الدم المحرم ما يتأتى بالذكاة الأصلية. وفي التناسل من العقد على البضع من غير تسمية صداق وإجازة بعض الجهالات فيه بناء على ترك المشاحة كما في البيوع وجعل الطلاق ثلاثا دون ما هو أكثر وإباحة الطلاق من أصله والخلع وأشباه ذلك. وبالنسبة إلى المال أيضا في الترخيص في الغرر اليسير والجهالة التي لا انفكاك عنها في الغالب ورخصة السلم والعرايا والقرض والشفعة والقراض والمساقاة ونحوها. ومنه التوسعة في ادخار الأموال وإمساك ما هو فوق الحاجة منها والتمتع بالطيبات من الحلال على جهة القصد من غير إسراف ولا إقتار. وبالنسبة إلى العقل في رفع الحرج عن المكره وعن المضطر على قول من قال به في الخوف على النفس عند الجوع والعطش والمرض وما أشبه ذلك. كل ذلك داخل تحت قاعدة رفع الحرج لأن أكثره اجتهادي وبينت السنة منه ما يحتذي حذوه فرجع إلى تفسير ما أجمل من الكتاب. وما فسر من ذلك في الكتاب فالسنة لا تعدوه ولا تخرج عنه. وقسم التحسينيات جار أيضا كجريان الحاجيات فإنها راجعة إلى العمل بمكارم الأخلاق وما يحسن في مجاري العادات كالطهارات بالنسبة إلى الصلوات على رأي من رأى أنها من هذا القسم وأخذ الزينة من اللباس ومحاسن الهيئات والطيب وما أشبه ذلك وانتخاب الأطيب والأعلى في الزكوات والإنفاقات وآداب الرفق في الصيام. وبالنسبة إلى النفوس كالرفق والإحسان وآداب الأكل والشرب ونحو ذلك. وبالنسبة إلى النسل كالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان من عدم التضييق على الزوجة وبسط الرفق في المعاشرة وما أشبه ذلك. وبالنسبة إلى المال كأخذه من غير إشراف نفس والتورع في كسبه واستعماله والبذل منه على المحتاج وبالنسبة إلى العقل كمباعدة الخمر ومجانبتها وإن لم يقصد استعمالها بناء على أن قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المَائدة: ٩٠] يراد به المجانبة بإطلاق فجميع هذا له أصل في القرآن بينه الكتاب على إجمال أو تفصيل أو على الوجهين معا. وجاءت السنة قاضية على ذلك كله بما هو أوضح في الفهم وأشفى

стр. 925

٢٤٥١ - الْمَأْخَذُ الرَّابِعُ وَهْوَ يُعْتَبَرْ … حَيْثُ مَجَالُ الاجْتِهَادِ وَالنَّظَرْ ٢٤٥٢ - مَا بَيْنَ جَانِبَيْنِ وَاضِحَيْنِ … فِي مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَارِدَيْنِ ٢٤٥٣ - أَوْ سُنَّةٍ تَجَاذَبَا بَيْنَهُمَا … وَاسِطَةً فِيهَا اجْتِهَادُ الْعُلَمَا ٢٤٥٤ - مَا لَمْ يَكُ الْمَأخذُ فِيهَا يَبْعُدُ … أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهَا التَّعَبُّدُ ٢٤٥٥ - فَتَصْدُرُ السُّنَّةَ بِالْبَيَانِ … إِذْ ذَاكَ فِيهَا وَلَهُ وَجْهَانِ ٢٤٥٦ - إِلَحَاقُهَا بِجَانِبٍ أَوْ جَعْلُهَا … مُحْتَمِلًا لِذَا وَهَذَا أَصْلُهَا في الشرح وإنما المقصود هنا التنبيه (١). وبهذا انتهى الكلام على هذا المأخذ - المأخذ الثالث. "المأخذ الرابع وهو" المأخذ الذي "يعتبر" أي يلاحظ ويقع "حيث مجال" ومحل "الاجتهاد والنّظر" الحاصل والواقع "ما بين جانبين" أي طرفين - حكمين - "واضحين" أمرهما من جهة ثبوتهما ودلالة ما دل عليهما، إذ كانا "في مقتضى" ومدلول نص "الكتاب" الكريم "واردين" آتيين "أو" في مقتضى ومدلول الـ"ـسُّنَّة" النبوية فعلم حكمهما على بيان من ذلك. ثم يرد أنه "تجاذبا" أي الحكمان المذكوران المتعارضان "بينهما واسطة" يتردد أمر حكمها بمقتضى حالها بين أن تلحق بهذا أو ذاك منهما لوجود شبه فيها بكليهما، ففي هذه الحالة ينظر في هذه الواسطة، ويجري "فيها اجتهاد العلماء" ويمضى فيها رأيهم وذلك "ما لم يك المأخذ" الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي "فيها" والمدرك الذي يدرك منه "يبعد" على الناظر المجتهد "أو "ما "لم يكن من شأنها" وحالها جريان حكم "التَّعبدُ" بها الذي لا سبيل إلى العلم بحكمه إلا من جهة الوحي، فإن كانت من هذا الصنف الذي لا مجال للإجتهاد فيه "فـ"ـإنه "تصدر" و تأتي "السّنّة" النبوية "بالبيان" والتفسير "إذ ذاك" للحكم الشرعي الجاري "فيها" وهذا البيان يرد "و له وجهان" أحدهما "إلحاقها بجانب" من الجانبين - الحكمين - المذكورين، وصرفها عن اللحاق بالجانب الآخر. ثانيهما تصييرها "أو جعلها" أمرا آخذا من كل واحد منهما - أي الجانبين - بوجه احتياطي أو غيره، وبذلك يكون "محتمِلا" بكسر الميم "لِذَا" الجانبين معا "وهذا" هو "أصلها" الجاري حكمه فيها. وهذا الصنف الذي يجري فيه

стр. 926

٢٤٥٧ - كَبَيِّنِ الْحَرَامَ وَالْحَلَالَ … مَعْ ذِي اشْتِبَاهٍ عِنْدَ الاسْتِعْمَالِ ٢٤٥٨ - وَأَصْلِيُّ الطَّيِّبِ وَالْخَبَائِثِ … مَعْ لَاحِقٍ يُوجَدُ فِي مَبَاحِثِ البيان السني هو المقصود ذكره هنا. وهو يتضح بأمثلة أحدها: "كبيّن الحلال والحرام" - فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني كقوله ﷺ "الحلال بيّن والحرام بيّن" فهذان هما الجانبان المذكوران، والواسطة "مع" طرف "ذي اشتباه" يمكن إلحاقه إما بما هو حلال أو بما هو حرام "عند" إرادة "الاستعمال" له، والعلم بحكمه فهذا الطرف هو الواسطة - وقوله عند الاستعمال أتم به الكلام، فقط لكونه في المعنى مستغنى عنه -. "و" كمثل "أصلي الطِيب والخبائث" فإن الله - تعالى - أحل الطيبات وحرم الخبائث والواسطة تظهر إذا قرنا "مَعْ" شيء متردد بين أن يكون طيبا وخبيثا، فيصح لذلك إجراء حكم "لاحقٍ" بالطيبات عليه، كما يصح إلحاقه بالخبائث، وهذا "يوجد" بمقتضى حاله "في مباحث" أي فيما يجري فيه البحث عن حكمه من المسائل التي تتعارض فيها الاحتمالات وتتقابل فيها الظنون. خلاصة القول: أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث، وبقي بين هذين الأصلين أشياء يمكن لحاقها بأحدهما فبين ﵊ في ذلك ما اتضح به الأمر فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. وقال إنها رِكْس وسئل ابن عمر عن القنفذ فقال كل وتلا قل لا أجد فيما أوحي إلي الآية فقال له إنسان إن أبا هريرة يرويه عن النبي ﷺ ويقول هو خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر إن قاله النبي ﷺ فهو كما قال وخرج أبو داود نهى ﵊ عن أكل الجلالة وألبانها وذلك لما في لحمها ولبنها من أثر الجلة وهي العذرة فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث كما ألحق ﵊ الضب والحبارى والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات. والثاني أن الله تعالى أحل من المشروبات ما ليس بمسكر كالماء واللبن والعسل وأشباهها وحرم الخمر من المشروبات لما فيها من إزالة العقل الموقع للعداوة والبغضاء. والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. فوقع فيما بين الأصلين ما ليس بمسكر حقيقة ولكنه يوشك أن يسكر وهو نبيذ الدباء والمزفت والنقير وغيرها فنهى عنها إلحاقا لها بالمسكرات تحقيقا سدا للذريعة ثم رجع إلى تحقيق الأمر في أن الأصل الإباحة

стр. 927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كالماء والعسل فقال ﵊ كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام وبقى في قليل المسكر على الأصل من التحريم فبين أن ما أسكر كثيره فقليله حرام وكذلك نهى عن الخليطين للمعنى الذي نهى من أجله عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرهما فهذا ونحوه دائر في المعنى بين الأصلين فكان البيان من رسول الله ﷺ يعين ما دار بينهما إلى أي جهة يضاف من الأصلين. والثالث أن الله أباح من صيد الجارح المعلم ما أمسك عليك وعلم من ذلك أن ما لم يكن معلما فصيده حرام إذ لم يمسك إلا على نفسه فدار بين الأصلين ما كان معلما ولكنه أكل من صيده فالتعليم يقتضي أنه أمسك عليك والأكل يقتضي أنه اصطاد لنفسه لا لك فتعارض الأصلان فجاءت السنة ببيان ذلك فقال ﵊. فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه وفي حديث آخر إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك وجاء في حديث آخر إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه الحديث وجميع ذلك رجوع للأصلين الظاهرين. والرابع أن النهي ورد على المحرم أن لا يقتل الصيد مطلقا وجاء أن على من قتله عمدا الجزاء وأبيح للحلال مطلقا فمن قتله فلا شيء عليه فبقي قتله خطأ في محل النظر فجاءت السنة بالتسوية بين العمد والخطأ قال الزهري جاء القرآن بالجزاء على العامد وهو في الخطأ سنة والزهري من أعلم الناس بالسنن. والخامس أن الحلال والحرام من كل نوع قد بينه القرآن وجاءت بينهما أمور ملتبسة لأخذها بطرف من الحلال والحرام فبين صاحب السنة ﷺ من ذلك على الجملة وعلى التفصيل فالأول قوله الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات الحديث ومن الثاني قوله في حديث عبد الله بن زمعة واحتجبي منه يا سودة لما رأى من شبهه بعتبة الحديث وفي حديث عدي بن حاتم في الصيد فإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها فلا تأكل لا تدري لعله قتله الذي ليس منها وقال في بئر بضاعة وقد كانت تطرح فيها الحيض والعذرات خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء فحكم بأحد الطرفين وهو الطهارة وجاء في الصيد كل ما أصميت ودع ما أنميت وقال في حديث عقبة بن الحرث

стр. 928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الرضاع إذا أخبرته المرأة السوداء بأنها أرضعته والمرأة التي أراد تزوجها قال فيه كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما دعها عنك إلى أشياء من هذا القبيل كثيرة. والسادس أن الله حرم الزنى وأحل التزويج وملك اليمين وسكت عن النكاح المخالف للمشروع فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض فجاء في السنة ما بين الحكم في بعض الوجوه حتى يكون محلا لاجتهاد العلماء في إلحاقه بأحد الأصلين مطلقا أو في بعض الأحوال وبالأصل الآخر في حال آخر فجاء في الحديث أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها وهكذا سائر ما جاء في النكاح الفاسد من السنة. والسابع أن الله أحل صيد البحر فيما أحل من الطيبات وحرم الميتة فيما حرم من الخبائث فدارت ميتة البحر بين الطرفين فأشكل حكمها فقال ﵊ هو الطهور ماؤه الحل ميتته وروى في بعض الحديث أحلت ميتتان الحيتان والجراد وأكل ﵊ مما قذفه البحر لما أتى به أبو عبيدة. والثامن أن الله تعالى جعل النفس بالنفس وأقص من الأطراف بعضها من بعض في قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى آخر الآية. هذا في العمد. وأما الخطأ فالدية لقوله فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وبين ﵊ دية الأطراف على النحو الذي يأتي بحول الله فجاء طرفان أشكل بينهما الجنين إذا أسقطته أمه بالضربة ونحوها فإنه يشبه جزء الإنسان كسائر الأطراف ويشبه الإنسان التام لخلقته فبينت السنة فيه أن ديته الغرة وأن له حكم نفسه لعدم تمحض أحد الطرفين له. والتاسع أن الله حرم الميتة وأباح المذكاة فدار الجنين الخارج من بطن المذكاة ميتا بين الطرفين فاحتملهما فقال في الحديث "ذكاة الجنين ذكاة أمه" ترجيحا لجانب الجزئية على جانب الاستقلال. والعاشر أن الله قال فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف فبقيت البنتان مسكوتا عنهما فنقل في السنة حكمهما وهو إلحاقهما بما فوق البنتين. ذكره القاضى إسماعيل. فهذه أمثلة يستعان بها على ما سواها فإنه أمر واضح لمن

стр. 929

٢٤٥٩ - كَذَاكَ مَا الْمَجَالُ لِلْقِيَاسِ … فِيهِ لَفَرْعٍ مَعَ أَصْلٍ رَاسِ ٢٤٦٠ - كمِثْلِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْقُرْآنِ … أَصْل لَهُ تَحَقُّق فِي شَانِ ٢٤٦١ - وَتُلْحِقُ السُّنَّةُ مَا دَانَاهَ … بِهِ وَمَا يَشْمَلُهُ مَعْنَاهُ ٢٤٦٢ - كَانَ بِوَحْيٍ أَوْ بِالاجْتِهَادِ … وَإِنَ ذَاكَ فِي الرِّبَا لَبَادِ تأمل وراجع إلى أحد الأصلين المنصوص عليهما أو إليهما معا فيأخذ من كل منهما بطرف فلا يخرج عنهما ولا يعدوهما (١). هذا شأن ما تبينه السنة من الأحكام وهو فوق مدارك أهل النظر والاجتهاد، وطاقاتهم. والسنة لا يجرى بيانها فيما هذا شأنه من الأحكام فقط بل "كذاك" يمتدّ بيانها إلى "ما" من المواضع والأحكام "المجال للقياس" أي الإلحاق "فيه لفرع" يعني لحكم فرع "مع" - بمعنى الباء - أي بحكم "أصل" هو أمر "راس" ثابت، وذلك "كمثل أن يوجد في القرآن" دليل حكم هو "أصل له" ثبوت و"تحقق في شان" ما، وهذا الأصل يشير إلى أنّ ما كان مثلما ورد فيه حكمه كحكم ما ورد فيه، وبذلك يكون الفهم والإدراك ممكنا بالنظر والاجتهاد مدنوا من العلم به لوجود ما يتوصل به إلى ذلك من المناسبة "و" لكن يجتزئ بذلك الأصل عن تفريع الفروع لأنه "تلحق السنة ما داناه" أي قاربه وشابهه من حيث قيام الجامع - العلة - بهما معا وتجمعه "به" أي بذلك الأصل "و" كذا تلحق به "ما يشمله" من الجزئيات "معناه" وعلته، وهذا ماض حكمه بناء على أن المقيس عليه - وإن كان خاصا - في حكم العام معنى، وقد مر في كتاب الأدلة أثناء ذكر كون الشريعة عامة في الأشخاص وأوعية الأفعال - ظروف الزمان والمكان - هذا المعنى. فإذا كان كذلك ووجدنا في الكتاب أصلا، وجاءت السنة بما في معناه أو ما يلحق به أو يشبهه، أو يدانيه فهو المعني ههنا. وسواء علينا أقلنا إن ذلك البيان السني "كان بوحي" من رب العالمين إلا أنه جار في أفهامنا مجرى المقيس "أو" قلنا إنه كان "بالاجتهاد" منه ﷺ . "و" أنت إذا بحثت عن المواضع التي يجري فيها هذا الأمر تجد "إن ذاك" وارد "في" مواضع متعددة ومن ذلك شأن "الربا" فإنه فيه "لباد" ظاهر، وذلك أن الله - عزّ

стр. 930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجلّ - حرم الربا وربا الجاهلية الذي قالوا فيه: "إنما البيع مثل الربا" هو فسخ الدين في الدين، يقول الطالب: إما أن تقضي، وإما أن تربي وهو الذي دل عليه أيضا قوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون فقال ﵊ وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله وإذا كان كذلك وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بذلك المعنى فقال ﵊: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" ثم زاد على ذلك بيع النساء إذا اختلفت الأصناف وعده من الربا لأن النساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة ويدخل فيه بحكم المعنى السلف يجر نفعا وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه لتقارب المنافع فيما يراد منها فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء وهو ممنوع، والأجل في أحد العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة الزيادة به في القيمة إذ لا يسلم الحاضر في الغائب إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة وهو الزيادة ويبقى النظر لم جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات ولم يجز فيهما محل نظر يخفي وجهه على المجتهدين وهو من أخفى الأمور التى لم يتضح معناها إلى اليوم فلذلك بينتها السنة إذ لو كانت بينة لوكل في الغالب أمرها إلى المجتهدين كما وكل إليهم النظر في كثير من محال الاجتهاد فمثل هذا جار مجرى الأصل والفرع في القياس فتأمله. والثاني أن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها في النكاح وبين الأختين وجاء في القرآن وأحل لكم ما وراء ذلكم فجاء نهيه ﵊ عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس لأن المعنى الذي لأجله ذم الجمع بين أولئك موجود هنا وقد يروى في هذا الحديث فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم والتعليل يشعر بوجه القياس (١).

стр. 931

٢٤٦٣ - وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ … وَحُكْمِ مَاءِ الْبَحْرِ فِي الطَّهَارَةِ ٢٤٦٤ - الْمَأْخَذُ الْخَامِسُ مَا فِيهِ النَّظَرْ … مُسْتَنِدٌ فِيمَا مِنَ الْحُكْمِ اعْتَبَرْ ٢٤٦٥ - إِلَى أَدِلَّةٍ مِنَ الْقُرْآنِ … جَاءَتْ لِجُمْلَةٍ مِنَ الْمَعَانِي ٢٤٦٦ - يَرْجِعُ مَعْنَاهَا لِشَيْءٍ وَاحِدِ … مَعَ اخْتِلَافِ أَضْرُبِ الْمَوَارِدِ " ومثله ما جاء في" شأن "الرّضاعة" فإن الله - تعالى - ذكر من تحريم الرضاعة قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣] فألحق النبي ﷺ بهاتين سائر القرابات من الرضاعة التى يحرمن من النسب كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وأشباه ذلك وجهة إلحاقها هي جهة الإلحاق بالقياس إذ ذاك من باب القياس بنفي الفارق نصَّتْ عليه السنة إذ كان لأهل الاجتهاد سوى النبي ﵊ في ذلك نظر وتردد بين الإلحاق والقصر على التعبد فقال ﵊ إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب وسائر ما جاء في هذا المعنى. ثم ألحق بالإناث الذكور لأن اللبن للفحل ومن جهة در المرأة فإذا كانت المرأة بالرضاع (١) فالذي له اللبن أم بلا إشكال (٢). وكذلك "حكم ماء البحر" الوارد "فيـ"ـه بثبوت "الطهارة" له. وغير ذلك من هذا الصنف من الأمثلة. "المأخذ الخامس" الدال على ما تقدم من أن كليات السنة متضمنة في الكتاب وأن السنة مع ذلك بيان له - أي للكتاب - هو "ما" يجري "فيه النظر" فليفي أنه "مستند فيما" قرر فيه "من الحكم" و "اعتبر" فيه "إلى أدلة" متفرقة "من القرآن" الكريم "جاءت لجملة" مختلفة "من المعاني" لكنها "يرجع معناها" ومبتناها "لشيء واحد" يجمعها ويكون منبعها "مع اختلاف" وتباين "أضرب" وأنواع "الموارد" التي وردت تلك الأدلة في بيان أحكامها الخاصة بها، وهذا المعنى الجامع شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان.

стр. 932

٢٤٦٧ - فَتَصْدُرُ السُّنَّةُ فِي ذَا الْمَعْنَى … كَأَنَّهَا مَجْمُوعُ مَا قْد عَنَّا ٢٤٦٨ - وَمِثْلُ ذَا مِنَ الْحَدِيثِ لَا ضَرَرْ … مَعْ مَا بِمَعْنَاهُ اسْتَقَرَّ فِي سُوَرْ ٢٤٦٩ - الْمَأْخَذُ السَّادِسُ مَا فِيهِ النَّظَرْ … إِلَى تَفَاصِيلِ الْكِتَابِ وَالْخَبَرْ ٢٤٧٠ - وَقَصْدُهُ تَطَلُّبُ الْمَعَانِي … فِي سنَّةٍ مِنْ مُقْتَضَى الْقُرْآنِ ٢٤٧١ - إِمَّا عَلَى التَّنْصِيصِ أَوْ إِشَارَهْ … مِنْ حَيْثُ مَا تُفْهِمُهُ الْعِبَارَهْ " فتصدر" أي تأتي "السنة" النبوية "في" - بمعنى الباء - يعني بمقتضى "ذا المعنى" الواحد الشامل "كأنها" قاعدة لمّ فيها "مجموع ما قد عنّا" - الألف للإطلاق - أي عرض ووقع اعتباره أصلا في تلك الأدلة كلها، ومن ذلك يعلم أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد - الأدلة - بناء على صحة الدليل الدال على أن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب "ومثل ذا" يعني مثاله "من الحديث" قوله ﵊: "لا ضرر" ولا ضرار مقارنا "مع ما" ورد "بمعناه" مفصلا و"استقر في سور" مختلفة من كتاب الله - تعالى - من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ٦] وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣] وقوله - سبحانه - ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [المُمتحنَة: ٨] وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى. "المأخذ السادس" هو "ما" يقع "فيه النظر إلى تفاصيل الكتاب" العزيز "و" ما ورد تفاصيل "الخبر" والحديث النبوي فيها وإن كان في السنة بيان زائد، ومراد صاحب هذا المأخذ "وقصده" هو "تطلب" كل ما ورد من الأحكام و"المعاني في "الـ"سّنّة" ثم إثبات أنها كلها "من مقتضى" ومفاد "القرآن" فإنها كلها واردة فيه "إما على" سبيل "التنصيص" عليها "أو "على طريقة "إشارة" من نص - آية - وذلك "من حيث ما تفهمه العبارة" وتدل عليه بوضعها اللغوي فقط. ولنمثله ثم ننظر في صحته أو عدم صحته. وله أمثلة كثيرة: إحداها: حديث ابن عمر في تطليقه زوجه وهي حائض فقال ﵊ لعمر مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء يعني أمره في قوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن. والثاني حديث فاطمة بنت قيس في أن رسول الله ﷺ لم يجعل

стр. 933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لها سكنى ولا نفقة إذ طلقها البتة وشأن المبتوتة أن لها السكنى وإن لم يكن لها نفقة لأنها بذأت على أهلها بلسانها فكان ذلك تفسيرا لقوله ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. والثالث حديث سبيعة الأسلمية إذ ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فأخبرها ﵊ أن قد حلت فبين الحديث أن قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا مخصوص في غير الحامل وأن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عام في المطلقات وغيرهن. والرابع حديث أبي هريرة في قوله فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم قالوا حبة في شعرة يعني عوض قوله وقولوا حطة. والخامس حديث جابر عن النبي ﷺ حين قدم مكة طاف بالبيت سبعا فقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فصلى خلف المقام ثم أتى الحجر فاستلمه ثم قال نبدأ بما بدأ الله به وقرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله. والسادس حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ في قوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم قال الدعاء هو العبادة وقرأ الآية إلى قوله داخرين. والسابع حديث عدي بن حاتم قال لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال لي النبي ﷺ إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل. والثامن حديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال صلاة الوسطى صلاة العصر وقال يوم الأحزاب اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس. والتاسع حديث أبي هريرة قال ﵊ إن موضع سوط في الجنة لخير من الدنيا وما فيها اقرأوا إن شئتم فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. والعاشر حديث أنس في الكبائر قال ﵊ فيها الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور وثم أحاديث أخر فيها ذكر الكبائر وجميعها تفسير لقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية. وهذا النمط في السنة كثير (١).

стр. 934

٢٤٧٢ - وَهْوَ وَإِنْ أُلْفِيَ فِي مَسَائِلِ … مِثْلِ بَيَانِ الْفَجْرِ غَيْرُ شَامِلِ " المسألة الخامسة " ٢٤٧٣ - وَحَيْثُ قِيلَ فِي الْكِتَابِ إِنَّهْ … دَلِيلُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّهْ ٢٤٧٤ - وَإِنَّمَا جَاءَتْ لَهُ مُبَيِّنَهْ … وَلعُمُومِ مَا اقْتَضَى مُعَيِّنَهْ " و" لكن هذا "هو" أمر غير مطرد فالجريان عليه منقطع غير تام لأنه "وإن ألفي" ووجد ماضيا مقتضاه "في مسائل مثل" مسألة "بيان الفجر" المتقدمة، فإنه "غير شامل" إذ القرآن لا يجري فيه هذا باطراد، إذ لا يفي بهذا المقصود على النص والإشارة العربية التي تستعملها العرب، أو نحوها، وأوّل شاهد في هذا الصلاة والحج، والزكاة والحيض والنفاس واللقطة والقراض والمساقاة والديات والقسامات وأشباه ذلك من أمور لا تحصى فالملتزم لهذا لا يفي بما ادعاه إلا أن يتكلف في ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب ولا يوافق على مثلها السلف الصالح ولا العلماء الراسخون في العلم ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب الذي شرع في التنبيه عليه فلم يوف به إلا على التكلف المذكور والرجوع إلى المآخذ الأول في مواضع كثيرة لم يتأت له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد في السنة فكان ذلك نازلا بقصده الذي قصد وهذا الرجل المشار إليه لم ينصب نفسه في هذا المقام إلا لاستخراج معاني الأحاديث التي خرج مسلم بن الحجاج في كتابه المسند الصحيح دون ما سواها مما نقله الأئمة سواه وهو من غرائب المعاني المصنفة في علوم القرآن والحديث وأرجو أن يكون ما ذكر هنا من المآخذ موفيا بالغرض في الباب والله الموفق للصواب (١). "المسألة الخامسة" في أن السنة تبين من الكتاب ما يرجع إلى التكليف، والأحكام، هذا هو مصب بيانها منه، فكان هو الأصل في هذا الشأن. "و" ذلك أنه "حيث قيل في" شأن "الكتاب إنّه دليل" أصلي وكلي على "ما دلت عليه السنة" النبوية واقتضته "وإنما جاءت" موضحة "له" و"مبينة" للمراد منه "ولعموم ما اقتضى" من أحكام الجزئيات والفروع والمعاني "معينة" وضابطة له، وقد تقدم بيان ذلك مبسوطا.

стр. 935

٢٤٧٣ - فَذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلأَوَامِرِ … وَللنَّوَاهِي وَللإِذْنِ الصَّادِرِ ٢٤٧٤ - وَخَارجٌ عَنْ ذَاك كَالإِخْبَارِ … بِمَا يَكُونُ أَوْ بِأَمْرِ جَارِ ٢٤٧٧ - ضَرْبَانِ ضَرْبٌ جَاءَ فِي التَّقْرِيرِ … فِي مَوَرِدِ السُّنَّةِ كَالتّفْسِيرِ ٢٤٧٨ - فَذَاكَ لَا إِشْكَالَ فِيهِ أَنَّهُ … تُبَيِّنُ الْكِتَابَ فِيهِ السُّنَّهْ ٢٤٧٩ - كَمِثْلِ مَا عَنْهُ أَتَى فِي حَالِ … أُمَّتِهِ وَقِصَّةِ الدَّجَّالِ " فذاك" إنما هو "بالنسبة للأوامر وللنواهي" الواردة في الكتاب "وللإذن الصادر" والآتي فيه. "و" أما ما هو "خارج عن ذاك" مما لا يتعلق به أمر ولا نهي "كالإخبار بما يكون" ويقع "أو" الإخبار "بأمر جار" واقع وماض فإن بيانه بالسنة "ضربان" أحدهما "ضرب جاء في" الذي يدل عليه من "التقرير" والإفادة "في مورد السنة" يعني في الدليل الذي ورد فيه في السنة "كالتفسير" للقرآن "فذاك" لا نظر و"لا إشكال فيه أنه" بيان "تبين الكتاب فيه السنة" وتفسره فيه، وذلك كما في قوله - تعالى -: ﴿الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البَقَرَة: ٥٨] قال "دخلوا يزحفون على أوراكهم. وفي قوله - تعالى - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البَقَرَة: ٥٩] قال: "قالوا حبة في شعرة". و"كمثل ما عنه أتى" ﷺ "في حال أمته" وشأنها، قال الله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البَقَرَة: ١٤٣] الآية. وقال ﷺ : يدعى نوح فيقال هل بلغت فيقول نعم فيدعي قومه فيقال هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد. فيقال من شهودك فيقول محمد وأمته. قال فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ فذلك قول الله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وفي قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠]. قال "إنكم تتبعون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله وفي قوله بل أحياء عند ربهم يرزقون إن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش إلى آخر الحديث" (١). "و" كذلك "قصة الدجال" فقد قال ﵊ في شأنها ثلاث إذا خرجنا ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعَام: ١٥٨] الآية. الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وفي قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

стр. 936

٢٤٨٠ - ثَانِيهِمَا مَا وَقَعَ ابْتِدَاءًا … لِغَيْرِ تَفْسيرٍ بِحَيْثُ جَاءَا ٢٤٨١ - فَذَاكَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يُرَا … وَفِي الْكِتَابِ أَصْلُهُ مُقَرَّرَا ٢٤٨٢ - وَفِي الصَّحِيحِ مِنْهُ حَظٌّ صَالِحْ … وَفِي الْمُكَمِّلَاتِ ذَاكَ وَاضِحْ [الأعرَاف: ١٧٢] الآية. قال "لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك" الحديث. وفي قوله: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هُود: ٨٠] قال يرحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه وقال الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسجع المثاني وفي رواية ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وسأله اليهود عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسرَاء: ١٠١] ففسرها لهم وحديث موسى مع الخضر ثابت صحيح وفي قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصَّافات: ٨٩] قال لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث قوله: إني سقيم الحديث وقال: إنكم محشورون إلى الله غرلا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبيَاء: ١٠٤] الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحَجّ: ١] قال ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار الحديث وقال إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار وأمثلة هذا الضرب كثيرة (١). "ثانيهما" أي الضربين هو "ما وقع" وورد من الخبر "ابتداءا لغير تفسير" ولا فيه معنى تكليف اعتقادي أو عملي "بحيث" أي في أي موضوع أو شأن "جاءا" - الألف للإطلاق - "فذاك لا يلزم" ولا يجب "فيه أن يرى و" أن يعتقد أنه يوجد "في الكتاب أصله" الذي يرجع إليه "مقررا" وثابتا لأنه أمر زائد على مواقع التكليف والقرآن إنما أنزل لبيان ذلك إثباتا له، وإظهارا لما به يقع به، ويوجبه من أمور. "و" هذا الضرب "في الصّحيح منه حظ" أي جمع طرف من الأحاديث "صالح" ليجري مثالا على ذلك، ومنه حديث أبرص، وأقرع، وأعمى وحديث جريج العابد، ووفاة موسى، وجمل من قصص الأنبياء ﵈ والأمم قبلنا مما لا ينبني عليه عمل، ولكن في ذلك من الاعتبار نحو مما في القصص القرآني، وهو نمط ربما رجع إلى الترغيب والترهيب فهو خادم للأمر والنهي، "و" معدود "في المكملات" لضرورة التشريع فلم يخرج بالكلية عن القسم الأول و"ذاك" أمر "واضح" دل عليه واقع الحال

стр. 937

" المسألة السادسة " ٢٤٨٣ - وَتُطْلَقُ السُّنَّةِ فِي الإِخْبَارِ … لِلْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَللإِقْرَارِ ٢٤٨٤ - فَالْقَوْلُ بَيِّنٌ وَلَا تَفْصِيلَ فِي … مَضْمُونِهِ وَذَاكَ لَيْسَ بِالْخَفِي ٢٤٨٥ - وَالْفِعْلُ فِيهِ الْكَفُّ مِمَّا يُدْخَلُ … عِنْدَ كَثِيرٍ وَكَثِيرٌ يَفْصِلُ ٢٤٨٦ - هَذَا وَلَا بُدَّ مِنَ التَّبْيِينِ … لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى التَّعْيِينِ ٢٤٨٧ - فَمَا بِهِ فِعْلُ الرَّسُولِ حَقَّقَا … فَإِنَّهُ دَلِيلُ الإِذْنِ مُطْلَقَا ٢٤٨٨ - مَا لَمْ يَرِدْ مَا يَقْتَضِي تَبْيِينَهْ … فَيُقْتَفَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ قَرِينَهْ في هذه القصص إذا اعتبر فيها متضمنها من الترغيب والترهيب. والله - تعالى - أعلم. "المسألة السادسة" "و" هي في بيان أنه "تطلق السنة" عند الأصوليين "في" حال "الإخبار" عن ماهيتها "للقول" يعني على القول "والفعل وللإقرار" يعني على الإقرار، الذي يحصل بعد العلم وحصول طلب الإنكار وشرعيته لو كان منكرا "فـ"ـأما "القول" فإنه "بين" ظاهر لا إشكال فيه "ولا تفصيل في مضمونه" ومعناه "وذاك" أمر "ليس بالخفي" المبهم "و" أما "الفعل" فإنه "فيه الكف" عن الفعل والترك له "مما يدخل" ويعد من مضمونه ومعناه لأنه فعل "عند كثير" من الأصوليين الذين الفعل عندهم هو ما قابل الانفعال "و" لكن جمع "كثير" آخر منهم "يفصل" ويفرق بين الفعل والترك، ويرى أن الكف ليس فعلا. وإذا تقرر وجود "هذا" الخلاف وثبت فإنه لا مناص "ولا بد من التبيين" والتوضيح "لكل واحد" منهما - أي الفعل والترك - "على" سبيل "التعيين" أي ذكر بيان كل واحد منهما بعينه على حدة. ويبدأ بالفعل، فيقال: "فما" من الأمور قد ثبت "به" يعني فيه "فعل الرسول " ﷺ و"حققا" جريانه فيه "فإنه" أي ذاك الفعل النبوي "دليل" على "الإذن مطلقا" يعني على مطلق الإذن في ذلك الأمر. وذلك "ما لم يرد ما" الدليل أي الذي "يقتضي تبيينه" ويعين ما يدل عليه من حكم غير مطلق الإذن فإذا ورد "فـ"ــــإنه "يقتفى" ويتبع، ويؤخذ بمطلق الدليل "من قول أو قرينهْ"

стр. 938

٢٤٨٩ - وَذَا مُقَرَّرٌ لَدَى الأُصُولِ … وَحَظُّ ذَا الْمَوْضِعِ بِالتَّفْصِيلِ ٢٤٩٠ - تَقْرِيرُ أَنَّ الْفِعْلَ فِي التَّأَسِّي … يَقْوَى كَمَا مَرَّ بِغَيْرِ لَبْسِ ٢٤٩١ - وَالتَّرْكُ فِي الأصْلِ لِغَيْرِ مَا أُذِنْ … فِيهِ لِأَنْ كَانَ بِنَهْيٍ يَقْتَرِنْ حالية أو غيرهما من هذا الشأن "وذا" الكلام "مقرر لدى" أي في علم "الأصول" وذلك في مجرى ذكر أقسام السنة، وأحوال الفعل النبوي وأحكامها "وحظ ذا الموضع" في هذا الكتاب تذييل ما قيل فيه "بـ" ضرب من "التفصيل" وهو "تقرير أن الفعل" النبوي "في"شأن "التأسي" والاقتداء والامتثال "يقوى" على القول ويقدم عليه "كما" "مر" ذكره وبيانه في أثناء الحديث على البيان القولي والفعلي في المسألة الرابعة من الفصل الخامس السابق، وذاك أمر قد تقرر هناك، "بغير لبس" ولا إشكال وسيأتي مزيد بيان في كتاب الإجتهاد من هذا الكتاب. ثم إنه وإن دل الدليل أو القرينة على خلاف مطلق الإذن فيه فإنه لا يخرج عن أنواعه، فمطلق الإذن يشمل الواجب والمندوب، والمباح ففعله ﵊ لا يخرج عن ذلك فهو إما واجب أو مندوب أو مباح وسواء علينا أكان ذلك في حال أم كان مطلقا فالمطلق كسائر المفعولات له والذي في حال كتقريره للزاني إذ أقر عنده فبالغ في الاحتياط عليه حتى صرح له بلفظ الوطء الصريح ومثله في غير هذا المحل منهي عنه فإنما جاز لمحل الضرورة فتقدر بقدرها بدليل النهي عن التفحش مطلقا والقول هنا فعل لأنه معنى تكليفي لا تعريفي فالتعريفي هو المعدود في الأقوال وهو الذي يؤتى به أمرا أو نهيا أو إخبارا بحكم شرعي والتكليفي هو الذي لا يعرف بالحكم بنفسه من حيث هو قول كما أن الفعل كذلك (١). "و" أما "الترك" فإنه "في الأصل لغير ما أذن فيه" شرعا من الأمور، وذلك "لأنـ"ــه أي الترك "كان بنهي يقترن"، وعليه يدل، وبذلك فإنه يقتضي المنع، أو الكراهة، فتركه ﵊ دال على مرجوحية الفعل.

стр. 939

٢٤٩٢ - إِمَّا عَلَى الإِطْلَاقِ أَوْ فِي حَالِ … وَذاكَ ظَاهِرٌ فِي الاسْتِدْلَالِ ٢٤٩٣ - وَقَدْ يَكُونُ التَّرْكُ فِي الْمُبَاحِ … لِأَوْجُهٍ وَالْحُكْمُ ذُو اتِّضَاحِ ٢٤٩٤ - كَالتَّرْكِ لِلضَّبِّ بِحُكْمِ الطَّبْعِ … وَالتَّرْكِ لِلثُّومِ لِحَقِّ مَرْعِي ٢٤٩٥ - وَالتَّرْكُ خَوْفَ الافْتِرَاضِ لِلْعَمَلْ … أَوْ خَوْفَ فَاسِدٍ بِفِعْلِهِ اتَّصَلْ وذلك "إما على" سبيل "الإطلاق" فالمتروك مطلقا ظاهر "أو في حال" خاص كتركه ﵊ تحمل الشهادة للبشير بن سعد بن ثعلبة حين نحل ولده - النعمان - دون غيره من ولده، وقال ﵊ له: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا. قال: فأشهد غيري، فإني لا أشهد على جور" "وذاك ظاهر" (١) أي جليّ أمره "في الاستدلال" على ثبوته كما ترى. "وقد يكون الترك" منه ﵊ واقعا "في المباح لأوجه" أي أسباب غير السبب المتقدم وهو إفادة الحكم الشرعي المذكور "والحكم" في ذلك كله "ذو اتضاح" وظهور، لأنه يدل عليه سبب الترك، ويبينه من تلك الأوجه - الأسباب -: الكراهية طبعا وذلك "كالترك" الحاصل منه ﷺ "لـ"ـــأكل "الضب" ثم قال: "أنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" فهذا ترك "بحكم" الجبلة و"الطبع"، ولا حرج فيه "و" منها "الترك لـ" أكل "الثوم" والبصل الواقع منه ﵊ "لحق مرعي" ومعتبر وهو حق الملَكِ الذي يناجيه، ويجالسه، وهذا ترك لمباح اعتبارا لحق الغير. "و" منها "الترك" خشية و"خوف الافتراض" والإيجاب "للعمل" على الناس بمواظبته ﵊ عليه واتباع الناس له فيه. ولأهل العلم في بيان وجه هذا الإيجاب آراء مختلفة تنظر في تفسير حديث تركه ﵊ القيام في المسجد في رمضان. وقوله ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وقوله - لما اعتم بالعشاء حتى رقد النساء والصبيان -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة". ومنها الترك لأمر خشية "أو خوف" حال "فاسد" تعلق "بفعله" و"اتصل" به بناء على أن ما لا حرج فيه بالجزء منهي عنه بالكل، وذلك كإعراضه ﵊ عن سماع غناء الجاريتين في بيته. وفي الحديث "لست من دَدٍ ولا ددٌ مني، ولست من الباطل ولا الباطل مني" والدّدُ

стр. 940

٢٤٩٦ - أَوْ تَرْكُ مَفْضُولٍ بِفِعْلِ الأَفْضَلِ … وَكُلُّهَا كَالأَصْلِ غَيْرُ الأَوَّلِ اللهو، وإن كان مما لا حرج فيه فليس كل ما لا حرج فيه يؤذن فيه كما مرّ ذكره في كتاب الأحكام في مبحث المباح. ومنها اجتناب "أو ترك" مباح "مفضول بفعل" المباح "الأفضل" منه، فإن القسم لم يكن لازما لأزواجه في حقه وهو معنى قوله - تعالى - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزَاب: ٥١] الآية عند جماعة من المفسرين ومع ذلك فترك ما أبيح له إلى القسم الذي هو أخلق بمكارم أخلاقه وترك الانتصار ممن قال له اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ونهي من أراد قتله وترك قتل المرأة التي سمت له الشاة ولم يعاقب عروة بن الحرث إذ أراد الفتك به وقال من يمنعك مني الحديث. ومنهها الترك للمطلوب خوفا من حدوث مفسدة أعظم من مصلحة ذلك المطلوب كما جاء في الحديث عن عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض وفي رواية لأسست البيت على قواعد إبراهيم ومنع من قتل أهل النفاق وقال لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه (١). "و" هذه الأوجه - الأسباب - "كلها كالأصل" المذكور وهو أن الترك إنما يكون في غير المأذون فيه "غير" الوجه "الأول" فإنه لا يجري عليه هذا الحكم لأنه ليس في الحقيقة من هذا النمط، لأنه ليس بترك إطلاقا، كيف وقد أكل على مائدته ﵊؟ وأما الثاني: فقد صار في حقه التناول ممنوعا أو مكروها لحق ذلك الغير هذا في غير مقاربة المساجد وأما مع مقاربتها والدخول فيها فهو عام فيه وفي الأمة فلذلك نهى آكلها عن مقاربة المسجد وهو راجع إلى النهي عن أكلها لمن أراد مقاربته. وأما الثالث فهو من الرفق المندوب إليه فالترك هنالك مطلوب وهو راجع إلى أصل الذرائع إذا كان تركا لما هو مطلوب خوفا مما هو أشد منه فإذا رجع إلى النهي عن المأذون فيه خوفا من مآل لم يؤذن فيه صار الترك هنا مطلوبا. وأما الرابع فقد تبين فيه رجوعه إلى المنهي عنه.

стр. 941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما الخامس فوجه النهي المتوجه على الفعل حتى حصل الترك أن الرفيع المنصب مطالب بما يمتضي منصبه بحيث يعد خلافه منهيا عنه وغير لائق به وإن لم يكن كذلك في حقيقة الأمر حسبما جرت به العبارة عندهم في قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين إنما يريدون في اعتبارهم لا في حقيقة الخطاب الشرعي ولقد روى أنه ﵊ كان بعد القسم على الزوجات وإقامة العدل على ما يليق به يعتذر إلى ربه ويقول اللهم هذا عملي فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك يريد بذلك ميل القلب إلى بعض الزوجات دون بعض فإنه أمر لا يملك كسائر الأمور القلبية التي لا كسب للإنسان فيها أنفسها. والذي يوضح هذا الموضع وأن المناصب تقتضي في الاعتبار الكمالي العتب على ما دون اللائق بها قصة نوح وإبراهيم ﵉ في حديث الشفاعة وفي اعتذار نوح ﵇ عن أن يقوم بها بخطيئته وهي دعاؤه على قومه ودعاؤه على قومه إنما كان بعد يأسه من أيمانهم قالوا وبعد قول الله له لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وهذا يقضي بأنه دعاء مباح إلا أنه استقصر نفسه لرفيع شأنه أن يصدر من مثله مثل هذا إذ كان الأولى الإمساك عنه وكذلك إبراهيم اعتذر بخطيئته وهي الثلاث المحكيات في الحديث بقوله لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات فعدها كذبات وإن كانت تعريضا اعتبارا بما ذكر. والبرهان على صحة هذا التقرير ما تقدم في دليل الكتاب أن كل قضية دم ترد أو لم تبطل أو لم ينبه على ما فيها فهي صحيحة صادقة فإذا عرضنا مسألتنا على تلك القاعدة وجدنا الله تعالى حكى عن نوح دعاءه على قومه فقال وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ولم يذكر قبله ولا بعده ما يدل على عتب ولا لوم ولا خروج عن مقتضى الأمر والنهي بل حكى أنه قال إنك إن تذرهم يضلوا عبادك الآية ومعلوم أنه ﵇ لم يقل ذلك إلا بوحي من الله لأنه غيب وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هُود: ٣٦] وكذلك قال تعالى في إبراهيم فنظر نظرة في النجوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصَّافات: ٨٩] ولم يذكر قبل ذلك ولا بعده ما يشير إلى لوم ولا عتب ولا مخالفة أمر ولا نهي. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبيَاء: ٦٣] فلم يقع في هذا المساق ذكر لمخالفة ولا إشارة إلى عتب بل جاء في الآية الأولى إذ جاء ربه بقلب سليم وهو غاية في المدح بالموافقة. وهكذا سائر المساق إلى آخر

стр. 942

فصل ٢٤٩٧ - وَأَمَّا الإِقْرَارُ لِمَا قَدْ سُمِعَا … أَوْ مَا وَرَاءهُ فَهْوَ جِنْسٌ وَقَعَا ٢٤٩٨ - عَلَى الْمُبَاحِ وَعَلَى الْمَطْلُوبِ … إِمَّا عَلَى النّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ القصة. وفي الآية الأخرى قال ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إلى آخرها أفتضمنت الآيات مدحه ومناضلته عن الحق من غير زيادة فدل على أن كل ما ناضل به صحيح موافق ومع ذلك فقد قال محمد ﷺ لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وإبراهيم في القيامة يستقصر نفسه عن رتبة الشفاعة بما يذكره وكذلك نوح فثبت أن إثبات الخطيئة هنا ليس من قبل مخالفة أمر الله بل من جهة الاعتبار من العبد فيما تطلبه به المرتبة فكذلك قصة محمد ﵊ في مسألة القسم. وقد مددت في هذا الموضع بعض النفس لشرفه ولولا الإطالة لبين من هذا القبيل في شأن الأنبياء ﵈ ما ينشرح له الصدر وتطمئن إلى بيانه النفس مما يشهد له القرآن والسنة والقواعد الشرعية. والله المستعان. وفي آخر فصل الأوامر والنواهي أيضا مما يتمهد به هذا الأصل وقد حصل من المجموع أن الترك هنا راجع إلى ما يقتضيه النهي لكن النهي الاعتباري. وأما السادس فظاهر أنه راجع إلى الترك الذي يقتضيه النهي لأنه من باب تعارض مفسدتين إذ يطلب الذهاب إلى الراجح وينهى عن العمل بالمرجوح والترك هنا هو الراجح فعمل عليه (١). "فصل" "وأما الإقرار" منه ﵊ "لما قد سمعا" - الألف للإطلاق - يعني سمعه من الأقوال، "أو "إقراره "ما وراءه" من الأفعال "فهو" من أقسام السنة - أيضا كما تقدم ذكره - ومحمله أنه لا حرج فيما ورد فيه ونقل من قول، أو فعل، لكن لفظ لا حرج "جنس وقعا" - الألف للإطلاق - وحصل لأنه يطلق "على المباح" بمعنى المأذون فيه ولمعنى لا حرج فيه "و" كذلك يطلق "على المطلوب" الذي يريد "إما على الندب أو الوجوب".

стр. 943

٢٤٩٩ - إِذْ كُلُّهَا فِي مُقْتَضَى الإِذْنِ انْدَرَجْ … وَالْحَظْرُ وَالْمَكْرُوهُ عَنْهُ قَدْ خَرَجْ والمباح والواجب والمندوب أنواع "إذ كلّها في مقتضى" ومعنى "الإذن" في الفعل "اندرج" ودخل "و" أما ذو "الحظر" أي المنع - الحرام - "والمكروه" فإن كل منهما قد انفصل "عنه" و"قد خرج" عن مقتضاه. لأن المكروه منهي عنه وإذا كان كذلك لم يصح السكوت عنه. ولأن الإقرار محل تشريع عند العلماء، فلا يفهم منه المكروه بحكم إطلاق السكوت عليه دون زيادة تقترن به فإذا لم يكن ثم قرينة ولا تعريف أو هم ما هو أقرب إلى الفهم وهو الإذن أو أن لا حرج بإطلاق والمكروه ليس كذلك. لا يقال فيلزم مثله في الواجب والمندوب إذ لا يفهم بحكم الإقرار فيه غير مطلق الإذن أو أن لا حرج وليسا كذلك لأن الواجب منهي عن تركه ومأمور بفعله والمندوب مأمور بفعله. وجميع ذلك زائد على مطلق رفع الحرج فلا يدخلان تحت مقتضى الإقرار وقد زعمت أنه داخل هذا خلف. لأنا نقول بل هما داخلان لأن عدم الحرج مع فعل الواجب لازم للموافقة بينهما لأن الواجب والمندوب إنما يعتبران في الاقتضاء قصدا من جهة الفعل ومن هذه الجهة صارا لا حرج فيهما بخلاف المكروه فإنه إنما يعتبر في الاقتضاء من جهة الترك لا من جهة الفعل وأن لا حرج راجع إلى الفعل فلا يتوافقان وإلا فكيف يتوافقان والنهي يصادم عدم الحرج في الفعل. فإن قيل من مسائل كتاب الأحكام أن المكروه معفو عنه من جهة الفعل ومعنى كونه معفوا عنه هو معنى عدم الحرج فيه. وأنت تثبت هنا الحرج بهذا الكلام. قيل كلا بل المراد هنا غير المراد هنالك لأن الكلام هنالك فيما بعد الوقوع لا فيما قبله. ولا شك أن فاعل المكروه مصادم للنهي بحتا كما هو مصادم في الفعل المحرم ولكن خفة شأن المكروه وقلة مفسدته صيرته بعد ما وقع في حكم ما لا حرج فيه استدراكا له من رفق الشارع بالمكلف ومما يتقدمه من فعل الطاعات تشبيها له بالصغيرة التى يكفرها كثير من الطاعات كالطهارات والصلوات والجمعات ورمضان واجتناب الكبائر وسائر ما ثبت من ذلك في الشريعة والصغيرة أعظم من المكروه فالمكروه أولى بهذا الحكم فضلا من الله ونعمة. وأما ما ذكر هنا من مصادمة النهي لرفع الحرج فنظر إلى ما قبل الوقوع ولا مرية في

стр. 944

" المسألة السابعة " ٢٥٠٠ - قَوْلُ الرَّسُولِ بِاقْتِرَانِ الْفِعْلِ فِي … شَأْنِ التّأَسِّي غَايَةَ الْمُكَلَّفِ ٢٥٠١ - وَحَيْثُ مَا الْقَوْلُ بِإِذْنٍ قَدْ وَرَدْ … وَكَانَ فِي الْفِعْلِ سِوَى ذَاكَ اعْتُمِدْ ٢٥٠٢ - فَالاقْتِدَاءُ بِالرَّسُولِ أَحْسَنُ … فِي التَّرْكِ وَالأَخْذِ بِإِذْنٍ بَيِّنُ أن الأمر كذلك فلا يمكن والحال هذه أن يدخل المكروه تحت ما لا حرج فيه وأمثلة هذا القسم كثيرة كقيافة المدلجي في أسامة وأبيه زيد وأكل الضب على مائدته ﵊ وعن عبد الله بن مغفل قال أصبت جرابا من شحم يوم خيبر قال فالتزمته فقلت لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا قال فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسما وقد استدل بعض العلياء على طهارة دم النبي ﵊ بترك الإنكار على من شرب دم حجامته (١). تنبيه: هذا الذي ذكر من أن الترك فعل يدرس عاما في كتب الأصول لا يخص بالنبي ﷺ وحده فيها، بل إن الترك فعل مطلقا سواء كان من النبي ﷺ أو غيره، نعم لهم تفرقة بين الترك غير النبوي الذي يعتبر سببا في أمر محظور، والترك الذي ليس كذلك. "المسألة السابعة" في بيان أن "قول الرسول" ﷺ إذا أتى "باقتران الفعل" يعني مع اقترانه بالفعل النبوي في أمر ما فإنه يكون "في شأن التأسي" والاقتداء به في ذلك أقصى ما يكون و"غاية" ما يطلب بالنسبة إلى "المكلف" لأن فعله ﷺ واقع على أزكى ما يمكن في وضع التكاليف، فالاقتداء به في ذلك العمل في أعلى مراتب الصحة. "و" أما "حيث ما القول بإذن" في الفعل "قد ورد" وأتى "و" لكن لم يطابقه الفعل النبوي بأن "كان" ﵊ "في الفعل سوى ذاك" الذي أذن فيه "اعتمد" وأتى "فـ"ــــــــــإنه يصار في شأنه إلى "الاقتداء بالرسول" ﷺ "أحسن في "الذي أتاه من ذلك "الترك" والكف، "و" أما العمل و"الأخذ بـ" ما ورد عنه ﵊ في ذلك من "إذن" فإنه أمر "بين" ظاهر يقتضي الإباحة والأمر في ذلك واسع

стр. 945

٢٥٠٣ - كَإِذْنِهِ فِي الْهَجْو لِلْكُفَّارِ … وَمَا عَلَى سَبِيلِ ذَاكَ جَارِ مثال ذلك: ما روي عنه ﵊ من أنه قيل له: "أأكذب لامرأتي؟ " قال: "لا خير في الكذب". قال: أفأعدها وأقول لها قال لا جناح عليك ثم إنه لم يفعل مثل ما أجازه بل لما وعد عزم على أن لا يفعل وذلك حين شرب عند بعض أزواجه عسلا فقال له بعض أزواجه إني أجد منك ريح مغافير كأنه مما يتأذى من ريحه فحلف أن لا يشربه أو حرمه على نفسه ويرجع إلى الأول فقال الله له يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك وكان قادرا على أن يعد ويقول ولكنه عزم بيمين علقها على نفسه أو تحريم عقده حتى رده الله إلى تحلة الأيمان وأيضا فلما قال للرجل الواهب لابنه أشهد غيري كان ظاهرا في الإجازة ولما امتنع هو من الشهادة دل على مرجوحية مقتضى القول (١). و"كإذنه" ﵊ "في الهجو" والذم "للكفار" وقال لحسان: "أهجهم وروح القدس معك" فهذا إذن في الهجاء، ولم يذم ﵊ أحدا بعيب فيه خلاف عيب الدين، ولا هجى أحدا بمنثور، كما لم يتأتَ له المنظوم - أيضا - ومن أوصافه ﵊ أنه لم يكن عيّبا ولا فحاشا. "و" غير ذلك من الأمثلة من "ما" هو "على سبيل ذاك" الذي ذكر من الأمثلة "جار" وماض كإذنه ﷺ لأقوام في أن يقولوا لمنافع كانت لهم في القول، أو نضال عن الإسلام ولم يفعل هو شيئا من ذلك. وإنما كان منه التورية كقوله نحن من ماء وفي التوجه إلى الغزو فكان إذا أراد عزوة ورى بغيرها فإذا كان كذلك فالاقتداء بالقول الذي مفهومه الإذن إذا تركه قصدا مما لا حرج فيه وإن تركه اقتداء بالنبي ﵊ أحسن لمن قدر على ذلك فمن أتى شيئا من ذلك فالتوسعة على وفق القول مبذولة وباب التيسير مفتوح والحمد لله (٢).

стр. 946

" المسألة الثامنة " ٢٣٠٤ - وَإِنْ يُوَافِقْ فِعْلُهُ مَا قَدْ أُقِرْ … فَهْوَ صَحِيحٌ فِي التَّأَسِّي مُعْتَبَرْ ٢٣٠٣ - إِذْ نَفْسُ الإِقْرَارِ بِحَيْثُ مَا صَدَرْ … لَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ نَظَرْ " المسألة الثامنة" "و" هي في بيان أنه "إن يوافق فعله" ﵊ "ما" من الأفعال أو الأقوال "قد أقر"هـ "فـ" إن ذلك الإقرار "هو" دليل و"صحيح في" شأن "التأسي" وبرهان "معتبر" في ذلك وصاف، لا كدر فيه، ولا شوب، ولا انحطاط عن أعلى ما يتمسك به في شأن التأسي، لأن فعله ﵊ واقع موقع الصواب، فإذا وافقه إقراره لغيره على مثل ذلك الفعل، فإن التأسي به في ذلك كمجرد الاقتداء به في الفعل فالإقرار دليل زائد مثبت. فيكون الإقرار المقبول المعمول به على الوجه الصحيح هو هذا الذي معه الفعل النبوي "إذ نفس الإقرار" وحده لا يدل على جريان الاقتداء ومضيه فيما ورد فيه "بحيث ما صدر" ووقع سواء كان فعلا أو قولا، كما أنه "لا يقتضي" أو يستوجب "الجواز" لإتيان ما ورد فيه "من غير نظر" وبحث، لأنه - أي الإقرار - وإن اقتضى الصحة فالترك كالمعارض له، وإن لم تتحقق فيه المعارضة فقد رمى فيه شوب التوقف لتوقفه ﵊ عن الفعل. ومثاله إعراضه عن سماع اللهو وإن كان مباحا وبعده عن التلهي به وإن لم يحرج في استعماله وقد كانوا يتحدثون بأشياء من أمور الجاهلية بحضرته وربما تبسم عند ذلك ولم يكن يذكر هو من ذلك إلا ما دعت إليه حاجة أو ما لا بد منه ولما جاءته المرأة تسأله عن مسألة من طهارة الحيضة قال لها خذي فرصة ممسكة فتطهري بها فقالت وكيف أتطهر بها فأعاد عليها واستحيى حتى غطى وجهه ففهمت عائشة ما أراد ففهمتها بما هو أصرح وأشرح فأقر عائشة على الشرح الأبلغ وسكت هو عنه حياء فمثل هذا مراعى إذا لم يتعين بيان ذلك فإنه من باب الجائز أما إذا تعين فلا يمكن إلا الإفهام كيف كان فإنه محل مقطع الحقوق والأمثلة كثيرة. والحاصل أن نفس الإقرار لا يدل على مطلق الجواز من غير نظر بل فيه ما يكون كذلك نحو الإقرار على المطلوبات والمباحات الصرفة ومنه ما لا يكون كذلك كالأمثلة. فإن قارنه قول فالأمر فيه كما تقدم فينظر إلى الفعل فيقضى بمطلق الصحة فيه مع المطابقة دون المخالفة. والله - تعالى أعلم -، وأحكم (١).

стр. 947

" المسألة التاسعة " ٢٥٠٦ - وَسُنَّةُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ … مَقْبُولَةً فِي جُمْلَةِ الأحْكَامِ ٢٥٠٧ - لِمَا أَتَى فِي شَأْنِهِمْ خُصُوصًا … أَوْ فِي عُمُومٍ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَا " المسألة التاسعة" "و" هي في ذكر أن "سنة الصحابة الكرام" ﵃ سنة "مقبولة" وطريقة يمضي عليها، ويرجع إليها "في جملة" أي كل "الأحكام" الفقهية. وذلك "لـ" أمور أحدها "ما أتى" في نصوص شرعية من الثناء "في" حقهم و"شأنهم خصوصا" من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠] "أو في" نصوص ذي "عموم يقبل التخصيصا" - الألف للإطلاق - كقوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البَقَرَة: ١٤٣] ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم. لأنا نقول أولا ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر. وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول ﵊ وهم المباشرون للوحي. وثالثا أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التى وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم. فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح. وأيضا فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق وأنهم وسط أي عدول بإطلاق وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به وهكذا سائر الآيات التى جاءت بمدحهم كقوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحَشر: ٨] إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ

стр. 948

٢٥٠٨ - وَشِدَّةُ اقْتِدَائِهِمْ أَوْجَبَ أَنْ … كَانَ الذِي يَرَوْنَهُ أَهْدَى سَنَنْ ٢٥٠٩ - وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ كَوْنُ مَالِكِ … مُتَّبَعًا مُسْتَحْسَنَ الْمَدَارِكِ ٢٥١٠ - إِذْ جَدَّ فِي اقْتِفَاءِ آثَارِ السَّلَفْ … فَصَارَ مُقْتَدَى بِهِ عِنْدَ الْخَلَفْ ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ [الحَشر: ٩] الآية وأشباه ذلك (١). "و" يضاف لهذا "شدة اقتدائهم" ومتابعتهم للرسول ﷺ ، وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته، مع حمايته ونصرته، وذلك قد "أوجب" واقتضى "أن كان الذي يرونه" ويستنبطونه من الأحكام الفقهية والمناهج التي تسلك إلى بناء تلك الأحكام هو "أهدى سنن" وأصحها، وأحرى بالاتباع مما سواه "ومن" هذا الذي تقرر "هنا" في حق الصحابة من الفضل والعلم "يظهر" لك سر أو علة "كون مالك" بن أنس - رحمه الله تعالى - إماما "متبعا" - بفتح الباء - ومقتدى به "مستحسن المدارك" التي يأخذ بها في بناء الأحكام، ويتخذها سبلا إلى إدراكها، فحمد أهل العلم مسلكه في ذلك "إذ جد" وأخذ بالحزم "في اقتفاء" واتباع "آثار السلف" الصالح وما صدر عنهم من فتاوى وأقضية وطرق في الاستنباط للأحكام من أدلتها، "فصار" متبعا و"مقتدى به عند الخلف" ممن بعده من أهل العلم الموافقين له في مذهبه. وما كان له ذلك إلا ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. وثانيها: ما جاء في الحديث من الأمر باتباعه وأن سنته في طلب الاتباع كسنة النبي ﷺ كقوله ﵊: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وقوله تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي وعنه أنه قال أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به وعنه أيضا إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير ويروى في بعض الأخبار أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم إلى غير ذلك مما في معناه. والثالث أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل فقد جعل طائفة

стр. 949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قول أبي بكر وعمر حجة ودليلا وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلا. ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين فمدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة. وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فقط لا عن النظر معهم فيما نظروا فيه. وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع في غيره. وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم. وأيضا فقد وصفهم السلف الصالح ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه. فعن سعيد بن جبير أنه قال ما لم يعرفه البدريون فليس الدين. وعن الحسن وقد ذكر أصحاب محمد ﷺ قال إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم ورب الكعبة على الصراط المستقيم وعن إبراهيم قال لم يدخر لكم شيء خبئ عن القوم لفضل عندكم وعن حذيفة أنه كان يقول اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من قبلكم فلعمري لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا وعن ابن مسعود من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وقال علي إياكم والاستنان بالرجال. ثم قال فإن كنتم لا بد فاعلبن فبالأموات لا بالأحياء وهو نهي للعلماء لا للعوام. ومن ذلك قول عمر بن عبد العزيز قال سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمك بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل

стр. 950

" المسألة العاشرة " ٢٥١١ - مَا كَانَ مُخْبِرًا بِهِ الرَّسُولُ … مِنْ خَبَرٍ فَهْوَ كمَا يَقُولُ ٢٥١٢ - مُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَخْبَرَا … بِهِ وَعَنْهُ مُطْلَقًا حَيْثُ جَرَا ٢٥١٣ - كمِثْلِ مَا إِذَا بِحُكْمٍ نَطَقَا … أَمْرًا وَنَهْيًا فَهْوَ حَقٌّ مُطْلَقَا المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا وفي رواية بعد قوله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي خالفها من اهتدى بها مهتد الحديث. وكان مالك يعجبه كلامه جدا وعن حذيفة قال اتبعوا آثارنا فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا وعن ابن مسعود نحوه فقال اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعنه أنه مر برجل يقص في المسجد ويقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من أصحاب محمد أو أضل بل هذه بل هذه يعني أضل والآثار في هذا المعنى يكثر إيرادها وحسبك من ذلك دليلا مستقلا وهو: الرابع ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم وذم من أبغضهم وأن من أحبهم فقد أحب النبي ﷺ ومن أبغضهم فقد أبغض النبي ﵊ (١). وما ذكره المصنف هنا من حجية قول الصحابي يجب أن ينظر مع ما قرره ابن حزم - رحمه الله تعالى - في هذا الشأن، وبين أمره. وملخصه أن الحجة إنما هي في كلام الله ورسوله ﷺ أوما أخذ منهما بطرق برهانية. قتأمل. "المسألة العاشرة" في بيان أن "ما كان مخبرا" - بكسر الباء بصيغة اسم الفاعل - "به الرسول" ﷺ "من خبر" دنيوي أو أخروي "فهو كما يقول" فخبره ﵊ كله صدق وحق "معتمد عليه فيما أخبرا" - الألف للإطلاق - "به" من خبر "و" كذا فيما أخبر به "عنه" أي عن نفسه "مطلقا" بلا تفصيل "حيث" ما "جرا" وورد أي سواء انبنى عليه في التكليف حكم أم لا؟ "كمثل ما إذا" كان "بحكم نطقا" سواء كان "أمرا" أو كان طلب كف "ونهيا فهو حق مطلقا".
следующие страницы →